تحميل رواية «عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الشخصيات : بطلا الرواية ( عثمان البحيري / سمر حفظي ) " يحيى البحيري " والد "عثمان" " فريال المهدي " والدة "عثمان" " صفية البحيري ( صافي ) " شقيقة "عثمان" " رفعت البحيري " شقيق " يحيى " " صالح البحيري " إبن " رفعت " " هالة البحيري " إبنة " رفعت " " فادي حفظي " شقيق "سمر" " ملك حفظي " شقيقة "سمر" و البقية لاحقا ... ...................................................................... ( 1 ) : جليم / الأسكندرية , في الواحد و الثلاثون من تشرين الأول .. إكتظت الساحة الضخمة المصممة ببراعة و حرفية علي...
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الأول 1 - بقلم Shaimaa Gonna
الشخصيات :
بطلا الرواية ( عثمان البحيري / سمر حفظي )
" يحيى البحيري " والد "عثمان"
" فريال المهدي " والدة "عثمان"
" صفية البحيري ( صافي ) " شقيقة "عثمان"
" رفعت البحيري " شقيق " يحيى "
" صالح البحيري " إبن " رفعت "
" هالة البحيري " إبنة " رفعت "
" فادي حفظي " شقيق "سمر"
" ملك حفظي " شقيقة "سمر"
و البقية لاحقا ...
......................................................................
( 1 ) :
جليم / الأسكندرية , في الواحد و الثلاثون من تشرين الأول ..
إكتظت الساحة الضخمة المصممة ببراعة و حرفية علي الطراز الإيطالي ، بالمصوريين و الصحفيين من جهة ، و المدعوين من جهة أخري
جميعهم جاءووا لحضور حفل الزفاف الأضخم علي الإطلاق هذا الموسم ، لنجل عين أعيان مدينة الأسكندرية ، و أحد أكبر الشخصيات التجارية و الإستثمارية بالبلد كلها "يحيى البحيري" ..
في زفاف أكثر من أسطوري ، يتزوج الإبن و الوريث الأكبر لعائلة "البحيري" داخل قصرهم الفخم الذي يتألف من 322 غرفة ، و ثمانية وجهات خارجية بحدائقها الشاسعة ، من "چيچي الحداد" إبنة السياسي المعروف "رشاد الحداد" ..
و بعد إتمام إحتفالات الزواج الأولية التي إستمرت لثلاثة أيام ، أقيمت الليلة مآدبة عشاء ضخمة ، ضمت أكثر من 700 شخص ، و قد وصلت تكلفة الزفاف بالمجمل إلي أكثر من عشرة ملايين جنيهاً
جري الزفاف وسط حراسة أمنية مشددة سهرت علي حماية المدعوين من رجال أعمال و شخصيات دبلوماسية و سياسية ، كما شارك في إحياء السهرة العديد من الفنانين و المطربين المشهورين ..
علي الجانب الأخر .. إستطاعت السيدة "فريال المهدي" التملص من حشود الضيوف ، و ذهبت لتحث إبنها في عجلة لبدء عقد القران
إستجاب لها بفتور ، و قاد عروسه إلي منتصف الساحة حيث يجلس المآذون في إنتظار قدومهما ، و حالما جلس الجميع ، أرخي المآذون محرما أبيض علي يدي والد العروس و خطيبها المتعاقدتين علي القران ، و علي مرآي و مسمع الحضور ، مضي العقد عبر مكبرات الصوت المنتشرة بكل مكان ..
طقس تقليدي معتاد ، شمل تعهدات واهية راح يرددها العريس وراء المآذون ، و إبتسامات العروس المصطنعة التي راحت توزعها هنا و هناك ، و بعض الأفواه المزمومة من حولهم ، لا تعرف كيف تصنفها ، حقد أم غيرة أم لامبالاه !!!
-بارك الله لكما ، و عليكما ، و چمع بينكما في خير.
عند نطق المآذون بها ، صدحت صفارات و صيحات صاخبة ، و قام القعود من مجالسهم مهنئين في خضم التصفيق الحار ، و إتجه الرجال نحو العريس بالمصافحة و الأحضان
لتأتي أمه الرائعة من بعدهم ، و بكفيها الناعمين تكوب وجهه المشعر بلحيته الكستنائية الكثيفة ، تأملها هو بإعجاب خالص ، فكعادتها لا زالت تفاجئ الجميع بجمالها الذي لا يذبل أبدا ، و بطلتها التي تخطف الأنفاس
و خاصة الليلة ، بإرتدائها فستانا طويلا بلون النيود من مجموعة ريزورت شانيل بدا منسجما مع لون بشرتها الناصعة المشربة بالحمرة ، و أكملت إطلالتها الساحرة مع حذاء بكعب عالٍ باللون الأسود من العلامة التجارية الإيطالية Le Silla ، و بعض المجوهرات القليلة البسيطة التي وضعتها ..
-مبروك يا حبيبي.
قالتها "فريال" برقة و همس في آذنه و هي تعانقه بسعادة ، لينحني هو و يقبل يدها أمام عيون الكاميرات المصوبة نحوهما ، فبدورها تمسح علي خصلات شعره الطويلة بحنان
حضر والده في اللحظة التالية ، و أمسكه من رسغه بحزم و هو يخطو به بعيدا قليلا ، ثم يقول له بصوت خافت لا يسمعه إلا هو :
-خالي بالك .. مش عايزين مشاكل ، إتصرف بعقل ، سامعني ؟
هكذا حذره بصرامة و هو يرمقه بنظرات حادة كزيادة تأكيد ، لاحظت "فريال" ما يدور بين الأب و الإبن ، فأحست بجو من التوتر بدأ يخيم فجأة
إقتربت منهما ، و تساءلت بقلق :
-يحيى ! في حاجة و لا إيه ؟؟
إلتفت "يحيى" إلي زوجته ، و قال بلهجة هادئة و كأن شيئا لم يكن :
-مافيش حاجة يا حبيبتي اطمني .. بالعكس كل حاجة كويسة و الليلة مشيت زي ما احنا عايزين بالظبط .. ثم أدار وجهه إلي إينه ، و أكمل بنفس الهدوء و الثقة :
-انا بس كنت ببارك لعثمان و بستعجله ، كفاية كده بقي السهرة طولت ، و رشاد الحداد بيقول شاليه العرسان جاهز و كله تمام .. لازم يمشوا دلوقتي !
إستطاع "يحيى" بكلمات بسيطة أن يخدع زوجته التي إبتسمت الآن و هي تسند رأسها علي صدره ، و لكن لم يستطع خداع إبنه ، ليس بعد أن علم بكل شيء !!
أخيرا إنتهت ليلة العرس التي وصفت بأنها أشبه بحفل ألف ليلة و ليلة ، و غادر العريس مع عروسه في سيارة ڤيراري مكشوفة إلي إحدي الشاليهات الفارهة بضواحي المدينة الراقية ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كانت أضواء الشموع الحمراء العطرة ، تتراقص ظلالها علي جدار غرفة النوم الرومانسية و المفروشة كلها بالأبيض و الوردي
عندما دخل "عثمان البحيري" حاملا زوجته بين ذراعيه المفتولتين ، و برقة و ضعها فوق الفراش الناعم العريض
تصنعت "چيچي" الخجل أمامه و هي تسدل أهدابها المطلية بالمسكارا الداكنة ، و ترفع خصلات شعرها المتهدلة عن عينها
و لكنها سرعان ما تخطت حاجز الحياء المصطنع هذا ، و رفعت بصرها إليه في بطء ، لتجده يطالعها بنظرات فاترة من خلال عينيه الناعستين دائما بصورة جذابة
-في إيه يا عثمان ؟ .. تساءلت "چيچي" بإستغراب :
-بتبصلي كده ليه ؟
إبتسم "عثمان" بخفة ، ثم قال و هو يدنو منها :
-مافيش حاجة يا حبيبتي .. أنا بس بتآمل جمالك ، إنتي أصلك جميلة أوي يا چيچي ، خصوصا إنهاردة .. كنتي زي القمر.
أدارت وجهها عنه واضعة كفها علي فمها و هي تقهقه برقة ، ثم عادت تنظر إليه من جديد ، و قالت :
-إنت كمان كنت حلو أوي .. كنت Prince يا حبيبي ، أصلا فرحنا يعتبر فرح الموسم ، و هيفضل حديث الناس كلها لسنين قدام.
وافقها بضحكة قصيرة ، و قال بغموض :
-من ناحية هيبقي حديث الناس كلها لسنين قدام فأطمني .. أنا واثق من ده يا حبيبتي.
و بدا و كأنه يقاوم ضحكة أخري ، فأحست "چيچي" بثمة شيء غير طبيعي يحدث معه ، فسألته بقلق :
-مالك يا عثمان ؟ أنت كويس .. و واصلت بشك :
-لا تكون واخد حاجة كده و لا كده !
أجابها ضاحكا بقوة :
-يا حبيبتي ماتقلقيش أنا تمام ، كل الحكاية إني مبسوط شوية.
و صعد بنظره إلي شعرها المصبوغ حديثا
-تعرفي أن الشعر الأصفر لايق عليكي أوي .. قالها و هو يداعب شعرها بأنامله
ثم إقترب منها أكثر إلي حد الإلتصاق ، و طبع قبلة مطولة تحت رقبتها ، أطلقت "چيچي" إثرها تنهيدة حارة متقطعة ، و تمتمت :
-طيب .. مش نغير هدومنا الأول ؟
و لكنه لم يتراجع قيد أنملة ، بل واصل عمله مقربا وجهه إلي وجهها ، فإلتقت شفتاه بشفتاها ، و ببطء أدار نفسه حتي أصبح يعتليها ، أمسك وجهها بين يديه و رفعه لأعلي كي يصبح سهلا لفمه لعق رقبتها
كان صوت تنفسها عاليا إلي حد الأحراج ، لكنها لم تخجل لم تهتم ، فقط كانت مستمتعة بمداعبته اللطيفة لها ، و كان قلبها يدق بشدة و يدوي دقه بصخب في آذنيها
إلا أن هذا الصخب لم يمنعها من سماع ضحكات "عثمان" اللئيمة الخافتة ، فتحت عينيها علي وسعهما و قد دهشت لسماعه يضحك في وضع كهذا !
بينما نهض عنعا بالتزامن مع تصاعد موجات ضحكاته الغريبة
-إيه رأيك نشوف فيلم مع بعض ؟ .. سألها بلهجة مرحة ، لترفع نفسها ، و تسند ظهرها إلي الوسادة مرددة بغرابة :
-نشوف فيلم ؟ دلوقتي ؟
أومأ ببراءة :
-آه .. و لا مش عايزة ؟
-لـل لأ .. خلاص ، زي ما أنت عايز ، نشوف فيلم.
إلتوي ثغره بإبتسامة خبيثة شاهدتها عليه قبل أن ينهض من أمامها ، فإزداد شعورها بالريبة و التوجس ، لكنها حاولت أن تسترخي مقنعة نفسها بأن هذه هي طبيعته أصلا
ماكر ، خبيث ، داهية ، مراوغ ، لا أحد يتوقع تصرافاته ..
عاد إليها سريعا و هو يحمل بين يديه حاسوبه المحمول ، جلس بجوارها ، و راح يلامس محرك السهم حتي وصل إلي ملف معين و فتحه ..
بدأت الشاشة المتوسطة بعرض فيلما تسجيليا ، في البداية شعرت "چيچي" بالفتور و الملل ، إلي أن رأت نفسها في أول ظهور كبطلة لهذا الفيلم ، و ما لبثت أن شاهدت حبيبها السابق يشاركها البطولة في عدة لقطات حميمية راحت تمر أمام عينيها اللقطة تلو الأخري ..
ضربتها الصدمة في مقتل و هي تزيح بصرها المتجمد عن الشاشة لتنظر إليه .. سألته بلسان ثقيل :
-أنت .. أنت إزاي ، إزاي صورت الحاجات دي ؟
ظهرت أسنانه الناصعة من خلف شفته حين إبتسم بشيطانية قائلا :
-أنا في كل مكان يا بيبي ، في أي حتة تخصني من قريب أو من بعيد ليا عين.
ثم فاجأها و قبض علي شعرها بعنف و هو يقول بغضب شديد :
-و يا جبروتك يا شيخة ، رايحة تقابلي حبيب القلب قبل فرحك بإسبوع ! كنتي فاكرة أنك تقدري تستغفليني ؟ فاكراني مغفل و لا بريالة يا بت ؟ ده أنا عثمان البحيري ، محدش يقدر يلعب عليا من ورا ضهري ، محدش يقدر يأكلني الأوانطة سامعة ؟
صرخت إشتداد قبضته علي شعرها ، فرجته ببكاء :
-خلاص يا عثمان سيبني ، سيبني هنتفاهم علي اللي أنت عايزه ، لو عايز تطلقني طلقتي.
قهقه عاليا ، ثم قال بسخرية :
-نعم يا روحي ؟ أطلقك ! ما أنا فعلا هطلقك .. بس مش بالسهولة دي ، ده أنا دافع فيكي كتير أوي ، يرضيكي أخسر ؟
ردت و هي تحاول التنصل منه :
-أنا مش عايزة منك حاجة ، هتنزلك عن كل حاجة ، هبريك يا عثمان بس Please سيبني !
و تآوهت بوهن ، ليزم شفتيه في آسف مصطنع ، و يقول :
-يا بيبي إنتي كده كده هتبريني غصب عنك ، مش هي دي المشكلة خالص بالنسبة لي.
صرخت بنفاذ صبر :
" أومال عايز إيه ؟
-هقولك يا قلبي.
قالها و قام من جانبها في هدوء شديد ، بينما تنفست الصعداء عندما أطلق سراحها و حرر خصلات شعرها من عقال قبضته الفولاذية ، دلكت فروة رأسها بأصابعها
ليحضر هو و يجاورها ثانيةً ، ثم يقول بإسلوبه البارد المشهور به :
-خدي يا بيبي .. إمضي علي الورق ده.
نظرت "چيچي" إلي مجموعة الأوراق بين يديه ، و سألته بصوت متحشرج :
-ايه الورق ده ؟
-ده يا حبيبتي تنازل عن حصتك في الشركة اللي اسهها لينا ابويا و ابوكي كهدية بمناسبة جوازنا ، و معاهم كمان ورق تنازل عن كل حقوقك في الجوازة دي رغم إني صرفت علي الفرح الملوكي بتاعنا ده ملايين .. بس مش مشكلة ، ربنا يعوض عليا ، خيرها في غيرها.
-إيه اللي بتقوله ده ؟ .. هتفت بإستنكار ، و أكملت :
-مستحيل أعمل إللي بتقول عليه ده ، إنت إتجننت ؟ أنا هتنازلك عن حقوقي بس ، لكن حصتي في الشركة مش No Way طبعا ، مش هسمحلك تقرب منها.
عثمان بضحك ساخر :
-مش بمزاجك يا قطة ، غصب عنك هتتفذي كل إللي أنا عايزه.
ردت بتهكم :
-طب لو مانفذتش كل إللي أنت عايزه يعني .. هتعمل إيه ؟
أجابها ببساطة :
-ولا حاجة .. هاخد بس الفيلم الجميل ده و هنشره في كل حتة ، و بدل ما تفضل موهبتك الفذة دي مدفونة كده ، هطلعها أنا للناس ينبهروا بيها ، و أوعدك .. بكره الصبح ، هتكوني أشهر من سكارليت چوهانسون.
و عاد للضحك من جديد ، لترمقه بنظرات محتقنة و تقول :
-إنت فاكر إنك بكده بتلوي دراعي ؟ بابي مش هيسيبك يا عثمان.
إبتسم و أفحمها بشتيمة قذرة جحظت لها عيناها من الصدمة ، ثم عاد لسلوكه الأرعن ، و قال بحدة و هو يلقي بالأوراق في وجهها :
-يلا ياختي إمضي ، مابحبش أعيد كلامي مرتين.
نظرت إليه بحقد شديد ، و إنصاعت لأمره مرغمة
أخذت الأوراق من يده ، و ناولها قلم بدوره ..
و بعد دقيقة واحدة ، كانت قد إنتهت ، فإسترد أوراقه منها ، و بادلها نظرة البغض المنبعثة من عينيها بإبتسامة مستفزة ..
ثم إنتصب بقامته الفارعة أمامها ، و قال بنعومة :
-دلوقتي بس يا بيبي اقدر أقولك إنتي طالق ، طالق ، طالـــق !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
منذ فترة طويلة لم تعد "سمر" بحاجة لساعة التنبيه التي إعتادت أن تقوم بمهمة إيقاظها في كل صباح ، إذ إن صراخ "ملك" شقيقتها الصغيرة ذات العشرة أشهر كان بمثابة تنبيه ذا تآثير أقوي ..
و ها هي تنتفض من غفوتها العميقة عندما بدأت الصغيرة بالبكاء ، قامت من سريرها و هي تفرك عينيها بقبضتها ، و هرولت إلي شقيقتها و هي تتخبط في كل قطعة أثاث تقابلها
إنحنت صوب سريرها الصغير لتسكتها بسرعة لئلا يعلو صراخها أكثر و تزعج الجيران ، كانت تعاني منذ شهران و حتي الآن آلام و تقلصات في معدتها لا تستطيع التعبير عنعا إلا بالصراخ و خاصة في الليل
حملت "سمر" الطفلة ، و راحت تهدهدها و تؤرجحها و تغني لها بعذوبة ، و تدريجيا هدأت "ملك" و عادت إلي النوم بين ذراعيّ أختها الكبيرة
وضعتها "سمر" في فراشها ثانيةً ، و بحرص شديد بسطت فوق جسمها الصغير غطائها الناعم
مسحت علي شعرها البندقي الأملس بحنو ، ثم إستدارت خارجا متجهة إلي دورة المياه ..
أدت روتينها اليومي ، غسلت وجهها و نظفت أسنانها ، ثم صنعت فنجانا من الشاي و عادت به إلي غرفتها
جلست علي الكرسي أمام الطاولة ، و راحت تقوم بحسابات
المصاريف المتوجبة عليها لهذا الإسبوع و خرجت بنتيجة صعبة جدا
إذ أن عليها تخفيف مصاريفها إلي أدني درجة لتتمكن من دفع أجرة الشقة التي تآويها هي و شقيقها الشاب و شقيقتها الصغيرة ..
و لكن ماذا عن الطعام و الشراب ؟ ألن يآكلوا لأجل توفير المال ؟
إن "ملك" بمفردها يوميا تحتاج إلي ميزانية خاصة ، النقود كلها تكاد تكفي اللبن المجفف و الحفاضات و الآدوية الخاصة بها .. من أين ستسد باقي الحاجيات ؟
أحست "سمر" بقنوط و يأس شديد ، و فجأة تذكرت والديها .. فقط لو كانا هنا معها الآن ، لما كانت غارقة حتي أذنيها بمستنقع الهموم هذا
و لكن شاء القدر أن يموتا معا في حادث سيارة قبل ثمانية أسابيع و هما في طريقهما لعيادة طبيب الأطفال المشرف علي علاج "ملك" التي ولدت بداء الصفراء ، و لحسن حظ الصغيرة ، كانت هي الناجية الوحيدة من بين جميع ركاب الحافلة ، إذ لم يصيبها خدش واحد !
لم تسنح لـ "سمر" أو لشقيقها فرصة الحداد و الحزن علي والديهما ، فقد كانت "ملك" بحاجة للإهتمام في كل لحظة ..
أفاقت "سمر" من شرودها علي صوت أنين "ملك" الذي ينذر بنوبة صراخ حادة ، فأسرعت "سمر" إليها ، و أخذتها بين ذراعيها مرة أخري و ظلت تمشي و تجوب بها أرجاء الشقة كلها حتي نامت مجددا ..
سمعت طرقا علي باب الشقة ، فذهبت لتفتح
أمام العتبة ، وقف صاحب البناية محتقن الوجه ..
فتلعثمت "سمر" و قالت في حيرة و إرتباك :
-عم صابر ! أهلا آاا ..
قاطعها الأخير بغلظة :
-لا أهلا و لا سهلا يا ست سمر ، أنا جاي أقولك بالود و المعروف كده قدامك يومين مافيش غيرهم تلمي عزالك و تاخدي إخواتك و تدورولكوا علي سكن تاني.
سمر بجزع :
-ليه بس كده يا عم صابر ؟ إحنا مش مقصرين معاك انت بالذات و بندفعلك الإيجار أول بأول !
-يا ستي الله الغني عن الكام ملطوش اللي بيطلعولي منكوا ، و إن كان علي آجرة الشهر ده أنا مسامح فيها الله الغني بس تمشوا من هنا.
تقلص وجه "سمر" و هي تتسائل بإنكسار :
-طب بس نمشي نروح فين ؟ ده بيتنا طول عمرنا ، ماطلعناش منه أبدا و مانعرفش مطرح تاني نروحله.
-و الله مش مشكلتي يا أنسة ، دبروا حالكوا ، أنا السكان إبتدوا يطفشوا من البيت بسببكوا ، ديك النهار البشمهندس علاء اللي جمبكوا جه رمالي مفتاح الشقة و مشي ، الراجل ماكنش عارف ينام من صوت الأمورة اللي علي ايدك دي ، كل يوم بتصحيه من احلاها نومة.
سمر بقلة حيلة :
-طب بس هعملها ايه يا عم صابر ؟ ما أنت عارف إنها عيانة من يوم ما إتولدت و مش بإيدي إللي هي فيه.
أجابها "صابر" بإسلوبه الفظ :
-يا ستي ربنا يشفيها و يعافيها بس بعيد عن هنا ، شوفي أنا عملت بأصلي و جيت نبهتك بالإخلا ، في ساكن جديد هيجي يشوف الشقة بعد بكره ، يا ريت تكونوا سيبتوا المطرح قبل ما أجيبه عشان في يوميها لو الراجل جه و إنتوا لسا هنا هلم صبياني و هرميلكوا عفشكوا في الشارع.
-إنت إزاي بتكلمها كده يا راجل إنت ؟؟؟
هتف بها "فادي" لدي وصوله أمام باب الشقة ، و أردف بغضب :
-و بعدين أنا مش نبهت عليك قبل كده ماتهوبش ناحية الشقة و أنا مش موجود ؟ إيه إللي جابك ؟ أول الشهر لسا بكره و كنت هاجيلك أنا و أديلك الإيجار زي كل مرة.
صاح "صابر" للحال :
-لا يا سيدي مش عايز منكوا حاجة و الله ما عايز ، أنا عايزكوا تحلوا عني بس و تشوفلكوا مطرح تاني بعيد عني أنا و السكان.
نطق "فادي" بعدائية مفرطة و هو يحاول ضبط نفسه قدر الإمكان حتي لا يضربه :
-و إنت مابتعرفش تتكلم بآدب يا راجل يا مهزأ إنت ؟
-الله يسامحك يا أستاذ فادي ، و أنا عشان راجل محترم مش هرد عليك .. ثم أعلن بصوت قاطع :
-بس من بكره بقي هعلق ورقة علي باب البيت من تحت و هعرض الشقة للإيجار ، و أول زبون هيجي هسلمه المفتاح.
أحمرّ وجه "فادي" بصورة خطرة ، و كاد يهجم عليه ، إلا أن "سمر" سارعت بإيقافه و هي تقول ممسكة بساعِده :
-خلاص يا فادي خلاص .. و حولت نظرها إلي "صابر" مكملة بجمود :
-ماشي يا عم صابر ، إعمل إللي أنت عايزه ، إحنا هنلم حاجاتنا و هنسيبلك الشقة بكره.
إبتسم "صابر" ببرود ، و أدار ظهره و ولي تاركا الأشقاء الثلاثة دون صوت ..
نظرت "سمر" في إمعان و حنان إلي وجه شقيقتها البرئ ، فأغرورقت عيناها بالدموع ، ليلمحها شقيقها و يصيح بعصبية :
-إنتي بتعيطي ليه دلوقتي ؟ ماتعيطيش ، تحبي أنزل أفرجلك عليه الشارع كله دلوقتي ؟
سمر و هي تمسح دموعها بظهر يدها بسرعة :
-لأ طبعا إنت إتجننت ؟ خلاص ، يلا إدخل جوا.
و شدته معها إلي الداخل ، ثم سألته لتذهب به عن النقاش حول المشادة الفائتة :
-قولي عملت إيه في الجامعة ؟
أجابها عابسا :
-و لا حاجة .. قالولي مش هينفع تستلم الكتب إلا بعد دفع المصاريف.
سمر بملامح حزينة و هي تربت علي كتف شقيقها :
-معلش .. ليها حل إن شاء الله ماتقلقش.
فادي بعصبية :
-ليها حل إزاي يعني ؟ هنضرب الأرض تطلع فلوس ؟ إحنا بالشكل ده هنتشرد يا سمر و ملك هتموت مننا ، مافيش قدامنا حلول ، مافيش إلا هو حل واحد بس و إنتي ماعرفتيش تتصرفي.
سمر بوهن :
-يعني كنت عايزني أعمل إيه ؟ أنا فضلت وراهم طول الشهور إللي فاتت و ماطلعتش بأي نتيجة ، مش هيرضوا يصرفولنا المكافأة يا فادي.
-ليه يعني ؟ هو مش بابا كان زيه زي أي موظف في الشركة الهباب دي ؟ طب خليهم يعملوها كده و الله لأرفع عليهم قضية و أوديهم في ستين داهية.
إبتسمت بمرارة ، و قالت :
-إحنا هنروح فين جمب الناس الكبار دول يا فادي ؟ مش هنعرف نعمل معاهم حاجة.
-لأ بقي أنا هعرف ، و أديني نازل رايحلهم دلوقتي أهو و يا أنا يا هما.
و إبتعد خطوتين ، لتلحق به "سمر" صائحة :
-إستني يا فادي .. إستني !
و قبضت علي كفه ، و غمغمت بخفوت :
-خلاص أنا هروح تاني.
أدار عينيه قائلا بضيق :
-هتروحي فين بس ؟ إنتي بترجعي زي ما بتروحي ، مابتعرفيش تتصرفي.
جادلته بتصميم :
-هروح .. هروح و مش هرجع إلا بنتيجة !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل " بحيري " ..
يضرب "يحيى البحيري" الطاولة بيده الغليظة و هو يصيح بغضب شديد :
-الكلب مابيردش عليا ، طب بس لما أشوفك يا عثمان .. الحيوااااان !
و لفظ كلمته الأخيرة و هو يصرخ بضراوة في هاتفهه ، فتبادل أفراد الأسرة نظرات متوترة ، بينما تحركت "فريال" صوب زوجها و هي تقرل بلطف علها تهدئه :
-إهدا يا يحيى ، مش كده يا حبيبي كفاية صحتك ، إهدا عشان خاطري.
يحيى بصياح أشد :
-ماتقوليش إهدا دي ، أهدا إزاااي ؟ أهدا إزاي بعد ما ورطنا الباشا إبنك مع رشاد الحداد ؟ ده راجل لو حب هيقعدنا كلنا في البيت ده إذا عاد لينا بيت بعد عملته السودا.
-إنت بتبالغ أوي علي فكرة .. قالت "فريال" بضيق ، ثم أكملت مدافعة عن إبنها :
-و بعدين إنت كنت عايزه يعمل إيه ؟ بعد إللي إنت حكيتهولي ليلة إمبارح بنفسك أنا مش شايفة إنه غلطان ، بالعكس دي أقل حاجة عملها.
يحيى بإنفعال :
-إنتي عايزه تجننيني إنتي كمان ؟ هتعومي علي عومه ؟
و هنا تدخل "رفعت" بهدوء :
-عثمان غلط يا فريال ، ماكنش لازم يتصرف بإندفاع كده .. دلوقتي الجرايد و المجلات مالهمش سيرة غيرنا ، و رشاد الحداد فعلا مش هيسكت ، الفضيحة مسته أكتر بكتير مننا و إنتي عارفة أنه سياسي معروف و عضو مجلس شعب .. مركزه حساس.
-قولها !
هتف "يحيى" بعنف من شدة حنقه ، لتنضم إليهم "صفية" في اللحظة التالية ، حيث ولجت إلي الصالون الضخم حاملة بين ذراعيها جريدة و هذا الأسد الشبل الذي ترعاه ريثما يشفي من مرضه :
-صباح الخير يا جماعة !
لم يرد أحد تحيتها إلا عمها و إبنه "صالح" فقط ، فتساءلت بهدوء و هي تلوح بالجريدة :
-هو صحيح إللي مكتوب في الجرايد ده ؟
تطوع "صالح" بالإجابة عليها عندما لاحظ إشتداد التوتر بالأجواء أكثر عقب سؤالها :
-أيوه يا صافي ، صحيح.
شهقت بصدمة :
-طب ليه ؟ إيه إللي حصل ؟
يحيى و قد عاود الصراخ بعصبية مجددا :
-أنا مش عايز أسمع رغي كتير ، إخرسوا كلكوا الساعة دي.
أدارت "صفية" عينيها في لامبالاه ، و قالت :
-طيب .. عن إذنكوا.
و إنسحبت مغادرة .. فإنتظر "صالح" لدقيقة قبل أن يتنحنح و يقول :
-طيب أنا هروح أدور علي عثمان ، هشوف يمكن راح علي مكتبه.
و إنصرف مسرعا ليلحق بـ"صفية" ..
بينما تكلم "رفعت" مخاطبا شقيقه بلهجة خفيضة :
-معلش يا يحيى ، أنا مضطر أطلع علي باريس الليلة ، مقدرش أسيب هالة لوحدها هناك أكتر من كده و آاا ..
قاطعه "يحيى" بعدم إهتمام :
-سافر يا رفعت .. سافر.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
داخل كراچ القصر الذي حوى مجموعة سيارات خرافية ..
همت "صفية" بركوب سياراتها ، و لكن أوقفها صوت "صالح" و هو يركض نحوها :
-صافي .. صافي إستني !
تأففت بضيق و وقفت بمكانها إنما لم تلتفت نحوه ، فإضطر هو أن يدور حول السيارة ليصبح في مواجهتها :
-إيه يا صافي ، علي فين من بدري كده ؟ .. سألها بإهتمام ، بينما نظرت للجهة الأخري و هي تجيبه بجفاف :
-رايحة أودي عنتر للتطعيم.
نظر "صالح" إلي ذاك الشبل الذي توسد صدر "صفية" بوداعة تتناقض مع طبيعته ، و قال بجزع :
-أنا بجد مش عارف إيه سر حبك للحيوانات المفترسة ، أوكيه عارف إنك دكتورة و بتهتمي بالحيوانات كلها ، بس لسا مش قادر أفهم إشمعنا الأسود تحديدا إللي بتحبيهم أوي كده ! بتحبيهم أوي كده ليه يا صافي ؟
أجابته بإسلوب صارم :
-بحبهم عشان بيحموني من إللي زيك.
-إيه ده إيه ده إيه ده ! .. إنتي بتكلميني كده ليه ؟ إنتي زعلانة مني ؟
ردت بحدة :
-حل عني يا صالح و أوعي من سكتي.
تغيرت ملامح وجهه المنفرجة و هو يقول بجدية :
-لأ ده إنتي زعلانة مني بجد بقي .. في إيه يا صافي ؟؟
قالت ماطة الأحرف بتهكم :
-مش عارف في إيه ! روح إسأل البنات إللي كنت بترقص معاهم إمبارح و هما يقولولك ، أو روح لفريدة بنت طنط زيزي أحسن دي كانت لازقالك طول الفرح و ماسبتكش إلا علي الأخر.
إبتسم "صالح" بفهم ، و قال و هو يغمز لها :
-إنتي بتغيري يا حبيبتي ، ماتغيريش يا قلبي ده إنتي ستهم كلهم.
-أنا أغير ! لأ يا حبيبي سبتلك إنت الغيرة.
قهقه بخفة ، و قال :
-يا صافي يا حبيبتي اطمني ، و لا واحدة منهم تقدر تملي عيني ، بدليل إني سيبتهم كلهم و إختارتك إنتي ، الكل عارف إنك خطيبتي.
-و إنت عملت حساب لخطيبتك ؟ ده إنت مسحت بكرامتي الأرض.
