ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: -لقد جهزت فطارنا ولن اسمح لك بالرفض. ابتسم حسام وأشار لها مرة أخرى لتخرج هي أمامه وقال: -وهل يجوز لي أن أرفض طعامًا صنعته لي صاحبة المعجزات؟ كم ضايقتها الكلمة وجعلتها تتذكره، ولكنها خرجت أمامه ببطء وقد تجهمت ملامحها.
مر أسبوع وقد عادت هنا للعمل في الرعاية، وقد عادت إليها صحة ساقها وقد أزالت جبسها. وأصبحت تنهك نفسها في العمل حتى لا تفكر فيه، ولكن هيهات، فكان عقلها لا يفكر إلا فيه وقلبها لا ينبض إلا له. وكما فعلت هي، فعل الدكتور حسام، فقد شغل كل وقته بالإنهاك في العمل حتى لا يفكر فيها. ولم يجتمعا معًا إلا وهي تركب جواره في السيارة عائدين لمنزلهم. ولكنه أيضًا عجز عن التخلي عن التفكير فيها.
أما عند يحيى، فظل لا يفارق غرفة مكتبه أبدًا، فقد كره النوم في غرفته، فرائحتها تملأها. ويريد أن يذهب إليها ولكنه خائف من المواجهة، خائف لأن يرى هناء أخرى لم يعهدها، لكنه كان يتمزق شوقًا إليها ويتخيلها في كل حركاتها، ويسمع صدى صوتها يناديه، يشعر بلمسات أناملها وهي تلامس لحيته، يشعر بأحضانها وهي تحتضنه. آه يا قلبي، لقد اشتقت إليها، ومن يرسل لها نداءاتي؟ أنتِ يا من أصبحتِ نورًا لعينِي ونبض قلبي.
شاهد ربي ما نبض قلبي إلا لكِ، وما نظرت عيني لغيركِ. وما يأسر روحي إلا صدقكِ وإخلاصكِ. ولن تهزني كلمة غزل إلا لو كانت من نبض قلبكِ. أشتاقكِ والحنين يلامس الروح. وحوار صامت بيني وبينكِ الآن. ولكني أشتاق لأن أتنقل فيكِ بين أحلامي وواقعي. ليبقيني نبضكِ على قيد الحياة.
دخلت عليه شهندة لأول مرة منذ أن تزوجها، وكانت في قمة زينتها وأنوثتها وترتدي قميصًا شفافًا، وفي نيتها أن تعيده إليها مرة أخرى، ولكنها كانت مسكينة، فمن عرف الحب الحقيقي الخالي من أي إغواءات صعب أن يرتضي عنه بديلاً. جلست جواره وقد كان نائمًا على كنبة، ومدت يدها تداعب خصلات شعره بإغراء وقالت: -لم لم تأتِ إلي في حجرتي؟ ألم تشتق إلي؟ ألم تشتق إلى أحضاني؟ نظر لها يحيى نظرة سخرية وعاد مرة أخرى شاردًا في الفراغ.
أعادت هي الكلام وقالت: -لما كل هذا الجفاء منك؟ ألم تكن تغيب بين أحضاني عن الواقع؟ ألم أكن كل أمنياتك وأنا خطيبتك وبعد زواجنا لا تقربني؟ هنا قام يحيى من مكانه على حين غرة وأمسكها من كتفيها، وبكل عصبية أخذ يهزها يقول: -ألم تتعبين من تمثيلك يومًا؟ الم تخزَ من نفسك ومن بيعك لجسدك؟
صُدمت شهندة من كلمته وتجمّدت ملامحها، ولم تجد ما تتفوه به، إلا عندما وجدته يبعدها عنه بكل عصبية ويعود ليستكين بمكانه. فزاد هذا من عصبيتها وإشعارها بالمهانة، فقالت: "أنا لا أبيع جسدي ولا أخزى من شيء، فأنت زوجي وحبيبي، ولكن هناك من سلبت عقلك بتمثيلها عليك وجعلتك تنكر قلبي أنا بعدما كنت أسره". قام مرة أخرى
من مكانه وصاح فيها وقال: "إياكي أن تذكريها بعيب، فهي الوحيدة التي أهدتني أنا الحياة والحب الحقيقي الذي لم أره معك يومًا، وأهدت ولدك الحب والحنان اللذين افتقدهما معك". ثم أكمل قائلًا وكأنه يراها أمامه: "هي الوحيدة التي أشعر في غيابها أني ضائع وضعيف، وفي وجودها أشعر أن قوى العالم سكنت في جسدي، ولا تحسبي أنك أنتِ الفائزة، فهي دومًا ما تبقى معتَلية عرش قلبي، وإن لم تكن هي، فلن يكون غيرها".
