حقك حتى أتأكد أنك تحاربين من أجلي كما أحارب أنا من أجلك. قالت وهي لا تزال على نفس وضعها من اللاوعي: أنت حقي أنا. ابتعد عنها وابتسم على حالها الشارد، فمد يده يضرب جبينها بخفة وابتسم لها بخبث وقال: لم أعِ أنني جذاب لهذه الدرجة. انتبهت هنا له وقالت: هه. علت ضحكته ومد يده وسحبها خلفه وأجلسها أمامه على مكتبه وقال: لا، كان هناك موضوع بيني وبينك شائك، ولكن الآن أصبح موضوع مصيري.
انتبهت أكثر وعادت إلى الدنيا على صوت طرقات الباب. كان الطارق مدام صفاء، التي ما إن دخلت حتى فتحت ذراعيها لهنا، والتي بدورها ارتمت في حضنها. قبلتها مدام صفاء وقالت: كنت متأكدة أن ابنتي لن تخذلني، وفي كل مرة تؤكدين لي أن حنكتي لم تتأثر بشيء من شيخوخة عقلي وسني. ابتسمت هنا وقالت: لم أعتد أن أبتعد عمن أحبهم. ابتسمت لها مدام صفاء وغمزت ليحيى وقالت: وبالطبع الأحباب عندك درجات. ابتسمت هنا هي الأخرى، وقبل أن تتفوه بحرف
دخل زياد وهو يبتسم وقال: أعتقد اليوم لا لوم علي ولن أعتذر أنني جئت في وقت غير مناسب. رماه يحيى بقلم من على مكتبه وقال: دومًا تقطع علينا صفونا، فقد كانت الآن ستتفوه بكلمة تثلج بها صدري، ولكنك أبيت أيها الأحمق. ضحك الجميع، ثم أمرهم يحيى بالجلوس
وبدأ في شرح خطته فقال: أنا بالفعل بدأت العمل في شركتي الجديدة باسم يوسف يحيى، وقدمت قيد موردين في أكثر من شركة كبيرة، والحمد لله بدأت في العمل الفعلي، هذه أول خطوة. أما الخطوة الأهم فهي على هنا، فاليوم ستذهب للمصنع الرئيسي وغدًا ستذهب للمصنع الآخر. والخطة ستبدأ من أني أعرف كل كبيرة وصغيرة عن الصادرات والواردات والحسابات، وهذا سيبدأ من النهارده، وهو أن ماما هتتصل بهنا على تليفونها، وهنا... مرت ساعة شرح فيها يحيى خطته.
وبدأت هنا بالتوجه لمصنع وهي في قمة توترها من المواجهة وخائفة أن ينكشف أمرها. هنا بالفعل وصلت للمصنع، وكالعادة حاول هشام أن يزيحها من طريقه، فبدأ يضع على كاهلها أوراقًا كثيرة لتتوه بينها ويمضي هو على أوراق أخرى ليقحمها معهم في عملهم المشبوه. أثناء اجتماع الأشقاء الأشرار وهنا بينهم يتناقشون في أمور العمل، ولكن بالطبع بطريقة سطحية ليوهموها أن الأمر عادي، رن هاتفها فارتعدت هنا داخليًا لأنه حان وقت بدء مهمتها،
فردت بصوت مسموع: أهلًا يا ماما صفاء، وشغلت السبيكر وكأنها لم تنتبه. ردت مدام صفاء قائلة: أهلًا يا هنا، كيف حالك في العمل؟ لقد اتصلت بكِ لأقول إن أردتِ استفسار أي شيء اتصلي بي. و... الو... الو... أه يا هنا، دومًا هاتفك شبكته رديئة، وقلت لكِ خذي هاتفي ولم توافقي. وفجأة انقطع الخط. هنا بخبث: معذرة أستاذ هشام، هل لي أن أستخدم هاتفك لأحادث ماما صفاء؟ أعطاها هاتفه وهو مرحب، فهو سمع صوت مدام صفاء وخدع في كلامها.
