الفصل 29 | من 36 فصل

رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم Shaimaa Gonna

المشاهدات
16
كلمة
6,106
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18



في عيادة طبيب الأطفال ...

تجلس "زينب" في قاعة الإنتظار و تضم "ملك" الغافية إلي صدرها ، فيما تمسك هاتفهها باليد الأخري و تطلب رقم "شهيرة" بعصبية

لحظات و جاء صوتها :

-أبلة زينب إنتي فين ؟؟؟

زينب بإنفعال :

-إنتي مابترديش ليه من أول مرة ؟ إيه إللي حصل عندك ؟؟؟؟؟

شهيرة بوجل :

-لسا ماحصلش بس أكيد هيحصل . فادي دخلهم الشقة . هما دلوقتي لوحدهم معاه !

زينب هامسة بنبرة عنيفة :

-يانهار إسووود . إلطف يا رب .. ثم قالت بصوت آمر :

-شهيرة . إدخلي خليكي مع سمر . إوعي تخلي فادي يطولها لحد ما أجي . أنا مسافة السكة أهو.

و قامت بسرعة لتغادر ..

رأتها موظفة الإستقبال فصاحت بدهشة :

-يا حجة . يا حجة دورك الجاي خلاص !!

و لكنها أكملت طريقها بأقصي ما إستطاعت من سرعة ...

ظلت تدعو طوال الطريق بألا يقع أي سوء لتلك العائلة المسكينة ، تضرعت في كل خطوة و مشت في الشوارع تطلب من الناس الدعاء معها

ليهديها عقلها فجأة إلي هذه الفكرة .. تذكرت إنه سبق و إتصل بها ، أمسكت بهاتفهها للحال و بحثت عن الرقم الغريب و أجرت الإتصال به ...

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
أمام شقة "سمر" ...

يدخل "عثمان" بخطواته الوقورة أولا ... بينما وقفت "صفية" محلها

ترددت في الدخول و هي تنظر إلي "فادي" بشئ من القلق ، لا تعلم لماذا تشعر هكذا حياله .. رغم أنه بدا طبيعيا جدا !

-تعالي يا صافي .. قالها "عثمان" بصوته الهادئ يحثها علي ملاحقته ، لتمد "صفية" ساقها أخيرا و تمر بمحاذاة "فادي" متحاشية النظر في عينيه

يقفل "فادي" الباب بالمفتاح بعد نجاحه في إحتجازهما بشقته و بمنتهي السهولة ... يضع المفتاح بجيبه ، ثم يلتفت نحوهما راسما علي ثغره إبتسامة خفيفة ..

-إتفضلوا أقعدوا .. قالها "فادي" بلطف مشيرا لآريكة توسطت الصالة المتواضعة

أخذ "عثمان" أخته و أجلسها ثم جلس بجانبها ..

وضعت "صفية" باقة الزهور علي الطاولة ، بينما قال "عثمان" متطلعا إلي "فادي" :

-لو سمر نايمة ماتزعجهاش من فضلك . إحنا ممكن نمشي و تبقي تقولها إننا جينا نطمن عليها.

فادي بإبتسامة :

-تمشي ! تمشي إيه بس يا باشا ؟ هو إنت لحقت ؟ أنا هدخل أصحيها . بس الأول لازم أقوم بالواجب معاكوا . تحبوا تشربوا إيه ؟

تبادل "عثمان" نظرات سريعة مع "صفية" ثم عاد إليه و قال :

-شكرا و لا أي حاجة.

فادي بإعتراض شديد :

-لااااا . ده كلام بردو ؟ مايصحش أبدا يا عثمان بيه . لازم تشربوا حاجة.

تنهد "عثمان" بحيرة ، ثم قال :

-خلاص . أنا قهوة مظبوطة . و صافي أي عصير.

إبتسم "فادي" إبتسامة ودية مظهرا أسنانه البيضاء و قال :

-دقايق بس . عن إذنكوا.

عثمان محاكيا إسلوبه الودود :

-إتفضل.

و ذهب "فادي" بإتجاه المطبخ ، لتميل "صفية" في اللحظة التالية صوب أخيها و تهمس قرب أذنه :

-عثمان ! .. أنا عايزة أمشي من هنا.

