وصل يحيى للفيلا ودخل لغرفة مكتبه ومعه هنا وزياد. دخلت خلفهم مدام صفاء وسألتهم عما حدث، ولكن ما من مجيب، فكلهم في حالة صدمة من موقف أشقائه. كان يحيى مولياً لها ظهره، محدقاً ببصره في النافذة، شارداً بنقطة في الفراغ. عندما لم تجد مدام صفاء أي إجابة، أعادت الأسئلة. فرد عليها يحيى دون أن يلتفت إليها: "لقد أنكروني يا أمي. لقد جاء اليوم الذي ينكر فيه وجود قلب الأسد، ولم يكن الإنكار إلا من أقرب الأقربين له."
شعرت مدام صفاء بمدى الألم الذي يعتصر ابنها، وقالت: "ولكنها كانت نتيجة متوقعة." صرخ يحيى وهو على نفس وضعه: "كنت أتوقع، ولكني لم أتأكد. وكنت أكذب نفسي وأرسم الصورة المعاكسة، ولكن اليوم قسم ظهري من إخوتي." ربتت أمه على ظهره وقالت بهدوء: "اهدأ يا بني، فسندك هو ولدك، ولن يخذلك أو يكسرك." ابتسم بسخرية وقال: "هذا إن لم يتشرب بأخلاق من أنجبته." هنا نطق زياد وقال:
"هو سيتشرب أخلاق من ربته، فالأخلاق تأتي بالتربية وليست بالوراثة." هنا نظر يحيى لهنا الواقفة بجواره ولم تنطق. فحاوطها من خصرها وضمها إلى صدره وقبل رأسها. ثم أخذها واستأذن من زياد وأمه وصعد بها لغرفتهما. وما أن دخل وأغلق الباب خلفه إلا وضمها وهو يقول بكسرة:
"شدي علي وأشعريني بوجودك معي. أعطيني من حنانك ما يقويني، فلم أعد أشعر بأي أمان إلا وأنا بين يديكِ، ولم أعد أشعر بأنني طفل إلا وأنا معكِ. أرجوكي داوي جرحي، فجرحي عميق، وأصعب الجروح وأعمقها تلك التي تصيب من قرب." بكت وشدت بيدها الضعيفة عليه وقالت:
"أنا أمانك وأماني منك. ولم أعتد أن أرى أماني بتلك الكسرة. وعلمت يوماً أن دموع الرجل لا تسقط إلا إذا انكسر وفقد كل شيء. وأنت لم تفقد شيئاً، ولكنك صدمت في أناس كنت يوماً تتوسم فيهم الخير. وأحمد الله أنه كشفهم لك. وعليك أن تعلم أن الناس معادن، فبعضهم يكون أمامك كما الكتاب المفتوح تجد فيهم الحكمة، وبعضهم قد لا تجد فيهم سوى جمال صورة غلافهم الخارجي." ثم مدت يدها وحضنت وجهه بين كفها، وقد امتلأت عيناها بالدموع مثله، وقالت:
"لا تندم على توقعاتك بأنهم سيستقبلوك بأجمل الابتسامات. عود نفسك ألا تندم على أي شخص دخل حياتك، فالمخلص يسعدك ويبقى بجوارك دائماً. والسيء يمنحك تجربة، والغادر يهبك درساً تتعلم منه ألا تعطي ثقتك بأمثاله." "واعلم أنهم أنكروا
وجودك لثلاث احتمالات: إما لأنهم لا يملكون ما تملك، فخافوا أن تسلبهم ما يملكون وهو بالنسبة لهم كل شيء. وإما لأنهم من الأساس يعجزون أن يكونوا مثلك، فالأفضل هو عدم وجودك من الأساس. وإما لأنهم مهما فعلوا لا يستطيعون الوصول إليك، فأنت لهم أمنية صعبة المنال. وهذا يجعلك تثق في نفسك أكثر. ضع لهم عذرهم."
