حدق بها يحيى وصُدم من ردها وقال: "أنا لن أتركك هنا معه، شئتي أم أبيتي." لم تعلم هنا أتفرح أم تحزن، فهي أصبحت مشتتة، فكلامه متناقض، كيف يقول إن شئتي وكيف يقول لها شئتي أم أبيتي. أخيرًا عاد حسام، فقال يحيى على الفور: "معذرة دكتور حسام، سأترك معكم يوسف، فهو منذ أمس لم يكف عن البكاء على هنا، ولم يتذوق أي طعم إلا من يدها، وسآتي بين الحين والآخر لأطمئن عليه، ثم إن هناك طلبًا آخر."
حسام حتى الآن صامت، منصت له، ومحاولًا أن يستشف ما خلف كلماته. يحيى: "ولكن لي سؤال آخر، عرفت أنكما كتبتما يوسف باسمكما لتحلا مسألة شهادة الميلاد، ولكن كيف تم هذا؟ وكيف سننهيه؟ وماذا سميتموه؟ حسام: "سميناه يوسف حسام، أما عن كيف ننهي هذا الأمر، فهذا سهل جدًا، فأنا صاحب مستشفى وسأجهز الأوراق المطلوبة لاستخراج شهادة وفاة، وهنا سينتهي إلى اسم يوسف حسام." شكر يحيى، ولكنه أراد أن يلفت الانتباه أنه يريد أن تتردد عليهم هنا،
فقال: "بالتأكيد أنت تعرف أن ما تملكه أمي نقلته باسم هنا." هنا مقاطعة: "سأذهب من الغد لأتنازل و... يحيى مقاطعًا: "أنا لم أرِد منكِ التنازل، بل على العكس، أنا أطلب منكِ أن تظلي مالكة لأموالها، كما أطلب منكِ أن تعودي لإدارة العمل كما كنتِ، حتى آخذ حكمًا برجوعي للحياة وسقوط عدم الأهلية عني." حسام: "لا تقلق بشأن هذا، بل سأوصلها أنا كل يوم إلى شركتك وأعود لأخذها آخر اليوم."
كتم يحيى غيظه، فكأنما حسام يؤكد له أنه من يملكها وأنها زوجته بالفعل، ولكنه التزم الصبر حتى يكسب جولته، فقال: "لك كل الشكر مني، ولكن لا داعي لتعبك، فأنت أيضًا عندك انشغالاتك، ولكن سأتكفل أنا بتوصيلها." حسام: "وهل لي أن أنشغل عن زوجتي وأترك غيري يهتم بشئونها؟ فأين رجولتي إذن؟ يحيى وقد بدأ صبره ينفذ:
"إذن فلتأتِ لتأخذها من بيتي كل يوم متأخرًا، وهذا لسببين. الأول أنها ستعود من المصنع على بيتي لتخبرني بما يحدث، ولأرتب معها القادم." "أما الثاني، فلأن إخوتي يعرفون أنها مالكة للفيلا، فكيف تتركها وتسكن بعيدًا؟ وأنا لا أريد أن تؤذيهم مني مرة أخرى."
حسام بالطبع كان يعرف بحنكة أي رجل أن الموضوع برمته غير ذي أهمية، فبسهولة تستطيع هنا أن تتنازل عن كل شيء وتعيده لهم، وتقوم المرأة الحديدية بالإدارة من جديد وتخرج هنا للابد من حياتهم. ولكنه افتعل هذا لأجل أن تظل بجواره حتى موضوع يوسف، فكان من الممكن أن يتحمل وضعه ليوم آخر، وبالطبع كان سينسى هنا إلى الأبد، ولكنه أيضًا اتخذه كحجة للاقتراب منها. حسام مظهراً عدم الفهم لغرضه: "حسنًا، لن أتأخر أنا وزوجتي عن خدمتك في أي شيء."
