ابتسم عليها ومد يده أسفل ذقنها ورفع وجهها إليه. كانت في قمة خجلها، وكادت وجنتاها أن تشتعل نارًا من حمرة الخجل. فقال غامزًا بإحدى عينيه: "رأيت كل شيء تتوقعينه أو لا تتوقعينه، ولكن ما الخجل؟ فما دمتِ أنتِ زوجتي، ثم إنني لم أخجل منكِ وأنتِ تغسلينني." اضطربت هنا وكادت أن يغشى عليها، وقالت: "ولكنك لست بزوجي." "يحيى. ومن قال إنكِ لستِ بزوجتي؟
فالزواج إشهار، وأنا على أتم استعداد أن أخرج وأعلن ذلك أمام الجميع، فقلب الأسد لا يهاب أحدًا." "هنا. ولكني زوجة حسام." "يحيى بضيق: "لابد أن أنهي هذا الوضع السخيف غدًا على الأكثر." نظرت له هنا نظرة طويلة، ولكن هو قطع تلك النظرة باقترابه منها. وغاصا معها في قبلة حميمة بثّ فيها شوقه إليها. والأغرب أنها لم تمانعه، والأدق أنها هي الأخرى كانت سعيدة بشغفه عليها. تنبّهت لحالها وتذكرت حسام، وابتعدت عنه بسرعة.
سمح لها يحيى بالابتعاد وهو يزداد لوعًا من بعدها. "هنا مغايرة للموضوع حتى تستطيع أن تلملم شتات نفسها من الاضطراب: "متى ستكشف لهم نفسك؟ "يحيى:
"هناك الكثير من الإجراءات، ولابد أن آخذهم على حين غرة حتى لا يأخذوا حذرهم. ومن الغد اطلبي كشف حساب عن الفترات الماضية، وبالطبع هم لن يعطوكِ الحسابات المضبوطة، ولكنها أيضًا تهمني حتى وإن كانت حسابات مزيفة. وسأجعل أمي تطلبك على هاتفك، وبعد لحظة تدعين أن هاتفك فصل شحنه، وتستأذنين من هشام أن تهاتفينها من عنده. ووقت أن تبدئي محادثتها حاولي أن تبتعدي عنه وتكوني بعيدة وكأنكِ لا تريدينه أن يسمعكِ." "هنا بعدم فهم:
"ولما كل هذا؟ "يحيى: "ستعرفين كل شيء غدًا." كادت أن تكمل كلامها، إلا أنهم سمعوا صوت قدوم سيارة حسام. فازداد ضيق يحيى وقال: "شريكي فيكِ وصل." لم ترد عليه، ولكنها اضطربت وبدأت تتحرك نحو المغادرة. إلا أنها تفاجأت به يجذبها إليه ويشد على ذراعها ويقول: "انتبهي لحالك، وإياكِ أن يظهر منكِ ولو أطراف من شعركِ. وتأكدي أنني من الغد سأنهي هذا الموضوع وسأتزوجكِ." أومأت هنا بالإيجاب. ولكنها لم تتفوه بحرف. وعندما وجدها هكذا،
شد على ذراعها وقال: "انتبهي على قلبي الذي ستأخذينه معكِ وحافظي عليه بين أحضانكِ، ولا تجعلي غيركِ يلمسه." فهمت مقصد كلامه، ولكنها أيضًا كانت عاجزة عن الرد. فهي لا تعلم ما ينتابها وهي أمامه. فدوماً ما يتلجم لسانها. ولم تفسر سبب هذا. فهل هو خوف ورهبة من كيانه، أم حب وشغف، أم خجل، أم عذاب حب؟ هي نفسها لا تعلم له وصفًا.
خرجت وتركته يشتعل غيرة عليها. وظل واقفًا خلف نافذة مكتبه التي أصبحت تشهد على اشتعال قلبه كل يوم وهو يراها تذهب مع غيره تحت عينيه وهو واقف عاجزًا.
ما إن خرجت هنا، إلا وكادت أن تأخذ نفسها بسلام. فهي هكذا في وجوده، يهرب منها كل شيء حتى أنفاسها. ولكن ما إن وجدت حسام يستقبلها بابتسامة عذبة، إلا وضميرها عاقبها على ما فعلته في حقها. فوقفت متجهمة شاردة، لا تعرف بما تجيب على ابتسامته النقية. وقد أصبحت هي ملوثة لشرفه. انتابها شعور بالخيانة تجاهه. فمهما كان زواجهم أكذوبة، إلا أنه أعطاها اسمه لتحافظ عليه. ولكنها كانت غير أمينة. فقد وقعت فريسة لحبها الذي أغشى عينها عن الخطأ الذي وقعت فيه.