هز رأسه نفيا ، و هم بملامسة وجهها بكفه ، لتصيح بغلظة :
-شيل إيدك ياض.
جحظت عيناه من الصدمة ، و قال :
-ياض ! إيه ياض دي ؟ إتعلمتيها فين يا بنت البحيري ؟
-إوعي من قدامي يا صالح أحسنلك !
هتفت بصرامة ، فإستند بمرفقه إلي سيارتها و قال متسليا :
-و لو ماوعتش يعني هتعملي إيه ؟
-هتوعي من قدامي و لا أسيب عليك عنتر ؟
و رفعت الشبل ذا الفراء الذهبي أمام عينيه ، لينتفض مرتدا إلي الخلف من فوره و هو يقول بسرعة :
-لا لا لا خلاص .. خلاص ياستي مع السلامة إنتي و عنتر.
نظرت إليه بتكبر ، و وضعت الشبل في المقعد الخلفي من السيارة ، ثم إستقلت بدورها أمام المقود ، و إنطلقت بها مخلفة غبارا طار كله في وجه "صالح" ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في صبيحة ليلة عرسه ..
يدخل "عثمان البحيري" شركة عائلته ، و تبدأ همسات الموظفين عليه و بخاصة الموظفات ..
فواحدة تقول :
-شايفين جاي رايق إزاي ؟ و لا كأنه طلق عروسته إمبارح !
فردت عليها الأخري :
-يا تري طلقها ليه ؟ و في ليلة الدخلة كمان !
وبختها الثالثة :
-و دي محتاجة فقاقة يا ذكية ؟ أكيد فيها حاجة ، أومال هيكون عمل كده ليه ؟
تمتمت رابعة :
-خلاص بقي يا بنات الله أعلم الحقيقة فين ، ربنا يستر علينا كلنا.
إلتقط "عثمان" حوارهن كله أثناء مروره من جانبهن ، ليزداد شعوره بالسرور ، فها هي خطته قد أثمرت و أصبحت القصة كالعلكة في أفواه الجميع و هذا ما أراده ، أن يفضح زوجته السابقة هي و والدها ليعاقبها علي خيانتها و يرد كرامته أيضا ..
دخل "عثمان" إلي مكتبه ، و طلب سكيرتيرته الخاصة ، و أمرها بتجميع حاجياته كلها ، و بفرز الملفات المهمة بالنسبة له ، ثم كلفها بعد ذلك بإرسال كل هذا إلي مقر شركته الجديدة مع أفراد الأمن و الحراسة ..
إنصرفت السكيرتيرة بعد تلقي الآوامر ، بينما رن هاتف "عثمان" ليتأفف بضجر ، إذ إنه يعلم جيدا من المتصل
و رغم هذا ضفط زر الإجابة ، و رد :
-ألو !
أتاه صوت والده الحانق :
-إنت فين يا باشا ؟ و مابتردش عليا ليه ؟ دي عاملة تعملها يا غبي ؟!
عثمان ببرود:
-إهدا بس يا بابا ، مافيش حاجة حصلت ، و بالعكس أنا نفذت كل إللي إتفقنا عليه.
"يحيى" بإستنكار :
-تبعت البت لأبوها في إنصاص الليالي بفستان الفرح ، و تكون مصلت الصحافة عليها يستنوها عند بيت أبوها و تقولي عملت إللي إتفقنا عليه ؟ إنت فضحتنااا.
تخيل "عثمان" الصورة التي رسمها والده بمخيلته ، لينفجر ضاحكا ، و يقول بغبطة:
-بس إيه رأيك ؟ بذمتك مش ضربة قاضية ؟ رشاد الحداد هيلبس طرحة تداريه في مجلس الشعب من هنا و رايح.
و تابع ضحكه ، ليصيح والده بغيظ :
-إنت يا غبي مش مقدر حجم الكارثة إللي وقعتنا فيها ، إنت ودتنا في داهية.
أهمل "عثمان" حديث والده ، و عبس فجأة حين وصل إلي سمعه أصوات عراك في الخارج
أنهي مكالمته سريعا ، ثم مشي بغضب صوب الباب ، و جذب المقبض بقوة صائحا :
-إيه الدوشة إللي هنا دي ؟؟؟
توهجت عيناه و هو ينظر إلي سكرتيرته في غضب مطالبا إياها بتفسير ذلك الضجيج الغريب ، لتتلعثم الأخيرة و هي تجيبه بإرتباك :
-مستر عثمان ! الأنسة دي دخلت عليا فجأة ، و مصممة أنها تدخل تقابل حضرتك قولتلها ماينفعش لازم تاخدي ميعاد الأول بردو مـُصرة و مش راضية تفهم.
إنتقل "عثمان" ببصره إلي تلك الضئيلة التي تقف بجانب السكرتيرة بوجه محتقن و أعين حمراء
شملها بنظرة فاحصة ، حيث عاينها من أعلي إلي أسفل بمنتهي الدقة و الجرأة ..
إستفزته لأقصي درجة ، فقد إجتذبه شكل وجهها الصافي المستدير ، و ملامحها الرقيقة التي تشي بالبراءة رغم تآججها ، لكنه لم يستطع رؤية المزيد منها ، بسبب ذلك الوشاح الداكن الذي إرتدته فوق رأسها كحجاب يحظر علي الناظر إليها رؤية شعرها ، و أيضا تلك الثياب الطويلة الفضفاضة التي منعته من تبين قوامها ..
أثارت فضوله و غضبه معا ، فزم شفتيه في شيء من الحنق ، ثم توجه إليها بصوته الخشن :
-إنتي مين يا شاطرة ؟؟
تفاجأت كثيرا من رعونته الواضحة للعيّان دون خجل ، إسلوب لا يتناسب البتة مع مظهره الراقي ..
لكنها تغاضت عنه ، و أجابت بثبات :
-أنا سمر حفظي ، بنت الأستاذ شريف حفظي ، والدي الله يرحمه كان موظف عندكوا هنا.
-أهلا وسهلا .. رد بفظاظة ، و أكمل :
-إنتي بقي جاية عايزة إيه ؟
سمر بحدة :
-جاية عايزة أقابل المسؤول عن الشركة دي .. و تحولت بحديثها إلي السكرتيرة :
-من فضلك تبلغي أي حد مسؤول هنا إني طالبة مقابلة مستعجلة.
عثمان رافعا حاجبيه بدهشة :
-و أنا مش مالي عينك و لا إيه ؟
سمر و هي تعود لترمقه بإزدراء :
-إنت مين ؟!
و هنا تدخلت السكرتيرة بسرعة قائلة بحرج :
-مستر عثمان البحيري مدير الشركة و كمان يبقي واحد من أصحابها.
-أهلا وسهلا .. قالتها "سمر" منتهجة نفس إسلوبه السابق معها
حدجها بنظرات نارية ، فأدركت أنها نجحت في إغضابه ، سرها هذا ، لكنها قالت بنبرة رسمية حازمة :
-حضرتك أنا بقالي حوالي شهرين باجي هنا و بحاول أوصل لأي مسؤول أكلمه في حاجة ضرورية تخص شغل بابا بس للأسف كل مرة برجع زي ما باجي ، مابطلعش بنتيجة ، فلو أمكن يعني تساعدني إنت يبقي كتر ألف خيرك.
رمقها بنظرة خاوية مطولة ، ثم قال بإقتضاب :
-إتفضلي.
و أشار لها بالدخول إلي مكتبه ..
سبقها إلي الداخل ، لتلج هي من بعده و تسمع صوت إغلاق الباب من خلفها بواسطة السكرتيرة
تبعته و هي تعاين الغرفة المستديرة الحواف في فضول و إنبهار شديد ، جدرانها خشبية ، و الأرض رخامية ، و هناك في مكان قاصي قليلا ركن أشبه بالمطبخ الصغير ، وضعت به ثلاجة صغيرة و آدوات صنع الشاي و القهوة
-إتفضلي أقعدي .. قالها بعد جلوسه أمامها خلف مكتبه الضخم ، فإمتثلت لطلبه و جلست من جهة اليسار في المقعدين المقابلين له
عثمان متسائلا بهدوء :
-خير بقي ؟ أقدر أساعدك إزاي يا أنسة ؟
سمر بهدوء مماثل متناسية موقفها العدائي تجاهه :
-زي ما قلت لحضرتك أنا كان بقالي شهرين باجي هنا بسبب مشكلة تخص شغل بابا الله يرحمه عندكوا.
-و إيه هي المشكلة بالظبط ؟
شرحت له "سمر" تفاصيل المشكلة ..
عثمان بجدية :
-بس والدك علي حسب كلامك كان فني مصاعد مش مهندس أساسي هنا في الشركة.
-مش فاهمة إيه الفرق يعني ؟!
تنهد "عثمان" تنهيدة طويلة ، و قال :
-الفرق إن والدك عامل بالأجرة ، لو كان في عطل بيحصل في المصاعد هنا كان بيجي يصلحه و خلاص ، يعني هو و كتير من زمايله إللي هنا في نفس شغلته أسمائهم مش في سجلات التوظيف عندنا لأن ببساطة إحنا مجموعتنا إستثمارية و تجارية و مش بنحتاج كتير للنوع ده من العمال ، إحنا بنطلبهم بس بالأجرة زي ما قلتلك.
سمر بصدمة :
-يعني إيه ؟!!
مط شفتيه بأسف ، و قال ببرود و هو ينقر بقلمه فوق سطح المكتب :
-يعني للأسف والدك مالوش مكافأة نهاية خدمة عندنا لأنه مش موظف أصلا ، ممكن يكون له مستحقات ، تقدري و إنتي خارجة تسألي تحت في شئون العاملين إذا كان في باقي حساب يخصه و لا حاجة !
أصيبت "سمر" بخيبة أمل أطاحت بصوابها ، فلم تعد تسمعه و هو يكمل باقي كلماته ، بل راحت تستمع إلي سيل جارف من التساؤلات تفجر فجأة بعقلها ..
كيف ستدبر حالها ؟ كيف ستواصل حياتها من دون مال ؟ و أخويها .. ماذا ستفعل بشأنهما ؟ إنهما بحاجة إلي أشياء عديدة تمثل بقاء كلا منهما ، فـ"ملك" لن تعيش إذا عجزت "سمر" عن توفير الطعام و العلاج لها ، و "فادي" سيضيع مستقبله إذا ترك دراسته ، من أين تأتي بكل هذا ؟ الأمل الوحيد الذي إتكأت عليه وضح إنه كاذب .. لا مفر من المصير البائس ، ليس لها وحدها ، و لشقيقيها أيضا
بصورة تدريجية إنتصبت "سمر" واقفة دون أن تشعر رغم إرتخاء مفاصلها ، ثم راحت تردد باكية :
-هعمل إيه دلوقتي ؟ هتصرف إزاي ؟ .. إخواتي هيروحوا مني .. مش هقدر أعملهم حاجة ، ملك هتموت ، و أنا .. أنا السبب .. أنا السبب.
-إنتي كويسة يا أنسة ؟ .. تسائل "عثمان" بشيء من القلق ، إلا أنه لم يلق إجابة
كانت الرؤية تنعدم من أمام "سمر" شيئا فشيئا ، إلي أن تلاشت تماما ..
لم تعد قدماها تقدران علي حملها ، فسقطت مغشيا عليها ..
وثب "عثمان" من مقعده ، و مشي ناحيتها بسرعة
إنحني صوبها ، و مد يده و هزها بلطف هاتفا :
-يا أنسة ! .. إنتي يا أنسة ..
تململ "عثمان" بمكانه و هو يرمقها في حيرة :
-أعملها إيه دي بقي ؟ .. غمغم لنفسه بخفوت ، ثم قام و توجه إلي مكتبه
ضغط زر الديكتافون المتصل بمكتب سكرتيرته ، و قال بصوت ثابت مسموع :
-شيري .. إطلبيلي دكتور الشركة فورا و تعاليلي بسرعة.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في مكان أخر .. حيث يستند إلي مكتبه رجل في العقد الخامس من عمره ، شعره الأبيض تتخلله بعض الشعيرات السوداء ، و يبدو عليه الهيبة و الوقار ..
يستدير فجأة إلي إبنته ، و يهوي بكفه الغليظ علي صدغها ، لتصرخ متألمة ، و بسرعة تتلقاها أحضان شقيقتها الصغري ..
-فضحتيني يا سافلة .. قالها "رشاد الحداد" بصراخ ، و تابع :
-سيرتنا بقت علي كل لسان ، جوزك طلقك يوم فرحك و الأسباب مش محتاجين نشرحها للناس ، مستقبلي و مستقبل أختك قضيتي عليه يا ------ ، هخسر في الإنتخابات و هخسر كل حاجة بسببك يا -------- إسمي بعد ما كان في السما خلتيه في الأرض.
تعالي صوت نحيبها ، بينما حاولت شقيقتها تهدئة "رشاد" بقولها :
-خلاص يا بابي Please , چيچي عارفة إنها غلطت ، و إنت عارف كمان إن عثمان غدر بيها ، ماكنتش عارفة إنه هيبعت وراها صحافيين.
رشاد بغضب :
-إخرسي إنتي مالكيش دعوة ، أنا ليا حساب مع الكلب ده كمان بس مش قبل ما أخلص بإيدي علي الـ----- دي .
چيچي ببكاء و هي لا زالت تحتمي بحضن شقيقتها :
-إنت إللي غصبتني علي الجوازة دي ، أنا قولتلك مش بحبه و مش عايزاه .. ثم أكملت في تردد :
-إنت السبب يا بابي !
رفع "رشاد" ذراعه ، و إجتذبها من شعرها صائحا :
-أنا السبب فعلا ، أنا إللي سيبتلك السايب في السايب لحد ما فاجرتي ، و أخرتها سلمتي رقبتي لإبن يحيى البحيري.
تأوهت "چيچي" بألم ، و قالت بصوت مهزوز إمتزج بدموعها :
-أنا ماكنتش أعرف إنه هيصورني ، و ماخدتش بالي من أي حاجة إلا يوم الفرح ، هو فاجئني.
رشاد بخشونة :
-مضتيله علي التنازل ليه ؟
-هددني إنه هينشر الڤيديو.
صاح بإنفعال :
-إنتي غبية ، ماكنش هيقدر يعمل أي حاجة كنت هتصرف أنا معاه و لا كنا إتفضحنا زي دلوقتي كده.
ثم أفلتها فجأة ، و إلتفت محدقا في الفراغ و هو يتمتم بشراسة :
-ماشي يا إبن يحيى .. و الله لأكون جايبك الأرض ، مش هرحمك لا أنت و لا عيلتك !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
إستيقظت "ملك" من نومها منذ حوالي ربع ساعة ، قضت هذا الوقت كله مستلقية وحدها دون حراك ، حتي ملت من و حدتها ..
فهمت بالصراخ عاليا بقدر يجذب إليها أحد أخويها ، هكذا تعلمت و حفظت الطريقة التي تستقطب بها إنتباههما وفقا لعقليتها الصغيرة
و بالفعل ، لبي "فادي" ندائها ، و حضر إليها فورا ..
سكتت "ملك" بمجرد رؤيته ، ليبتسم لها و يقول بلطف :
-إيه يا ست ملوكة ؟ يا تري جعانة و لا صحيتي لاقيتي نفسك فاضية و قولتي أما أقرف فادي شوية ؟ هه ؟ .. ما تقوليلي ، إتكلمي ..
و راح يقوم بحركات بوجهه و هو يخاطبها ، فأخذت الطفلة تضحك له و هي ترفع ذراعيها الصغيرتين نحوه و تصدر أصواتا تختلط بضحكاتها
ضحك "فادي" معها ، ثم حملها و أخذ يلاعبها و يلاطفها ..
كانت "ملك" تحمل ملامح مشتركة بين كلا من والدتها و أختها "سمر" .. فمثلا ورثت لون بشرتها الناصعة و لون شعرها البندقي عن والدتها
أما خضرة عينيها الواسعتين ، فأخذتهما عن شقيقتها الكبيرة التي تمتاز هي الأخري بنوع خاص من الجمال يتمثل في شعرها الطويل الفاحم ، و بشرتها التي هي بلون الشوكولاتة الفاتحة ، و قوامها المتناسق الذي يحسدونها عليه جارتها و صديقاتها كلما يزورنها في بيتها ..
جلس "فادي" بالصالة و أجلس "ملك" علي قدمه ، ثم راح يهزها حتي لا تعود للبكاء ، بينما يشاهد هو إحدي المبارايات علي شاشة التلفاز الصغير ..
لفتت نظره "سمر" و هي تفتح باب الشقة بمفتاحها و تدخل ، فأغلق التلفاز ، و حمل "ملك" علي ذراعه و ذهب ناحيتها ..
فادي بتلهف :
-ها يا سمر ! عملتي إيه ؟
رفعت "سمر" وجهها و هي تجيبه بتعب واضح :
-فادي هبقي أحكيلك بعدين ، أنا جاية تعبانة و مش شايفة قدامي ، محتاجة أريح شوية و بلّيل هبقي أقولك علي كل حاجة.
عبس بقلق ، و سألها بلهجة هادئة :
-مالك يا سمر ؟ إنتي كويسة ؟
أومأت رأسها إيجابا ، ثم قالت :
-خلي بالك بس من ملك علي ما أصحي و لو جاعت أنت بتعرف تأكلها ، ممكن تصحيني بس علي ميعاد الدوا بتعها أنا أبقي أقوم أديهولها.
و تركته متجهة إلي غرفتها ..
و أخيرا إختلت بنفسها ، أغلقت باب الغرفة ، و للحال نزعت حجابها و هي تتنفس بعمق ثم تحرر شعرها من مشبك الرأس ، لينسدل بنعومة و إنسيابيه علي طول ظهرها
ألقت بنفسها فوق السرير ، و حدقت بالسقف ، لتعود لها ذكري نصف اللقاء الفائت ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وجدته واقفا أمامها عندما فتحت عيناها ، كان يخاطب رجلا قصير القامة في منتصف عمره ، بدا شيء لا يذكر بجانبه ..
لم تسنح لها الفرصة لإستكشاف الكثير من الأمور ، إذ هبت من مكانها كقطة مذعورة و هي تقول بلهجة ناعسة متداخلة الأحرف :
-أنا فين ؟ إيه إللي حصلي ؟
طمئنها "عثمان" بإبتسامة :
-إطمني يا أنسة إنتي بخير ، ماتقلقيش جت سليمة أغم عليكي بس و دكتور حسين فوقك.
الدكتور حسين بلطف و لباقة :
-حمدلله علي سلامتك يا أنسة ، عايزك ماتقلقيش إنتي كويسة خالص ، بس ناقصة تغذية ، إنتي ضعيفة أوي و محتاجة تاخدي بالك من أكلك و شربك أكتر عشان ماتحصلكيش إغماءة تانية.
كانت "شيري" سكرتيرة المكتب واقفة بجوارها ، فإنحنت صوبها لتعطيها كأس عصير ، قبلته "سمر" بإمتنان و هي تشعر برأسها يلف
بينما إنصرف الطبيب "حسين" بعد أن جمـّع آدواته داخل حقيبته ، و بدوره أصرف "عثمان" سكرتيرته لتباشر عملها في الخارج ..
سمر و هي تحاول القيام :
-أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي علي إللي عملته معايا !
عثمان بجدية :
-خليكي مكانك يا أنسة ، إنتي لسا دايخة ، ماتقوميش دلوقتي.
-لازم أمشي .. إتأخرت علي إخواتي.
-طب بس أصبري ، أنا عايزك في موضوع.
سمر بإستغراب :
-موضوع ! موضوع إيه يافندم ؟؟
سحب "عثمان" مقعد قريب ، و جلس فوقه مادا جسده نحوها ، ثم قال بهدوء :
-أنا حاسس إنك واقعة في مشكلة .. ممكن تقوليلي لو تحبي ، أنا أقدر أساعدك.
سمر بشك :
-تساعدني إزاي يعني ؟!
هز كتفيه مجيبا :
-أساعدك يعني أساعدك .. قوليلي بس إيه مشكلتك ؟
سمر بصمت و قد إنعقد لسانها ، لا تعرف بما تجيبه !
-فلوس ؟ .. قالها بتساؤل ، و تابع :
-إنتي خريجة أيه يا أنسة ؟
سمر مجيبة بلسان ثقيل :
-تسويق و تجارة إلكترونية.
عثمان بإعجاب :
-حلو .. حلو أوي .. ثم أردف بحماسة زائفة :
-شوفي أنا هفتتح شركة جديدة خاصة بيا كمان كام يوم ، إخترت الموظفين خلاص بس لسا ماخترتش سكرتيرة .. تحبي تتقدمي للوظيفة دي ؟
حملقت فيه بعدم تصديق ، و سألته ببلاهة :
-بجد ؟!!
عثمان بضحك :
-أه طبعا بجد .. ثم سألها مبتسما :
-إنتي عندك كام سنة ؟ قصدي يعني بقالك كام سنة متخرجة ؟
سمر بتوتر طفيف :
-أنا عندي 24 سنة و بقالي سنتين و نص متخرجة.
-هممم .. لأ مدة مش بعيدة ، طب قولتي إيه ! موافقة تشتغلي عندي ؟؟
سمر بدون تردد :
-طبعا موافقة .. لكنها تراجعت :
-بس أنا ماعرفش حاجة عن شغلة السكرتاريا.
عثمان بثقة :
-ماتقلقيش هتتعلمي .. دي شغلانة بسيطة خالص.
أشرق وجهها بإبتسامة رقيقة ، بينما مد يده إلي جيب بنطاله ، و أخرج جزدانه
سحب بعض الأوراق النقدية ، ثم مد يده لها قائلا :
-إتفضلي يا أنسة سمر.
نظرت ليده الممدودة بالنقود ، ثم له ،و سألته متجهمة :
-إيه ده حضرتك ؟؟
أجابها بإبتسامة :
-أنا عارف إنك محتاجة فلوس ، من فضلك خديهم.
سمر برفض مهذب :
-شكرا لحضرتك .. أنا معايا الحمدلله.
عثمان بإصرار و لطف :
-خديهم بس يا أنسة سمر ، أعتبريهم سلفة و إبقي رديهم من أول مرتب.
تخضبت وجنتاها بحمرة قانية ، و كم وجدت صعوبة في ذلك ، لكنها مدت يدها و أخذت منه النقود ..
سمر و هي تقف علي قدميها و تختبر درجة ثباتها :
-إستأذن أنا بقي.
نهض هو الأخر ، و قال لها :
-تمام ، و إنتي خارجة إبقي سيبي إسمك و عنوانك و رقم تليفونك لشيري ، و ماتنسيش بعد بكره ، هخلي شيري تتصل بيكي و تديكي كل المعلومات عن الشركة.
أومأت "سمر" دون أن تنظر في عينيه ، ثم غادرت مكتبه في هدوء ...
°°°°°°°°°°°°°°°°
خرجت "سمر" من الذكري و هي تشعر بضيق شديد ، فمنذ خروجها من هذه الشركة لم تكف عن توبيخ نفسها لأنها أخذت منه النقود
و مرات عدة و هي في طريقها إلي البيت فكرت أن تعود و ترجع إليه ماله ، لكنها تذكرت "ملك" و "فادي" .. فإستسلمت لحكم الواقع و أكملت طريقها بفم مطبق ..
أرهقها التفكير لهذا الحد ، فأوقفت كل شيء ، و إستسلمت للنوم الذي بدأ يداعب أجفانها ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في ليل الإسكندرية الساحر ، يقود "صالح البحيري" سيارته الفارهة مارا بالكورنيش المطل علي الساحل ، و المضاء بالأعمدة التي تعكس نورها علي ماء البحر الحالك ، فيبدو و كأنه اللؤلؤ الأسود في ندرته ..
يصل "صالح" إلي ذلك الملهي الشهير ، و يدخل باحثا بعينيه عن إبن عمه
ليجده هناك ، جالسا عند بنش البار ، تحاوطه المنكرات من كل صوب و هو يتجاوب معها بفتوره المعتاد ..
-إيه يابني فينك ؟ قال "صالح" و هو يجلس بجانبه أمام البار ، و أكمل :
-لازم أتحايل عليك يعني عشان ترضي تقولي إنت فين ؟ أبوك قالب عليك الدنيا.
عثمان بضيق :
-عارف.
-طب مارجعتش البيت ليه لحد دلوقتي ؟؟
-مش مستعد لإستجواب يحيى بيه ، و مش ناقص قرف.
صالح بصراحة :
-إنت طينت الدنيا الصراحة ، أنا أعرف أنك شيطان يابن عمي بس ماتخيلتش تفكيرك يوصل لكده أبدا !
عثمان ضاحكا و هو يتناول بعض المقبلات :
-يمكن عشان مابتعرفش تفكر يا صالح.
-لأ بجد ، أنت إبليس ذات نفسه يصقفلك علي عملتك دي.
عثمان بتفاخر :
-يابني أنا مش أي حد ، أنا عثمان البحيري ، يعني الفهلوة و الجبروت كله ، و متنساش إني إسكندراني كمان.
-لأ من ناحية الجبروت فأنا متأكد من دي أكتر .. ثم سأله بإستذكار :
-صحيح عملت إيه في حوار شركتك ؟ خلاص كلها بقت بتاعتك.
شرب "عثمان" ما تبقي من كأسه ، و أجابه و قد بدأت الثمالة تنطقه بما لا يريد نطقه :
-إسكت ماتفكرنيش بالشغل خالص .. إنهاردة وقعت مع حتة بت كانت هتخرجني عن شعوري ، تصور إستهزأت بيا أنا ؟!
صالح بضحكة مرحة :
-يا خبر ! دي كده لعبت في عداد عمرها.
عثمان بوعيد :
-إنت بتقول فيها ؟ .. و حياة أمي لأسود عيشتها !!!!!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الثاني 2 - بقلم Shaimaa Gonna
صباح يوم جديد ..
إستيقظت "سمر" من نومها عندما شعرت بشعاع حار يضرب في وجهها و يلسع جلدها الرقيق لسعات متواصلة بلا توقف ، فتحت عيناها بتثاقل و إنزعاج ، لتكتشف إنها الشمس تسللت خيوطها الذهبية عبر شباك غرفتها الموارب لتوقظها ، و عندما لم تستجيب لسعتها بآشعتها الحارقة لتعاقبها ..
تثاءبت "سمر" بكسل و هي تتحرك في الفراش بعيدا عن آشعة الشمس ، و عقدت حاجبيها فجأة بإستغراب ، لقد نبهت "فادي" البارحة أن يأتي و يوقظها في المساء لكي تعطي "ملك" بنفسها جرعة دوائها .. لماذا لم يفعل ؟ لماذا تركها نائمة كل هذا الوقت ؟ لا يمكن أن يكون قد نسي !!
قامت "سمر" من فراشها ، و إتجهت للخارج بخطوات غير متزنة نسبيا
وجدت "فادي" بالصالة ، يقف هناك حاملا "ملك" التي كانت تبكي و تصرخ بشدة ، و يحاول أن يجعلها تهدأ ..
-في إيه يا فادي ؟ .. قالتها "سمر" بتساؤل و هي تمد ذراعيها لتأخذ منه "ملك" ..
أجاب "فادي" حائرا و هو يناولها الطفلة :
-مش عارف مالها ، أنا صحيت من شوية علي عياطها قلت جعانة فأكلتها ، دلوقتي بقي لاقيتها عيطت تاني ، شكلها لسا جعانة .. ثم أكمل بغضب :
-بس أكلها خلص.
سمر بإستغراب :
-إنت مش بتقول أكلتها ؟ يعني شبعت !
فادي بضيق :
-لأ .. علبة اللبن بتاعتها ماكنش فيها كتير.
زمت شفتيها بتفهم ، ثم قالت :
-طب إستني.
و ذهبت بالصغيرة نحو غرفتها ، لتعود بعد لحظات و هي تمد يدها له ببعض النقود قائلة :
-خد ، إنزل هاتلها علبتين لبن و شوف لو الدوا بتاعها ناقص هاتلها غيره و كمان لو مافيش بامبرز هات.
نظر "فادي" إلي النقود ، ثم لأخته و هو يقول بدهشة :
-جبتي الفلوس دي منين يا سمر ؟ .. و أردف بإبتسامة واسعة :
-معقول صرفولك فلوس بابا إمبارح ؟؟
سمر بفتور :
-لأ طبعا.
فادي بتعجب :
-أومال إيه دول كلهم ؟ جبتيهم منين ؟!
سمر بكدر :
-ما أنا قلتلك إمبارح إبقي صحيني بليل عشان أحكيلك علي إللي حصل إنت إللي سيبتني لحد دلوقتي.
-علي فكرة جيت أصحيكي مرتين إمبارح ، مرة عشان تدي ملك الدوا زي ما قولتيلي و مرة عشان نتعشي سوا ، بس إنتي إللي مارضتيش تقومي ، قلت جايز تعبانة فسبيتك تنامي براحتك و خدت ملك تنام معايا .. ثم سألها بإهتمام :
-قوليلي بقي إيه إللي حصل ؟؟؟
تنفست "سمر" بعمق ، ثم حكت له ما حدث بإيجاز شديد ..
-إيه ده ؟ إزاي يعني ؟ .. قال "فادي" بعدم فهم ، و تابع :
-يعني المدير و لا صاحب الشركة إللي قابلتيه ده قالك مالكوش عندنا حاجة و بعدين قالك هشغلك عندي سكرتيرة ؟!!
سمر شارحة له :
-لأ يابني ما قالش مالكوش عندنا حاجة ، قال إن بابا كان عامل مش موظف و عامل بالآجرة كمان ، أه كان بيعمل صيانة علي المصاعد كل شهر و كان بياخد مرتب بس إسمه مش في سجلات التوظيف يعني مالوش أولويات الموظفيين الفعليين إللي بيشتغلوا هناك ، فهمت ؟
عبس "فادي" قائلا :
-فهمت .. و إنتي ناوية تقبلي الشغلانة دي يعني ؟؟
سمر بتأكيد :
-أيوه طبعا ، إحنا محتاجين فلوس عشان نعرف نعيش أنا و إنت و ملك ، و الراجل كتر خيره حب يساعدني بطريقة كويسة جدا ، هشتغل و أجيب فلوس بجهدي ، إيه إللي يخليني أرفض مساعدته بقي ؟ .. ثم صاحت بإستذكار :
-و أه كنت هنسي أقولك .. إحنا مش هنسيب البيت ، أنا إمبارح عديت علي الست زينب مرات عم صابر و أشتكتلها منه ، و هي قالتلي هتتصرف معاه و مش هتخليه يجي يضايقنا تاني.
صمت "فادي" قليلا ، ثم قال بعدم إرتياح :
-أنا مش مطمن يا سمر .. مش عارف ، في حاجة مش مريحاني في حكاية شغلك دي !
سمر بإبتسامة مطمئنة و هي تربت علي كتفه :
-ماتقلقش يا فادي .. و اطمن ، كل حاجة هتبقي كويسة بإذن الله.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل "بحيري" .. داخل حجرة الطعام الفاخرة
يجلس "يحيى البحيري" علي رأس المائدة ، تجاوره "فريال" من جهة اليمين ، أما في الجهة الأخري ، جلس جنبا إلي جنب كلا من "صالح" و "صفية"
تناولوا فطورهم جميعا من دون شهية و في إقتضاب شديد جدا ، و "صالح" الذي يأس من مراضاة "صفية" ترك الطعام نهائيا و سكب لنفسه قدحا من القهوة راح يحتسيه و هو يهز قدمه الغير مرئية في عصبية مفرطة ..
لاحظت "فريال" توقف زوجها عن تناول الطعام ، فسألته بقلق :
-إيه يا يحيى مالك ؟ بطلت تاكل ليه ؟؟
يحيى بضيق :
-ماليش نفس يا فريال.
فريال بحزن :
-ليه بس ؟ طب تحب أعملك بإيدي أي حاجة تانية ؟؟
-لأ مش عايز.
فريال بإنزعاج :
-في إيه بس يا يحيى ؟ كل حاجة بقيت تقول عليها لأ مش عايز !!
يحيى بإنفعال و هو يضرب بيده علي المائدة :
-هو إبنك خلاني عايز أي حاجة ؟ عمل كل إللي في نفسه و مش عايز يوريني وشه لحد دلوقتي ، البيه كأنه بيقولي مالكش لازمةربالنسبة لي.
