الفصل الرابع كان سالم في الأراضي برفقة العمال، يُناظر العمل بنفسه، فوجد واحدًا من العمال المفضلين لديه، يُدعى مسعود، يشتغل وعلى وجهه الحزن على عكس ما تكون حالته دائمًا. اقترب منه وقال: "به به به، إيه يا مسعود الحزن اللي على وشك دا؟ مهديش حالتك اللي عرفتك بيها، مالك؟ نظر له مسعود والدمع ترقرق في عينيه وقال له: "هم ووجع على راسي كبير جوي يا بيه، وأنا ما أقدرش عليه، وهحس بنفسي عاجز أكده." قال له: "أبااه عليك، مالك عاد؟
هترطن كتير لي ما تقول مالك؟ قال له: "أمي يا بيه محتاجة عملية لعينيها، والحكيم بيقولي حج العملية خمستاشر ألف جنيه، وأنا مهديش حيلتي ولا مقدرتي، وصعبان علي أمي جوي." نظر له وضحك وقال له: "هو دي اللي شاغلك عاد؟ ما تقولش للدنيا هم." وأخرج من جيب جلبابه عشرين ألف جنيه وقال له: "وادي يا سيدي المبلغ أهو، وزيادة خمس تلاف لأجل ما تحتاج علاج ولا حاجة أكده ولا أكده." قال له:
"لاه يا بيه، الله يكرمك، ما أقدرش آخد، وأخاف أوعدك أرجعهم ما أقدرش." قال له: "أبااه عليك، ما تتعبنيش معاك، وهو مين قال هترجعهم؟ دول لأجل الحجة أمك، ولأجل إنها غالية علي جوي، وبلغها سلامي." جاء ليقبل يده، فسحبها وقال: "لاه أكده أنا أبقى أزعل." قال له: "وأنا ما يهونش علي زعلك أبدًا يا بيه، روح إن شاء الله يرزقك ببنت الحلال العفيفة الطيبة اللي تستاهلك، ويرزقك منها صبيان لأجل ما يكونوا رجالة زيك أكده."
ابتسم له وآمن على دعائه، ولا يعلم لِمَ أتت على باله ليلى. فهو يرى إن تزوج فلن يتزوج غيرها، تربت أمام عينيه، يعرف عنها كل كبيرة وصغيرة، عفيفة بريئة، ماهرة في أعمال المنزل، تحترم عاداتهم وتقاليدهم، لم تختلط بالجنس الآخر أبدًا. والأهم من ذلك لم يرَ جمالًا ينافس جمالها، وابنة عمه وأحق بها، فهو ليس بالأبله بالطبع ليترك كل هذا للغرباء ولرؤية شرفهِ. يا لها من غيرة وأنانية هذا السالم!
إلا أنها ابنة عمه وشرفه، لا يريد لها أن يراها حتى من سيصبح زوجها. نفض الأفكار من ذهنه ووزع المرتب للعمال وركب عربيته وذهب للمنزل. كان جاسر مع أبيه وعمه داخل المندرة لحل مشكلة ثأر بين عائلتين من البلدة، وحُلّت بزواج متبادل بين العائلتين. قال نعمان لجاسر: "اجف هات الشربات للرجالة لأجل ما نحلي للخبر الجميل ديا." ذهب جاسر فوجد هدى، قال لها: "صبي الشربات وهاتيه يا هدى." ذهبت هدى وصبته وأعطته له، فنظر لها وقال في باله:
"عقبال ما ندوق شرباتنا يا رب." وابتسم لها وذهب. سمعت صوت سيارة سالم، فعدلت من طرحتها ونفسها بحماس وذهبت لتنتظره قرب الباب، حيث مسافة صغيرة ويوجد الغفر. جاء سالم فذُهل من وجودها هكذا، فقالت هي: "حمدلله على سلامتك يا واد عمي، شغل العوافي." يرد عليها وإنما قال لها: "إيه اللي موقفك أكده؟ ما تعرفيش إن في غفر قرب الباب؟ اتجنّيتي إياك؟ فابتسمت داخليًا وقالت: "أبااه يا بت يا هدى افرحي، بيحبك زي ما هتحبيه وهيغير عليكي كمان."
