حامد بخوف: يا جد برهان وين بينهج؟ رشيد يخفي خوفه: لا أحد يلحقوه، خلوه ينهج، مرده ينكس للديرة. حامد بقلق: يا جد، برهان مغبون ومقهور، وين راح الحين؟! رشيد بحِدة: قلت لا أحد يلحقوه! حامد بقهر: الله يلعن أم القهر، لو إن رجلي طيبة ما انتظرتكم ولحقته أنا. رشيد بحِدة: حامد، قلنا برهان بيرجع، وين بيروح يعني؟! ضغط حامد على رجله بقهر ومشى عنهم وهو يحس بقهر على برهان وقهر من نفسه لأنه ما يقدر يلحقه.
عبد العزيز وفؤاد انتظرا لين رجع جدهم للخيمة وانطلقا لبرا الديرة بدون علمه يبحثان عن برهان وخائفين عليه. وحامد رجع للبيت ماله خلق يقابل أحد ولا يتكلم مع أحد، بالذات فهد، يحس إنه إذا شافه بيزلق لسانه بكلام ما يرضي أحد بالذات في هذا الوضع! الجميع متفق على إن شهلاء لها الحق تتزوج ومحمّلين برهان الغلط وإنه هو اللي متهور. ***
طلع عبد العزيز وفؤاد يدورانه في كل مكان وفي كل جهة ولكن بدون فائدة. شاهدوا أثر الخيل يروح من جهة الشمال! ولحقوه لين ابتعدوا كثير عن الديرة ولكنهم توقفوا يوم تفرق الأثر وصار أثرين: أثر شمال وأثر جنوب! احتاروا وين بيلحقوا أي أثر الحين؟ شد عبد العزيز لجام الخيل يوقفه: فؤاد، خل ننكس للديرة، ما ندري وين راح بالضبط! فؤاد وهو يتنفس بسرعة: خل نفترق واحد جنوب وواحد شمال. عبد العزيز باستنكار: انهبلت؟!
وين نفترق وحنا حتى سلاح ما أخذنا معنا ولا ندري وش بنواجه هناك!! فؤاد: نتركه يعني؟ عبد العزيز أومأ: سوينا واجبنا ولحقنا لين تفرق الأثر، وين بنروح الحين؟ فؤاد بقلق: مدري، مير والله خايف عليه! عبد العزيز: كلنا، مير ما باليد حيلة غير إننا ننتظره في الديرة! سكت فؤاد وهو يتلفت على الأثر بتفكير. حرك عبد العزيز اللجام وقال: خلنا نرجع قبل الظهر. أومأ فؤاد برأسه وهو ضايق على برهان وتحركا راجعين للديرة. *** آصف..
جاء ولد صغير وراح لفيصل وهمس له بأن عمته جوهرة تقول له يعلم آصف وين بيتها لأجل زوجته تبيه في سالفة. فيصل راح لآصف اللي كان جالس مع الرجال وجلس عنده وهمس له: آصف! التفت آصف له بابتسامة: سم. فيصل: سم الله عدوك، يقولون الأهل يبونك! عقد آصف حواجبه: من قال؟ فيصل: جاني الولد الصغير، تعال، خل أدلك على الطريق. وقف آصف بسرعة وهو متأكد إن سمق ما بتناديه إلا فيها شيء، تنهد، أكيد غيمة ولا واحدة من الحريم ضايقتها.
توجه مع فيصل بهدوء وفيصل أخذه لبيت الخالة جوهرة وقال: أنا في المجلس! أومأ آصف وقال: مشكور. فيصل: العفو، ما سويت شي. راح فيصل راجع للمجلس عند الرجال و آصف واقف على باب بيت الجوهرة ينتظر سمق تطلع له. شاف حرمة كبيرة تطلع من البيت وسمع صوتها وهي تقول بحنية: ادخل يا ولدي، ما به في البيت إلا زوجتك، أنا بطلع لبيت أخوي.
انحرج آصف وهو ما يدري منهي ذي وفي نفس الوقت خاف على سمق وش تسوي في ذا البيت ولحالها مع ذي الحرمة، معقول يكونوا الحريم زعلوها ولا قالوا لها شي!! تحنحن وقال بصوت واضح: يا ولد، في أحد هنا؟ سمق من داخل قالت وهي تحس بفراشات في صدرها من سماع صوته: فت يا آصف، ما من حد غيري! سمى بالله ودخل البيت وهو متلهف لشوفتها وخايف عليها في نفس الوقت.
دخل لبيت الخالة جوهرة ووقف وهو يشوفها واقفة في الصالة وتبسمت يوم شافته قدامها وخفق قلبه لشكلها ولابتسامتها وللراحة اللي يشوفها بوجهها عكس الأيام الماضية. نطق آصف بدون شعور وبلَهجته: مال أبي وروحي؟! تلاشت ابتسامة سمق وضاع الكلام اللي كانت معلمته الخالة جوهرة عليه. وتردَّدت جملته في مسامعها أكثر من مرة وهي تحاول تحلل مغزاها ومفهومها ولامسها كمية المشاعر اللي فيها وحست بكمية الحنية في صوته.
كانت عيونها على عيونه بدون ما تحس و آصف كان يناظر عيونها اللي لفتت أنظاره وكانت محل إعجابه من أول يوم شافها فيه. آصف بصوت هادئ: قالوا لي تبيني؟ نزلت سمق نظرها وهي تجمع شتات قلبها من بعد جملته وتحاول ترتب كلامها وتبسمت بخفة وهي متعجبة من وضعها معه، رفعت نظرها مرة ثانية له وميلت رأسها بخفة وقالت بصوت خافت: شلونك؟ تقدم آصف شوي منها وبلع ريقه: زين الحمد لله، وأنتي؟ رفعت سمق كتوفها بهدوء: الحمد لله. شتت آصف نظره
في البيت وقال بنفس الهدوء: وش تسوين هنا؟ تبسمت سمق: هذا بيت الخالة جوهرة أخت الشيخ! ناظرها آصف وقال: أخت الشيخ؟ هزت سمق رأسها بخفة وقالت: أفطرت؟ آصف: إي، وأنتي؟ سمق: إي الحمد لله أفطرت، زين ما تبي تتقهوى؟ تبسم آصف وقال بهدوء: علميني وش في خاطرك؟ ضحكت سمق بخفة ومسكت يده باستعجال وقالت: تعال تقهوى واسمع مني السالفة.
تبسم آصف ومشى معها وهو يشد على يدها ودخلا للغرفة وبدأت سمق ترجع لطبعها وراح منها التوتر وقررت تعلمه عن موضوع السفر بطريقتها هي مو بالطريقة اللي قالت عليها الجوهرة. جلس آصف وهو يبعد شماغه ويخليه بحضنه ويخلل يده في شعره يحركه بهدوء.
صبت سمق له فنجال قهوة ومدته له، أخذه آصف وهو يذوقه وعينه عليها، لبسها متغير اليوم، لابسة ثوب بيت خفيف وتاركة شعرها وما عليها شال ولا لابسة أسود مثل أيام المغارة والسفر، توقفت عينه على وشمها الصغير اللي يفتنه بجماله وبمكانه المميز، رفع عينه لشفتها اللي تتحرك دليل إنها تتكلم معه لكنه ما سمعها وهو اللي كان مغيّب وتفكيره في وشمها. عقدت سمق حواجبها: آصف شنوحك؟ تحنحن آصف ونزل فنجاله وناظرها: سمّي؟ سمق: فيك شي؟ هز آصف
رأسه بالرفض بهدوء وقال: وش كنتِ تقولي؟ سمق: أحم، هذا الله يسلمك الخالة جوهرة أخت الشيخ أبو فيصل اللي حنا في ديرته.
أومأ آصف وهو يحاول إنه يوضح لها إنه مركز معها بسالفتها لكن تركيزه مع وشمها ومع شفتها وهي تتحرك تتكلم، كان يهز رأسه وهو ما يدري وش تقول وعينه عليها، نزل نظره ليديها وشاف الحنى للحين فيهم برسم دقيق وجميل، تبسم بخفة وهو يتأمل دِقّة أناملها وجمال كفها مع نقشة الحنى اللي عليه والغوايش "الأساور" اللي تزين يدها، مرر نظره لشعرها اللي نازل على كتفها ومخليته على جانبها اليمين، تأمل لونه وكثافته، ما يدري وش فيه اليوم كأنه أول مرة يشوفها!
كل شي فيها جميل وحلو ويجذبه! كان مضيّق عيونه ويحاول يركز مع سالفتها اللي واضح إنها مهمة من ملامحها وهي تشرح له، يسمع صوتها صحيح بس ما يدري وش تقول! عقد حواجبه وهو يهمس في داخله "ركز يا آصف وش فيك، ركز، شوف هي وش تبي! سمق شافته عاقد حواجبه خافت
تحسبه بيرفض قالت باستعجال: آصف والله الموضوع زين، فكر فيه، بنكسب وقت وجهد وفلوسنا بعد، يا آصف نبي نوصل لليمن ومعنا فلوس مو مخلصينها لأبو سوار ذا، والله لو معنا مُلك قارون ما يكفيه هو ورحلاته! أومأ آصف وهو يحس إنه زودها وقال: زين يعني وش؟ سمق باستنكار: وش اللي وش؟ آصف، أنت سمعتني وش قلت؟! تنهد آصف ومسح جبهته: اعذريني والله مدري وش قلتي. سمق: اشرب فنجالك خليك تصحصح معي!