نظر "عثمان" لها و قال بإستنكار :

-مالك يا صفية ؟ إيه عايزة تمشي دي ؟ هو أنا كنت جبتك غصب عنك ؟ جاية دلوقتي بعد ما جينا و دخلنا و قعدنا تقوليلي عايزة أمشي ؟! .. كان العتاب واضح في صوته

صفية بشئ من الإضطراب :

-ما أخوها هنا . كده كده مش هنعرف نتكلم معاها في حاجة.

-عارف ياستي . هنضطر نأجل الموضوع لبعدين بس مش هينفع نمشي منغير ما نشوفها ! .. و هنا دق هاتفهه

أخرجه من جيب سترته ... كان رقم بدون إسم ، لكنه رد :

-ألو !

أتاه صوت "زينب" الصارخ فورا :

-إمشي من عندك بسرعة . فادي عرف كل حاجة !!!

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كانت "سمر" نائمة ... عندما ولجت "شهيرة" إلي شقة الجارة "زينب"

أقفلت "شهيرة" الباب من خلفها جيدا ، مشت ناحية "سمر" .. و برفق مدت يدها و هزتها متمتمة :

-سمر .. سمر .. أبوس إيدك إصحي يا سمر.

تفتح "سمر" عيناها بتثاقل ، تستغرق ثوان لإستعادة وعيها كاملا ، تنظر إلي "شهيرة" فتتفاجأ برؤيتها ..

-إنتي ! .. قالتها "سمر" بصوت حاد

-إنتي إيه إللي جابك هنا ؟؟؟

جلل الخوف وجه "شهيرة" و هي تجيبها :

-مش وقته يا سمر . مش وقته . قومي بس كده علي حيلك و إدعي معايا المصيبة دي تخلص بسرعة و ماتحصلش كوارث.

سمر مفغرة فاهها بصدمة :

-مصيبة إيه ؟؟؟

رمقتها "شهيرة" بشفقة ... ثم حكت لها ما يحدث بإيجاز

في ثانية كانت "سمر" واقفة علي قدميها المكسورتان ، لم تعد تشعر بالألم ، لم تعد تشعر بأي شئ سوي بالخطر المحدق بها و بشقيقها و ... و بالرجل الذي يدعي زوجها ..

-إستني يا سمر رايحة فين ؟؟؟ .. صاحت "شهيرة" و هي تقبض علي رسغ "سمر" برفق

سمر و هي تشد يدها بعصبية :

-إوووووعي سـيـبـيـنــــــي !

شهيرة برفض :

-لأ أبلة زينب قالتلي ماينفعش فادي يشوفك دلوقتي.

سمر بصراخ :

-بقولك إوووعي من وشـــي.

و دفعتها من طريقها بكل قوتها ، و مشت بسرعة و هي تعرج علي قدم و قدم ..

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

عند "عثمان" ... يغلق الخط و التوتر يجتاحه فجأة ، لأول مرة يتسلل إلي قلبه الشعور بالخوف ، لكنه لم يكن خائفا علي نفسه ، بل علي "صفية"

لقد كان من قمة الغباء .. من عدم الشعور بالمسؤولية أن يعرضها لموقف كهذا ..

إستدار "عثمان" إلي أخته و قال بصوت خافت للغاية :

-جهزي نفسك عشان هنمشي دلوقتي.

صفية بقلق :

-في حاجة و لا إيه ؟!

عثمان محاولا الظهور بمظهر الهادئ :

-مافيش حاجة . بس عشان مانتأخرش.

لم تقتنع "صفية" بكلامه ، لكنها تأهبت للرحيل و أمسكت بحقيبة يدها

جاء "فادي" بعد لحظات حاملا المشروبات بين يديه ... كانت ملامحه متغيرة الآن ، لم تكن ودية إطلاقا ، فقط ساكنة و غامضة بصورة مخيفة ..

-إتفضلوا ! .. قالها "فادي" بصوت عادي و هو يقدم لهما المشروبات

عثمان بإبتسامة خفيفة :

-لأ إحنا أسفين . مضطرين نمشي دلوقتي جالنا تليفون من البيت . إنت إبقي بلغ سمر إننا جينا نزورها و لاقينها نايمة . إن شاء الله هنكرر الزيارة تاني .. يلا يا صافي !