قالت بكل حقد: "لكني زوجتك وأم ابنك وحبيبتك، ومهما قلت، أعرف أنني لا زلت أنبض في وجدانك". استفزته كلماتها المغرورة، فقام بطردها من غرفته، وما أن انفتح الباب وأخذ ينهرها ويبعدها، إلا ووجد أمه وزياد يقتربان منه. وما أن خرجت شهندة، إلا ودخلوا هم عليه. زياد مشفقًا عليه قائلًا: "اهدأ يا يحيى، فقد اتفقت مع والدتك أن نذهب إليها ونشرح لها الموضوع برمته". يحيى وهو
يركل الكرسي من طريقه قال: "لن تسمعكم، وإن سمعتكم لن تصدقكم، فهي مجروحة، والمجروح يرى الدنيا من فتحة ضيقة ويرى كل البشر مثل من جرحه". وأخذ نفسًا عميقًا وقال: "لقد أصبحت أنا مركز بغضها وكرهها للحياة". أمه باكية: "لا يا بني، الملائكة يصدقون من كان صادقًا، فالصدق شفاف، والملائكة أيضًا كذلك". قال بتمني: "أتمنى أن تسمعكم وتعود إلى". زياد: "وإن لم تسمعنا، وإن لم تعُد، فماذا أنت فاعل؟ يحيى: "سأحارب حتى أعيدها إلى أحضاني".
زياد: "إذًا فاستعد للحرب من الآن، فنحن سنذهب لها وستسمعنا، ولكنها لن تأتي معنا". والدته بعدم فهم: "ماذا تعني؟ زياد: "هي ستسمعنا لأننا سنذهب إليها، ولكنها إن صدقتنا أو لم تصدقنا، لن تعود. فهي الآن تراك متزوجًا ولك بيت، وهي كانت تحبك بكل ما أوتيت من عواطف، وكانت تتمنى أن تكون هي ملكة على عرشك. ولكنها كأي امرأة، لن تقبل أي وضع يجعلها تجلس على عرش مهزوز، هناك من ينازعها فيه ويحاول جاهدًا أن يسلبها منه".
يحيى: "ولكن شهندة لم تعلُ عرش قلبي، ولكنها مجرد اسم أضيف لاسمى على ورق فقط لأجل ابني، وليس لأجلي". زياد: "ولكن المرأة تملؤها الغيرة، فإن أحبت أغارت، وإن أغارت، فإما أن تتنازل أو أن تحارب. وهنا ليست ممن يحارب، ولكنها تتنازل. أما شهندة، فمن النوع الذي يحارب، فأنت الآن بين قضيبين متنافرين، أحدهما يتنازل والآخر ينازع". يحيى: "ولكني لن أضع هنا معها في كفة واحدة مع شهندة، لأنه بكل بساطة، في وجود هنا، لا يوجد مكان لأخرى".
ابتسم زياد وقال: "وهذا ما أردت الوصول إليه يا صديقي، واستعد من الآن للحرب لأجل أن تعيدها لعرش قلبك". مدام صفاء: "ولكنكما نسيتم أمرًا هامًا وقد يكون خطيرًا جدًا". يحيى وزياد في نفس واحد: "ما الأمر؟ مدام صفاء: "لقد أكدتما أن شهندة من نوعية المحاربة، ولكنها محاربة شرسة، وقد يصل بها الأمر أن تدمر من حولها حتى تصل لغرضها، وأكبر دليل أنها تخلت عن ولدها وأعطته لهنا لتنفذ هي رغبتها في الحصول على الأموال ممن سافرت معه".