مد آصف يده وأخذ فنجاله وشربه دفعة واحدة ونزّله وشبك كفوفه بوضعية المركز وقال: سمّي وش كنتِ تقولين. ضحكت سمق بخفة وقالت: آصف وشنوحك، توجس شي أنت؟ آصف بتنهيدة: مدري. وقفت سمق وقربت منه ومدت يدها لجبينه وقالت: حرارتك مو مرتفعة، أجل شنوحك، رأسك يوجعك؟ غمض آصف عيونه وكل تركيزه تمركز في جبينه اللي يدها عليه، فتح عيونه وناظرها شلون قريبة منه، هز رأسه بخفة وقال: إي. سمق: وش إي، يعني رأسك يوجعك؟ أومأ آصف وابتعدت
سمق ورجعت لمكانها وقالت: أنت نمت؟ أومأ آصف بهدوء. سمق بقلق: زين، متأكد أفطرت؟ آصف وهو يركز معها لأجل لا يخوفها: أفطرت أفطرت، مير صداع خفيف بيروح الحين. سمق: زين، أجل وش قولك؟ آصف: وش كنتِ تقولين! سمق: كنت أعلمك عن الخالة جوهرة تقول إنها بتسافر اليوم الظهر هي وولد أخوها فيصل لنجران وتقول لو نبي ننهج معهم أوفر لنا وقت وجهد، وش رأيك؟ آصف بحماس مفاجئ: بالجيب؟
تبسمت سمق لحماسه وقالت: إي بالجيب تقول أزين وأسرع والطريق اللي ينهجون منه آمنة ما به خطر! عض آصف شفته يكتم ضحكته وسعادته وهمس: الحمد لله، الحمد لله! سمق باستغراب: وش!! ناظرها آصف بسعادة يخالطها التفاجؤ: البارح وأنا أصلي قيام الليل دعيت الله ييسر لنا كل عسير ويسهل لنا كل صعب والحمد لله تحقق!! اتسعت ابتسامة سمق بفرحة: الحمد لله، أجل في الموضوع خير إن شاء الله، يعني أنت موافق؟ آصف: أكيد موافق إن شاء الله نسافر معهم.
سمق بتردد: زين والناجد؟ تلاشت ابتسامة آصف وقال: أووه صحيح! سمق بسرعة قبل يغير رأيه: نخليه هنا ما عليه خلاف إن شاء الله والناس اللي هنا أجاود ما بيفرطون بوه إن شاء الله، وش قولك؟ آصف: صعبة، مدري، الناجد صعب ترويضه، ما بيقبل بأحد، أخاف يهج ولا أخسره! سمق: لا إن شاء الله، شوف أكثر واحد هنا يروض الخيول وخلّه معوه. آصف: مدري بشوف، الموضوع صعب هذا الناجد يا سمق.
سمق برجاء: آصف تكفى والله تعبت، ودي نوصل بسرعة وما ودي نكمل مع ذي القافلة لا بلعتهم ولا بلعوني وأنا ما أدانيهم يا آصف!! أومأ آصف: ما عليك، الموضوع عندي، بشوف إن شفت أحد بيقدر على الناجد ولا مقدر يا سمق أتركه وأنتي تدرين الناجد وش!
هزت سمق رأسها: اطلع الحين وشوف من اللي يقدر عليه وخلّه عنده وإن شاء الله تلقى واحد يفهم الناجد، والله قلبي مرتاح للسفر مع الخالة يا آصف، ما تدري كيف حنيتها علي واحترامها لي مب مثل ذوليك البقر. تبسم آصف على جنب: ما يصير إلا خير. أخذت سمق نفس وهزت رأسها ثم قالت: راح الصداع؟ تنهد آصف ووقف: لا، بطلع أشوف الوضع وإن شاء الله يروح. وقفت سمق معه وقالت: زين وعلمني إذا صار شي.
أومأ آصف وطلع من الغرفة للصالة وسمق خلفه وهو يبي يطلع من عندها لأن لا هو اللي قادر يمنع عيونه منها ولا تفكيره فيها، لذلك بيطلع من عندها أزين لهم جميع. سمق: ماتشوف شر يا رب يروح الصداع. كان يلبس حذيانه "وأنتم بكرامة" وغمض عيونه من كلامها وأخذ نفس والتفت لها وقال يتصنع إنه ما سمعها: قلتي شي؟ سمق: ماتشوف شر بيـ...
انقطع كلامها من تقدم آصف وقبّل جبينها بهدوء وارتجفت سمق من حركته، ابتعد آصف وطلع من البيت قبل يتهور أكثر وسمق واقفة مكانها وقلبها بيطلع من مكانه بسبب سرعة نبضاته، رفعت يدها لا شعوريًا لجبينها تتحسس مكان قبلته واكتسى وجهها اللون الأحمر ولاحت شبه ابتسامة على شفتها وعضت خدها من الداخل تمنع ضحكتها اللي من فرط مشاعرها. لكنها غطت عيونها بيديها وضحكت بخجل ودخلت للغرفة تركض وهي تدور حول نفسها من فرط المشاعر.
وجلست على الأرض وابتسامتها تزين وجهها وخدودها متوردة إلى الآن. *** طلع آصف من البيت وهو مبتسم بخفة ويحس بدقات قلبه سريعة، على الأقل أخذ ولو شي بسيط! توجه لفيصل اللي علمته عمته إنها تبي تسافر اليوم.
وبدأوا يفكرون بحل مع الناجد قبل وقت السفر وعلم آصف أبو سوار إنه بيطلع من القافلة وتضايق أبو سوار لكنه ما اعترض فماله حق الاعتراض وبالذات إنه أخذ حقه وزود بعد من وقت ما انطلقوا من الديرة طالعين من حايل لين وصلوا وادي الدواسر وآصف في كل لحظة مرة يوقفون يدفع! *** عند شهلاء..
كانت مقفلة الباب على عمرها، ومنسدحة في فراشها الذي غرقته دموعها وبكاها على ولدها. من وقت ما التقت عينها بعينه، حست بشيء يحرق قلبها ويوجعها، وإحساس الأمومة طغى على كل إحساس ثاني، ودب الرعب في قلبها خوف من أنها تخسر برهان مثل ما خسرت آصف ويروحوا عيالها الاثنين! لكن في شيء يمنعها من أنها تطلع من بيت فهد أو تروح تدور على ابنها ولا تسأل عليه، في شيء يردعها رادع قوي!
انهارت على فراشها تبكي بضياع وتحس أنها مقيدة ما تقدر تتصرف بأريحية، تحس باشمئزاز من نفسها بأنها تزوجت وتركت عيالها! مشاعرها متلخبطة ولا تدري وش تبي ولا وش فيها. اللي تدري إنها تبي عيالها الحين وفي هذي اللحظة، تحس بشوق لهم غير طبيعي، وتحس الدنيا تظلم في عيونها وما بيضويها لها إلا عيالها، ما بيخليها تشوف الدنيا غير عيالها. وينهم الحين؟ آكلين؟ شاربين؟ متدفين ولا لا! بردانين ولا متغطين زين؟
اشتاقت لعيالها واشتاقت لجلستها معهم ولمتهم حولها. الدنيا اظلمت في عيونها في غيابهم. دخل فهد للبيت باستعجال بعد ما عرف عن اللي صار مع برهان، وخاف كثير، خاف تتأثر شهلاء وتتركه. دخل للصالة وكانت سلوى واقفة على باب غرفة شهلاء وتسمع بكاها. فتح فهد عيونه باتساع من صوت بكاها وراح بسرعة للباب يدقه بخوف: "شهلاء يا عين ابوي انتي افتحي الباب وش نوحتس تصيحين؟ "شهلاء! ... شهلاء افتحي الباب... شهلاء افتحي الباب قلت.."
ما ردت شهلاء وهي تبكي بضياع وتحس حتى أغراضها قاعدة تخنقها. فهد وهو يدق الباب بخوف: "شهلاء افتحي الباب تكفين! افتحي الباب وعلميني وش نوحتس، علميني وش تبين ولتس اللي تبين، مير افتحي الباب تكفين يا عيني تكفين! سلوى بخوف: "لا يكون صابه شي! فهد التفت لها بحدة: "اسكتي انتي وانفهقي من قدامي." توترت سلوى وبالها مع شهلاء وراحت، ولكن كل شوي تلتفت وهي تشوف فهد يدق الباب ويترجى شهلاء تفتح.
تشوف الخوف في عيونه عليها وتسمع ترجيه لها ومناداته لها بـ "يا عيني" و "يا حيي" ويهيل عليها بكل كلمات الغزل لجل تفتح الباب، وسلوى طول السنين وهي معه ما قال لها حتى "مشكورة"! زمت شفايفها بغيظ وكرهها لفهد كل ماله يزيد يوم ورى الثاني بسبب أفعاله. وقفت شهلاء وهي تسمع ترجي فهد لها وحن قلبها عليه. تشوف إن ماله ذنب تدخله بمشاكلها هي وعيالها. راحت للباب والدمع يغطي وجهها ومدت يدها وفتحت الباب. ودخل فهد
باندفاع وخوف ومسك وجهها: "شهلاء يا بعد تسبدي انتي وش توجسين؟ شهلاء تقوست شفتها ونزلت دموعها أكثر، وفهد ضمها لصدره وهو يسمي عليها ويهديها وهي تبكي بين يديه وتتمتم بكلام مو مفهوم منه إلا "أبيهم"! حس بقهر وغيظ وعرف إنها تبي عيالها، وفي داخله يدعي إنهم ما يرجعون كلهم ويفتك منهم ومن شرهم ويعيش معها باقي العمر بدون مشاكلهم ولا همهم ولا خوفها وقلقها عليهم.
كان يوزع قبلاته على رأسها وهو يهديها، وهي تبكي على عيالها تبيهم وتترجى فهد يجيبهم لها. دخلت الريم للحوش وتركت السطل ورمت عباتها على الحبل وهي تحس إنها بدت تصدع من الشمس اللي جالسة فيها من الصبح ولا ترجع وفي البيت حريم. دخلت للصالة بتعب وتوقفت رجولها وجت عينها على باب الغرفة المفتوح وهي تشوف أبوها جالس وشهلاء في حضنه يهديها وهي تبكي بانهيار وتقول تبي عيالها.
شدت الريم على يدها وحست بإحساس يحرق قلبها، ما تدري هي تغار على أبوها ولا مقهورة على أمها ولا شفقانة على شهلاء! تشوف شهلاء شلون تترجى أبوها يجيب لها عيالها بتشوفهم بس! حست بقلبها يوجعها على حال شهلاء وكيف حالها متغير وضايقة. غمضت عيونها بتعب وتنهدت وفتحت عيونها وناظرتهم مرة ثانية وراحت لغرفتها. فتحت الباب ودخلت، شافت أمها جالسة بجنب مكينة الخياط.