"أما أنا فأريدك كما أنت هكذا، طيباً لا تظلم أحداً. فالطيبون لا تتغير صفاتهم، والكريم يظل كريماً حتى وإن افتقر، والمتسامح يظل متسامحاً حتى وإن ظلم من أقرب الناس إليه." دفن وجهه مرة أخرى في رقبتها وقال: "ألم أقل لكِ من قبل أنكِ الوحيدة التي آخذ منها الحب والأمان والحنان؟ فكلماتك هي دوماً ما تهدأ من روعتي يا صغيرتي." ربتت على ظهره وهي تبتسم وقالت: "لم أعد أعرف من منا يعطي الحب والأمان للآخر."
"فأنا أيضاً بدونك لا أشعر بأي أمان وتضيق الدنيا من حولي." فهمس في أذنها وقال: "ألم أقل لكِ أيضاً أننا خلقنا من بعض ولبعض؟ في اليوم التالي، استيقظ يحيى وابتعد عن حضن هنا دون أن يوقظها. ولكنه فوجئ أنها بالفعل كانت مستيقظة، ولكنها تمثلت النوم لأجل أن يظل نائماً. فقبل جبينها وقال: "اليوم سأبدأ في توثيق أوراق زواجنا، وفي توثيق شهادة ميلاد ليوسف، وسأبحث عن قاعات الأفراح." هنا:
"لا تكلف نفسك بالأعمال، فابدأ بشهادة ميلاد يوسف أولاً وأكمل أوراقك تباعاً." ابتسم لها وقال: "أنتِ أول كل شيء ومبتداه." هنا: "ولكن لي سؤال. لماذا لم تخبر أشقاءك أمس بأنك قد حصلت على أهليتك بعد؟ يحيى:
"لأني إن أخبرتهم لشلت عقولهم عن التفكير والتصرف. أما الآن فهم يعتقدون أن أمامهم فرصة للتصرف، فسيتصرفون وبالطبع بعشوائية محاولين جمع ما يستطيعون جمعه من أموال. وهذا بالطبع سيجعلهم لا يحسنون التصرف من السرعة ويتخبطون وينكشف أمرهم." هنا باستغراب: "أنت تملك هيبة وعقل أسد، وسرعة فهد في التفكير، ومكر الثعلب في التخطيط." ابتسم لها وقبل جبينها مرة أخرى وقال:
"وكل هؤلاء تحت أمرتك يا صغيرتي. والآن عليكِ أن تجهزي حالك، فسأقيم حفلة كبيرة بمناسبة رجوعي وسأدعو الصحف والمجلات. واعلمي أنكِ ستكونين أنتِ أساس الحفلة، فالكل سيأخذ منكِ الأحاديث لنشرها." توترت هنا ورهبت الموقف وقالت: "ولكني لم أعتد على ذلك." ابتسم لها وقال: "زوجة قلب الأسد لابد أن تعتاد على كل شيء متوقع وغير متوقع يا صغيرتي."
خرج يحيى بعد أن وثق زواجه واستخرج شهادة ميلاد لصغيره، وهو يتنفس الصعداء ويبتسم من فرحته. فاحتضنه زياد وهنأه. وما كاد يركب سيارته إلا وأتاه تليفون، فرد عليه ولكنه صعق وصاح وهو يهدئ المتحدث الذي لم يكن سوى هنا. فركب سيارته بسرعة وأخذ يشق طريقه وهو يقود بأقصى سرعة، حتى أن إطارات سيارته كانت تصدر صريراً مخيفاً للسيارات من حوله. فخاف زياد الجالس بجواره وسأله متوتراً: "ماذا حدث؟ يحيى:
"الأوغاد حاولوا صرف أموالي من البنوك. فلما عرفوا فقد اعتمد توقيعي في كل البنوك، وألغيت قرار وصايتهم وحجرهم. وعندما قالوا إنهم المالكون لأنهم ورثة، ردت البنوك بأنني حي وأتصرف بأموالي بكامل أهليتي. فحاولوا الهرب، فوجدوا أنهم ممنوعون من السفر بسبب البلاغ المقدم مني ضدهم يوم أن ذهبت أنا وأمي وأبلغنا النائب العام. ولما اشتد الخناق حولهم قالوا إن هنا شريكتهم في تلك الصفقات المشينة، وأنها وقعت معهم. والآن هي اتصلت بي وهي تبكي فقد تم القبض عليها."