يحيى في نفسه: "الأبله قاصد أن يكرر زوجتي في كل جملة وكأنه يفتخر بالفوز بها، ولكني لن أتركها لك أو لغيرك، فإما هي أو الموت." يحيى بصوت مسموع: "استأذن على أمل اللقاء في الغد." وترك لهم يوسف لعله يعكر خلوتهم. ***
بعد حوالي ساعتين من رحيل يحيى، وهنا ويوسف في غرفتها تلاعبه وتطعمه في ذات الوقت، بينما حسام جلس شارداً في مكتبه وهو يتخيل نفسه وهو يتنازل عنها بكل سهولة لغيره، ولكن ليس بيده شيء، فهي قد هوته هو منذ أن كان ميتًا، فما حالها الآن وهو حي أمامها، فبالتأكيد تلتهب إليه شوقًا.
أخذ يتخيلهما وما نوع الحديث الذي دار بينهما أثناء تواجده بالمطبخ، مرغمًا، فهم لم يعلموا أن الغيرة كانت تنهش فيه هو أيضًا، ويجوز أكثر من يحيى، فالوضع مختلف بينهم. فيحيى يريد من لا تخصه ويبذل قصارى جهده ليكسب قلبها، وهي من الأساس عاشقة له، بينما حسام يعشق من لا تهواه ومجبر أن يتنازل عما يخصه لأجل الآخر ويكسر قلبه بيده لإسعاد من عشقها، فياله من عذاب لا يحمل أي راحة تعقبه، فلا هو مرتاح وهي معه، ولا سيرتاح إن بعدت عنه، فأي عذاب هذا.
*** بينما في الجهة الأخرى، هناك أيضًا من كانت تنهشها الغيرة، وأخذ يتخيل وضعهم، فأخذ يجول في غرفته ذهابًا وإيابًا، وأخيرًا اتصل بها لعله يطفئ نار شوقه. بينما كانت هنا جالسة تتخيله
وهي مبتسمة وتحادث نفسها: "كم كان جميلاً حتى وهو بلحيته الطويلة، كم كانت هيبته تغطي على من حوله، كم كان صوته عذبًا رغم أنه أجش يحمل نبرات رجولية حادة، ولكن الأسد في رومانسيته يخطف كل القلوب." أخذت تتذكر كيف كانت تعافر وهي تحمله لتغسله، وها هو الآن واقف أمامها وهي كالعصفورة أمامه، كم ودت لو تنام على صدره مرة أخرى. أخذت تتخيل وتتخيل إلى أن رن هاتفها، ولأنها لا تعرف رقمه، فردت بكل تلقائية، وما إن سمعت صوته إلا وانقبض قلبها وتوترت.
يحيى: "لما لا تردين؟ فهل أردتِ الاستماع إلى صوتي فقط؟ ودت لو قالت له إنها لا تريده أن يكف عن الحديث، فكم اشتاقت لسماع صوته، ولكنها قالت: "أنا معك، ولكني لا أعرف رقمك." يحيى: "احفظيه جيدًا، فسيكون خاصك يومًا." هنا في نفسها: "يا ربي، دوماً ما يراوغني ولم أعد أفهمه، فهو شخص جديد علي." يحيى: "اممم، يبدو أننا سنسهر ليلتنا معًا حتى أجمع منكِ جملة كاملة." هنا: "آسفة، ولكني أخجل منك، فأنت شخص جديد علي." يحيى:
"وأنا لا أريد إلا خجلك الذي سلبني عقلي وقلبي." وفجأة سمع صوت يوسف وهو يقول لها: "بابا حسام يريدك." يحيى بغل: "اتركيني واذهبي لزوجك، فهو أفضل لكِ." هنا: "ماذا؟ يحيى بغل: "سأنهي ذلك قريبًا. مع السلامة." ظلت هنا محدقة في شاشة الهاتف لتتأكد أنه بالفعل أغلق الخط، وأخذت تتساءل: "ما باله يتغير في اللحظة ألف مرة؟ " وإذا بها تسمع صوت حسام بجوارها وهو يقول: "هذا هو حال العاشق." نظرت له بتعجب وقالت: "وما أدراك أنه هو؟ حسام:
"من نظرات العاشق." هنا: "لا أفهم شيئًا." حسام: "هو عاشق، فبالطبع سيظل ثائرًا طول إقامتك هنا، وأنتِ عاشقة، فلم تريديه أن يغلق الهاتف وينهي كلامه؟ ولهذا ظللت محدقة في شاشة الهاتف وحدثتي نفسك، فهذا هو حال العاشقين يا عزيزتي، لا تحسبي لهم تصرف." في الصباح، أوصلها حسام لفيلا يحيى بدلًا من الشركة، فلابد لها أولًا أن تعطيهم يوسف وأن تفهم منه الواجب عليها فعله.
