لم تستطع هنا حبس دموعها أكثر من ذلك فانهمرت رغما عنها وهو لا يزال واضعا يده تحت ذقنها فمسحها مرة أخرى وقال: "لا تبكي، فبكاؤك يقطع في ذاتي". "أرجوكي يا هنا تمسكي بي وخذي ثقتك من وجودي معكِ كما آخذ أنا قوتي من وجودكِ معي". هنا بصوت مهزوز: "ولكني حقا لا أرتقي إليها".
يحيى: "لا تقولي هذا، فكرامتكِ مني واعلمي أنكِ عندي أعلى من أي شخص على وجه الأرض وهذا يكفيكِ. وقد اضطررت أن أفعل هذا لأجعلكِ تشعرين بما أشعر أنا به، فاطمئني يا صغيرتي، فأنا حقكِ أنتِ ولن يشارككِ في غيركِ. ولكن عليكِ أن تعلمي أيضاً أن ثقتكِ وكرامتكِ مني، فاعتزي بهما لأنكِ تعلين من شأني معكِ، فأنتِ مني". ثم ربت على كتفها مرة أخرى وقال: "أرجو أن تستوعبي كلامي وسترينني سعيداً بتمسككِ بي". ابتسمت هنا ولم ترد.
أكمل هو قائلاً: "لابد أن تعلمي أن الحب يحتاج لطاقة كبيرة للحفاظ عليه لأنه لا يأتي أبداً إلا ومعه الكثير من المعوقات. واعلمي أن الرجل الذي يكافح ويكابد من أجل حبه فهو عاش متيماً وإن عشقه فاق الحد، لأن الرجل من طبعه الجمود والصمود وعدم الاعتراف بالحب بسهولة، ولكن إن اعترف فيا ويل من عشقها، فهو يكون لها الحصن الحصين، ولكن في ذات الوقت يكون لها النار المتأججة التي تحرقها، لأنه إن صدم فيمن أحبها يتحول حصنه إلى أشواك ونار
تحرقه وتحرقها. فحب الرجل يختلف عن حب المرأة يا هنايا، وتأكدي إن قال الرجل للمرأة 'أنا حقكِ' فقد خرج عن المألوف، لأن الرجل لا يعترف بهذا إلا إن وصل لذروة حبه الصادق. ويا ويل حواءه إن حولته لنار، فإياكِ يا هنا أن تحوليني لنار تحرقكِ وتحرقني من قبلكِ".
أنتِ جنة في صورة بنت أنتِ أجمل مما أنا حلمت احتويتي فيكي جوا وخليني أعيش أنا وأنتِ في الجنة المشاعر اللي فيكي ما يكفيها الحب الشعر مخلوق ليكي وروحي هيمانة فيكي أنتِ أجمل بنت ممكن يوم تتحب صدقيني في كم المشاعر اللي ليكي جوة مني ومبتنطقش حبكِ ليه أرض وحبي ليكي جيش أنا ممكن عشانكِ أعلنها حرب. هزت هنا رأسها بمعنى موافقة، فاقترب منها وأسند جبينه بجبينها وقال بهمس: "تنهدي". استغربت من طلبه وابتعدت قليلاً، ولكنه ألصقها
مرة أخرى بجبينه وقال: "تنهدي". فهمست وهي متوترة من قربه ذاك وقالت: "لا أفهم ما تعنيه". قال لها بإصرار: "تنهدي بعد أن تأخذي نفساً عميقاً". لم تجد أي مفر إلا من تلبية طلبه، فصدمت عندما وجدته يستنشق أنفاسها وهو مغمض العينين، وكأنها تعطيه هواءً يحييه. ابتسم وقال: "أنفاسكِ هي سر حياتي وهي ما تصبرني عن بعدكِ عني". ثم ابتسم وابتعد عنها وهو يقول: "والآن ابتعدي عني أفضل لكِ لأنني لا أضمن نفسي". جاءت لتبتعد
عنه فجذبها مرة أخرى وقال: "أوعديني يا هنا أن لو الكون كله باعني أنتِ ستشتريني وتبقى أقرب منّي، ليه تبقي كل حاجة ليه، تبقي حبيبتي وأختي وأمي وابنتي، تبقي فيا جوة دمي، خليكي دايماً واحدة تغنيني عن العالم، خليني عايز أعيش معاكي لآخر سنيني". ردت عليه وهي مرتجفة من أثر كلماته وقالت بهمس: "أنتَ بالنسبالي مش حب، أنتَ بالنسبالي حياة وروح، يعيش بيك يا أما أموت، أنتَ أمني وأماني ومأمني وأمنيتي".