قامت هنا وكأنها تهاتفها في الخارج لأجل الشبكة، وما إن خرجت حتى تلقت رابطًا من يحيى على موبايل هشام وفتحتها، وما كان هذا الرابط إلا رابط هكر. نفذت خطتها ودخلت بكل هدوء وكان شيئًا لم يكن، ونفس الشيء فعلته على الحاسب الآلي الخاص بها في المصنع. انتهى يومها الأول في المصنع وخرجت وهي تتنفس الصعداء، أنها خرجت سليمة ولم يكتشف أمرها. عادت للفيلا وقصت على يحيى ما حدث، وبعدها استأذنت للرحيل، فجذبها يحيى بعصبية وسألها: إلى أين؟
هنا بتوتر: على بيتي. يحيى: أي بيت وقد طلقك حسام؟ هنا بتوتر من عصبيته: ولكني استأجرت بيتًا وطلبت من أمي أن تأتي هي وإخوتي لتعيش معي. يحيى بعصبية أكبر: لن أسمح لكِ تعيشين مع هذا المتحرش زوجك. جحظت عين هنا من الصدمة. فمن أين عرف ذلك؟ ولكن من صدمتها لم تتفوه. أخذ هو نفسًا عميقًا وزفر بضيق وقال: ألم تصدقي حتى الآن أنني كنت أحوط بكِ في كل مكان حتى وأنا ميت؟ فأنا من ضربه عندما أتى لهنا وتحرش بكِ.
شهقت هنا من الصدمة وقالت: إذن أنت كنت حي وقتها ورحمتني منه. يحيى: ألم أقل لكِ حاربي لأجلي وتمسكي بي كما حاربت لأجلك. هنا بخجل: كيف رأيتني؟ وبالطبع هي تقصد عندما كانت تبدل ملابسها أو عندما كانت تقبله أو تنام على صدره. فهمها هو فابتسم على خجلها، وقصد إرباكها أكثر وابتسم بخبث ومال على أذنها وقال: لقد رأيت الكثير وأكثر مما تتخيلين، وعليكي أن تدركي متى عدت للحياة. هنا وبدت أنفاسها
متلاحقة من الخجل وقالت: لابد أن أذهب الآن ولا تقلق بشأني، فأخوتي وأمي سيكونون معي وسأحافظ على نفسي. واقتربت من الباب، فجذبها مرة أخرى وقال: ستباتين هنا لحين وصول أمك وتسليمك لها بنفسي. كادت أن تعترض، إلا أنه اقترب منها وقال قاصدًا إرباكها مرة أخرى لتخضع لكلامه: وإن اعترضتي سأصمم أن تنامي على صدري كما كنتِ تفعلين أنفا.
شهقت مرة أخرى، فقابل شهقتها بقبلة سريعة قبل أن تعترض، ثم ابتعد عنها وخرج ليأمر الشغالة أن تجهز حجرة نوم لهنا. ولكنها وهي بالداخل سمعت شهندة تصيح في وجه يحيى وتقول: لن تبات في بيتي، فكفاها أنها تقضي معك النهار وأنا محرومة منك. وللعجب، يحيى حاول أن يمتص
غضبها حتى تكتمل خطته وقال: اهدئي يا شهندة. وسحبها بهدوء خلفه قاصدًا تهدئتها بطريقته، ولكن هذا أشعل نار الغيرة في قلب هنا، ولم تستطع أن تعبر عن ذلك إلا بين ذاتها وبين دموعها على حبيبها الذي سينام في أحضان أخرى بينما هي محرومة منه.
مرت أيام عدة وأصبحت هنا تعمل في مستشفاها، ومن حين لآخر تمر على المصنع لتفعل ما يأمرها به يحيى. وأتت أمها وإخوتها وبالطبع زوجها للسكن الجديد الذي استأجرته هنا. وقد أوصلها يحيى أول مرة وتعرف على والدتها وشقيقيها ووصاهم على هنا، وقد شعر الجميع أنه يرغبها، ولكنهم غير متأكدين، وإلا فما الداعي لعدم التقدم لها خاصة أنهم يرونه لا ينقصه أي شيء، ولكنهم لم يعرفوا أصل الحكاية.
بينما اجتهد هو أيضًا في شركته، ولكنه ظل يخرج إليها متخفيًا، بينما زادت كراهية شهندة لهنا، فقد تأكدت أنها صاحبة الحب الأوحد في حياته، حتى وإن أنكر ذلك أمامها، ولكن العشق كان دومًا ما ينطق في نظراته ولهفته عليها. زاد ارتباط يوسف بهنا، وهذا كان يبعث الطمأنينة في قلب يحيى، فقد وجد أن يوسف مرتبط بهنا عن تلك المسماة أمه، حتى أنه لم يعد يأكل إلا من يدها أو ينام إلا على ذراعها.
في يوم طالت جلسة العمل بين يحيى مع هنا في غرفة المكتب، وقد نام يوسف على ذراعها، فقام يحيى وحمله برفق منها وأخذه لينام بحجرته على أن يعود إليها، فانتهزت شهندة الفرصة، وكانت مرتدية كعادتها قميصًا قصيرًا كنوع من الإغراء ليحيى، ولكنها كانت في كل مرة تفشل في اكتساب وده وقلبه، وعلى العكس من ناحيته، فكان يشعر تجاهها بالاشمئزاز، حيث شعر أنها لحم رخيص يباع لمن يدفع أكثر.