يحيى وزياد حتى الآن لا يفهمان شيئًا، ولكنهما منسطين لها بكل دقة. مدام صفاء مكملة: "ولهذا، فهي أصبحت كالنار المدمرة عليك، خاصة بعدما أهنتها وبعدما تأكدت أنها لم تعد تملكك. فانتظر منها أي شيء تتوقعه أو لا تتوقعه، وممكن أن تبلغ أشقاءك عن كل شيء". يحيى بعصبية: "لم أعد أهتم، فلتفعل ما تفعل، المهم عندي هنايا فقط". مدام صفاء: "ولكنها قد تعرضك أنت وولدك للخطر". يحيى تنبه لما تقوله واستوعبه جيدًا، فكلامها صحيح.
زياد بصدمة: "تقصدين أنها ممكن أن تبلغ إخوته عنه بقصد الإضرار به، فينقلب الوضع على يحيى وابنه ويريدون أن يتخلصوا منهم ليضعوا أيديهم على الثروة كلها كما هم؟ يحيى بأسف: "نعم، هي كلامها صحيح، ولكن ما لا يعرفه أحد أن من يمس ولدي لا يلومن إلا نفسه". مدام صفاء: "حاول أن تكذب عليها يا بني حتى تكسب معركتك". أومأ يحيى برأسه بالإيجاب، بينما استأذن زياد ووالدته للخروج والذهاب لهنا لشرح الوضع عليها.
يحيى: "أرجوك يا زياد، افتح الاسبيكر وأنت تتكلم معها لأستوعب رد فعلها". ابتسم زياد على حال صديقه العاشق وتركه وذهب إليها. هنا خرجت لتوها من الرعاية فوجدت حسام أمامها، فابتسمت له، بينما قال هو لها: "ليس هذا هو الحل يا دكتورة، فلم ندرس في الطب أن نداوي الجراح بالانتحار". هنا لم تفهم ما يعنيه، فسألته، فرد عليها قائلًا: "لم أقصد أن تداوي جرح قلبك بأن تهملي في صحتك قاصدة الانتحار، فهل ترين أن هذا حل؟
لن أكون لك ولن أكون لغيرك سيبقى قلبي مختبئًا بين ثنايا حبك ستبحث عنك ملامحي هنا حيث كنت ألقاك وستغادرني روحي حيث مكان سكناك سأحلم بأحلام لا تشبه أحلامي وأعيش واقعًا لم أتمناه سأعيش في سجن غربتي، ولكني سأظل أحبك أنت. هنا بحزن: "ومن قال لك أنني أداوي جرحه أو أنني أحاول الانتحار؟
صدقني يا حسام، يحيى صفحة وطويت من حياتي، ولكن ما يجهدني الآن بالفعل هو أنني عدت أذاكر كثيرًا لأعوض ما فاتني، فالرسالة لم يتبق عليها الكثير و... قبل أن تكمل جملتها، سمعت صوت مدام صفاء الحنون. شعرت هنا أثر سماعها لصوتها برجفة كبيرة، حتى أن انتفاضة جسدها جعلت حسام وزياد يتنبهان لها. التفت إليها وبصوت مرتجف قالت: "أهلاً يا ماما صفاء، كيف حالك؟ مدام صفاء اقتربت منها وبقلب
أم حنون قبلتها وقالت: "لم أتوقع من ابنتي أن تتركيني كل تلك الفترة دون أن تطمئنيني عليها". بينما زياد فتح الاسبيكر ليسمع يحيى الحوار من بداية اللقاء. ارتمت هنا في حضن مدام صفاء وحاولت أن تبدو غير مهتمة بأمر يحيى، فقالت لها: "لقد اشتقت لصوتك، فهو دومًا ما يذكرني بأمي". مدام صفاء وهي تربت على ظهرها: "ولأني أمك، لن أعاتبك على مفارقتك إياي، ولكني جئت إليك اليوم لأوضح لك بعض النقاط". قاطعتها هنا ناهية الخوض في حديث
