مادام بى نفس فلن اتركها فاما هى واما الموت. علم زياد ان قلب الاسد اوشك الدخول لحرب الله وحده يعرف نهايتها فهول ليس من المستسلمين ابدا وخاصة ان كان الدفاع عن حبه. مدام صفاء خشت ان يكرهها ابنها بسبب ضغطها، فلم تنطق بحرف ولكن عيونها المملوءة هي من قالت كل شيء، فقام اليها يحيى وحضن راسها
في صدره وقبل جبينها وقال: "المراة الحديدية لا تبكي ابدا، ثم إنك اقترحتي الحل العادل، فابن قلب الاسد لابد ان يكون مرفوع الراس، كما انه ليس من شيم الرجال ترك لحمهم في العراء". انفجرت امه باكية في حضنه، فهي تعلم كم الالم الذي يعانيه ابنها، ولكنه يكابر بالاعتراف. أبعدها يحيى عن صدره وبدأ ينظر في ساعته، فوجد الوقت قد تأخر، فقال لزياد: "في الصباح ستتولى أنت أمر احضار محامٍ وشاهد آخر معك".
بينما خرجت مدام صفاء لتبلغ شهندة بما توصلوا إليه. أما عند هنا، فقد مر الوقت عليها عصيبا، وكم كانت تشعر بالذنب تجاه حسام، ولكنها تعجبت من عدم حضور يحيى، وظلت جالسة بجوار حسام حتى استغرقت في النوم وهي جالسة جواره. بدأ حسام يفيق وانخفضت حرارته، وبدأ يفتح عينيه ينظر حوله ليتبين ما حدث له، فوجد هنا نائمة بجواره على الكرسي، فابتسم عليها ونظر لنفسه، فوجدها قد أغلقت له أزراره ودثرته جيدا.
بدأ يقوم ببطء من مكانه، وأخذ ما كان مدثرا به ودثرها هي به، وخرج من الغرفة ببطء حتى لا يوقظها، ودخل المطبخ، أسرع في صنع فنجان قهوته، وبعدها جلس في غرفة أخرى وأسند رأسه للخلف، وبدأ يتذكر ليلة أمس، وأنب نفسه على الطريقة التي حدثها بها، ولام نفسه على ظلمه إياها، فهي مهما كانا عاشقين ومعرضين للحظات الضعف بينهم، خاصة وهم محرومين من الأساس من بعض، فهذا يثير من غريزة الاقتراب أكثر، وإن لم تكن هنا طيبة القلب ونقية، ما كانت اعترفت له من الأساس، ويكفيه أنها شعرت تجاهه بالذنب، فهذا أكبر تقدير منها له، فهو من الأساس لا يمثل لها شيء سوى أنها ارتبطت باسمه في ظل ظروف أجبرت عليها، وإن كانت عاشقة له لكان ضعف أمامها كما ضعف يحيى.
وقطع شروده صوتها وهي تقول له بخجل: "حمدا لك على سلامتك". ابتسم لها حتى يزيل عنها إحراجها، ومد لها يده وهو جالس، فتعجبت هي ومدت له يدها، ولكن نظراتها كانت متسائلة. ابتسم هو لأنه شعر بارتباكها، فأجلسها جواره وقال بهدوء: "آسف". هنا وتوترت وقالت بهمس: "الواجب أنا التي أعتذر مرات ومرات، فأنا المخطئة و...
قاطعها قائلا: "أنتِ لم تخطئي يا هنا، كل ما فعلتموه أنكما ترجمتم ما يقوله قلبكم، وهنا يلغي العقل، وهذا حال كل العاشقين، ولست وحدك، وأنا أعترف أن كنت أنا مكانه وفي وضعه لتكرر هذا الوضع بيننا، ثم ابتسم بألم قائلا: ولكن ما يهمني الآن أنه أصبح لا مجال لوجودي، ويجب أن أنسحب لتتوجا حبكما في النور". ابتسمت هنا، فقد أزال عنها هما كبيرا،
وقبل أن تشكره أكمل قائلا: "والآن قومي بدلي ملابسك وسأذهب أنا معك وسأتولى أنا أمرك، ولكن المهم الآن أنك قد نسيتي أمرا هاما". سألته هنا مستفهمة، فقال: "لقد اتصلتي بوالدتك وأخبرتيها أننا عدنا، ولكن من الآن لابد أن تظهري لها أن بيننا بعض التوترات لعدم التوافق بيننا حتى يصير الطلاق طبيعيا، وأخذ نفسا عميقا وأكمل: ومن يوم طلاقنا يحل لكِ الزواج من يحيى، فأنتِ ليس عليكِ عدة المطلقة لأنكِ من الأساس لم تكوني زوجة".
