تحميل رواية «عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الشخصيات : بطلا الرواية ( عثمان البحيري / سمر حفظي ) " يحيى البحيري " والد "عثمان" " فريال المهدي " والدة "عثمان" " صفية البحيري ( صافي ) " شقيقة "عثمان" " رفعت البحيري " شقيق " يحيى " " صالح البحيري " إبن " رفعت " " هالة البحيري " إبنة " رفعت " " فادي حفظي " شقيق "سمر" " ملك حفظي " شقيقة "سمر" و البقية لاحقا ... ...................................................................... ( 1 ) : جليم / الأسكندرية , في الواحد و الثلاثون من تشرين الأول .. إكتظت الساحة الضخمة المصممة ببراعة و حرفية علي...
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم Shaimaa Gonna
في منتصف يوم العمل ... يدخل الأخان "رفعت" و "يحيى" إلي مجموعة شركات العائلة
التي توارثتها الأجيال منذ القدم حتي وقتنا هذا ..
ينهال عليهم الترحيب الشديد و يظهر الموظفين و العاملين تقديرا و إحتراما شديدا في حضرتهم حتي وصلا إلي مكتب رئيس مجلس الإدارة .. "يحيى البحيري"
-حمدلله علي السلامة يا مستر يحيى . الشركة نورت برجوع حضرتك ! .. قالتها السكرتيرة الشابة بإبتسامة رقيقة
بينما يحتل "يحيى" مكانه خلف مكتبه الفخم ، ثم يقول و هو يرد لها الإبتسامة :
-الله يسلمك يا أسما . ها الشغل إيه أخباره ؟
أسما بجدية :
-الشغل ماشي تمام جدا يافندم كل حاجة Excellent .. ثم قالت بشئ من الحرج :
-بس Sorry يعني عثمان بيه مزنق علينا شوية في السوق شركته من يوم ما فتحت تقريبا محتكرة نص العملا بتوعنا !
قهقه "يحيى" عاليا ، ثم قال مزهوا بإبنه :
-هو ده عثمان . أنا كنت عارف إن حاجة زي دي ممكن تحصل .. يلا مش مهم . خليه يشتغل و يبني إسم يخصه دي حاجة تفرحني بردو.
و هنا تدخل "رفعت" بسخرية :
-يعني يبني إسمه و إسمنا إحنا يغرق ياخويا ؟!
ينظر له "يحيى" و يقول بدهشة :
-جرا إيه يا رفعت هو إبني بس إللي بينافسنا ؟ ما في مليون شركة في البلد بتنافسنا بس هو بقي إللي شاطر و فاهم في شغله كويس عشان كده بينجح.
لم يرد "رفعت" و أشاح بنظره عنه و هو يغلي من الغيظ
تنهد "يحيى" بسأم و أمر سكيرتيرته :
-أسما عايز Report ( تقرير ) مفصل بالمدة إللي غيبت فيها عن الشغل . عايزه دلوقتي حالا.
-حاضر يافندم . تؤمرني بحاجة تانية ؟
يحيى بإبتسامة :
-أه طبعا شوفي رفعت بيه يشرب إيه !
رفعت بإبتسامة تهكمية :
-إنت بتعزم عليا في مكاني و لا إيه يا يحيى ؟!
يحيى و قد تلاشت إبتسامته :
-لأ طبعا . إنت هنا زيك زيي يا رفعت !
رمقه "رفعت" بنظرة هادئة و لكنها قاتلة و تحمل غل و حقد شديدين ..
تظاهر "يحيى" بعدم ملاحظته و حمحم قائلا :
-أوك . روحي إنتي يا أسما إعملي إللي قولتلك عليه و إطلبيلي أنا و رفعت بيه إتنين قهوة مظبوطة.
أسما بإبتسامة :
-أوك يافندم !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في سيارة "عثمان البحيري" ... ما زالت "سمر" تلح عليه و تجادله منذ عادا إلي البر قبل قليل
سمر بتعب ممزوج بالضيق :
-مش هينفع توصلني و كمان مش هينفع أخد الشنط و الكراتين دول كلهم .. و أشارت إلي المقعد الخلفي حيث تكدست الأغراض و الملابس التي إشتراهم لها ، و أكملت :
الناس لما يشوفوا كده يقولوا عليا إيه ؟!
عثمان بحدة :
-قولتيلي مش هتروحي للدكتور قلت ماشي لكن تقوليلي مش هاوصلك و مش هتاخدي الحاجات إللي جبتهملك أهو ده بقي إللي مش ماشي.
سمر بضيق شديد :
-إنت ليه مش عايز تفهم ؟ لو حد شافنا مع بعض و شاف الحاجات دي مش هيحصل طيب . إنت كده بتحطني في موقف صعب !
عثمان صائحا بنفاذ صبر :
-خلآااص . إللي تشوفيه .. مش عايزاني أوصلك ؟ أوك !
و ركن سيارته علي جانب الطريق ، ثم أخرج هاتفهه و أجري مكالمة ..
-ألو ! .. إنت فين دلوقتي يا ناجي ؟ .. طيب سيب إللي في إيدك و تعالالي حالا . أنا في محطة الرمل .. ما تتأخرش . سلام.
و أقفل الخط بوجه متجهم و آثر الصمت تماما حتي أتي "ناجي" ..
-تحت أمرك يا باشا ؟ .. قالها "ناجي" بإستفهام ، ليترجل "عثمان" من سيارته و يجيبه :
-إسمع يا ناجي . دلوقتي هتاخد سمر هانم في تاكسي و توصلها لحد بيتها و كمان في شوية حاجات في العربية هتاخدهم و تطلعهم لحد شقتها . فاهمني ؟
ناجي بجدية :
-فاهمك يا باشا . تمام إعتبره حصل.
إلتفت "عثمان" إلي "سمر" ثم هتف بأمر :
-إنزلي !
نزلت "سمر" من السيارة و الدوار لم يفارقها بعد
قبض "عثمان" علي رسغها و أخذها علي مسافة بعيدة قليلا عن ناجي و قال بصلابة :
-ناجي هايوقف تاكسي دلوقتي و هو إللي هايوصلك و كمان هياخد الحاجات و هيطلعهملك لحد الشقة.
كادت "سمر" أن تفتح فمها لتتكلم ، ليقاطعها بصرامة :
-مش عايزة و لا كلمة . إللي أقوله يتسمع منغير كلام . و لما تروحي تكلميني فاهمة ؟
عقدت حاجبيها في غضب و لم ترد ، فتأفف بنفاذ صبر ثم أخذها و عاد إلي مكان سيارته
فتح لها باب التاكسي الخلفي الذي أوقفه "ناجي" بينما ذهب الأخير ليحضر الأغراض من سيارة "عثمان " ..
-لو التعب زاد عليكي كلميني علطول و هاجي أخدك للدكتور .. قالها "عثمان" و هو يستند بمرفقيه علي نافذة التاكسي
سمر بإقتضاب :
-إن شاء الله.
-كله تمام يا عثمان بيه ! .. صاح "ناجي" و هو يقف بجانب "عثمان" ، ليستدير له ببطء و يقول بوجوم :
-لما تخلص المشوار إبقي كلمني !
-حاضر يا باشا.
أعطاه "عثمان" بعض النقود ، و شمل "سمر" بنظرة أخيرة
ركب "ناجي" بجوار السائق ، و تحركت سيارة الآجرة ، فوقف "عثمان" يراقبها حتي توارت عن ناظريه ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
عندما وصلت "سمر" إلي بيتها ... حاسب "ناجي" سائق التاكسي ، ثم إلتفت إلي سمر ليسألها
ناجي بإبتسامة :
-شقة حضرتك في الدور الكام يا هانم ؟
أخرجت "سمر" مفتاح شقتها من الحقيبة و أعطته إياه قائلة :
-خد إطلع حطهم قدام باب الشقة من جوا و أنا طالعة وراك علي مهلي . الشقة في الدور الرابع.
-تحت أمر حضرتك !
و أخذ منها المفتاح و حمل العلب و علق الحقائب بيديه ، ثم توجه إلي داخل البيت ..
لحقت به "سمر" متمهلة في خطاها
بينما كان هناك شخصا أخر يتابع ما يحدث بعينين ملؤهما الغضب و الغيرة ..
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
تمر "سمر" علي الطابق الذي تقطن به الجارة "زينب" ... كانت ستدق بايها لتستلم منها شقيقتها و تشكرها
و لكنها تفاجأت حين وجدت الباب مفتوح بالفعل ، و السيدة "زينب" تقف علي عتبته و الوجوم يتسيد قسمات وجهها ..