دخلت لهنا وهي منتظرة عودة يحيى، فأخذت تتمايل أمامها لتظهر مفاتن أنوثتها، ثم جلست بجوارها ونظرت لها بطريقة مستفزة، وأخذت تنظر لها من أخمص قدميها حتى قمة رأسها بسخرية وقالت: اممم، لم أعتد أن يختار يحيى سكرتيرات محجبات لا يفقهن للشياكة أي معنى. أخذت هنا تنكمش على نفسها، فهي تشعر بضآلة جمالها أمام تلك الفاتنة، كما أنها واثقة أنها مهما فعلت لن تصل إلى إغراءها، ولكنها بصوت مهزوز يحمل
عدم ثقتها بنفسها قالت: أنا لست بسكرتيرة، بل أنا مجرد مساعدة له، وأنا أفهم كلامك جيدًا، وعندك ألف حق، فقلب الأسد إن اختار فإنه يختار جمال الجمال، ولكنه لم يختارني، بل أنا وجدت أمامه صدفة وقد أجبر علي، ولكن لا تخافي، أنا لن أضاهيكِ مهما حدث. أطلقت شهندة ضحكة سخرية عالية وقالت باستفزاز: وهل أنا مجنونة لأقول إنه اختاركِ لتضاهيني؟ فأنا أعلم مكانتي عنده، وأثق في جمالي كما تثقين أنتِ من وضعك وحجمك.
قد سمع يحيى كل الكلام، ولكنه تخفى عنهم، فقد أراد أن يسمع كلام هنا وهل ستتمسك به على اعتبار أنه حقها، أم أنها ستتنازل عنه. غضب يحيى من استسلامها وعدم اعتزازها بنفسها وثقتها بها، فدخل عليهم وهو يستشيط غيظًا منها، ولكنه أراد أن يلقنها درسًا وفي ذات الوقت يسكن شهندة، وبهذا يضرب عصفورين بحجر واحد، ولكنه داخليًا متوتر، فهو لا يريد إيذائها أبدًا، فهي نبض قلبه، فكان بين كفتي الرحا بين أن يلقنها درسًا وبين إشفاقه عليها.
تمكن العناد فعزمت خصامك وادرت عيني عن محياك لكني نسيت أن نبضي يسكنك. وللوهلة الأولى وجدته داخلًا مبتسمًا لشهندة قائلًا: شوشو، لا تجلسين هكذا حبيبتي، فأنا أغار من نسمات الهواء التي تلامس جسدك. ابتسمت شهندة وكادت تطير من الفرحة لإطرائه عليها، فقد فرحت لأنه أكد كلامها أمام هنا ولأنه لأول مرة يكلمها هكذا من يوم زواجه منها.
أما عن تلك المسكينة فقد انكمشت أكثر على نفسها ولم تدري ماذا تفعل، فتنحنحت وهي مختنقة وقامت واعتدلت واستأذنت للرحيل. نظر لها بملامح جامدة وقال: إننا لم ننهِ عملنا بعد. ثم عاد واقترب من شهندة ووضع يده في خصرها وقال: اصعدي لأعلى حبيبتي وسأنهي أنا عملي وسأصعد خلفك. كادت هنا أن تموت قهرًا، وكان هو يشعر بها لأنه كان أكثر منها قهرًا عليها، ولكنه أرادها أن تثق بنفسها وأن تتمسك به.
تركتهم شهندة وخرجت وهي تشعر بالانتصار، بينما هما ظلا واقفين صامتين، ولم تستطع هنا أن تنظر إليه، وظلت محدقة أرضًا. أخذ هو نفسًا عميقًا أتبعه بتنهيدة قوية واقترب من تلك الواقفة أمامه وابتسم عليها ووضع إحدى يديه على كتفيها والأخرى تحت ذقنها ورفع وجهها إليه، فوجد عينيها المملوءة بالدموع، فمد يده ومسح دموعها
قبل أن تنهمر وقال لها بحب: زوجة قلب الأسد لا تنحني أبدًا ولا تبكي إلا على فراقه بموته، لأنه على أي حال لا يفارقها ما دامت الروح تدب في جسده. ارتعدت وهي بين يديه من كلمته، فكيف يقول لها إنها زوجته، وكيف يقول ما قال لشهندة. عاد يحيى مكملًا كلامه وقال: أ رأيت ما هو شعورك عندما لم أتمسك بكِ؟ شعور بالقهر، أليس كذلك؟ وهذا ما أشعر أنا به كل يوم وأنا أراكِ لا تتمسكين بي وتتنازلين عني بكل سهولة لغيرك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!