تنهدت الريم وراحت لفراشها، انسدحت وهي تسحب الفراش تتغطى فيه، وغمضت عيونها وهي تفكر في حل تعمل به. تبي حل يفك وينهي العذاب والهم اللي هم فيه وقاعدين يعيشونه كلهم. ما تقدر تعلم على أبوها لأن وقتها مو سمعته الوحيدة اللي بتنتهي، وقتها كلهم بينتهون هي وأخوها وأمها ويمكن يقتلون أبوها! لأن جزاء الساحر القتل، وهي ما تبي يصير هالشي، هي صحيح تكرهه وتحقد عليه وتمقته لكن موضوع الموت شيء ثاني.
وفي نفس الوقت حال شهلاء صعبان عليها وما تقدر تخليها تتعذب كذا بدون ذنب ويتشتتون عيالها ويضيعون. صرّت على أسنانها وهي تشوف مالها إلا حل واحد إنها تطفش شهلاء وتكرهها فيهم وفي أبوها وتسوي مشاكل معها، يمكن تطفش شهلاء وتتعب وتروح لأهلها وتفتك من شر فهد!!! ويمكن تمرض إذا زادت عليها المضايقات ويعالجونها ويدرون إنها مسحورة لكن ما يدرون من اللي ساحرها، ويعالجونها وبكذا الكل بيطلع من الموضوع!!
قررت وثبتت على هالقرار وبتبدأ تنفذه، وبتتعامل مع شهلاء بكل استفزاز لجل تطلعها عن طورها وتمرض! غمضت عيونها بتنام وترتاح بعد الشمس اللي أكلت راسها أكل. أما سلوى فوقفت وطلعت من الغرفة بتروح للمطبخ وتذكرت ولدها محمد ما تدري وينه من بعد سالفة الريم. ناظرت لباب الغرفة شافته مقفل وما عاد لشهلاء صوت، زفرت وراحت للمطبخ وهي تستغفر وتدعي لولدها بالهداية وإن الله يحفظه.
أما شهلاء، فكانت نايمة بعد نوبة البكاء والشوق لعيالها، وفهد عندها ويضمها لصدره ويمسح على شعرها، وبكل قسوة فكر يطلع اليوم للديرة الثانية ويزيد السحر ويخليها تنسى عيالها تمامًا وما عاد تفكر إلا فيه هو وتهتم فيه هو وتتفرغ له هو. طغيانه زاد من أول لحظة فكر في السحر وقلبه كل ماله يقسى أكثر ولا يفكر في أي شيء ثاني غير تملكه لشهلاء ولا حسب حساب نهاية الأمر ولا الآخرة!
تبسم بخفة وهو يشوفها نايمة بعمق ويديها على صدره. اللي يشوفها ويشوف جمالها ورقتها ما يصدق إنها أم وعيالها شباب! "أدهم" دخل للبيت وفي يده المقاضي ومعصب. وصل وشاف أمه جالسة مع البنات في الحوش وتشرح لهم اللي صار وكيف كان برهان ودمعها على خدها وهي تتوجع كل ما تذكرت نظرته! أدهم بعصبية: "هالوغد طالع من الديرة ولا أحد يدري وين راح، يبي يسوي لنا عنترة بأفعاله، يحمد الله إن فهد ما اشتكاه... نورة بحدة:
"فهيدان يخسى يشتكي برهان، وشهلاء ماهيب طبيعية ولا في وحدة عاقل تشوف انهيار ولدها وتعبوه وتدخل لبيت رجله ولا كأن شيء صاير؟؟؟! أدهم: "تبينه تنهج لوه وتسلي على خاطروه وتطبطب على ضهروه؟ نورة وقفت: "أنا مع من قاعدة أسولف، حط المقاضي وطس لا أشوف وجهك! عبد العزيز دخل البيت وقال: "علامكم أصواتكم واصلتن للشارع!!! أدهم بعصبية: "أنا أدري؟؟؟ نورة بقهر: "برهان وين يا عبد العزيز؟ عبد العزيز تنهد:
"اكتنوه لحق آصف في أثر خيل جهة الجنوب! اتسعت عيون سمو بصدمة، معقول راح!!! معقول للمرة الثانية تتلقى منه الوجع، معقول تمد له يدها ويقفي عنها للمرة الثانية. يا كبرها على قلبها يا كبرها هالمرة! تنازلت بعد ما قررت تتركه وترمي حبه ورى ظهرها، تنازلت وراحت له وهي اللي حررته من سجنه وهذا جزاها؟ للمرة الثانية يثبت لها إنها ولا شيء عنده ولا يشوفها حتى، وإنها مجرد ساذجة ساعدته وراح واقفي عنها.!
كانت المشادة الكلامية ما بين نورة وأدهم وعبد العزيز، وهي معصبة عليهم ليه تاركين ولد عمتهم وما خلت كلمة ما قالتها، وأدهم شوي وينفجر من كلامها وماسك نفسه بالقوة ما يبي يغلط ويرفع صوته على أمه. طلعت الترف من الغرفة في اللحظة الغلط وشعرها طالع أمام عبد العزيز اللي ما كانت تدري إنه موجود. أدهم صر على أسنانه بعصبية وكأنه ما صدق خبر جاه شيء يفرغ عصبيته فيه، حس بالغيرة تحرقه وراح لها بسرعة وسحبها من شعرها وصرخ:
"يا بنت الحرام تعرضين قدام إخواني؟؟!!!! الترف كانت تحاول تحرر نفسها منه وتصرخ بوجع وركضت نورة تحاول تبعده عن الترف لكنه كان معمي على عيونه وهو يعتقد إنها متقصده وطالعة قدام أخوه مثل ما كانت تطلع قدامه من قبل، وراحت سمو تحاول هي الثانية تفكه عنها وفرح تفزع معهم لكنه كان جن جنونه ويضرب بكل قسوة قلب ويشد شعرها وصراخ الترف مالي المكان. أما عبد العزيز طلع من البيت وهو مصدوم وشاف أبوه جاي، ركض له وقال:
"يبه الحق أدهم بيذبح زوجتوه! حامد بصدمة: "وشو!!! عبد العزيز بخوف: "الحق يبه!!! راح حامد باستعجال لبيته ودخل واستقبله صوت الصراخ والبكاء وراح بسرعة سحب أدهم بقوة من على الترف وبدون أي سابق إنذار ضربه كف طيحه على الأرض. ورفعت سمو يدها لفمها بصدمة وكذلك نورة وفرح. أما الترف كانت تبكي بنحيب وهي موجوعة من ضربه لها وأول ما شافت عمها ركضت له وهي تحتمي فيه وتتعزوى:
"تكفى يا عمي أنا في وجهك تكفى يا عمي ابعدوه عني تكفى يا عزوتي تكفى.... حامد بحدة: "أنتي في وجهي وأنا أبو تس اهدي، قم يا الرخمة قم علمني وش عملت لجل تطلع مراجلك عليه!! وقف أدهم بعصبية وقال: "هذي الوصخة اللي عندك كانت تطلع قدامي وتحاول تجذبني لها والحين جاء دور إخواني طالعة قدام أخوي بشعرهاااا!!!! الترف ببكاء: "والله العظيم ما أدري إنوه موجود تكفى يا عمي أنا في وجهك تكفى."
كان حامد يهديها وأدهم معصب ويحلف لأبوه إنها بلا شرف وقليلة تربية وحامد معصب منه. أدهم: "طسي للغرفة! حامد بعصبية: "هذي الأمانة يا أدهم؟ سمو بقهر: "يبه ماهيب أول مرة ترى أدهم يجرحها بالكلام في كل لحظة! حامد بحدة: "ابن أبوي هذه أعمالك يا أدهم؟ أدهم بقهر: "زوجتي وأنا أربيه والحين طسي للغرفة." حامد بحدة: "طس أنت!!
سمو خذي أغراضتس وأغراض البنت وانهجي لبيت عمة فواز "جدة سَمَق" بتقعدون عنده لين يعرف إن الله حق وما عاش اللي يهين وحدة من بناتي والترف بنتي مثل ما أنتو بناتي." أدهم بقهر: "يبه! حامد بحدة: "سمو اسمعي اللي قلته." سمو: "حاضر يبه." راحت سمو بسرعة للغرفة لبست عباتها وخذت عباة فرح ولبست الترف وطلعوا من البيت وهم يسمعون حامد يتكلم مع أدهم. سمو بهدوء: "الموضوع عند أبوي لا تخافين." الترف بوجع:
"خلاص ما عاد أبيه، خليه يطلقني أتشرد في الجبال ولا يهينني ويتهمني في عرضي." سمو تنهدت وهي تمشي معها رايحين لبيت جدة سَمَق بيقعدون معها لين يتأدب أدهم ويعرف خطاه، أما هو فكان معصب ورافض إنها تروح لبيت جدة سَمَق لكن حامد قاطع كلامه وقال بصرامة: "إن ما كنت قد الأمانة يا أدهم طلق البنت، والله إن أزوجه اللي يصونه ويحترمه." أدهم بقهر: "والله ما ياخذه غيري أنا اللي أربيه." حامد بحدة: "تربيه من وش؟ وش جاك منه؟
البنت قالت لنا انجبرت تندس بيننا لجل عمه، مير ما ضرتنا ما ضرتنا يا أدهم!! أدهم بغيظ: "ما ضرتكم أنتو لكن ضرتني أنا وسببت لي جرح بيدي." حامد: "ومتزوجة لجل تنتقم؟ سكت أدهم وصد بوجهه. حامد أومأ بعصبية:
"أجل مالك حرمة عندي والترف أنا مسؤول عنه، والله ما عاد تمس له شعرة لين تدري بخطاك وتعتذر منه، وإن قبلت عذرك رجعت لك وإن ما قبلت تطلقه غصب عن خشمك، وإن شفتك توطوط عند باب بيته كسرت رجلك، وهذا آخر كلام عندي وإن كانك صدق خالف كلامي واكسروه." طلع حامد من البيت بعصبية وأدهم شد شعره بغيظ وطلع هو الثاني من البيت. وتنهدت فرح براحة: "الحمد لله ما وصلت إلا كذا ما صار مشاكل." نورة بضيق: "حسبي الله ونعم الوكيل، مدري وش صايبنا!
