فهم حسام ما تفكر فيه، فأشار لها على حجرتها وقال: "هذه غرفتك وأنا المجاورة لها". رقص قلبها طربًا لسماعها هذه الكلمة، فقد حلّت لها معضلة كبيرة. بينما يحيى لا يزال في مكانه، أخذ يتخيلها ويتخيل شكلها ووضعها مع حسام. فهل سلّمت له نفسها أم احتفظت بها لأجله؟ وكيف تجلس معه؟ وماذا ترتدي؟ حجابها أم لا؟ وأخذت نار الغيرة تنهش قلبه. فقام على الفور من مكانه، وفتح الباب بكل عصبية ونادى على يوسف الصغير.
تعجبت أمه عليه، ونظرت له بدهشة. ولم يتغير الوضع عند زياد، ولكنه لم ينتبه لهم. وحمل يوسف الذي ركض نحوه، وأخذه ودخل الغرفة وأغلق عليهما دون أن ينطق بشيء، تحت عيون كل من مدام صفاء وزياد المتسائلين. أخذ يحيى يحضن طفله ويهدأ منه، وبدأ يسأله بهدوء عدة أسئلة. كان يوسف يجيب بعضها والآخر لا يفهمه. وفجأة وجد مدام صفاء وزياد يفتحون باب الغرفة، فوجدوا يوسف يركض نحو جدته ويمسك بأسدالها ويقول: "كانت ترتدي مثل تيته".
تعجبت مدام صفاء من كلام يوسف وهي لا تفهم شيئًا، ولكن من فهم كل شيء هو زياد. وبصدمة سأله: "إلى هذا الحد أخذتك الغيرة؟ مدام صفاء مستفهمة. زياد: "قلب الأسد العاشق. أخذت الغيرة منه محلها، فأخذ يسأل طفله عما كانت ترتديه هنا أمام حسام". ثم ابتسم وأكمل قائلًا: "أمّمم، لكني قد وجدت لك الحل". يحيى بسرعة: "هل ستهاتفها؟ زياد بخبث: "ألا تغار عليها مني؟ يحيى بعصبية: "قل ما عندك بسرعة".
زياد: "عليك أن تذهب لها غدًا بحجتين. الأولى أن يوسف لم يكف عن البكاء عليها، وأنك ستتركه معها وستذهب لرؤيته بين الحين والآخر. هذه أفضل وسيلة للتواصل بينكم". "أما ثانيًا، فأملاك والدتك لا تزال باسمها، فاطلب منها أن تذهب معك لتتنازل. وهذه وسيلة تواصل أخرى". لمعت عين يحيى وقال: "لكني سأمنعها عن التنازل وسأطلب منها البقاء للإدارة بحجة أنني لازلت لم أرتب أموري. وبهذا سأراها كل يوم". زياد: "فكرة رائعة".
اتسعت ابتسامة يحيى وقال: "اتركوني الآن". ثم أخذ يوسف لحضنه وقرر أن ينام. وما أن تركوه وخرجوا، إلا وابتسم لولده وهو نائم في حضنه وقال: "تنقصنا هي، فهي كانت تنام على صدري وأنت جواري". وحشني إيده تلمسني وطريقة نطقه لاسمي. ده روحي وغايبي عن جسمي، أنا عايشة والسلام. وحشنا كلامنا طول الليل على صوته، كنت بنام. وحشني سؤاله عني، أنا ببكي مش بغني.