فريال بلهجة هادئة وهي تهز رأسها سلبا :
-مايقدرش يا يحيى ، إنت أبوه ، عثمان بيحترمك و الله ، هو بس آا ..
يحيى مقاطعا بإزدراء لاذع :
-بلا بيحترمني بلا نيلة بقي ، أنا ماعرفتش أربيه أصلا ، طالع سافل و قليل الأدب محدش بيهمه .. ثم أكمل بوعيد :
-بس و الله لأفرجه ، يرجع البيت بس و هتشوفي هعملك فيه إيه !
-علي فكرة يا عمي عثمان هنا من إمبارح .. قالها "صالح" ببرود و هو يرفع فنجان قهوته إلي فمه
ليلتفت له "يحيى" متسائلا بصوته الخشن :
-عرفت إزاي ؟ إنت شوفته و هو راجع ؟
-أنا كنت سهران معاه إمبارح و رجعنا سوا بليل متأخر.
حدجه "يحيى" بغضب و عضلات فمه ترتجف بقوة و كأنه يحاول مقاومة شرا مؤذيا ، لكنه فشل في ضبط نفسه ، فوثب من مجلسه ، و مشي بخطوات واسعة في إتجاه غرفة إبنه ..
لحقت به "فريال" بسرعة ، بينما قالت "صفية" و هي ترمق "صالح" بنظرات محتقنة :
-إيه إللي إنت عملته ده ؟؟؟
صالح ببراءة مصطنعة :
-عملت إيه ؟!
°°°°°°°°°°°°°°°°°
في الطابق الثالث من القصر ، و الذي تقع به غرفة "عثمان" حيث إختارها بعيدا عن أنظار و آذان الجميع هنا ..
تركض "فريال" وراء "يحيى" و تترجاه بصوت خائف :
-عشان خاطري يا يحيى ، بالراحة عليه ، إنت عارف إنه ماعملش حاجة غلط ، أي راجل مكانه كان هيعمل أكتر من كده.
توقف "يحيى" بمنتصف الردهة الطويلة ، و إستدار لزوجته ، و صاح بها :
-إمشي يا فريال ، إنزلي تحت دلوقتي.
"فريال" برفض :
-لأ .. مش هسيبكوا مع بعض و إنت في الحالة دي.
"يحيى" بعصبية :
-يعني هعمل فيه إيه ؟ هضربه بالنار ؟ ماتقلقيش عليه يا حبيبتي و بعدين هو للأسف إبني أنا كمان .. ثم زفر بحنق ، و قال بشيء من الهدوء :
-إطمني يا ستي ، مش هعمله حاجة .. مابقاش عيّل صغير عشان أعاقبه يعني ، أنا هتكلم معاه بس.
نظرت إليه في تردد ، لكنها أذعنت لرغبته في الأخير ، و ولت تاركة إياه يذهب لغرفة "عثمان" بمفرده ..
فتح "يحيى" باب غرفة إبنه ، ليجدها غارقة في الظلام
إبتسم بسخرية ، ثم إتجه نحو الشرفة العريضة ، و أزاح الستائر عنها ، ليخترق ضوء النهار الزجاج المغلق ، و يزعج "عثمان" المستلقي علي وجهه فوق سريره الضخم ..
تململ "عثمان" مطقطقا عضلات ظهره العاري ، ثم فتح عيناه بروية كي يتمكن من رؤية الشخص الذي إقتحم عليه غرفته دون إستئذان
فوجد والده يقف أمام السرير أحمر الوجه غاضبا
تآفف "عثمان" بضجر و هو يقوم ليجلس نصف جلسة ، سقط الغطاء حتي وسطه عندما إستوي جالسا ، فظهرت عضلات بطنه السداسية الصلبة ..
-صباح الخير يا بابا .. قالها "عثمان" بلهجة ناعسة و هو يفرك وجهه بكفيه
ليرد "يحيى" بغلظة :
-صباح الزفت علي دماغك.
عثمان بإبتسامة هادئة و هو يومئ برأسه :
-ماشي يا بابا .. إتفضل حضرتك قول دلوقتي كل إللي إنت عايزه ، أنا جاهز لكلامك.
يحيى ببغض :
-يا بجاحتك يا أخي .. نفسي أعرف جايب البرود ده كله منين ؟!
عثمان بسخرية :
-و عايزني أتكدر ليه ؟ أنا عامل حاجة لا سمح الله ؟!
يحيى بلهجة حانقة :
-بعد كل إللي عملته ده و بتسأل ؟ أنا يا غبي مش إتفقت معاك و قلتلك كفاية تمضيها علي التنازل بس و بعدين تبقي تطلقها بعد فترة صغيرة ؟ إيه إللي خلاك تتصرف من دماغك ؟؟
عثمان و قد إنتابه الغضب :
-كنت عايزني أبقي ---- ؟ كنت عايزني ماخدش حقي و أرد كرامتي ؟ مش أنا إللي تيجي بت ----- زي دي و تعلم عليا ، أحمد ربنا إني إلتزمت بنص إتفاقنا و ماشربتش من دمها ، و الله لولا جيتلي إنت قبل ما أخدها و إمشي بعد الفرح و نبهت عليا لكنت دبحتها بإيدي و ماكنتش هاخد فيها يوم.
-و تضيع و توسخ إيدك ليه أصلا ؟ ماتستهلش.
عثمان و هو ينتفض بعصبية :
-لأ تستاهل .. لما تبقي مخطوبة لعثمان البحيري و تفتكر إنها إستغفلته و تروح تتـ---- علي كيفها تبقي تستاهل الدبح و الحرق كمان.
صمت "يحيى" بعد إفراغ "عثمان" شحنة غضبه الحبيسة ، و قد إلتمس له العذر الآن فقط ، إذ أدرك أن إبنه مجروح في صميم كرامته و كبريائه ، فلم يعد ليجادله مجددا ..
يحيى بهدوء :
-طيب يا عثمان .. و أديك خلاص عملت إللي إنت عايزه و إرتحت ، يا ريت بقي ماتتهورش تاني و كفاية كده.
عثمان و هو يلوي ثغره بسخرية :
-أنا عايزك تعرف بس إنها و لا حاجة بالنسبة لي ، أنا وافقت علي الجوازة بس عشانك إنت ، قولتلي نفوذ أبوها و بتاع ، و أهو دلوقتي أبوها بقي لا عنده نفوذ و لا نيلة بعد الفضيحة .. يعني مابقناش محتاجينه.
أومأ له "يحيى" ثم قال :
-ماشي .. قوم بقي خدلك حمام و ألبس هدومك و إنزل عشان نفطر سوا ، أنا لسا مافطرتش.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل "رشاد الحداد" .. يجلس أمامه في المكتب هذا الشاب المذعور ، الذي يرتجف خوفا بين الحين و الأخر
يشمله "رشاد" بنظره تقييم مشمئزة ، ثم ينطق بصوت غليظ :
-إنت غلطت غلطة عمرك لما فكرت تقرب من بنتي.
إزدرد الشاب ريقه بتوتر ، و قال بإرتباك و هو يتردد في النظر إلي عينيه الحادتين :
-و الله يا رشاد باشا أنا .. آا أنا بـ بحب چيچي ، بحبها بجد و عمري ما فكرت آذيها و آ ..
-إخرس .. قاطعه "رشاد" بغضب ، و أردف بحدة :
-إسمع ياض .. إنت هتتجوزها.
أومأ الشاب بسرعة :
-أتجوزها يا باشا.
رشاد بتهكم مرير :
-لحسن حظك إني عايز ألم الموضوع و أغطي عالفضيحة .. إنما في أي حالة تانية إنت ماكنتش هتبقي بالنسبة لي أكتر من كلب أقل واحد من إللي شاغلين عندي يضربك برصاصة واحدة في قلبك.
أقشعر بدن الأخير ، ببنما أكمل "رشاد" بلهجة أمر :
-تجيلي بكره الساعة 8 بالظبط عشان نتمم الموضوع و نعمل خطوبة.
-أنا تحت أمرك يا باشا.
رشاد بتوعد :
-عارف لو ماجتش !
الشاب و هو يقسم بإضطراب :
-هـ هاجي و رحمة أمي هاجي.
-إوعي يعني عقلك يوزك تخلع أو تهرب .. هتلاقيني جايبك من قفاك حتي لو طلعت سابع سما ، بس ساعتها بقي يا ويلك مني.
الشاب مؤكدا :
-ماتقلقش يا باشا ، أنا هاجي بكره في الميعاد.
رشاد بصرامة :
-أنا مش قلقان يا حبيبي .. إنت إللي لازم تقلق.
و هنا سمع طرق علي باب مكتبه ، فآذن بالدخول
ليدخل رجل ضخم الجثة يرتدي حلة سوداء ، و تبدو علي وجهه ملامح الإجرام ..
أصرف "رشاد" الشاب زوج إبنته المستقبلي و حبيبها السابق الذي تسبب في طلاقها ليلة زفافها ..
-اهلا عباس .. ها طمني ! عملت إيه ؟
عباس بصوته العميق :
-كله تمام يا باشا .. زي ما قلت لسيادتك كل حاجة بتمشي بالفلوس.
-يعني عملتها بنفسك ؟؟
-عملتها بإيديا الأتنين ، ماتقلقش.
رشاد بإبتسامة واسعة :
-يعني إنهاردة هسمع أخبار كويسة ؟!
-إن شاء الله .. إطمن حضرتك.
تنهد "رشاد" تنهيدة طويلة و هو يسترخي فوق مقعده و يتمتم لنفسه : " إن شاالله أجي أعزيك بنفسي بكره يا يحيى ، أومال إيه ؟ مش كنا نسايب ! "
و رفع رأسه مطلقا ضحكة مجلجلة ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في غرفة "صالح" .. كان يخاطب والده عبر الهاتف ، عندما تلقي إنذار بمكالمة جديدة ..
أبعد الهاتف عن أذنه ، و وضعه أمام عينيه ، ليري أسمها يضيء الشاشة
إنتفض من الفرحة ، و أستأذن من والده و أغلق معه سريعا ، ثم أجاب إتصالها ..
صالح بسعادة :
-صافي ! مش مصدق نفسي و الله ، هتشل من الفرحة ، إنتي بتكلميني فعلا ؟
صفية بفتور :
-صالح ..
-عيون صالح .. قالها بغزل ، لترد بحدة :
-هتتكلم عدل و لا أقفل في وشك ؟
قال بسرعة :
-لا لا لا خلاص خلاص ده أنا ما صدقت .. ثم سألها بإستغراب :
-بس إنتي بتكلميني بالموبايل ليه ؟ ما إحنا في نفس البيت يا حبيبتي ما تيجي ، و لا أجيلك أنا.
قال أخر كلماته بخبث حاول إخفاؤه ، لتقول هي :
-لأ ياخويا لا تجيلي و لا أجيلك ، أنا بس كنت عايزة منك خدمة هتعملها شكرا مش هتعملها بردو شكرا.
صالح بإهتمام :
-خدمة إيه يا صافي ؟ أنا أعملك كل إللي إنتي عايزاه طبعا ، قوليلي عايزه إيه ؟؟
-كنت عايزاك تروح المستشفي تجيبلي عنتر من هناك ، خلاص هو خلص تطعيم و المفروض يرجع بس أنا حاسة إني داخلة علي دور برد و مش قادرة أتحرك من السرير ، فـ Please تروح إنت ؟
صالح و قد تقهقر عن موقفه الشهم :
-عنتر ؟ .. عايزاني أنا أروح أجيبلك عنتر ؟ ماتقوليها أسهل يا صافي ، قولي إنك عايزه تخلصي مني ، أخرتها هتخلي حتة شبل يستفرض بيا و أكون العشا بتاع جنابه الليلة دي !
-ما تسترجل شوية يا صالح ، أديك قولتها بنفسك ، حتة شبل هيعملك إيه ؟ ده لسا بيبي أولا ، ثانيا هما في المستشفي هيسلموهلك بالقفص بتاعه يعني ماتقلقش مش هيتعشي بيك الليلة دي.
صالح بتردد :
-مش عارف .. مش مطمنلك يا صافي !
صفية بتآفف :
-أنت جبان أووي يا صالح.
أثارته بنعتها له بـ" الجبان" فقال :
-جبان ؟ .. طيـــب ، أنا هوريكي الجبان ده ، هاتي العنوان.
أخذ منها عنوان المشفي ، ثم إندفع للخارج قاصدا غرفة "عثمان"
إلا إنه قابله أعلي الدرج ، كان "عثمان" سينزل عندما إستوقفه صوت "صالح"
إلتفت له ، فقال الأخير و هو يقترب منه :
-عثمان .. إديني مفتاح عربيتك ؟
عثمان بإستغراب :
-مفتاح عربيتي ! إشمعنا ؟
-إنت ناسي إننا جينا مع بعض إمبارح بعربيتك.
-طيب .. أيه يعني !!
-هو إيه إللي يعني ؟ عربيتي سايبها هناك من إمبارح.
عثمان و هو يهز كتفاه بعدم إكتراث :
-أعملك إيه يعني ؟!
صالح بصبر :
-محتاج عربيتك نص ساعة ، هروح بيها مشوار و هرجع علطول.
-طب ما تروح بتاكسي يابني !
-يرضيك يعني صالح البحيري يركب تاكسي.
-أه و فيها إيه عادي ، بتحصل في أحسن العائلات.
صالح بضحكة صفراء :
-خفة .. إنجز يا عثمان ، بقولك عندي مشوار مهم.
عثمان بجدية :
-ماينفعش يا صالح أنا خارج دلوقتي.
صالح بفضول :
-رايح فين ؟؟
-مالكش دعوة.
-طب هات المفتاح بقي ، خليك جدع ، مش هتأخر و الله هي نص ساعة.
تنهد "عثمان" ثم قال بضيق :
-نص ساعة ، عارف لو إتأخرت ؟
-يا سيدي ماتخافش هي نص ساعة.
أعطاه "عثمان" مفتاح سيارته و هو يسأله :
-هتروح فين بقي ؟؟
صالح مستعملا نفس جملته السابقة :
-مالكش دعوة.
و هبط الدرج مسرعا ، بينما صاح "عثمان" بإبتسامة فاترة :
-مااااشي .. ليك يوم يابن عمي.
°°°°°°°°°°°°°°°°°
ينزل "صالح" إلي الكراچ ، و يعثر علي سيارة "عثمان" بسهولة ..
إذ تعد سيارته من أحدث و أغلي السيارات التي تم إنتاجها لهذا العام ، و هي لامبورچيني بسرعة 350 ميل/س ، و هي أيضا بمثابة طلقة نارية تشق الأجواء لدي الإنطلاق بها ..
إستقل "صالح" في كرسي القيادة ، شغل السيارة ، ثم تحرك بها بروية حتي خرج من الكراچ
أطلق بوقا تلو الأخر لتنفتح له بوابة القصر الضخمة التي تعمل إلكترونيا
و في الطريق ، مشي علي الوصفة التي أعطته إياها "صفية" إلا أنه نسي نصف العنوان تقريبا
فقلل من سرعة السيارة ريثما يخرج هاتفهه و يحدثها ، و لكن السيارة لم تستجب له ، بل إزادت من سرعتها
حاول "صالح" مرة ثانية ، و ثالثة ، و رابعة .. دون جدوي ..
لتصدر الإطارات صريخ إحتكاكها بالأسفلت ، عندما إنحرف "صالح" يمينا ليتفادي سيارة أخري ، بينما يدخل هو في الإتجاه المعاكس ، و بصورة سريعة يحدث الإصطدام بينه و بين تلك السيارة التي ظهرت أمامه فجأه !!!!!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الثالث 3 - بقلم Shaimaa Gonna
في الثامنة صباحا بتوقيت "باريس" .. تجلس فتاة في الثانية و العشرين من عمرها داخل غرفتها
كانت تتصفح أخبار الموضة و المجتمع عبر حاسوبها الخاص ، عندما دلف والدها حاملا صنية الفطور ..
"رفعت " بإبتسامة هادئة و هو يقترب من سريرها :
-لولا حبيبتي .. يلا سيبي إللي في إيدك ده و تعالي نفطر سوا.
إعتدلت "هالة" في جلستها ، ثم قالت و هي تبادله الإبتسامة :
-إيه ده يا بابي ! أنت إللي عامل الفطار بنفسك كمان ؟ أنا كنت فكراك نايم ، طب ليه ماقولتليش كنت حضرته بدال حضرتك !
-يعني أنا سيبتك لوحدك إسبوع بحاله محتاسة ، قلت أعوضك بقي بالفطار الملوكي ده .. و أعطاها كأس العصير مكملا :
-بس ماتاخديش علي كده ماشي ؟
هالة ضاحكة بسرور :
-ماشي يا بابي .. ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
-ها بقي .. قوليلي عملتي إيه في غيابي ؟؟
هزت كتفيها بخفة قائلة :
-و لا حاجة ، كنت بروح الجامعة كل يوم الصبح ، و كنت برجع أطبخ و أكل و أنام .. بس ، علي كده طول الإسبوع إللي سيبتني فيه.
-مش عارف بس مارضتيش تيجي معايا ليه ؟ رغم كل المصايب إللي حصلت ، بس كنتي هتغيري جو.
هالة و قد عاودها السرور بشدة ، فسألته بحماسة :
-قولي يا بابي .. هو صحيح عثمان طلق چيچي خلاص ، يعني طلقها بجد ؟!
-أيوه يا بنتي طلقها ، بقولك كانت فضيحة ، إنتي ماشفتيش الأخبار علي البتاع إللي في إيدك ده ؟ .. و أشار إلي حاسوبها ، لتجيبه بفرح :
-لأ شفت .. شفتها كلها يا بابي.
رفعت بنظرة شك :
-إنتي مالك مبسوطة كده ليه يا هالة ؟ .. لا تكوني لسا حاطة عثمان في دماغك.
رمقته في صمت و لم ترد ، ليتابع هو بصرامة :
-عموما لو كنتي بتفكري فيه فأنا بقي بقولك لأ مش هينفع ، بعد كل إللي عمله ده مستحيل أوافقك.
هالة بإنفعال مدافعة :
-ليه بس يا بابي ؟ هو كان عمل إيه يعني ؟ عثمان ماغلطش في حاجة ، رد فعله كان طبيعي جدا.
رفعت بحدة :
-عثمان إتجبّـر يا هالة .. شم نفسه و مابقاش يهمه حد ، إوعي تكوني لسا فكراه إبن عمك الطيب الظريف ، لأ ، ده إتغير و بطريقة بشعة .. صدقيني ، عثمان ماينفعكيش و لا ينفع أي واحدة غيرك كمان.
-بس أنا بحبه يا بابي .. قالتها بشرود دون وعي منها ، فزم "رفعت" شفتيه في أسف ، و قال :
-و هو ماعندوش إستعداد يحبك زي ما تحبيه .. مانتي كنتي قدامه يا حبيبتي .. و توقف فجأة عندما لمح بوادر دموعها ..
كوب وجهها بكفيه ، ثم قال بحنان أبوي :
-إنتي تستاهلي أحسن منه يا هالة !
و مسح علي شعرها برفق ، ثم تنهد بعمق قائلا :
-يلا بقي كملي فطارك و أنا هروح أشتغل في مكتبي شوية.
أومأت له و هي تعض علي شفتها السفلي بقوة لتكبت دموعها ، لكنه حالما خرج من الغرفة أطلقت لنفسها العنان و راحت تنتحب بمرارة في صمت ..
حتي رأت من وسط غيمة الدموع التي غشيت عيناها صورة أخيها تظهر فجأة علي الحاسوب
كانت صورة عادية ، إلتقطت له بإحدي المناسبات و هو يضحك بعفويته المعهودة ، لكنها إعتصرت جفناها بقوة لتري بوضوح الخبر الذي نـُشر علي صفحة المجتمع المصرية ..
" أحد أبناء عائلة البحيري يتعرض أمس لحادث سير عنيف جدا أثناء قيادته لسيارة فائقة السرعة إنحرف بها في الإتجاه المعاكس من الطريق السريع ، ترى هل الحادث مدبر ؟ أم أنه قضاء و قدر ؟ "
لم تعط لنفسها فرصة لتُصدم ، و صرخت بأعلي صوتها :
-صــــــــــااااااااااااااااااالح !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عودة للأسكندرية ... كان "عثمان" يجلس هناك علي بعد أمتار من غرفة العمليات
وجهه واجما ، مبهم التعابير ، لطالما كان بارعا في إخفاء مشاعره و إنفعالاته ، تلك ميزة يحسده عليها كل من عرفه و تعامل معه طوال حياته ..
كان يفكر في الحادث الذي تعرض له "صالح" و هو يقود سيارته الخاصة .. تساءل في نفسه .. تري من فعلها ؟ الإجابة لم تأخذ منه تفكيرا طويلا ، إذ أن المسألة واضحة تمام الوضوح ، ليس هناك غيره .. "رشاد الحداد" يريد أن ينتقم منه ..
كز علي أسنانه في غضب جم ، و تمتم لنفسه :
-بتحرجم علي إيه يا رشاد يا حداد ؟ .. لسا في كارت في إيدي ، أقسم بالله لأندمك .. بس أعرف الأول مين إللي دخل بيتي و فكلي الفرامل.
إنتبه "عثمان" لصوت جلبة بأخر الممر ، فأدار رأسه ليري والديه و شقيقته يهرعون نحوه و الفزع باديا علي وجوههم ..
قام من مكانه ، و تحضر لإستقبالهم بفتوره المعتاد
-في إيه عثمان ؟ ماله إبن عمك ؟ .. قالها "يحيى" بتساؤل ، و أردف :
-إحنا لسا شايفين الخبر في الجرايد ، و الصحافيين واقفين برا أد كده ، إنت إزاي ماتقولناش حاجة زي دي ؟ إزاي نعرف من الغرب ؟؟؟
نطق أخر كلماته بغضب ، ليرد "عثمان" بهدوء شديد لا يتناسب إطلاقا مع الموقف :
-ماحبتش أخضكوا ، عموما ماتقلقوش حالته مستقرة لحد دلوقتي.
-إيه يا أخي البرود إللي إنت فيه ده ؟ .. صرخت فيه "صفيه" و أكملت ببكاء :
-فين صالح ؟ رد عليا هو فين ؟ أنا السبب في إللي حصله .. لو ماكنتش طلبت منه يروح بدالي المستشفي إمبارح !
و إنهارت أكثر ، لتحاول "فريال" أن تهدئها
ضمتها إلي صدرها ، و أخذت تمسد علي شعرها و ظهرها بحنو ، بينما أخذ "يحيى" إبنه من يده و وقفا بعيدا ليتحدثا بسرية ..
يحيى بلهجة خافتة :
-عمل الحادثة بعربيتك .. إنت المقصود مش هو !
عثمان بنظرات غامضة :
-عارف .. و عارف كمان مين إللي وز عليا ، بس مش هسكت.
أحمـّر الأخير غضبا و هو يغمغم بإنفعال مكبوت :
-إنت مش هتعمل أي حاجة ، إحنا مش ناقصين ، كفايانا فضايح.
عثمان بغلظة و قد علا صوته :
-يعني إيه ؟ عايزني أطرمخ عالموضوع ؟ عايزني أسيب حقنا كلنا ؟ بلاش إحنا .. حق صالح المرمي جوا ده !
يحيى و هو يرمقه بنظرات محتقنة :
-أنا ماقلتش هنسيب حقه .. في حاجة إسمها قانون و إحنا مش قليلين في البلد.
أطلق "عثمان" زفرات حانقة و هو يشيح بوجهه عن أبيه ، بينما وضع "يحيى" يده علي كتف إبنه ، و ضغط بخفة و هو يقول بحزم :
-عايزك تهدا شوية و ماتتهورش ، نطمن بس علي إبن عمك و بعدين هنتصرف.
-أستاذ يحيى البحيري ؟!
إلتفت "يحيى" وراءه ليرد علي محدثه :
-أيوه أنا !
كان شرطيا وقف أمامه و خاطبه بلهجة رسمية مهذبة :
-أسف يافندم عارف إن مش وقته بس معلش لازم نفتح محضر بالحادثة دلوقتي .. و وزع نظراته بينه و بين "عثمان" مكملا :
-هما شوية أسئلة لحضرتك و لعثمان بيه.
أومأ "يحيى" بتفهم و قال :
-إحنا تحت أمرك يا حضرة الظابط.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل "سمر" ... إنه اليوم المنشود ..
منذ بزوغ النهار ، كانت في إنتظار مكالمة العمل التي وعدها بها "عثمان البحيري"
إستيقظت مبكرا قبل أخويها لأجل هذا ، و لكن كم هي محبطة الآن .. لم يدق جرس هاتفهها أبدا ، لم تصلها رسالة حتي ..
ماذا يعني هذا ؟ ألن يفي السيد "عثمان" بوعده لها ؟ ألن يعطها المنصب الذي أشار إليه ؟ هل كان يقول ذلك عبثا ؟ كان يتسلي ؟
حتما كان يتسلي .. إبتسمت "سمر" بسخرية ، و حدثت نفسها بخفوت : " كنتي فاكرة إيه يعني يا غبية ؟ معقول هيقبل يشغلك عنده في وظيفة زي دي ؟ .. كان بيضحك عليكي يا هبلة ، هو إتجنن يوظف سكرتيرة مش مدربة و معهاش شهادة خبرة ؟ كان بيقولك كده و خلاص .. إكتفي بإنه ساعدك بالمبلغ إللي خدتيه منه ، قال يحسن عليكي يعني ، عمره ما كان هيعمل أكتر من كده طبعا .. فوووقي ! "
عادت "سمر" لأرض الواقع عندما دق جرس هاتفهها ، إنتفضت في مكانها غير مصدقة ، و بيد مرتعشة إلتقطت الهاتف من فوق الطاولة أمامها
لكنها أصيبت بخيبة أمل كالعادة ، إذ كان المتصل ليس سوا شقيقها ..
-ألو يا فادي ! .. أجابت بلهجة فاترة متعبة ، ليأتيها صوت "فادي" من وسط ضجيج زحام و عدة أصوات متداخلة :
-أيووه يا سمر ! هاا طمنيني .. الناس بتوع الشركة دول كلموكي ؟
سمر و هي تحاول سماعه بوضوح :
-الناس بتوع الشركة ؟ .. لأ لسا محدش كلمني ، إيه يا فادي الدوشة دي ؟ إنت فين يابني ؟؟؟
أجابها بصعوبة :
-أنا دلوقتي داخل أستلم الكتب.
-داخل تستلم الكتب ؟ و هي الكتب عليها الإقبال شديد أوي كده ؟!
فادي متهكما :
-إقبال ؟ إقبال إيه يا حبيبتي ، ده في عركة هنا .. ثم قال بجدية :
-المهم قوليلي لسا محدش كلمك يعني ؟؟
سمر بحزن :
-قولتلك لسا !
-خلاص يا بنتي ماتزعليش ، أصلا الحمدلله كويس إنهم ماتصالوش أنا ماكنتش مرتاح للموضوع ده ، بكره أنا هدور علي شغل و مش هنحتاج لحد إن شاء الله.
-إن شاء الله.
-ملوكة عاملة إيه ؟
-كويسة أهيه نايمة في أوضتي.
-طيب مش عايزين حاجة أجيبها و أنا راجع ؟!
-لأ يا حبيبي ترجع بالسلامة .. و تبادلا السلام ، ثم أغلقا معا ..
تنهدت "سمر" تنهيدة مطولة مثقلة بالحزن و العجز اللذين تشعر بهما منذ وقت طويل ، و أخذت تفكر في سبيل جديد تسعي إليه لسداد إحتياجات كلا من "ملك" و "فادي"
حيث أنهما أغلي ما تملك في الحياة ، و من أجلهما هي علي أتم الإستعداد بأن تلقي بنفسها في نار السعير ، لم تعد تفكر في حالها كما في السابق قبل أن يتوفا والديها
لقد زهدت حياتها و أوهبتها كلها لرعاية شقيقيها ، لم تعد تفكر في الإرتباط أو الزواج ، ببساطة لأن إمكانياتها محدودة إن لم تكن معدومة !
لتوفر المال لأخيها و أختها .. هما بحاجة إليه أكثر منها ، لتضحي لأجل سعادتهما ، حتما ستحصد نتائج مرضية بالنهاية و لن تندم ..
هذا كان تفكيرها في البادئ و ما رتبت عليه مخططاتها المستقبلية أيضا ، "ملك" و "فادي" أولا ، ثم نفسها ، و لكن حتي نفسها تأخذ منها بحدود معينة و لا تجور يوما علي حقوق أخويها ..
صدح فجأة صراخ "ملك" مدويا بالأجواء ، فقامت "سمر" و هرعت إليها بسرعة
كانت الطفلة تبكي بصراخ متألم و هي تتلوي في سريرها الصغير ، بينما إنحنت "سمر" فوقها لتري ما بها
مسحت علي شعرها القصير الأملس في لطف ، و تمتمت بعذوبة :
-إيه يا لوكا .. مالك يا حبيبتي ؟ بتعيطي جامد كده ليه ؟ .. إنتي جعانة ؟ ها ! أحضرلك أكلك ؟
أزادت "ملك" من وتيرة بكائها ، لتعبس "سمر" بضيق و هي تمسح لها دموعها ، ثم تحملها بين ذراعيها
راحت تهدئها و تؤرجحها و هي تقبل وجنتها الحمراء المكتنرة بخفة .. فإنتبهت بذعر لدرجة حرارتها المرتفعة عندما لامست بشرتها الملتهبة بشفتيها ..
أمسكتها بإحكام و هي تضعها بين صدرها و ذراعها الملتف حولها ، ثم رفعت ذراعها الأخر و تحسست وجهها الصغير بكفها ..
-يا خبر ! .. همست "سمر" في هلع ، و تابعت :
-حرارتك عليت كده إزاي و ليه ؟ فيكي إيه بس يا ملك ؟ كل شوية بتتعبي !
و عادت بها إلي الصالة حيث تركت هاتفهها هناك ، أجرت الإتصال بـ"فادي" مرة ، إثنان ، ثلاث .. لكنه لم يرد ..
فلم تجد أمامها حلا أخر ، إرتدت ملابسها بسرعة ، و أخذت شقيقتها و نزلت من البيت متجهة إلي المشفي ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
-يعني إيه عنده حصانة و محدش يقدر يقرب منه ؟ .. قالها "عثمان" بعصبية و هو يجادل الشرطي الواقف أمامه
ليرد الأخير بهدوء :
-عثمان بيه إنت سيد العارفين .. رشاد الحداد عضو مجلس شعب و عليه حماية مش من السهل يتوجهله إتهامات.
عثمان و هو يصيح بغضب شديد :
-يعني إيه ؟ بقولك هو السبب في الحادثة ، هو إللي بعت كلابه يفكولي فرامل عربيتي و لو كنت ركبتها قبل صالح كان زماني مكانه دلوقتي !
-حضرتك عندك دليل علي كلامك ده ؟
عثمان بإنفعال :
-واحد عضو مجلس شعب زي ما بتقول بيني و بينه عداوة عشان فضحته هو و بنته و طلقتها ليلة الدخلة ، في أدلة أكتر من كده ؟ في أسباب أقوي من دي تخليه عايز يقتلني ؟؟؟
آتي "يحيى" الذي كان يتحدث في هاتفهه بعيدا ، تدخل مهدئا إبنه و هو يقول :
-خلاص يا عثمان ، إهدا هنشوف حل .. ثم توجه إلي الشرطي بصوته الخشن :
-طب إحنا دلوقتي مابنتهمش حد غيره يا حضرة الظابط ، إيه العمل بقي ؟ هتقفلوا القضية عشان عنده حصانة و عليه حماية ؟؟؟
هز الشرطي كتفيه قائلا في حيرة :
-في الحالة دي الموضوع أكبر مني أنا .. الباشا رئيس النيابة ممكن يتدخل و يطلع أمر رسمي بإحضاره للإستجواب ، لكن أنا أو بقية زمايلي محدش فينا يقدر يهوب ناحيته.