و أمسك بيد أخته ، لكن جمده صوت "فادي" قبل أن يقوم من مكانه :

-تمشي إزاي يا باشا . قولتلك هدخل أصحيها . خليك مكانك لو سمحت .. كان صوته فيه طابع الحدة الآن

عثمان بشئ من التوتر :

-معلش . قولتلك هنبقي نكرر الزيارة تاني .. و شد "صفية" ليوقفها معه

في هذه اللحظة ، و من دون أن يعرف "عثمان" ماذا حدث أو متي حدث .. وجده يظهر سكين حاد النصل من خلف ظهره و يشهره بوجهه هو و أخته ..

-فين العقد العرفي يا عثمان بيه ؟؟؟ .. تساءل "فادي" بخشونة و قد غدت نظراته مظلمة تماما

إنتفض "عثمان" للخلف ، فيما إمسكته "صفية" من ظهره و سحبته بعيدا عن ذلك المجنون و هي تزدرد ريقها بخوف شديد ..

-إيه إللي بتعمله ده يا فادي ؟ إنت إتجننت ؟! .. قالها "عثمان" بحدة تناقض الوجل الذي يجيش بأعماقه ، ليصيح "فادي" و هو يمد يده الأخري و يجتذبه بعنف من ياقة سترته :

-بقولك العقد العرفي فـيـــــن يا عثمان ؟ .. بـيــه !

تتدخل "صفية" عتد ذلك ، فتقول بعدائية شديدة :

-إنت سيبه . سيب أخويــا ..

-إسكتي يا صفية ! .. قاطعها "عثمان" بحزم ، و تابع مع "فادي" بلهجة جامدة :

-عقد إيه إللي إنت تقصده ؟ مافيش عقود.

فادي و هو يشده من سترته بعنف أكبر :

-إنت هتستعبط عليا ؟ أنا خلاص عرفت كل حاجة . وديني ما أنا سايبك إنهاردة.

تصيح "صفية" به من جديد :

-قولتلك سـيـبـه . عارف لو لمسته !!!

نظر لها "فادي" و قال بإسلوب أرعن لا يناسبه بتاتا :

-بتأدي حلو إنتي يا بنت الـ××××××××× جايبك تمثلي دور الأخت.

جحظت عينا "صفية" بذهول عندما سمعت الوصف الذي نعتها به ، بينما طغي الغضب علي "عثمان" الآن فزمجر بشراسة و هو يدفعه عنه بقوة :

-لأ .. لحد هنا و عندك . إوعي تغلط تاني و تقولها الكلام القذر ده . و بعدين دي أختي . مش ممثلة . عثمان البحيري مابيكدبش و لا بيمثل.

فادي بإبتسامة شيطانية :

-أختك بجد ؟ .. طيب . زي الفل . إنت كده وفرت كتير عليا !

نظر له "عثمان" بغضب ، و خرجت من حنجرته زمجرة ضارية

إهتز باب الشقة بعنف هنا من شدة الطرق عليه ، و جاء صوت "سمر" صارخا من الخارج :

-فــــــــــآااااااااااااااااااادي . فـــــــــــــــآااااااااااااااااااادي . إفـتــــح . إفــتــح الـبـاب !

إتجه "فادي" نحو الباب و فتحه بسرعة .. أمسك "سمر" من شعرها و جرها للداخل صائحا :

-تـعـآالـي ياختي . إدخـلـي . دورك جآاي.

كانت "سمر" تصرخ الآن ، لكنها حررت نفسها منه عندما إلتقطت "عثمان" بعيناها و تأكدت من إدعاء "شهيرة" ..

-إيه إللي في إيدك ده ؟؟؟ .. قالتها "سمر" بصدمة حين رأت السكين بيد أخيها

-إرمي الزفتة دي . إنتي عايز إيه ؟ عايز تودينا في ستين داهية ؟ إرمـــي إللــي فــي إيــدك بــقــولك.

إبتسم "فادي" بإستفزاز و قال :

-مش عيب يا سمر تدخلي كده و ماتسلميش علي ضيوفنا . أكيد تعرفيهم طبعا . عثمان بيه و أخته .. سلمي عليهم عيب كده.

نظرت "سمر" إلي الفتاة المذعورة التي وقفت بجانب "عثمان" و تمتمت بصدمة مضاعفة :

-أخته !

فادي بخبث :

-شكلك ماكنتيش تعرفيها بقي . بس تعرفي إنها زي القمر . شبه الباشا أخوها بالظبط .. و شدد علي أخر كلمة

ليمد "عثمان" يده إلي الوراء مشيرا لأخته كي تقف خلفه مباشرةً ..

