الفصل 27 | من 48 فصل

رواية عشقها الأسد (الجزء الأول)- الكاتبه رباب عبد الصمد الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم Emy Abo-Elghait

المشاهدات
12
كلمة
1,696
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

هنا لم تجيبه لأنها لا تعرف بما تجيبه، فهي تريده حقًا ولكنها تشعر بالشفقة تجاه حسام، فهي بين نارين. لم ينتظر يحيى ردها وأغلق الهاتف وخرج من مكتبه متوجهًا إليها، فوجد زياد أمامه مكفهر الوجه. "ما بك؟ " سأل يحيى متعجبًا من منظره. "إلى أين أنت؟ " رد زياد. "أنا ذاهب لهنا وسأنهي كل شيء مع حسام وسآتي بها إلى هنا وسأتزوجها،" أجاب يحيى وهو يهز كتفيه على منظر زياد. "وكيف ستتزوجها وأنت في نظر القانون فاقد الأهلية؟

" سأل زياد بنفس ملامحه. "أعلم ذلك، ولكن الزواج أساسه الإشهار، وأنا سأشهر ذلك وسأتزوجها عرفيًا لحين ثبوت أهليتي، ساعقد عليها شرعيًا أو سأثبت الورقة العرفية." "وهل أخذت رأيها في ذلك أم بنيت رأيك على فكرك فقط؟ "هي تحبني وأنا متيم بها، ولن نجعل مثل تلك التعقيدات أن تفرقنا ما دمنا نستطيع أن نتجاوزها مؤقتًا." قال يحيى بضيق.

شعر زياد بتوتر وأخذ يبتلع ريقه ويتلعثم، ويحاول أن يجد أي مقدمات لكلامه. ولأنهما صديقان، فلم يخفِ هذا على يحيى، فسأله بسرعة: "ما بك هكذا متوتر؟ "أثناء قدومي إليك الآن، تفاجأت بشهندة داخلة من بوابة الفيلا على أساس أن هنا هي من بالداخل وتريد ابنها. وعندما عرفت أنها ستعرف كل شيء، فضلت ألا تدخل قبل أن أحكي لها أنا حتى تتفهم الأمر ولا تكشف سرك."

وقف يحيى مصدومًا من هول الخبر والصدمة. وإذا به يتحول إلى نار متأججة في لحظة وركل الكرسي الذي أمامه وقال: "وهل توافق ما تذكرت أن لها ابن؟ هل توافق ما انتهت من نزواتها لتأتي واتخذ ولدها ممن ائتمنته عليه؟ كيف ائتمنت هنا عليه وهي لم تعرفها؟ كيف صمد قلبها كل تلك الفترة وهي بعيدة عن ابنها؟ فما كان الوضع أن لم تكن هنا ملاكًا وكانت فعلت معه مالا يحمد عقباه. ورب العزة ما كان يكفيني فيها فصل رقبتها عن جسدها و...

قطع عصبيته صوتها الذي يحمل كل معاني الأنوثة والدلال من خلفه، وهي تقول: "يحيى حبيبي، اشتقت إليك." صدم يحيى من سماع صوتها، فاختلطت عليه المشاعر. فكم كره أن يسمع منها حرفًا وكره ذاته التي هامت بها يومًا. ولكن ما إن التفت إليها إلا واختلطت عليه مشاعر أخرى، فتذكر كم عشقها.

ظل هكذا وهي بجواره، وعلمت ما دار في خلده. فهي حقًا لا تقاوم، وقد كان يعشقها بكل ما أوتي من مشاعر. فاقتربت منه وهي حذرة وحضنته وأخذت تقبله بهدوء لتربكه. وأخذت تخلل أصابعها بين خصلات شعره حتى إن زياد نفسه توتر من وضعهم. بينما يحيى كان لا يزال على نفس وضعه واقفًا متبلدًا، لا يعرف من يقف أمامه. ما شعوره حاليًا؟ هل هو ضيق منها، أم أنه انسجم معها واختلجته مشاعره القديمة نحوها، أم أنه يفكر في هنا ولم يبالِ بلمسات شهندة؟