خجلت هنا منه، فهي قد فهمت قصده، ولكنها لم ترد، بل هربت من أمامه لتبدل ملابسها، بينما هو أطفأ سيجارته في منفضة السجائر، ومرر أصابعه بين خصلات شعره، ثم أسندها للخلف محاولا تهيئة نفسه على الفراق، فأصعب شعور أن تقدم من تحب وتهوى لشخص آخر وبنفسك، فما أصعب هذا الموقف الذي تجبر فيه قلبك على عدم النبض، فكأنك تقتله بسكين بارد ببطء.
بينما ظل يحيى في غرفته لم يغادرها، وظل جالسا أمام نافذة مكتبه شاردا في هناه، وكيف ستواجه الموقف عندما تعلم. دخل عليه زياد وهو مكفهر ليخبره بوجود المحامي والشاهد. قام يحيى في تثاقل دون أن ينطق بأي حرف، وكأنه آلة تتحرك لتؤدي عملها دون إحساسها بأي شعور.
وفي الخارج كانت تجلس شهندة وقد ارتدت فستانا غاية في الجمال والإغراء في ذات الوقت، فكون المرء سعيدا فيظهر كل شيء حوله سعيدا، حتى ملابسه تشع سعادة وبهجة، وهذا كان حالها، فهي حقا كانت سعيدة أنها ستتزوجه، ولكن سعادتها لم تكن لأنها تحبه، بل سعادة لأنها أخيرا ستحصل على المال الذي تحتاجه بكل سهولة دون أن ترتمي كل ليلة في أحضان رجل مختلف، وفي النهاية، فهي كانت سعادة، ولكنها سعادة من نوع آخر يناسبها.
فكل منا يرسم لنفسه سعادة تختلف من وقت لآخر، فقد تكون السعادة اليوم لاكتسابنا لقلب شخص ما، وقد تكون قمة السعادة غدا هي لفقدنا لنفس الشخص، فسعادتنا نحن من نصنعها، فالحياة والأيام تتوالى بطريقة واحدة، ولكن شعورنا هو الذي يتغير مع تغير المواقف. أخيرا انتهى المحامي من كتابة العقد العرفي في حضور الجميع، وقد جلس يحيى قبالة شهندة، ولكنه لم ينظر إليها ولا لجمالها الصارخ، فقد اكتشف أنه جمال مزيف.
وما إن مضت شهندة والشهود على العقد إلا ورن جرس الباب. خفق قلب يحيى وشعور داخلي قال له إنها ملهمته، ولكنه دعا الله أن يخيب ظنه، فهو لا يحب أن تراه في ذلك الموقف أبدا، فلاول مرة اتفق هو معها بأنه سينهي وضعها مع حسام، وللأسف هو من يرجع في كلامه، فلن يتحمل نظرة الانكسار لنفسه في عينيها. أخذ قلبه يخفق ويخفق، وكاد أن يتوقف بسبب ضعف دقاته، وبدأ نفسه يختنق، وشعر بضيق المكان حوله.
ولم يكن الوضع مختلفا عند مدام صفاء وزياد، وإن كان الأمر عندهم هينا، فهم ليسوا مثله عاشقين. مرت لحظات صمت مخيمة على الجميع، ولا صوت إلا صوت الجرس، والكل خائف من اللحظة الحاسمة، ولم يجرؤ أي منهم على أن يفتح الباب. شهندة شعرت بأن هناك أمر ما، ولم تفهم ما هو، وإن كانت اهتمت من الأساس بالسؤال عن هنا لعلمت كل شيء، ولكن هذا لم يكن يهمها على الإطلاق، ولكن موقفهم هكذا أرابها، مما جعلها تطلب من زياد أن يقوم ويفتح الباب.
قام زياد متثاقلا تحت عيون يحيى المراقبة والزائغة. أخيرا بدأ زياد يحرك المقبض وكأنه يحرك معه تابوت وفاة يحيى. وأخيرا فتح الباب، ووجدوا من توقعوه، ومن إن سمع يحيى صوتها إلا ودفن وجهه بين كفيه وأسند رأسه على ساقيه، فهو غير قادر على مواجهتها وغير متحمل نفسه وهو ضعيف. كانت هنا تدخل عليهم ووجهها يحمل فرحة العالم كله في ملامحها، ولكن ما إن رأت ملامح زياد المتجهمة إلا وتوترت هي الأخرى وتحولت ملامحها للخوف، وبصوت عالٍ
قالت: "ما بك يا زياد؟ هل أصاب صغيري شيء؟ " وأزاحت زياد من طريقها وتوجهت ناحية يحيى. ما إن سمع يحيى لهفتها تلك إلا واحترق أكثر لأجلها، وكم شعر أن جسده يتلاشى شيئا فشيئا، فكم أصبح صغيرا في نظرها، كم أصبح لا شيء، كم هدم أحلامها، كم كسرها، فكل شيء يهون إلا كسر الروح والكرامة. ركضت هنا نحوه وهي لا تنطق إلا بصغيري: "كيف حالك؟ " بينما هو لازال دافنا وجهه بين كفيه ولا يستطيع المواجهة.