-خليها تنزل و أنا قاعد معاك ! .. قالها "عثمان" بصوته العميق و قد حرص علي الإحتفاظ بنبرة القوة فيه

صفية و هي تتشبث بثياب أخيها بأصابع مرتجفة :

-مش هاسيبك لوحدك يا عثمان !

عثمان بصرامة :

-إسكتي إنتي .. إسمعي الكلام . هتنزلي و تروحي علطول و أنا جاي وراكي.

قهقه "فادي" بسخرية و قال :

-تنزل إيه ياباشا ؟ هو ده ينفع بردو ؟ و رحمة أمي ماحد هينزل من هنا قبل ما تاخدوا واجبكوا .. ثم أكمل و هو يحدجه بنظرات مستعرة :

-و بالذات أختك . لازم نكرمها . زي ما كرمت أختي بالظبط.

في هذه اللحظة كشر "عثمان" عن أسنانه متخذا وضعية الدفاع ، بينما تصدت "سمر" لأخيها صارخة و هي تدفعه في صدره :

-إنت مجنوووون . إيه إللي إنت بتقوله ده ؟؟ فووق عايز تعمل إيـــه ؟؟؟؟

فادي صائحا بوحشية :

-عايز أعمل إللي عمله معاكي . إيه ؟ مش ده العدل ؟ قوليلي إنه ماعملش حاجة . قوليلي إني فاهم غلط و أنا هاسيبه و هاسيب أخته و مش هاجي جمبها . قـــــوولي يا ســـــمـــر !

أخرسها إلحاحه ، لم تقو علي الكلام .. إذ كانت نظراته غير المصدقة لها ، و تشجيعه لها بأن تنفي الأمر و تقول إن ما من شئ حدث .. كل هذا كان أشد إيلاما بمراحل من ألم جسدها ..

-يعني صح ؟! .. قالها "فادي" مصعوقا عندما صار متأكدا مما سمعه

-الكلام إللي سمعته صح يا سمر ؟؟؟ رررررددي عــلــيــآاا !

تغضن وجهها بمرارة و إمتلأت عيناها بالدموع ، ليكمل "فادي" و هو يهز رأسه بعدم تصديق :

-مستحيل .. أنا كنت شاكك . قلبي كان حاسس .. بس كنت بقول لأ . مش ممكن سمر تعمل كده . مش ممكن .. معقولة إنتي تعملي كده ؟؟؟؟؟

إعتصرت جفناها بألم شديد و لم ترد ...

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

في محل الجزارة ...

ما زال التجمهر كما هو ، و حين نشب الصراخ و الصياح أتيا من منزل "سمر" وقفت "نعيمة" بمنتصف الحلقة و رفعت نبرة صوتها و هي تقول بإنتصار :

-سآاااااامعين ؟ سآااامعين يا أهل الحتة ؟ طلعت أنا كدابة دلوقتي ؟ طلعت أنا المفترية ؟ خلاص يا معلم رجب ؟ خلاص يا خميس ؟ خلاص بيقتوا متأكدين من كلامي ؟؟؟

تدفق الدم حارا مغليا في عروق "خميس" و إنقبضت عضلات فكاه بقوة و هو يحملق في نافذة بيتها

لم يشعر بنفسه في اللحظة التالية إلا و هو يندفع صوب درج الآلات الحادة الخاصة بالجزارة ... بدون تردد أخذ الساطور ( سكين عريض ثقيل ذو حدٍ واحد يـُـكسر به العظم ) و إنطلق نحو المنزل متجاهلا نداءات والديه الملتاعة ..

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

وقفت "سمر" بين "عثمان" و "فادي" تصارع تارة و تستجدي تارة ..

-بالله عليك . بالله عليك يا فادي لأ . سيبه يمشي عشان خآاطري !

يرمقها "فادي" بنظرات محتدمة و يجذبها من ذراعها صائحا :

-إنتي لازقالي فيه كده ليه ياختي ؟ صعبان عليكي ؟ بتحبيه ؟ وديني هدبحه قصاد عينك و بعدين هشرب من دمك بعديه.

سمر برجاء و قد هطلت دموعها كالشلالات :

-طيب بلاش عشان خاطري . عشان خاطر ملك . هتروح في داهية . هي مالهاش غيري أنا و إنت.

يدق باب الشقة في هذه اللحظة و يقاطعهم ..

