توتر المحامي من طلبها وهو في الأساس لا يفهم شيئًا، ولكن الجو حوله كان مشحونًا. أعطاها الورقة بسرعة، وبهدوء كتبت تنازلًا عما تملكه في شركتها لمدام صفاء، وقالت للمحامي: "ليتك توثق هذا التنازل في أقرب وقت. وإن أردت أي شيء مني، فهذا رقم زوجي". وأملت رقم حسام. على الرغم أن يحيى لازال منكسر الرأس ولم يستطع مواجهتها، إلا أن كلمة "زوجي" كانت بالنسبة له كالخنجر، فقد أعلنت أمام الجميع من هو زوجها.
أمسك حسام يدها مرة أخرى وأسندها. هو طبيب وكان يشعر بمدى اختناق نبضها، ويشعر بما قد تتعرض له فجأة من سقوط أو انهيار، فكان يريد إخراجها في أقصى سرعة حتى لا يحدث ما لا يُحمد عقباه. "رأيت البطل الذي يمثل وسقط القناع." "يا مرارة الحقيقة عندما تأتي بعد فوات الأوان." "يا مرارة الدموع عندما تسقط على الوجوه كالنيران." "يا مرارة العشق عندما ينهزم في صورة إنسان." "كان يبكي ويصرخ ويقول: فراقك هو المستحيل."
"ثم جاءت الطعنة منه نافذة." أخيرًا خرجت هنا، وتركت خلفها دخان عذاب يسمى عذاب الضمير، أثر في كل من كان في الفيلا. ذهبت وذهبت معها كل ابتسامة، ولم تترك لهم سوى الكسرة والكراهية لذواتهم. رحلت الملاك وتركت الشياطين.
فثمة جراح لا تُغتفر أبدًا، فبعض الأخطاء نهاية النهايات قد تقتل فيك الرغبة أن تواصل الحياة، ومع هذا تجبر أن تستمر وتبدو وكأنك فقدت حس الشعور، فقد وضعت آمالك فيهم وهم خيبوك، وأصبحت أمام نفسك مكسورًا، وندمت أنك وضعتهم بمنزلتهم وقد خذلوك. ولا ننكر أن هناك أيضًا ثمة جراح قد تشفى مع الوقت، وثمة ثالثة لو زدنا على الوقت ألف وقت لبقيت جرحًا غائرًا. ورغم كل ما قد نعانيه من جراح، إلا أننا نجد أن ابتعادنا عمن نحبهم قد يكون به أشد الألم، ولكننا نفضله على أن نكون قريبين بدون تقدير.
وما إن خرجت إلا وركض يحيى بسرعة لحجرة مكتبه ليراقبها من نافذة مكتبه، فوجد حسام يفتح لها باب السيارة ويرفع قدميها المتيبستين من على الأرض ليساعدها على الركوب. جلست بجواره وهي تزرف دموعها بصمت، ولم تتحدث، ولكن بداخلها ألف وجع. وأخذت تحادث نفسها: "أيقنت أن خلف بعض الوجوه قناع، ولكل قلب طيب ألف صدمة. كما أيقنت أن الخيبة الأولى هي الموجعة، ولكن ما يأتي بعدها فيكون مواعظ." وبكت أكثر وهي لا تزال صامتة،
وقالت: "ولكني أعلم أن فراقك مؤلم لا يتحمله قلبي، ونسيانك أيضًا موجع، وقربي منك كان إهانة، فماذا أفعل؟ أخيرًا تحركت السيارة أمام عينيه، وشعر أنه عاجز. وأخذ يمرر أصابعه بين خصلات شعره ويشد عليها، فقد كان قلبه يتمزق لأجلها. وأخذ يصرخ في نفسه وهو يعتقد أن صوته داخلي، ولم يشعر أنه كان يصيح بأعلى صوته، وأخذ يقول: "ليتني تكلمت. ليتني شرحت. ليتني ما كسرتها. ليتها تعلم كم أحبها. ليتها تعلم أني مجبور مثلها. آآآه...