وأخيرًا، أخذ نفسًا عميقًا ليهدأ من روعته وقشعريرة جسده من لمساتها. ونهرها وأبعدها عنه، وأخذ ينظر إليها باشمئزاز وقال محقرًا لها: "لم أعتد أن يلمسني جسد ملطخ ممن قبلي، ولا تتركي لعقلك العنان ليعتقد أنني حتى الآن أسيرك. فقد عرفت معنى الحب الحقيقي وأصبحت أسير لقلب هوى، وأنا ميت." "أصبحت أسير لقلب لم يجذبني له بالشهوات، بل خاف علي من الشهوات." بكت أمامه

بدموع التماسيح وقالت: "كيف كنت تريدني أن أبقى بجوارك وأنا أحمل في أحشائي قطعة منك؟ فكنت أخشى عليه من أشقائك، وما صبرني أن من أخاف عليه ما هو إلا أنت." "تقولين أنك خشيتِ أن تظلي بجواري لأنك تحملين في أحشائك قطعة مني، وأن ما كان يصبرك عن فقدي أن من معكِ ما هو إلا أنا، وفي ذات الوقت تتركيه لغريبة لا تعرفيها لتربيه هي وتتفرغي أنتِ لنزواتك؟ أليس كلامك متناقضًا؟ ألستِ تشعرين بالخزي من نفسك مما فعلتي؟

" قال لها مبتسمًا بجانب فمه كنوع من السخرية. "ارحمني يا يحيى، فحبك كان يتملكني ولم أستطع التفكير إلا فيك، وكنت أحاول أن أرحم عقلي بالخروج مع آخر، فكيف تظلمني لهذا الحد؟ " قالت شهندة مدعية البراءة. "أحقًا ما تقولينه؟ فهل كذبتِ وتحاولين أن تصدقي كذبك؟ ألم تقولي إنني أنا الذي اكتفيت بكِ فقط، بينما أنتِ التي لا يقاومك الرجال؟ " علت ضحكة يحيى بسخرية أكبر. ارتعشت أوصال شهندة، فكيف عرف ذلك؟

واعتقدت أن هنا هي من قالت له ذلك ولم تعرف أنه كان يسمعها بنفسه. فاقتربت منه وهي تتمايل وبدلال قبلته مرة أخرى وقالت: "لا تعطِ لها الفرصة لتوقع بيننا، فيبدو أنها تغار مني وأرادت أن تكسب قلبك على حساب قلبي." فهم يحيى ما ترنو إليه، فابتعد عنها وقال: "وهل الملائكة ينتظر منها مثل تلك الأفعال؟ لم تفهم شهندة،

ولكنها همست قائلة: "ولكن بيننا ولد وأريد أن أربيه بيننا حتى لا يؤثر على نفسيته، ثم إني لم أستخرج له شهادة ميلاد حتى الآن." تنبه يحيى لكلامها وتذكر ولده، فهو حقًا لم يكتب حتى الآن باسمه. فشرد قليلاً. وقد شعرت أنها قد وصلت لمبتغاها من التأثير عليه، فأكملت قائلة: "كما أنني خائفة من أشقائك، فقد شعرت منذ أيام أنهم يتتبعونني، وأخشى أن يفعلوا بي أي شيء إن علموا أن لي ابنًا منك."

