مدام صفاء: مهمتك معنا لم تنته، يا هنا، هذا إن أردتِ مساعدتنا، وإلا فقد هانت عليكِ العشرة. هنا: أنا لا أنكر العشرة مطلقاً، ولكني لم أفهم ما تريدينه. زياد: تقصدين المصانع يا هنا. لابد أن تساعدينا في تحقيق خطتنا قبل أن ينكشف أمر يحيى، ثم إننا لا نأمن غدر شهندة، فقد تبوح بكل شيء لإخوته إن عرفت أنها ستنال أي مكافأة منهم.
مدام صفاء: لا أعتقد أن ابنتي ستخيب ظني فيها. فهنا التي وضعت ثروتي بين يديها ولم أخشَ منها، أكيد لن تخذلني في أي مرة أحتاج لها فيها. حسام نظر لها نظرة ذات معنى، لأنها هي أيضاً نظرت له وهي صامتة، ولكن عيناها كانت تحادثه، وهو فهمها. هي كانت تريد أن توافق على مساعدتهم، ولكنها تخشى من رد فعل حسام. فكفى أنها خانت ثقته مرة، فعاقبها الله، ولهذا أرادت موافقته أولاً، ولكنها لم تجرؤ من طلب ذلك صراحة.
حسام أومأ برأسه بالإيجاب، بحركة بسيطة، ولكنها فهمته. فقد فهم كل منهم الآخر دون أن يتحدث. هنا: أخذت نفساً عميقاً، ومن داخله نار متأججة من توترها، ثم قالت: أنا موافقة أن أساعدك، ولكن بشرط أن تفهموا جميعاً أنني عدت للمساعدة فقط، ولا أريد أن يحدث أي حوار بيني وبين يحيى، فكل منا أصبح له حياته الخاصة. انتهت المقابلة، وقد ارتاحت مدام صفاء وزياد لموافقتها، فهذا مجرد بداية طريق لعودتها كما أنت.
أما يحيى، فاخذ يتنفس بضيق، فقد حزن على شرطها، وأخذ يفكر، وفي النهاية قرر أنه لابد من المواجهة. عليه أن يذهب إليها بنفسه، وعليه أن يتكلم معها ويشرح لها، ولابد عليها أن تسمعه. وما إن عادت مدام صفاء وزياد إلى الفيلا، إلا وتفاجأوا بيحيى خارجاً. زياد: إلى أين؟ يحيى: أنا لا أريد مساعدتها، أنا أريدها هي.
زياد: ولكن هذه خطوة متقدمة، فموافقتها على مساعدتها أولى الخطوات لرجوعها. ولكنه لم يكمل كلامه، فقد ركض خلف يحيى الذي لم يسمع ما قاله، قائلاً: انتظر أيها المجنون، فقد تنهي حياتك بتصرفك الأبله هذا إن رآك أحد. يحيى: إن كان الطريق إليها يكلفني حياتي، فلن أبالي. زياد: إذن فانتظر، لأذهب معك. فقَدَري أنني صاحبت قلب الأسد الذي لم يخشَ أحداً.
هنا، في الرعاية، بين مرضاها، تتابع حالاتهم، ولكن عقلها شارد. فهل حقاً ستستطيع أن تساعدهم دون أن تحادثه أو حتى تراه؟ هل سيتحمل قلبها أن يكون بجوار صغيرها ولا يراه، ولا يأنس لحديثه الذي دوماً ما كان يتمنى أن يسمع منه ولو كلمة؟ تعجب زياد وهو يرى يحيى. أول ما سأل، سأل عن الدكتور حسام، ولكنه لم يسأل، فقلب الأسد لا يتوقع له رد فعل أبداً. أخيراً، دخل يحيى لحسام، الذي وقف خلف مكتبه مندهشاً، ولكنه رحب به وأشار له بالجلوس.