جلست هنا على سريرها وسرحت به، وابتسمت. فكم كان جميلًا وجذابًا، وكم كان ذو جسد مفتول. وكانت هي بجواره كالعصفورة. كم كانت تتمنى أن ترتمي بأحضان. كم اشتاقت لعطره ولمسته. ما أجمل صوته كالكروان. ما أجمل طّلته وهيبته. أخيرًا طربت أذني لصوته. ليته تمسك بي، لكنت جاريته للأبد. فهل سيناديني مرة أخرى أم سينساني؟ وهل يحبني حقًا أم يريدني طبيبة ليس أكثر؟ لكنها تخيلت صورة شهندة أمامها، فنظرت بسرعة لنفسها وقالت: "وأين أنا منها؟
الألف سؤال أخذت تجول برأسها، حتى استسلمت للنوم. ولكنه لم يتركها، بل أنساها في أحلامها. صباح يوم جديد، أطلت فيه شمس الخير بأشعتها على الحبيبين. وكلاهما استيقظ متلهفًا على الآخر، بعدما أنس كل منهما الآخر في أحلامه. انتبهت هنا على صوت طرقات خفيفة على باب غرفتها، فقامت ببطء، تعرج من ألم ساقها المجبس، وارتدت أسدالها وفتحت. وجدت حسام، هو الآخر، بطلّته الخفيفة الظل وابتسامته الحنون،
يقول لها: "لقد جهزت لنا الإفطار". ومدّ لها يده لتستند عليه، وبالفعل توكأت عليه وابتسمت وقالت: "لقد تغيرت نظرتي لك، ورأيتك بوجهك الحقيقي". حسام بألم: "كنت أتمنى أن تريه من قبل ذلك. فأكبر ألم أن يأتيك ما تتمنى وقد تأخر الوقت وتغيرت الأحوال والأمنيات". هنا: "كم أنت شهِم حقًا، فغيرك كان طالبني بحقوقه واستغل كبرياء يحيى وضعفي لصالحه".
حسام: "إن فعلت هذا يومها، سأمتلك جسدًا دون قلب. وأنا لا أريد هذا، ولن أشعر بأي لذة بجسد متبلد وبعقل يشغله آخر". ابتسمت له هنا ابتسامة امتنان ولم ترد. وما أن توجهوا نحو طاولة الإفطار، إلا وسمعوا صوت جرس الباب وصوت طرقات يد صغيرة على الباب. فسار حسام وهو متعجب من الطارق نحو الباب لفتحه. وهنا معه، لا تزال متوكئة عليه.
وما أن فتحه، إلا وقف الجميع مصدومين. فهنا وحسام مصدومين من زيارة يحيى المبكرة. بينما غادر يحيى عليها وهو يراها متوكئة عليه. ولكن ما هدأ من روعه مشاهدته إياه بأسدالها، فحمد الله في نفسه وقال: "إذًا هما إلى الآن لا يزالان غرباء عن بعضهما. وهذا يكفيني". قطع لحظات الصمت، ركض يوسف نحو هنا وتشبث بها وقال: "وحشتيني". لم تستطع هنا حمله، ولكن حسام حمله لها، فأخذت تقبله.
حسام: "أهلاً أستاذ يحيى، اتفضل". وأشار له بالدخول. بينما عاد هو وأمسك يد هنا. دخل يحيى يتأمل المكان حوله، وأخذ يتخيل كيف كانت تجلس معه. ونظر إلى طعام الإفطار، فسمع حسام من خلفه يقول: "تفضل معنا، فنحن لم نفطر بعد". يحيى وهو مصوّب نظره نحو هنا، التي أخذت تختلس النظرات إليه اختلاسًا، ولم تجرؤ أن تطيل النظر إليه. فهي في موقف لا تحسد عليه، بين زوجها وحبيبها.
أما هو، فكان عكسها، فلم ينزل عينه من عليها. فكم كان مشتاقًا إليها. جلس الجميع حول الطاولة بعد إصرار حسام لأن يشاركهم الطعام. وبدوا كأنهم يأكلون، وفي الحقيقة لم يذق أي منهم أي طعام، بل مثلوا أنهم يأكلون. بينما أخذت هي يوسف بجوارها، وأخذت تطعمه بحنان، وهي تختلس النظر لأبيه، وكأنها ترجوه أن يهتف بأي كلمة تطيب خاطرها. استأذن حسام لعمل القهوة، ونيته أن يترك لهم مساحة للحديث.
