يحيى بجدية: أنا لن أرحل من هنا إلا وأنتِ معي، ولن أقبل مساعدتك إلا وأنتِ زوجتي. وقد تحدثت مع حسام في كل شيء. هنا بصدمة: تحدثت مع حسام؟ يحيى: نعم، وقد تفهم الموقف. هنا باصرار: حتى وإن طلقني حسام، لن أتزوجك ولن أهدم بيتك. ثم إنني لا أرتقي لمستواك ولا لمستوى جمال شهندة ولا... قاطعها قائلًا: أنا لم أحبك لمظهرك، أنا أحببت روحك. أحببت هنا، وليست الدكتورة هنا، مثلما عشقتيني أنتِ وأنا ميت. هنا: وزوجتك؟
يحيى: أنا مضطر يا هنا ومجبر عليها، فيوسف لابد له من أم وشهادة ميلاد. ثم إني أتقي شرها لحين استرجاعي لجميع حقوقي، وبعدها سأطلقها. هنا: دعنا أولاً نرد حقوقك ونترك كل شيء للنصيب. يحيى: أنتِ نصيبي، وإن لم تكوني فالموت هو نصيبي. كلماته أثلجت صدرها وشعرت وكأن الدنيا لا تتسع لفرحتها. وفجأة وجدته يقترب منها وكاد أن يقبلها، ولكنها ابتعدت بسرعة وقالت: أنا لا زلت متزوجة. أخذ نفسًا عميقًا
وقال: أصعب شيء وأنا أراكِ مكتوبة على اسم رجل غيري، وأراني عاجزًا عن اختطافك بين أحضاني. هنا: اذهب الآن يا يحيى، وسآتي لك في الغد وسنبدأ عملنا. وبالنسبة لأمر يوسف، فقد استخرجنا شهادة وفاة له وانتهى الأمر. لم تكمل لأن هناك طرقات كانت على الباب. هنا بتوتر: ابتعد بسرعة. ضحك عليها وقال: لا تخافي، فهذا زياد فقد جاء معي. فتح زياد الباب ودخل، فابتسم على وضعهم وقال: أراني جئت في وقت غير مناسب. يحيى
وهو يبتسم لهنا ويغمز لها: اليوم فقط جئت في الوقت المناسب. زياد وهو يرى البشاشة على وجه هنا، فقال: كنت متأكد أن قلب الأسد هو الوحيد القادر على إقناعك. في منزل حسام، هنا شارده في حالها مع حسام ومع يحيى. فقلبها في مكان وعقلها في مكان آخر. وقطع شرودها طرق حسام على بابها، فقامت فتحت له وتلاقت نظراتهم. حسام: سأتمم إجراءات طلاقنا فور استقرار علاقتك معه. هنا بتوتر وهي لا تزال واقفة
أمامه على باب حجرتها: صدقني يا حسام، أنا كنت أنوي طلب هذا منك حتى في غياب يحيى. فأنت من حقك أن تبدأ حياتك. أنا أريد أن أواجه الحياة بمفردي وأتقوى عليها وأواجه صدماتها، لعلني أتحلى بالمكر مثل باقي البشر. حسام: ولكن الملائكة لا تعرف للمكر طريقًا يا هنا. هنا بامتنان: أشكرك يا حسام، وأنا لن أنسى وقوفك جواري في أحلك أوقاتي. حسام بحزن: أنا أفعل ما يراه قلبي قبل عقلي. فإن لم يشعر بك قلبي، ما شعر بك عقلي.
هنا متأثرة: ربي يعوضك خيرًا مني. حسام: سأرد عليك بنفس ردك. من يملك الاختيار يملك حق الرفض. فحبك لي لم يكن باختياري، حتى أختار غيرك، مثلما كان عشقك للميت ليس باختيارك. أومأت هنا برأسها بالموافقة على كلامه، بينما أكمل هو قائلًا: من الغد ستصلك ورقة طلاقك، وأتمنى لكِ حياة سعيدة. هنا لم تستطع أن ترفع عينيها لعينيه. بينما ضاق المكان حولها، فتركها ورحل من الشقة كلها.
في اليوم التالي، ذهبت هنا لفيلا يحيى. وقفت أمام الباب تستعيد ذكراها في ذلك البيت، وتتخيل حبيبها وهو في حضن غيرها وقلبها يحترق لوعًا عليه. ولم تكن تدري أن يحيى كان منتظرها، وكان ينظر على الطريق من نافذته. ولما طالت وقفتها، أفاق لفتح الباب لها دون أن يطرقه، وجذبها للداخل بسرعة. شهقت هي ولم تستطع أن تتكلم، فقد حاوطها خلف الباب وقال: لمَ تنتظرين هكذا؟ هنا وهي متوترة: أكنت تراقبني؟ يحيى بغمز لها: بل كنت أنتظرك في شوق.