دخلت نورة للبيت وفرح جتها لحظة إدراك إن المطبخ صار عليها دام سمو راحت هي والترف، تأففت وراحت للمطبخ مجبورة! "سمو" وصلوا لبيت جدة سَمَق ودخلتهم وهي ترحب في شهلاء "سمو" واللي معها. جلسوا في الغرفة وقالت جدة سَمَق: "شخبارتس يا شهلاء عساتس بخير؟ سمو: "الحمد لله وأنتي يا خالة؟ جدة سَمَق: "الحمد لله بخير، عساتس للخير إلا ما علمتيني وأنا أم تس من ذي اللي معتس؟ سمو ناظرت الترف وتورطت ما تدري وش تقول: "ءء هذي، شسمه هذي!
إي هذي أخت نايف، أخت نايف! جدة سَمَق بابتسامة: ما شاء الله تبارك الرحمن، حياكن الله، البيت بيتكم. سمو: عاد جينا اليوم خطار، وإن شاء الله نبقى عندتس. جدة سَمَق: أبد حياكن الله، البيت بيتكن، والله لو تبين أطلع وأخلي لكن البيت، إني فدا. سمو: الله يطول لي بعمرتس ويخليتس. جدة سَمَق: إلا ما قلتِ لي نايف رجع ولا للحين؟ سمو تنهدت وتذكرت برهان: لا للحين ما رجع، ولا ندري وينوه.
جدة سَمَق: ما عليتس وأنا أمّتس، بينكس لديرته وأهله. سمو بهمس: إن شاء الله. جدة سَمَق: أجل اعذرني، أنا بنهج أجيب لكن القهوة وأطبخ الغداء. سمو: مشكورة، الله يطول لي بعمرتس. وقفت جدة سَمَق وطلعت من الغرفة بتروح للمطبخ. أما سمو، فالتفتت للترف اللي كانت سرحانة وواضح عليها التعب.
تنهدت سمو وقالت: ترف وأنا أختس، والله إن أخوي أدهم مو هاللون، مير وأنا أختس مدري وش قالبوه علينا كلنا ذي الأيام، وأنتِ تدرين إنه مغبون على يده، مير مصيره يفهم أنتس كنتِ مجبورة وما غدرتِ فينا ولا ضحيتِ في ديرة كاملة لأجل عمتس. الترف يا عيني، جاريه بفهمتس وحاولي تكسبينه. الترف بضيق: ما عاد ودي به، بتطلق منه. سمو بحزن: وين بتنهجين يا الترف؟
حنا أهل لتس وأنا أختس، والله إن أبوي ما بيسكت لأدهم، صحيح أخوي غلط مير صدقيني طبعه مهوب هاللون! الترف بعد صمت: مغبون على سَمَق! سمو اتسعت عيونها وقالت: مستحيل! أخوي مهوب وصخ ولا قليل دين لأجل يفكر في وحدة متزوجة ومع زوجها، أخوي وأنا أعرفه! الترف بضيق: مدري يا سمو، مدري تعبت، تعبت من كل شي. سمو مدت يدها وشدت
على يد الترف وقالت بحنية: لا تضيقين خلقتس وفكري بعقلتس، وأبوي ما بيسكت لأدهم، وأدهم بيرجع عن خطاه وبيفهم إنه أخطأ. قطع عليهم كلامهم دخول جدة سَمَق ومعها القهوة: يالله تحييهم، نور البيت. سمو تبسمت: بنورتس جعلتس طولت العمر. جلست وهي تصب لهم القهوة وتمدها لهم بابتسامة، وهي كل شوي تسأل سمو عن شي على أساس إنها شهلاء، وسمو ترد عليها وتسايرها بالحتسي. أما الترف فكانت ساكتة وبس تتبسم لجدة سَمَق إذا ناظرتها. آصِف..
كان واقف عند الناجد ومعه فيصل يسولف معه عن موضوع السفر بعد ما كلفته عمته مهمة إقناع آصِف: ها وش قلت، بتسافر معنا؟ ما بقى كثير، بنتغدى وبتوكل على الله. آصِف وهو يمسح على رأس ناجِد: أنا ما عندي مشكلة أبد، لكن المشكلة هي في موضوع الناجد، وين بتركه؟ ما أقدر أخليه. فيصل ضحك: أبد والله إن موضوعه سهل، خله مع سويلم أخوي. آصِف عقد حواجبه: أخوك الصغير؟
فيصل: لا يغرك خباله، تراه يفهم في الخيول ويقدر يروض أصعب مهرة، ما يصعب عليه الناجد. آصِف: والله ما كنت أدري. فيصل: خل أناديه لك وبتشوفه بنفسك. آصِف: زين. فيصل نادى على واحد من الورعان الصغار وقال له ينادي له سويلم يجيه. جلس آصِف تحت ظلة الشجرة وجلس فيصل وأخذ له عصا صغيرة يخطط على الأرض ويسولف مع آصِف عن الطريق اللي بيمشون منها لين يجي سويلم. آصِف: كنه تأخر؟ فيصل باللهجة الدوسرية: بياتي بياتي "بيجي".
أقبل عليهم واحد طويل وضعيف حيل وأسمر وبثوب عريض ويركض بسرعة ويضحك، وواضح إنه مسوي له مصيبة وراه. تنهد فيصل وقال: لا يغرك خباله، بتشوف أفعاله. ضحك آصِف وهو يشوفه يجيهم ويشمر كمومه: سم يا فيصل! فيصل من بين أسنانه: يا مودمي إغد رجال! (مودمي = إنسان) تأفف سويلم: شبغيت مني؟ جاء النما ميدي وقال إنك تبيني؟ (وش تبي؟ جاء الورع لعندي وقال إنك تبيني؟ فيصل: الرجال يبيك تروض خيله، وإن قدرت عليه بيخليه عندك لين يرجع من سفره.
سويلم ناظر آصِف وشاف ناجِد وصفر بإعجاب: أويلاه. آصِف تبسم: تقدر تروضه؟ سويلم بحماس: أقدر أقدر. آصِف: تراه صعب ويمكن يرميك من على ظهره. سويلم رفع ثوبه بحماس: والله الدبرة المحقى إن ما قدرت عليه. آصِف تبسم لحماسه: توكل على الله.
سويلم تقدم من الناجد، ولكن كالعادة رفع حوافره بيضرب سويلم، لكنه كان سريع ولف للجهة الثانية، وبحركة سريعة اعتلى ظهر الناجد ومسك لجامه بقوة، وارتفع الناجد في محاولة إيقاع سويلم من على ظهره، لكن سويلم كان فعلاً له خبرة وما طاح من عليه، وبدأ يركض فيه، وآصِف مبتسم بقوة، وفيصل مبتسم لأخوه اللي أخيراً جاء منه شي فيه فايدة. كان يركض في كل الديرة.
والناجد يحاول يتخلص منه، لكنه ما قدر بسبب سويلم اللي تشبث فيه بكل قوته وهو يضحك بحماس، وهو يعشق أي شي فيه جنون ومخاطر. فيصل التفت لـ آصِف وقال: ها نتوكل على الله؟ آصِف تبسم بخفة وهو يناظر الناجد، وفي قلبه شي ما يدري وشو، إحساس رافض إنه يتركه كأنه ولده، لكنه في نفس الوقت ما عنده حل آخر. ناظر فيصل وقال: توكلنا على الله. فيصل: أجل بعد الغداء مباشرةً بنتوكل على الله. آصِف: ومتى بنوصل؟ فيصل: بنوصل بعد المغرب إن شاء الله.
آصِف أومأ ورجع يناظر سويلم اللي على ظهر الخيل. سَمَق جاها خبر إن آصِف وافق وكانت مبسوطة بالخبر، وبدت تجهز أغراضها وتلمهم من جديد، والخالة جوهرة بدت تلم لها كم غرض تبيه في نجران وكم هدية لبنات أخو زوجها اللي في نجران. عرفت غيمة إن سَمَق بتسافر مع الجوهرة وقلبت عيونها بسخرية منها وغيرة. مرت الساعات سريعة وجاء وقت الغداء وتغدوا سمو والترف عند الجدة وهم مقررين يبقون عندها بأمر من حامد.
أما سَمَق فتغدت في بيت الشيخ أبو فيصل مع الحريم والخالة جوهرة، وودعوهم وودعت سَمَق شهد اللي ما بتجي معهم وبتبقى في بيتها لين يرجع زوجها من سفره مع عمته. أما برهان فكان إلى الآن ما أحد يدري عنه ولا جاهم خبر يطمنهم عليه، والشيخ رشيد كأنه على جمر خايف على برهان لكن ما يبي يوضح لهم ولا يبي يرسل أحد يرجعون برهان ويزيد برهان بالتغلي ويقولون جده اللي يشجعه. وكان كثير مستغرب إن شهلاء للحين ما جاته وقالت تبي برهان!
أما نورة ما قدرت تأكل شي وكل بالها عند برهان وخايفة عليه كأنه ولدها، وبالذات لإنها متأكدة إن شهلاء مسحورة واللي ساحرها هو فهد، ولكن تبي تثبت قبل تعلم أحد عن الموضوع! عند آصِف كان واقف هو وفيصل عند الجيب ويثبتون الأغراض اللي بياخذونها معهم، وسَمَق والجوهرة يودعون الحريم قبل يطلعون من البيت. فيصل بابتسامة: يالله تحيي رفيق السفر. آصِف ابتسم لأخلاقه وقال: يحييك يا بعد كل حي. فيصل وهو
يركب في مكانه ويشغل الجيب: ادخل ادخل حياك الله. تبسم آصِف وفتح باب الجيب ودخل وغلق الباب وفتح الدريشة بمساعدة فيصل، وبدأ فيصل يدق هرن للخالة تطلع. تبسم آصِف وقال: ما شاء الله تبارك الرحمن، إن شاء الله آخذ لي أنا وأخوي واحد. فيصل: إن شاء الله، لا من رجعت بعلمك من وين تأخذ هالرجال، ما شاء الله رجال كفو ويشرف على حلاله بنفسه، لذلك تلقى كل بضاعته زينة.