يحيى بإقتضاب :
-طيب .. شكرا يا حضرة الظابط ، أقفل المحضر بتاعك بقي علي كده و أنا بنفسي هطلع بكره علي النيابة.
و بعد ذهاب الشرطي ، وقف "يحيى" أمام "عثمان" الثائر الملامح و قال له :
-عمك عرف !
عثمان هو يسأله بإهتمام :
-و قالك إيه ؟؟
-حجز علي أول طيارة طبعا و زمانه جاي هو و هالة .. كان بيكلمني و هو حالته صعبة أوي و قالي ننقل صالح لمستشفي خصوصي.
عثمان بتأفف :
- مش لما يفوق الأول ! هننقله دلوقتي إزاي ؟ هو أي كلام و خلاص !
-يابني مش أي كلام و لا حاجة ، هو أب و خايف علي إبنه.
رمقه "عثمان" بنظرة عابثة ، ثم تجاوزه و مضي بطريقه ..
-رايح فين ؟ .. صاح "يحيى"متسائلا ، ليجيبه بجمود دون أن يلتفت :
-رايح أشم شوية هوا لو حصل حاجة إبقي كلمني.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
أخذ "عثمان" المصعد و هبط إلي الطابق الأول ، مر علي قسم الطوارئ ، و كاد يخرج
لكن صوت شخص ما إستوقفه ..
-يعني إيه ماعندكوش مكان ليها ؟ أنا داخلة مستشفي حكومية مش خاصة ! بقولك أختي حرارتها عالية لو فضلت كده هتموت.
-الصوت ده أنا عارفه ! .. قالها "عثمان" لنفسه ، ثم إلتفت ليتأكد مش شكوكه ..
حملق فيها بدهشة و في هذه الطفلة الباكية التي إحتضنتها بقوة ، و راقب كيف هددت عاملة الإستقبال بنفس الحدة التي إستعملتها معه من قبل :
-إنتي لو مادخلتنيش أنا و هي دلوقتي حالا أنا هوديكي في ستين داهية و مش إنتي لوحدك ، إنتي و كل المسؤولين عن الهبابة دي.
-أنسة سمر ؟!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الرابع 4 - بقلم Shaimaa Gonna
إلتفتت "سمر" وراءها بوجه عاصف لتري الشخص الذي نادي بإسمها
لتتسمر بمكانها فجأة و تتبدل ملامحها الثائرة إلي أخري ذاهلة ..
-أسـ أستاذ عـ عثمان ! .. قالتها بشيء من الإضطراب و قد أربكها ظهوره المفاجئ أمامها ، ثم أردفت بإستغراب :
-حضرتك إيه إللي جابك هنا ؟
عثمان و هو يجيبها بإسلوبه اللبق الذي نادرا ما يستخدمه في تعاملاته مع الآخرين :
-إبن عمي عامل حادثة و كل العيلة هنا .. إنتي بقي إيه إللي جابك هنا ؟؟!
إنتبهت "سمر" إثر سؤاله للسبب الرئيسي الذي جاءت من أجله إلي هنا ، فشددت ذراعيها الملتفين حول شقيقتها و أجابته :
-أختي حرارتها عليت فجأة ماعرفش ليه ! فخدتها و جريت بيها علي هنا .. ثم أطرقت رأسها في تخاذل ، و أكملت :
-بس بيقولولي مالهاش مكان !
عثمان عاقدا حاجبيه في إستنكار :
-مين إللي قالولك ؟؟؟
-الأنسة دي .. و أشارت له برأسها نحو موظفة الإستقبال
ليتجاوزها "عثمان" و يتوجه إلي الموظفة بصوته الغليظ :
-لو سمحتي يا أنسة ، معانا طفلة هنا حرارتها عالية ، محتاجين دكتور ، يا ريت تطلبيلنا حد دلوقتي حالا.
الموظفة بهدوء مستفز :
-أسفة يافندم ، الأماكن هنا كلها مشغولة و الدكاترة كمان مشغولين.
عثمان و هو يتبجح برعونة مستهجنة :
-يعني إيه حضرتك ؟ بقولك البنت حرارتها عالية و إنتي ملزومة تدخلينا و تستدعيلنا دكتور يشوفها كمان.
الموظفة ببرود :
-و الله أنا ليا في إللي في شايفاه قدامي ، مافيش أماكن فاضية و مافيش دكاترة متوفرين حاليا ، أديك حضرتك شايف قسم الطوارئ و المستشفي كلها زاحمة إزاي !
إرتعشت شفتيه المزمومتين من الغضب ، ليستدير في اللحظة التالية نحو "سمر" قائلا بإقتضاب آمر :
-إتفضلي معايا يا أنسة سمر ، هنروح مستشفي تانية .. ثم عاد ينظر إلي الموظفة ثانيةً ، و قال بحدة شديدة :
-إحنا ماشيين يا أنسة ، بس أوعدك الموقف ده مش هيعدي علي خير أبدا ، و بالذات عليكي إنتي.
و غادر "عثمان" المشفي كلها بخطواته المتغطرسة مصطحبا في إثره "سمر" و أختها الصغيرة ..
بينما أتت موظفة الإستقبال الثانية ، و سألت زميلتها :
-في إيه يا بنتي ؟ كنتي بتتخانقي مع مين ؟؟
الموظفة الأولي بعدم إهتمام :
-ماكنتش بتخانق و لا حاجة .. أهو ناس زي إللي بنشوفهم كل يوم سايبين العيادات و مستخسرين ڤزيتة الدكتور و جايينلنا إحنا هنا يقرفونا عشان مستشفي زفت حكومية.
الموظقة الثانية و هي تشهق بصدمة :
-ناس زي إللي بنشوفهم كل يوم إيه يا مجنونة ؟ إللي إنتي وقفتي تقاوحي فيه ده عثمان البحيري إبن يحيى بيه البحيري الشاب إللي عمل الحادثة و جالنا إمبارح يبقي واحد من عيلتهم.
الموظفة الأولي بإستخفاف :
-مين الناس دول يعني ؟ صحاب المستشفي مثلا ؟!
الموظفة الثانية بإستنكار :
-ماتعرفيش عيلة البحيري ؟ و بتتريقي كمان ؟ دول يشتروكي و يشتروا المستشفي باللي فيها ، محدش في إسكندرية مايعرفهمش و إللي برا إسكندرية كمان ، ناس كبار و إيديهم طايلة و أقدم عيلة هنا.
هزت الأخيرة كتفاها بلا إكتراث قائلة :
-كبار و إيديهم طايلة علي نفسهم .. و علي كل حال الدنيا مش سايبة.
-إدعي ربنا بس مايحطكيش في دماغه و ينسي إللي حصل ، عثمان البحيري ده مش سهل أبدا ، أكتر واحد شراني في عيلته و محدش بيهمه لسا مطلق مراته بنت رشاد الحداد نايب الأنفوشي يوم فرحهم و ماهمتوش الفضايح.
-شراني علي نفسه بردو ، و يلا بقي علي شغلك و سيبيني أشوف شغلي أنا كمان .. قالت الفتاة في لامبالاة ، إلا أنها لم تنكر القلق الذي أخذ يتسرب بأعماقها ..
-ربنا يستر .. تمتمت لنفسها ، ثم عادت إلي العمل مجددا ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في مطار القاهرة ... تصل الرحلة القادمة من مطار "باريس" و تهبط الطائرة تدريجيا علي الأراضي المصرية الموّقرة ..
تنفتح البوابة ، لينزل منها "رفعت البحيري" و معه إبنته "هالة" التي لم تكف عن البكاء منذ علمت بخبر الحادث الذي وقع لأخيها
يقطعا تذكرتان إلي الأسكندرية ، و فورا يكونا علي متن رحلة أخري ، ليصلا في زمن قياسي جدا ..
بعد نصف ساعة فقط ، كانا خارج ساحة مطار الأسكندرية ، ركبا سيارة فخمة شيعت مخصوصا بسائقها لأجل إستقبالهما بأمر من "يحيى البحيري"
وصل بهما السائق أمام بوابة المشفي في غضون خمسة عشر دقيقة ، صعدا إلي الطابق الثالث حيث "صالح" هناك بغرفة العمليات ..
كان "يحيى" واقفا بمنتصف الردهة جامد الوجه ، متوتر الجسد عندما هرول نحوه "رفعت" هاتفا بلهجة مختلجة :
-إبني ماله يا يحيى ؟ صالح جراله إيه ؟؟؟
إعتدل "يحيى" في وقفته و إستعد لمواجهة شقيقه ..
-إبني فين يا يحيى .. تساءل "رفعت" بحدة ، ليرد الأخير بهدوء حذر :
-إهدا يا رفعت .. ماتقلقش صالح بخير.
رفعت بإنفعال :
-بخير ! بخير إزاي و هو بقاله 12 ساعة في العمليات ؟ إنت شايفني عبيط قدامك ؟!!
يحيى و هو يجيبه بسرعة :
- لأ لأ خلاص هيخرج دلوقتي الدكتور لسا مطمنـ آا ..
-إسمع يا يحيى .. صاح "رفعت" مقاطعا ، ثم تابع بعنف شديد :
-إبني لو حصله حاجة مش هسامحك ، إبني لو ماخرجش من هنا علي رجليه لا إنت أخويا و لا أعرفك.
عبس "يحيى" في حزن ، و قال :
-ماتخافش يا رفعت .. إبنك هيخرج من هنا بالسلامة إن شاء الله !
و هنا ، فـُتح باب غرفة العمليات ، ليخرج الطبيب أولا ، ثم "صالح" خلفه ملقي فوق التورللي ، ملفوفا بالشاش و الجبس في معظم أجزاء جسده ..
ركضت نساء العائلة صوبه في الحال ، بينما توجه كلا من "رفعت" و "يحيى" نحو الطبيب ..
-طمني يا دكتور أرجوك .. قالها "رفعت" برجاء ، و أردف :
-إبني عامل إيه ؟ بقي كويس صح ؟؟؟
الطبيب بأرق و هو يخلع الكمامة المعقمة عن وجهه :
-إطمن يافندم .. إبن حضرتك بخير ، أنا خرجت من شوية و طمنت يحيى بيه .. هو بلغ حضرتك باللي قولتهوله ؟!
نظر "رفعت" بريبة إلي شقيقه الذي تلعثم قليلا هو يقول بإرتباك :
-آا ي دكتور أنا بـ برجح إن حضرتك تشرحله بنفسك أحسن !
تنفس الطبيب بعمق ، ثم قال بلهجته العذبة المنمقة :
-طيب .. شوف يافندم ، هي معجزة إننا قدرنا ننقذه ، إبن حضرتك إنكتبله عمر جديد بفضل الله ، طبعا مافيش شك إن الحادثة كانت قاسية جدا .. عشان كده للأسف حصلتله شوية مضاعفات !
تجمدت ملامح "رفعت" و جف حلقه فجأة ، فإزدرد ريقه بصعوبة ، ثم سأله بصعوبة بصوت مبحوح :
-مضاعفات ؟ .. مش فاهم يا دكتور !!
عض الطبيب علي شفته ، و إستغرق منه الأمر لحظات قبل أن يجد طريقة ملائمة ليخبره بما حل بإبنه ..
الطبيب بتمهل و لطف :
-شوف حضرتك .. بصراحة إبنك إتعرض لشرخ بسيط في عموده الفقري ، الشرخ ده هسيببله إعاقة لفترة معينة !
بـُهت "رفعت" و قد ألجمت الصدمة لسانه .. لكنه نطق بثقل :
-يعني إيه يا دكتور ؟ .. تقصد إنه .. إتشل ؟؟؟
-مش بالظبط كده .. قال الطبيب بحيرة ، ثم تنهد و أكمل :
-هو فعلا مش هيعرف يمشي في الأول بس في علاج طبيعي هنتابعه لما يقوم بالسلامة.
-و العلاج ده هيجيب نتيجة ؟؟
-أه طبعا هيجيب .. بس !
يحيى بوهن :
-بس إيه ؟
أجاب الطبيب و هو يتهرب من النظر في عينيه :
-جايز الفترة تطول .. كله بأمر ربنا ! .. ثم إستأذن بسرعة ليذهب :
-عن إذنكوا هروح أشوف المريض.
ظل "رفعت" واقفا بمكانه كما هو ، تماما كالصنم ، حتي توجه "يحيى" إليه بالقول :
-رفعت .. إطمن ، و الله هيبقي كويس.
أدار "رفعت" رأسه و أخذ يرمقه بنظرات حاقدة ، ليجفل "يحيى" بتوتر و يزم شفتيه في ضيق ، لكنه عاد يقول و هو يحتضنه بأخوّة :
-إن شاء الله هيبقي كويس.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في إحدي العيادات الخاصة ، و المتخصصة لعلاج الأطفال ..
فرغ الطبيب المسن من الكشف علي "ملك" ثم نزع سماعته الطبية و هو يداعب ذقنها بلطف قائلا :
-سلامتك يا جميلة ، إنتي زي الفل ، إضحكي بقي و ماتكشريش تاني خالص.
إستجابت الصغيرة لمداعبته التحببية ، و راحت تكرر بصوتها الطفولي الرنان ، لتبتسم "سمر" و هي تعدل لها ملابسها ، بينما يقف "عثمان" وسطهم يراقب ما يحدث بإبتسامته الفاترة الدائمة ..
جلس الطبيب الوقور خلف مكتبه ، لتحمل"سمر" أختها ، و تعود ثانيةً لتجلس أمامه ، و تسمعه و هو يقول بجدية :
-شوفي حضرتك .. مبدئيا الأعراض إللي عند أختك عادية جدا بالنسبة للأطفال إللي في سنها ، التقلصات المعوية حاجة شائعة جدا في الفترة دي بالنسبة لها ، لكن السخونة و الكحة إللي بتشتكي منهم دول حاجات محتاجين نعمل عليهم تحاليل ، و علي حسب بقي لو قالت التحاليل هتخف بالعلاج يبقي خير و بركة ، إنما لو حاجة تانية لا قدر الله هنشوف ساعتها ممكن نعالجها إزاي !
سمر بصدمة :
-قصدك إيه يا دكتور ؟ هي ممكن يكون عندها إيه ؟!
-أنا مش عايزك تتخضي .. بصي هي بوادر إلتهاب رئوي بس هنحاول نعالجها قبل ما الموضوع يتطور أكتر .. ثم شرع في كتابة روشتة و هو يتابع :
-أنا هكتبلها علي أدوية مهمة و هكتبلك إنتي مواعيد كل دوا ، و هاخد منها عينة دم دلوقتي و إن شاء الله أشوفها الأسبوع الجاي زي إنهاردة.
إنتهت جلسة الكشف بعد أن أخذ الطبيب عينة من دم "ملك" لتخرج "سمر" من البناية الراقية برفقة "عثمان" و هي تحمل شقيقتها غير قادرة علي محو علامات الوجوم المرتسمة علي وجهها ..
أعادها صوت "عثمان" إلي أرض الواقع حين سألها بلطف :
-أنسة سمر ! .. إنتي كويسة ؟!
إنتبهت إليه قائلة :
-هه ! أه .. شـ شكرا أوي يا عثمان بيه ، بجد أنا مش عارفة أشكرك إزاي علي كل إللي عملته معايا أنا بقيت مديونالك بكتير أوي.
عثمان بعتاب مصطنع :
-عيب كده يا أنسة سمر ، أنا ماعملتش أي حاجة ، و بعدين دي حاجات بسيطة جدا.
سمر بإبتسامة رقيقة :
-حاجات بسيطة إيه بس ؟ دي الڤزيتا لوحدها بتاعة الدكتور ده أكتر من المبلغ إللي أخدته من حضرتك قبل كده ، أنا بإذن الله هردلك كل ده قريب بس عمري ما هقدر أردلك لطفك و كرمك معايا.
عثمان و هو يعبس بضيق :
-بجد هزعل منك يا أنسة سمر ، أختك زي أختي بالظبط أنا قمت بواجب طبيعي .. ثم قال بخبث :
-و لو إن الدكتور فوق إفتكرها بنتي .. أنا ماحبتش أصلحله الغلط لإني بجد حبيت ملوكة أوووي و من هنا و رايح خلاص هعتبرها فعلا زي بنتي.
و مد يده و ربت علي خد الصغيرة بلطف ، لتحمـّر "سمر" خجلا و هي تقول :
-حضرتك كل شوية بتكسفني بكرم أخلاقك أكتر .. مش عارفة أقولك إيه !!
عثمان بإبتسامته الجذابة :
-ماتقوليش حاجة .. أنا إتبسطت لما شوفت ملك إنهاردة ، و إن شاء الله في معاد الإستشارة الجاية هاجي معاكوا تاني.
سمر ضاحكة بخفة :
-لأ إستشارة جاية إيه ! مافيش الكلام ده ، كفاية أوي كده علي حضرتك ، أنا هبقي أخدها أوديها لدكتور تاني تكون الفزيتا بتاعته أقل شوية.
-كلام إيه ده يا أنسة سمر ! ماينفعش تسيبي دكتور خلاص شخـَّص حالة أختك و تروحي لواحد غيره لسا هيشخص من أول و جديد ، ماينفعش.
-بس آا ..
-مافيش بس .. قاطعها بصرامة ، و أكمل :
-الأسبوع الجاي زي إنهاردة هجيبكوا بنفسي لحد هنا و هحضر الإستشارة كمان.
إبتسمت "سمر" و قالت بإستسلام :
-خلاص .. إللي تشوفه حضرتك !
رد لها الإبتسامة و هو يقول :
-أيوه كده .. و يا ريت ماتنسيش معاد شغلك من بكره ، و بعتذرلك تاني بالنيابة عن شيري ، إحنا كنا ملخومين في إبن عمي زي ماقلتلك و كل حاجة عندنا واقفة من إمبارح.
-لا أبدا مافيش حاجة ربنا يقومه بالسلامة.
-أمين .. طيب ، يلا بقي عشان أوصلكوا.
سمر بحرج :
-يا خبر .. كمان !
عثمان بإصرار :
-أيوه .. إنتي ساكنة فين ؟؟؟
-عند محطة الرمل كده !
أومأ مرارا و هو يقول مبتسما :
-تمام ، إتفضلي بقي .. و أشار لها لتتقدمه نحو سيارته المصفوفة أمامهم
ففعلت ذلك علي إستحياء ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
-ما أنا مشغل معايا شوية أغبية ! .. قالها "رشاد الحداد" بصياح غاضب دوي عاليا بأرجاء حجرة مكتبه ، ليرد عليه أحد رجاله بحذر شديد :
-طب و إحنا ذنبنا إيه بس يا رشاد باشا ؟ مافيش حاجة بتخفي عن الصحافة ، و بعدين كل المعلومات إللي إتنشرت دي خدوها من المستشفي.
رشاد بإنفعال :
-ما إنتوا لو رجالة عدلين ماكنتوش سمحتوا لشوية كلاب تعلي صوتها علينا .. ثم إلتفت إلي المدعو "عباس" الذي كلفه بمهمة إغتيال "عثمان" بدلا من "صالح" :
-و إنت يا عباس بيه .. فين نتايج خطتك إللي ماتخرش المايه ؟ بجد خيبت أملي فيك !
عباس عاقدا حاجبيه في إنزعاج :
-أنا ماليش ذنب يا باشا ، أنا عملت المطلوب و لو ماكتش إبن عمه هو إللي طلع بالعربية كنت هتسمع خبره زي أمرت.
رشاد بتهكم :
-طيب و ليه ماسمعتش خبر إبن عمه لحد دلوقتي يا مستر عباس ؟ ده كمان في ناس كلموني و قالوا إنه خرج من العمليات و بقي زي الفل.
بـُهت "عباس" و ما عاد للكلام جدوي أمام تصريحات "رشاد" الأكيدة ..
-إخفوا من قدامي .. هتف "رشاد" بحدة ، و تابع :
-مش عايز أشوف واحد فيكوا لحد ما الموضوع ده ينتهي ، أنا أسف إني إعتمدت عليكوا.
أطرقوا رؤوسهم جميعا و هم ينسحبون الواحد تلو الأخر من مكتبه ، بينما إستدار هو بعنف ، و ضرب الطاولة بقبضته المضمومة و هو يتمتم من بين أسنانه :
-فلت من إيدي المرة دي يابن يحيى .. بس و الله ما هسيبك !
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الخامس 5 - بقلم Shaimaa Gonna
وصلت "سمر" إلي بيتها أخيرا بعد أن أطمئنت علي "ملك" و تعرفت علي أسباب علتها ..
أمسكت "ملك" بيد ، و باليد الأخري أدارت المفتاح في القفل ، ثم دفعت الباب و دخلت و هي تتنفس بصورة غير منتظمة بسبب درجات السلم الكثيرة التي صعدتها ..
أغلقت الباب بروية ، و أستدارت لتنظر في عمق الصالة
بالطبع .. كان "فادي" هناك ، واقفا في محاذاة الحائط قبالتها ، في الظل وراء باب النافذة المفتوحة ..
كان ينظر إليها صامتا ، وجهه جامد قاسٍ و جسده متوتر
لم يصعب عليها كثيرا فهم أنه شاهدها من خلال النافذة و هي تترجل من سيارة "عثمان" هذا بدا واضحا جدا من نظرات العنف و الإتهام المنطلقة كالأسهم من عينيه ..
إنقبضت في إنتظار السيل الجارف من اللوم و الإهانات
لكنه لم يأت بحرف ، بقي متفرسا في وجهها ، توقعت أنه لا يقو علي الكلام من شدة الغضب ، فباشرت هي بتبرير ما قامت به ..
سمر و هي تقول بإبتسامة مرتبكة :
-فادي ! .. إنت رجعت يا حبيبي ؟ أنا إتصلت بيك كذا مرة قبل ما أنزل عشان أقولك إن ملك سخنت فجأة بس إنت ماكنتش بترد ، فإضطريت أخدها أنا علي المستشفي .. و ألقت نظرة نحو الطاولة في الوسط حيث نسيت هاتفهها ، و تابعت :
-بس نسيت الموبايل هنا .. أسفة ، أكيد إنت إتصلت بيا كتير !
سمعت صدي حشرجة في حنجرته ، لكن بقيت ملامحه علي حالها ، إلي أن تحرك أخيرا و قال بهدوء شديد يختبئ ورائه غضب عظيم :
-سمر .. يا ريت من فضلك تشرحيلي دلوقتي حالا مين الشخص إللي جابك لحد البيت بعربيته ده ؟ و إيه هي علاقتك بيه بالظبط ؟؟؟
أخذت تتنفس بسرعة ، بينما إتسعت عيناه و كانتا باردتان و قاسيتان جدا ..
-علاقة إيه و زفت أيه ؟ .. صاحت بصوت عالٍ ، و أردفت بغضب :
-هو أنا لاقية آكل و لا آكلوكوا لما هروح أعمل علاقات ؟ إنت إتجننت ؟؟!
فادي بعصبية و هو يقترب منها :
-أومال تفسري إللي لسا شايفه بعنيا ده بإيه ؟ تفسري بإيه ركوبك عربية زي دي مع واحد زي ده ؟ و بعدين مين ده أصلا ؟ عرفتيه منين ؟؟؟
-ده يبقي صاحب الشغل يا مجنون .. أجابت بصراخ ثائر :
-ده يبقي عثمان بيه إللي حكيت لسيادتك عنه ، ده يبقي الإنسان الوحيد إللي وقف جمبنا و ساعدنا بعد ما كل الناس جم علينا و ظلمونا ، و شوف كمان .. و رفعت كيس الآدوية التي أوصي بها الطبيب لشقيقتها ، و أكملت :
-أصر إنه يشتري الدوا لملك رغم إنه دفع حق الكشف عند أكبر دكتور أطفال هنا في إسكندرية !
فادي متسائلا بحدة :
-و هو إيه إللي يخليه يعمل معانا كل كده أساسا ؟ عاشقنا في الضلمة !! .. نطق جملته الأخيرة بتهكم لاذع ، ثم قطب بإستغراب مكملا :
-و بعدين تعالي هنا ؟ إنتوا إتقابلتوا إزاي ؟ لما هو ماكلمكيش عشان تروحي تستلمي الوظيفة إللي قالك عليها ! شوفتيه إزاي ؟؟!!
تنهدت "سمر" بضيق ، لكنها حكت له كل ما حدث ، بدءاً من عراكه مع موظفة الإستقبال بالمشفي ، و حتي عودتها إلي هنا بعد أن قام بتوصيلها ..
-أنا بردو مش مقتنع ! .. قالها "فادي" بعدم إقتناع ، و أردف بشك :
-بيعمل معاكي إنتي بالذات كده ليه ؟ .. إشمعنا إنتي يعني ما المحتاجين كتير !!
سمر بسخرية :
-و إنت إيش عرفك إنه مش بيعمل كده مع ناس كتير ؟ عمرك ما شفت حد بيعمل خير مع ناس كتير ؟!!
لم يرد و ظل ينظر إليها في عدم إقتناع ..
فأدارت عيناها بضيق و هي تطلق زفرة حانقة ، ثم إختفت من أمامه بسرعة متجهة إلي غرفتها ، و أخذت "ملك" معها ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في مستشفي الأسكندرية العام ..
يعود "عثمان" إلي هناك و يصعد للطابق الثالث ، ليخبره المسؤول عن الدور بأنه تم نقل "صالح" إلي غرفة عادية لإستكمال العناية به ..
ذهب "عثمان" إلي غرفة رقم (407) حيث أرشده المسؤول ، ليجد أنها ليست غرفة بالمعني الحرفي ، و إنما هي مجرد عنبر كبير إكتظ بالمرضي بمختلف أنواعهم
رجال ، نساء ، و أطفال ..
وقف مشدوها للحظات يحدق في كمية الإهمال و المناظر المريعة الممتدة أمام ناظريه ، لكنه ما لبث أن راح يبحث بعيناه عن أفراد عائلته وسط هذا الكم الهائل من الناس
وجدهم بصعوبة .. هناك ، جمعيهم يقفون بركن قاصي من العنبر ملتفين حول سرير معين .. لابد أنه السرير الذي يرقد عليه "صالح" ..
-مساء الخير يا جماعة ! .. قالها "عثمان" و هو يقترب بخطوات واسعة ثم يقف بجوار والده الذي ما أن رآه حتي صاح به :
-إنت كنت فين يا بني آدم من الصبح ؟ و بكلمك قافل تليفونك ليه ؟ إزاي تسيبنا في موقف زي ده ؟؟؟
عثمان بفتوره المعتاد :
-كان ورايا مشوار مهم خلصته و رجعت علطول أهو .. ثم توجه بالنظر نحو عمه و "هالة" و قال :
-حمدلله علي السلامة يا عمي ، حمدلله علي السلامة يا هالة.
تجاهله "رفعت" متعمدا و أدار وجهه للجهة الأخري ، لكن "هالة" لم تفعل ..
هالة بصوتها الرقيق و المغلف بالحزن :
-الله يسلمك يا عثمان .. إزيك ؟
-تمام الحمدلله .. قالها بإبتسامة قصيرة ، ثم عاد إلي والده و قال و هو يصوب نظره نحو "صالح" الموارى تحت طبقات من الجبس و الشاش :
-إنتوا إزاي لسا مستنين هنا ؟ إزاي ما طلبتوش نقله لمستشفي خاصة ؟؟!
"يحيى" بنظرة عابثة :
-و إحنا كنا مستنين رأيك مثلا ؟ عملنا كده يا حبيبي ، حجزناله أوضة في أحسن مستشفي و خلاص عربية الإسعاف علي وصول.
أومأ "عثمان" متجاوزا رنة الإستهزاء في نبرة والده ، ثم إستأذن منهم لدقيقة و خرج أمام العنبر ليجري مكالمة خاصة ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل "رشاد الحداد" .. داخل حجرة الطعام
يترأس المائدة كعادته بوقاره و هيبته الطاغية ، إبنتيه تجلسان معه ، الكبيرة علي يمينه ، و الصغيرة علي شماله ..
يتم الغداء في جو صامت متوتر ، لا يُسمع خلاله سوي أصوات الملعاق و بقية آدوات الطعام و هي تحتك بالصحون و الأطباق ..
يرن هاتفهه فجأة ، فيخرجه من جيب سترته و ينظر إلي إسم المتصل ... "عثمان البحيري" !!!
تصلبت عيناه عند رؤيته للإسم ، و لاحظت إبنتيه جمود تعابير وجهه
لكنه أعطي أمر بالتحفز لجميع حواسه ، و أجاب بنبرة تحدٍ :
-أهلا بالغالي !
صمت قصير علي الطرف الأخر ، ثم جاء صوت "عثمان" الناعم كجلد الأفعي :
-إزيك يا رشاد بيه .. إنشالله تكون كويس !
-كويس جدااا يا عثمان.
إنتفضت "چيچي" إثر سماع إسمه ، و مضغت الطعام بصورة خاطئة مما تسبب لها في نوبة سعال حادة ..
جاءتها أختها بكأس من الماء ، بينما تابع "رشاد" مكالمته :
-فيك الخير و الله يا عثمان .. بتتصل عشان تسأل ؟ بجد العيش و الملح مابيهونوش.
عثمان بضحكة مجلجلة سمعتها "چيچي" جيدا منبعثة من سماعة الهاتف :
-هو أنا أه ممكن أتصل أسأل عليك بس المرة دي أنا إتصلت عشان حاجة تانية.
-خير يا عثمان ؟؟ .. تساءل "رشاد" ببرود ، ليرد "عثمان" و قد تحولت نبرته تماما من اللين إلي الغضب الشديد :
-إسمعني كويس يا رشاد يا حداد .. إبن عمي في المستشفي دلوقتي بسببك ، أنا عارف إنك كنت قاصدني أنا ، بس خليني أقولك لو صالح ماقمش بالسلامة زي ما كان ، أنا همحيك إنت و بناتك من علي وش الأرض ده طبعا بعد ما أنشر الفضيحة التانية إللي لسا شايلهالك عندي.
رشاد بخشونة :
-فضيحة إيه ؟؟؟
-الفيلم الساخن بتاع بنتك المصونة .. قالها "عثمان" بصوته الخبيث ، و إستطاع "رشاد" أن يري الإبتسامة الشيطانية التي إرتسمت علي شفتيه الآن دون أن يراه ..
تابع "عثمان" بإسلوبه المنحرف الماكر :
-أنا لسا محتفظ بيه .. بصراحة لو تشوفوا هتفتخر ببنتك أوي ، ما شاء الله يعني مخلف ------- محترفة ، عارف لو كنت إتجوزتها أكيد كنت هتبسط معاها أوووي ، چيچي في نظري كانت أنسب بنت ، جميلة و بنت .. بنت عيلة ، بس نقول إيه بقي هي إللي إستعجلت و مشيت شمال ، و علي رأي المثل .. يا خسارة الجمال لما يمشي شمال .. ثم تنهد بخفة و قال :
-يلا بقي أنا مضطر أقفل دلوقتي ، بس يا ريت متنساش كلامي هه ! إفتكر كويس إني حذرتك يا رشاد بيه ، قبل ما تفكر تعمل أي حاجة تمسني أو تمس حد يخصني إفتكر الفضيحة بتاعة المرة الجاية و قدر حجمها كده هيكون أد إيه ... سلام يا باشا ، و إبقي سلملي علي چيچي ، قولها عثمان باعتلك سلام خصوصي أووووي.
و أغلق "عثمان" الخط و هو يضحك بشدة ، بينما جرش "رشاد" بأسنانه و إزدادت حمرة وجهه الغليظ ..
دوي فجأة صوت إنفجار علبة الصودا المغلقة التي كانت بين أصابعه ، فإنتشر السائل في كل مكان و بلل كلا من "چيچي" و أختها ..
لم تجرؤ واحدة منهما علي سؤال "رشاد" ماذا قال له "عثمان" ؟!
فآثرتا الصمت ، بينما غمغم "رشاد" و هو يشتعل غضبا و غيظا :
-بتعجزني يابن الـ--- .. ماشي ، ماشي يا عثمان !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل "سمر" ... كانت بغرفتها
تغير لـ"ملك" ملابسها ، عندما ولج "فادي" في هدوء ممسكا في كلتا يداه كوبان من الشاي الأحمر ..