-ماما زينب ! إيه إللي موقفك كده ؟ .. تساءلت "سمر" بإستغراب و هي تقترب من جارتها
زينب بنيرة حادة :
-مين إللي شوفته طالع شقتكوا ده يا سمر ؟؟؟
ينزل "ناجي" في هذه اللحظة و يعيد مفتاح الشقة إلي "سمر" ..
-تؤمريني بحاجة تانية حضرتك ؟ .. تساءل "ناجي" بتهذيب
سمر و قد زاد شعورها بالإعياء و التوتر فجأة :
-لا شكرا . إتفضل إمشي إنت.
ينسحب "ناجي" في هدوء ، لتعيد "زينب" سؤالها بحدة أكثر :
-ما تجاوبيني يا سمر . ردي و قوليلي إللي بيحصل بالظبط !!
كانت رؤية "سمر" تنعدم في هذه الأثناء ... إزداد شحوب وجهها و زاغت عيناها قبل أن تطبق جفناها و تسقط مغشيا عليها
-يا لـهـوي ! إسم الله عليكي يابنتي .. هكذا صاحت "زينب" بهلع و جثت علي ركبتيها بجوار "سمر"
حاولت أن تجعلها تفيق ، خبطت علي خديها ، مسدت علي يدها دون جدوي ..
لم تجد حلا أخر فنادت بأعلي صوتها :
-يا شــهــــــــــــــــيــــرة . شــهــــــــــــــــيــــرة . يا شــهــــــــــــــــيــــرة !
من الشقة المقابلة ، تخرج سيدة في العقد الثالث من عمرها
تري ما يحدث أمام شقة صاحبة البيت ، لتجحظ عيناها و تركض صوبها و هي تهتف بذعر :
-أبلة زيــنب ! خيــر يا أبلة ؟ إيه إللي حصل ؟؟؟
زينب و هي تنظر إلي "سمر" بخوف :
-البت سمر كانت واقفة بتتكلم معايا و فجأة وقعت من طولها !
شهيرة بقلق :
-ليه كده كفا الله الشر ؟ طيب يا أبلة زينب أنا هنزل أنده للأستاذ سامي الصيدلي يجي يشوفها.
-ماشي يابنتي بس بسرعة الله يخليكي قلبي واكلني عالبت يا تري فيها إيه ؟!
-حاضر حاضر يا أبلة زينب هروح بسرعة أهو !
و ركضت "شهيرة" لداخل شقتها ، ثم خرجت مرة أخري و قد إرتدت إسدالها و بأقصي سرعة هبطت الدرج ..
بينما أمسكت "زينب" بحقيبة "سمر" و فتحتها لتبحث عن قنينة عطر أو أي شئ يساعدها لتخرج "سمر" من إغماءتها
كانت الحقيبة شبه فارغة إلا من حزمة نقود قليلة و أچندة أوراق صغيرة
و من بينهم سقطت ورقة من الحقيبة إلي الأرض ، كانت "زينب" ستعيدها لولا أنها لمحت توقيع "سمر" و بجانبه "توقيع شخصا أخر ..
و بفضول غريب فتحت "زينب" الورقة و قرأت الآتي ؛
( إنه في اليوم الموافق 26 /12 / 2017 تحريرا بين كلا من :
أولا السيد / عثمان يحيى صالح البحيري المقيم في " ......."
مسلم الديانة
مصري الجنسية
_زوج طرف أول _
ثانيا السيدة / سمر شريف عبدالله حفظي
_ زوجة طرف ثاني _
بعد أن أقر الطرفان أهليتهما للتعاقد و التصرف و خلوهما من كافة الموانع الشرعية و أمام الشهود المذكورين بهذا العقد إتفقنا علي ما يلي :
البند الأول / يقر الطرف الأول بعد إيجاب و قبول صريحين بأنه قد قبل الزواج من الطرف الثاني زوجة شرعية علي كتاب الله و سنة رسوله ( ص ) و عملا بأحكام الشرعية الإسلامية
كما تقر الطرف الثاني بعد إيجاب و قبول صريحين بأنها قد قبلت الزواج من الطرف الأول.
البند الثاني / تقر الطرف الثاني بأنها قد قبلت الزواج برضا تام وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية.
البند الثالث / إتفق الطرفان علي صداق قدره " .... " كما إتفق كليهما علي قبول جميع أحكام العقد و خاصة البنوة إذ أن أولادهما ثمرة هذا الزواج لهما جميع الحقوق الشرعية.
البند الرابع / تحرر هذا العقد من نسختين بيد كل طرف للعمل بها عند اللزوم طبقا لأحكام القانون الوضعي بجمهورية مصر العربية )
توقيع الطرف الأول / عثمان البحيري
توقيع الطرف الثاني / سمر حفظي
توقيع الشهود المذكورين :
- .......................
- .......................
إنتهت "زينب" من قراءة العقد حابسة أنفاسها ..
زينب بصدمة كـبيـــــرة :
-يانهار إسود !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عندما وصل "عثمان" إلي القصر ... ذهب إلي جناحه مباشرة و هو يحرص علي ألا يراه أحد
فتح الباب و ولج ، و كاد يهم بنزع سترته حين دق هاتفهه
أجاب ..
-ألو ! إيه يا ناجي . خلصت ؟
ناجي و صوته محاطا بزحمة الشوارع :
-أيوه يا عثمان بيه . كله تمام حضرتك.
عثمان مقطبا بإنزعاج من هذه الأصوات :
-عملت إللي قولتلك عليه يعني ؟ و صلت الهانم و طلعت الحاجات لحد شقتها ؟؟؟
-أيوه يا باشا . كل إللي حضرتك قولته حصل.
-أوك . شكرا يا ناجي.
-العفو يا باشا . تحت أمرك في أي وقت !
و أغلق الخط معه ... أراد "عثمان" أن يتصل بـ"سمر" بعد ذلك
لكنه شعر بحاجة شديدة لحمام ساخن الآن ، فترك هاتفهه و توجه إلي المرحاض بخطوات متكاسلة ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في شقة الجارة "زينب" ... تتمدد "سمر" علي الآريكة بعد أن ساعدها الطبيب الصيدلي علي إستعادة وعيها
سمر مبتسمة بتعب :
-أنا متشكرة أوي يا ماما زينب . شكرا ليكوا كلكوا يا جماعة.
الطبيب بإبتسامة :
-بتشكرينا علي إيه يا أنسة يا سمر ؟ إنتي بنت الحجة زينب و أخت الست شهيرة و أختي أنا كمان يعني مافيش شكر بينا . عموما حمدلله علي سلامتك.
زينب بلهجة مقتضبة :
-هي كان فيها إيه يا سامي يابني ؟
سامي بلهجة مطمئِنة :
-إطمني يا حجة زينب مافيهاش حاجة . هي واخدة دور يرد شديد بس و بعدين الأنيميا إللي عندها من زمان دي بتسهل للمرض أنه يدخل جسمها بسرعة.
شهيرة بتساؤل :
-طيب إيه الحل يا دكتور سامي ؟
-الحل إنها تاخد علاجها و تتغدي كويس . و أنا عن نفسي هنزل و هبعتلها الدوا من عندي علطول.
سمر بإمتنان :
-شكرا يا دكتور يا سامي.
رحل "سامي" و من بعده بلحظات إستأذنت "شهيرة" لتذهب و تتفقد أطفالها ..
و الآن إنفردت "زينب" بـ"سمر"
سمر بصوت متحشرج قليلا :
-أومال فين ملك يا ماما زينب ؟ أنا مش شايفاها !
و أخذت تتلفت حولها ..
زينب بجمود :
-ملك نايمة جوا في الأوضة .. ثم سألتها بحدة :
-أومال إنتي كنتي فين اليومين إللي فاتوا دول يا سمر ؟؟؟
أجفلت "سمر" بتوتر ، و قالت :
-ما أنا قولتلك يا ماما زينب !
زينب بإستهجان :
-معلش قوليلي تاني.
سمر و هي تزدرد ريقها بإرتباك :
-كـ كنت . كنت عند صاحبتَ آا ..
-ماتكدبيش ! .. قاطعتها "زينب" بغضب ، و أخرجت من خلف ظهرها عقد الزواج العرفي و لوحت به أمام عينيها المصعوقتين ..
زينب بإنفعال :
-إيه ده يا سمر ؟ .. ها ! إيه ده فهميني ؟ إتكلمي قوليلي إن في حاجة غلط أنا مش فاهماها !!
نظرت لها "سمر" بخزي ممزوج بالقهر و لم ترد ، أطرقت رأسها و أخذت تنتحب بحرقة ..