وما إن دخلت هنا إلا ورأت مدام صفاء، فسلمت عليها وأجلستها بجوارها. هنا: "حمدًا لله على سلامتك." مدام صفاء بحنان أم: "الشكر كله لكِ يا بنيتي، فقد حقق الله أمنيتك وعاد ابني." هنا بخجل: "الشكر لله، فهو إن أراد شيئًا فيقول كن فيكون." وأخذت عيناها تجول في المكان مضطربة بحثًا عنه. ابتسمت عليها مدام صفاء وقالت: "أعشقتيه؟ هنا تلعثمت وتنحنحت ولم تجب. مدام صفاء:
"إن عشقتيه فعليكِ أن تحتويه كطفل، فالأسد مهما كان أسدًا يحتاج لحضن حواءه ويتحول في حضنها لقط بريء، فكله في يديكِ أنتِ." هنا: "ولكني متزوجة." مدام صفاء: "عليكِ أن تختاري وترجحي، إما قلبك وعقلك، أو جسدك. فأنا أعلم أنكِ مع حسام جسد فقط بدون قلب أو عقل." هنا لاهية الكلام: "ماذا علي أن أفعل الآن؟ وكيف سأتعامل مع أشقاؤه؟ مدام صفاء: "ادخلي له، فهو في انتظارك في مكتبه."
تحركت نحو مكتبه في تثاقل، فهيبته دوماً ما تهيبها، ووقفت أمام باب مكتبه مترددة، ولم تعلم أن خيالها ظاهر له في الداخل، فقد ابتسم عليها، فقام على الفور وقرر أن يباغتها هو، وأثناء شرودها في توترها، تفاجأت بباب المكتب يفتح على حين غرة، وأن هناك يدًا من حديد جذبتها للداخل. شهقت من خضتها، فوقفت متوترة خلف الباب وقد اضطربت أنفاسها، فقد حاوطها بيده وأصبح بطوله يغطي عليها المكان. يحيى بهمس لزيادة توترها:
"لما توقفتِ مترددة في الدخول؟ هنا بتلقائية: "أخشى منك." يحيى وقد أطلق ضحكة جذابة، فرفعت وجهها له وتذكرت نفس ضحكته التي شاهدتها في الفيديو، فسرحت فيه ولم تنطق. اقترب من أذنها مرة أخرى وقال: "وهل تخشين من قلب الأسد، وأنتِ من أهديتيه الحياة؟ هنا: "كم تمنيت أن أراك واقفًا مثل الآن." يحيى وهو على نفس وضعه من إحاطتها: "وأنا أيضًا، كم كنت أشتاق لكلامي معك."
ثم مد يده وسحبها خلفه ببطء لأنها لازالت تعرج، وأجلسها على الكرسي أمام مكتبه، وجلس هو قبالتها، ومال عليها وأمسك يدها ووضعها على لحيته وقال: "لقد أقسمت ألا أحلقها إلا بيدك مثل سابق، وإن لم تكوني أنتِ لتركت لها العنان حتى وإن وصلت إلى الأرض." هنا: "كنت أحلقها لك دوماً حتى لا تضايقك، فكنت أشعر وكأنني أنت." يحيى شد على يدها التي على لحيته وقال: "وأنا أيضًا كنت أشعر بكِ."
حاولت أن تسحب يدها، إلا أنه لم يتركها إلا بعد أن قبل كفها، مما زاد من توترها، وقال: "من الآن فلنتبادل الأدوار."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!