إقترب ببطء من السرير ، ثم مد يده إلي "سمر" قائلا :
-إتفضلي يا ستي ، عملتلك معايا كوباية شاي إنما إيه هتروقك عالأخر.
تطلعت "سمر" إليه في شك ، و لكنه بدا طبيعيا للغاية ، و كأن لم يحدث شجارا بينهما اليوم ..
أخذت منه كوب الشاي و لم تستطع إخفاء تعجبها ، فضحك بخفة و هو يسألها :
-إيه يا بنتي مالك ؟ مذبهلة كده ليه ؟!
سمر و هي تضع "ملك" في حجرها :
-أصل إللي يشوفك دلوقتي مايشوفكش لما كنت بتزعق و عصبي من شوية !
فادي بإبتسامة :
-و أنا يعني إتعصبت و زعقت ليه ؟ أكيد إنتي عارفة إني خايف عليكي .. صح ؟
سمر و هي ترد له الإبتسامة :
-طبعا عارفة يا حبيبي .. بس لازم يكون عندك ثقة شوية في أختك الكبيرة ، أنا دلوقتي يا فادي بقيت مكان ماما و بابا بالظبط ، إنت و ملك مسؤولين مني و واخدين كل وقتي ، يعني إطمن .. مافيش حاجة ممكن تشغلني عنكوا لا راجل و لا غيره ، أنا ماعدتش بفكر في مواضيع الإرتباط دي أساسا.
-طب أولا إنتي غلطانة .. لأن إنتي و ملك إللي مسؤولين مني أنا ، أنا هنا راجل البيت .. قالها بإسلوب مسرحي أضحكه و أضحكها معه ، و أكمل :
-ثانيا أنا واثق فيكي جدا جدا كمان ، لكن مش واثق في إللي حواليكي يا سمر ، ثالثا بقي و ده الأهم ليه يا حبيبتي مش بتفكري في الإرتباط ؟ لا تكوني عايزة تقعدي في أرابيزي ! لأ يا ماما ده أنا هزقك بدري بدري عشان أفوق لملوكة عمري أنا دي.
و راح يداعب أخته الصغيرة و يدغدغها من بطنها و أسفل إبطها فيجعلها تضحك بهستريا محببة لديه ..
-يا سيدي قول يا باسط .. قالتها "سمر" بإبتسامة باهتة ، ليرد "فادي" بحسه الفكاهي :
-يا باسط ياستي ، عايزاني أقول حاجة تاني ؟ ده إنتي قمر يا بت و بكره العرسان هيبقوا طوابير مش هلاحق عليهم يروح واحد يجوا عشرة لحد ما ألاقيلك الزوج إللي هو ، إللي عليه العين و النية.
ضحكت "سمر" من قلبها ، و قالت :
-يخرب عقلك يا فادي .. ضحكتني ، عرسان إيه إللي هيبقوا بالطوابير دول ؟ هيجوا علي إيه يا حسرة !!
-شوفي يا سمر يا حبيبتي ، إحنا مش أه معانا فلوس ، بس الحمدلله ربنا معوضنا بحاجات تانية.
سمر و هي تسأله بدهشة :
-ربنا معوضنا بإيه يا فادي ؟؟
أجابها و هو يأخذ منها "ملك" و يجلسها علي حضنه :
-أقولك ياستي .. مثلا ملك ، معوضها بينا إحنا الإتنين لما بابا و ماما ماتوا أنا و إنتي بقينا مكانهم بالنسبة لها يعني مش هتحس باليتم ، و أنا .. أنا بدرس الحمدلله و باقيلي السنة دي و هتخرج و هبقي مهندس زي ما كنت طول عمري بحلم باللقب ده .. و إنتي يا سمر ، إنتي أغني مني أنا و ملك.
سمر بفم مفتوح :
-هه ! غنية ؟ .. إزاي ؟!!
-ربنا مديكي وش جميل ، إنتي جميلة يا سمر ، و رأس مالك في جمالك .. أي راجل غني و معاه فلوس يتمناكي .. و رفع إصبعه السبابة مكملا بشرط :
-بس تعززي نفسك .. إوعي تحسسي إللي قدامك بحاجتك للفلوس ، ماتخليش حد يعرف نقطة ضعفك ، ده إللي أنا طول الوقت بحاول أوصلهولك ، لازم تستقوي شوية و ماتبقيش سهلة أبدا ، الكل بيحوم حواليكي و أنا علي أد ما بقدر بوقفهم عند حدهم ، لكن خوفي بقي من الناس إللي بتتعاملي معاهم برا .. مش عارف هتتصرفي إزاي لوحدك !
سمر بعد صمت طويل حاولت خلاله إحتواء حديث "فادي" كله داخل عقلها :
-إنت خيالك واسع أوي يا فادي .. أنا مش جميلة الجميلات علي فكرة ، و بعدين أنا مابشوفش حد بيحوم حواليا !
فادي مشددا علي كلامه بصرامة :
-عشان أنا موقف الكل عند حده زي ما قلتلك .. محدش هنا يقدر يهوب ناحيتك و أنا موجود.
رمقته بنظرات ساهمة و قد حلت علي ذاكرتها جميع المواقف ذات الدلالة علي كلامه
مثلا تذكرت مجيئ عم "صابر" مالك الشقة إلي هنا منذ أيام ، تذكرت كيف إرتبك عندما وجد "فادي" بوجهه و كيف أنه حاول إخفاء إرتباكه بكلماته اللاذعة
و تذكرت أيضا "كرم" شقيق الجارة "عطيات" التي تسكن فوقها ، كثيرا ما يدق بابها أثناء غياب "فادي" بحجة أشياء قام بإسقاطها رغما عنه من الشرفة بالأعلي فتدخل هي بحسن نية و تجلب إليه أشياؤه بإبتسامة رقيقة
و "مصطفي" الشاب الذي يملك محل كوي الثياب الرجالي ، هو الأخر يأتي بطلب ملابس "فادي" و لكن في غيابه طبعا ، و غيره و غيره ..
فهمت "سمر" معني كلام أخيها الآن عندما تجلت أمامها الأمور ، أحست و كأنها أخذت صفعة علي وجهها ، و لكن الصفعة مفيدة و جاءت بوقتها ، فقد أفاقت و أزداد وعيها بما يدور من حولها ..
-إيييه ياينتي ! روحتي فين ؟ .. قال "فادي" بتساؤل عندما أطالت في شرودها
بينما إنتبهت إليه "سمر" و قالت :
-أنا معاك أهو !
تمطي "فادي" بكسل و هو يقول :
-لا معايا إيه ، أنا هستأذنك بقي و هروح أنام مش قادر .. خدي الأميرة الصغيرة دي و نايميها هي كمان شكلها نعسانة.
و ناولها "ملك" ثم قام و مشي في إتجاه الباب ..
و لكن صوتها إستوقفه قبل أن يخرج :
-فادي !
فادي و هو يلتفت ثانيةً :
-في حاجة يا سمر ؟!
-أه .. كنت عايزة أقولك إني هبدأ الشغل من بكره.
-من بكره ؟ .. قال بدهشة ، و أردف بضيق :
-و عثمان بيه هو إللي قالك كده ؟
-أيوه.
زم شفتيه في إستسلام ، ثم قال :
-طيب يا سمر .. بس ملك مين هياخد باله منها ؟؟!
سمر و هي تطمئنه بثقة :
-ماتقلقش أنا إتفقت مع الحاجة زينب مرات عم صابر هسيبهلها الكام ساعة بتوع الشغل و هي هتاخد بالها منها ، ماتخافش يا فادي .. الحاجة زينب بتحب ملك و بتحب الأطفال عموما عشان إتحرمت منهم.
أومأ "فادي" بتفهم و قال :
-ماشي .. بس أوعديني ، خلي بالك من نفسك.
سمر بإبتسامة :
-ماتقلقش يا حبيبي .. أنا هبقي كويسة إن شاء الله !
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل السادس 6 - بقلم Shaimaa Gonna
صباح يوم جديد ... تستيقظ "سمر" كالعادة علي صوت زقزقة العصافير و أيضا علي صوت بكاء "ملك" الذي ينذر بإستيقاظها ..
تترك "سمر" فراشها بسرعة تسد أي ثغرة ينفذ منها شعور النعاس و العودة للنوم ، تذهب نحو سرير أختها ، تحملها و تؤرجحها بين ذراعيها قليلا ثم تعد لها وجبة سريعة _ اللبن المجفف خاصتها _
يستيقظ "فادي" في هذه الأثناء ، لتسلمه "سمر" الطفلة ، ثم تتجه هي نحو الحمام
أدت روتينها اليومي و أغتسلت ، ثم عادت إلي غرفتها
فتحت خزانتها تستعرض الثياب المعلقة بها ، كلها قديمة و رثة ، لكن لا يهم ، هي لم تهتم يوما بالمظاهر ، و بما أنها ذاهبة للعمل فهذا الهدف سيكون أهم من أي شيء تتطلع إليه
يجب أن تكد و تعمل بجهد حتي تثبت لـ"عثمان" أنه لم يخطئ حين أختارها لهذه الوظيفة ، يجب أن تثبت إليه أنها تستطيع القيام بهذا العمل الذي ستمارسه لأول مرة
و ليس هكذا فقط ، ينبغي أن تجعله ينبهر بقدراتها أيضا و بالنتائج التي ستحصدها ، لما لا ؟ .. فهي ذكية و تملك عقل نبيه و ستتعلم بسرعة ..
إختارت "سمر" ثوب طويل باللون الأزرق إرتدت عليه حجاب أبيض اللون أبرز سمرة وجهها الناعمة الجذابة و عزز لون عيناها الممزوجتان بالأخضر و العسلي
إنتعلت حذائها البالي في الأخير ، ثم أخذت حقيبتها الصغيرة و خرجت إلي الصالة ، حيث "فادي" هناك يمشي طولا و عرضا بـ"ملك" التي لا تكف عن الصراخ كعادتها ..
توقف "فادي" عن الحركة لحظة ظهور "سمر" ثم قال و هو يشملها من بعيد بنظرة فاحصة :
-إيه ! خلاص ماشية يا سمر ؟
سمر بإبتسامة هادئة :
-أيوه يا فادي .. قبل ماتروح إنت بقي علي كليتك ماتنساش تلم حاجات ملك و تديهم كلهم للحاجة زينب و إن شاء الله مش هتأخر.
-هتروحي نفس الشركة ؟!
-لأ .. ما أنا قلتلك ، هو أسس شركة جديدة لنفسه قرر يشتغل لوحده يعني و لغي حفلة الإفتتاح عشان إللي حصل لإبن عمه ، فالشغل هيبدأ عادي من إنهاردة منغير أي حاجة.
فادي و هو يهز رأسه بتفهم :
-ماشي يا سمر .. ثم أوصاها مؤكدا :
-سمر .. خلي بالك من نفسك !
تنهدت بشئ من الضيق و قالت :
-حاضر .. حاضر يا فادي دي المرة المليون تقولي نفس الكلمة من إمبارح ، و الله هاخد باللي من نفسي ماتقلقش.
حدجها بنظرات مترددة ، لكنها إستأذنته بسرعة قبل أن يفه بكلمة أخري :
-يلا بقي أنا لازم أمشي دلوقتي عشان ماتأخرش مش معقول أتأخر من أول يوم كده .. يلا باي !
و هرولت إلي خارج المنزل تاركة إياه في حالة عدم رضا و عجز عن الرفض في آن ، فهم بحاجة إلي المال قبل كل شيء ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل "بحيري" ... يصحو "عثمان" من نومه إثر رنين جرس التنبيه المنبعث من هاتفهه
مد يده و أخذ الهاتف و أسكت ذلك الدوي المزعج ، ثم فرك عينه و هو يزفر بكسل ..
قام من سريره الوثير علي مضض ، ثم دلف إلي حمامه الفخم
أخذ دوشا ساخنا ليرخي عضلات جسده و يتخلص من رواسب اليوم الفائت ..
فرغ من إستحمامه بعد ثلث ساعة تقريبا ، ثم خرج و هو يلف المنشفة حول وسطه
توجه مبتل الخطي نحو غرفة الثياب الفاخرة الملحقة بغرفته
إنتقي بذلة سوداء اللون عصرية و بدون ربطة عنق من العلامة التجارية (چي كرو ) و أرفق معها ساعة يد مصنوعة من البلاتين الخالص ، ثم إختار حذاء أسود لامع علي جوارب بنفس اللون
إرتدي ملابسه كلها، ثم وقف أمام المرآة الضخمة ، قام بتمشيط خصيلات شعره الكستنائية الطويلة ، و مشط لحيته الكثيفة بعناية أيضا ..
نثر عطره الثقيل الجذاب علي وجهه و حول عنقه ، و أخيرا إنتهي ..
ألقي علي نفسه نظرة مغترة واثقة ، و عدل من هندامه للمرة الأخيرة ، ثم أخذ مفاتيحه و هاتفهه و غادر غرفته ..
إصطدم بـ"هالة" أثناء هبوطه الدرج ، فوقف و قال بإبتسامة إعتذار :
-هالة ! معلش خبطك ، ماخدتش بالي.
هالة بإبتسامة متيمة :
-و لا يهمك يا عثمان .. محصلش حاجة.
عثمان و قد لاحظ طريقتها الناعمة التي يعرفها جيدا :
-هو مافيش حد في البيت و لا إيه ؟؟
-لأ كلهم راحوا من شوية لصالح ، أصل إمبارح صافي أصرت تبات معاه في المستشفي و قالت مش هتروح إلا أما يجي حد يقعد معاه بدالها.
-أه .. طب و إنتي ماروحتيش معاهم ليه ؟
-بابي قالي خليكي دلوقتي عشان أستريح من السفر يعني ، و بعدين هيبقي يبعتلي السواق يوديني علي بليل كده .. ثم قالت بإبتسامة خجل :
-إنت رايح الشغل صح ؟ تحب أحضرلك الفطار طيب ؟؟
عثمان بعذوبة :
-شكرا يا هالة ، إنتي عارفة أنا فطاري فنجان قهوة مافيش غيره و ده هاخده في الشركة.
عبست بضيق قائلة :
-فنجان قهوة بس ؟ إنت لسا بردو متمسك بالعادة دي ؟ و الله هتقع من طولك يا عثمان و أبقي قول هالة قالت.
عثمان ضاحكا بخفة :
-ماتقلقيش يا لولا يا حبيبتي ، إبن عمك جاامد أوي .. و غمز لها بعينه ، فأغرمت أكثر بتفاصيله الساحرة ..
بينما إنحني "عثمان" قليلا و طبع قبلة سطحية بريئة علي شعرها من جهة أذنها ، و قال :
-يلا بقي أنا ماشي ، عايزة حاجة ؟
هالة بأنفاس متلاحقة :
-لا شكرا !
تجاوزها و يلوي ثغره بإبتسامة جانبية ، فيما هي لا زالت علي حالها ، ساكنة بمكانها ، مأخوذة ، مسرورة ، تتنفس بقية ذرات الهواء المعبقة بعطره ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في المستشفي الخصوصي التي نقل إليها "صالح" مساء أمس ..
داخل هذا الجناح الواسع النظيف و المزود بأحدث الأجهزة الطبية ، يرقد "صالح" فوق ذلك السرير الأبيض
بينما "صفية" غافية علي كرسي بجواره ، ملقية برأسها علي كتفه السليمة ..
فتح "صالح" عيناه بتثاقل ، و أطلق تآوها متألما إنتفضت "صفية" علي إثره مستيقظة ..
-صالح ! .. قالتها "صفية" بتلهف و هي تعتدل في جلستها بسرعة ، و تابعت :
-إنت كويس يا حبيبي ؟ حاسس بإيه ؟ أندهلك الدكتور ؟؟؟
حرك "صالح" رأسه للجهتين و هو يعصر جفناه من الألم ، ثم قال بصعوبة :
-تعبآاان .. مش قآاادر .. جسمي كله قايد نار .. آاااه.
صفية بعينان دامعتان :
-معلش يا صالح .. هتبقي كويس إن شاء الله ، هتقوم بالسلامة يا حبيبي .. ثم أرتمت علي صدره المضمد و هي تجهش بالبكاء و تقول من بين دموعها :
-أنا أسفة .. سامحني أنا السبب ، أنا إللي طلبت منك تنزل يومها ، لو ماكنتش نزلت ماكنش كل ده حصل .. سامحني يا صالح .. سامحني !
-صآا في ! .. قالها بخفوت شديد لعدم مقدرته علي الكلام ، و أكمل بوهن :
-صفـ ية . من فضلك .. خلاص . كفاية . إنتي كده بتتعبيني زيادة.
إبتعدت عنه و هي تمسح دموعها بسرعة ، ثم قالت :
-خلاص .. مش هتعبك ، أنا سكت أهو.
إبتسم بجهد ، و كم أراد أن يرفع يده ليربت علي شعرها ، لكن جسده خانه ، رافض كل أمر منه بالحركة ، فقط الآلم هو المسيطر الآن
حريق مستعر لا نهائي ، يمضي زاحفا بأصابع من لهب علي كافة أنحاء جسده و خاصة عظامه ..
-هو إيه إللي حصل بالظبط ؟ .. سألها بصوت متحشرج
-إنت مش فاكر أي حاجة ؟!
صالح بإستذكار :
-أنا كل إللي فاكره . إني كنت سايق بسرعة .. و فجأة نسيت عنوان المستشفي إللي خدته منك . قلت أتصل بيكي أخده منك تاني و قللت السرعة .. بس .. بس السرعة ماقلتش . زادت .. زادت أوي ، و كنت هخبط في عربية ، فدخلت في الطريق المعاكس .. و فجأة طلعت عربية تانية في وشي .. و مش فاكر أيه إللي حصل بعد كده !
أمسكت بيده و ضغطت برفق و هي تقول :
-حبيبي إنت كويس إطمن .. إن شاء الله مش هطول هنا.
-الدكتور قال إيه ؟
صفية و قد إنتابها التوتر :
-الدكتور ! .. الدكتور قال إنك كويس ، بس لازم تتعالج هنا فترة الأول.
عبس بغرابة ، بينما خشت أن يستفسر أكثر ، فقالت بشئ من الإرتباك :
-بقولك إيه إنت مش جعان ؟ أخليهم يجبولك إيه ؟؟!
صالح برفض :
-لأ مش عايز.
صفية بحزن :
-ليه بس يا صالح ؟ إنت بقالك يومين فاقد الوعي و عايش علي المحاليل .. إيه ماجعتش ؟!!
-لأ .. قالها بكدر و هو يشيح بوجهه عنها ، فعضت علي شفتها بإستياء
لكنها عادت تقول بدلال و هي تمد يدها و تدير وجهه إليها ثانيةً :
-عشان خاطري يا صلَّوحي .. Please .. وحياتي !
صالح و هو يبتسم رغما عنه :
-إنتي عارفة إني بضعف قدام السهوكة بتاعتك دي .. ماهي مش بالساهل ، طول عمرك مطلعة عيني و منشفة ريقي.
ضحكت بغنج ، ثم قالت بمزاح :
-و إنت طول عمرك بارد و رخم و مابتنزليش من زور .. مش عارفة هتجوزك إزاي !!!
-بقي كده ؟ مااشي ، خليكي بقي فاكرة كلامك ده و لما أخرجلك من هنا.
-هتعملي إيه يعني ؟ .. إستوضحت بحدة مصطنعة ، ليرد متقهقرا :
-مش هعمل حاجة يا حبيبتي .. هو أنا مجنون ، ده إنتي تسيبي عليا عنتر فيها.
-أيوه كده إتعدل.
في هذه اللحظة فـُتح باب الغرفة ، ليدخل "رفعت البحيري" و معه كلا من "يحيى" و "فريال" ..
وجدوا أن "صالح" قد أفاق من غيبويته ، فهرع إليه والده و جثي علي ركبتيه بجوار سريره و أخذ يبكي و يعانقه و يقول :
-يا حبيبي .. حمدلله علي سلامتك يا حبيبي ، الحمدلله .. إنت كويس يابني ؟؟؟
أجابه "صالح" بإبتسامة بسيطة تطمئنه :
-أنا كويس يا بابا الحمدلله .. ماتقلقش.
جال "رفعت" بنظره علي إبنه يتأكد بنفسه ، ثم إقترب منه أكثر و راح يقبل كتفيه و يتشممه متمتما بعاطفة أبوية :
-ألف حمدلله علي سلامتك يا صالح .. ألف حمدلله علي سلامتك.
-حمدلله علي السلامة يا صالح .. قالها "يحيى" بإبتسامة ، ليرد "صالح" إبتسامته قائلا :
-الله يسلمك يا عمو.
فريال بإبتسامة رقيقة هي الأخري :
-حمدلله علي سلامتك يا صالح.
-الله يسلمك يا طنط فريال.
-شد حيلك بقي عشان تقوم بالسلامة و ترجع البيت معانا.
إبتسم "صالح" و هو يهز رأسه قائلا :
-إن شاء الله .. ثم تساءل بإهتمام :
-أومال فين عثمان صحيح ؟؟
أجاب يحيى :
-عثمان يا سيدي في شركته الجديدة .. راح يفتتحها ، بس قال إنه هيخلص و هيجي علي هنا علطول.
صالح بتفهم :
-ربنا يعينه !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
أمام مؤسسة ( البحيري للتسويق و التجارة ) .. تترجل "سمر" من سيارة الآجرة
و أخيرا وصلت بعد معاناة في الطريق ، حيث الإزدحام سائد و العثور علي أي وسيلة مواصلات صعب ..
توجهت إلي الداخل و هي تري المناظر البديعة ممتدة علي طول بصرها و تشم الروائح الطيبة منتشرة في كل المكان
تلك إمارات الثراء .. قالت في نفسها ، ثم إتجهت نحو الإستقبال ، حيث هناك تجمهر بسيط و فتاة في مقتبل العمر تقف و تتكلم عبر ( المايك) المكبر للصوت :
-من فضلكوا يا أساتذة . الكل يلزم مكانه ، دقايق بالظبط و مستر عثمان البحيري هيكون معانا ، هيقول كلمته و يسمعكم تعليماته و بعدين الكل هايروح علي شغله .. من فضلكوا نلتزم الصمت و ناخد أماكنا بهدوء !
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل السابع 7 - بقلم Shaimaa Gonna
طالت مدة الإنتظار ، و مضت عدة دقائق طويلة و "سمر" تقف ككل الموظفين ، في إنتظار طلة المدير البهية ..
و أخير آتي .. لمحته من علي بـُعد ، و هو يأخذ مكان موظفة الإستقبال و يتناول (المايك) ثم يضعه في مستوي فمه و يبدأ ..
عثمان بصوت أجش و هو يرسم علي وجهه ملامح الصرامة المطلقة :
-صباح الخير .. رد الجميع تحيته ، ليتابع بسرعة :
-أهلا بيكوا في مؤسسة البحيري للتسويق و التجارة ، طبعا كلكوا أكيد عارفين إن الشركة دي منفصلة عن بقية مجموعات عيلتي ، بمعني أدق يعني عارفين إنها تخصني أنا لوحدي .. مش هخوض في تفاصيل كتير عشان مانضيعش الوقت و إحنا لسا في أول يوم بس هقول كلمة ، كلمة واحدة و ملهاش تاني ..
أنا ماعنديش هزار في الشغل .. إللي هيشتغل بجد في الشركة دي أهلا و سهلا هيشوف كل خير . أما إللي مش عايز يشتغل مع السلامة و الباب يفوت جمل ، الشركات المنافسة كلها ماشية بنظام قديم . نظام تقليدي و عقيم . ماشية بالبركة يعني . لكن شركتي مستحيل تبقي في المستوي ده ، عشان كده كل موظف هنا مكانه مهدد بالسحب . يعني كل 3 شهور هنصفي موظفين . هنشوف مين إللي كفاءاته عالية هنخليه . أما إللي هنشوفه مش بيضيفلنا حاجة هنقوله مع السلامة ..
اليوم هنا 8 ساعات .. في إستراحة طبعا لكن باقي الوقت شغل يعني شغل ، مش عايز أسمع مشاكل ، مش عايز أشوف تدني في مستوي العمل ، مش عايز كسل في الشغل ، و الأهم من ده كله مش عايز نفر يتأخر عن معاد شغله ، كلكوا تبقوا هنا قبلي ، و طبعا في جزي للي ممكن يتأخر و ممكن توصل للرفد !
صمت "عثمان" قليلا ، يمرر نظره علي وجوه الموظفين التي شحبت تدريجيا إثر كلامه الشديد الحازم ، ثم أكمل بلهجة فاترة :
-زي ما في شدة و حزم في الشغل في كمان ترفيهات و حاجات كتير كويسة ، أنا عمري ما ببخل أبدا علي موظفيني . و أظن معظمكوا عارف كده .. أشوف بس التقدم بعيني ، ساعتها المرتبات هتزيد و العلاوات و الحوافز هتبقي الضِعف.
دوي التصفيق الحار فجأة بعد أن أنهي جملته ، ليهز رأسه بإبتسامة رزينة يشكرهم ، ثم عاد و قال :
-يلا بقي كل واحد علي شغله من فضلكوا !
تفرق الحشد من أمامه شيئا فشيء ، لتقع عيناه عليها و يلتقطها من بين الجميع ..
كانت مرتبكة ، متوترة .. واقفة لا تعرف ماذا تفعل أو أين تذهب ، فنادي هو عليها دون أن يستخدم (المايك) :
-أنسة سمر !
نظرت إليه فورا ، بينما أشار لها بيده لتأتي له
فعلت ذلك في الحال و مضت إليه مهرولة ..
-صباح الخير يا أنسة سمر .. قالها بإبتسامته الجذابة و قد تخلي عن جديته السابقة تماما ، لترد بصوت مبحوح :
-صباح النور يا عثمان بيه !
-جاهزة للشغل ؟
سمر و هي تهز رأسها بشيء من التوتر :
-جاهزة حضرتك.
-طيب إتفضلي .. قال و هو يمد لها يده بحقيبته الخاصة
أخذتها منه في إضطراب ، لكنها تساءلت :
-أعمل بيها حضرتك ؟
عثمان و قد عاد لجديته ثانيةً :
-إنتي مش بقيتي سكرتيرتي ؟
أومأت بالإيجاب ، ليرد :
-يبقي كل حاجة تخصني من إنهاردة تحت مسؤوليتك .. ثم قال بلهجة آمرة :
-إتفضلي هاتي الشنطة و تعالي ورايا.
تبعته "سمر" و هي تكاد تتعثر من وسع خطواته ، إلي أن إستقلا المصعد
أخيرا إلتقطت أنفاسها .. أُغلق الباب علي كليهما و ضغط "عثمان" زر الطابق الثالث
لم يحاول أن ينظر لها إطلاقا خلال تلك الثوان القصيرة ، بل أظهر برودا بالغا في تصرفاته و بقي متحفظا في شخصيته الواثقة و المغرورة في آن ..
وصل المصعد إلي الطابق المنشود ، ليخطي "عثمان" إلي الخارج أولا و يتجه إلي غرفة مكتبه مباشرةً دون أن يلتفت خلفه
لحقته "سمر" و هي تلهث قليلا ، بينما ينزع هو سترته و يستدير و يعطيها إليها قائلا :
-خدي الچاكيتة دي علقيها هناك .. و أشار إلي المشجب المستقيم علي بعد مترين من جهة يمين المكتب
أخذتها منه بإضطراب أشد و فعلت ما قاله ثم عادت إليه مرة أخري ..
كان قد جلس مسترخيا وراء مكتبه ، أخذ يحدق فيها لوقت من الزمن ، نظراته فارغة غير مقروؤة ، فعبست "سمر" متساءلة :
-في حاجة حضرتك ؟
لم يجيبها في الحال ، صمت لبرهة ، ثم قال :
-و لا حاجة يا سمر .. ببصلك بس ، تعرفي إن شكلك حلو أوي !
توردت خجلا إثر جملته الأخيرة ، و أطرقت رأسها بسرعة و هي تعض علي شفتها السفلي بقوة ..
-إنتي إتكسفتي مني و لا إيه ؟ .. قالها بتساؤل ، و أردف :
-الجمال مابيكسفش صاحبه بالعكس . لازم تتباهي بيه !
سمر بتلعثم و هي لا زالت مخفضة رأسها :
-حـ حضرتك .. أنا . مش متعودة حد . يقولي كده !
عثمان ببراءة متكلفة :
-إتضايقتي يعني ؟ .. عموما أنا ماقصدتش أضايقك ، كل الحكاية إن هي دي طريقتي في التعبير ، طول عمري متعود أقول رأيي بصراحة .. ثم أضاف بحزن مصطنع و هو يشيح بوجهه للجهة الأخري :
-أنا آسف لو ضايقتك.
سمر و هي ترفع رأسها بسرعة :
-لا أبدا .. أنا مش مضايقة ، بس . زي ما قلت لحضرتك .. مش متعودة حد يقولي كلام زي ده.
-مش متعودة حد يقولك إنك حلوة ؟
أومأت له ، فضحك بخفة و قال :
-إزاي إللي حواليكي مش مقدرين جمالك ؟ أكيد ناس عندهم مشاكل ! .. ثم أكمل و هو ينظر بفضول إلي ذلك الوشاح الذي يحجب عنه رؤية شعرها :
-بس هتبقي أحلي أكيد لو شيلتي الإشارب ده !
سمر بحدة و هي تضع يدها علي رأسها :
-إيه ؟ لأ طبعا . مستحيل في يوم أقلع الحجاب . مستحيل !
عثمان بإبتسامة مرتبكة :
-إيه إيه مالك بس ؟ إهدي أنا ماقولتلكيش إقلعيه . إنتي حرة طبعا . ده كان مجرد رأي مش أكتر.
عكفت حاجبيها بشيء من الضيق ، بينما قال "عثمان" بجدية و هو يهم بمباشرة أعماله :
-طيب .. إتفضلي إنتي علي مكتبك دلوقتي و يا ريت تبدأي شغلك فورا . إتأخرنا في الإفتتاح و بالتالي شغلنا إتأخر . شوفي شغلك بقي و أي رسايل مبعوتة من برا إطبعيلي منها نسخة و هاتيهالي علطول.
سمر بلهجة رسمية :
-حاضر يافندم.
و خرجت مسرعة ، لتتوقف حركة "عثمان" لحظة أغلاق الباب ، ثم يطلق زفرة حارة و هو يتمتم لنفسه :
-إنتي هتتعبيني و لا إيه ؟؟؟ و لو أنا حاطتك في دماغي خلاص !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في المستشفي .. أمام غرفة "صالح
وقف الطبيب المسؤول عن حالته ، يتحدث إلي أفراد العائلة و يناقشهم بخصوص خطة العلاج ..
الطبيب بنبرة هادئة :
-يا جماعة آجلا أم عاجلا لازم هيعرف . بس مش لازم نتأخر إحنا في العلاج بالذات العلاج الطبيعي . في أجزاء في جسمه لازم نتعامل معاها بسرعة . ماينفعش الكسور إللي ضهره تلحم علي بعضها كده خطر !
رفعت بصوت واهن :
-أنا أكيد مش معارض يا دكتور .. أنا بس خايف عليه من الصدمة.
الطبيب بإبتسامة :
-ماتخافش حضرتك أنا بنفسي هقعد معاه و هشرحله وضعه و كل حاجة بخصوص حالته و هو أكيد هيفهم و هيساعدني كمان.
و هنا تدخلت "صفية" :
-طيب يا دكتور بعد أذنك .. بلاش نكلمه في حاجة إنهاردة ، هو لسا فايق . بلاش عشان مايتصدمش زي ما قال عمي . ينفع بكره مثلا ؟!
زم الطبيب شفتيه بتفكير ، ثم قال :
-ماشي يا أنسة ، حل معقول بردو .. خلاص . يبقي بكره الصبح إن شاء الله هاجيله و أشرحله كل حاجة عشان نبدأ في العلاج بأسرع وقت.
و تركهم بعد أن إتفقوا علي هذا الحل ..
بينما مال "رفعت" علي الحائط و هو يردد محزونا :
-بدري عليك يا صالح .. و الله بدري عليك العجز يابني !