ليتني أعود ميت، فالدنيا بدونها ليست دنيا، فموتي وبقائي سواء." وأخذ يحاول جاهدًا أن يتنفس، وأخذ صدره يعلو ويهبط بقوة، وأخذ يلقي ما يجده أمامه. فدخل عليه زياد ليحميه من نفسه، فخشى أن يتهور. ودخلت خلفه مدام صفاء، بينما بقيت شهندة في الخارج خائفة من ثورته، فهي لأول مرة تراه هكذا، فقد تأكدت أنه عاشق لها. زياد أمسك يده التي تطيح بكل ما أمامه وكتفه لعله يعود إلى صوابه.
وأمه اقتربت منه وقالت: "اهدأ يا بني. سأذهب إليها وستعود إليك. ألم تقل إنها خلقت من ضلعك وأنت خلقت منها؟ صاح يحيى وقد امتلأت عيونه بالدموع. وآه من دموع الرجال، فهي أصدق تعبير عن المشاعر والأحاسيس. فصدق من قال: "لا تصدق قلب الرجل، ولكن ما أصدق دموعه، فإن زرفها فاعلم أن همومه فاقت الجبال."
أخذ يبكي بحسرة ويقول: "لقد خسرتها يا أمي. خسرت روحي. رحلت هنايا عني وأعلنت أن حسام هو زوجها. رحلت من وهبتني الحياة ووهبتها أنا الكسرة والحسرة والندم. رحلت من كنت أستنشق أنفاسها كأنها أنفاسي." تألمت مدام صفاء على ما آل إليه ابنها وبكت معه، وقالت: "أنا السبب يا بني. أنا من يستحق العتاب واللوم، ولكني لم أحسب لهذا أبدًا."
تركته وخرجت متألمة على ما آل إليه. بينما زياد لم يستطع النطق معه بشفاء حرف وخرج هو الآخر، ولكنه جلس مجاورًا للغرفة، فقد كان خائفًا من أن يؤذي نفسه، فقد يستحل الموت في بعدها. وقد قالها بنفسه إن الموت يستهواه في بعدها. وكان بين الحين والآخر يفتح الباب بهدوء ليطمئن عليه، ولم يجرؤ على الحديث معه. بينما انعزلت والدته في غرفتها تفكر في كيفية إصلاح ما تسببت فيه. وظل يحيى في مكتبه شاردًا لا يكلم أحدًا.
وظلت شهندة حبيسة غرفتها هي الأخرى خائفة من مصيرها معه، فهل سيطلقها لأجل هنا أم سيبقيها لأجل يوسف؟ ولكن ما كانت متأكدة منه هو أنه لم يصبح عاشقًا لها وأصبح متيمًا بغيرها. أما هنا، فما إن وصلت مع حسام للشقة إلا وانهارت، وأخذت تبكي بحرقة. وحسام أخذ يحاول تهدئتها إلا أنها لم تهدأ،
وقالت له وهي تبكي: "هذا انتقام الله لك، فقد أخذ لك حقك، لأنني قد أهدرت أنا كرامتك عندما تركته يقبلني. والآن وجب علي أن أعطيك كل حقوقك. خذها مني يا حسام. خذها مني وطهرني حتى لا أظل تحت رحمة الصدمات." وبدأت بكل عصبية تخلع عن نفسها حجابها وشرعت أن تمزق ملابسها، إلا أن حسام ركض نحوها بسرعة وأمسكها بكل قوته ومنعها مما بدأت فيه لكي لا تكمله. وبدأ يرفع حجابها التي رمته أرضًا ويغطي رأسها وهو متألم على حالها وحاله، فهو يعشقها حقًا، وأن ما هي فيه الآن يثبت قمة عشقها لغيره. ولولا أن رجولته تمنعه لاستغل ضعفها الآن وجعلها زوجته شرعًا وتملكها. وأخذت الصراعات تدور بداخله بين راغب وراهب. وأخيرًا جاء دوره