-إفتحوآاا الـبـاب ! .. كان صوت "خميس"

إبتسم "فادي" بشر و ذهب ليفتح له :

-تعالي . خش .. قالها "فادي" بترحاب شديد ، ليدخل الأخير و علامات الإجرام تتسيد قسمات وجهه

كان يبحث عن "عثمان" و عندما وجده ، غمغم بصوت كالفحيح :

-هو ده ؟ هو ده يا سمر ؟؟؟ .. و رفع يده التي تحمل الساطور في حركة إستعدادية

رأت "سمر" هذا فلطمت خديها و صرخت برعب :

-لأاااااااااااااااااا.

صرخت "صفية" بدورها و قد إنتابتها حالة عصبية و هسترية شديدة :

-عثمآاان . لأ . هيقتلوك . هيقتلوك يا عثمآااان لأ . لأااا.

ضغط "عثمان" علي يدها و قال بلطف :

-ششششش إهدي . إهدي يا صفية .. كانت عيناه معلقتان علي الدخيل الجديد

إقترب "فادي" من "خميس فظهرها و كأنهما قد شكلا حلفا ما بعد العدواة التي كانت بينهما ..

-هسيبهولك يا خميس .. قالها "فادي" رابتا علي كتفه ، و تابع بإبتسامة ماكرة :

-علي عيني . عشان بس هكون مشغول مع أخته !

زمجر "عثمان" أشد من ذي قبل و قال بغضب شديد :

-لازم تعدي فوق جثتي الأول قبل ما توصلها.

فادي بإبتسامة مرحة :

-و هو كذلك .. و نظر إلي "خميس" و كأنه يعطيه الإذن

في لحظة إندفاع ذلك الهمجي ، إستدار "عثمان" في لمحة و أمسك بأخته .. دفعها بقوة داخل إحدي الغرف و أغلق الباب عليها ...

ظلت "صفية" تحاول فتح الباب دون فائدة ، ظلت تصرخ بإسم أخيها و هي تسمع هذه الأصوات المخيفة في الخارج

كانت علي شفير الإنهيار ، و لم تعرف كيف أخرجت هاتفهها و جلبت رقمه و إتصلت به .. حتي لم تعرف كيف خرج صوتها المخنوق بهذا الوضوح :

-صآاااااااالح . إلحقنا يا صآاالح !

..................................................................

  وصلت "زينب" إلي المنزل أخيرا ...

لم يجذبها الحشد الكبير في الشارع و الذي جمع كل الفضوليين و المتطفلين من الجوار ، صعدت طوابق البيت بسرعة رهيبة و مستحيلة بالنسبة لإمرأة في سنها

قادتها حاسة السمع خاصتها إلي أمام شقة "سمر" حيث رأت كل من "شهيرة" و السيدة "نعيمة" و المعلم "رجب" جميعهم يقفون تسيطر عليهم حالة رعب شديدة و هم يحاولون بلا فائدة إقناع من بالداخل بالكف عن كل ما يحدث و الخروج الآن

إنتبهت "نعيمة" لوصول "زينب" فإستقبلتها فورا ..

نعيمة بصوت مجلجل و قد سالت الدموع من عيناها :

-تـعـآااااااااااالي . تـعـآااااالي يا زيـنـب . تعالي شوفي إللي بيجرا و إفرحي أوي بالعيلة إللي بتحميهم و بتخافي عليهم . عايزاكي تفرحي بالمجزرة إللي بتحصل جوا . بس و ربنا لو إبني حصله حاجة هاخد عمرك و عمر إللي أواياهم في بيتك.

تعطي "زينب" الصغيرة "ملك" لـ"شهيرة" و ترد لاهثة بذعر :

-إيه إللي حصل ؟ إيه إللي بيحصل ؟؟؟

نعيمة بصراخ :

-إطرشيتي ياختي ؟ مش سامعة المصايب إللي بتحصل جوآاا .. و لم تتمالك "نعيمة" نفسها أكثر و إنهارت باكية بحرارة شديدة

-إبني هيروح مني يا خلق .. غمغمت بنواح ، ليقول "رجب" بتوتر و هو يزيحها من أمامه :

-إحنا مش هنفضل واقفين نتفرج كده . أنا هنزل أجيب الصبيان يكسروا الباب ده ! .. و ذهب

بينما تساءلت "زينب" بشحوب :

-سمر .. البت سمر فين ؟؟؟

أجابتها "شهيرة" بمزيد من الخزي و الخجل :

-و الله . و الختمة الشريفة مسكت فيها و قولتلها بلاش بس ماسمعتش كلامي.