يحيى صائحا بإنزعاج :
-في إيه يا رفعت ؟ هتعدد زي الستات و لا إيه ؟!
رفعت و هو يحدجه بعدائية :
-إنت ماتتكلمش معايا خالص .. ليك عين تتكلم و إنت السبب في إللي حصل لأبني !
يحيى بحدة :
-إنت إتجننت صح ؟ أنا السبب أزاي يعني ؟ شكل زعلك علي إبنك لسا مأثر عليك.
-إنت السبب ! .. هتف "رفعت" بإنفعال ، و تابع :
-إنت و إبنك السبب في إللي حصل لأبني . إنتوا الإتنين السبب في رميته دي . بس و رحمة أبوك و أمك ياخويا ، لو إبني ماقمش و وقف علي رجليه من تاني هـ آا ..
-هتعمل إيه ؟ .. قاطعه "يحيى" بغضب و قد إتقدت عيناه بلهب مستعر :
-هتعمل إيه يا رفعت ؟ قول .. و شرع في الإقتراب منه ، لتقف "فريال" بوجهه و تقبض علي ذراعه قائلة :
-يحيى ! .. من فضلك خلاص .. ثم إلتفتت إلي "رفعت" و قالت :
-و إنت يا رفعت .. إهدا ، صالح هيبقي كويس ماتقلقش.
و أضافت "صفية" بسأم ممزوج بالدهشة :
-يعني بجد مش وقتكوا خالص .. صالح جوا تعبان و إنتوا واقفين هنا بتتخانقوا ؟ بجد مش مصدقاكوا !!
و تآففت بضيق و هي تتجه إلي غرفة "صالح"
بينما وقفا الأخوين يحدقان ببعضهما في غضبٍ و تحد ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في مكان أخر .. تحديدا في ( كاڤيتريا ) الجامعة
يجلس "فادي" مع رفاقه علي طاولة في الوسط ، كان شارد منذ جلوسه معهم ، إلي أن أنتشله صوت أحدهم :
-إييييه ياعم فاادي ؟ فينك من الصبح !!
إنتبه "فادي" لصديقه ، و أدار وجهه قائلا :
-إيه يا كيمو .. أنا معاكوا أهو يا معلم ، كنتوا بتقولوا إيه ؟؟؟
صديق ثانٍ :
-معانا إيه يابني ! إنت من ساعة ما جيت و إنت سرحان ، مالك يا فادي إنت كويس ؟
رد عليه الأول :
-ياعم ما هو قدامك زي الفل أهو .. تلاقي بس في حب جديد و لا حاجة !
فادي بضيق :
-حب إيه ياخويا إنت كمان . أنا فاضي أهرش في راسي ؟!
-أومال مالك طيب ؟؟!
فادي و هو يفرك عينه بأرق :
-مافيش بس حاسس إني مرهق شوية .. يمكن من السهر و المذاكرة .. ثم قام فجأة ، ليسألونه رفاقه :
-رايح فين ؟؟؟
فادي و هو يخرج هاتفهه من جيب بنطاله الخلفي :
-هعمل مكالمة بس.
صديقه المشاكس :
-أيوه ياعم . و عملنا فيها برئ.
فادي بتهكم :
-أنا هتصل أطمن علي أختي يا ذكي زمانك.
-أختك ؟ ماااشي .. إبقي سلملي عليها بقي.
فادي بحدة :
-إنت هتستعبط ياض ؟!
ضحك الأخير بإرتباك و قال :
-ياعم بهزر إيه !
رماه "فادي" بنظرة غاضبة ، ثم إستدار مبتعدا ليجري مكالمته ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عند "صالح" و "صفية" ..
-بردو مش عايزة تقوليلي في إيه ؟ .. قالها بتساؤل و إلحاح ، لترد "صفية" بشيء من الضيق :
-قولتلك مافيش حاجة يا صالح . لو في حاجة أكيد هقولك هخبي عليك ليه يعني ؟!
صالح و هو يرمقها بشك :
-أنا كنت سامع بابا عمو يحيى زي ما يكونوا بيتخانقوا .. قوليلي يا صافي حصل إيه ؟ عثمان عمل حاجة تاني ؟؟!
تنهدت "صفية" تنهيدة طويلة ، ثم أمسكت بيده و ضغطت بحنان قائلة :
-صالح . حبيبي .. إطمن ، مافيش حاجة حصلت . كله تمام صدقني.
صالح متسائلا بحيرة :
-طيب كانوا بيزعقوا ليه ؟؟؟
-ما إنت عارفهم ساعات بيشدوا مع بعض لأسباب تافهة . الإتنين عصبيين ، مش أول مرة يتعصبوا علي بعض يعني.
رمقها بعدم إقتناع و كاد يتكلم مجددا ، فسبقته قائلة بإبتسامة رقيقة :
-قولتلك إطمن .. مافيش حاجة تقلق ، صدقني !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في مؤسسة ( البحيري للتسويق و التجارة ) .. إستلمت "سمر" مكتبها مرفق بمكتب "عثمان" مباشرةً و لكن من الخارج
كانت منخرطة في إستكشاف تفاصيل عملها الجديد و التعرف علي كل صغيرة و كبيرة ، و إنهمكت أيضا في إعداد الرسائل التي طلبها "عثمان" و طباعة بعض الأخر المرسل منها ..
سمعت رنين هاتفهها ، فتناولته و نظرت لأسم المتصل
إبتسمت بخفة ، ثم أجابت :
-ألو يا حبيبي !
رد "فادي" :
-إيه يا سمر . مش قلتلك إبقي إتصلي طمنيني عليكي ؟!
-كنت هخلص الشغل إللي في إيدي ده و كنت هكلمك و الله.
-إيه الشغل لحق يرف فوق دماغك ؟!!
ضحكت "سمر" بمرح ، و قالت :
-الله أكبر في عينك ياخويا هتحسدني !
فادي بحدة :
-وطي صوت ضحكتك دي . فاكرة نفسك في البيت و لا إيه ؟!
-حاضر ياسيدي مش هضحك خالص أهو . ممكن تقفل دلوقتي بقي عشان ألحق أخلص الحاجات إللي في إيدي ؟ مديري عايزهم بسرعة.
فادي بضيق :
-طيب هترجعي إمتي ؟
-علي الساعة 4 أو 5 بالكتير.
-ماشي .. خلي بالك من نفسك.
سمر بحب :
-ماشي يا حبيبي .. يلا باي !
و أغلقت معه
و ما كادت تعود لمتابعة عملها ، إلا آتاها هذا الصوت الرجولي الجذاب :
-لو سمحتي يا أنسة !
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الثامن 8 - بقلم Shaimaa Gonna
رفعت "سمر" رأسها بسرعة لتنظر إلي محدثها
كان شابا في مقتبل عمره ، ملامحه نبيلة و جذابة ، يرنو إليها بعينان بنيتان تتسمان بالجرآة و الثقة ، و علي فمه إرتسمت إبتسامة خفيفة جدا ..
-نعم حضرتك ! .. قالتها "سمر" بإستفهام :
-أقدر أساعدك في حاجة ؟!
تحدث الأخير بإتزان ممزوج بالهدوء :
-أنا جاي أقابل المدير.
-في معاد سابق طيب ؟؟
-لأ .. قوليله بس مراد أبو المجد.
أومأت "سمر" بينما أرسلت يدها إلي موضع الهاتف الذي يصل بين مكتبها و مكتب مديرها
رفعت السماعة ، ليأتيها صوته بعد ثوان :
-في إيه يا سمر ؟
سمر بصوت ثابت و رقيق :
-آسفة يافندم . بس في واحد عندي هنا طالب يقابل حضرتك . بيقول إسمه مراد أبو المجد !
عثمان بسرعة :
-دخليه حاالا !
-حاضر يافندم.
و وضعت السماعة ، ثم نظرت إليه و قالت بإبتسامة :
-إتفضل حضرتك .. عثمان بيه منتظرك جوا.
و أشارت نحو مكتب المدير
شملها "مراد" بنظرة فاحصة سريعة ، ثم حيد عنها و توجه صوب غرفة المكتب ..
ولج بإبتسامة واسعة و هو يهتف :
-أنا قلت أعملهالك مفاجأة و أطب عليك يوم الإفتتاح علي غفلة منها أخضك و منها أباركلك !
قهقه "عثمان" بمرح كبير و هو ينهض من خلف مكتبه و يتجه نحو صديقه المقرب قائلا :
-مش أنا إللي أتخض ياض يا --- ده أن أخض عشرة زيك و أنا واقف هنا مكاني.
و فتح ذراعاه ليحتضنه بقوة
إحتضنه "مراد" هو الأخر و ربت بقوة علي كتفه و هو يقول :
-واحشني يا عثمان.
عثمان بغبطة :
-و إنت كمان ياض .. عامل إيه ؟
و تباعدا ، ليجيبه "مراد" :
-تمام الحمدلله . إنت إيه أخبارك ؟
عثمان و هو يلوح بيده في حركة دائرية :
-أهو زي ما إنت شايف . مطحون في الشغل الجديد .. تعالي نقعد.
و جلسا في الجهة الأخري من الغرفة فوق آريكة عصرية الشكل ..
-قولي بقي يا سيدي . جاي في إيه ؟ .. قالها "عثمان" بتساؤل و هو يرمق صديقه بنظرات فرحة
بينما قال "مراد" :
-مش في حاجة . أنا نويت بس إستقر هنا.
عثمان بغرابة :
-لا و الله ! ليه كده يابني ؟ أوام زهقت من أوروبا و من بنات أوروبا ؟؟؟
نطق جملته الأخيرة مبتسما بخبث ، ليرد الأخير ضاحكا :
-يابني أنا راجل صحتي علي أدي مش أد الحاجات دي ، ده أنا ماشي بالبركة.
عثمان بغمزة :
-علي بابا يالا ؟ .. إطلع منهم ده أنا عاجنك و خابزك.
-طب يا عم أنا لسا في ليڤل المبتدئين إنما إنت دكتور في الموضوع.
عثمان ببراءة مصطنعة :
-ده أنا ؟ أستغفر الله العظيم !
مراد رافعا أحد حاجبيه :
- لا يا راجل ؟ إسم الله عليك قال يعني قلبت شيخ جامع في 7 شهور ! ده إنت حرمجي أد الدنيا.
-آه يابن الـ---- !
-ده إنت إللي فسدت أخلاقي ، ملفاتك السودا كلها معايا.
-طب أسطر عليا.
و إنفجرا في الضحك معا ، ليكمل "مراد" :
-نسيت عملت إيه في العجمي الصيف إللي فات ؟ إنت يا صاحبي مابتعرفش حريم لأ . ده إنت بتفطر و بتتغدي و بتتعشي حريم.
-خلااااص الله يخربيتك هتجبني الأرض بعين أمك دي . يا صديق السوء .. ثم إبتسم و قال :
-و الله يابني بقالي كتير مانزلتش الملعب .. زهقت ، تصدق محتاج أجدد نشاطي ! محتاج أعمل Refresh.
و هنا صاح "مراد" بإستذكار :
-آاااه صحيح كنت هتنسيني .. إنت إيه إللي هببته مع چيچي ده ؟ إنت كنت في وعيك لما عملت ده كله ؟؟؟!!
عثمان و قد تجهم وجهه فجأة علي إثر سيرة زوجته السابقة ..
عثمان بإقتضاب :
-إفتكرلي حاجة حلوة ونبي .. ماتعكرش مزاجي في يوم زي ده.
مراد بحذر :
-إيه إللي حصل بس يا عثمان ؟ ده إنتوا إتجوزتوا !!!
ما زال علي صمته ، فتنهد "مراد" بثقل و حاول مرة أخري ..
مراد بلهجة هادئة :
-عثمان .. إحكيلي يا صاحبي . طول عمرنا بنحكي لبعض .. قولي بس ليه طلقتها ليلة جوازكوا ؟ شفت عليها حاجة ؟!
-خاينة ! .. قالها "عثمان" بغضب شديد ، ليرتد "مراد" متمتما :
-خاينة ؟ .. إنت . إنت إتأكدت كويس طيب ؟ مش يمكن تكون بريئة ؟ مش يمكن إنت ماخدتش بالك من حاجة !
عثمان و هو يقول بإستهجان :
-هو أنا تلميذ و لا إيه ؟ .. ثم أردف بعدم إهتمام :
-و بعدين أنا مالمستهاش أصلا.
مراد بدهشة :
-الله ! طب بناءاً علي إيه بتقول خاينة ؟؟!!
نظر إليه "عثمان" في صمت لبعض الوقت ، ثم بدأ يسرد عليه كافة التفاصيل ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل "بحيري" ... يصلا كلا من "يحيى" و "فريال" إلي المنزل أخيرا ، و بمفردهما
يعبرا البوابة الضخمة بتلك السيارة الفارهة ، يصفها "يحيى" بإهمال وسط الساحة الداخلية ، ليأتي البستاني و يأخذ مكانه ليدخلها إلي الكراچ ..
تتجه "فريال" في هذه الأثناء إلي الدرج المؤدي لباب المنزل ، يلحق بها "يحيى" مسرعا ، ثم يمسك بذراعها و يديرها إليه مغمغما بغلظة :
-إنتي كده بتزويدها أوي يا فريال .. مش شايفة إنك مكبرة الموضوع ؟؟؟
فريال بجفاء و هي تحاول أن تخلص ذراعها من قبضته :
-الموضوع كبير يا يحيى . إنت فعلا مش مهتم بإللي حصل لإبن أخوك و فوق كده رايح تشد معاه في المستشفي إنهاردة.
يحيى بعصبية :
-عايزاني أعمل يعني ؟ ما أنا علي إيدك روحت قابلت رئيس النيابة عشان أقدم بلاغ في رشاد بس قالي طالما مافيش دليل يبقي ماينفعش يتوجهله إتهام عشان عضو زفت مجلس شعب.
-بردو إنت مش عايز تتعب نفسك في الموضوع . و مش مقدر إن صالح فدا إبننا يعني لو ماكنش هو إللي أخد العربية و طلع بيها في الليلة دي كان عثمان هو إللي ركبها و كان زمانه مكانه دلوقتي .. الله لا يقدر طبعا !
يحيى متآففا بضيق :
-أنا مابقتش عارف أرضي مين و لا مين في البيت ده . مهما بعمل محدش فيكوا بيحس . بفضل أصلح في غلط كل واحد و في الأخر كلكوا بتضغطوا علي أعصابي بطريقة مستفزة !
و كاد يتجازوها إلي الداخل ، فأمسكت بيده قائلة :
-خلاص .. خلاص يا يحيى . أنا آسفة.
أغمض عيناه لبرهة و هو يتنفس بعمق ، ثم إستدار إليها و قال بهدوء :
-أنا مش فرحان في إللي حصل لإبن أخويا يا فريال . صالح ده إبني . زيه زي عثمان و صفية بالظبط .. رفعت بس إللي طول عمره واخد مني موقف و لا مرة قدرت أفهمه !
إبتسمت "فريال" بخفة ، ثم وضعت كفها علي وجهه و قالت :
-أنا عارفة إن مافيش في الدنيا قلب أطيب من قلبك .. عشان كده حبيتك يا يحيى . ماتزعلش مني.
يحيى مبتسما بحب :
-أنا مش ممكن أزعل منك يا فريال .. إنتي حبيبتي . و أنا إللي مقدرش أزعلك أبدا.
و أرسل نظرات عاشقة إلي عيناها الملونتين ، ثم أخذ كفها الذي إحتضن وجهه ، و رفعه إلي فمه ليطبع قبلة عميقة مطولة في باطنه
إتسعت بسمتها أكثر ، و ألقت برأسها خجلة علي كتفه ، ليلف ذراعه حول خصرها و يكملا معا طريقهما إلي الداخل ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
-يانهار أزرق ! .. قالها "مراد" بصيحة ذاهلة ، و تابع :
-عملت كده قبل فرحكوا بإسبوع ؟ جالها قلب تعملها إزاي بنت الـ--- دي ؟! .. ثم تساءل بإهتمام :
-طيب و إنت عرفت إزاي الحوار ده ؟؟؟
عثمان و هو يشعل سيكارة بحاجبين معكوفين :
-أبدا .. في الفترة الأخيرة لاقيت أحوالها معايا مش متظبطة . مابتقابلنيش كتير . مابتتصلش بيا ، و الكبيرة بقي !
مراد بإصغاء :
-إيه ؟؟؟
عثمان و هو ينفث الدخان من فمه بترو ، ثم قال :
-كنا بنتعشا مع بعض برا .. و إحنا بنتكلم . فجأة إتلغبطت و قالت إسمه بدل إسمي.
مراد بتركيز :
-ها و بعدين ؟!
-و لا حاجة بقي .. عملت فيها عبيط و فوتها . بس تاني يوم كنت مكلف واحد يراقبهالي 24 ساعة . هما يومين . و كان جايبلي الڤيديو الجميل بتاعها .. قال جملته الأخيرة بتهكم مرير ، و أكمل :
-ماخلتهاش تحس بأي حاجة .. بالعكس . إتصرفت عااادي جدا . و زودت إهتمامي بيها كمان . مثلت كويس يعني .. لحد ليلة الفرح.
-أه .. أكيد إدتها العلقة التمام.
عثمان بسخرية مرحة :
-إنت تعرف عني كده ؟ يابني أنا مابحبش العنف . كل حاجة بتيجي معايا بالحب.
ضحك "مراد" من قلبه ، ثم قال :
-ماشي يا حكيم عصرك .. طب عملت إيه قولي ؟؟
عثمان و هو يتأمل وهج السيكارة بين إصبعيه :
-ماعملتش حاجة .. مضيتها بس علي تنازل.
-تنازل عن إيه ؟!
-عن حقوقها و عن حصتها في الشركة دي ، ما أنت عارف . أبوها دخلها شريكة معايا .. بس أهو . أديها ماطلتش قشاية . و أنا خرجت منها كسبان و عوضت فلوس الفرح إللي عملتهولها.
مراد بإعجاب :
-معلم يا صاحبي .. معلم و منك نتعلم . شيطان بجد !
عثمان بضحك :
-جري إيه ياعم ! كلكوا ماعندكوش إلا الكلمة دي ؟ حتي صالح ماسكلي فيها.
-آاااه صاالح ! كنت هتنسيني تاني .. هو عامل إيه دلوقتي ؟ أنا قريت الخبر من يومين !
عثمان بجدية :
-أهو كويس الحمدلله . إتصلت بأبويا من شوية و قالي إنه فاق إنهاردة الصبح .. إن شاء الله هخلص شغل و هروح المستشفي أشوفه.
-طيب هروح معاك بقي . لازم أزوره و أطمن عليه.
-أووك .. شوية كده و هنقوم نروحله سوا .. ثم سأله :
-إنت لسا جاي إنهاردة صح ؟
-أنا جاي من عالمطار عليك علطول.
-طيب أكيد جعان بقي و أنا كمان مافطرطش أصلا .. دلوقتي معاد الـBreak يجي و هخلي سمر تطلبنا غدا.
مراد بإستفسار و هو يشير بإصبعه نحو الباب :
-سمر دي السكرتيرة إللي قاعدة برا ؟!
عثمان عابسا بإستغراب :
-آه .. بتسأل ليه ؟!
-أصلي بصراحة أول ما شوفتها إتصدمت !
-إتصدمت ؟ .. ليه ؟؟!
-مش تيبك يعني . جايبلي بنت محجبة و لبسها واسع و مقعدها برا . حسيت إني داخل محل عبايات في التوحيد و النور .. و ضحك إثر جملته الأخيرة
بينما رد عثمان في لامبالاه :
-هنا مكان شغل يا مراد .. مش Night Club هاجيب نسوان حلوة ليه ؟ أنا جاي أشتغل مش جاي أعمل حاجة تانية.
مراد بجدية :
-لأ يا عثمان بصراحة البت حلوة أوووي و Babyface كده . أومال أنا ليه قلت مش تيبك ؟ إنت متعود عالبجحين . إنما دي شكلها غير . رغم إنها كانت نازلة حب في التليفون برا مع واحد بس شكلها بردو آا ..
-نازلة حب مع واحد ! .. قاطعه "عثمان" بتساؤل ، ليرد :
-أه . و أنا داخل عليها سمعتها بتكلم واحد و نازلة فيه حب . شكله خطيبها !
عثمان بوجوم :
-لأ . مش مخطوبة.
-و إنت إيش عرفك ؟؟
عثمان . بعد صمت قصير :
-مافيش دبلة في إيديها .. ثم تنفس بعمق ، و قال مغيرا مجري الحديث :
-المهم .. ماقولتليش أمك و أبوك عاملين إيه ؟؟
مراد و هو يهز كتفاه بخفة :
-كويسين .. مارضيوش يجوا معايا ، قالوا قاعدين هناك !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
إنتهي الدوام أخيرا .. و عادت "سمر" إلي بيتها
لم يكن يومها شاق ، ربما لأنه أول يوم ..
دخلت "سمر" إلي البيت ، و بدأت في صعود الدرج ، لتسمع صوت جلبة آتية من الطابق الثاني حيث يقطن العم "صابر" و زوجته السيدة "زينب" ..
صعدت "سمر" الدرجات المتبقية بسرعة ، حتي وصلت إلي الطابق المنشود
توجهت صوب هذه الشقة المفتوحة ، لتري أخيها واقفا هناك في الداخل
عرفته من ظهره و .. من صوته العال ..
-لو سمحتي يا حجة زينب دي حاجة تخصني أنا ، أنا مش موافق . أنا حر .. قالها "فادي" بهتاف حاد و قد كان يحمل "ملك" علي ذراعه ..
إقتربت "سمر" في اللحظة التالية و تساءلت بقلق :
-في إيه يا جماعة ؟ في إيه يا فادي بتزعق كده ليه ؟؟؟
إلتفت إليها و قال بغضب :
-إطلعي إنتي فوق دلوقتي !
سمر بإستغراب :
-حصل إيه طيـ ..
و ما كادت تكمل جملتها ، ليصرخ بوجهها :
-قولتلك إطلعي فوق . و خدي ملك معاكي.
و ناولها الصغيرة و عيناه تشعان نارا ..
أخذت "سمر" أختها و صعدت إلي شقتها حين أدركت أنه لا مناص من إطاعة "فادي"
تركت الباب مفتوح ، و جلست بالصالون المقابل في إنتظار مجيئ أخيها ..
لم يغيب طويلا ، حضر "فادي" بعد دقيقة تقريبا
كانت "ملك" مستيقظة و لكنها هادئة ، فتركتها "سمر" علي الآريكة ، ثم مشت نحو شقيقها ..
-إيه إللي حصل ؟ .. تساءلت "سمر" متجهمة :
-كنت بتزعق للحاجة زينب ليه ؟؟؟
فادي بغضب مضاعف و قد أحمـّر وجهه أكثر :
-جايبالك عريس !!!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل التاسع 9 - بقلم Shaimaa Gonna
أجفلت في إستغراب ممزوج بالتوتر ، و رددت :
-جايبالي عريس ! .. ثم إنتفضت بعد برهة و هي تكمل بإستنكار حاد :
-بس بردو ده مش مبرر يخليك تزعق للست كده . دي في مقام ماما الله يرحمها و يعتبر مربيانا !
فادي بغضب :
-في مقام ماما و مربيانا علي عيني و راسي . لكن تفتكر نفسها واصية علينا لأ.
-إنت شوفتها جابت بندقية و هددتك بيها يا توافق يا تقتلك ؟ الست عرضت عليك الموضوع و إنت رفضت خلاص خلصنا.
فادي بعصبية مفرطة :
-لأ ماخلصناش . لازم الكل هنا يلزم حدوده و محدش يفكر يتدخل فينا.
سمر بغضب :
-عايز تعمل إيه ؟ هه ؟ هتروح تتخانق معاها تاني ؟ بقت دي أخلاقك دلوقتي ؟!
ضغط "فادي" علي فكيه بحنق شديد و هو يشيح بوجهه عنها ، بينما تابعت "سمر" متسائلة :
-ثم تعالي هنا قولي ! .. إنت عصبي كده ليه ؟ فيها إيه لو جالي عريس ؟ ده إنت أكتر واحد متحمس للفكرة و إمبارح بس كنت بتشجعني عليها .. إيه إللي حصل بقي ؟!!
فادي و قد عاوده الغضب الشديد مرة أخري :
-إللي حصل إن الست إللي في مقام ماما و مربيانا زي ما بتقولي كانت عايزة تجوزك خميس إبن المعلم رجب الجزار !
ذهلت "سمر" في البادئ و هي تتخيل كلامه !
إذن له الحق .. نعم له ملء الحق ليغضب ، إذ أن هذه العائلة كلها أرباب سجون و محبي للمشاكل ، صيتهم ذائع في كل مكان بأنهم أشد شرا عن غيرهم داخل منطقتهم أو خارجها ..
-طيب .. قالتها بهدوء غامض ، ليستوضحها "فادي" بحدة :
-طيب إيه ؟؟!!
-طيب خلاص الموضوع إنتهي .. و لو إني شايفة إننا خسرنا.
فادي بإستهجان :
-نعم ياختي !!
سمر ضاحكة بمزاح :
-أه و الله خسرنا . علي الأقل كنا هناكل لحمة ببلاش.
و إستمرت في الضحك ، ليتحول عبوس "فادي" إلي تعبيرات منفرجة ، ثم يقول مقاوما الإبتسام :
-إنتي بتهرجي صح ؟ .. طيب إسكتي بقي عشان ماتعصبش عليكي !
و إنفجر ضاحكا هو الأخر ..
تشاركا معا الضحك للحظات قبل أن يصيح "فادي" بإستذكار :
-أه صحيح .. قوليلي عملتي إيه في الشغل ؟ أول يوم كان كويس و لا إيه ؟!!
سمر و هي تهز كتفاها بخفة :
-الحمدلله .. كان كويس أه.
-محدش ضايقك يعني ؟؟
سمر بضحك :
-مين إللي هيضايقني بس يابني ؟ ده مكان شغل . حد هناك فاضي للكلام ده بردو ؟!
فادي بشيء من الحدة :
-أه فاضيين . و خدي بالك كويس بالذات من مديرك ده . أنا مش مرتاحله أصلا.
-يابني إنت كنت شوفته قبل كده !!
فادي بعدم إرتياح :
-مش مرتاحله و خلاص . خدي بالك منه و لو حاول يعمل معاكي أي حاجة تسيبي الشغل فورا سامعة ؟؟
أدارت عيناها معبرة عن ضيقها و هي تقول :
-اففف .. حاضر يا فادي . لو صدر منه ليا أي حاجة مخلة للآداب هسيبله الشغل علطول.
فادي بغيظ :
-بتتريقي ؟؟؟!
ضحكت "سمر" بخفة ، ثم إقتربت منه و ربتت علي كتفه قائلة :
-بس لو تبطل الوساوس بتاعتك دي يا فادي ! إطمن يا حبيبي . أنا هبقي كويسة . كلنا هنبقي كويسين إن شاء الله و قريب مش هنحتاج لأي حد.
و هنا برز صوت نشيج "ملك" المتقطع ، لتبتسم "سمر" و تستدير ماشية صوب الآريكة حيث تجلس أختها ، ثم تقول :
-حاضر يا حبيبتي . عارفة . عارفة إنك جوعتي . هحضرلك أحلي أكل دلوقتي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في المشفي الخاصة بإستقبال النزلاء الأثرياء فقط ..
يصعد كلا من "عثمان" و "مراد" إلي الطابق الرابع حيث جناح "صالح" المترف يقع هناك
ينقر "عثمان" علي الباب نقرتين متتاليتن ، ثم يدير المقبض و يدفعه
كانت "هالة" تجلس بجوار شقيقها عندما دخل إبن عمها و صديقه و قد إتخذت مكان "صفية" التي ذهبت إلي المنزل لتنول لتقسطا من الراحة ..
-أهلا عثمان . إزيك .. قالتها "هالة" بإبتسامة خاصة لـ"عثمان" وحده ، ليرد عليها بإبتسامة عادية :
-أهلا يا هالة .. الحمدلله كويس . إزيك إنتي ؟
-كويسة.
-أهلا أهلا بإبن عمي الندل . لسا فاكر تيجي تطمن عليا ؟ .. قالها "صالح" مبتسما بصعوبة
فضحك "عثمان" و هو يقترب ليجلس في كرسي أخر مجاور لسريره ، ثم قال بلطافة :
-عامل إيه يا واد ؟ تمام و لا خلاص بركت زي الجمل ؟!
-بتتريق يا خويا ! ما أنا لو بركت زي الجمل هتبقي إنت السبب مش كنت سايق عربيتك ؟ .. ثم نظر إلي "مراد" و صاح :
-و مراااد كمان هنا ! لا لا ده كتير عليا و الله.
مراد بإبتسامة :
-إزيك يا صالح ؟ ألف سلامة عليك.
-الله يسلمك يا سيدي . تعالي أقعد .. ثم طلب من "هالة" :
-لو سمحتي يا هالة قومي خلي مراد يقعد.
مراد يرفض :
-لأ تقوم إزاي ! خليكي يا هالة أنا مستريح كده.
هالة بإبتسامتها الرقيقة :
-تعالي يا مراد أقعد مكاني . أنا أصلا تعبت من القعدة . هروح أجيب قهوة من البوفيه تحت و هجيب كرسي كمان و أنا جاية .. تحبوا أجيبلكوا قهوة معايا ؟؟
عثمان / مراد :
-أه يا ريت !
رمقتهم بإبتسامة أخيرة ، ثم خرجت ..
-إيه يا عم مراد . جاي إقامة و لا زيارة ؟ .. قال "صالح" بتساؤل ، ليجيب "مراد" :
-جاي إقامة يا صاحبي . نويت إستقر هنا خلاص . بس و الله ما كنت مخطط أرجع اليومين دول أصلا أنا نزلت بسرعة عشانك . لما قريت الخبر حجزت تذكرة تاني يوم علطول.
-فيك الخير .. طمرت فيك العشرة ياض.
و هنا تدخل "عثمان" ..
عثمان بجدية :
-المهم قولي .. إنت كويس ؟ حاسس إنك تمام يعني ؟؟؟
صالح بوساطة :
-يعني ! .. مش قادر أتحرك خالص و جسمي كله بيوجعني خصوصا ضهري . بس تمام . أكيد كل ده هيتعالج بسرعة إن شاء الله.
عثمان و هو يربت بلطف علي كتفه :
-إن شاء الله .. ثم قال بصوته العميق :
-رشاد الحداد كان قاصدني أنا . بس جت فيك . للآسف ماعرفتش أثبت عليه حاجة . بس قولي يا صالح .. إنت حاطط الموضوع في دماغك ؟ لو شايلها في نفسك قولي و أنا أساويهولك بالأرض . مش هيهمني حد و إنت عارف.
تنهد "صالح" تنهيدة طويلة ، ثم قال :
-خلاص يا عثمان .. سيبه . إحنا مش ناقصين مشاكل تاني . و أنا قريب هقوم علي رجلي بإذن الله.
عثمان بإلحاح ممزوج بالغضب :
-مش إحنا إللي عملنا المشاكل . و كمان أنا مش عايز أسيب حقك . يعني أنا لو كنت مكانك كنت هتقف ساكت ؟؟؟
صالح بدون تردد :
-لأ طبعا ! .. ثم أكمل و هو ينظر إلي "مراد" :
-بس أنا بقول طالما بقيت كويس يبقي مافيش داعي نشوشر علي نفسنا . و لا إنت إيه رأيك يا مراد ؟!
مراد موافقا :
-صالح بيتكلم صح يا عثمان . أي حاجة ممكن تعملها ممكن تتقلب ضدك و كمان مافيش حاجة هترجع إللي فات . تقدر تقولي لو إتعرضتله بالآذي هتستفيد إيه ؟!
عثمان بشراسة :
-هبقي رديت إعتباري و إعتبار عيلتي كلها و فهمته كويس أنا مين عشان يفكر ألف مرة بعد كده قبل ما يحاول يآذيني.
-هو خلاص هيحرم يتعرض لأي واحد فيكوا تاتي . متنساش رقبته تحت رجلك و لسا الڤيديو بتاع بنته معاك .. المهم ماتتهورش و عديها المرة دي علي خير !
