استيقظ سالم على رنة هاتفه، ففتح عينيه بصعوبة بالغة ونظر لجواره، وجد ليلى نائمة فاستغرب ممن يتصل في هذا الصباح الباكر. نظر لهاتفه فوجد أن خالته من تهاتفه، فاستغرب مهاتفتها له في هذا الوقت. بعدها رد سريعًا ولم يكمل الخمس دقائق، وقام منفوضًا من فراشه إلى الحمام سريعًا، ولم يكمل دقيقتين وخرج يرتدي ثيابه. فوعت عليه ليلى، فنظرت للوقت فوجدته باكرًا عن ميعاد استيقاظهم. التفت إليها سالم فوجدها مستيقظة، فاقترب إليها وقبّل
جبينها وقال: «حاسة حالك زينة دلوقت؟ فابتسمت وقالت: «زينة الحمد لله، على فين أكده من بكير؟ قال لها: «رايح مشوار أكده وراجع طوالي.» فنظرت ليلى له باستغراب وكادت أن تسأله عن هذا المشوار الذي أيقظه باكرًا هكذا، فلم يستمهل وقال لها: «خلي بالك من نفسك زين، وإن تعبتي تاني دقي قولي لي، وأني هجيب الحكيمة وأجي طوالي.» لم تعرف ليلى لما قلبها انقبض هكذا، لا تعرف لما لا تريده أن يذهب ويتركها. فابتسمت بصعوبة وبعدها قالت:
«لاه، أني زينة جوي، ما تعولش همي، ركز انتَ في مشوارك وارجع لي طوالي.» ضحك سالم عليها وقال: «أرجع لك طوالي ليه؟ رايدة حاجة، إحنا لسّاتنا فيها دلوقت.» وهمّ بخلع جلبابه بضحك، فمسكت يديه وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبلعها من أن يكون فهم مقصدها خطأ، فقالت له سريعًا وهي تود أن تقول له أن يبقى فعلاً بجانبها، لا تعرف ما بها أصبحت غير طبيعية في الفترة الأخيرة وأصبحت أكثر تعلقًا به:
«لاه، ما قصديش أكده والله، أني قصدي يعني، اا، أنو، ااا.» فرد هو سريعًا بضحك: «عارف قصدك إيه زين يا بت، بس أني برخم عليكي شوية.» فقالت له: «به به، رايد تكسفني عاد.» فابتسم عليها وقبّل جبينها وقال: «أني ماشي، لاحسن ما أمشيش واصل منك يا لي، في رعاية الله. سلام عليكم.» فابتسمت هي وردت عليه السلام ووضعت يديها على قلبها وقالت: «شكلي عحبّه جوي جوي.»
أما سالم، فبمجرد خروجه نزل سريعًا وهو يتذكر مكالمة خالته وهي تبكي وتقول له أن يأتي سريعًا فقد حصلت مصيبة لديها، ولكنها لم تذكر أي مصيبة هذه، قائلة أن يأتي سريعًا لمنزلهم فقط. قاد سيارته وهو يدعي ربه أن لا يكون شيء سيء قد حصل فقد تركهم بخير ليلة أمس ولا يوجد شيء.
وصل سالم لمنزلهم ونزل، وجد خالته وابنة خالته وزوج خالته وابنه جالسين بملامح أشبه لفقدهم شخص عزيز لديهم. فرمى عليهم السلام ودخل، فجرت خالته عليه وهي تحضنه وتبكي قائلة أن حياة ابنتها تدمرت وسمعتها قد تدمرت ولن يتزوجها أحد بعد الآن. فأبعدها عن حضنه وقال: «في إيه يا خالة؟ فهميني زين، وكيلك ربنا قلقتيني واصل.» فقالت له:
«آيات من امبارح من بعد ما مشي هيثم وهي عمالة بترن عليه مش بيرد عليها، والنهاردة رد بيقولها إنه مش قد الخطوة دي واتسرع، وإنها تشوف نفسها ومستقبلها من غيره. طيب والناس اللي عارفة إن دخلة بنتي النهاردة، والمعازيم والناس هتفكر في بنتي حاجة مش كويسة عشان يسيبها ليلة فرحها، وأنا مش عارفة أعمل إيه، هموت يا سالم بالله عليك تتصرف.»