" لأ " .. كانت تود "زينب" أن تقولها لو وجدت القدرة علي علي فتح فاهها و الكلام ، لكنها لم تشعر إلا و هي ترمي بنفسها صوب باب الشقة و صوتها قد خرج نائحا بصورة تلقائية :

-فـــــــــآااااااااااااادي . يــآااااابـني . إفتح البـآاااااااب . يابني الله يخليك . إفــتـــح !

هكذا إستمر هتاف "زينب" و نداءات توسلها .. و لا من مجيب

مزقها الآلم إربا و فاضت دموعها إنهارا و هي تستمع إلي صراخ و عويل "سمر" المتواصل .. أصوات العراك .. بكاء "ملك" .. نواح "نعيمة"

أيقنت "زينب" أن الخسارة واقعة لا محالة ، حتما هناك من سيموت الليلة ، لن يمر هذا بسلام أبدا ...

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

في قصر آل"بحيري" ... عندما دق هاتفهه و رأي إسمها ، شعر بصدمة لذيذة و ظهرت نبضات قلبه في عينيه

رد "صالح" بسرعة و تلهف :

-صآافي . صآافي حبيبتي . أنا أسف يا صافي ماكنش قصدي آاا .. قاطعه صراخها الحاد :

-صآااااااااااالح . إلحقنا يا صآااااالح !

صالح منتفضا بذعر :

-صـفـيــــة . مـالك ؟ فـي إيـه ؟؟؟؟

صفية بنشيج مخنوق :

-عـ . عـثمآاان . عثمآاان قتلوه . أه قتلووه.

صالح بصدمة :

-بتقولي إيه ؟؟ إنتوا فـيـــن ؟ إنتوا فـيـن يا صـفـيـة ؟؟؟؟؟

تمتمت "صفية" بنبرة مرتبكة متداخلة الأحرف ، ليقاطعها "صالح" قائلا بصوت آمر :

-صفيـــة ! بالراحة . قوليلي العنوان.

صفية بصوت كالأنين :

-ماعرفش العنوان !

صالح بعصبية :

-قوليلي أي حاجة . أوصفيلي المكان المنطقة أي علامة مميزة !!

تأتأت "صفية" و هي تجاهد لتقول له بتركيز :

-فـ في مـ محـ ـطة الـ الرمـ ـل . في الـ ـشـوارع إ إللي مـ من جوا خآلص.

صالح و هو يقفز من مكانه فورا :

-طيب إهدي . إهدي يا حبيبتي . أنا جايلك حالا . خليكي معايا ماتقفليش . أنا جايلك بسرعة ماتخافيش يا صافي .. ثم أبعد الهاتف عن أذنه قليلا و صاح بصوت إرتجت علي إثره نوافذ و أبواب القصر كله :

-بـــآااااابــآااااااااااااااااااااااااااااااااااا !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

كان العراك علي أشده ... و قد أظهر "عثمان" مهارة بالغة ، كان شديد التركيز و لم يزل أبدا حتي الآن ، كل شئ كان مجرد مناورات و مناوشات .. لم يستطع أحدهم التغلب علي الأخر حتي هذه اللحظة

كانت "سمر" راكعة علي ركبتيها هناك بعيدا عن ساحة القتال ، جسدها يتقلص و ينقبض ، رأسها يكاد ينفجر من شدة الآلم و هي تري كل هذا يحدث أمام عيناها

كل ذرة و كل جزء منها إستسلم للأمر الواقع .. إلا صوتها ، لم يتوقف عن الصراخ أبدا ... صراخ هستيري لا جدوي منه و هي تعلم ذلك جيدا

و رغم أنها حاولت أن يكون وجودها مفيدا .. حاولت أن تقوم و تضع نفسها بين الرجال الثلاثة ، و لكن ساقاها لم تطيعانها أبدا

كما لم تستجب لها عيناها عندما إرادت تحويل نظرها عما يحدث ، و كأن العذاب سائل مـُر في كأس ، و هي مجبرة علي تجرعه من البداية إلي النهاية ..