زياد بصدمة: "ماذا؟ قبل أن يرد يحيى عليه، آتاه تليفون آخر من والدة هنا، فرد عليها فوجدها تبكي على ابنتها وتدعوه للتصرف. يحيى بكل صرامة: "أرجوكي اهدئي، فلن أسمح أن تمس شعرة واحدة منها. ومن إذاها فقد أذاني، وأنا لا أترك من أذاني ينعم بحاله. واعلمي أنها مني وسأدفع من تسبب في نزول دمعة منها عمره كله، وإن كان عمره لا يكفيني." أخيراً وصلوا عند هنا وطلب أن يقابلها. الضابط: "آسف، فليس لديك تصريح ولا محامي."
استشاط يحيى غيظاً وأخرج هاتفه واتصل بالنائب العام. وما أن رد عليه إلا ولم يعطه فرصة للكلام، فقال: "ألم أكن أنا المبلغ؟ ألم تعدني ألا يمسها سوء؟ ألم تعرف موقفها من الموضوع كله؟ لما تم القبض عليها النائب العام شعر بما يشعر به، ولأنه شخصية هامة ويمر عليه كثير من الأمور والتي تتجاوز ذلك بكثير، فرد بكل هدوء: "أهدا يا يحيى، أنا أعرف ما تقوله وأنا لازلت عند وعدي، ولكن أمر القبض عليها كان لحمايتها ليس إلا."
يحيى بنفس العصبية: "حماية؟ عن أي حماية تتحدث؟ حماية زوجتي؟ وهل أنا عاجز عن حمايتها؟ أتعتقد أن يحيى فؤاد عاجز عن حماية زوجته؟ إذن فلا أستحق الحياة ويهون علي لقبي." ابتسم النائب العام على عصبيته وقال بكل وقار يتناسب مع منصبه:
"أعرف أنك ملقب بقلب الأسد وهو لقب على مسمى، ولكن لكل مقام مقال. وفي بداية حديثي قلت لك القبض عليها تم لحمايتها، فلا تنسى أن القضية قضية أمن دولة وفيها تهريب سلاح ومخدرات وأشقائك تعاملوا مع عصابات دولية إرهابية. ووجودها الآن في الخارج دون القبض عليها سيجعلهم يشكون أنها لها يد في القبض عليهم وخسارة صفقاتهم ومن الممكن أذيتها." يحيى: "أنا قادر على حمايتها ولن أتركها هنا." النائب العام:
"ما في استطاعتي فعله الآن أني أسمح لها بالخروج والبيات في حجرة الضابط، وساخلي سبيلها غدًا لأنني لن أستطيع إخراج تصريح بخروجها لأنني لست في القاهرة." زفر يحيى بضيق وتقبل الوضع حتى الصباح، ولكنه أصر أنه لن يتركها. أخيراً هنا وصلت إليه من الحجز، فقام ملهوفاً عليها، فارتمت في حضنه وهي تبكي وكانت ترتعد من خوفها، وأخذت تسأله بهيستيريا عن سبب القبض عليها، فهي لم تعد تفهم شيئاً.