زينب بصدمة :
-لأ .. لأ الكلام ده مش صحيح . مستحيل أصدق . ده إنتي سمر بنت كريمة الله يرحمها صاحبتي و جارتي و عشرة عمري . ده أنا مربياكي علي إيدي و أخلاقك أنا إللي علمتهالك !
-أنا ماعملتش حاجة غلط ! .. غمغمت "سمر" بصعوبة من وسط بكائها الحار ، لترد الأخيرة بصدمة مضاعفة مع زيادة تأكدها من الأمر :
-متجوزة عرفي يا سمر ؟ لأ .. لأ مش قادرة أصدق .. إنتي ! لــيــــــــــــــه ؟؟؟
و هنا رفعت "سمر" وجهها الغارق بالدموع و أجابت بنشيج مخنوق :
-عشان إخواتي . عشان ملك في الأول . كانت هتموت و أنا مش ممكن أسمح بكده .الفلوس كانت هي المشكلة . علاجها بفلوس أكلها بفلوس و المستشفي بفلوس و هو معاه الفلوس . أنا ضحيت بنفسي و عارفة إن حياتي إتدمرت و مستقبلي راح . كل ده عشان أختي أولا و بعد كده فادي . أنا مقدرش أشوف ملك بتموت يا ماما زينب و لو حصلها حاجة أنا كمان هروح فيها !
زينب بإستنكار و عصبية :
-تقومي تبيعي نفسك ؟ تسلمي نفسك لواحد في الحرام ؟؟؟
سمر وقد أرعبتها الكلمة :
-لأ . لأ لأ يا ماما زينب أنا ماعملتش حاجة في الحرام . أنا متجوزة و العقد أهو في إيدك.
زينب بسخرية :
-و هو العقد ده يحلل إللي حصل ؟ ده عقد باطل يا حبيبتي . يمكن في نظر القانون مش باطل لكن في نظر ربنا و الناس بآاااطل و أي حاجة حصلت بينك و بين إللي إتجوزتيه حرام . عشتك معاه زنا . زنا يا سمر فاهمة يعني إيه ؟؟؟
سمر و هي تهز رأسها بصدمة شديدة :
-لأ .. مش ممكن !
و هنا دق هاتفهها ..
لم تتحرك من مكانها قيد أنملة ... فتطوعت "زينب" و أحضرته لها من الحقيبة
لكنها نظرت إلي إسم المتصل أولا ..
زينب بغضب :
-عثمان البحيري .. بسلامته بيتصل !!!!
تنتفض "سمر" في هذه اللحظة و تقوم من مكانها بسرعة ... تقف أمام "زينب" محاولة أخذ الهاتف من يدها
سمر برجاء و دموعها تتراقص بعيناها :
-لأ يا ماما زينب . ماترديش إنتي عليه أبوس إيدك !
زينب بغضب :
-و مش عايزاني أرد عليه ليه ؟ خليكي إنتي برا الموضوع و سيبهولي أنا هتصرف معاه.
سمر بإنهيار تام :
-لأ كده الموضوع هيكبر . إنتي ماتعرفيش ده مين ماينفعش أي حد يعرف إللي حصل بيني و بينه أنا الوحيدة إللي هضر . عشان خاطري يا ماما زينب.
زينب بإنفعال :
-يعني هتسيبي نفسك كده ؟ هتكملي في سكة الحرام دي معاه ؟؟؟
سمر بنفي :
-لأ خلاص . أوعدك إني هقطع علاقتي بيه قريب . هسيبه !
و هنا إنقطع الرنين المتواصل ، لستوضحها "زينب" بحدة :
-و لو مقدرتيش ؟
سمر بثقة :
-مش هنتقابل لوحدنا تاني . مش هخليه يقربلي تاني أوعدك.
تنهدت "زينب" بحيرة و قالت بغيظ :
-طيب و إللي عمله فيكي ؟ هينفد كده منغير حساب ؟ ليه كده يابنتي ؟ ليه تعملي في نفسك كده يا سمر ؟ ليه تضيعي مستقبلك بإيدك ؟؟؟
سمر بنبرة متألمة :
-نصيبي كده يا ماما زينب.
زينب بحنق :
-لأ ده مش نصيبك . إنتي إللي إخترتي بإرادتك ربنا مابيعملش حاجة وحشة في حد.
تقلص وجه "سمر" بألم أشد و تدفقت من عينيها الدموع ..
حزنت "زينب" علي حالتها و رق قلبها أخيرا ، فأخذتها بين ذراعيها و ضمتها بعاطفة أمومية ..
زينب بلطف وهي تمسد علي ظهرها :
-خلاص يابنتي . خلاص .. أنا عارفة إن مافيش أنضف منك في الدنيا و عارفة إن أختك هي نقطة ضعفك و هي إللي خلتك ترمي روحك في النار منغير ما تفكري . بس يا سمر إيمانك بربنا كان لازم يبقي أقوي من كده . مافكرتيش إنك عالجتي أختك بفلوس حرام ؟ مافكرتيش إن ربنا مابيتعاندش و كان ممكن يحرمك منها عشان روحتي و لجأتي لعبده مش له ؟ لو لا قدر الله كان حصلها حاجة كنتي هتبقي كسبتي إيه ؟ بالعكس ده إنتي كنتي هتبقي خسرتي كل حاجة و قبل منهم نفسك.
سمر و قد إزداد بكائها حرارة :
-أنا عارفة كل ده . بس غصب عني . ماكنتش قادرة أشوف ملك بتعاني أكتر من كده . أنا كنت متكتفة شايفاها قدامي بتموت و مش عارفة أعملها حاجة !
زينب بتأثر :
-طيب خلاص . إللي حصل حصل مش هنقعد نندب حظنا علي إللي راح و مش هيرجع . أنا مش هسيبك يا سمر و هقف جمبك و هنصلح كل ده ماتقلقيش ربنا معانا إن شاء الله .. و تبدلت نبرتها لتصبح أكثر صرامة :
-بس من هنا و رايح لازم تعرفيني كل حاجة و خصوصا كل حاجة بتحصل بينك و بين إللي مايتسمي ده !
-حاضر .. تمتمت "سمر" بتعب و هي ما زالت في حضنها ، لتسألها "زينب" بجمود :
-قولتيلي بسلامته معاه فلوس ! يعني غني ؟
سمر بمرارة :
-غني . غني جدا يا ماما زينب.
زينب بإستهجان :
-الله الغني يا حبيبتي .. ثم قالت بوعيد :
-خليه بس يفكر يأذيكي أو يستغلك تاني . بعون الله أنا إللي هقفله !
و هنا دق الهاتف مرة أخري ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... مرارا يعاود "عثمان" الإتصال بـ"سمر" و لكن لا يوجد رد
شعر بالغضب الشديد و إعتبر ذلك تحد صريح منها ، فهو أكد عليها بأن تدق له ما أن تصل و لكنها لم تفعل و لم ترد عليه حتي ..
-ممكن أدخل !
إنتبه "عثمان" علي صوت أمه و تفاجأ بها تقف عند عتبة باب غرفته ..
-ماما ! إتفضلي طبعا .. قالها "عثمان" مبتهجا برؤية أمه ، لتدخل الأخيرة و تمشي ناحيته بخطواتها المتمايلة
جلست بجواره علي طرف السرير و مدت يدها و مسحت علي شعره المبتل ..
فريال برقتها المعهودة :
-قاعد بالبُرنس كده ليه ؟ و شعرك مبلول . كده تبرد يا حبيبي !
عثمان بإبتسامة :
-لسا خارج من الحمام . كنت قايم ألبس هدومي . سيبك مني دلوقتي بس . إنتي كنتي جاية عايزاني في حاجة ؟
فريال و هي ترد له الإبتسامة :
-كنت جاية أشوفك . وحشتني و بقالي كام يوم مش بلمحك في البيت .. كنت غطسان فين ؟؟؟
ضحك "عثمان" و قال :
-من إمتي يا فريال هانم بتستجوبيني كده ؟!
فريال و هي تداعب لحيته الكثيفة :
-مش من حقي يعني ؟ أنا أمك.
-من حقك طبعا و بعدين إنتي مش بس أمي إنتي ست الكل .. و إنحني ليقبل يدها
فريال بضحك :
-أه منك و من بكشك إللي هيجنني ده . تصدق إن البكش ده هو إللي بيشفعلك عندي !
عثمان بدهشة :
-ليه بس أنا كنت عملت إيه أصلا ؟!
