تلعثمت هنا ولم تعرف بما تجيب، فما بدر لمخيلتها للتو أنها كانت تنام بجواره وتبدل ملابسها وهي معه في نفس الغرفة، وتبدل له ملابسه وهو كذلك أيضًا. أيعقل أن يكون قد رآها؟ وأخذت تجاهد في أن تبعد تلك الأفكار عن رأسها وتقول في سرها: ربما استعاد حياته بعدما ابتعدت عنه وحكى له زياد عني. حسام مستفهمًا: لم تجيبينى؟ هنا: لا أبدًا، لا يوجد شيء مهم، ولكن تخيلت عندما حدث كل هذا لي بسببه، ولكن أين كان مختفي؟
حسام: لا أعرف، المهم اسمعيني جيدًا، لقد وقعت أنا وهو في الاختيار أمامك، وبالطبع أنا الخاسر، فأنا أعلم أنفا حبك له. توترت هنا ولم تعرف بما ترد. حسام مكملاً: ولكن ولأني أحبك، شعرتِ بي أو لم تشعري، فأنا أتمنى لكِ الخير أينما كنتِ، وأتمنى أن أراكِ سعيدة حتى ولو لم تكوني معي. ولكن ما أريد أن تفهميه مني أنني أريد منكِ الصبر حتى لا تكوني أنثى سهلة. هنا هزت رأسها كتعبير على عدم فهمها،
فأكمل: هو أرادكِ له، وهذا شيء يسعدني، ولكن ليس بتلك الطريقة، فقد اختطفت وحبستك وأصدر أوامره أنكِ له دون أن يأخذ رأيك، فأي حب هذا؟
والادهى أنه كان يريد أن يمنعني من الدخول لكِ أو الكلام معكِ باعتبارك من جواريه، وهذا ما أقصده، فالحب لا يكون أبدًا بالإجبار أو كسر الكرامة، بالعكس، الحب يعلي من شأن الحبيب والحبيبة. والرجل إن أراد أن يعشق، عليه أن يبني لمعشوقته الدنيا التي تتمناها هي، وليست الدنيا التي يتمناها هو. وإن أرادها ملكة، عليه أن يبني لها جنتها ويدعوها إليها، وليس إجبارها عليها، فالحب جميل ولكن الكرامة أجمل. ولابد له أن يعلم أن الأنثى عندما
تُجبر، لا يكون لديها إلا الحزن. وإن حزنت، فلا تريد رجلًا عقلانيًا يثقلها بالحكم، ولكنها تحتاج إلى قلب ينصت لها ويشعر بحزنها فيحتويها، لا يعاتبها ويقهرها أكثر. والأفضل دائمًا أن تكوني دوما من يتمناها ويبحث عنها وسط الزحام، ولا تكوني أبدًا كالتي لم يجد في طريقه غيرها، فالفرق كبير بينهم. وخلاصة قولي لكِ أن من أراد قربكِ اقترب منكِ، ومن أراد رؤيتكِ أتى إليكِ، فهي أشياء لا تمنعها ظروف أو مسافات، ولكن يمنعها الكبرياء. وهو
متكبر، فكان أولى له أن يأتي إليكِ المطار ويتجاوز عن كبريائه ويتوسل إليكِ للعودة معه ويعترف لكِ بحبه، لا أن يخطفكِ ويحبسكِ ويجبركِ.
صمت قليلاً قبل أن يكمل، وأخذ نفسًا عميقًا واستطرد قائلًا: هل لي أن أسألكِ سؤالًا؟ نظرت له وأومأت برأسها بمعنى نعم دون أن تنطق. استطرد مكملاً كلامه: ما هو مقابل حبكِ له؟ تعجبت هنا لسؤاله، فهزت كتفيها وقالت: لم أنتظر منه أي مقابل، أنا أحببته وهو ميت ولم يكن لقلبي أمل فيه. ابتسم ابتسامة عذبة وقال: هذا عندما كان ميتًا، ولكنه الآن حي، فما هو مقابل حبكِ له؟
ردت بنفس إجابتها السابقة: لم أنتظر منه أي مقابل، ولكن قلبي هو من عشقه، ولم يكن لي أي اختيار. وإن كنت أملك اختيارًا، فكان لي الحق في أن أرفض أو أقبل أو حتى أطلب مقابلًا. نظر لها مليًا ثم قال: لقد أخطأ عقل وقلب الدكتورة.
تعجبت من كلمته، ولكنها ظلت منصتة له لأنها شعرت أن كلامه يحمل معاني أبعد مما تخيلتها، فلم تقاطعه، بينما أكمل هو قائلًا: إن كان حبكِ له دون مقابل ودون أمل، وإن الحب عبارة عن مجموعة أحاسيس لا يد لنا فيها، فهذا كله وهو ميت. أما وهو حي، فالوضع يختلف، ولا بد أن يكون لحبكِ مقابل. وليس حبكِ فقط، بل تعودي أن يكون كل شيء تفعلينه لابد أن يكون له مقابل. والمقابل الذي أعنيه ليس شيئًا ماديًا أبدًا، أنا لم أقصد هذا، ولكن المقابل الذي أعنيه هو كلمة شكر، مجرد تقدير من الشخص المقابل، أو حتى دعوة طيبة، أو صداقة ودودة، أو تجدي منه رأيًا سديدًا في وقت يكون عقلكِ مشتتًا فيه.