بينما حدقت فيها شهندة وهي غير مستوعبة لحقيقة الموقف ولا تفهم ما يحدث حولها، بينما قامت مدام صفاء من المجلس نهائيا لتختفي من أمامها، فهي تشعر بتأنيب ضميرها. جثث هنا أمام يحيى، وهي لم تشعر بما يحدث حولها، حتى أنها لم تنتبه لوجود المحامي وشهندة، وأخذت تهزه بلهفة وتقول: "صغيري وحبيبي ماذا حل بك؟ لما تجلس هكذا؟ ارفع وجهك لأجلي، طمئني عليك، فقد جئت ومعي حسام ليكون وكيلي في زواجنا". ما إن سمعت شهندة تلك الجملة إلا وصدمت.
بينما ظل زياد واقفا خلف هنا مرتبك ولا يعرف كيف سيمر الموقف. بينما حسام فهم الموقف برمته، فهو نظر للمشهد من خارج الدائرة غير تلك المتلهفة العاشقة. كل هذا ويحيى غير قادر على أن يرفع وجهه لينظر إليها، لا يستطيع أن ينظر لعينيها ويرى فيهما كسرتها وندمها، فهو لن يتنازل عنها، وكان سيشرح لها، ولكنه لم يكن يتمنى أبدا أن تراه في ذاك الموقف. مدت يدها وأزاحت يده عن وجهه، فنظر لها بجمود ولم ينطق، فسألته بلهفة: "ما بك يا صغيري؟
هل أصابك سوء؟ رد علي، فقد أصبحت لا أستأنس إلا لصوتك". كلامها كان يقطعه أكثر ويوجعه أكثر. شعرت هنا أن في الأمر شيء، فنظرت لزياد وهي لازالت جاثية أمام يحيى وسألته، ولكن زياد هو الآخر لم ينطق، ولم يتكلم أحد إلا حسام الذي قال لها بهدوء وهو خائف عليها مما سيصيبها: "قومي يا هنا، لم يعد لكِ مكان هنا".
نظرت له هنا بصدمة وعادت لتنظر ليحيى الذي ظل خافضا نظره للأرض ولم يجرؤ للنظر لها، بينما يده لا زالت بين يديها، وشعرت أن هناك شيء ما، فسألت حسام وهي تنظر ليحيى بجمود: "ماذا حدث يا حسام؟
هنا ردت شهندة بعصبية، فقد استفزها الموقف، وقد تأكدت أن يحيى يعشق تلك الجاثية أمامه، فليس من طباعه أن يظل هكذا ساكنا في مثل تلك المواقف، ولم يكن أبدا ضعيفا، فهيبته وجبروته دائما هي صاحبة اللمعة الطاغية، أما موقفه هذا فلا يدل إلا أنه عاشق بل وبكل جوارحه، فقالت بعصبية: "ماذا تريدين أنتِ من زوجي؟ وكيف تناديه بصغيري؟ ألا عندك ذرة حياء؟
لم تنطق هنا من صدمتها وتلقت الكلمة وهي لازالت ناظرة ليحيى، وتيبست يدها حول يده، وكادت أنفاسها أن تختنق حد الموت، وكانت الكلمة كالسهم الذي يخترق الصدر، وهو يعلم مكان استقراره، اخترقت قلبها وكادت أن تقطعه، إلا أن دمعة وحيدة انهارت من عينيها المتحجرة والثابتة عليه، فنزلت على يده المحضونة بين كفيها، مجرد قطرة دمعة صغيرة، ولكنها كانت نار حارقة عليه. من خوفي عليك هجرت عينيك.. طلبت البعد عنك كي لا أبكيك
ومن خوفي عليك عاتبت قلبي.. وسحبت يدي من دفء يديك وطويت كل قصصي معك.. وأبقيت القلب للحب يهديك بعدي عنك ليس بخاطري.. بل القدر شاء بالفراق يبكيك فأنا كما أنا ما تغيرت عليك.. وما زلت من عمري أعطيك لا تقول أني هجرتك والشعر ما زال يناجيك خوفي عليك أكبر من خوفي على نفسي ومن نفسك عليك سأبعد قليلا كي لا أجلب لك حزنا وهما يشقيك لا تظن أني مفارق هواك فقلبي ما زال حيا بين يديك ينبض بك وحياته تحلو طالما بالشوق لهفة يأتيك
ظل كلاهما مختنق الأنفاس، ولم تشعر هنا بمن حولها، فكان العالم انتهى حولها ولم يعد هناك غيرها. تنبهت أخيرا على يد حسام ترفعها، فاستسلمت له وقامت معه ولم تنطق. تحركت خطواتهم نحو الباب، ولم ينطق أي من الموجودين أي حرف، وما كاد حسام يفتح الباب إلا وقالت بصوت مخنوق: "انتظر يا حسام لحظة"، ثم عادت بخطوات متثاقلة للخلف نحو المحامي وطلبت منه ورقة وقلم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!