آصِف: خلاص إن شاء الله، أول ما أرجع من اليمن ماني راجع حايل إلا وأنا في الجيب. فيصل بابتسامة: إن شاء الله. طلعت سَمَق وهي متغطية ومعها شنطتها الصغيرة اللي فيها الراديو وكم غرض بسيط، وطلعت الجوهرة وهي ببرقعها. فتحت الباب ودخلت سَمَق في الخلف وهي متوترة، أول مرة تدخل سيارة وأول مرة تجربها لذلك متوترة حيل ويديها ترتجف. دخلت بعدها الجوهرة وقفلت الباب وقالت: توكل على الله يا فيصل، بسم الله الرحمن الرحيم.
فيصل سمى بالله وحرك وسَمَق غمضت عيونها بقوة وهي ترتجف وتمسكت في الخالة اللي ضحكت بخفة وهي تشد عليها وتهديها. وبدأت الخالة تقرأ دعاء السفر وتدعي لهم. وآصِف مبتسم وفي أسعد لحظاته لإنه جرب الجيب وبيجرب السفر فيه. ومر وقت وهم في الطريق اللي ما كان مثل صعوبة السفر في القافلة، صحيح إنه طريق ما صار معبد بشكل كامل وبالشكل اللي صار عليه في الحاضر، إلا إنه بالنسبة للبيئة البدوية وفي الزمن اللي هم فيه شي عظيم وإنجاز فخم.
وتحركوا مكملين طريقهم، وشوي شوي تعودت سَمَق على الوضع وصارت تناظر من الدريشة وترتجف كل ما شافت إنهم في مرتفع وتغمض عيونها وتنتظر متى يطيحون. أما آصِف فما فيه أحد في سعادته وهو يشوف كيف يقطعون الطريق بسرعة وسهولة، ومرتاح كثير إنهم بيوصلون لليمن في وقت أقصر وبيشوفها من بعد الغياب الطويل. فيصل مد يده للمسجل يقلب فيه، وسَمَق فتحت عيونها بحماس دام فيه راديو، وكانت ملتزمة الصمت وما تبي تتكلم وهم مع رجال غريب.
آصِف سمع صوت استقر عليه فيصل وقال آصِف: من هو ذا؟ فيصل: هذا أبو بكر سالم. آصِف أومأ وهو يستمع للكلمات. "أغنية أبو بكر سالم في الستينات تم تسجيلها لأول مرة في عدن باليمن، وتم توزيعها على الخليج كامل والدول العربية الباقية عبر الرحلات والتجارة". (يا ورد محلى جمالك بين الورود يا ورد... يا غصن محلى قوامك لما تنود) تبسم آصِف مع الصوت وبساطة التسجيل وفخامة الصوت وعذب الألحان وكمية الإبداع وعذوبة الكلمات.
وسَمَق تبسمت بخفة وهي تناظر من الدريشة وأكملوا طريقهم. (ريحك شذي ريح الشفاء ريح المسرة "يا ورد") كان فيصل يردد مع الكلمات بهدوء وهو يسوق ومركز بكل حواسه على الطريق، وآصِف مركز عليه ويلقط كل حركة يسويها وهو يسوق بيتعلم منه!
ومرت الساعات وبدأت الشمس تتغطى بستار الحياء وتختبئ خلف الجبال معلنةً للرحيل، وتخبرهم بغيابها إنه ما تبقى بينهم وبين نجران إلا القليل، وفيصل كان يشرح لـ آصِف عن الطريق ويأشر له على الأماكن ويشرح له لمن هي ومن أصحابها، وآصِف مركز معه بقوة، والجوهرة كانت تسولف على سَمَق بخفة عن الطريق وعن تجاربها السابقة في السفر، وسَمَق مبتسمة لها وتشرح لها الجوهرة عن نجران.
الجوهرة: بنوصل إن شاء الله لنجران وبتريحون في بيتي، والصباح بتشوفين بناتي وبتتعرفين عليهم وتحبينهم. سَمَق تبسمت وهي تدري إنها تقصد بكلمة بناتي بنات أخو زوجها المرحوم وإنها تعدهم بناتها وتحبهم مثل حب الأم لبناتها: إن شاء الله، إلا ما قلتِ لي وش أساميهن؟
الجوهرة: الكبيرة اسمها وضحى متزوجة، والوسطانية سارة متزوجة بعد، أما آخر العنقود السكر المعقود اللي بتحبين نجران من حبتس لها ولطيبة قلبها وحنيتها ومرحها وابتسامتها، هذي الله يسلمتس اسمها شيهانة. هي اللي بتستقبلنا وبتشوفينها وبتحبينها. سَمَق بابتسامة: والله إني تشوقت لشوفتها. الجوهرة تنهدت: والله إني ما أقطع هالمسافة وأسافر كل مدة إلا لأجلهن ذولي البنات. سَمَق: الله يحفظتس لهم ويخليتس ويطول بعمرتس.
الجوهرة: ويا تس، الله يحفظتس. سَمَق بدأت تسولف مع الجوهرة وتناست وجود فيصل وبدأ صوتها شوي يوضح، ونبهها آصِف يوم تحنحن وبدأ يكح لأجل تنتبه وتسكت. عضت سَمَق شفتها بإحراج وسكتت، والجوهرة ابتسمت لها وهي تسولف معها بصوت خافت، وسَمَق تهز رأسها أو ترد بصوت يالله ينسمع وخفيف. في الديرة
بدأ أذان المغرب والناس راحوا للمسجد يصلون، ورشيد في مقدمتهم وعياله حوله وأحفاده عدا اثنين، الاثنين اللي ما غابوا يوم عن المسجد ولا مرت صلاة فرض بدونهم ودائماً في أول الصف، اليوم كلهم مو موجودين لا برهان ولا آصِف. كان رشيد واقف وجسده منحني بتعب وقلبه قلقان عليهم وضايقة فيه الوسيعة بدونهم، والمسجد يحسه غريب بدونهم، وزاويتهم اللي يقرون فيها القرآن فارغة والكل صار يعرف إنها لهم ولا يجلس فيها!
بعد ما أكمل صلاته راح رشيد بخطوات بطيئة لمكانهم وجلس بتعب وباله معهم وخايف على برهان اللي أظلمت الدنيا وهو للحين ما بان لهم ولا يعرفون وينه ولا وش صار عليه!
رفع رشيد نظره للرف اللي موجودين فيه المصاحف، وشاف المصحفين اللي دايمًا ياخذونهم بغلافهم الجلد البني الصلب. تنهد بحزن يعتصر قلبه، يحس بفراغ في غيابهم. تحمل غياب آصف لأن برهان موجود، لكنهم الحين غايبين الاثنين. يوم راحوا صار فيه فراغ في مكانهم، خيمة جدهم بهتت بعد ما كان لهم فيها صوت وضحكة وموقف. الحين مكانهم فارغ فعلًا!
وكل مكان لهم فيه بصمة، ولهم مع كل شخص موقف، والكل يدعي لهم بالخير. والرجال بدأوا يقلقون على برهان اللي ما يدرون وينه. صحيح يشوفونه مخطي، لكنه ولدهم ومن لحمهم ودمهم، وخايفين عليه، بالذات إن هذي أول مرة يغيب عنهم ويختفي بهذي الطريقة، وطلع وهو ضايق وزعلان منهم كلهم. خايفين عليه يصيبه شي، خايفين يصير له شي ولا يخسرونه. لهم وحشة في الديرة، لهم مشاعر كبيرة بصدور أهلهم، اشتاقوا لهم!
اشتاقوا لآصف، اشتاقوا لبرهان، اشتاقوا لسباقاتهم ولدكانهم ولمحارشتهم، اشتاقوا لصوتهم في المسجد وترتيلهم الآيات، اشتاقوا لحضورهم أول المصلين. متطمنين على آصف إنه مع قافلة ووجهته معلومة، لكنهم خايفين على برهان اللي ماله أثر، ولا يدرون وينه فيه ولا وين غاب عنهم!
طلع رشيد وهو يحس بضيق يسكن صدره، وتعب هد حيله، وقلق أكل قلبه على برهان. بدأ يمشي راجع للبيت بخطوات مُرهقة ومتعبة، ومتندم إنه تعامل مع برهان بالقسوة. تمنى لو إنه تعامل معه بطريقة ثانية، تمنى لو إنه جلس معه وفهمه إن أمه لها الحق تتزوج، وإنها قدمت واجبها كـ "أم" على أكمل وجه وضحّت بكثير من عمرها لأجلهم، وإنهم لازم يفرحون لها ويسعدون لسعادتها. تمنى لو إنه قضى الوقت اللي ترك برهان فيه مربوط قضاه معه وجلس وتكلم معه كلام رجال لرجال.
تمنى وتمنى ولكن لا فات الفوت ما ينفع الصوت، وبرهان راح وما يدري وين وإلى متى؟ رفع نظره لبيت شهلاء وحس بغصة تتمكن منه وهو يشوفه مظلم وما فيه حياة! قادته رجوله لبيتها، وشافوه عياله وشافوا الهم اللي متمكن منه، وما حبوا يضايقونه، بيخلونه مع عمره شوي. دخل رشيد للبيت ورد الباب بهدوء، وتوجه للداخل يتحسس المكان في الظلام لين دخل وحس إنه صدم بشي. نزل لمستواه وتحسسه بيده وعرف إنه فانوس، رفعه وبدأ يشغله، وانتشر الضوء في البيت.
جالت عيونه على الصالة بأكملها وزواياها وهدوئها الموحش بعد ما كانت تشع بالحياة. ناظر غرفة بنته ووقف بصعوبة، ولفت انتباهه الأكل اللي على الأرض، شافه مثل ما هو ومو ناقص منه شي، دليل إن برهان أكمل اليومين بدون أكل! طلعت منه تنهيدة حسرة وندم، وتوجه لغرفة بنته وفتح الباب ودخل. لقاها هادية وفيها شوية كركبة عكس ترتيب بنته ونظامها. ما قدر يتحمل وطلع منها وراح للصالة. ناظر غرفة عيالها مقفلة وعرف إنهم مقفلينها لأنها لآصف وسمق.