تركها يحيى وعاد مرة أخرى لغرفة مكتبه وهو في قمة ضيقه، فقد انقلبت الدنيا عليه في لحظة. دخل خلفه زياد، بينما منعها هي من الدخول عليه، فهو أراد أن يعطي ليحيى مساحة للتفكير دون أن تؤثر هي عليه بدلالها. وما إن دخل إلا ووجده واقفًا أمام النافذة محدقًا للسماء في نقطة في الفراغ، وهو مضيق عينيه وشارد الذهن. لم يطع زياد صمته وتركه يلملم شتات تفكيره ليقرر ماذا سيفعل. وعندما طال الوقت وهو على نفس وضعه في صمت تام،

قال زياد: "ماذا ستفعل الآن؟ " كاد أن يتكلم، ولكنه وجد الباب يفتح وتدخل مدام صفاء وهي تقول بحزم: "تزوجها يا بني." فزع يحيى من صوتها وصدم أكثر من جملتها. ويجدر الإشارة إلى أن زياد أيضًا قام من مكانه وهو يحدق فيها مصدومًا هو الآخر من كلمتها. "أتزوجها؟ كيف يا أمي تقولين هذا؟ أترضينها علي؟ أترضين على يحيى فؤاد أن يتزوج من أمثالها؟ " قال يحيى بعصبية.

"أنا لم أتمناها لك يومًا، ولكنها في نفس الوقت لحمك وأم ابنك وبنت أختي ووحيدة. وإن لم تتزوجها، ستظل هكذا تبيع جسدها لكل من يدفع لها المال. فقد تعودت على العيشة في مستوى عالٍ ولم تتعود على أن تكافح وتعمل، وحتى إن اشتغلت فلا يكفيها أي مرتب لتعيش في نفس مستواها. وهذا سيلطخ اسمك واسم ولدك." ردت عليه مدام صفاء وهي تبكي. اقترب منها يحيى وقد انهدمت

آماله في لحظة وسألها: "وماذا عن تلك التي وهبتني حياتها بدون أي أمل في فهل أخدعها الآن وأخذلها بعدما عدت إلى الحياة؟ "هنا ملاك يا بني، وستقدر الموقف حتمًا، وسأشرح لها أنا بنفسي." قالت مدام صفاء بدموع أكثر.

"رأيتك أنت وولدك تلصقون بها صفة الملائكة، وكأنكم نسيتم حقيقتها. إنها بشر ولها مشاعر وأحاسيس. ووجدتكم تأخذون دائمًا القرارات وتحددون أنتم مصيرها دون أن تشركوها حتى في أخذ القرار في مصيرها. فمن البداية أنتِ أعطيتها الأمان وكتبتي كل شيء باسمها، وهذا كرم أخلاق في ثقتك بها، ولكنك لم تهتمي بما قد تعانيه أو تقابله من أشقائه جراء ذلك. فكل ما همك هو الحفاظ على أموالك وولدك، وبعدها قلتي له أن يلحق بها في المطار، وكنتي واثقة من

موافقتها ولم تعملي لشعورها أي اعتبار. أما ابنك فلم يكن إلا صورة مصغرة مثلك، فقرر في الحال أن يخطفها ويجعلها أسيرته دون أن يفكر فيها إن كانت ستوافق عليه أم لا. وبعدها يقرر أنه سيتزوجها عرفيًا وظن أنها ستوافق حتمًا على قراره، ولم يعطِ لها حتى أي حرية في إبداء رأيها. والآن تقرر أن يبتعد عنها ويتزوج من أم طفله وتؤكدين بكل ثقة أنها ستتفهم الأمر." قال زياد أخيرًا وقد وصل لقمه ضيقه بكل عصبية.

وفجأة أكمل كلامه بصياح: "أين مشاعر الناس وأحاسيسهم عندكم؟ ألم تفكروا فيها هي نفسها؟ لما دوما تؤكدون أنها ستفعل ما تفكرون أنتم فيه؟ في لعب هذا بمشاعر الآخرين! صدم يحيى من لهجة صديقه، وللوهلة اختلطت عليه الأمور. فهو مقتنع بكلامه، ولكن يراوده شعور بالغيرة على هنا منه. فهل قال ذلك لأنه لا يزال يحبها ويود أن يبتعد عنها ليتزوجها هو؟ أم أنه فعلًا أخطأ؟

وفي الحقيقة، كل الثلاثة كانوا محقين في كلامهم وقراراتهم. مدام صفاء لم تترك أموالها وولدها لهنا إلا لثقتها فيها، ولم تنتظر قرارها لأن ثقتها فيها جعلتها تتأكد من موافقتها. وكونها قالت لابنها أن يتزوج من شهندة، فهذا أيضًا كان قرارًا نابعًا من تعقلها للأمور، وكونها كانت واثقة في أنها تستطيع أن تفهم هنا، ولأنها مؤمنة بعقلها الرشيد، كانت واثقة أنها لن ترفض ما قرروه.