واعلمي أن رب العباد وهو الغني عنا، عندما خلقنا وفرض علينا عبادته، جعلها بمقابل. نعم، فحتى العبادة بمقابل، إما جنة أو نار، فهو أعطانا الخيار وأعطانا مقابل ما نختاره.
وخلاصة قولي يا هنا، أن يحيى الآن حي، ولكِ الحرية في أن تحبيه، ولكن بمقابل. والمقابل هو أن يحبكِ مثل ما تحبينه، وإلا فلا داعي من حبه. وبالطبع أعرف أنه ليس لكِ سلطان على قلبكِ، لكن لكِ سلطان على تصرفاتكِ، فتستطيعين أن تتحكمي في نفسكِ وتبتعدين حتى لا تخسري كرامتكِ. أما إذا كان لا يحبكِ وأرادكِ لعلاجه، فأهلاً به، مثله مثل أي مريض يتلقى علاجه، ولا ننتظر منه إلا مجرد كلمة شكر أو دعوة طيبة.
شردت قليلاً وهي ناظرة إليه، ثم أومأت برأسها بمعنى تمام، وقد اقتنعت بكلامه، ولكن كيف ستتصرف؟ فهذا متوقف على رد فعل يحيى نفسه، وكيفية رؤيته إياها، هل يراها كحبيبة أم طبيبة؟ ثم عاودت وسألته: وما العمل الآن؟ حسام: لابد أن يعرف أن الطريق إليكِ ليس سهلًا، وأنه لن ينالكِ بسهولة، وعليه أن يعترف أن كرامتكِ من كرامته، فلا يجوز له كسرها. ولهذا سأساعدكِ، ولكن عليكِ أن تتحلي بالصبر، فأنا أعرف أنكِ مشتاقة إليه.
احمرت وجنتا هنا، فقد شعر حقًا بها. بينما أكمل هو: والآن هو بالطبع مستشيط غضبًا في الخارج، ولكنه منتظر رأيكِ، فتشبثي باعترافكِ بزواجنا حتى يعترف هو بحبه لكِ أمام الجميع. ثم أخذ نفسًا عميقًا وأكمل: ثم إننا لا نزال لا نعرف ما سننوي فعله بعدما عاد لحياته، ولا نعلم متى عاد بالضبط، وما مدى معرفته بكِ، وما مدى احتياجه لكِ. أحقا عشقكِ أم أنه يمثل العشق لتبقى معه إكمالًا لعلاجه؟ هنا بألم وخوف: أيعقل أن يكون هذا ما قصده؟
لا تسبقي الأحداث، واتركينا نرى ما سيفعله. كان يحيى في الخارج متوترًا، وأخذ يتحرك ذهابًا وإيابًا أمام مرأى من والدته وزياد، وكل لحظة يلصق أذنه بالباب لعله يسمع شيئًا. فقد أخذت الغيرة تنهش في قلبه وعقله يتخيل أوضاعًا لا يستسيغها، فتارة يتخيل أنه يحتضنها شوقًا إليها، وأحيانًا يتخيله يقبلها و... و...
وعندما وصلت الغيرة لمنتهاها، قرر أن يفتح الباب على حين غرة حتى يرى بنفسه ما يفعلونه. وكادت والدته أن تمنعه وكذلك زياد، ولكنه لم يسمع لهم. وبالفعل اقتحم عليهم الحجرة، ولكن حسام قد سبقه بعدما شعر بالهمهمات خارج الباب، وقام باحتضانها بسرعة حتى يجبره على الاعتراف بحبها أو الاعتراف باحتياجه إليها كطبيبة. ولقد فهمت هنا ما يقصده حسام، ولهذا لم تبتعد عنه عندما فاجأها باحتضانه إياها.
وما إن شاهد يحيى ذلك، إلا واقترب منه وأبعدها عنه وجعلها خلف ظهره وصاح به وقال له وهو يشير بسبابته في وجهه: ما هذا؟ ألم أقل لك إنها تخصني، وأنا لا أتنازل عما يخصني؟ حسام بعصبية مصطنعة: أنت لست طبيعيًا، فمن تلك التي تخصك؟ تقصد زوجتي؟ يحيى: لا تقل زوجتي. حسام: يبدو أن العلاج أثر على سلامة عقلك. وتحرك نحوه وبدأ يجذب هنا. يحيى لكمه على حين غرة، فأوقعه أرضًا. حسام قام بسرعة ليرد له اللكمة،
فصاحت مدام صفاء: أرجوك يا دكتور حسام، كفى. والآن اذهبي يا هنا مع زوجك. يحيى نظر إليها وكأنه يترجاها، ولكن كبرياءه منعه من الاعتراف بحبها، فقال: كيف تذهبين معه وتتركينني؟ ألستِ حبيبتي؟ ألستِ صغيرتي؟ ألم تتمنيني يومًا وقلتِ إنني أمنية كل أنثى؟
تنبهت هنا لما يقوله: إذا فقد عاد لحياته منذ فترة. فأخذت تعافر في الكلمات المتحشرجة في حلقها وتجمع شتات نفسها، ولكنها كانت أضعف. ونظرت له نظرة عتاب، فها هو يقر أنها كانت تحبه، ولكنه لم يريح قلبها إن كان يحبها هو الآخر أم لا. ولكن أحب كبرياءه على كبريائها، ولم تجد في يديها أي رد فعل إلا أنها اقتربت بهدوء من حسام وأمسكت يده. وكان هذا علامة منها على أنها اختارته هو، ولكنها لم تجرؤ على البوح بهذا، فهي حقًا تتمناه وتسعد أن تكون بجواره، ولكنه متكبر.