راح للمكان اللي برهان كان مربوط فيه. ناظر الحبل وناظر السكين وعقد حواجبه أول ما انتبه على السكين. ونزل لمستواه وناظره بهدوء ومد يده ورفعه وهو يناظره بصمت، وناظر الحبل اللي كان منقطع وعرف إن في أحد ساعد برهان يطلع. تبسم بخفة وسند ظهره على الجدار بتعب وشك إنهم يا حامد يا عبد العزيز.
تنهد بضيق وتعب وتفكيره كله عند برهان، ويدعي الله في سره إنه بخير وما يصيبه شي، ويدعي الله يهديه ويرجعه لهم بالسلامة بدون أي أذى ولا ضرر. يدعي الله يبعد عنه كل خطر ويبعد عنه كل مصيبة. غمض عيونه يرتاح شوي من التعب اللي حَلّ عليه بسبب قلقه عليه وخوفه من فكرة إنه يصيبه شي ويكون هو سبب الضرر لبرهان. عند شهلاء ما كان حالها أحسن من أبوها، وكل تفكيرها في برهان، وفهد ملاحظ حزنها وتعبها.
رفضت تطلع لهم ورفضت تأكل، وكل تفكيرها عند ولدها. تحس روحها تنسحب منها من فراق عيالها. سافر آصف وسافرت معه فرحتها، وراح برهان وراحت راحتها وروحها. ما طلع فهد من عندها وبقي بجنبها يهديها ويقنعها إن ولدها بخير وما فيه شي. وهي سرحانة وساكتة، ما ودها بأحد عندها، لكنها مب قادرة تقول له يطلع من عندها! تحس نفسها في متاهة وفي دائرة ما تقدر تطلع منها!
وصلوا آصف وسمق والجوهره وفيصل لنجران، ووقفوا بجنب بيت الجوهره. وطلعوا الرجال يستقبلونهم بكل ترحيب ومحبة. وذبحوا، برغم تأخر الوقت، إلا إنهم أول ما عرفوا إن مع الجوهره ضيوف ذبحوا لهم العشاء. والحريم استقبلوا سمق والجوهره ودخلوا للبيت، والرجال مع الرجال في مجلس شيخ الديرة واللي كان أخو زوج الجوهره. دخلت سمق لوحدة من الغرف ومعها الجوهره اللي ترحب فيها في نجران، وسمق مبتسمة بخفة. وشوي وسمعت صوت اللي دخلت:
"يالله إنك تحييهم." الجوهره بسعادة: "هلا هلا بشيهانة هلا." تقدمت شيهانة واللي كانت بعمر فرح، بنت مزيونة وحلوة حيل، وبدت تسلم على الجوهره والتفتت لسمق وهي ترحب فيها وتسلم عليها: "كيف حالش عساك بخير؟ سمق تبسمت غصب عنها: "الحمد لله، وأنتِ شلونك؟ شيهانة: "الحمد لله بخير، عساك بخير." وما هي إلا ثوانٍ ودخلوا الحريم الباقيين يرحبون فيهم ويدخلون القهوة والعشاء ويتعرفون على الضيفة اللي مع الخالة الجوهره. عند سمو
كانت في الغرفة اللي تطل على الأسطبل، جالسة على ضوء الفانوس الخفيف وتشوف الترف نايمة. والجدة نايمة في غرفتها وما في غير سمو صاحية ودموعها على خدها. كانت محتضنة رجلها لصدرها وساندة راسها عليهم، وتنهيداتها وبكاها مكتوم، وتدعي الله يحفظ برهان حتى لو ما كان لها، يحفظه ويرجعه للديرة سالم بدون أي ضرر. يكفيها إنه يكون بخير وهي بتصبر قلبها على حبها له وجفاه لها. بتتحمل كل شي المهم إنه يكون بخير وما يصيبه شي يضره.
ناظرت الترف نايمة ورفعت يدها تمسح دموعها، ورجعت نظرها للفانوس بضوه الخفيف وهدوء الغرفة وضيقتها. ما تدري الجو يخنق ولا هي اللي مكتومة وخايفة عليه. وقفت بهدوء وحزن ومدت يدها للدريشة للمرة العاشرة وهي تفتحها وتناظر لنفس المكان لعلها تشوف خياله وتتطمن إنه رجع، لكن ماله أثر ولا لخياله أثر. نزلت دموعها أكثر ورفعت يدها تمنع شهقاتها وهمست بضعف: "يا رب أعلم بحالتي، يا رب أنت وحدك اللي تعرف بمكانته بقلبي، يا رب لا تفجعني فيه."
أقفلت وغلقت الدريشة بحزن وجلست في فراشها وناظرت يديها وحست بغصة وهي تشوفهم بيض بدون أي شي يزينهم. هجرت الحناء من يوم عرفت إنه ما يحبه! تخلت عن أشياء كثير هي تحبها وتبيها لأجله، وهو ما درى عنها ولا يدري إذا هي بخير ولا لا. ما يدري إن كانت حية ولا ميتة! سوت أشياء كثيرة بدون علمه وبعلمه لأجل حبها له، لكن هو وش سوى لأجلها؟ وش جاها منه!
رفعت يدها بتكرار ومسحت دموعها وهي تتنهد بضعف وتحزن. سندت رأسها على الجدار وهي تناظر يديها بهدوء وتحاول تفكر. تحاول تبحث عن مبرر للي هي تسويه، تحاول تلقى لنفسها مبرر يخليها تعرف هي ليه تعذب نفسها كذا بحبه! ليه من طفولتها اقترن قلبها باسمه وتعلقت بحلم ما تدري وش نهايته. من طفولتها يجذبها بأبسط تفاصيله، لكنها ولا مرة نجحت في أنها تجذبه! ما تدري وش مقدر لها مع ذا الحب!
ما تدري هي تحاول تقسي قلبها وتنساه ولا تكمل في عذابها وحبها له. فزت برعب من صوت الدريشة اللي اندقت! بلعت ريقها بخوف ووقفت برعب وهي خايفة من اللي بيدق الدريشة الحين وبهذا الوقت المتأخر من الليل؟ دقات قلبها تسارعت بخوف ورجفة يدها زادت، وبكل خوف جلست وطفّت الفانوس برعب وهي خايفة! سمعت الدريشة تندق من جديد بهدوء والخوف زاد فيها، لكن خوفها تلاشى وحل مكانه الصدمة وهي تسمع الصوت اللي يهمس باسمها!
ما استوعبت اللي سمعته ورفعت نظرها للدريشة بصدمة، وتكرر الصوت في مسامعها: "سمو! حست إنها بدت تفقد عقلها وتتخيل صوته في كل مكان، بدت تهلوس وتسمع صوته! بلعت ريقها ودقات قلبها متسارعة. تنهد برهان بيأس وحزن وتعب وهو ما لقى أي إجابة. سند راسه على الدريشة بتعب: "سمو تسمعيني؟ تأكدت سمو من وجوده وإنه برهان، ورفعت يدها تكتم بكاها وهي مصدومة. وش عرفه إنها هنا وش جابه لها؟
أسئلة كثير في بالها وهي إلى الآن غير مصدقة إن برهان واقف خلف ذي الدريشة. وقفت بتثاقل ودموعها تسبقها وشغلت الفانوس وسحبت طرحتها بسرعة ورفعتها على راسها وتلثمت باستعجال وفتحت الدريشة الخشبية بيديها الثنتين، وبان لها ذاك الواقف بتعب وإرهاق واضح عليه. نزلت دموعها وهي تشوفه قدامها حقيقة وإنها ما تتوهم. همست ببكاء: "برهان! برهان بضياع: "يعلم الله إني أحمل بصدري هموم ثقال ولا أدري وين أروح!
زمت شفايفها تمنع شهقاتها وصوت بكاها وهي تشوف حاله الهلكان. برهان بتعب: "ما لقيت أحد بيسمعني غيرك! ما كان يسمع صوتها بس يشوف عيونها ودموعها اللي تنزل واحمرار عيونها وابتلال رموشها وما يشوف شي ثاني غيرهم. برهان بلع ريقه بحزن: "تسمعيني؟ سمو تمالكت نفسها وقالت: "شلون عرفت إني هنا؟ برهان ناظرها شوي ثم قال: "فرح علمتني! سمو بلعت ريقها: "رحت بيتنا؟ برهان وعينه على عيونها ودموعها اللي تنزل بدون شعور منها:
"رحت لدريشة غرفتك وردت علي فرح وقالت إنك هنا! سمو رفعت يدها تمسح دموعها وهي تحاول تتمالك نفسها وما تنهار من جديد. برهان بإرهاق: "سمو تعشيني؟ جيبي لي حتى كسرة خبز تكفيني." سمو ناظرته وهزت راسها بسرعة. برهان بتعب: "بجلس هنا إذا جيتي قولي." أومأت سمو ودموعها تنزل، وصعبان حاله عليها، وهو جلس تحت الدريشة وسند راسه على الجدار وهو يناظر الخيول وتنهد وهو يغمض عيونه بتعب.
راح ولف كل حايل وما عرف وين يروح. يحس إنه ضايع، يحس إنه ما بقى له أحد يحبه غيرها. يحس إن الدنيا اظلمت عليه وما غيرها اللي بيسانده. رجع للديرة وما كان باله إلا يروح لها حتى لو قالت عنه اللي تقول، أهم شي بيروح لها يحس ما بقى له بهذي الديرة غيرها! هي اللي بتفهمه بدون حتى لا يتكلم. وفعلًا شاف في عيونها اللي كان يبحث عنه، شاف في عيونها اللهفة اللي فقدها بغياب أمه، شاف في دموعها الحنية اللي راحت منه.
فكر في موقفها معه اليوم كثير، فكر في كل المواقف اللي صارت بينهم البسيطة والكبيرة. حس فعلًا إنه ما بيلقى أحد في هذي الدنيا يحبه ويفهمه غيرها. حس فعلًا بقلبه اللي نبض لها. حس اليوم بوش كثر هو يحتاجها في حياته ومعه.