عادت "هالة" في هذه اللحظة حاملة طقم القهوة بين يديها ، لينقطع حديثهم الحاد ، و يتطوع "مراد" بالإبتسام عن صديقيه الصامتين الواجمين ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
صباح يوم جديد ... تستيقظ "سمر" باكرا و تهم من فراشها بنشاط
إستغلت إستغراق "ملك" في النوم و ذهبت لتؤدي بعض الواجبات المنزلية ..
نظفت الشقة سريعا ، أحضرت الفطور ، إيقظت "فادي" كي لا يتأخر علي جامعته ، ثم إتجهت إلي الحمام
إغتسلت و توضأت ، ثم خرجت و أدت سنة الضحى ..
إنتهت من صلاتها و قامت لتبدل ملابسها
كانت تثبت ربطة حجابها عندما إستيقظت "ملك" في هذه الأثناء و كالعادة باكية ، هرولت "سمر" إليها و حملتها من سريرها الصغير
ضمتها إلي صدرها بحنان و هي تتمتم مغنية بعذوبة في أذنها ..
هدأت "ملك" نسبيا ، بينما أخذتها "سمر" إلي "فادي" حيث كان يجلس هناك بالصالة و يتناول فطوره
أقبلت عليه "سمر" و هي تتحسس جبين أختها و تقول بقلق :
-فادي ! .. شكل ملك تعبت تاني و لا إيه ؟!
ترك "فادي" طعامه في الحال ، و مد يده و إحتوي وجهها الصغير بكفه الكبير ..
فادي بإبتسامة هادئة :
-لأ .. مافيهاش حاجة.
-أومال أنا حاسة إن حرارتها عليت ليه ؟؟
-إنتي بتقلقي عليها دايما يا سمر .. إطمني مافيهاش حاجة.
سمر و هي تحتضنها بقوة :
-يا رب .. ربنا يشفيكي يا حبيبتي !
ثم طبعت قبلة عميقة علي وجنتها المكتنزة
بينما قام "فادي" و هو يلتقط حقيبة ظهره من فوق الطاولة ، و قال :
-يلا بقي أنا لازم أمشي دلوقتي عشان ورايا إمتحان بعد ربع ساعة . يدوب يعني مسافة سكة .. ثم سألها بإهتمام :
-إنتي هتعملي إيه دلوقتي ؟؟؟
-و لا حاجة . هخلي ملك عند الحاجة زينب زي إمبارح و بعدين هروح علي شغلي.
فادي بضيق :
-تاني الحاجة زينب !
سمر بلوم :
-إسكت بقي مش كفاية إللي عملته إمبارح . يا رب بس ماتكونش زعلت منك أوي .. ثم قالت مقترحة :
-بقولك إيه ! .. ماتنزل معايا و إعتذرلها.
فادي برعونة خفيفة :
-نعم يا ماما ؟ أنا مابعتذرش لحد . و إنتي كمان إياكي تفتحي الموضوع سامعة ؟ .. يلا أنا ماشي.
و غادر "فادي" بينما جمعت "سمر" أغراض "ملك" ثم أخذتها و هبطت إلي شقة السيدة "زينب"
طرقت بابها و إنتظرت لثوان ، فتحت لها السيدة و رحبت بها ..
"زينب" ببشاشة :
-أهلا أهلا ببناتي الحلوين . إزيك سمر ؟ إزيك يا ملوووكة ؟
و مدت ذراعيها لتتلقي "ملك" ..
فناولتها "سمر" الصغيرة و هي تقول بإبتسامة :
-الحمدلله يا ماما زينب كويسة . إنتي إزي حضرتك ؟
-في نعمة يابنتي . نشكر ربنا . تعالي إدخلي واقفة عالباب ليه ؟!
ولجت "سمر" و تبعت السيدة إلي حجرة الجلوس
جلست قبالتها و هي تبحث عن الكلمات المناسبة لتبدأ بها حديثها ..
سمر بإرتباك و حيرة :
-ماما زينب أنآاا . إحم . أنا كنت عايزة .. كنت عايزة أقول يعني آاا ..
زينب بضحك :
-في إيه بس يابنتي ؟ علي مهلك عايزة تقولي إيه ؟!
سمر بشجاعة :
-كنت عايزة أقولك يعني ماتزعليش من فادي . هو مايقصدش يزعلك و الله . ده حتي كان عايز ينزل معايا يعتذرلك بس إتكسف منك !
-سمر يا حبيبتي .. إنتي أكيد عارفة غلاوتكوا عندي . أنا ست طول عمري عايشة مع جوزي لوحدي . ربنا مارزقنيش بالولاد . بس رزقني بيكوا أنا ربيتكوا مع أمكوا الله يرحمها .. ثم قالت و هي تداعب "ملك" بتحبب :
-و إن شاء الله ربنا يديني العمر و أربي الصغننة دي كمان.
سمر بإبتسامة :
-يا رب . ربنا يديكي الصحة.
-أنا عمري ما أزعل منكوا .. و ماكنش قصدي أضايق أخوكي . و الله يابنتي فكرت الموضوع ممكن يكون لمصلحتك . خميس إبن المعلم رجب كسيب و حياته حلوه و مبسوط.
-أيوه يا ماما زينب بس إنتي عارفة سمعته و سمعة عيلته كلها عاملة إزاي !
-و الله يابنتي أنا ما إتكلمت إلا عشان مصلحتك . و علي رأي المثل الراجل مايعبوش إلا جيبه و الجدع باينه شاريكي هو إللي إتكلم عليكي بنفسه.
تنفست "سمر" بعمق ، ثم قالت :
-يلا . مافيش نصيب يا ماما زينب . ربنا يوفقه مع واحدة أحسن .. ثم أكملت و تقوم عن المقعد :
-أنا همشي بقي عشان ماتأخرش علي الشغل .. عايزة مني حاجة قبل ما أمشي ؟
-ماتحرمش يا حبيبتي . طريق السلامة !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل "بحيري" .. علي مائدة الفطور إجتمع الجميع
تنهي "صفية" طعامها بسرعة ، لتنتبه إليها "فريال" و تسألها بإستغراب :
-في إيه صافي ؟ بتاكلي بسرعة كده ليه ؟ علي مهلك !
صفية بصوت شبه واضح بسبب كمية الطعام التي تملأ فمها :
-عايزة أخلص بسرعة يا مامي . عشان ماتأخرش علي صالح.
ثم ران صمت قصير بعد ذلك ، قطعته "هالة" بسؤال متوتر :
-هو . هو عثمان لسا نايم و لا إيه ؟!
أجابتها "فريال" مبتسمة و هي تعلم تماما ماهية سؤالها :
-لأ يا حبيبتي . عثمان صحي من بدري و راح علي شركته لسا ماشي من ساعة تقريبا.
-ياااه . مشي بدري أوي.
-أه . ما إنتي عارفة بقي شركته لسا جديدة و لازم يظبط كل حاجة بنفسه في الأيام الأولي.
أومأت "هالة" بتفهم ، بينما تحدث "يحيى" إلي "رفعت" ..
يحيى بنبرة هادئة :
-رفعت ! كمان شوية هروح أبص علي المجموعة . تيجي معايا ؟ بقالك كتير ماروحتش.
لم يرفع "رفعت" إليه بصرا ، ما زال غاضبا منه
لكنه قال ببساطة :
-مرة تانية أبقي أروح . مش معقول هسيب إبني و أروح أبص علي الشغل . إبني أهم.
إزدرد "يحيى" برودة أخيه معه ، و قال بلطف :
-إحنا مش هنطول هناك . هنروح بسرعة و بعد كده نبقي نطلع أنا و إنت علي المستشفي .. إيه رأيك ؟؟
رفعت بعد تفكير :
-ماشي .. قالها بإقتضاب
لينظر "يحيى" نحو زوجته ، وجدها تبتسم له برضا ، بدالها بإبتسامة حب ، و من دون أن يراه أحد أرسل إليها قبلة في الهواء
توردت "فريال" خجلا ، و خفضت رأسها بسرعة و هي تزم شفتيها مقاومة تلك البسمة الواسعة ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في مؤسسة ( البحيري للتسويق و التجارة ) ... تجلس "سمر" في المكان المخصص لها
تقوم بطباعة بعض الرسائل المرسلة إلي الشركة من الخارج ، ثم تجمعها كلها و تضعها بملف خاص لتسلمها الآن لمديرها كما طلب منذ قليل ..
كادت تنهض ، لولا رنين هاتفهها الذي أعادها لتجلس ثانيةً
كانت "السيدة زينب" هي من تتصل بها ، عبست "سمر" بقلق ، لكنها ردت :
-آلو ! .. أيوه يا ماما زينب . في حاجة ؟ .. ثم صاحات بهلع :
-بتقولي إييييييه ؟؟!!!!!
.................................................
كان "عثمان" جالسا بمكتبه ، يتحدث في هاتفهه إلي صديقه "مراد" ..
قضي أكثر من نصف ساعة هو يحاول إقناعه بالمكوث في قصر عائلته الخرافي ..
-إسمع بقي عشان إنت صدعتني و قرفتني .. قالها "عثمان" بنفاذ صبر ، و أكمل بحسم :
-إنت هتسيب الآوتيل إللي قاعد فيه ده إنهاردة و هتيجي تنقل عندنا في البيت . مش عايز إعتراض خلاص إنتهي.
رد الأخير بحيرة :
-يا عثمان إنت بتضغط عليا كده . أنا مش عايز أضايكوا . خليني زي ما أنا يا أخي بالله عليك !
-تضايقنا إيه و بتاع إيه ياض ؟ هو إحنا قاعدين في عشة ؟ ده قصر البحيري . أكبر قصر فيكي يا إسكندرية و مش بس في إسكندرية في مصر كلها .. شوف إنت هتسمع كلامي غصب عنك . هتسيب الآوتيل زي ما قولتلك و هتيجي تقعد عندنا من إنهاردة ساامع ؟؟؟
تنهد "مراد" و قال بإستسلام :
-ماشي ياسيدي . كمان شوية هبقي هنزل أعمل Check Out و هكون عندكوا علي بليل كده !
و ما كاد "عثمان" يرد ، إلا و شاهد باب مكتبه ينفتح بقوة يليه دخول "سمر" السريع
كانت حالتها مزرية للغاية و الدموع تهطل من عينيها كالشلال ..
إندفعت صوب "عثمان" و هي تهتف بصوت مرتعش :
-عثمآاان بيه !
وثب "عثمان" عن مقعده فورا و هو يقول بذعر :
-في إيه يا سمر ؟ المبني بيولع ؟؟!!
هزت رأسها نفيا مع أنين خافت سمعه "عثمان" صادرا عنها ..
-طيب إيه إللي حصل .. سألها بشيء من العصبية ، لترد بصعوبة غير قادرة علي إيقاف سيل دموعها :
-أخـ أختي مـ لـك . تـ عبانة أو ي . مش قـ ادرة تتـ نفس.
عثمان بلهجة هادئة و هو يستدير حول مكتبه ليقف أمامها :
-إيه ! طيب إنتي عرفتي إزاي ؟
-جارتـ نا إ إتصـ لت بيا و وقا لتـ لي .. آ نا لازم إمشي د دلوقتي حا لا يـ يافنـ دم !
-هتعملي إيه طيب ؟؟؟
-هاوديها للد كتور طـ بعا.
عثمان و هو يلتفت و يأخذ هاتفهه و مفاتيحه من فوق سطح المكتب :
-طيب خلاص أهدي . أنا هاجي معاكي.
سمر برفض و هي تمسح دموعها بظهر يدها :
-لأ .. ماتتعـ ـبش نفـ سك أنا هـ آاا ..
-و لا كلمة ! .. قاطعها بحزم ، و أردف بصرامة :
-أنا جاي معاكي . و يلا قدامي بسرعة عشان منتأخرش علي البنت.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في المستشفي ... داخل جناح "صالح"
تقف "صفية" أمام سريره مطرقة الرأس ، بينما هو كالصنم .. لا يتحرك و لا يتكلم
فقط ينظر إلي الفراغ في وجوم و صمت لا يطاق ، حتي ملت "صفية" و قالت و هي ترفع رأسها فجأة :
-هتفضل ساكت كده ؟ بتعاقب مين دلوقتي ؟ أنا و لا إنت ؟ .. رررررد عليآاا !
صمت قصير .. ثم تكلم "صالح أخيرا :
-عايزاني أقول إيه ؟ .. تساءل بصوت بارد قاس ، ثم تابع و هو يحول إليها بصره الحاد :
-ألومك عشان طلبتي مني أنزل ساعتها ؟ و لا ألوم نفسي عشان سمعت كلامك و كنت بحاول أرضيكي ؟ و لا ألوم أخوكي إللي خد حظي و المفروض هو إللي كان يحصله كل ده ؟ هه ! ألوم مين بالظبط ؟ ما تردي إنتي بقي ؟؟!
صفية و هي تنتفض منزعجة :
-إللي بتقوله ده ماينفعش علي فكرة . أولا أنا ماقصدتش آذيك بأي طريقة و أكيد لو كنت أعرف إن حاجة زي دي ممكن تحصلك ماكنتش طلبت منك تنزل ساعتها . ثانيا أنا عمري ما طلبت منك ترضيني و لو كنت رفضت طلبي ماكنتش هزعل . ثالثا بقي و الأهم أخويا مالوش ذنب في إللي حصلك . ده قدر و آا ..
-قدر ! .. قاطعها بحدة شديدة و قد إتسعت عيناه غضبا ، ثم صاح مكملا :
-دي عربية أخوكي يا هانم . هو إللي كان هيطلع بيها لو ماكنش عايز يدهالي كان هو إللي طلع بيها و عمل الحادثة بدالي.
-قصدك إيه ؟ .. تساءلت بغضب
-عايز تقول يعني إنه كان علي علم بإللي هيحصلك ؟!
لم يجب و ظل علي حالته الحادة ، فإنفجرت "صفية" بغضب مضاعف :
-إنت أكييد إتجننت . أكيد الحادثة آثرت علي دماغك . إنت مابقتش طبيعي . مابقتش بتفكر !
صالح و هو يهز رأسه موافقا بهدوء شديد :
-صح . إنتي عندك حق . أنا مابقتش طبيعي .. عشان كده . خدي يا صفية !
و رفع يده اليمنى و إنتزع منها خاتم خطبته ..
قام بوضعه علي الطاولة القريبة من سريره ، بينما تابعت "صفية" ما يفعله في صمت ذاهل حتي إنتهي ..
فسألته :
-إيه إللي إنت عملته ده ؟!
صالح ببساطة :
-فسخت خطوبتنا . إنتي لسا قايلة إني مابقتش طبيعي . كلامك صح . أنا دلوقتي بقيت إنسان عاجز . مش هعرف أمشي علي رجليا تاني . خلاص . مسألة إرتباطنا إنتهت !
دخلت كلماته إلي رأسها و إستقرت الواحدة بعد الأخري ، فضاق صدرها و تقطعت أنفاسها
في تلك اللحظة بالذات ، شعرت "صفية" بعمق مكانة "صالح" في حياتها و بصعوبة إقتلاعه من حياتها ..
فتحت فمها و أغلقته ثانيةً ، ثم قالت بصدمة :
-صالح ! .. إنت بتقول إيه ؟؟؟!
كانت الكلمات تختنق في حنجرتها ، بينما رد بجفاء و هو يشيح بوجهه عنها :
-إللي سمعتيه.
صفية بصوت مرتجف :
-إنت كده بتنهي كل إللي بينا !
صالح و قد عاد ينظر إليها مجددا ..
-بالظبط كده ! .. قالها بتحد و ثقة ، ثم أكمل بطريقة ساخرة لا تخلو من العتب و الإهانة :
-أنا أصلا عمري ما حسيت إنك بتحبيني . دايما بتحسسيني إنك إتنازلتي أوي لما وافقتي نتجوز . ليه ؟ كنتي تقدري ترفضيني عادي جدا و كنا بقينا ولاد عم و إخوات بدل ما تحاولي تقبلي فكرة إني خطيبك و كمان كام شهر و هبقي جوزك . أنا ماقبلش إتجوز واحدة مابتحبنيش.
-أنا بحبك يا صالح ! .. تمتمت ، و شعرت بالرعب يخنقها و بركبتيها ترتجفان و تهددان بإسقاطها
-شكرا .. قالها ببرود و حيّد عنها مجددا ، بينما سعت إليه و هي تقول برجاء :
-رجع دبلتك زي ما كانت . أنا بحبك . و الله بحبك و مافيش حاجة من إللي قولتها صح . جايز بس أنا ماعرفتش أعبرلك عن مشاعري بالطريقة إللي إنت عاوزها . لكن صدقني أنا بحبك . بجد بحبك يا صالح !
تنهد "صالح"بفتور ، ثم قال بمرارة :
-حتي لو بتحبيني بجد .. خلاص ماعادش ينفع.
-هو إيه ده إللي ماعادش ينفع ؟ .. و صرخت بصوت أعلي :
-إنت مش من حقك تقرر في حاجة زي دي من نفسك . أنا شريكتك في القرار.
صالح بصياح منفعل :
-و إنتي مش عايزة تفهمي ليه ؟ أنا خلاص إنتهيت . مابقتش نافع لا ليكي و لا لغيرك . هفضل عاجز كده طول عمري.
-مين قالك كده ؟ إنت ماسمعتش الدكتور كويس و لا إيه ؟ إنت لسا هتتعالج و بعد فترة قصيرة هترجع زي ما كنت و أحسن.
صالح بإنفعال أشد :
-مش عايز أتعالج . مش عايز أرجع أحسن من الأول . سيبيني يا صفية . سيبيني و إمشي أنا مابقتش عايزك . خلاص مش عايزك في حياتي تاني . أخرجي برا . إمشيييي !
إرتدت "صفية" للخلف و هي تعض علي شفتها السفلي بقوة و ترمقه بعدم تصديق
ترقرقت الدموع بعيناها ، و لكنها حبستها ..
إلي أن خرجت فعلا من غرفته
و هنا فقط ، أطلقت لنفسها العنان و راحت تبكي بنشيج مكتوم و هي تركض مجتازة الردهة الطويلة
بينما أعين جميع من في الطابق مصوبة نحوها ، تشملها بنظرات التعجب و الإستفهام حتي إختفت ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
أمام بيت "سمر" ... تقف سيارة "عثمان" الضخمة الفارهة
لتترجل "سمر" بسرعة و هي تقول :
-خليك زي ما إنت يا عثمان بيه . أنا هدخل أجيب ملك و هاجي بسرعة.
أومأ "عثمان" بالموافقة ، بينما إندفعت "سمر" راكضة إلي الداخل
وصلت إلي شقة السيدة "زينب" و ضربت الجرس بتواصل و إلحاح ، فتحت الأخيرة بعد لحظات و هي تحمل علي ذراعها "ملك" المسكينة ..
كانت الصغيرة في حالة صعبة للغاية ، حيث كانت متهدلة و هامدة بصورة مخيفة و بدت و كأنها تنازع لتأخذ أنفاسها ، بخلاف حشرجة صدرها و عيناها الملبدتان بالدموع ..
-إيه إللي حصل ؟ .. تساءلت "سمر" برعب و هي تمد ذراعيها لتأخذ أختها ..
ناولتها "زينب" الطفلة ، ثم أجابت و صوتها لا يخلو من القلق و الخوف :
-يابنتي و الله كانت كويسة بعد مامشيتي حتي جاعت و أكلتها و كله حاجة كانت ماشية تمام . بس فجأة لاقيت وشها أصفّر و شفايفها إزرّقت و إبتدت تاخد نفسها بالعافية . ساعتها لما غلبت قلت مابدهاش بقي و إتصلت بيكي طـّوالي.
سمر و هي تحتضن الطفلة بشدة :
-طيب أنا هاخدها للدكتور دلوقتي . لو فادي رجع قبل ما أجي إبقي قوليله يتصل بيا يا ماما زينب.
-حاضر يابنتي . علي مهلك و إنتي ماشية . و لا إستني هلبس و أجي معاكي !
سمر و هي تهبط درجات السلم بخفة و حذر :
-لأ خليكي يا ماما زينب . إن شاء الله مش هنطول . هنرجع علطول.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
قبل دقيقتين ..
أمام محل الجزارة المقابل لبيت "سمر" .. وقف شاب في مستهل عمره ، يباشر تقطيع شرائح اللحم الطازج فوق الأورمة " قطعة خشب يتم وضع اللحوم فوقها من أجل تقطيعها " ..
شاهد سيارة سوداء إصدار أحدث طراز للعام ، تدخل ببطء و روية في الشارع الضيق نسبيا
و من خلال نظراته الفضولية المتفحصة ، لمح "سمر" تجلس في المقعد المجاور لمقعد السائق الذي بدا له رجلا ثريا من هيئته و ملابسه و أيضا من سيارته التي يقودها
تابع النظر إليهم حتي توقفت السيارة و نزلت منها "سمر" ..
رآها تقول لمرافقها شيئا وجيزا ثم تستدر و تتجه إلي داخل البيت مسرعة
لم ينصرف صاحب السيارة الثمينة و بقي منتظرا كما هو ، فشعر الشاب بالغضب ينتابه و هو يحدج هذا النبيل بنظرات نارية حتما ستحرقه لو كانت فعلية
و فقط السؤال الذي أخذ يلح عليه أثناء هذه اللحظات هو ؛ . من هذا يا تري ؟ و ما علاقته بـ "سمر" ؟
عادت "سمر" و إستقلت السيارة ثانيةً ، و لكنها لم تكن بمفردها هذه المرة ، كانت شقيقتها الصغري معها ..
شاهد الشاب سائق السيارة يبذل جهدا بالغا في إخراج سيارته من هذا الشارع ، و بعد عدة محاولات ، نجح أخيرا و إنطلق بها للطريق الرئيسي
بينما ذهب الشاب ليكلم والده داخل المحل ..
-شفت يابا ! .. قالها الشاب بحدة ممزوجة بالغيظ ، ليسأله والده الجالس يجري بعض الحسابات خلف مكتبه المبهرج :
-في إيه يابني ؟ حصل إيه ؟؟
-لسا شايف سمر راجعة مع واحد شكله إبن ذوات و في عربية أبهة خالص . مش هاممها حد يشوفها و مشيت معاه تاني هي و أختها الصغيرة.
الوالد بنبرته الطبيعية الغليظة :
-راجعة مع واحد شكله إبن ذوات و في عربية أبهة ؟ .. لونها إسود العربية دي ؟؟
الشاب بتقطيبة مستغربة :
-أيوه !
-و إللي سايقها ده شكله نضيف كده و مستحمي ؟؟
-أيوه يابا إنت تعرفه و لا إيه ؟!
-لأ ماعرفوش . بس شفته من قيمة يومين كده كان بيوصل الصنيورة بتاعتك بنفس العربية بردو !
الشاب مضيقا عينيه بغضب :
-يا تري مين ده ؟ تكونش رفضتني عشانه يابا ؟؟؟
-وارد يابني . بس و لا يهمك سيبك منها . أصلا لا أنا و لا أمك كنا موافقين عليها . ماكنتش هتشيلها لوحدها . إخواتها الإتنين كانوا هيبقوا فوق البيعة.
الشاب بغضب أشد :
-بس ماتجيش منها .. لسا ماتخلقتش إللي ترفض المعلم خميس.
-يابني إحنا مش ناقصين عوأ . ورانا شغل أد كده . سيبك منها و أنا هجوزك ست ستها . حسب و نسب و أحلي منها كمان.
إبتسم "خميس" بسخرية ، ثم إنصرف ليتابع عمله مجددا و هو لا ينوي خيرا أبدا ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في العيادة الخاصة ، حيث الطبيب الذي فحص "ملك" منذ أيام قليلة يعاود فحصها مرة أخري .. و لكن مع إختلاف الوضع هذه المرة
إذ أن "ملك" وحدها داخل غرفة الفحص ، بينما تقف "سمر" في الخارج مع "عثمان" الذي عمل علي تهدئتها منذ وصولهم :
-إهدي شوية يا سمر . ماتقلقيش هتبقي كويسة.
سمر و هي تتضرع بخشوع :
-يااارب .. يا رب تبقي كويسة !
و صدح فجأة رنين هاتفهها ، لتخرجه من جيب سروالها الواسع و ترد دون الحاجة لرؤية إسم المتصل :
-فادي .. ماتخافش يا حبيبي .. أيوه إحنا عند الدكتور .. طيب .. طيب خد العنوان !
و فيما راحت "سمر" تلقن أخيها عنوان العيادة ، ذهب فكر "عثمان" للبعيد و هو يرمقها بنظرات ذات مغزي
ثم أخذ يتساءل في نفسه ..
"مين فادي ده ؟ يمكن هو ده إللي مراد قال عليه كانت نازله فيه حب ؟ يعني هو خطيبها ؟ بس إزاي ؟ مافيش في إيديها دبلة ! و كمان دي بتقوله يا حبيبي . الله علي براءتك يا سمر . كنت بدأت أصدق !! "
و قطع تفكيره خروج الطبيب من غرفة الكشف ..
هررلت "سمر" في إتجاهه هاتفة :
-دكتور ! لو سمحت طمني . أختي فيها إيه ؟؟؟
الطبيب و هو يزم شفتيه بأسف :
-للآسف شكي كان في محله .. إلتهاب رئوي حاد و للآسف أكتر حالتها إتأخرت !
سمر و قد إرتعشت ساقيها من الصدمة إلتوتا من تحتها ، ليسندها "عثمان" بسرعة قبل أن تقع ..
بينما سارع الطبيب بالقول :
-إهدي إهدي ماتقلقيش . في علاج إن شاء الله . هي عمرها لسا 10 شهور يعني سهل تدخل حضـّانة ، هنعملها جلسات أكسچين من إنهاردة و مش هتخرج من هنا قبل إسبوع أو إسبوعين حسب إستجابتها للعلاج.
سمر بوهن :
-إعمل أي حاجة يا دكتور . إعمل أي حاجة بس ملك تبقي كويسة !
الطبيب بأدب :
-تمام يا أنسة . أنا هخلي المساعدين هنا يجهزوا كل حاجة و هننلقها للحضـّانة علطول . بس معلش يعني هتحطي خمستلاف جنية برا تحت الحساب.
جحظت عيناها و هي تتمتم بذهول :
-خمستلاف جنية تحت الحساب ؟ طيب هما من أصل كام ؟؟؟
-من أصل عشرتلاف حضرتك اليوم في الحضـّانة بالمبلغ ده . طبعا بالآدوية و العقاقير و خلافه.
بـُهتت "سمر" و عجزت عن الكلام ، ليأتيها صوت "عثمان" قائلا بهدوء :
-ماتقلقيش . ماتشيليش هم حاجة يا سمر . أنا هدفع الحساب كله !
إلتفتت "سمر" إليه في هذه اللحظة ، لتكتشف أنه لا زال يسندها
ما كادت تبتعد عنه و تستقيم في وقفتها ، إلا و سمعت صوت أخيها الغاضب آتيا من الخلف ينادي بإسمها :
-سمــــر !
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل العاشر 10 - بقلم Shaimaa Gonna
إنتفضت "سمر" تلقائيا إثر سماع صوت أخيها .. فتخلصت بسرعة من أيدي "عثمان" اللتان تسندانها و إعتدلت في وقفتها ، ثم إلتفتت لتواجه "فادي" ..
كان وجهه قاتم الحمرة و قد أظلمت عيناه السودوان أكثر من شدة الغضب ، رأته يقترب منهما بخمسة خطوات واسعة ، ثم يقف في مقابلتها هي مباشرةً ..
-إيه إللي بيحصل هنا ؟ .. قالها "فادي" بتساؤل حاد ، و أكمل بعصبية :
-إيه إللي أنا شفته بعنيا ده ؟؟؟
سمر بإرتباك شديد :
-فـ فادي ! مافيش حاجة يا حبيبي . إحنا كنا بنكلم الدكتور بس .. و أشارت إلي الطبيب الذي يقف ورائها ، و لكنها إكتشفت أنه ذهب !
ربما لم تفطن لذلك أثناء صدمتها بالمبلغ الذي يتحتم عليها دفعه من أجل رسوم علاج أختها ..
إنتبهت مرة أخري علي صوت أخيها و هو يسألها بحدة :
-ميــــــن ده ؟!
نطق و هو يغرز نظراته المشتعلة بـ"عثمان" ..
فأجابت "سمر" بشيء من الإضطراب و هي توزع نظراتها بينهما :
-ده عثمان بيه يا فادي . مديري في الشغل ! .. ثم توجهت إلي "عثمان" مكملة التعارف :
-عثمان بيه . ده فادي أخويا !
عثمان في نفسه : " ده طلع أخووها ! " .. لكنه لم يظهر أمامهما هذه الدهشة التي أحدثها تصريح "سمر"
بل قال بإبتسامة رزينة :
-أهلا و سهلا . إتشرفت بيك !
و مد يده للمصافحة ، إلا أن "فادي" رفضها و قال بتهكم واضح :
-أهلا . بس هو حضرتك بتعمل إيه هنا يعني مش فاهم ؟!!
-فاادي ! .. تمتمت "سمر" و هي تزجره بغضب ، ثم قالت بإبتسامة لتغطي علي وقاحة أخيها :
-عثمان بيه كتر خيره ماسبنيش و لا ساب ملك . أصر يجي معايا و هو إللي جابنا لحد هنا . تصور كمان إنه إتكفل بمصاريف علاج ملك طول ما هي هنا ؟ الدكتور قال إحتمال يقعدها إسبوع أو إسبوعين في الحضـّانة و اليوم الواحد بس بعشرتلاف جنيه !
فادي و هو يرفع حاجبيه بسخرية :
-و الله ! لا فعلا كتر خيره . بتقولي بقي اليوم بعشرتلاف ؟ و إحتمال تقعد إسبوع أو إسبوعين صح ؟ يعني فرضا لو قعدت إسبوع الباشا هيدفع سبعين ألف و لو قعدت إسبوعين هيدفع مية و أربعين ألف ! .. يااااه . بجد ده لطف و كرم كبير أوووي من حضرتك .. ثم سأله بحدة :
-لكن بمناسبة إيه هتعمل معانا كل ده ؟ أنا كان نفسي أشوفك من أول مرة سمعت عنك فيها عشان أسألك السؤال ده بس . بمناسبة إيه بتعمل معانا كل ده ؟ إيه إللي هيعود عليك من ورا ده كله ؟؟؟
كادت "سمر" تتحدث ثانيةً لتوقفه عن معاداة الرجل الذي بيده مصير أختها ، لكن "عثمان" سبقها و أجاب بهدوء مع إبتسامة واثقة :
-أولا أنا دلوقتي بساعد ملك لوحدها . و أكيد أي حد مكاني مش هيشوف طفلة صغيرة بين الحيا و الموت و مايساعدهاش . ثانيا أنا مش مستني حاجة من ورا إللي بعمله . أنا طبيعي بحب أساعد الناس بدون مقابل.
فادي متسائلا برعونة :
-بتحب تساعد الناس بالآلافات ؟!
عثمان بغرور ممزوج بالتعالِ :
-الفلوس ماتهمنيش . عندي منها كتير أوي.
فادي بعدائية شديدة :
-أومال إيه إللي يهم سيادتك ؟؟؟
و هنا تدخلت "سمر" بصرامة حادة :
-خلاااص يا فآاادي ! إنت بتحقق معاه بدل ما تشكره . هو مش مجبر يساعدنا و لا يهدر فلوسه علينا علي فكرة .. ثم خاطبت "عثمان" بتهذيب :
-أنا آسفة حضرتك بالنيابة عن أخويا . هو مايقصدش و الله . كل الحكاية إنه مستغرب بس من كرمك الزايد . و بصراحة هي حاجة غريبة فعلا إنك تدفع كل المبلغ ده عشان أختي !
إبتسم "عثمان" و هو يرد بإسلوبه الفاتر علي الدوام :
-قولتلك قبل كده يا سمر إني إعتبرت ملك زي بنتي . أنا حاببها و حابب أساعدها . أما بالنسبة لمسألة الفلوس فالمبلغ ده بسيط جدااا بالنسبة لي . مش هيأثر معايا أبدا إطمني.