أنت روحي وراحتي وسكني ومسكني وسكينتي. وإذا تعتقدين أن أقول بعد هذه الكلمات فقد صهرتيني عشقًا بين ثنايا قلبك. ثم قال: أتدرين ماذا أقول أنا لقلبي الخافق بشدة الآن؟ أومأت برأسها بعدم المعرفة. ابتسم وقال: أقول له اهدا، فها هي بالقرب منك تتوسد صدري وتدثرك بأنفاسها، فلا تخف، فلن تفارقك بعد اليوم، فاهدأ وكن قرير النبض وخفف من روعتها، فها هي قد وعدتك.
ابتعدت وهي خجلة منه، فقد انصهرت من كلماته العذبة التي تقويها وتعطيها أملًا في الحياة. بدأ يحيى يتوسع في شركته، وبدأ يذاع اسم يوسف يحيى كشاب جديد صاحب طموح، بدأ يثبت ذاته بين قطاعات الاستثمار، وبدأ يصنع له اسمًا يخافه الجميع، ولكنه ظل يظهر اسمه ولا يظهر شكله. في يوم، وهنا وهي عند يحيى، نظرت له مليًا على لحيته فقد طالت، فابتسم هو عليها، فقد فهم ما يجول بعقلها،
فقال: لقد اشتقت لأن تحلقي لي لحيتي، ولكن ما باليد حيلة، فأنا أتخفى خلفها، وأعلم أنك تشمئزين من مظهري، ولكن تحمليني، فهذا قدرك، وأعدك، سأعود وسيمًا. ابتسمت بخجل، وقال: لقد ازددت جاذبية بها. ابتسم لها، وقال: ولكني اشتقت لمسات يديك على وجهي. ارتعشت أوصالها ولم ترد. دخلت مدام صفاء عليهما وزياد، وبدأوا يتناقشون في العمل.
زياد: أحب أن أزف إليكم البشرى الكبرى، فقد فزنا بأكبر مناقصة ورست علينا بعدما كان المتوقع أنها سوف ترسو حتمًا على أشقائك كما العادة، ولهذا هم الآن في قمة غضبهم ويريدون مقابلة يوسف يحيى ذاك الرجل المتخفي. مدام صفاء: الفضل كله لرابط الهكر الذي فتح لنا شبكتهم لنتطلع على دسائسهم، حيث لم أتوقع أنهم بهذه الدناءة، وكنت لا أصدق أن يخبرني أحد أنهم يتاجرون في السلاح والمخدرات لولا أن رأيت بأم عيني.
ثم تنهدت وقالت بأسف: لو أنهم كانوا تذوقوا طعم الشقاء من أجل إعلاء اسم تلك المجموعة لما فرطوا فيها بهذا الشكل. يحيى: الآن أنا أسد عليهم كل شيء، فقد أصبحت أستمع لجميع مكالماتهم وحساباتهم، وأسد عليهم كل باب، وقد أبلغت عنهم الضرائب وسلمت لها صورة من كشف الحساب الحقيقي. دخلت عليهم شهندة فجأة، فقطعوا الكلام، فلاحظت ذلك، فازداد غيظها منهم، إذ أنهم يتحدثون أمام هنا بينما يصمتون أمامها هي.