يوسف بأعلى صوته وهو يركض نحوها: ماما هنا! ابتسمت هنا لمنقذها من الموقف، ولكن يحيى لا يزال محاوطًا إياها. ولما وجدت إصراره، نزلت هي وخرجت من إحاطته من تحت ذراعه، وفتحت ذراعيها ليوسف الذي اختبأ فيها وأخذ يقبلها ويقول لها: وحشتيني. حملته وأخذت تقبله. وهو ينظر لهما بامتنان وقال بخبث لها: ليتني يوسف. ولكنه توقف عن الكلام عندما قالت شهندة: مرحبًا بالدكتورة هنا، شرفتيني في بيتي.
توترت هنا واقتربت منها ومدت يدها بالسلام دون أن تنطق. شهندة: أخبرني يحيى أنه على موعد معكِ و... قاطعتها هنا قائلة: موعد عمل. شهندة ضحكت بسخرية وقالت: وهل تفوهت أنا بغير ذلك؟ فأنا أعرف ما يفعله زوجي وحبيبي، فهو لا يخفي عني شيئًا. وأخبرني بموعد قدومك. نظرت له هنا وقالت له بعينيها: أهذه من تقول عنها أنك مجبر عليها؟ فهمها يحيى، فأشار لها بالدخول للمكتب حتى ينهي حديث شهندة السخيف.
وما إن دخل خلفها، إلا وجذبها من يدها قائلًا: حاولي أن تتحملي سخافتها حتى أنهي أموري. أنا لم أقل لها بالمعنى الحرفي الذي قالته، ولكنها لاحظت أني واقف منذ فترة أمام النافذة، فسألتني عن السبب، فقلت لها أني في انتظارك. فمن لهفتي عليكِ، فهمت هي كل شيء. ومن غيرتها منكِ، استفزتك بطريقتها. هنا: ومن أنا بجوارها لتغير مني؟ فأنا بجوارها لا شيء. يحيى جذبها لحضنه على حين غرة، مما جعلها تشهق من خضتها
وهمس لها بجوار أذنها: أنتِ كل شيء، واللاشيء منكِ يعني كل شيء. حاولت أن تتملص منه، ولكنه شد أكثر عليها، وكان كالغريق الذي وجد طوق النجاة. فحاولت وحاولت، ولكن لا فرار. ولا ننكر أنها كانت أكثر منه شوقًا له، ومع ذلك خشت من شهندة ومما سيحدث إن راتهم. فقالت بصوت متوتر: أرجوك يا يحيى، لا توترني ولا تكررها ثانية. أنا لن أتحمل أي إهانة من أحد. أبعدها عن حضنه، ولكنه
أبقاها بين يديه وقال لها: لن يجرؤ أحد على إهانتك. ولكني كنت مشتاقًا إليكِ، مشتاقًا لأحضانك، ففيها نبض قلبي. هنا: أرجوك لا تضغط عليّ ولا تضغط على نفسك. أنا جئت لمساعدتك، وعليك أن تتذكر هذا. قاطعها قائلًا: ولكني قلت لكِ أنفًا، أنا أريدك أنتِ قبل كل شيء. ولكني أراكِ لا تتمسكين بي وتتنازلين عني بكل سهولة. هنا: أنا لم أتنازل عن شيء.
يحيى وقد تجهمت ملامحه: أرى أن حبنا حرب يحتاج لطاقة لنحرره، ولكنك تنفذين طاقتك مع أول اشتباك وتهاونتِ عن حقك فيه. دمعت عيون هنا وقالت بصوت مخنوق: سوف أتمسك بك إن كنت حقي، ولكنك حق غيري. وإن تمسكت بك، سأكون مغتصبة لحق غيري. أما ما تراه أنت تنازلًا مني، فهو دفاعي عن حقي وباستماتة، وحقي هنا هي كرامتي التي لا أملك غيرها. شد يحيى على يديها التي لا تزال بين يديه وقال: كرامتك مني، مثلما كان قلبي منكِ.
وسأظل أكتب حروفى لكِ، وإن لم تكن لكِ، فهي عليكِ، شئتي أن تتمسكي بي أو أبيتي. هنا بدموع: كم كنت أتمناك أن تعود لحياتك لأرمي بنفسي في أحضانك. وما إن رأيتك إلا صرت ملك غيري. فأين استسلامي هنا؟
يحيى: تمسكي بي وحاربي لأجلي، وأنا حي، كما حاربتِ لأجلي وأنا ميت. أنا حقكِ أنتِ يا هنا، فتمسكي بي. والرجل عندما يعشق يعترف، وفي الاعتراف تكمن قوته. فعشق الرجل ليس كعشق المرأة يا هنا، فالمرأة يمكن أن تعشق مرة أخرى، أما الرجل فلا. وأنا عشقتك ولن أعشق غيرك. وإن لم تكوني أنتِ، فلا غيرك. ولهذا أريدك أن تتمسكي بي بدلاً من ضياعي أمامك. ففي تمسكك بي تكمن قوتي. أرجوكِ، أريد أن أسمعها منكِ. انطقيها يا هنا، وقولي أنتِ حقي. أطربي قلبي بسماعها.