علي بعد مترين تقريبا منها كانت الرقصة الثلاثية لا تزال مقامة .. كان "عثمان" يماشي حركة أقدام الرجلان كالظل مدافعا عن نفسه في المقام الأول لسببين

أولا ، لأنه لا يريد إيذاء "فادي" شقيق "سمر" فلو حدث ذلك سوف تتسع الفجوة بينهما و سيبقي هذا فراقا إلي الأبد

و ثانيا ، لأنه سمع شقيقته تتحدث إلي "صالح" و تصف له موقعهم و من المؤكد أنه في طريقه إلي هنا الآن ، لذا فهو يكسب بعض الوقت مستعينا بخبرته الواسعة في الألعاب الرياضية و ما تعلمه في صغره من تدريبات الدفاع عن النفس و الفنون القتالية

تلك أشياء نفعته في هذه المحنة لولاها لخر صريعا من أول محاولة لقتله بهذه الآلات الحادة المتربصة له سواء التي ييد "فادي" أو "خميس"

بالطبع لم يستمر دوره البطولي طويلا ، حيث نجح "فادي" ببعض الحركات في أن يلهو بخيوط إنتباه "عثمان" ... و فجأة
حدثت ثلاثة أشياء في وقت واحد ...

شن "خميس" هجومه السريع علي "عثمان" .. فأطلق "عثمان" زعقة ألم حادة و هو يقع علي ركبيته .. و صرخت "سمر" صرخة مدوية حين رأت الدماء تسيل من كتف زوجها المجروحة

و بلحظة إنقطعت صرختها ، و زاغت عيناها ،
ثم وقعت في الهاوية و إبتلعتها الظلمة ... سقطت "سمر" مغشيا عليها ، ليجأر "عثمان" بأعلي صوته :

-ســــــــــمـــــــــــــــــــــر !

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

في السيارة الـJeep Grand الضخمة .. إحدي ممتلكات عائلة "البحيري" الثمينة

يجلس "مراد" في الكرسي المجاور لكرسي السائق ، بينما يجلس "صالح" في الخلف بجانب والده

لا تزال "صفية" معه علي الخط ، يطمئن عليها بين الحين و الأخر ، حتي سمعها تصرخ صرخة أخيرة و لم يعد صوتها بعد ذلك ..

-صـفـيـة ! .. هتف "صالح" ملتاعا ، و تابع :

-صـفـيـة . إيه إللي حصل ؟ روحتي فين ؟ صـفـيـــــــــة !!!

-في إيه يا صالح ؟! .. تساءل "رفعت" بقلق

صالح برعب شديد :

-ماعرفش . ماعرفش مابتردش عليا .. و أكمل بغضب :

-كله منه . الحيوآاان أخوها كله منه . و رحمة أمي لو كان لسا حي لأقتله هــقـتـــلـــــــه.

مراد بتبرم :

-إحنا في إيه و لا في إيه يا صالح ؟ و بعدين هو ماله عثمان ؟ حد عارف إيه إللي بيحصلهم بالظبط ؟!

صالح بإنفعال :

-أيا كان إللي بيحصل ده إنسان عديم المسؤولية . إزاي يودي أخته في حتة زي دي و يعرضها للموقف ده !!

رفعت بتوتر ممزوج بالعصبية :

-طيب خلاص يا صالح خلاص . إحنا قربنا إن شاء الله هنلحقهم.

إلتفت "صالح" إلي والده و قال بصوت معذب :

-بابا إطلب البوليس . أنا مش مطمن.

رفعت بعصبية أكبر :

-يعني هو البوليس هيبقي أسرع مننا دلوقتي ؟ و بعدين هو إحنا عارفين إبن عمك عمل إيه ؟ مش جايز عامل مصيبة هنوديه في داهية بإدينا ؟؟

صالح بغضب :

-إن شاالله يروح في ستين داهية مايهمنيش . أنا إللي يهمني صافي.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

يصعد المعلم "رجب" ثانيةً عند شقة "سمر" ... جلب معه ثلاثة من صبيانه الأشداء

فض تجمع النساء و هو يقول بصوته الخشن :

-إوعي يا ولية منك ليها . إوعوا من السكة ! .. ثم إستدار نحو صبيانه و أمرهم :

-إكسرولي الباب ده.

و في خلال ثوان ، كان باب الشقة مخلوعا من إطاره ، و كانت "زينب" أول المقتحمين تليها "نعيمة" ثم "رجب" و "شهيرة" ..