حسام لاحظ وقوفها صامتة شاردة، لا هي ركبت ولا هي بادلته الابتسامة. فسألها: "ما بكِ يا هنا؟ أحدث ما يضايقكِ؟ إياكِ أن تهدرى كرامتكِ، فكرامتكِ عندي أهم من كل شيء. وأنا سأساندكِ لآخر نفس في عمري. فإما أن تتزوجيه وأنتِ مرفوعة الرأس، وإلا سأجعله يندم عليكِ." "هنا في نفسها: "ليتك ما تفوهت بحرف يا حسام، فقد أوجعتني. فأصبحت أنا الجانية ولست المجنى عليها." تقدم حسام نحوها ووقف أمامها وأمسكها من كتفيها وقال: "ما بكِ؟
قلت لكِ لا تقلقي وأنا معكِ." ولاحظ هو ظل يحيى من خلف النافذة. فتقدم نحوها أكثر وقبلها من جبينها كنوع من استفزاز يحيى. ولا يعرف أن يحيى عرف كل شيء وأصبح هو المتقدم خطوات لقلبها. أما هنا، فقد أوجعها تصرفه هذا أكثر. فهي تعلم لماذا فعل ذلك.
وودت لو قالت له: "لا داعي لهذا التمثيل، فقد وقعت في أحضانه بالفعل." ولكنها لم تجرؤ. وأخيرًا تمالكت نفسها وركبت بجواره بهدوء. في حين أن هذه الحركة قد استفزت يحيى حقًا واستشاط غيرة عليها. سار حسام بالسيارة وهنا بجواره على نفس حالتها من الشرود. شعر حسام أن هناك شيء تخفيه عليه أو تعجز عن البوح به. وهذا ما جعله هو يتجهم هو الآخر. وأخذ من الشيطان مكانًا وأخذ يجول بعقله بكثير من الأفكار والخيالات.
وصلا إلى الشقة ودخلا بكل هدوء ولم يتفوه أيهما بشيء. دخل حسام غرفته في صمت، وتركها تتعرج ببطء حتى وصلت لغرفتها. وما إن دخلت، إلا وتركت لدموعها الحبيسة العنان، وأخذت تلوم نفسها. طال الليل على ثلاثتهم، وجميعهم غارق في أفكاره. بين من تشعر بالندم، وبين من هو مستشيط غيرة عليها ويشتاق إليها، وبين من هو يشعر بالجرح في كرامته. فيكيف له أن يتحمل أن يكون عاشقًا لها ويساعدها لتكون لغيره؟
والأمر أنه يشعر أن هناك ما قد حدث ولا تستطيع هي البوح به. أخيرًا تحاملت هنا على نفسها وقررت أن تصارحه بما حدث. ومن المؤكد أنه سيسامحها. كان حسام واقفًا في بلكونة غرفته شاردًا، وكان فاتحًا أزرار قميصه. لعلّه يستطيع أن يستنشق أكبر حجم من الهواء النقي الذي يبرد ناره المتأججة. ولم يسمع طرقات هنا على الباب.
فجأة سمعها تهمس من خلفه معتذرة. فلم يلتفت إليها، فقد انتابته خنقة كبيرة لأنه علم أنه سيسمع منها ما لا يرضيه، وقد تسمعه ما تذبحه به بدم بارد. فأغمض عينيه وهو على نفس وضعه وقال بصوت صارم أرعبها: "من غير أي اعتذارات ولا مقدمات. فما كسر لا يحتاج تبريرًا لسبب انكساره، ولكن الأهم أنه انكسر ولن يعود كما كان. فابلغيني ما تريدين قوله، وكلي آذان صاغية. ولكن بعدها اخرجي على الفور دون انتظار أي إجابة."
تعجبت هنا من كلامه. فقد قرأها وقرأ ما تود قوله دون أن تتكلم. فقال في نفسها: "آه يا حسام، لقد قرأت صمتي وأوجعتني أكثر وألجمت لساني."
ظلا حاضرين جسدًا وشاردين روحًا. فهو واقف مولّيها ظهره منتظرًا الخنجر الذي ستطعنه به. ولكنه لم يحاول الهروب منها. بينما هي وقفت تهتز من خجلها. فقد أصبحت لا تطيق ذاتها بفعلتها تلك. ولكنها في وجود يحيى تكون مغيبة بالفعل. فهي لا تستطيع مقاومة حبها له. حقًا لا تستطيع أن تكون أمام من تمنته يومًا ومحرومة منه في ذات الوقت. قطع صمتهم صوته المجروح قائلًا:
"لا تستصعبي الأمر. فما فعلتيه لا تخشينه ما دمتِ أقبلتِ عليه وأنتِ عاقلة رشيدة." بكت هنا وقالت بصوت مهزوز: "اعذرني، فقد كنت مغيبة. فكم كنت أتمنى تلك اللحظة وأنت تعلم." أغمض حسام عينيه وأغلق فمه وأخذ نفسًا عميقًا استنشق به كمية كبيرة من الهواء ليملا رئتيه به. فقد كادت أن تختنق من كلامها. فيا للعجب في تلك الدنيا!