فريال بمزاح :
-يا حبيبي إنت عمايلك كلها سودة و الحمدلله .. و تلاشت إبتسامتها فجأة لتقول :
-بس الفترة الأخيرة إتغيرت أووي يا عثمان . ممكن أقول إنك إتغيرت مع كل الناس لكن معايا أنا زي ما إنت !
عثمان بإستغراب :
-إيه الألغاز دي ؟!
فريال بجدية :
-دي مش ألغاز . أنا أكتر واحدة في الدنيا تعرفك . أكتر واحدة تحس بيك . إنت متغير بس أنا بقي خايفة يكون التغيير ده للأسوأ مش للأحسن.
عثمان بحيرة :
-أنا فعلا مش فاهم إنتي تقصدي إيه ! بس What Ever يعني إطمني . أنا تمام و ماعنديش أي مشكلة بالعكس حياتي هادية و شغلي مستقر .. ماتقلقيش.
فريال بإبتسامة :
-يا ريت يا حبيبي i Hope So بجد .. ثم قالت بشئ من التردد :
-كنت عايزة أكلمك في موضوع تاني !
عثمان بإهتمام :
-خير يا ماما ؟
-هالة !
عثمان و قد أصابه الفتور فجأة :
-مالها هالة ؟
-إنت مش واخد بالك إنها بقت إنطوائية أوي اليومين دول ؟!
عثمان بسأم :
-طب و أنا مالي يعني بتقوليلي الكلام ده ليه ؟؟؟
فريال بإنزعاج من إسلوبه :
-ممكن تهدا شوية و ماتبقاش Aggressive ( عدائي ) في الكلام كده ؟!
يهدئ "عثمان" نفسه ، ثم يقول :
-أنا آسف . بس حقيقي أنا مش عارف إيه علاقتي بحاجة زي دي !!
فريال بلطف :
-عثمان . البنت بتحبك و إنت عارف كده إوعي تقولي إنك مش واخد بالك.
عثمان بضيق :
-واخد بالي يا ماما بس أنا بقي مش بحبها و مش عايزها.
-ليه بس ؟ دي هالة بنت حلوة و ذكية و فوق ده كله بنت عمك يعني مش غريبة مش زي الأولانية إللي آا ..
و بترت عبارتها فجأة قبل أن تأتي تماما علي ذكر "چيچي" ..
-Sorry يا حبيبي . ماكنش قصدي !
عثمان بوجوم :
-و لا يهمك يا ماما.
-أنا قصدي يعني إن هالة بتحبك و إحنا مربينها و عارفينها مش هتلاقي أحسن منها يا عثمان صدقني و البنت بجد حلوة إيه إللي مش عجبك فيها بس ؟؟؟
عثمان بضيق شديد :
-حلوة و كل حاجة و هي علي راسي و الله . بس أنا مش بحبها و لو إتجوزتها مش هنكون علي وفاق مع بعض و مش هتكون مبسوطة معايا و لا أنا كمان.
تنهدت "فريال" و قالت :
-يعني مافيش فايدة ؟ يابني عايزه أفرح بيك و أشوف ولادك !
عثمان بضحك :
-لأ كده يدينا و يديكي طولة العمر بقي !
ضربته أمه في صدره بخفة قائلة :
-أخس عليك . مستكتر عليا حاجة زي دي يعني ؟
عثمان بجدية :
-إنتي مافيش حاجة في الدنيا تكتر عليكي يا فريال هانم . بس مش وقته . أنا لسا مش جاهز للخطوة دي.
فريال بإستسلام :
-إللي إنت شايفه . ربنا يوفقك يا حبيبي و يريح قلبك !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل "سمر" ... تفتح باب شقتها و تدخل حاملة "ملك" علي ذراعها
تزقزق "ملك" بفرحة لوجودها مع شقيقتها ، فتبتسم "سمر" رغم كل شئ و تتفاعل معها
تؤرجحها بين ذراعيها ، تدغدغها أسفل ذقنها ، لتزداد موجات ضحكاتها الرنانة ..
و فجأة تتعثر "سمر" دون وعي في كدسة الحقائب و العلب بالطرقة ، تعبس بضيق و في نفس اللحظة تسمع هاتفهها و هو يدق للمرة السابعة تقريبا ..
ردت علي مضض :
-آلو !
يأتيها صوت "عثمان" غاضبا :
-لا و الله ؟ ألو ! ماكلمتنيش ليه زي ما قولتلك يا هانم ؟ و ماردتيش عليا ليه من أول مرة ؟؟؟
سمر ببرود :
-كنت مشغولة مع ملك . خير في حاجة ؟
عثمان بغيظ :
-سيادتك عاملة إيه دلوقتي ؟ لسا تعبانة ؟!
سمر بصلابة :
-لأ . أنا بقيت كويسة الحمدلله . بس آسفة مش هقدر أجي الشغل بكره.
-ليه بقي ؟
-ورايا حاجات في البيت و كمان عشان أكون بقيت أحسن أكتر !
عثمان بصبر :
-أوك . عندك بكره أجازة . لما أشوف أخرتها معاكي يا سمر.
سمر بعدم إهتمام :
-أخرتها خير إن شاء الله . إستأذنك دلوقتي بقي مضطرة أقفل عشان ملك جعانة هحضرلها الأكل.
و أقفلت دون أن تسمع رده ..
هذا السلوك حتما لن يعجبه ، و مؤكد أنه يشتعل من الغضب الآن و يفكر في شئ ليرد به عما فعلته
لكنها ما عادت تكترث ...
-لأ بردو .. تمتمت "سمر" بحيرة ، و أكملت بخوف :
-ماكنش لازم أرد كده . أنا عايزه أنهي الموضوع بسرعة و هدوء .. منغير مشاكل !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
يمر يومان ... و في صباح الخميس ، يصل "فادي" من سفره ليقضي عطلة نهاية الأسبوع مع أسرته
بدا عليه الهزل قليلا ، و بشرته غدت برونزية صافية و قد لوحتها الشمس ، و قوامه صار منحوتا بصورة واضحة
لم تصدق "سمر" أن يحدث له كل هذا في إسبوع فقط ..
-إيه يابني إللي جرالك ده ؟ .. قالتها "سمر" بتساؤل ، و تابعت بدهشة :
-معقول إسبوع واحد يبهدلك كده ؟؟؟
فادي بضحك و هو يتناول منها "ملك" :
-مش بشتغل و بشقي يا سمر ؟ و طول النهار في الموقع و الشمس عمودية هناك !
-بس بردو إتبهدلت أووي .. ثم قالت بإبتسامة :
-عموما حمدلله علي السلامة.
-الله يسلمك ياستي . رغم إني هتجنن من حكاية شعرك المقصوص ده ! ليه تعملي كده يا سمر ؟ إنتي أكيد أتهبلتي !!
سمر بشئ من الإرتباك :
-قولتلك حبيت أعمل تغيير يا فادي.
-لا يا شيخة ؟ تغيير تقومي تقصي شعرك إللي بنات المنطقة كلهم بيحسدوكي عليه ؟؟؟
سمر بضيق :
-خلاص بقي ما بكره هيطول تاني.
فادي بسخرية :
-إبقي قابليني .. ثم قال بإعجاب :
-بس إيه الشياكة دي كلها ؟ شكلك قبضتي و نزلتي شبرقتي نفسك لبس و حركات . أيووه ياستي ماشية معاكي.
سمر بمرارة خفية :
-ياخويا و الله لا ماشية و لا قاعدة . إنت بس عارف الشغل إللي أنا فيه بيعتمد علي المظاهر أكتر حاجة فكان لازم أحسن مظهري شوية .. بس إنت إيه رأيك يعني ؟ شكلي حلو ؟!
فادي بإبتسامة عريضة :
-قــمــــــر . الفستان هياكل منك حتة يا سمسمة.
سمر و قد توردت وجنتاها كلون فستانها :
-شكرا يا حبيبي .. طيب أنا لازم أنزل دلوقتي بقي . مش هتأخر هرجع بسرعة عشان أحضرلك الغدا.
فادي بلطف :
-علي مهلك يا حبيبتي . ماتستعجليش .. يلا مع السلامة.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
عندما وصلت "سمر" إلي الشركة ... ذهبت فورا إلي "عثمان" حيث بلغها الجميع أنه يريدها ما أن تصل
طرقت باب مكتبه مرتين ، ثم دلفت ..كان منكبا علي بعض الأوراق و الملفات و كان يرتدي نظارته الطبية الأنيقة و التي يستخدمها في الحالات الطارئة فقط ، كالصداع و الأرق الزائد ..