أمر "رجب" رجاله للمرة الثانية بالإمساك بإبنه و "فادي" ففعلوا رغم أن الفض بين الثلاثة رجال كان صعب جدا خاصة و إنهم إزدادوا شراسة و علي وجه التحديد "عثمان"

لم تعيقه إصابته عن التعامل مع هؤلاء ، بل إستطاع التغلب عليهم و تجريدهم من أسلحتهم ، إنقلبت الموازين و أصبح هو من يشكل الخطر عليهم .. و لكنه لم يحاول أن يؤذيهم فقط من أجلها

في اللحظة التالية رمي "عثمان" الآلات الحادة من يده ، و أسرع لاهثا نحو الغرفة التي حجز أخته بداخلها ، بينما هرعت "زينب" نحو "سمر" تتفحصها بذعر و تري ماذا أصابها بالضبط ...

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

في هذا الوقت ... وصلت فرقة الإنقاذ ، فوقف جميع سكان المنطقة ينظرون بإنبهار شديد إلي سلسلة السيارات الفخمة التي إصطفت تباعا أمام منزل السيدة "زينب"

نزل "صالح" من السيارة مستندا علي عكازيه و هو يقول :

-أكيد هو ده البيت . سامعين الدوشة إللي فوق ؟؟؟ .. و أشار إلي إحدي الشرفات المفتوحة بالأعلي

بإشارة واحدة من يد "رفعت" تجمع كل أفراد الحراسة و وقفوا أمامه ..

رفعت بصوت صارم :

-عايز شوية هنا قدام باب البيت و الباقي بسرعة علي فوق !

و بينما كان يحدث كل هذا ، تعالت الهمسات و الهمهمات النسائية ، فواحدة تقول :

-يالهوي ياختي . شايفة إللي أنا شايفاه ؟؟؟

ترد الثانية :

-شايفة ياختي . دي باينها ليلة سودا مش هتعدي.

الأولي :

-طلعت الإشاعة حقيقية و البت سمر صحيح غلطت مع البيه صاحب الشركة إللي بتشتغل فيها . الله أعلم يمكن غواها.

الثانية بسخرية :

-غوا مين يا حبيبتي ! دي أكيد هي إللي رمت روحها عليه إيش جاب لجاب . إنتي عارفة مين العيلة دي ؟؟

الأولي بفضول :

-لأ ياختي ماعرفش . مين ؟؟؟

الثانية بغيظ :

-عيلة البحيري . أكابر إسكندرية يا حبيبتي البت لعبتها صح.

الثانية بتساؤل :

-بس تفتكري ممكن يتجوزها ؟؟؟؟

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كانت "صفية" مستكينة في حضن "عثمان" ... عندما وصلوا بقية أفراد العائلة

-صـافـي ! .. قالها "صالح" بتلهف حين وقعت عيناه عليها ، و فورا مضي صوبها

فيما إكتظ المكان بالكثير من الناس ، و البعض أظهر خوفه من طاقم الحراسة الأشبه بقطيع من الثيران البشرية ، ولج "رفعت البحيري" بخطوات مضطربة ، لكنه أطلق زفرة إرتياح عندما شاهد أولاد أخيه بخير و بخاصة "صفية" ..

-إيه إللي حصل يا عثمان ؟ .. تساءل "رفعت" بغلظة و هو يرمق جميع الغرباء هنا بنظرات دموية

عثمان بلهجة هادئة :

-مافيش حاجة يا عمي . كله تمام.

و هنا إنفجر "صالح" بغضب شديد :

-يعني إيه مافيش حاجة ؟ آا ..

-صالح ! .. قاطعه "رفعت" بحزم دون أن يحيد بنظره عن "عثمان" و أكمل :

-أومال مال دراعك ؟؟؟

عثمان بنفس الهدوء :

-دي حاجة بسيطة !

إنضمت جماعة أخري إليهم في هذه اللحظة ، فبرز صوت "رجب" قائلا بحنق :

-مين إللي بلغ البوليس ... ؟؟؟!!!!!

لم يتسني لأحد أن يجيبه ، ليقول ضابط الشرطة الذي تقدم عساكره بوقار :

-كله يثبت مكانه و محدش يتحرك .. كان صوته حادا ، إلي أن رأي "رفعت"

صاح بدهشة :

-رفعت بيه البحيري ! .. خير يافندم إيه إللي حصل ؟ حد هنا إتعرض
لحضرتك ؟؟؟؟!!!!

نظر "رفعت" إلي "عثمان" حائرا و لم يجب ..... !!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...