هنا: لم يعد في إمكاني. وهذا ليس تقصيرًا مني، ولكني أولًا كنت أدافع عن ميت وإرادته كانت في يدي أنا. ولكنك الآن حي وإرادتك في يدك أنت. ولا تنسى أنك قلت لي أن الأدوار تبدلت. فالآن الأمر في يدك، أما أن تختارني أو ترفضني. يحيى: وهل لا تزالين تسألين عن رأيي فيكِ وعن احتياجي إليكِ؟ ولكن إن أردتي أن تعرفي، فلا مانع. أنتِ كل شيء لي، أنتِ العمر السابق والحالي والقادم. ثم أخذ نفسًا عميقًا
وقال: أتذكرين يوم أن تقدمتِ لوظيفتك عندي ورفضتك؟ تعجبت هنا أنه قد تذكر الموقف وعرفها. أكمل يحيى: يومها شعرت بشيء غريب تجاهك لم ألفه قبلك، ولم أفهم له تفسيرًا. ولذلك أخذت أبحث عنكِ. حتى عندما فشلت في العثور عليكِ، لم أعين غيرك، وكأن المكان خلق لكِ أنتِ دون غيرك. كنت أفكر فيكِ وأظن أنكِ غائبة. ولكني كنت أرى أنكِ كلما غبتِ، تحضرين أكثر. وكنت أسأل نفسي: من هي؟ وهل أحببتها؟ ولكني لم أجد إجابة. وأقول: ماذا لو لم أحبها؟
فوجدت قلبي يقول: الذنب ألا أحبها. كنت أمرح معها وأضحك، ولكني اكتشفت أني كنت أنساكي بها. وعندما فتحت عيني للحياة مرة ثانية، وجدت طيفك. ظننت نفسي كنت نائمًا أحلم بكِ. وعندما وجدتكِ حقيقة ملموسة، قلت إنكِ بلهاء لأنكِ تعشقين ميتًا. ولكني لم أصدق نفسي أنني ميت وأنا أحلم بكِ. وعدت لحياتي وأنا أحلم بكِ. وكنت أنكر لزياد حبك لي، وأنا أولى الناس بإنكار ما أشعر به. فكيف عشقت خيال أنثى أتت كطيف كما غادرت كطيف؟
وكنت أسأل نفسي: هل أنتِ قدري أم أنا قدرك؟ وفي النهاية وصلت إلى أن حبك أصبح هو سر حياتي. ولو عرف الحب قدر حبي لكِ، لتمنى الحب أن يكون حبيبي. والآن جئتِ لتقولين إنني لست بحقك. لا يا هنا، أنا حقكِ من يوم أن تقابلنا، وعليكِ أن تحاربي معي وتتمسكي بي كما تتمسكين بحقك في الحياة، إن كنتِ تشعرين مثلي أني حياتك.
كم كانت تائهة في عذب كلماته ولم تعرف بما تنطق. فابتسم لحالها واقترب منها بهدوء وقبل وجنتيها، ولكنها لم تعترض، فقد كانت مغيبة. ولكنها همست له وكأنها تنطق بدون وعي: قلت لك وأنت ميت أني أحبك، وأنا أعني كلامي.
واليوم أقول لك: سأنتظرك، وهذا قراري. وأنا عندما أختار شيئًا لا أرجع عن اختياري. سأنتظرك ولو احترق قلبي من نار أشواقي. فإن لم تكن قدري، فأنت اختياري. ولك من قلبي عهد بأن لا أعشق بعدك أحدًا. وعهدي ليس وقتًا، ولكنه عهد بأنفاسي. فأنت أصبحت الوجه الثاني لذاتي، فصرت أعشقك رغم بعدك عني وبعد أنفاسك عن ذاتي. أحبك أنت وأنت بالحب تكفيني أحبك أنت وأنت بالدمع ترويني أحبك أنت وأنت بالدم تفديني أحبك أنت وأنت في الأحلام تناديني
اقترب منها وأسند جبينه بجبينها، واختلطت أنفاسهم بعشقهم. فقال لها: اعترفي أني صرت حقك، حتى أتأكد أنك تحاربين من أجلي كما أحارب أنا من أجلك. قالت وهي لا تزال على نفس وضعها من اللاوعي: أنت حقي أنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!