كان ناوي يلحق آصف ولو واجه كل المخاطر، لكن نظرتها له وصوتها الراجف وهي تشد على يده وقت ما كان متصاوب رجعته من أقصى حايل. رجعه قلبه اللي رفض فكرة إنه يرحل ويتركها وراه. رجعه قلبه اللي تعلق فيها وفي حنيتها وحبها. حبه لها خلاه يرجع للديرة بعد ما كان ناوي يرحل منها بدون رجعة! سمو.. كانت في المطبخ تسوي له العشاء وهي إلى الآن مو مستوعبة إنه فعلًا برهان ترك كل اللي حوله وجاها هي! معقول بتبتدي قصتهم؟
ولا مجرد شعور عابر منه وبيروح! أخذت الصحن الصغير في يدها وراحت للغرفة وهي ترتجف وواضحة الرجفة عليها، واضح الخوف في عيونها ودقات قلبه توصل لمسامعها. دخلت للغرفة وشافت الترف للحين نايمة والدريشة كانت مغلقتها قبل تطلع للمطبخ. بلعت ريقها وتركت الصحن وقفلت الباب بهدوء، وأخذت الصحن وعدلت لثامها على وجهها وتقدمت من الدريشة بخطوات متوترة وخايفة ومدت يدها برجفة وفتحت الدريشة الخشبية وهمست بصوت يا الله طلع معها: "برهان!
غمض عيونه أول ما وصل صوتها الراجف لمسامعه ولامس أعمق نقطة بقلبه وحس برجفة صوتها. بلل شفاته بتعب ووقف والتفت للدريشة وشافها واقفة ومنزلة عيونها، ورجفتها واضحة من الصحن اللي يتحرك في يديها. ما كانت تناظره، كانت مادة الصحن وعيونها نازلة بتوتر. مد برهان يده وأخذ الصحن وعينه عليها وعلى عيونها.
سمو مسكت الدريشة وغلقت واحدة منها وخلت واحدة وتخبت وراها بحيث ما عاد يشوفها برهان. تبسم برهان على جنب بتعب وجلس على الأرض وهو يمد يده في الظلام يتحسس الأكل، لكن سرعان ما جاه ضوء الفانوس اللي طلعته سمو من الدريشة لجل يشوف. عض برهان شفته وحس بغصة تتمكن منه وهو يشوف اهتمامها بأدق التفاصيل. يا الله كيف كان جاهل عن كل هذا؟ كيف كان يستغبي مشاعره؟
مد يده للصحن وأخذ له قطعة خبز وهو يبدأ يأكل ويشوف كوب الشاهي اللي مسويته له ويشوف الماء اللي مجهزته له يشرب، يشوف الأكل اللي مسويته! سكت ومشاعره ما يدري شلون يوصفها، وش يقول عنها، وش يعبر؟ أما هي كانت واقفة وفي يدها الفانوس تضوي له وما تشوف إلا خلف راسه وتشوف شلون يسرح بين لقمة والثانية وشلون حاله تعبان ومرهق. غمضت عيونها تحاول تهدي من دقات قلبها اللي ما هدت أبدًا وهي تحمد الله في داخلها إنه بخير.
مرت دقايق والصمت سيد المكان ولا واحد منهم قادر يعبر أو يقول شيء. برهان بجيته لها من بد كل البشر خربط كل مشاعرها وبنى له في قلبها شعور جديد وأكبر! وبرهان كان ساكت وهو يشوف إن جيته لها اعتراف بمشاعره ولكن يحس إنه ما يكفي. الصمت ما يكفي سنين الانتظار والحب الخفي! وقف برهان وفي يده الصحن والتفت لها، وصدت سمو بسرعة والرجفة ترجع لها. برهان بهمس: مشكورة.
سمو أومأت بهدوء ومدت يدها تاخذ الصحن ومده لها برهان وعينه عليها وهو ما يشوف منها شيء غير عيونها. دخلت سمو وجت بتغلق الدريشة، مد برهان يده بتردد وقال: بتروحين؟ سمو ناظرته برجفة وأومأت بتوتر. برهان بهمس: خليتس! سمو ناظرته: مـ مـ ما يصير. برهان بلع ريقه وأومأ وقال: زين قفلي الدريشة مير اسمعيني، بَتحَتسي معتس! سمو بتوتر: و و وش تبي؟
برهان كان يسمع الرجفة بصوتها ويشوف توترها من وجوده ورجفتها، لكنه ما يقدر يروح الحين. ما يقدر يروح قبل ما يعلمها باللي في قلبه! ما يقدر يروح قبل ما يريح صدره من الحمل الثقيل اللي عليه. قال بهدوء: سمو خليتس بس دقايق، اسمعي مني وبعدها روحي. سمو كانت خايفة، خايفة حييل من اللي بيقوله وما تدري وشلون بتستقبل الكلام وش ما كان. برهان: ها بتسمعين؟ سمو أومأت وهي خايفة كثير من كلامه اللي بيقوله.
برهان تبسم بخفة وقال: زين ودي الصحن وتعالي. سمو ناظرت الصحن اللي في يدها واستوعبت وهزت راسها بصمت ومدت يدها وقفلت الدريشة وراحت للمطبخ بسرعة تركت الصحن وخذت نفس عميق ورجعت للغرفة. ناظرت الترف نايمة ومتغطية كلها، خذت نفس عميق وتوجهت للدريشة وفتحت شوي منها وطلت براسها وارتجف قلبها وهي تشوف برهان ينتظرها وعينه التقت بعينها، بلعت ريقها وارتدت على وراها بسرعة. برهان سند راسه على الدريشة وعطاها ظهره وقال: سمو!
سمو طلت براسها بتوتر وهي تشوف راسه سانده على الدريشة اللي مغلقتها. برهان بتكرار: سمو. غمضت عيونها وهي تسمع اسمها منه ودقات قلبها متسارعة ومتوترة حيل. برهان تنهد: سمو بتسمعين؟ سمو أومأت وما شافها برهان. برهان بتكرار: سمو؟ سمو بصوت راجف: إي. تبسم برهان ورفع يده للمكان اللي هي فيه وارتدت سمو على وراها بتوتر ولمحت شيء بيده عقدت حواجبها وهي تشوف ورقة في يده. بلعت ريقها ومدت يدها بتوتر وخذتها بهدوء: وش؟
برهان تنهد وقال: اقريها لجل أتكلم من بعدها وأقول لتس وش! سمو بتوتر فتحت الورقة وهي ما تشوف الخط من رجفة يديها. برهان: اقريه يا سمو. بلعت ريقها أكثر من مرة وهي تحس إنها تنخنق من التوتر اللي هي فيه. وبدت تقرا المكتوب في سرها ودقات قلبها تتزايد مع كل حرف تقراه!
(مساء الخير لن أطيل الحديث سأختصر يا مختصر كل الكلام اللي على بالي يدور، بأعلمك إني حطيت لك عندي مقام، صعب على كل الحضور. أحيان أبوح بكلام ماهوب صحيح، لا تحسبين إني من اللي يجرحون المشاعر أنا ما أجرح حتى ولو قلبي من الكل مجروح، جرحتك ولم أكن أتقصد الجرح كنت أحاول أخفي شعور ينبض لك في الخفوق، كنت أخاف أن يرى الجميع ما بداخلي فاضطررت إلى الكذب، أخاف أن يشعر الجميع بما أشعر، أخاف أن أخبرهم بأنكِ أنتِ زاهية ترتدي الحُسن بجاذبية مدهشة، وأخاف أن يرق قلبي فأتَهالك!
لكن لم يخطر ببالي أنكِ سوف تسمعين تلك الكذبة وأنها سوف تجرحك، لم أكن أعلم أن بكلماتي البسيطة سأتسبب لك بجرح يخدش رقة قلبك. يوم لقيتك تمنيت وقلت ليت اللقى ما انتهى يوم شفتك وليت الثواني في شوفتك طالت! ضيقت صدرك بكلامي وجرحت إحساسك ومشاعرك لكن صدقيني أنا عند كلامي أبيك وشاريك وأطلب منك تقبلين فيني أنا بخطبك من أبوك لا ترفضين لا تقتلين الحب بمكابرك وتذكري زين لا ضاق صدرك من زمانك وأنا حي قلبي بلادك وأنت حضرة سموه!
برهان) ما ترك لها وقت تستوعب الكلام المكتوب وقال بصوت مبحوح: سمو أنا أحبتس. رمشت أكثر من مرة بصدمة كبيرة احتلتها. والتفت برهان لها والتقت عينه بعينها وقال بصدق: سمو أنا أحبتس وأنتِ الوحيدة اللي قدرت تاخذ قلبي مني، سمو أنا أبيتس! تتزوجيني؟ ارتجف فكها وتجمع الدمع بعينها وهي ترمش بعدم استيعاب! برهان برجاء: سمو ردي علي لا تسكتين لا تذبحين بالصمت! سمو برجفة: ليه؟ برهان بلع ريقه: ليه وش؟ سمو بنفس الرجفة: ليه أتزوجك؟
برهان بصدق همس: أحبتس وأبيتس. نزلت دموعها ورفعت يدها تمنع بكاها، وبرهان يناظرها بنظرات تمنتها من زمان، تمنت تشوف الحب ذا في عيونه! أخيرًا قالها من بعد كل ذي السنين! برهان برجاء: سمو؟! أومأت سمو بالموافقة ودموعها تسبقها. وتبسم برهان بسعادة لامست قلبه وناظرها وعيونه فيها لمعة حب غريبة وإحساس أغرب يلامس شعوره. برهان برجفة من مشاعره: باكر بَخطبتس من خالي، والله العظيم يا سمو كنت ناوي أخطبتس من قبل مير صارت سالفة أمي!
سمو ببكاء قالت بعتاب: ليه تطلع من الديرة؟ خفت عليك! يا الله يا التصريح ذا وش كثر أسعده ومسح كثير من هموم قلبه وقال: رجعت لجلتس يا سمو! بكت سمو وهي تغطي وجهها بيديها، وبرهان يناظرها ويتمنى لو إنها حلاله في اللحظة هذي، يتمنى لو يمسح دموعها، يتمنى لو يضم كفها بين يديه. قال بحنية: شنوح تصيحين؟ سمو هزت راسها بالرفض وما تدري وش تقول في اللحظة هذي، كل شعور في قلبها فاض وتعدى مرحلة الكلام.