يحيى: لأول مرة أطلب مساعدة من أحد. حسام ضيق عينيه كتعبير عن عدم الفهم. يحيى: أريد منك أن تساعدني وتطلق هنا. حسام صدم من الكلمة وقال: وهل هذه هي مساعدتي لك؟ أن أطلق زوجتي؟ أليس هذا بمستحيل؟ يحيى: أرجوك، أنت تفهم ما أقوله، وتعلم أنني متيم بها، وهي أيضاً تعشقني، ولكنها تكابر، وأنت الجدار العازل بيننا، فهي تستند عليك وتأخذ قوتها من وجودك في حياتها. حسام: وأنت تريد أن تراها دوماً في مركز الضعيف؟
يحيى: لا، أنا فقط أريدها أن تراني، وهي لن تراني ما دامت محتمية بك. ثم إن ضعفها هذا هو مصدر قوتها. فأنا أعشق حنانها واستنادها عليّ، حتى وأنا ميت. ولكن وجودك جعلها تتنازل عني بسهولة. حسام: ولكنها قد رأتك من قبل، فماذا كان رد فعلك؟ لقد تركتها وتزوجت غيرها.
يحيى: أنت تعرف جيداً حقيقة موقفي، وإن لم تطلقها الآن برضاك، فستطلقها غداً مجبراً. ولا تحاول أن تدخل معي في مواجهة، أنت الخاسر فيها. ثم إنه من الرجولة ألا تجبر فتاة على العيش معك وهي لا تحبك.
حسام: أنا لا أجبرها، هي زوجتي بالفعل، وهي من طلبت أن تظل معي. وحتى إن فعلت هذا، فمن باب أولى أن يكون معي الحق، لأنني أفعل هذا وهي على اسمي. ولكنك تناقض نفسك وتريد ما ليس حقك. ومن باب أولى أن تقول لنفسك أنت هذه النصيحة. فكيف تحرم عليّ ما أحللته أنت لنفسك؟ يحيى نهض واقفاً ومال على المكتب ليصبح في مواجهة حسام، وأشار له بسبابته قائلاً
بتحذير: أنا أحارب عن حبي وعن هنايا، وأحذر أن تحاول أن تمس شيئاً يخص قلب الأسد، وإلا فلا تلومن إلا نفسك. ابتسم حسام ببرود وتحدٍ قائلاً: حارب بكل طاقتك، ولكن يجب أن تعلم أنك تحارب لأجل الوهم. عرف حسام أنه قد استفز يحيى ليخرج ما بداخله، وليتأكد أنه حقاً يعشقها ويتمسك بها. استقام يحيى واعتدل في وقفته وقال بتحدٍ أكبر: قلب الأسد لا يحارب أبداً لأجل الوهم. وإن كان منا من يحارب للوهم، فأنت. يا من تتمنى قلبها وتركته.
وتوجه للباب، ولكنه توقف عندما سمع حسام يقول: لن أطلقها إلا في حالتين. الأولى: أن طلبت هي ذلك. والثانية: أن وجدتك فعلاً ستحافظ عليها. فيومها ستجدني أطرق على بابك وهي في يدي، كما فعلت سابقاً. التفت له يحيى وقد تبدلت ملامحه للهدوء، وابتسم لحسام وقال: أعدك أنني سأحافظ عليها. ولكن دعها تراني. حسام قام من خلف مكتبه وتقدم نحو يحيى وقال بهدوء: أعدني بأنك لن تخذلها فيك. أومأ يحيى برأسه بالموافقة، وفتح ذراعيه واحتضن حسام.
وقف يحيى أمام غرفة الرعاية متوتراً من شوقه، فأخيراً سيرىها ثانية. ولكنه ظل واقفاً أمام الباب، وكأنه يحادث جدار الغرفة الصامت عن شوقه إليها. يا ديار الحبيب كيف حالها ما عشقت جدرانك ولا لامستها ولا طوفت حولها إلا لأرى حسنها هنا لا تزال في الرعاية، وإذا بزائر يدخل الغرفة، وهو مرتدياً زي الرعاية، ومعقم اليدين والقدم والرأس، ولا يظهر منه سوى عينيه.