-صباح الخير ! .. قالتها "سمر" و هي ماثلة أمامه ، ليرفع وجهه بهدوء و ينظر لها
إستطاعت أن تري بوضوح شفتاه المفتوحتان و نظراته الساهمة ، بينما سرح هو في تأملها و هي ترتدي ذلك الثوب الذي أختاره لها بنفسه ..
فستان وردي اللون من القماش الثقيل ، مجسم عند النصف العلوي بأكمام طويلة و رباط علي الخصر فعكس نفخة عصرية إكتملت بالإكسسوارات البسيطة التي وضعتها و أيضا هذه الحقيبة الصغيرة جدا التي علقتها علي كتفها ..
حمحمت "سمر" لتخرجه من تأملاته
يجفل "عثمان" ثم يخلع نظارته ..
-حمدلله علي السلامة ! .. قالها "عثمان" بصوت أجش و هو يرسم علي وجهه تعابيره الصارمة
سمر بهدوء :
-الله يسلمك.
-إن شاالله تكوني بخير ! إزي صحتك دلوقتي ؟
سمر بإبتسامة متكلفة :
-الحمدلله . كويسة .. ثم قالت :
-قالولي إن حضرتك عاوزني !
تنفس "عثمان" بعمق ، و قال :
-إنهاردة ماليش مزاج للشغل و حاسس إني مرهق أوي . فكنت مستنيكي لما توصلي عشان أخدك و نروح الشقة إللي جبتها نقضي هناك طول النهار و أهو بالمرة تشوفيها.
سمر ببلاهة :
-شقة إيه ؟!
عثمان بتهكم :
-شقة يعني شقة يا حبيبتي إشترتها لينا . إنتي هتشوفيها و لو ماعجبتكيش هخليكي تختاري واحدة غيرها علي مزاجك.
أجفلت "سمر" بتوتر و ردت :
-أنا .. أنا مش . أنا مش هروح معاك في حتة !
عقد "عثمان" حاجبيه و إستوضحها :
-آسف قولتي إيه ؟!
سمر بإرتباك :
-قصدي مش فاضية إنهاردة . فادي لسا راجع و قاعد معانا يومين.
زفر "عثمان" بقوة و قال بحنق :
-يعني لو غيبتي ساعتين هيفرقوا أوي عند أخوكي ؟!
سمر بإبتسامة تهكمية :
-أه للآسف !
و هنا إنفتح الباب فجأة ... فإلتفتت "سمر"
لتري الزائر المعتاد لهذا المكتب و الذي لا يجرؤ أحد غيره علي الدخول بهذه الطريقة !!!!!!!
يتبـــــع ...
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم Shaimaa Gonna
يلج "مراد" إلي المكتب و علي وجهه إبتسامة مشرقة ... تختفي الإبتسامة فورا
عندما وقعت عيناه علي "سمر"
ظل متسمرا بمكانه لدقيقة كاملة ... أفقده سحرها رشده ، بينما وقفت "سمر" مطرقة في خجل .. إلي أن حمحم "عثمان" بخشونة ..
مراد بتلعثم :
-آا . صباح الخير !
-صباح النور .. قالها "عثمان" بإقتضاب و هو ينظر له بغضب
مراد بإبتسامة و عيناه ما زالتا تقيسان "سمر" من أعلي إلي أسفل ببطء :
-أنا قلت أجي أبص عليك . بقالي يومين ماشوفتكش !
عثمان و هو يحاول بصعوبة الإمساك بغضبه :
-طيب إدخل واقف كده ليه ؟ .. و إنتي يا سمر إتفضلي علي مكتب دلوقتي.
لبت "سمر" أمره و خرجت ، ليغمض "مراد" عيناه مبتسما حينما مرت هي بمحاذاته ..
-الله علي البيرفيوم إللي حاطاه .. قالها "مراد" بهيام ، ثم فتح عيناه و أكمل بذهول :
-Chanel Number 3 ! .. سمر بتحط من مجموعات شانيل ؟ و بعدين هي دي أصلا سمر السكيرتيرة بتاعتك ؟؟؟
زفر "عثمان" غاضبا و قال :
-إدخل يا مراد . أساسا إيه إللي جابك هنا ؟!
مراد و يمشي صوب مكتبه ليجلس أمامه :
-إيه ياعم المقابلة الناشفة دي ؟ ده بدل ما تقولي منور يا صاحبي . خطوة عزيزة . أي حاجة من الحاجات اللطيفة دي !
عثمان بنظرات حادة :
-إنجز يا مراد أنا مش فاضيلك . جاي في إيه ؟
مراد و هو يخطف تحفة خزفية من فوق المكتب و يقلبها بين راحتيه :
-مش جاي في حاجة مهمة . كنت جاي أخد رأيك في موضوع بس.
عثمان بإهتمام :
-خير موضوع إيه ؟
إنتظر "مراد" قليلا .. ثم قال :
-أبويا قدملي عرض إمبارح . هو من ناحية حلو و من ناحية أنا مش مستريح .. حقيقي محتار . مش عارف إتصرف إزاي !!
-طيب إيه هو العرض ؟؟
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... يقفز "يحيى" من فراشه واقفا و قد غدت ملامحه كلها خطيرة فجأة
يحيى و هو يصيح زاعقا في هاتفهه :
-يعني إيه كل حاجة إتلغت ؟ .. يعني إيه المندوب ماجاش ؟ نعم ؟ المخازن مليانة إزاي ؟ أومال أنا كنت سافرت ليه ؟ .. في عقود ممضية . مين إللي ورا الموضوع ؟؟؟ .. إستحالت ملامحه إلي الصدمة الشديدة عند سماعه الإجابة
-إنتي متأكدة يا أسما ؟ .. تساءل "يحيى" بعدم تصديق ، لتؤكد له سكيرتيرته الخاصة التصريح للمرة الثانية
إشتد عضلات فكيه و هو يطبق أسنانه بغضب شديد ..
أغلق الخط و توجه نحو باب الغرفة تتبعه "فريال" و هي تسأله بقلق :
-في إيه يا يحيى ؟ .. إيه إللي حصل ؟ .. طيب رايح فين بس ؟؟؟
-إبعدي عني يا فريال من فضلك ! .. قالها "يحيى" بإنفعال و إتخذ طريقه صوب غرفة أخيه
يحيى بهتاف عنيف و أعصابه قد وصلت بالفعل إلي درجة الغليان :
-رفــــــــعـــــــــــــــــــــــت . رفــــــــعـــــــــــــــــــــــت . رفــــــــعـــــــــــــــــــــــت.
يخرج "رفعت" من غرفته بهدوء شديد بعكس حالة أي شخص قد يكون مكانه في هذه اللحظة ..
-في إيه يا يحيى ؟ بتزعق كده ليه ؟! .. تساءل "رفعت" ببرود مستفز
يحيى مزمجرا بشراسة :
-صحيح إللي أنا سمعته ده ؟؟؟
-إيه إللي إنت سمعته ؟
-إنت إللي بعت للعملا بتوعنا في لندن و قولتلهم الصفقة إنتهت ؟؟؟
-أه فعلا . حصل .. إعترف "رفعت" ببرودة أعصاب عجيبة ، لينفجر "يحيى" بغضب مستعر :
-لـــيــــــــــــه ؟ لــيــــه تعمل كده ؟ بتتصرف من دماغك منغير ما ترجعلي ؟ بتلغي صفقة بملايين منغير ما تاخد رأيي ؟ عملت كده لـــيــــــــــــه ؟؟؟
رفعت بحدة :
-يا ريت تكلمني كويس يا يحيى . ماتنساش إني أخوك الكبير.
-أخويا الكبير المفروض يبقي هو العاقل إللي بيخاف علي مصلحة أخوه الصغير . ليه ؟ ليه بتحاول دايما تبوظلي شغلي ؟ ده جزاتي ؟ ده جزاتي إني ماحبتش أبعدك عني و عملتلك مكان في الشركة ؟؟!!
رفعت بغضب :
-دي مش شركة لوحدك . إنت ناسي إنها ورث أبونا ؟؟
و هنا إجتمع كل من بالمنزل علي صوت هذا الشجار الناري ..