برهان بهمس: باكر بَجيتس هنا وباكر بَعلّمتس شلون تعذبين قلبي وتصيحين وأنا ما أقدر حتى أمسح دموعتس، باكر بتصيرين لي يا سمو وبَعلّمتس وش كثر أنا أحبتس! مسكت الدريشة وقفلتها وهي تبكي، وضحك برهان براحة إنه طلع كل اللي بقلبه وإنه باح لها باللي في خاطره وبمشاعره كلها. سند راسه على الدريشة وسندت سمو راسها على نفس المكان ويفصل بينهم خشبها.
غمض برهان عيونه وهو يفكر فيها، وغمضت سمو عيونها ودموعها تنزل بفرحة وعدم تصديق للي صار، عدم تصديق إن حلمها صار حقيقة وإن برهان صار يحبها. طول الوقت اللي كانت تفكر فيه هو بعد كان يفكر فيها، في الوقت اللي كانت ناوية تنساه كان هو ناوي يخطبها، يعني لو ما صارت سالفة أمه كانت الحين هي خطيبته وكانت تمت خطبتهم! يعني برهان ما جاها لأنه فقد أمه، هو كان يبيها حتى قبل ما تروح أمه، برهان يبادلها الشعور!؟
نزلت لفراشها بسرعة وهي تتغطى فيه وتكتم شهقاتها وفرحتها بيديها تحاول ما يطلع صوتها ولا شهقاتها، لكنها حست بيدين عليها وفزت برعب وشافت الترف اللي الدموع مغطية وجهها ومبتسمة لها بمحبة. بكت سمو والترف سحبتها لحضنها وهي تشد عليها وفرحانة لها من كل قلبها، من البداية هي صاحية، من البداية وهي تسمع بكاء سمو ودعاها إن برهان يرجع حتى لو كان لغيرها!
حست بحب سمو لبرهان وحست بفرحتها وتفاجأت مثلها من وجود برهان ومن جيته لسمو لكنها فرحت كثير. سمو ما تستاهل الحزن والبكاء. طلع برهان من الإسطبل وهو يتوجه لبيتهم وهو ما كان ناوي يدخله لكنه بيحاول يتجاهل إحساسه بفقدهم حوله دام أمه اللي اختارت فراقه واختارت فهد. بيحاول ولو إن المحاولة تقتل وصعبة إلا إنه بيحاول إنه يصبر نفسه لين يحلها الله وتنفك الهموم.
لين يجلس مع أمه ويعاتبها، لين يجلس معها ويسألها سؤال واحد بس "حل محل أبوي؟ هذا اللي يوجعه هذا اللي يقتله، صحيح إنه أناني بحبه لأمه وإنه ما يبيها تكون لأحد ثاني بعد أبوه لكنه ما يقدر يكون غير كذا. هي اللي ربته على كذا وهي اللي عودته إنها لنايف ولعيالها، هي اللي رسمت هالشي في باله، ليه الحين تتخلى عن هالشي وتتركه! دخل للبيت وعقد حواجبه باستغراب من الضوء وارتجف قلبه معقول تكون أمه في البيت. دخل بسرعة ولهفة وقال: يمه!
لكن لهفته اختفت وعقد حواجبه بقهر وهو يشوف جده يفز بسرعة ويقول بلهفة وفرحة: برهان! برهان بلع ريقه وصر على أسنانه بقهر وجاء بيطلع لكن وقفه صوت جده: برهان تكفى! توقفت رجوله من كلمة تكفى اللي مستحيل يمشي من عقبها وهي من جده. غمض عيونه بغيظ وهو شاد على يده. وقف رشيد وتوجه لبرهان وسحبه من يده وضمه لصدره بخوف وهمس له: يهون عليك يا برهان تسهرني بخوفي عليك لين الحين؟ برهان بغصة: هنت عليك من قبله يا جد.
رشيد بتعب: ما هنت يا برهان ما هنت. برهان بوجع: زوجتوه من دون ما أعرف يا جد ذبحتوني بسواتكم! رشيد بحزن: أعتذر منك يا برهان إن كان العذر ينفع! برهان ما رد وقال رشيد بحنية: يا برهان يا بوي أمك موافقة ومن حقه يا برهان فكر فيها. برهان بغيظ: فهد ما يستاهل أمي. رشيد: وشنوح أنت جاك شيء منوه؟ شفت شيء علاوه؟ برهان بقهر: لا مير أنا قلبي مو متطمن له ويشمئز كل ما شفتوه. رشيد تنهد
وربت على كتف برهان وقال: الشيطان يا بوك الشيطان يوسوس لك، بيمر وقت وبتلقى إنك غلطان وإن أمك من حقه تعرس. برهان ما رد وراح لمكانه وجلس بتعب وهو مرهق. تنهد رشيد من عناده وراح له وجلس بجنبه وربت على رجله: برهان أنا... برهان بمقاطعة: كنت بَجيك وأعلمك إني أبي أخطب مير أنت قلت لي إن أمي انخطبت! رشيد سكت وناظر برهان وتذكر جيته له في الخيمة وإنه قال يبيه في موضوع. رشيد ابتسم بخفة: زين؟ برهان سند راسه على الجدار بصمت ومارد.
رشيد بهدوء: برهان ما تغير شيء أبدًا، ابدأ حياتك من جديد أنت ما عدت وغد صغير تحتاج أمك تلاحظ على كل أمورك، أنت كبرت يا برهان وصرت رجال. شف هذا آصف تزوج وسافر الله يستر علاوه هو وسمق وتلقاهم الحين مسفهلين ومرتاحين ومكملين حياتهم، وأمك هذا هي بتبني حياتها وأنت يا برهان لا تضيع عمرك بالذكريات والحزن، كمل حياتك وابني حياتك أنت بدون أحد. تنهد برهان ونزل نظره ليديه بضيق. رشيد
ربت على كتفه يقويه وقال: قول لي من البنت اللي تبيها، أبشر بها والله ما تنام باكر إلا وهي على ذمتك! تبسم برهان بخفة وتذكر بكاها ووقفتها: تهقى بعد اللي صار يوافقون؟ رشيد بتجاهل لكلامه: منهي؟ برهان بلع ريقه ونطق: سمو. سكت رشيد وعينه عليه وتبسم بخفة: شنوح سمو؟ برهان بهدوء: أبيها وأمي كانت بتخطبها لي مير صار اللي صار. رشيد تنهد وهو يشوف برهان مغتاظ من سالفة أمه وما بيرتاح ولا بيخليها ترتاح إذا بقى وحده.
قال: أبد اعتبر إني عطيتك، وبنت خالك والنعم بها، بنعلمها باكر ونعلم خالك وإن شاء الله ما تردك يا برهان. أومأ برهان بهدوء وقال رشيد بجدية: برهان! برهان رفع نظره لجده: سم! رشيد: اهدأ ولا تفكر في شيء، أبوك الله يرحموه توفى من زمان وأمك ضحت كثير لجلك، لا توقف بوجهها يوم جت تناظر عمرها! برهان بغيظ: قسم بالله لو يجي يوم تشكي أمي منوه لأذبحوه بيدي. تنهد رشيد وقال:
"إن شاء الله ما تشكي. فهد كفو وبيصون الأمانة، والحين بتنام أنت وترتاح. وباتسر بخلي أمك تجيني البيت وتسلم عليها وتعتذر منها وتهدئ النفوس وتعلمه عن رغبتك بخطبة بنت خالك وتخطبه لك هي. ولا تغير شي يا برهان ولا صار شي لا يتمكن منك الشيطان وتتهور مرة ثانية... قم وأنا أبوك ريح ونام وعين من الله خير." تنهد برهان ووقف متجاهل القهر اللي سكن جوفه من تذكر فهد، وراح لغرفة أمه بينام ويرتاح بعد يوم متعب وصعب وقاسي عليه.
وانسدح رشيد براحة وتطمن على برهان، الحين بيقدر ينام بعد كل ذا التعب! *** سَمَق كانت منسدحة في غرفة الخالة جوهرة بعد ترحيب طويل وجلسة حلوة مع البنات والحريم. كانت سَمَق طول الجلسة مبتسمة وهي تسمع لهجتهم ومصطلحاتهم وحرف الشين اللي أضاف رونق خاص لكلامهم، وكل ما قالت وحدة شي بحرف الشين تذكرت آصِف غصب عنها. صار هذا الحرف مرتبط فيه، أول من سمعته كان هو. وهو أول انبهاراتها وآخرها.
تبسمت سَمَق وهي في فراشها وهي تفكر فيه، وش بيكون حاله الحين ووش يسوي؟! أما عند آصِف فكان جالس مع واحد من الشباب اللي بعمره والجميع نايمين. كان آصِف مسترسل في الكلام معه ومستمع بسوالفه. وافي: "إلا ما قلت لي من أنت منه؟ (من أنت منه وتعني من أي قبيلة أو من أي فخذ) آصِف: "من اليمن صنعاء." وافي: "ونعم والله." آصِف: "ما عليك زود (ما تقصر) وافي: "كليه أنت؟ (أكلت؟ آصِف: "إي كثر الله خيركم وزادكم من فضله تعشيت." وافي:
"جعله عافية." آصِف: "يسلمك ويعافيك." وافي: "إلا ما قلت لي النية تسافر؟ آصِف: "الله الله." وافي: "الله يعينك." آصِف: "جميع إن شاء الله." وافي: "وين بتسافر؟ آصِف: "صنعاء! وافي: "ما شاء الله قبل أسبوع جونا ناس من صنعاء بيسافرون مكة." آصِف: "الله يحفظهم." وافي: "اللهم آمين... يا الله تمسي على خير." آصِف: "وأنت من أهله." انسدح وافي في فراشه و آصِف في فراشه بينام ويرتاح، ومن صباح الله بيشوف له ناس تمشي لليمن وبيتكلون معهم.
وهو متطمن على سَمَق مع الخالة جوهرة ومتأكد إنها مرتاحة. *** ومرت الليلة بكل هدوء على قلوبهم بعد ضجيج الليالي الماضية وشدة توترها. ففي النهاية أدركوا أنه لا يوجد شخص لا يخلو من ضغوطات الحياة، فنحن نعيش على أرض أعدت للبلاء، ولم يسلم منها حتى الأنبياء، لكن التوكل على الله والثقة به هي دائمًا السبيل الوحيد للعبور. وكم تمنوا البقاء مع بعضهم، ولكن كان الرحيل بطل القصة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!