وباله من صبور ولم يكن كذلك منذ قبل. فها هي الآن تعترف له بخطأ ما في حقه. خطأ قد يكون ملوثًا لشرفه ورجولته. وعليه أن يتحمل ذلك الاعتراف ما دام وافق أن يستمر في ذلك منذ البداية. وأخذ يجز على أسنانه ليحد من غضبه بدلاً من أن يحرقها به. مرت دقائق قليلة، ولكنها مرت كالدهور عليهما. اعترفت فيها هنا بما حدث بينها وبين يحيى. وانتظرت لتجد ردًا من حسام، ولكنها لم تجد أي رد فعل. فبكت أكثر وقالت:
"أرجوك رد عليّ. انهني، اضربني، اقتلني، ولكن لا تقف صامتًا هكذا." فقال لها بصوت متحشرج من وهل ما ألقته على مسامعه: "أنا لن أقول شيئًا، بل سأعطيكِ نصيحة. إياكِ أن تعتبري أن كل صامت لا يبالي. ففي الصمت ألف وجع وألف حكاية. واعلمي أن للدنيا قانون اسمه الدوران، سيعود إليكِ ما تفعليه حتمًا. فاحسني صنع ما تودين أن يعود إليكِ. وكنت أتمنى أن تكوني حريصة على ألا تخسري إنسانًا قد لا يقدمه القدر لكِ مرة أخرى."
لقد كان حسام في قمة جرحه. فما أصعب أن يجرح المرء في كرامته ويجبر أن يضعها تحت حذائه لسعادة من لم يحافظوا عليها من الأساس. فقمة القسوة في حق ذاتك أن تعيش على إرضاء من تحب ليعيشوا هم على كسر كل ما هو جميل فيك. تألمت هنا من كلامه لأنها شعرت بوجعه. فاعتذرت وهي خجلانة. اسفة هي كلمة سهلة تقوليها اسفة على ايه؟ على فرحة مكسورة ولا دمعة مقهورة اسفة على ايه؟ بعتي نفسك ليه ورحتي للخيانة وبعتي الأمانة
دبحتي الإنسان وابدعتي الابتسامة نسيتي كل حاجة ونسيتي الغلاوة اسفة على ايه؟ على إنسان مبقاش إنسان ولا على الدمع اللي اتهان إهانة على الغلب اللي شفته ولا الصبر اللي شلته ولا على اللي كنت فيكي بحبه ولا على إيه اسفة؟ قولي فهميني بس وانتي بتتكلمي متنسيش تمثلي إنك زعلانة أو ندمانة
خرجت هنا من عنده وهي منهارة في بكائها. وظلت حتى اليوم التالي ساهرة، لم يغمض لها جفن. وفي الصباح قررت أن تذهب له مرة أخرى لتعتذر. وبالفعل طرقت على بابه أكثر من مرة ولكنه لم يرد. فاستغربت الوضع لأنها كانت ساهرة طوال ليلتها ولم تسمع أنه خرج من حجرته مطلقًا. وأخيرًا قررت أن تفتح الباب ببطء.
أخذت تفتح ببطء ومتوجسة خيفة أن تراه في وضع محرج. فقد يكون في حمامه ويخرج على حين غرة وهو متأكد أنه بمفرده. وعندما نادت أكثر من مرة دون مجيب، فتحت الباب. ولكنها تفاجأت أنه نائم ويهذي. ومن الواضح أنه محموم. فقد نام وهو فاتح أزرار قميصه. أما نافذة شباكه التي كانت مفتوحة على مصراعيها. اقتربت منه وهي مشفقة على حاله ووضعت يدها تتحسسه. فوجدت أن حرارته عالية جدًا ويهذي باسمها. فبكت ندماً على حالته. فهي من أوصلته لهذه الحالة. فبسرعة جلست جواره وأخذت تصنع له الكمادات الباردة وتعطيه الحقن اللازمة.
لم تتركه وتذهب ليحيى. فيكفي أنها كانت السبب. وظلت جواره تداويه. اتصل بيحيى عند تأخيرها. وما إن عرف أنها جالسة جواره، إلا واشتعل غيرة. "سآتي إليكِ حالًا وسأجلس معكِ." "أرجوك يا يحيى، لا تفعلها. فيكفي أنني كنت السبب." "ولكنه منذ البداية وهو يعلم كما يعلم أننا عاشقين. فلا يجب عليه التفريق بيننا." "هو لم يفرق بيننا، ولكنني جرحته في كرامته بفعلتي." "ولما تستخدمين لغة المفرد؟
فأنا وأنتِ مشتركين. أم لا تزالين تعتبرينني غريبًا عنكِ؟ "أرجوك، فليس هذا وقته." "بل هذا وقته. فلابد أن أطرق على الحديد وهو ساخن. فسآتي إليكِ وسأبقى معكِ. وما إن يفيق، إلا وفاتحته في الموضوع. ووقتها سينتهي الأمر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!