بينما قال "يحيى" بتهكم فظ :
-لأ و الله شكلك إنت إللي ناسي إن أبويا الله يرحمه كتبهالي بعد ما سيادتك فضلت تاخد نصيبك منها و تسافر بس أنا بقي إللي طلعت غبي لما رجعتك و كتبتلك ربع الأسهم فيها بعد ما ضيعت كل فلوسك .. و تابع بندم ممزوج بالحزن :
-كنت فاكرك إتعدلت و هتقف جمبي . كنت فاكرك فعلا أخويا الكبير إللي هيحميني و هيخاف علي مصلحتي . ماحسبتهاش صح بس قلت إحنا إخوات و مالناش إلا بعض ماينفعش نبعد ماينفعش نتفرق ماينفعش حد فينا يسيب إيد التاني . إستحملت منك كتير علي أمل إنك في يوم هتتغير . بس للآسف إنت زي ما إنت . غرورك و حقدك خلوك أعمي ممكن تدوس علي أي حد حتي لو كان أخوك !
صمت "رفعت" و ظل يحدجه بنظرات محتقنة فقط ..
يحيى بلهجة صارمة :
-أنا مش هقدر أقولك إمشي من البيت ده لإنه للآسف بيتك زي ما هو بيتي . بس لما أرجع من السفر هطلعك من شركتي و هسحب منك كل الأسهم . خلاص .. الثقة بينا بقت معدومة و أنا إستحالة آمنلك تاني يا . ياخويا.
و تركه و عاد إلي غرفته تلحق به زوجته
بينما وقفت كل من "هالة" و "صفية" و عائلة "مراد" مصعوقين مما حدث ، و لم يجرؤ أحدهم علي فتح فمه و الإستفسار أبدا ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عند "عثمان" ... فرغ "مراد" من شرح مشكلته لصديقه و بقي منصتا لما سيقوله له
عثمان بجدية :
-شوف هو العرض كويس جدا و مسألة إنك هنا مرتاح و مش عايز تسافر تاني دي أنا شايفها سخيفة جدا . فيها لما تروح تتأسس المشروع إللي إقترحه أبوك و توسعه لحد ما تمده هنا ؟ وقتها هتقدر ترجع تاني زي ما إنت عايز . إنما حوار العواطف في الشغل ده مايأكلش عيش يا مراد لازم تتنصح شوية و لا هتفضل طول عمرك أهبل ؟!
مراد بإنزعاج :
-ما تبطل قلة أدب بقي ياعم و لم لسانك .. ثم قال بجدية مماثلة :
-طيب إنت شايف كده يعني ؟ أصل أنا بيعجبني تفكيرك بصراحة !
-أنا مش شايف غير كده . إنت لحد دلوقتي ماعملتش حاجة و مضيها بطول و العرض . آن الأوان تتكن في حتة معينة بقي و تشوف مستقبلك كفاياك كده.
أومأ "مراد" بتفهم و قال :
-أوك . خلاص علي بركة الله . نبدأ تنفيذ المشروع .. ثم تنهد و سأله بشقاوة :
-بس إيه التغييرا الفظيع إللي طرأ علي سمر ده ؟ دي إتغيرت خالص يا أخي . لثانية قلت دي مش هي !
عثمان و قد عاوده الغضب مجددا :
-و إنت مالك بيها يعني ؟ ما تتغير ياسيدي مهتم ليه إنت ؟؟
مراد بضحك :
-أيوه ياعم حقك تعمل أكتر من كده طبعا . ما إللي علي راسه بطحه بقي . مش قادر تنسي الرهان إللي خسرته.
في هذه اللحظة دق الباب ، ثم دخلت "سمر" حاملة مشروب "مراد" بين يديها ..
-إتفضل ! .. قالتها "سمر" برقة و هي تنحني قليلا صوب "مراد" بينما إبتسم الأخير بشدة و هو يقول :
-بنفسك ؟ جايبالي العصير بنفسك مش معقول !
ردت "سمر" له الإبتسامة ، ليصطبغ وجه "عثمان" بالحمرة و هو يقول بصوت غليظ :
-من إمتي بدخلي المشاريب بنفسك ؟ أومال فين الساعي ؟؟
سمر بشئ من التوتر :
-عم حسن تعبان و واخد إجازة مرضية إنهاردة !
مراد و هو يجذب إنتباهها مرة أخري :
-إنتي مش فكراني و لا إيه يا سمر ؟
سمر و هي تنقل نظرها بقلق بينه و بين "عثمان" :
-لأ إزاي فاكرة حضرتك طبعا.
مراد بنعومة :
-شكلك إتغير أوي . بس للأحسن طبعا.
سمر بتعثر :
-مـ ـيـ ـرسي !
-عموما أنا مبسوط إني شوفتك تاني .. و مد لها يده للمصافحة
بصورة تلقائية مدت "سمر" يدها هي الأخري و صافحته ..
حدق "عثمان" بغيظ في يد صديقه المطبقة بشدة علي يد "سمر" ثم حدق فيها هي منتظرا أن تسحب يدها بسرعة ، لكنها لم تفعل حتي قرر "مراد" بنفسه تركها بعد عدة لحظات ..
-عن إذنكوا ! .. قالتها "سمر" و هي تنظر بالأرض ، ثم إستدارت لتغادر المكتب
-مزززززززززه جآاامدة أوي يا عوث ! .. تمتم "مراد" بحرارة ، ليتنهد "عثمان" بنفاذ صبر و يرد :
-أظن إنها مش تيبك . و لا إيه ؟
مراد بضحكة ساخرة :
-يعني هي كانت تيبك إنت ؟ بس سيبك . إحلوت أووي عن أخر مرة شوفتها.
عثمان بإستهجان :
-لا إحلوت و لا حاجة عادي زي ما هي.
مراد بجدية :
-لأ .. جسمها لف و بقت مارشميللو خالص . ألوظت يعني.
-ما تلم نفسك يابني آدم إنت ! .. صاح "عثمان" بعصبية رغما عنه
مراد بدهشة :
-الله ! و إنت محموء كده ليه ؟ الكلام غريب علي ودانك ؟ ده إنت إللي بدعه .. ثم قال بخبث :
-و لا الهزيمة لسا حرقاك ؟
رمقه "عثمان" بحنق ، فضحك "مراد" و قام من مكانه و هو يقول بنبرة متكاسلة :
-أوك . همشي أنا بقي عشان ماعطلكش أكتر من كده .. يلا باي.
و رحل "مراد" ليرفع "عثمان" سماعة الهاتف فورا و يستدعي "سمر" ..
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
شعرت "سمر" بخطر وشيك كلما إقتربت من غرفة مكتبه ... لكنها تسلحت بجدار شجاعة واهية قابل للإنهيار ما إذا أحب هو أن يهدمه
تقف "سمر" عند الباب ، ليشير لها "عثمان" بإن تقترب ... إنصاعت له و هي تبتلع ريقها بصعوبة حين لمحت تلك النطرة العنيفة بعينيه
سمر بصوت خافت :
-نعم !
قام "عثمان" من مكانه و مشي ناحيتها بتمهل ..
-إنتي بتشتغلي فين يا سمر ؟ .. قالها "عثمان" بجمود و هو يكتف يديه خلف ظهره
سمر ببلاهة :
-هه ! مش فاهمة ؟!
عثمان بصوت أجش :
-سؤالي واضح . إنت بتشتغلي فين ؟
سمر بعدم فهم :
-بشتغل هنا . في مؤسسة البحيري للتسويق و التجارة !
عثمان و قد غدت نبرته هادئة علي نحو يدهش :
-إللي هي ملك لمين ؟
سمر بحيرة ممزوجة بالتوتر :
-ليك !
-يعني أنا أبقي مين ؟ .. قالها "عثمان" بصوت هامس ، ثم رفعها بمنتهي الخفة و أجلسها علي سطح مكتبه
سمر حابسة أنفاسها بتوتر شديد :
-عـ عثمان البحيري !
عثمان و هو يزيح حچابها ببطء ليكشف عن شعرها :
-و إنتي تبقي إيه ليا ؟
-مـ .. مر مراتك .. نطقتها بصعوبة ، لتظلم عيناه في هذه اللحظة و هو يرد بغضب :
-و لما إنتي عارفة كده إزاي تسمحي لواحد غريب يلمسك ؟ إزاي تخليه يمسك إيدك ؟ و يبقي إيه لزمته الحجاب إللي علي شعرك ده ؟؟؟
سمر بحدة ممزوجة بالإرتباك :
-هو مامسكش إيدي بالمعني إللي تقصده ده سلم عليا بس و أنا بسلم علي كل الناس بالإيد عادي ! .. ثم قالت بإستغراب :
-و بعدين أنا مش فاهمة يعني إيه سبب التحقيق ده ؟ إيه إللي يسمعك كده يقول جوزي بجد و غيران !!