قد يؤلمها سماعه وقالت: "أنا لم أطلب شرح أي نقاط، لأن فهمي أو عدمه لا يفيد شيئًا، وكان لابد لي أن أعلم هذا منذ البداية، فهو له خطيبة وأنا المخطئة لأنني كنت أعرف ذلك، ومع ذلك رميت بقلبي في التهلكة وتجنيت بنفسي عليه، فيحيى ليس عليه أي لوم". هنا تكلم زياد قائلًا: "لا تغالطي نفسك يا هنا، فأنتم من البداية تعرفين ذلك، ولكنك كنتِ مصرة أن تحبيه، فلماذا الآن تستسلمين وتتنازلين عن حبك؟
دمعت عين هنا وقالت: "وكيف لي ألا أتنازل عن شيء اغتصبته؟ يحيى كان يسمع حوارها وقد انفطر قلبه عليها، فكم اشتاق لصوتها، ولكن اليوم صوتها مختلف، فقد اعتاد عليها وهو يسمعها تملأ الدنيا بكلمات الأمل، أما اليوم فتملاه بكلمات الانكسار والاستسلام، وتبكي. آه، حبيبتي تبكي وأنا مكبل الأيدي عاجز أن أمنع دموعها. وعذرتُه لما تساقط دمعُه وأخذتُه في الحضن أهمسُ راجيًا جمراتُ دمعِك أيقظت نيراني أتُريدُ قتلي مرتين، ألا يكفي؟
فامنع دموعَك واحترم أحزاني لا صبرَ لي وأنا أراك محطمًا يا من يجرحُ دمعُه أجفاني دعني أكفكفُ دمعَك بحناني ولك السماحُ وحيدَ عُمري وابتسم وأقسمُ أنك لن تكونَ أناني وستعودُ كما عرفتُك أولًا قلبًا بريئًا طاهرَ الوجدانِ فالحبُ يشفى كل جرحٍ عاصفِ.
هنا مكملة: "لا تجعلني أستمر في الخطأ يا زياد، فوجود يحيى في حياتي من الأساس خطأ، فهو رجل ذو هيبة ومستوى، وأنا أبدًا ما ارتقيت لمستواه، بينما هو يملك بين يديه المال وزوجة أقل ما يقال عنها أنها جميلة الجميلات وأم ابنه، فكيف أفرق بين عائلة متكاملة؟ ثم إنني لا أحمل من الجمال أو المظهر ما يجعله يفتخر بي، وكوني عشقته وهو ميت، فكانت بلاهة مني، فأين كان عقلي ليوجهني؟
ولكن ما أفتخر به الآن أن الله عوضني بخير الرجال"، وأشارت للدكتور حسام الذي كان طوال الحديث صامتًا حتى لا يكون كلامه مؤثرًا على اتجاه الحديث، فقد خشي أن يتفوه بحرف فيكون نتيجته أن تخجل هنا منه وتؤثره على نفسها، ولكنه ترك لها الحرية. وعلى قدر ما انشرح قلبه للكلمة، على قدر ما تصدع أيضًا، فهي تمدح فيه، لكنها لا تحبه، تتمسك به لتبعد عن غيره، فهو مجرد جدار حاجز ليس إلا.
هنا مكملة: "وفي نهاية كلامي، لابد أن تعلم يا زياد، وأنتِ أيضًا يا ماما صفاء، أن حبي ليحيى معادلة صعبة لا يوجد لها حل، فمن الأفضل تغييرها". مدام صفاء: "هذا حقك في إعطاء الوصف المناسب لحبك، ولكن حقي أنا أيضًا أن تسمعي ما جئت لأقوله، وعليكِ أن تسمعيني كما سمعتك".
مرت دقائق شرحت فيها مدام صفاء ما حدث وأنها هي من تسببت في ذلك لمصلحة ولدها وحفيدها، ووضحت لها كم يعشقها يحيى وأنه لم يحتج لغيرها، فقد تعلم منها كل شيء وكأنه طفل يتعلم الحياة من بدايتها على يد أمه.
لا ننكر أن هنا من داخلها ازدادت فرحتها عندما سمعت أصل الحكاية وأنه لا يزال يعشقها وأن هناك بصيص أمل جديد ظهر أمامها، ولكنها لم تظهر ذلك حتى لا تظهر ضعيفة، فهي قد اتخذت مبدأ وعليها تنفيذه وعدم التراجع فيه، وهذا جعلها تشعر بالإحساس ومتناقضاتها في آن واحد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!