وما أن قام، حتى اقترب منها يحيى، وهذا قد زادها توترًا. وبدأ تتلعثم ولا تعرف بما تتكلم، ولم تقو على النظر إليه. بينما هو ظل محدقًا فيها وقال: "ما رأيك في صوتي؟ تفاجأت هي من السؤال، فأصابتها الكحة من توترها. فمد يده لها بكوب الماء، ولا يزال محدقًا فيها. فارتشفت منه، ولا تزال غير قادرة على النظر إليه. فهمس لها: "انظري إلي، فقد اشتقت لعينيكي". اضطربت هي وقالت في نفسها: "إنه كان ينظر إلي من قبل، وإلا فكيف اشتاق لعيوني؟
أخيرًا استجمعت قواها ونظرت إليه، وبتلعثم قالت: "حمدًا لله على سلامتك". يحيى مناغشًا: "ما رأيك في طولي وأنا واقف أمامك؟ هنا: ... يحيى: "وما رأيك في صوتي؟ لقد أخذ الخجل مبتغاه منها، ولكنها قالت بهدوء: "فرحت جدًا وأنا أراك عدت لحياتك". يحيى ربّت على جبس يدها وقال: "آسف على ما حدث لكِ بسببي، وليتني مت حقًا قبل أن أراكِ هكذا". توترت وقالت: "كلي فداك، المهم أنك عدت للحياة". يحيى: "أنا عدت بدعواتك، ولاجلك".
تضاعفت دقات قلبها، حتى كاد يتوقف. وقد اختنقت أنفاسها من شدة كلماته عليها. وقالت في نفسها: "أهذا الكلام لي؟ ولماذا يقوله لي وأنا وحدي؟ أهو كبرياء أم تمثيل؟ يحيى هامسًا: "انظري إلي، لترَي كم تبدلتِ من يوم أن تركتيني". هنا: "إنه يعلم كل شيء، يا إلهي! يحيى: "انظري إلى لحيتي، فستجيبك. واسألي عطري الذي لم يعرف لجسدي طريقًا دونك". كادت هنا أن تنصهر أثر كلماته، ولم تعرف بما تجيبه. أكمل قائلًا بضيق: "لماذا؟
نظرت له هنا وأومات برأسها باستفهام عما يقصده. فقال لها: "لماذا حسام بالذات؟ هنا وقد امتلأت عينيها بالدموع وقالت: "كنت في حالة لا يرثى لها. وأردت طبيبًا، وفي ذات الوقت أردت أن أختفي عن العيون. فلم يكن هناك غيره لأستأمنه على حياتي وسري". يحيى: "ولماذا تزوجتيه هو ولم تتزوجي زياد؟ فكلاهما أحبك".
هنا: "لنفس السبب. فأنا أحتاج لسند يحميني ويخفيني عنهم. وإن كنت اخترت زياد، فكنت سأجلب له الكثير من المتاعب. وأنا لا أعلم بما ينون فعله معي. ثم إن زياد سهل الوصول إليه ومراقبته، وبالتالي سهل الوصول ليوسف. أما حسام، فآبعد ما يكون عن أعينهم وتفكيرهم". كل هذا وحسام منتظر في المطبخ، ليترك لهم أكبر وقت ممكن لتشرح له ما حدث، ولتسمع منه أيضًا ما حدث وما سوف يحدث. يحيى مرة أخرى: "هل تعلمين ما هو السبب الحقيقي خلف مجيئي؟
أومات هنا بمعنى لا. يحيى: "جئت لأخذك معي". هنا بصدمة نظرت له وقالت: "كيف؟ يحيى: "أنا لن أتركك معه، وهذا إن شئتي أن تبقين معي". قلبك معدش ملكك مدام عشقتك قلبك ما عدتش ملكك مدام سكنتك مدام بحبك خلاص بق قلبي أنا قلبك ما عدتش عندك مدام بحبك خدته واخدتك عندي أنا صدمت هنا من الكلمة، فقد هدمت كل شعور جميل شعرت به منذ لحظات. فها هو الآن يقول "إن شئتي" ولم يتمسك هو بها.
فقالت في نفسها: "إن كان الحب جميلًا، فالكرامة أجمل". فردت عليه بتحدٍ: "الرأي لزوجي، فهو من له حق القرار. وأعتقد أنه لن يتنازل عني لغيره".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!