أجفل "عثمان" من ملاحظتها و قال :
-غيران ؟ أنا لأ طبعا .. ثم أردف بخشونة :
-و إيه جوزي بجد دي ؟ إنتي مراتي و لا عايزاني كل شوية أفكرك ؟؟؟
أحمـّر وجهها و أطرقت رأسها لتهرب من نظراته الحادة ، بينما تابع بنفس النبرة الخشنة :
-لازم تعرفي إنك ملكي أنا . و طول ما إنتي ملكي مش من حقك و لا من حق أي حد تبصيله أو يبصلك.
رفعت "سمر" وجهها و كم تمنت لو تستطع أن ترد عليه ، و لكنها عجزت كالعادة ، فإكتفت بنظرة حاقدة قصفته بها ..
عثمان بجدية تامة :
-و حاجة كمان . ماتحطيش أي بيرفيوم و إنتي خارجة .. و أكمل بسخرية :
-إذا كنتي مش بتحطيلي أنا بتخلي الناس هما إللي يشموا بدالي !
عضت علي شفتها السفلي بقوة جراء كلماته المحرجة جدا بالنسبة لها ..
تملصت في مكانها تريد أن تنزل عن المكتب ، ليثبت مكانه قليلا و هو يرمقها بنظرات غاضبة ، ثم يفسح لها المجال
راحت تضبط وضع حچابها مرة أخري و هي تشعر بالإهانة مجددا
تنفست بعمق و كادت تخطو بعيدا عنه ، ليقبض علي معصمها يقول بصوته الآمر :
-بكره هتيجي معايا الشقة و قبل ماتتحجي ماليش دعوة . دي مشكلتك مش مشكلتي . قولي لأخوكي أي حاجة بس بكره هتيجي معايا يعني هتيجي معايا .. سامعة يا بيبي ؟!
رمقته ببغض و شدت يدها بعنف من قبضته ، ثم غادرت مكتبه و هي ترتجف من فرط العصبية ...
........................................................................
صباح يوم جديد ... تستيقظ "سمر" باكرا ، و أثناء ما كانت ترتدي ثيابها راحت تعيد ترتيب أحداث خطتها الخرقاء
بالطبع خرقاء و يجب أن تتوقع أي رد فعل عنيف قد يصدر عنه ، و لكن ما أقلقها بحق و جعل أصابع يدها ترتجف و هي تغلق أزرار كنزتها .. تلك الطفلة المسكينة
ألقت "سمر" نظرة علي أختها النائمة بالمهد الصغير ، أزعجتها فكرة أنها ستتخذها كدرع حماية ، و لم تكن واثقة من نجاح الخطة
و لكن ما كانت واثقة منه تماما أنه حتي إذا بلغ قمة غضبه فإن هذا الغضب كله سيقع عليها وحدها لا علي هذه الصغيرة ، بالتأكيد لن يفعل لها شيئا
و تأمل كثيرا لو تنجح هذه الخطة ، رغم أنها تعلم أن لا يمكن الهروب منه كثيرا ، و لكن لتفلت منه هذه المرة و ستفكر في عذر أقوي للمرة القادمة ..
إنتهت "سمر" من تحضير نفسها ، ثم إيقظت "ملك" من نومها بلطف و أخذت تبدل لها ملابسها و تعطرها و تمشط لها شعرها البندقي الجميل
عند ذلك كان النعاس قد طار تماما من أعين الصغيرة ، لتأخذها "سمر" و تذهب لشقة الجارة "زينب" ..
دقت بابها ... لحظات و فتحت لها "زينب" و علي وجهها إبتسامتها المشرقة ..
زينب بود :
-صباح الخير يا قمرات . إيه نازلين بدري ليه ؟ .. ثم قالت بإستغراب :
-و بعدين إنهاردة الجمعة . مافيش شغل إنهاردة !
سمر بإبتسامة متوترة :
-ملك مش هتقعد معاكي يا ماما زينب . أنا هاخدها معايا إنهاردة.
زينب بشك :
-هتاخديها معاكي فين ؟
حمحمت "سمر" بتوتر أشد ، و لكنها أخبرتها بالأخير ..
-إنتي بتقولي إيه ؟ .. صاحت "زينب" بغضب ، و تابعت :
-إنت أتجننتي ؟ هتروحيله برجليكي تاني ؟ و وعدك ليا ؟ هتسلميله تاني ؟؟؟
سمر بهمس و هي تتلفت حولها بقلق :
-بالله عليكي يا ماما زينب وطي صوتك . وعدي ليكي زي ما هو . و الله ما هسيبه يلمسني تاني صدقيني مش هيحصل لو علي رقبتي.
زينب بإستنكار :
-أومال رايحاله برجلك دلوقتي ليه ؟ و هتقابليه لوحدك ليه ؟؟؟
سمر بنبرة مقنعة :
-أنا هروح أقابله فعلا بس و ملك معايا . أنا نايمتها طول الليل إمبارح عشان تفضل صايحة طول النهار و هي معانا . هتحجج بيها و مش هيعرف يعمل معايا حاجة . ماتقلقيش يا ماما زينب و الله العظيم ما هخليه يقربلي.
زينب و قد تهدلت تقاسيم وجهها بإستسلام :
-خدي بالك من نفسك يا سمر . إوعي تضعفي يابنتي أو يغلبك الشيطان ده.
سمر بثقة :
-ماتقلقيش .. أنا وعدتك !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... يضبط "يحيى البحيري" ربطة عنقه أمام المرآة ، لتأتي زوجته من خلفه و تسند خدها علي كتفه و هي تطلق تنهيدة حارة
فريال بلهجة قانطة :
-هتسافر تاني يا يحيى ؟
يحيى بصوت خافت لونته المرارة :
-أيوه يا فريال . لازم أسافر . هحاول أنقذ ما يمكن إنقاذه من الصفقة إللي حطيت فيها حصيلة سنة كاملة من الشغل !
تقلص وجهها بألم ، فهمست :
-عشان خاطري ما تتأخرش . أنا ببقي وحيدة منغيرك . مابحسش بطعم الحياة إلا بوجودك جمبي.
إستدار "يحيى" ليواجهها
أمسك بكتفيها و حدق في عيناها مباشرةً ..
يحيى بصوته الدافئ :
-و أنا كمان يا حبيبتي مابقدرش أعيش ثانية منغيرك . لكن مضطر . إدعيلي إنتي بس سفري ده يجي بفايدة و لو كل حاجة تمت زي ما أنا عايز هرجع بعد يومين إن شاء الله.
فريال و هي تنظر إليه بلوعة :
-ربنا يحفظك ليا و ترجعلي بالسلامة . دول الأهم بالنسبة لي.
إبتسم "يحيى" بحب ، ثم ضمها إلي صدره بلطف ، و تمتم بأذنها :
-بحبك . خليكي فاكرة إني جمبك دايما .. و بحبك دايما !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في غرفة "صالح" ... الصمت و الوجوم يخيمان عليه و هو يجلس مهموما علي فراشه الواسع
تلج "صفية" إليه حاملة كأس اللبن الدافئ بين يديها ..
جلست علي طرف السرير بجانبه ، و قربت الكأس من فمه و هي تقول بإبتسامة رقيقة :
-صلَّوحي ! يلا يا حبيبي إشرب اللبن و هو سخن.
يشيح "صالح" بوجهه قائلا بإنزعاج :
-من فضلك إبعديه عني يا صفية مش عايز.
صفية بضيق :
-بعد ما عملتهولك بإيدي تقولي مش عايز ؟ .. لكنها لاحظت تعابيره البائسة فجأة ، فسألته بجدية :
-مالك يا صالح ؟؟
صالح بكدر :
-ماليش يا صافي.
صفية و هي ترمقه بنظرة ثاقبة :
-إنت كداب يا صالح . قولي في إيه ؟ إيه إللي مضايقك ؟!
و ظلت لعدة دقائق تقنعه بالكلام ... ليقول أخيرا :
-دايما كل الظروف بتبقي ضدي يا صفية !
صفية بعدم فهم :
-مش فاهمة ! تقصد إيه يا صالح ؟!
صالح بكآبة :
-كل ما أحل عقدة . كل ما أفتكر إن مشاكلي إتحلت بطلع غلطان في الأخر .. مشاكلي بتزيد و بتتعقد أكتر.
أجفلت "صفية" و قالت بدهشة :
-ليه بتقول كده يا حبيبي ؟ إنت ماعندكش أي مشكلة . وضعك بيتحسن و الدكتور قال قريب أوي هترجع تقف علي رجليك من تاني . صحتك ممتازة و قطعت شوط هايل النتيجة إللي وصلنالها ماكنتش متوقعة . إنت إنسان قوي يا صالح و عندك إرادة . مافيش حاجة واقفة في طريقك دلوقتي !