فقالت بضيق: سأذهب إلى النادي أنا ويوسف. يحيى بضيق: لن تخرجي أنتِ ولا يوسف. قاطعته شهندة بعصبية: ولما تمنعني من الخروج؟ هل أنا حبيسة هنا؟ يحيى تمثل البرود فقال: لا حبيبتي بالطبع، أنتِ لست محبوسة، ولكني أغار عليكِ أن تخرجي لحالك هكذا وكل العيون تحدق فيكِ، وأنا عاجز عن الخروج معكِ، ثم إني لا أريد أن أعرض حياة يوسف للخطر، فأنتِ تعلمين ما أنا فيه.
انشرحت أسارير شهندة، فقد ظنه يغار عليها حقًا، فقد أصبحت أسيرة كلمات العشق منه، حتى وإن كانت مزيفة، لأنها أصبحت لا تنالها إلا بعد عذاب، بعد أن كانت تنالها بين اللحظة واللحظة. فتبسمت قائلة: إذن سأنتظرك يا حبيبي في حجرتنا. كادت هنا أن تتمزق أشلاء من كلماتها، فهي تشعر بالغيرة حقًا، فأصعب ما يمر به الإنسان أن يرى حبيبه أمامه مملوكًا لغيره، ولا يستطيع أن يدافع عن حبه أو يسمع أي كلمة تبرد ولع قلبه.
أنهى الجميع الاجتماع ورحل زياد، وصعدت مدام صفاء لحجرتها، وهمت هنا أن تغادر، إلا أنه جذبها من يدها وأجلسها بجواره مرة أخرى، وقال: أصبحت لا أستطيع الانتظار أكثر من هذا، فلعلك ترحمين تمزق قلبي وتوافقين على الزواج العرفي. هنا بخجل وبصوت خافض: أرجوك يا يحيى، لا تعيد الكلام في هذا الموضوع، فإن كنت غالية عندك اجعل زواجي في النور.
يحيى: إنه سيكون في النور يا هنا، أنا سأشهر أمام أهلي وأهلك، وهذا ما يهم على الأقل الآن، وسأوثقه فور حصولي على أهليتي القانونية، فأنتِ ترين حتى شركتي الجديدة كل أوراقها باسم زياد، ولم أملك فيها سوى الاسم الظاهري فقط. ثم مد يده وأمسك يدها بين كفه، وقال: ألم تشتاقي أنتِ الأخرى لوجودك جواري وللنوم على صدري؟ توترت هنا ولم تعرف بما تجيب.
أكمل هو قائلًا: على راحتك، لن أجبرك على شيء، ولكن طمنيني، هل أنتِ بخير وأنتِ تسكنين مع والدتك، أم أن زوجها لازال يضايقك؟ هنا بتوتر وبتلعثم قالت على الفور: لا. وحاولت تداري الحقيقة المريرة، وهو أنه لا زال يضايقها. يحيى: من الغد سأجهز مكتبي لكِ لتستأنفي مرة أخرى مذاكرتك، فأنا أعرف قد عطلتك كثيرًا. هنا: إن شاء الله.
وقفت وسحبت يدها من يده استعدادًا للرحيل، فإذا به تفاجأت به وقف وجذبها إلى حضنه على حين غرة، ودفن رأسه في رقبتها وأخذ يستنشق عطرها. شهقت هيا وحاولت أن تبتعد، فأمسك برأسها بين كفيه وقال لها: تنهدي بعمق. توترت هنا وقالت بهمس: أرجوك، أنت دوما ما توترني وتضغط على أعصابي. يحيى لم يسمعها وظل مسندًا بجبهته عليها، وقال: قلت تنهدي. تنهدت هنا فاستنشق أنفاسها،
وقال: هذه هي قبلة الحياة، فأنفاسك تصبرني على الحياة حتى يجمعنا بيت واحد. وأخيرًا حررها منه، وقال لها: سأوصلك. بينما كانت شهندة تراقبهم وتستمع لهم، وكم غارت عندما وجدت قلب الأسد عاشقًا متيمًا وهو يتنفس أنفاسها، فدبت فيها الغيرة وقررت الانتقام.