أما يحيى، فكل قراراته كانت نابعة من عشقه لها. فهو حقًا قد هام وتيم بها، ولم يعد في استطاعته أن ترى عينه غيرها. وكونه اعتقد موافقتها على الزواج عرفيًا منه، فقد كان قلبه هو من يتحدث. فكثيرًا ما نرى العشاق يتصرفون تصرفات قد تبدو للغير غريبة، وقد تبدو لهم هم أنفسهم كذلك، ولكن بعد مرور الوقت. ولكن في وقت ذروة عشقهم، يتغيب عقلهم ويبقى القلب هو المسيطر الوحيد. فهو لم يخطئ أبدًا، ولكنه كان عاشقًا.

أما زياد، فلأنه كان ينظر بعين العقل من خارج الدائرة، استطاع أن يحلل ما لم يستطع هم تحليله لأنفسهم. فشعر بأحقية هنا في الاشتراك في اتخاذ القرار، وكان لا بد ليحيى أن يعلم أن صديقه لن يفكر أبدًا فيها ما دامت أصبحت تخصه. ولكن إن حضر العشق غاب العقل.

ظل الثلاثة صامتين لفترة، وظل يحيى شاردًا وقد شل عقله عن اتخاذ أي قرار. فقد أصبح مشتت الأفكار. فولده من حقه أن يحيا بين أبوين مثل باقي أقرانه، وهذا أقل حق له في الحياة، بل ويجب أن يفتخر بهم كذلك. ولكن ما ذنب هنا؟ وما الذي سيصيبها إن علمت ذلك؟ ولكن السؤال الذي ظل يجول في عقله: هل ستتخلى عنه هنا أم ستظل معه؟ وللمرة الثانية، تكون مدام صفاء هي

القاطعة لهذا الصمت وقالت: "يا بني، الحل الآن أن تتزوج من شهندة، لأنك إن لم تتزوجها فقد يفشي سرك لأخوتك وتخرب عليك كل مخططاتك. كما أنه لزامًا عليك الزواج منها لأجل استخراج شهادة ميلاد لابنك، والأمر الثالث والأخير أن تتستر أنت على لحمك." ظل يحيى شاردًا وهو جالس على الكرسي خلف مكتبه، وبدأ يدفن وجهه بين كفيه، ثم خلل أصابعه بين خصلات شعره وأرجعها للخلف. لاحظ زياد توتر صديقه وتوأمه، فكان هو صاحب

الكلام في هذه المرة وقال: "آسف يا صديقي، ظلمتك في الكلام، ولكن هذا من شعوري بالظلم تجاه تلك المسكينة. فما ذنبها أنها عشقت ميت في البداية والنهاية." رفع يحيى رأسه ببطء ونظر لصديقه وقال: "ميت في البداية والنهاية؟ "نعم، فهي عشقتك وأنت ميت، وعندما عدت لحياتك ستتركها أيضًا، فأنت في الحالتين بالنسبة لها ميت." "ولماذا قلت إذن أنك ظلمتني ما دمت ميتًا في بدايتي ونهايتي؟

"لأني أعلم أنك قد تفعل ما أنت قادم عليه وأنت مجبر وليس مخير." تنهد يحيى بألم وقال: "أنا لن أتخلى عن هنا حتى وإن دفعت حياتي لإثبات أني متمسك بها. فما دمت الموت يهواني في كل أحوالي، فشرف لي أن أموت وأنا أثبت لها حبي أفضل من أن أظل حيًا ولم أعبر لها عما يكنه قلبي." "وماذا ستفعل إن رفضت هي هذا الوضع؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...