حاول حسام أن يحاوطها من كتفيها ويتوجه بها نحو الخارج أمام صدمة يحيى الذي وقف متسمرًا مكانه، وساد الجو صمت رهيب إلا من أنفاس يحيى المتلاحقة التي تنادي عليها بصمت. وقطع الصمت صراخ يوسف الصغير وهو يركض خلفها ويتشبث بها. مالت عليه وقد خانتها دموعها وانهمرت، ولكنها تماسكت وقبلته، بينما أخذ هو يبكي ويترجاها أن تأخذه معها. صاح به يحيى ليكف، إلا أن الصغير
خاف منه وانكمش فيها وقال: أنا لا أحبك لأنك تخيف ماما، وبابا حسام لم يخفها أبدًا. ولم يكن يعلم الصغير أنه حرق أبيه بكلماته البسي لقد جرحت كرامتها. أخيرًا خرج عن صمته وصرخ بهم قائلاً: "أصبحت أمامها أعجز عن أي كلام أو أي تعبير. فأنا أول مرة أتكلم معها وجهًا لوجه، وكنت أود أن أطوقها بين أحضاني ولا أتركها، ولكنها راحت كما الطيف مع غيري." بكت أمه على حاله وقالت: "إن أردتها، هيئ لها عرينك لاستقبالها. أشعرها بحبك قبل قوتك."
أخذ يحيى يتنفس بصعوبة وتركهم جميعًا ودخل إلى غرفته. وما إن أغلق بابه خلفه، إلا وجالت عينه بالآركان، ونظر لمكان جلوسها واقترب منه وأخذ يتحسسه ويحادثه كأنه شخص قائم أمامه: "أنتِ أول من شعرت نحوه بالضعف. لم أعرف كيف أتكلم أو كيف أعبر. عجزت أمامك ولم تفهمي عجزي. لم تفهمي كيف يجازف قلب الأسد بكرامته ليخطف امرأة غيره. كان عليكِ أن تفهمي دون أن أتكلم."
جلس أرضًا واحتضن مكان جلوسها، لعله ينفس عن رغبته فيها وشوقه إليها بشم رائحتها. "أتحمل عذابك وما أتحمل غيابك. أتحمل عتابك ولا أتحمل فراقك." ظل طيلة الليل حبيس غرفته على نفس وضعه، يحادث خيالها. بينما ظلت أمه تبكي حاله، وحاولت أن تأخذ الصغير في حضنها، إلا أنه أيضًا لم يكف عن البكاء لأجل الذهاب لهنا. وكان هنا أصبحت هي قبلة الحياة لهذا البيت.
أما زياد، فقد ظل معهم في الفيلا يترقب ما سيؤول إليه الأمر، ولكن باله انشغل كذلك بما سيفعله يحيى في الأيام القادمة.
بينما ظلت هنا شاردة الذهن وهي تجلس بجوار حسام في سيارته. وأخذت تتذكر الموقف برمته، فكيف كانت تتلهف أن يعود لحياته، وبعدها كانت تتلهف أن ينجيه الله من أشقائه، وكانت تموت عشقًا فيه وتتمنى لو نظر لها مجرد نظرة. بينما الآن قد عاد لحياته وطلب أن تبقى معه، ومع ذلك استحال الأمر. فهل هذا ابتلاء من الله أم اختبار؟ أم هو العشق وعذابه؟
أفاقت من شرودها على صوت حسام، التي للوهلة الأولى وجدته واقفًا بجوارها، فاتحًا الباب المجاور لها ومادًا لها يده. فانتبهت، وإذا بهم قد وصلوا ولم تنتبه هي لذلك. مدت له يدها ونزلت كالمغيبة عن الوعي. بينما شعر بها حسام فابتسم لها أثناء ركوبهم للمصعد وقال: "الطريق أمامنا طويل ويحتاج إلى تركيز وليس لشرود." ابتسمت له وشردت هذه المرة في حسام، فكم تبدلت أحواله، وظهر الوجه الطيب الحنون منه.
أخيرًا وصلوا لشقته ودخلوا، وهي ترتجف. فلا تعلم ما سيكون مصيرها معه. هل سيطالبها بحقه الشرعي وينال منها؟ أم يتركها لحبيبها؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!