سمر بإبتسامة خفيفة :
-ربنا يزيد حضرتك . و بجد أنا مش عارفة أشكرك إزاي و لا أوفي جمايلك إزاي !!
-عيب يا سمر . هتزعليني لو قولتي كده تاني !
-لأ خلاص . أنا مقدرش أزعل حضرتك طبعا.
-أنا ماعملتش حاجة . ده شيء طبيعي جدا أي حد مكاني كان لازم يتصرف كده.
سمر بإمتنان صادق :
-بردو شكرا يا عثمان .. شكرا علي وقفتك جمبي أنا و أختي . شكرا علي معاملتك الطيبة و أخلاقك العليا معايا.
أومأ "عثمان" بإبتسامة رقيقة و هو يضحك و يسخر منها في قرارة نفسه " أخلاقي العليا ! فريال هانم كانت هتفرح أوي بالكلمة دي " ..
-العفو يا سمر . ده واجبي .. قالها "عثمان" و هو يشمل "فادي" بنظرة خاطفة
كان الأخير يرمقه بنظرات عنيفة ، و لكنه آثر الصمت لإدراكه أن شقيقته محقة ، إنهم بحاجة إليه بالفعل ، أو بالأحري بحاجة إلي أمواله
لذا أطبق "فادي" فمه و لم يعد يفه بكلمة أخري من شأنها أن تسيئ إليه ، فقط ظل يحدجه بتجهم ممزوج بالحدة
بينما يتظاهر "عثمان" بعدم ملاحظته و هو يتصرف بغرور متعمد ناجم عن نشآته الثرية المتغطرسة ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل "بحيري" ... تلج "صفية" إلي غرفتها و هي في حالة صعبة للغاية
منذ أن تركته و غادرت المشفي كلها لم تستطع منع دموعها من الهطول ، حاولت ضبط نفسها لكنها فشلت لدرجة أنها أخذت سيارة آجرة لتصل إلي هنا و تركت سيارتها مصفوفة هناك بالكراچ
خشت أن تقود و هي بهذه الحالة فيقع لها حادث كما صار معه ..
ألقت بثقلها فوق سريرها الكبير و قد أخذ منها التعب خلال الساعة الماضية كل مأخذ
جلست صامتة و المرارة ترشح من تقاسيم وجهها المتقلصة ، واصلت البكاء دون توقف
لينفتح باب الغرفة فجأة و تدخل "فريال" دون إستئذان ..
لم تحاول "صفية" إخفاء محنتها عن أمها ، بل أنها مدت إحدي يديها بإتجاهها ، تمط أصابعها و كأنها تتمني لو أنها طويلة بما يكفي لتجتاز المسافة بينهما ، فكم هي بأمس الحاجة لحضنها الآن و بصورة شديدة اليأس ..
رمقتها "فريال" بصدمة و هرولت نحوها بسرعة ، أمسكت بكتفيها و ضمتها إلي صدرها هاتفة :
-صافي ! مالك يا حبيبتي ؟ في إيه ؟ أنا شفتك و إنتي راجعة بتاكسي و كنتي بتعيطي و إنتي داخلة البيت . إيه إللي حصل يا صافي ؟؟؟
-صالح يا مامي ! .. نطقت "صفية" بصعوبة و هي تشعر بالغصة تكاد تخنقها
لتستوضحها "فريال" بتوجس :
-ماله صالح ؟؟؟
صفية بنشيج متقطع :
-قـ قـ ـلـ ع د دبلـ ـته . فسـ خ خـ خـ ـطو بتـ ـنا !
-فسخ خطوبتكوا ؟! .. تمتمت "فريال" بذهول ، ثم سألتها بحدة :
-و عمل كده ليه ؟؟؟
صفية و هي تعتصر عيناها من الدموع بشدة :
-الدكتور صارحه بكل حاجة إنهاردة . شرحله حالته . أول ما عرف إتحول .. مابقاش صالح إللي أنا أعرفه . قال كلام كتير . و شكك في عثمان إنه كان علي علم بإللي هيحصله . و لما إتضايقت و شديت معاه شوية لاقيته بيقلع الدبلة و .. و بيقولي مش عايزك !
و راحت تجهش بالبكاء أكثر علي صدر أمها ، بينما إنزعجت "فريال" لاسيما من الجزئية التي تخص إبنها ..
لكنها تمالكت غضبها سريعا ، و أخذت تمسد علي ظهر "صفية" و هي تقول بصوتها الرقيق اللطيف :
-طيب خلاص . خلاص إهدي يا حبيبتي . هو أكيد مصدوم و في حالة عصبية من ساعة ما عرف .. سيبيه شوية بس و هو لما يهدا أكيد هيندم علي كل إللي قاله و هيطلبك عشان يعتذرلك كمان.
-أنا بحبه يا مامي ! .. قالتها "صفية" بلوعة و عذاب ، و أكملت :
-عمري ما قلتله بحبك . بس أنا بحبه و الله .. مش عايزاه يسيبني حتي لو ماقامش علي رجليه . هفضل معاه.
تنهدت "فريال" و ربتت علي كتفها بحنان قائلة :
-إن شاء الله هيقوم علي رجليه . و مش هتسيبوا بعض !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عودة للمركز الطبي الخاص ... غادر "عثمان" منذ قليل ، لينفرد "فادي" بأخته أخيرا
لكنه لم يتكلم معها في الحال ، بل إنتظر حتي إطمئنا علي "ملك" و شاهداها داخل سرير الحضـّانة الصغير تأخذ أول جلسة علاج ضد الإلتهاب الرئوي الحاد الذي أصابها مؤخرا
كانت نائمة كالملاك ، فيما سحب "فادي" أخته من ذراعها إلي الخارج ليحدثها ..
-فهميني بقي من فضلك . إيه إللي حصل بالظبط ؟ .. تساءل "فادي" بعصبية خفيفة
لتجيبه "سمر" بهدوء و تعقل :
-ماحصلش حاجة يا فادي . زي ما قولتلك بس عثمان بيه لما عرف إن ملك تعبت أوي أصر يجي معايا و يودينا بنفسه للدكتور.
فادي بغضب :
-و هو ماله ؟ و إنتي بتحشريه فينا ليه ؟ كنتي إتصلي بيا أنا أولي . ماكنتش هعرف أتصرف يعني ؟!
سمر بغضب مماثل :
-كنت هتصل بيك و إنت في الإمتحان ؟ كنت هتسيب إمتحانك و هتجيلنا ؟
-أه . قولتلك قبل كده خدي بالك من الراجل و ماتخليهوش يتعود عليكي . بس إنتي بتفوتي كلامي و بتمشي إللي في دماغك !
-كفاية بقي يا فادي . دماغك بتقفل علي حاجات مش منطقية و كل شوية بتعيب في الراجل و كلمته بإسلوب وحش لما كان هنا . ده جزاؤه إنه حب يساعدنا ؟ هي دي شكرا إللي المفروض نقولهاله ؟؟؟
فادي بإنفعال شديد :
-معقولة واحد غني زيه يساعد ناس زينا بالطريقة دي ؟ بالمبلغ ده ؟ حتي لو عادي . هنرد عليه بإيه في المقابل ؟ إيه قيمة الحاجة إللي هنقدمهاله بالظبط عشان نوفي الدين إللي علقه في رقبتنا ؟ تقدري تقوليلي إيه أغلي حاجة عندنا ممكن نقدمهاله ؟؟؟!!
شخصت إليه ببصرها محاولة فهم ما قصده !
حدق بها هو الأخر بتحد منتظر إجابتها ، بينما شعرت بالغثيان حين أدركت فجأة ما رمي إليه
تطلب الوقت بضع دقائق قبل أن تتمكن من الكلام ..
-إنت . إنت قصدك إيه ؟! ..تساءلت بتقطيبة عميقة
ليرد "فادي" لاويا شفتاه بإبتسامة تهكمية :
-قصدي إللي فهمتيه بالظبط يا سمر.
إتسعت عيناها و جحظتا من الغضب ، فصاحت و الكلمات تخرج كالقنابل من فمها :
-إنت مجنوون ! فعلا مجنون . إزاي بتفكر كده ؟ إزاي عقلك صورلك الحاجات دي ؟ إنت متخيل إني ممكن أبيع نفسي بالرخيص كده ؟؟؟
فادي بصلابة :
-ده شئ بديهي يا سمر . أي بني آدم عادي هيفكر ليه واحد زي ده مهتم أوي كده بعقد حياتك و بيستغلها.
-بيستغل إيه يا مجنون إنت ! و هيعوز يستغلني ليه أصلا ؟ ده راجل مش محتاج واحده زيي يستغلها . في آلاف غيري بيترموا تحت رجليه كل يوم في مستواه و أحلي مني كمان . هيبص لواحدة فقيرة و عادية زيي أنا ليه ؟ ما ترد ؟!!
-ما هو الممنوع أحيانا كتير بيبقي مرغوب يا سمر . و الصندوق المقفول دايما بيثير الفضول و واحد زي ده أكيد طول الوقت بيدور علي حاجة جديدة تسليه.
سمر و هي تهز رأسها بعدم تصديق :
-إنت أكيد جرى لعقلك حاجة . مش عايز تفهم . مقتنع بس بأفكارك الموسوسة . عارف لو تـ آا .. و قطعت عبارتها فجأة ، ثم أدارت عينها معبرة عن ضيقها و هي تقول :
-أنا بكلم مين ؟ الكلام معاك بقي ممنوش فايدة أصلا !
" مجنون ! " تمتمت لنفسها ، ثم ولت تاركة إياه واقفا بمفرده ، و ذهبت لتتفقد "ملك" و تطمئن عليها ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
مع هبوط الظلام .. يتسرب ضوء القمر عبر الغيوم و أغصان الشجيرات الكثيفة
بينما تشق سيارة "مراد" طريقها في الممر المرصوف بالأحجار الملونة و المؤدي إلي باحة أفخم قصر بمدينة الأسكندرية ..
أخذ "مراد" حقيبة ظهره الكبيرة التي يحمل بداخلها ملابسه و أغراضه ثم ترك سيارته للبستاني يصفها بالكراچ ، و إتجه إلي باب البيت ..
إستقبلته إحدي الخادمات بالداخل ، ليقول لها بإسلوبه الخفيف :
-معلش يا قمر . ممكن بس توصليني لأوضة عثمان بيه ! أصلي من زمان و أنا بتوه جوا البيت ده.
ضحكت الفتاة الحسناء برقة ، ثم قالت بإبتسامة :
-طبعا تحت أمر حضرتك . إتفضل معايا.
تبعها "مراد" متبخترا برشاقة في خطواته ، إتخذا المصعد المغلف بالخشب المصقول الأنيق ، ليصلا في غضون ثوان إلي الطابق الثالث ..
خرجت الخادمة أولا و راحت تؤشر له نحو غرفة "عثمان" و هي تقول :
-بص حضرتك . أوضة عثمان بيه إللي في الوش علطول دي . مافيش حد ساكن في الدور ده غيره أصلا.
مراد و يهز رأسه بتفهم :
-تمام فهمت .. ثم قال بإبتسامة مداعبة :
-شكرا يا قمر.
ضحكت الفتاة ثانيةً و لكن ضحكتها هذه المرة كانت أكثر خجلا ، فإستدارت و إنصرفت من أمامه مسرعة ..
تنهد "مراد" بحيوية ، ثم توجه صوب غرفة صديقه ..
بعد طرقة واحدة ، أدار المقبض و دفع الباب و دلف و هو يصيح بمرح :
-صاحبي يا صاااحبي . صديق السوء جالك يا حبيبي !
دوت ضحكة "عثمان" المجلجلة من داخل قاعة المرحاض ، ليتتبعها "مراد" و يذهب إليه و هو يبتسم بشدة
بينما يقول "عثمان" :
-أهلا يا صاحبي . و أنا أقول إشعاع الأفكار القذرة ده جالي منين . أتاريه من طلتك البهية.
في هذه اللحظة وصل "مراد" عند عتبة باب المرحاض ، ليقف هناك يقول بسخرية :
-إشعاع أفكار قذرة ؟ و مين ده إللي بتفكر فيه بقذارة يا صاحبي ؟!
كان "عثمان" يقف عاري الصدر أمام مرآة عريضة معلقة فوق الحوض الرخامي الصغير ، يلف منشفة بيضاء حول وسطه ، و كان يباشر تسوية شعيرات لحيته البنية متوسطة الطول ..
فيما أدار وجهه قليلا نحو صديقه ليجيب بنبرة خبيثة تشتعل حماسة :
-ســــــــمـر !!!
مراد عاقدا حاجبيه في إستغراب :
-سمرا ! سمر مين ؟ .. قصدك سمر إللي بتشتغل عندك ؟!
أومأ "عثمان" دون أن يتكلم ، ليرمقه الأخير بدهشة قائلا :
-إنت بتهزر ! صح ؟؟؟
-بهزر إيه ياض إنت ؟ إنت تعرفني بهزر في حاجات زي دي ؟؟
-لا ما بصراحة أنا مش مصدقك يعني . فهمني لو سمحت عشان أنا توهت منك عالأخر .. إنت قصدك إيه بالظبط ؟؟؟!!
أشاح "عثمان" عنه و شرع بغسيل وجهه بقطرات المياه الدافئة
أغلق الصنبور بإحكام حالما إنتهي ، ثم تناول منشفة صغيرة من إحدي الرفوف الجانبية
أخذ يجفف وجهه بها و هو يمشي عائدا إلي غرفته متجاوزا "مراد" الذي لم يتوقف عن النظر إليه بذهول ..
-إنت يا عم إنت ! .. صاح "مراد" و هو يتبعه إلي الداخل
-إستني هنا . رد عليا مش بكلمك !!
عثمان بضيق :
-عايز إيه يا عم ؟
-فهمني قصدك إيه ؟!
تنهد "عثمان" و هو يلقي بالمنشفة علي كرسي محاذي لسريره ، ثم قال و هو يتجه صوب غرفة الملابس خاصته :
-قصدي كل خير يا مراد . البت غلبانة و أنا حابب أعطف عليها.
مراد بسخرية و هو يجلس علي طرف السرير في إنتظاره عودته :
-لا يا شيخ ! بقي حابب تعطف عليها بردو ؟؟!!
عثمان بضحك من الداخل و هو يرفع نبرة صوته قليلا :
-يابني و الله زي ما بقولك كده . هي محتاجة فلوس عشانها و عشان إخواتها . فأنا قلت واجب عليا أساعدها.
-إخواتها ؟ أنا فاكر إنك قولتلي عندها أخت صغيرة بس !
-لأ ما أنا نسيت أقولك بقي.
مراد بفضول :
-نسيت تقولي إيه ؟؟؟
عاد "عثمان" في هذه اللحظة و قد إرتدي فقط سروال منزلي مصنوع من القطن الكحلي ..
-فاكر الواد إللي جيت قولتلي عليه كانت نازلة في حب ؟ .. قالها "عثمان" بتساؤل و هو يقترب ليجلس بجانبه
ليجيب "مراد" بعد برهة :
-أه فاكر . ماله ده يعني ؟!
عثمان بإبتسامة مرحة :
-طلع لا خطيبها و لا حبيبها.
-يا راجل ؟ أومال طلع إيه خالتها !!
عثمان بضحكة صفراء :
-هيهيه ظريف أووي .. ثم أردف بإنزعاج :
-تصدق ياض ؟ فصلتني . مش حاكيلك حاجة !
مراد و هو يعتذر منه بسرعة :
-لا لا خلاص معلش حقك عليا . كنت بهزر يا أخي . يلا بقي إحكي عشان خاطري.
عثمان متآففا بضيق :
-و ربنا هقطع علاقتي بيك قريب . ما علينا .. و راح يحكي له كل ما حدث اليوم ، إجمالا و تفصيلا ، بدايةً من ذهابه مع "سمر" و أختها إلي المركز الطبي و حتي مجيئ أخيها و الحوار الحاد الذي دار بينهما
-لا بجد ؟ يعني طلع أخوها ؟! .. تساءل "مراد" بشئ من الدهشة ، ليرد "عثمان" ببساطة :
-أيوه يا سيدي . طلع أخوها.
-بس علي حسب كلامك شكله شديد و مقفل عليها . هتوقعها إزاي دي ؟؟؟
-قولتلك أمرها سهل . الفلوس أهم حاجة بالنسبة لها و أنا معايا فلوس . هتلين في إيدي بسرعة ماتقلقش.
مراد بوجوم :
-بس شكلها مش من النوع ده يا عثمان . أنا شوفتها !
عثمان بسخرية :
-هي مين دي يا حبيبي إللي مش النوع ده ؟ إوعي يكون غرك شكلها و قناع البراءة إللي هي لبساه ده . لو صدقتها تبقي عبيط . زيها زي أي واحدة من بنات جنسها . كلهم بيحبوا الفلوس و بيحلموا بيها . و بالذات الفقرا إللي زيها . الواحدة منهم تعيش طول عمرها بتتمني تقع علي الراجل إللي جيوبه مليانة و لو خلصت عليه تشوفلها واحد غيره.
مراد بجدية :
-يابني مش كلهم بردو . أنا حاسس إن دي غير.
-و لا غير و لا حاجة . إسمع مني بس و هتشوف.
رمقه "مراد" بعدم إقتناع
فزم "عثمان" شفتاه كاتما إنفعاله غضبه بداخله ، ثم قال بتحد :
-طيب تراهن ؟
-أراهن علي إيه ؟!
-خلال يومين بالكتير . سمر هتبقي ملكي.
مراد ضاحكا بخفة :
-يا جاااامد . واثق من نفسك أوووي يا صاحبي .. ثم قال قابلا التحد :
-أووك . أراهنك يا عثمان .. بس لو خسرت الرهان يا حلو ؟!
عثمان بإبتسامة مستخفة :
-عثمان البحيري عمره ما خسر . حط الرهان إللي إنت عايزه.
-ماااشي يا إبن البحيري . لو خسرت ليا عندك عربية أخت إللي صالح عمل بيها الحادثة بالظبط.
عثمان بدون تفكير :
-موافق .. ثم أكمل بإسلوبه الماكر :
-بس لو كسبت ! يبقي ليا عندك إنت إيه ؟!
-يا عم هي فزوره ؟ إنجز و قول إللي إنت عايزه.
عثمان بإبتسامة هادئة :
-مش عايز حاجة . أنا عندي كل حاجة يا مراد . سمر دي زي صفقة كده بالنسبة لي .. و لو فشلت معاها هدفعلك الشرط الجزائي . الـ Black Velvet Ferrari !
مراد بحماسة :
-Deal ?
عثمان بثقة :
-Deal !
و تصاحفا علي هذا الإتفاق
ليقول "مراد" بعدها مشاكسا إياه :
-بس ماتبقاش بقي ترجع في كلامك زي العيال الصغيرة لما تخسر.
ضحك "عثمان" ملء حنجرته ، ثم قال و هو يقوم من جانبه :
-هروح أشوف الخدامين جهزولك أوضتك و لا لسا !
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في الحي الإسكندراني العتيق ... تمشي "سمر" مع أخيها في إتجاه المنزل
ليقفز أمامهما فجأة ذاك الذي يدعي "خميس" نجل أكبر تاجر لحوم بالمدينة كلها ..
-مسا الخير يا أستاذ فادي ! .. قالها "خميس" بنبرته الغير لبقة علي الإطلاق
بينما وقفا الشقيقان بصورة تلقائية ، ليرد "فادي" بإقتضاب ممزوج بالحدة الخفيفة :
-مساء النور يا معلم خميس . خير في حاجة ؟!
خميس و هو يشمل "سمر" بنظرة خاطفة :
-خير إن شاء الله . بس كنت عايزك خمسة كده في موضوع مهم.
فادي عابسا في ضيق :
-و الموضوع المهم ده ماينفعش يتأجل لبكره الصبح يا معلم خميس ؟
-يا أستاذنا ماتخفش مش هعطلك . هما خمس دقايق عبال ما تشرب الحاجة الساقعة أكون قولتلك إللي عندي.
تنهد "فادي" ثم نظر نحو أخته و قال بأمر :
-روحي إنتي عالبيت . شوية كده و هحصلك.
أطاعته "سمر" في صمت ، و توجهت بمفردها صوب المنزل
بينما إلتفت "فادي" إلي "خميس" متسائلا بفتور :
-خير يا معلم خميس ؟!
خميس بإبتسامة :
-خير يا أستاذ فادي . إتفضل معايا جوا في المحل عشان نبقي براحتنا . بدل ما نتكلم في موضوعنا علي الواقف كده !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت قلقة جدا حيال الوضع برمته ... و كم أرادت ألا تترك شقيقها وحده مع هذا الشخص الخطير
و لكنها أبت أن تزعجه ، فهي تعلم جيدا أنه يشعر بالغضب من قلقها الزائد عليه ، و يتهمها في كثير من الأحيان بتوجيه الإهانة له ما إذا قامت بتحذيره من أي شئ أو أي شخص
دائما يعتبر نصائحها الطيبة جرحا لكرامته و رجولته
لذا آثرت "سمر" الصمت و تركته ليفعل ما يشاء ..
طرقت "سمر" باب السيدة "زينب" قبل أن تصعد إلي شقتها ، لتفتح لها السيدة بعد لحظات ..
-سمــر ! .. صاحت "زينب" ما أن رأتها ، و تابعت :
-إتأخرتوا كده ليه يابنتي شغلتوني عليكوا . و فين ملك مش شايفاها معاكي ليه ؟؟؟!!
سمر بإبتسامة منهكة :
-ملك سبناها عند الدكتور يا ماما زينب.
زينب بقلق حقيقي :
-ليه يابنتي ؟ هي فيها حاجة كبيرة و لا إيه ؟!
-إلتهاب رئوي يا ماما زينب . عندها إلتهاب رئوي.
زينب بذعر و هي تضرب صدرها بكفها :
-يا لهوي ! عيلة في سنها تستحمل إزاي حاجة زي دي ؟؟
سمر بحزن :
-و الله يا ماما زينب الدكتور بيقول إنه مرض شائع بين الأطفال إللي في سنها . بس هي إللي حالتها ساءت أكتر من الإهمال .. ثم أكملت بسخرية مريرة :
-أنا أهملتها يا ماما زينب !
-لا يابنتي ماتقوليش كده . ده إنتي مش بس شايلة أختك جوا عنيكي . و أخوكي كمان . ماتجيش علي نفسك يا سمر إنتي قايمة معاهم بدور الأم و الأب . و مش كتير يقدروا يعملوا إللي بتعمليه.
سمر مبتسمة بخفة :
-ربنا يخليكي يا ماما زينب .. يلا بقي أسيبك . تصبحي علي خير . أنا قلت بس قبل ما أطلع أعدي أطمنك.
-و الله يا سمر كنت قاعدة علي أعصابي .. يلا ربنا ستار بردو.
-أيوه و الله عندك حق . إن شاء الله هفوت عليكي بكره الصبح و أنا نازلة.
-ماشي يا حبيبتي .. قالت "زينب" بإبتسامة ودودة ، ثم سألتها بسرعة قبل أن تذهب :
-هو فين فادي صحيح ؟ سبتيه بايت مع ملك عند الدكتور ؟؟
-لأ ده واقف تحت مع آاا ... و ما كادت "سمر" تكمل جملتها ، إلا و سمعت صوت جلبة شديدة آتية من الخارج
-يا ساتر يا رب .. قالتها "زينب" بخوف ، و أردفت :
-إيه الأصوات دي ؟ خناقة دي و لا إيه ؟؟!!
سمر بتوجس :
-ماعرفش يا ماما زينب . تعالي نشوف !
و دخلتا معا إلي شقة ، ثم إلي الشرفة المطلة علي الشارع ..
خفق قلب "سمر" بقوة و جحظت عيناها برعب و هي تري من مكانها عراك مشتعل قد نشب بين أخيها و بين "خميس" أمام محل الجزارة ..
-و رحمة أمي و أبويا لأدفعك تمن كل كلمة قولتها يا زبالة يا إبن الـ--- .. قالها "فادي" مزمجرا بشراسة و هو يشد "خميس" من تلابيبه القذرة الملوثة بالدماء
بينما رد "خميس" بغضب شديد و هو يحاول الفكاك منه :
-إنت بتمد أيدك عليا ياض ؟ وديني لأكون فاتح كرشك الليلة دي.
و هنا دوي صوت السيدة "زينب" بصراخ حاد :
-ولاآاا يا خمييييس . سيييبه يا وآاااااد . ما تلحقوا يا خلق حد يحوشهم عن بعض !
و أثناء صراخها ، كانت "سمر" قد إندفعت كالسهم خارج المنزل كله ..
وصلت إلي أرض العراك و أسرعت إلي "فادي"
أمسكت بكتفه و هي تصرخ به :
-بس يا فادي . كفاية سيبه . بقولك سيبه !
و أخيرا أفلته "فادي" لكنه إلتفت إلي "سمر" و هو يصيح بإنفعال :
-إنتي إيــه إللي نزلك ؟ إطلعي فووق.
سمر برفض قاطع :
-لأ مش طالعة . مش همشي من هنا إلا بيك فاهــم ؟!
فادي بغضب شديد :
-قلت إطلعي . إطلعي دلوقتي و إلا مش هيحصلك طيب.
-ده إنت إللي مش هيحصلك طيب يا روح أمك .. قالها "خميس" و هو يعود من داخل المحل بسكين ضخم حاد النصل
كانت ملامحه تنطق بالشر المطلق و هو يتجه نحو "فادي" مشهرا السلاح بوجهه ..
-إن ما خلصت عليك . مابقاش أنا خميس إبن المعلم رجب !
و هم بتسديد أول طعنة عنيفةً له ..
إلا أن "فادي" كان حاضر الذهن و لم يـُذل أمامه لثانية واحدة ، بل أنه تفادي طعنته بمهارة متناولا يده من الهواء ، ثم لوي معصمه في محاولة لدرأ الخطر بأقل خسائر ممكنة ..
و في وسط كل هذا أخذت "سمر" تصرخ بهلع و قد إنتابتها حالة عصبية قوية
بينما تحرك المشاهدين أخيرا و تدخل كبير المنطقة حائلا بين الشابين بحزم :
-بـــــــــس . بس يآاااض إنت و هو كفاياكوا بقي . إيه مش عاملين إحترام لحد ؟! .. ثم إلتفت إلي الحشد الغفير مكملا بحدة :
-و إنتوا ياللي واقفين بتتفرجوا يلا مع السلامة إنفضوا من هنا . كل واحد يروح لحاله يلااا.
إنفض التجمع شيئا فشئ ، ليلتفت الرجل المسن نحو "خميس" قائلا بصلابة :
-خلاص يا خميس . آسر الشر و رجع السكينة دي مكانها أحسن و الله هيبقالي كلام تاني مع أبوك .. ثم توجه إلي "فادي" أيضا :
-و إنت يا فادي . يلا خد أختك و إتكل علي الله من هنا . إنت يابني عمرك ما كنت بتاع مشاكل . هنعتبرها ساعة شيطان بس مش عايز حاجة زي دي تتكرر تاني و الكلام ليكوا إنتوا الإتنين.
ضغط "فادي" علي فكيه و هو يرمق "خميس" بنظرات عنيفة للغاية ، لكنه أشاح عنه بالنهاية و إستدار قابضا علي يد أخته ..
أخذها و دخلا إلي المنزل دون أن يلتفت ورائهكان في مزاج سيئ جدا ، حيث أنه تجاهل عمدا نداء السيدة "زينب" و تساؤلاتها و أكمل سيره بأخته حتي وصلا إلي الشقة ..
أغلق الباب بهدوء ، ثم إلتفت إليها ..
-إرتاحتي إنتي دلوقتي ؟ .. تساءل "فادي" بغضب دفين ، لترد "سمر" و هي لا زالت ترتجف من هول ما حدث بالأسفل :
-مش فاهمة ! .. قـ صدك إ يه ؟؟
تنهد "فادي" بإنهاك ، ثم قال ببغض متخليا عن عصبيته تماما :
-أنا خلاص هبطل أتكلم معاكي تاني في الموضوع ده . إنتي كبيرة كفاية و عارفة مصلحتك . بس خليكي عارفة إن سمعة أبوكي الله يرحمه لو بقت في الأرض بعد عمره ده كله إللي قضاه هنا هتبقي إنتي السبب يا سمر !
و حدجها بخبية أمل شديدة ، ثم إنصرف من أمامها و دخل إلي حجرته
بينما إرتمت "سمر" علي أقرب كرسي محاولة تهدئة أعصابها الثائرة متناسية حديث أخيها الفائت كله ..
لم تفكر حتي ما كان الذي يقصده بالضبط ، فقط واصلت العمل علي الإسترخاء التام
فما حدث منذ قليل لم يكن هينا بالنسبة لها أبدا ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
صباح يوم جديد ... في قصر آل "بحيري"
ينزل "عثمان" من غرفته ، ليقابل أمه الجميلة أثناء هبوط الدرج ..
-فريال هانم ! .. قالها "عثمان" بلهجة مهذبة مفعمة إعجابا بجمال أمه المتزايد
فريال بإبتسامة رقيقة و هي تقترب منه :
-حبيبي . صباح الخير يا قلبي.
-صباح النور .. و تناول يدها بكفيه و إنحني ليقبلها
-إيه علي فين كده ؟
-علي الشركة جلالتك .. قالها بمرح هادئ و إنحني ثانيةً ليقبل يدها مرةً أخري
فريال ضاحكة بخفة :
-آه منك يا بكاش إنت . دايما واكل بعقلي حلاوة.
عثمان بإطراء :
-مافيش حلويات في البيت ده كله غيرك يا فريال هانم.
-و الله بكاش .. لكن ما علينا . إنت مبدر أوي كده ليه ؟ ده الساعة ستة و نص !
-ورايا شوية شغل كده و كام حاجة مهمة . هروح أخلصهم بدري.
-طيب مش تفطر الأول ؟؟؟
-هاخد أي حاجة في الشركة ماتقلقيش . يلا باي.
-باي يا حبيبي .. و طبع "عثمان" قبلة خفيفة علي وجنتها ، ثم أكمل هبوط الدرج
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وصل "عثمان" إلي مقر شركته بسهولة هذا الصباح بسبب ذهابه في وقت مبكر علي غير العادة ..
لم يكن هناك سوي أفراد الأمن و موظفين الإستقبال و عمال الطوابق
و لم يخطر بباله أبدا أن يجدها تجلس علي مكتبها في هذا الوقت ..
-سمر ! .. تمتم "عثمان" بإستغراب
بينما لم تتحرك الأخيرة إنشا واحدا ، حيث ظلت عاكفة كما هي فوق دفاتر مكتبها و قد بدا عليها التعب بصورة واضحة
إقترب "عثمان" بحذر و هو يهتف بلهجة متوسطة :
-سمر .. سمــر !
إنتفضت "سمر" لسماع صوته و تطلعت إليه فورا ..
حملق "عثمان" بدهشة في وجهها الذابل المرهق و عيناها الحمراوان ، ثم سألها بلطف :
-مالك يا سمر ؟ في حاجة ؟ إنتي تعبانة ؟؟
إبتسمت "سمر" بجهد و أجابته :
-أنا كويسة يافندم . مافيش حاجة . شكرا علي سؤالك.
-إيه إللي جابك بدري كده ؟!
-أنا مانمتش طول الليل أصلا حضرتك . كنت مشغولة علي ملك فإستنيت أول ما الفجر طلع و روحت أطمنت عليها . و بعدين خدت بعضي و جيت علي هنا.
-أه . فهمت .. ثم قال بإبتسامة :
-أنا مش عايزك تقلقي عليها أوي كده . صدقيني قريب أوي هتبقي كويسة و هترجع أحسن من الأول.
أومأت "سمر" بهدوء ، ليتنفس "عثمان" بعمق ، ثم يقول :
-طيب .. بما إن الفراش لسا مجاش و البوفيه لسا قافل . ممكن تيجي علي مكتبي تعمليلي فنجان قهوة لو سمحتي ؟
سمر برحابة :
-طبعا ممكن.
رمقها بإبتسامة ، بينما قامت من خلف مكتبها و إتجهت إليه
أخذت من يده حقيبة العمل الصغيرة و تبعته إلي داخل المكتب ..