ربت على ظهرها وشد عليها وقبل جبينها وقال مهدئاً لها: "لا تخافي يا حبيبتي، فأنتِ بين يدي أمانك ولن أبتعد ثانية. واعذريني إنني لم أحميكِ منهم، ولكني كنت أوثق زواجنا. وإن كنت أعلم ما خرجت وتركتك." ازداد تشبثها به وخرجت منها الكلمات متقطعة من رهبتها، وأعادت عليه سؤالها. أجلسها يحيى إلى جوارها على كنبة جلد موجودة بحجرة الضابط وقص عليها قائلاً:
"من خلال ما كنت أتتَصنت على مكالمات أشقائي من خلال الهكر على هواتفهم، عرفت أنهم يتعاملون في تجارة الأسلحة والمخدرات، حيث أنها تدر عليهم مالاً سريعاً. لأنهم بالطبع فشلوا في إدارة مجموعتي وكانوا يستوردون تلك الممنوعات داخل كونتينرات خاصة بمشتريات معدات للمصانع واردة من الخارج. أي أنهم استخدموا مجموعتي كواجهة لتوريد الممنوعات داخل استيراداتها. فعلمت أنهم قد يوقعون بكِ في فخهم ويقحمونكِ دون أن تشعري في صفقاتهم حتى يضمنوا
دوام ولاءك لهم. فأردت حمايتكِ، ولكن دون أن تشعري حتى لا تتأثري وتعيشي في خوف. فطلبت من أمي أن تلغي توكيلاتها لي، واستردت أموالها بالفعل، وأصبحت توقيعات من غير ذي صفة، وأبلغت النائب العام بذلك حتى إن صدف وأقحموا توقيعكِ على ورقة فنكون نحن السباقين بحسن النية. وفي ذات الوقت بدأت مراقبتهم للتأكد من بلاغاتي. وقد حدث ما توقعته عندما قلتي أنهم قد أمضوكِ على تقارير طبية، وهذا مخالف لما هو متبع في شركتنا. فيومها تأكدت أنني
أصبت بما فعلته. وقد استعنت بصور الكاميرا الموضوعة في أركان حجرة الاجتماع لإثبات أنكِ كنتِ تمضين على تقارير طبية وأن حسن النية متوفر لديكِ."
هنا بتعجب: "وكيف تسنى لك أن تحصل على صور الكاميرات؟ يحيى بابتسامته المعهودة: "أتحدثين قلب الأسد عن كيفية حماية زوجته؟ ارتمت في صدره وقالت: "كل يومي أتأكد أني أماني بين يديك." شد عليها وقبل رأسها وقال: "استريحي وساذهب لأشتري لكِ غذاء، ولا تقلقي، سينتهي هذا الوضع في الصباح." بالفعل اشترى لها غذاء وأخذ يطعمها بيده كما الأطفال وقال لها: "الآن يجب علينا أن نتصل بوالدتك لنطمئنها عليكِ."
مرت أيام قليلة وبدأت التحقيقات تأخذ مجراها مع أشقائه، بينما عاد يحيى لمصانعه وبدأ يجمع عماله واتفق معهم على خطط جديدة للإنتاج بهدف رجوع المجموعة كلها لوضعها القديم. وبالطبع العاملين نفذوا ما أمروا به بكل حب، فقد عاد لهم مجدهم وعادت لهم العدالة بينهم. بينما أصبح قلب الأسد هو حديث الصحف والمجلات.
وأخيراً جاء موعد حفلته التي نظمها للاحتفال بعودته. ولكن هنا كانت طوال يومها مشغولة بعمليتين متتاليتين، حتى أنها رجعت الفيلا في غاية الإنهاك، ولكنها وجدته يقابلها وهو فاتح لها ذراعيه ويستقبلها بكل شوق، وسحبها خلفه على غرفة نومهم وقال: "ادخلي اغتسلي حتى تبعدي عنكِ إرهاقك، وعندما تنتهين سأوريكِ هديتي." خرجت هنا بعد استحمامها فوجدته يحمل في يده فستاناً غاية في الروعة ويبدو عليه باهظ ثمنه، فابتسم لها وقال:
"هل تقبل صغيرتي وأميرتي هديتي؟ ابتسمت وهي غير مستوعبة المفاجأة، ومع ذلك كدت نحوه وأخذت تقبله، فابتسم لها ومال على أذنها وهمس لها: "هذه هدية مشروطة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!