كم هي ساذجة هذه الهدى! فوعت سريعًا وقالت له: "كنت بأدي الشربات لجاسر وكنت لسه هأدخل جوه." قال لها: "ادخلي طيب، لساتك واقفة." ذهب هو للأعلى حيث غرفته ليستحم.
كانت ليلى تنظف الطابق بالأعلى هي وزهرة، وترتدي عباية خفيفة خاصة بالتنظيف ورابطة إشارب صغير يخفي شعرها من الخلف بينما كان مكشوفًا من الأمام. كانت تنظف بلا خوف مما ترتديه فهي تعرف أن سالم يرجع متأخر وقت العشاء وأن جاسر بالأسفل ودائمًا ما يتأخر حل المشاكل. وبينما كانت تنظف الأرضية وزهرة تنظف غرفتها هي وأختها، كانت تمسك في يديها ما يسمى بفرطة وبجانبها جردل به مياه. تسقط الفرطة داخل المياه وهي منحنية ثم تعصرها وبعدها تمسح
الأرضية. وبينما كانت منحنية ارتفعت العباية تكشف عن سيقانها البضة الحليبية وجمالها، ومن ضيق العباية كانت تحدد ما أسفل ظهرها بوضوح. صعد سالم للطابق الأعلى، فتجمدت رجليه مما يراه وابتلع ريقه أكثر من مرة، وتصاعدت الحرارة لجسده. فما بالكم برجل في الثانية والثلاثين من عمره مكتمل الرجولة يقضي حياته في الشغل فقط، حتى نسي نفسه. فوعى على نفسه سريعًا فتذكر أمرًا ما. ماذا إن رآها أخوه؟
أجنّت هذه أم ماذا؟ عند هذه النقطة تصاعدت نيران الغيرة بدلًا من نيران الرغبة داخله، وحمحم بصوتٍ عالٍ لجذب انتباهها، فتمنت أن ما سمعته ليس حقيقيًا. فالتفتت سريعًا فوجدته أمامها، فوقفت سريعًا وقالت بتلعثم: "أأأ أنا فكرتك هترجع وجيت ما ترجع على طول." نظر لها بقسوة وقال لها: "طيب وجاسر مش أهنه كمان؟ توترت أكثر وقالت: "ما يخلصوشي دلوقت، وأنا كنت خلصت وداخلة." قال لها بسخرية: "وأنتِ هتعرفي منين ما يخلصوشي دلوقت؟
فلم تجد ردًا مناسبًا فنهرها بقسوة قائلًا: "وبعدين ما تلبسيش عبايتك وطرحتك السود ليه؟ بتنظفي، بتطبخي، يركبك جن ما تغيرهاش أصلًا! واحذري بقولك أهااا، تصرفاتك اليومين دول مش عاجباني أصلًا، اتعدلي بدل قسما عظمًا لأكون أعدلك، فاهمة ولا أعيد؟ أومأت برأسها فقال لها بحدة: "سمعيني صوتك." قالت له: "فاهمة." فقال لها: "ادخلي غيري المسخرة ديا واعقلي بقولك."
فذهبت سريعًا، وذهب هو بغضب ودخل غرفته وحدث نفسه أنه ولا بد من أن يقسي عليها لكي لا تتهاون في هذه الأشياء فهذا خط أحمر لديه. فجاء لذهنه صورتها منذ قليل فنطق: "بس البت وكيل الله فرسة." فضرب كفًا على كف واستغفر بصوتٍ عالٍ وقال: "شكلي أنا كمان اتجننت." بينما هي بالغرفة تتنفس بسرعة وقالت تحدث نفسها: "أنا أستاهل المرة دي، أنا مشيت ورا زهرة اللي تنشك ديا، قلتلها هنظف بعبايتي،
تقولي: لاه خدي براح، ما فيش حد هيطلع أهنه. أديني أخدت براح أهو، هيقول علي إيه دلوقت يا ربي؟ أما أقوم أغير وأنزل أحسن ما راسي تنفجر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!