فنظر سالم لها بصدمة، فهذا شرف فتاة وهو أكثر الأشخاص الذين يعلمون العادات والتقاليد والقال والقيل. فنظر لزوج خالته وجده يقول لهم: «أنا قلت من الأول الإنسان ده لأ، محدش مشي ورا كلامي، إلا عملتوا اللي أنتَ وبنتك عايزينه، شوفي آخرة اختياراتك أنتِ وبنتك وصلتنا لفين، سمعتي وشغلي ومكانتي هيبقوا في الأرض.» فنظر سالم له باستغراب، إن كان غير موافق من قبل فلماذا تم كل هذا؟ وبعدها نظر لابنة خالته التي تبكي بانهيار وقال لها:
«الرسايل دي على تليفونك دلوقت؟ فكادت أن تقول لا خوفًا من معرفة أي شيء آخر، لكنها تذكرت مسحها لتلك الرسايل الذي قال فيها إنه لا يريد زوجة قد سلمت نفسها وجسدها لشخص قبل زواجهم، وإنها لا تصلح له زوجة، وكان هذا اختبار منه وقد فشلت فيه بطريقة مخجلة، وإنه عندما يتزوج فستكون واحدة تليق به وبأهله ومكانتهم، وستكون من اختيار والديه. وأبقت التي يقول فيها إنه غير مستعد للزواج الآن وإنه قد تسرع.
فأعطته الهاتف، فوجد الرسايل التي يقول لها فيها إنه لا يريد الزواج الآن وغير مستعد ومثل هذه الأشياء. فاحمرت عين سالم من الغضب وهو يفكر في هذا القذر الذي علم يوم زفافه فقط إنه غير مستعد للزواج. ما هذا الطيش الذي لدى شباب هذه الأيام؟ فقال لهم: «فين بيت ولد المركوب ديا؟ فخافت آيات كثيرًا وقالت له: «ليه عايز تعرف بيتهم؟ هتتذلل عليه عشان يرجع لي؟ خلاص اللي سابني ما عادش له مكان في حياتي.» فنهرتها أمها وقالت:
«ادعي ربنا إنه يقنعه يتزوجك لحسن سمعتك هتبقى في الطين.» فقال سالم بعصبية: «وقفي يا خالة، أني رايد أفهم بنتك حاجة أكده تحطها حلقة في ودانها.» ثم التفت إليها وقال بقسوة شديدة: «مش سالم نعمان اللي سمعته وسيرته واصلة لكل مكان، والكبير قبل الصغير بيعملوا حساب ورجالة بشنبات بتخاف مني، يروح يترجى عيل ما يتحسبش على صنف الرجالة راجل!
لاه، أنا رايد أعرف بيتهم فين، لأجل ما أعلمهم درس صغير، ما أصل أكده الموضوع مس شرفي وسمعتي، وسالم ما بيسكتش واصل ولا يتهاون في حاجة زي أكده، فلازم يعرفوا مين هو سالم نعمان زين، وإن اللي يقرب مني في أي حد ليه هيزعل جوي جوي.» لا تعرف لما خافت منه كثيرًا وأعجبها في نفس الوقت. أما زوج خالته فنظر له بتمني أن كان هذا زوج ابنته، فهذه هي الرجال. فقالت له خالته عن مكان بيتهم وإنهم أسرة واصلة، فقال لها:
«وولد أختك واصل برضه يا خالة؟ وأخذ في طريقه بملامح مرعبة، فهذا المنزل منزل اللواء محمد وبينهم أعمال كثيرة، فقد استضافه سابقًا لديهم وخدمه خدم كثير في الصعيد. فذهب وراءه شهاب ابن خالته وقال إنه يريد الذهاب معه. بعد أكثر من ساعة وصل سالم أمام البيت، فجاءه حارس المنزل وقال له: «عايز مين؟ فرد عليه سالم: «قول للواء محمد إن سالم نعمان ولد العمدة نعمان، عمدة الصعيد كلياتها برات بيتك وعايزك دلوقت.»
فأحس الحارس برهبة من مكانته وذهب سريعًا، وبعد قليل عاد الحارس ومعه اللواء محمد والد هيثم، فذهب إليه وقال: «سالم نعمان بنفسه عندي في بيتي المتواضع، يا أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً اتفضلوا نورتنا وشرفتنا.» مشي معه سالم وشهاب وهو ينظر بذهول أهذا ابن خالته واصل لمثل هذا الحد؟ جلس سالم وشهاب وقال اللواء: «حضروا ضيافة تليق بضيفي المميز ده، عايز ضيافة على أكمل وجه.» رد سالم وقال: «أني ما جيتش أضيف هنا، أني جيت في موضوع.»