مرت أيام وهنا عادت تهتم برسالتها، ويحيى يهتم بعمله، وقد ضاق الخناق حول أشقائه، فقد أصبحوا مكبلين بالديون والقروض محاولين الوقوف من جديد على أقدامهم، ولكن يحيى لم يترك أمامهم أي ثغرة إلا وسدها أمامهم، وأخذ هو يذيع صيت شركته، بينما يضمحل اسم مجموعته الأولى، وإن كان هذا يسبب له أزمة نفسية، فهو لم يرد ذلك يومًا، ولكن ما باليد حيلة، ولكنه كان على ثقة أنه ما إن يأخذ حكمًا بأهليته إلا وسيعود لمجموعته ويعلي اسمها من جديد.
كانت هنا في مكتبه تذاكر، وكان هو في شركته مع زياد، ودخلت عليها الخادمة وهي تشتكي من يوسف الذي يرفض أن يأكل من يدها، فابتسمت هي لها وتركت كتبها وركعت أمام الصغير وفتحت له ذراعيها، فركض عليها وأخذ يقبلها، بينما هي أخذت الطعام من يد الخادمة وقالت لها: اتركي، سأطعمه أنا. حضر يحيى ودخل عليها وهو مشتاق إليها، فابتسم عندما وجدها تطعم صغيره وهي تلعب معه، فقال: كيف أحوال صغاري؟ ابتسمت وقالت: نحن بخير ما دمت بخير.
نظر لمكتبه وإلى أوراقها، فابتسم وهو يرى رسمة مصغرة لجمجمة، وقال مناغشًا لها: أين عقلي أنا هنا في هذه الرسمة؟ ابتسمت هي وقامت، اعتدلت، ومدت يدها وأحضرت رسمة قديمة قد رسمتها هي له قديمًا، وقالت: هذا هو عقلك. أخذ يتأمل الصورة مركزًا فيها، وابتسم قائلًا: ولكنك نسيتِ شيئًا هامًا. هنا بعدم فهم وباستغراب أيضًا: اممم، أراك أصبحت طبيبًا، ومع ذلك، ماذا وجدتني نسيت؟ يحيى بخبث اقترب منها وأمسك الرسمة ومعه قلم رصاص،
وقال: هذا ما نسيتيه. وأخذ يكتب في كل أجزاء الرسمة اسمها. فابتسمت ولم تعلق. فقال: عقلي لا يفكر إلا فيكِ، أما قلبي فمسكين ميت من الاشتياق. ابتعدت عنه وهي تمسك بيد يوسف، فقد اعتبرته منقذها الوحيد من براثنه. يحيى بخبث: اذهب الآن يا يوسف. سمع الطفل الكلام وترك يدها وركض للخارج. ابتسم هو واقترب منها، وهمس قائلًا: إن أردتِ أن تحتمي مني، فاحتمي فيّ. توترت وابتسمت ابتسامة عذبة، وقالت: لكني لم أخف منك لأحتمي منّك فيك.
يحيى بخبث: اممم، إذن هكذا أنتِ أيضًا لا تخافين مني. وجذبها بين يديه لحضنه على غفلة منها، فشهقت، فقال: لا ملجأ مني إلا إلي، فما فعلك الآن؟ أفلتت منه بهدوء، وقالت: أراك جائعًا. عاد مناغشًا لها ومربكًا إياها، قائلًا: قد أفلتك برغبتي، وعامة، إن كنتِ ستطعمينني كما السابق، فأنا أموت جوعًا، وإن لم يكن ذلك، فأنا لست بحاجة إلى أي طعام. ابتسمت وقالت: بل سأطعمك بيدي، ولكن عليك أن تجلس باحترامك.
يحيى بخبث: سأتمالك نفسي كما كنت أتمالكها وأنتِ تطعمينني وتعتقدين أني ميت، بينما أنا أتذذذ بالطعام من يدك. خرجت من أمامه لإحضار الطعام وهي مرتبكة، فهو دومًا ما يتلاعب بأعصابها ويجعلها مشتتة الأفكار. بينما ضحك هو على صغيرته الكثيرة الخجل والتي قد أسرت قلب الأسد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!