وما إن دخل، إلا ورآها، فأخذ قلبه ينبض ويريد أن يركض نحوها، ولكنه تماسك، وأراد أن يرى هل ستعرفه على الرغم من تخفيه هكذا، أم لا. فالعاشق لا يخفى عليه دقات قلب حبيبه، ويعرفها من بين القلوب. وحقاً، قد كان هذا شعور هنا. فما إن رأت ظله وهو يدخل للرعاية، إلا وانقبض قلبها. على الرغم أنه متخفي خلف الأقنعة، ولكن عينيه لم تخفَ عليها، فأخذ لسانها ينطق بهمساً لذاتها: صغيري؟ هل أنت هو؟ أقسم أنه أنت، فرائحة عطرك نفذت لقلبي.
أخذت تركز عليه، وهي واقفة عند آخر سرير، وهو واقفاً عند أول سرير قابله، وأخذ يجول ببصره، بدون هوية، فهو لا يريد شخصاً بعينه سواها. اقتربت منه، فولّى ظهره ليخفي عنها توتره ورعشة جسده، وهي بالقرب منه. وليته علم أنها في اشتياق للمسة منه. نفسي أغمض عيني وأحلم إن إيدي بين إيديك ولما أفتح عيني ألقى أحلى نظرة من عنيك قلبي قالي إنك حتة منه وروحه فيك حتى وأنت جنبي مني قلبي دايماً خايف عليك
اقتربت أكثر من ظهره، وأخذت نفساً عميقاً تشتم رائحة عطره، التي كانت كالخمر لعقلها وقلبها. فقد أصبحت في عالم آخر، ولم تنتبه أنها أطالت بوقفتها خلفه، حتى أنه استسلم هو الآخر لقلبه، فالتفت إليها على حين غرة، وقال لها بصوت هامس: وحشتيني. اضطربت من صوته، وشهقت، وخرجت على الفور من الرعاية. فركض هو خلفها، وما إن خرج، إلا وجذبها إليه بسرعة، وخلع الواقي من على وجهه، وابتسم لها ابتسامته التي وترتها أكثر،
وقال: قلت لكِ وحشتيني، فلما هربتي؟ هنا: أرجوك، نحن في مستشفى وفي مكان عملي، ولا أريد أن أتركه بسببك. وتركته بعد أن أفلتت يدها منه، وتحركت نحو مكتبها. ولكنه لم يتركها، فهي حرب لأجل قلبه، ولن يستسلم. كادت هنا أن تهرب منه بغلق باب مكتبها خلفها، ولكنها وجدت قدمه حائلًا، فابتعدت عن الباب، بينما ابتسم هو ودخل وأغلقه بنفسه، وتحرك نحوها، وأصر أن يضغط على أعصابها وهو يرى توترها.
فاقترب منها وقال: قلت لكِ وحشتيني، وأردت أن أسمع ردك. هنا: أرجوك يا يحيى، أنا قبلت أن أستمر معك لأجل ماما صفاء ويوسف، ولكن هذا لا يعني أن أعود لما سبق. فكل شيء تغير، أنا متزوجة، وأنت أيضاً أصبحت متزوجاً، و... يحيى: قلتي فعلتي هذا لأجل ماما صفاء ويوسف، وأنا؟ وماذا عن قلبك؟ هنا: ما... ماذا تقصد؟
يحيى اقترب منها أكثر، مما جعلها تبتعد عنه وهي خائفة من مفاجآته لها بأي شيء، حتى أصبحت ملاصقة للحائط. فوجدته اقترب أكثر وقال بتحدٍ: لما وافقتي يا هنا؟ أريد الحقيقة. أنتِ وافقتي لأجلي أنا فقط. فقلبك يريدني، وقلبي يريدك، فلما العذاب؟ وقد جئت اليوم لأعرض عليك الزواج العرفي اليوم. صدمت هنا وقالت: عرفي؟ يحيى: نعم، فأنا لا أزال فاقد الأهلية، ولكن فور أن أحصل على حكم بأهليتي، سأوثق زواجنا.
هنا: أنا لا أوافق أبداً على الزواج العرفي، و... يحيى: ولكنك غير معترضة على الزواج مني من الأساس. تلعثمت أكثر، فقد أوقعت نفسها بسرعة ردها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!