فرد عليه قائلاً: «أنت يا ما خدمتني في الصعيد ووصلتني للي أنا فيه ده، وأي خدمة جاي عشانها اعتبرها اتقضت ومنهية.» فقال سالم: «والخدمات اللي خدمتك فيها ما هتردهاش غير بالغلط فيا وفي شرفي.» فاصفر وجه اللواء محمد وقال سريعًا: «قطع اللي يغلط فيك هنا في بلدي وأنا موجود، وشرفك محفوظ، مين اللي غلط فيك وأنا هجيب لك حقك وأنت قاعد؟ فقال سالم بقسوة: «ولد حضرتك فين يا حضرة اللواء؟
فعرق الرجل كثيرًا وهو يعلم ابنه جيدًا وغلطات ابنه، ولكن هذه المرة جابها مع شخص لا يقبل الأغلاط. فرد عليه بصعوبة: «ابني سافر لأمه تركيا امبارح، ليه عايزه في حاجة؟ سبّ سالم في سره وقال: «كنت داري إن ولدي هيتجوز النهاردة دخلته.» فرد سريعًا وقال: «أيوه بس ما كنتش موافق وقلت له لأ وحاولت أقنعه ما ردش عليّ، بس امبارح الحمد لله عرف غلطه ورجع عن اللي كان هيعمله ومشي.» فرد سالم بعصبية مبالغ بها:
«وأنت يا حضرة اللواء بتربي ناس كتيرة جوي ما عرفتش تربي ولدك زين، وما قدرتش عليه كمان، ما عرفتش مين اللي كان ولدك هيتجوزها وسابها لكلام الناس وأنت داري زين؟ فابتلع الرجل ريقه بصعوبة بالغة وعلم أن من كانت سيتزوجها ابنه تقرب لسالم وقال: «مين؟ فقال سالم: «تبقي بت خالة سالم نعمان بنفسيه يا حضرة اللواء.» فصدم الرجل كثيرًا وقال:
«ما كنتش أعرف إنها تبقى قريبتك والله، ده قال لي إنها من هنا مش من الصعيد، ده لو كنت أعرف كنت قلت له يشرفنا إن ناخد حد قريبك، والله لو أعرف ما كنتش سبته يمشي. حقك عليّ ابني طايش شوية، هرن عليه أخليه ييجي في أقرب طيارة ويتجوزها غصب عنه.» فرد سالم وقال:
«خالتي متجوزة هنا وعايشة هنا، وأني ما جيتش لأجل ما تخلي ولدك يتجوزها، لاااه، إحنا مش أكده واصل، أنا جيت لأجل ما تربي ابنك زين، ولأجل ما تعرفوا أنتم غلطتوا مع مين. وولدك ما ينزلش البلد هنا واصل، ولو شميت بس خبر إن ولدك دخل مصر، هتودعه وكل حاجة الود اللي بيناتنا هينتهي، والحساب اللي عامله عشانك ما هعملهوش، وهتشوف سالم تاني غير اللي تعرفه. احمد ربك إن طلعت أعرفك وما بينا عشرة يا حضرة اللواء، دي اللي قلته حاجة خفيفة لأجل العشرة بس اللي ما بينا.»
رد الرجل وقال: «أعتذر لك بالنيابة عن ابني وما كنتش عايز موقف زي ده يكون ما بينا، وده أقل عقاب لابني ووعد مني مش هينزل مصر تاني، وياريت ما تكونش واخد على خاطرك مني وإن شاء الله نفضل على طول ما بينا عشرة وما تنقطعش أبدًا.» قام سالم من مكانه ورمى عليه السلام وذهب. أما اللواء محمد فمسك هاتفه وهاتف ابنه وعنفه بشدة وقال ابنه ما حصل، فقال له اللواء:
«حسك عينك حد يشم خبر باللي حصل، سالم أكيد ما يعرفش بده كله وكويس خالص إنه ما يعرفش وإلا كنت مت فيها، وأنا كان انسحب مني المنصب والبلد هنا خلاص تنساها، بلدك تركيا دلوقتي فاهم؟ خاف هيثم كثيرًا من سالم من ليلة الحنة وقال لأبيه إنه لن يفتح هذا الموضوع أبدًا وإنه لن ينزل البلد.
أما سالم فكان يقود السيارة والوقت كان قد شارف على الليل وهو يفكر بحل هذه المصيبة الآن وعن طريقة لحلها، فهي ستمس عائلته بالكامل وهذا لن يسمح به أبدًا ما دام على قيد الحياة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!