هو ليصرخ في وجهها ويقول: "ارحميني يا هنا وارحمي ضعفي وضعفك، ولا تتركينا نقع في شيء نندم عليه ونحن في لحظة ضعف. ارحمي مشاعري، فإن كنت صدقت وعدي معك، فهذا لا يعني أنني متبلد الشعور والأحاسيس. ولا تحسبي نفسك أنكِ فقط من تتوجعين، فثلاثتنا نتوجع، وكل على مقدار حبه وحرمانه ممن يحب." صرخت فيه وقالت: "لا تقل ثلاثتنا، هو لم يعرف للحب طريق و... قاطعها وهو لا يزال ممسكًا بيديها ليحميها من نفسها وما تريد فعله،
وقال: "لا، هو يحبك أيضًا، وأكاد أقسم لك أنه يتألم الآن وأكثر منك، لأنه لم يستطع التعبير عما بداخله ولشعوره بالخزي أمام نفسه. وإن كنت متأكدًا أنه أجبر على زواجه هذا." "أما أنا الوحيد من ظلم نفسه بينكما، فوضعت قلبي بين نارين وانتظرت الرحمة، فكيف كان عقلي؟
"فقد وضعت قلبي العاشق بين نار حبك ونار حبه، وكلاكما يقطع في كل دقيقة بنظراته وأشواقه ولهفته، ومع ذلك صبرت. صبرت يا هنا، وليس لأخضعك لي في لحظة ضعف. وإن فعلت، سأخزى من نفسي، وستخزين أنتِ مني، وسأخسر حبي. فالرجولة تعني التضحية، ولكن في نفس الوقت لن أترك نفسي لأن أكون الخيار الثاني. فإما أن أكون أنا الأول والأول فقط، وإلا فلا يا هنا." تركها ودخل ليبتعد عنها كي لا يضعف بضعفها. دخل ليدفن هو الآخر حزنه بين جدران غرفته.
ظل الثلاثة، كلا منهم حبيس أحزانه حتى الصباح. قامت هنا ببطء بعد أن عدلت من ملابسها، وطرقت باب غرفة حسام، الذي كان جالسًا على طرف سريره ودافنًا وجهه بين كفيه ومستندًا بمرفقيه على ساقيه. وما إن سمع طرقاتها إلا وقام من مكانه ووقف مستقيمًا، وأخذ نفسًا عميقًا، وخلل أصابعه بين خصلات شعره، وأخذ يقوي من نفسه ويجمع من شتاته ليكون صلبًا أمامها. وعندما غاب في الرد عليها، طرقت مرة أخرى، وسمعها بصوت ضعيف تنادي عليه.
فتح لها الباب وهو يدعو الله من داخله أن تكون عادت لطبيعتها وهدأت حتى لا تصمم على ما قالته، وقد يضعف هو ويلبي رغبتها، فهو حقًا يريدها، وأن ما قاله لها أمس لم يكن إلا وهمًا، فهو على أتم استعداد أن يكون الثاني في حياتها، المهم أن تكون معه. ولكنه كان مجرد كلام وهم أراد أن يخرج به من الموقف ويقوي به نفسه قبلها. وكان
يتنازع في داخله بين أمرين: أن لا يستسلم لضعفه حتى لا يعيش نادمًا، وبين رهبة في أن يتملكها ولن تنهره، لأن كل شيء سيكون برضاها وطلبها. وقفت هنا أمامه وهي تنظر إليه وتتعجب، فقد كان ناظرًا إليها وفي ذات الوقت شاردًا بذهنه بعيدًا عنها. فنادت عليه مرة أخرى فتنبه لها، وأشار لها بيده للدخول. دخلت وهي متوترة، وأخذت نفسًا وهي تفرك بيديها،
وقالت: "جئت لأتأسف على ما بدر مني أمس، ولأشكرك على رجولتك معي، وأنك لم تستغل ضعفي. وإن دل هذا فيدل على تربيتك السليمة." أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، فكم كان يتمنى أن يسمع منها أنها لازالت عند رأيها، وأنها لم ترجع فيما فكرت فيه، فكم كان يتمنى أن يبدأ معه الحياة التي تمناها. أكملت قائلة: "وإن أردت أن أرحل من هنا نهائيًا، لن أتوانى لحظة." ابتسم حسام بألم على قلبه الموجوع منها،
وقال: "إن كنت أريد ذلك، ما كنت انتظرت حتى اليوم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!