نظر لها و قال بسخرية :
-لأ في . أبويا .. أبويا إتخانق إمبارح مع أبوكي . و شكل الخناقة كانت بجد و غير أي خناقة عادية عدت بينهم . أبويا يا صفية عقدلي الدنيا أكتر ما هي متعقدة.
صفية بصوت كالأنين و هي تلتقط خصلة أمامية من شعره :
-يا حبيبي إنت بتقول كده ليه بس ؟ مافيش عقد يا صالح . و بابا و أنكل رفعت دايما بيتخانقوا و بيرجعوا زي ما كانوا.
-بس المرة دي غير . صوتهم كان عالي و أنا سمعت كلامهم .. أنا حاسس إن المشكلة دي هتقف في طريقنا يا صفية . حاسس إن عمي هيبعدك عني بسبب خلافه مع أبويا.
وضعت "صفية" إصبعها علي فمه و قالت :
-هشششش . ماتقولش كده تاني . إنت مش واثق فيا يعني ؟ أنا مستحيل أبعد عنك أنا بحبك يا صالح و عمري ما هسيبك أو أسمح لحد يبعدني عنك . فاهم ؟ مش عايزاك تقلق نفسك بحاجات زي دي . ركز في علاجك و بس . و إحنا لبعض في الأخر . محدش هيقدر يفرقنا أبدا .. أوعدك.
رمقها "صالح" بنظرات آملة ، بينما إبتسمت و هي تعيد الكأس إلي فمه :
-يلا بقي إشرب اللبن !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كان "عثمان" جالسا في سيارته المركونة علي جانب الطريق ... يراقب المارة أمامه بنظرات فاترة من خلال نظارته الشمسية القاتمة
زفر بقوة و قد أزعجه طول إنتظاره ، لكنه تلقي مكالمة في هذه اللحظة ..
أخرج هاتفهه من جيب داخلي في سترته البيضاء .. ألقي نظرة سريعة علي الرقم ، ثم أجاب :
-بابا ! .. كانت نبرته لطيفة ودية
يحيى بصوت أجش :
-إنت فين يا عثمان ؟
-أنا في مشوار كده . ليه في حاجة ؟!
يحيى بنبرة متماسكة غامضة :
-لأ مافيش .. بس بقالي مدة ماشوفتكش !
-آسف بس إنت عارف الشغل و شركتي لسا في بدايتها . هاشوفك بالليل إن شاء الله.
-أنا مسافر دلوقتي.
عثمان بدهشة :
-مسافر ! مسافر فين ؟؟
-طالع علي لندن.
-الله ! إنت مش كنت لسا هناك ؟!
-هاروح تاني . لسا في شغل متعلق .. ثم قال بنبرة جدية :
-المهم أنا عايز أطلب منك طلب.
عثمان بإهتمام :
-طلب إيه يا بابا ؟!
-طول فترة غيابي . عايزك تمسك الشركة و تديرها بنفسك . خلي بالك يا عثمان عينك تبقي في وسط راسك . مش عايزك تغفل عن أي حاجة.
أجفل "عثمان" بشئ من القلق ، و تساءل :
-طيب في حاجة يعني ؟ في مشكلة حصلت ؟؟
-مافيش حاجة . أعمل بس إللي بقولك عليه.
-حاضر !
-حاجة كمان ... أمك . خلي بالك من أمك . إوعي تسمح لأي حاجة في الدنيا تضايقها.
عثمان و قد ساوره القلق بشدة الآن :
-بابا في إيه ؟ بجد في إيه ؟؟؟
-يابني قولتلك مافيش حاجة . بوصيك زي كل مرة . مش كل مرة بسافر بسمعك الكلمتين دول ؟
-أيوه بس المرة دي حاسس إنك مخبي عليا حاجة !
يحيى بنفس النبرة الغامضة :
-مافيش حاجة . بأكد عليك بس.
عثمان بعدم إقتناع :
-أوك . عموما ماتقلقش . أنا هتولي كل حاجة لحد ما ترجع.
-تمام . سلام بقي دلوقتي عشان طالع عالمطار.
-سلام يا بابا . خد بالك من نفسك !
و أغلق الخط و ما زالت الحيرة و الشك تلعبان بملامح وجهه و تشغلان عقله ..
يلمح "سمر" أخيرا و هي تتقدم صوب سيارته ، طار كل ما كان يشغله في هذه اللحظة و خاصة عندما شاهد تلك المخلوقة الصغيرة التي يعرفها جيدا متكورة في صدر أختها مطوقة عنقها بذراعيها القصيرين ..
نظر لها بذهول شديد و ظلت عيناه عليها حتي وصلت عنده
إتخذت "سمر" مكانها بجانبه ... إبتسمت و هي تقول متظاهرة بعدم ملاحظة ردة فعله غير المصدقة :
-صباح الخير !
-إيه إللي إنتي جايباها معاكي دي ؟ .. قالها "عثمان" بتساؤل و هو ينقل نظراته بينها و بين "ملك"
سمر ببساطة :
-دي ملك . لوكا أختي إنت مش فاكرها و لا إيه ؟!
عثمان بحدة :
-جبتيها معاكي ليه ؟ إنتي بتهرجي !
سمر ببراءة :
-إيه إللي حصل بس ؟ أنا لسا راجعة بيها من عند الدكتور و مافيش حد في البيت ياخد باله منها . كنت هسيبها فين ؟!
زفر "عثمان" غاضبا و قال :
-و إحنا هناخد راحتنا مع بعض إزاي و هي معانا سيادتك ؟؟
سمر بإبتسامة و هي تمسد علي شعر "ملك" الحريري :
-أنا هانيمها . أكلها معايا أول ما تشبع هتنام.
عثمان و هو يلوي ثغره بنفاذ صبر :
-أما نشوف !
و شغل محرك السيارة ، ثم إنطلق ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في ڤيلا "رشاد الحداد" ... تتمدد "چيچي" في حوض الإستحمام البيضوي و المتتلئ بالماء الممزوج بالصابون ذا الرغاوي و الفقاقيع البيضاء
تتنفس بعمق لعدة مرات .. تزيد درجة إسترخائها ... ترهف السمع إلي تلك الموسيقي الهادىة المنبعثة من سقف قاعة حمامها المستقل
يدق هاتفهها في هذه اللحظة ، فتمد يدها المبتلة لتأخذه من خلفها ..
-ألوو ! .. ردت "چيچي" بنبرة متكاسلة
المتصل :
-چيچي هانم . في مفاجأة مش هتصدقيها !
چيچي بفتور :
-بليز منغير مقدمات إنجز و هات إللي عندك بسرعة.
المتصل :
-البنت إللي حضرتك وصفتيها دلوقتي حالا ركبت عربية عثمان البحيري.
چيچي و قد خفق قلبها من الإثارة :
-البنت المحجبة !
المتصل :
-هي يا هانم.
چيچي بإبتسامة شريرة :
-Very Good . خليك وراهم . و عايزة شغل نضيف و واضح.
المتصل :
-أنا تحت أمر حضرتك . هحاول علي أد ما أقدر بس مش واثق أوي إني هعرف أعمل المطلوب بالظبط.
چيچي بصرامة :
-تجيبلي شغل نضيف هاديك حقك أضعاف إللي إتفقنا عليه . أنا عايزة حاجة واضحة عايزاها تبقي فضيحة الناس ماتنسهاش أبدا !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في إحدي الشقق الفخمة ... المطلة علي ساحل الأسكندرية
تقف "سمر" بالمطبخ المصمم علي الطراز الإيطالي و الذي إتخذ شكل حرف الـ U .. مطلي بلون سماوي رائع تألق مع لمسات الإستيل الأنيقة ..
تناولت "سمر" أحد الصحون المربعة ، و شرعت في تحضير وجبة الطعام لأختها
لقد تركتها بالخارج مع "عثمان" ... ظلت تدعو و هي ترتجف بتوتر ألا تخذلها "ملك" و تغفو بحق ، لابد أنه يحاول ذلك الآن ..
-إن شاء الله مافيش حاجة هتحصل ! .. تمتمت "سمر" لنفسها بنبرة مهزوزة ، ثم أخذت الطعام و توجهت به إلي قاعة الصالون الخارجية
في طريقها إلي الخارج إستطاعت أن تسمع صوت ضحكات "ملك" الرنانة ، و إستطاعت أيضا سماع صوت "عثمان" المتذمر ..
ظهرت "سمر" عند طرف القاعة ، لتراه جالسا علي الأريكة الصغيرة ، واضعا "ملك" فوق قدميه و وجهها مقابلا لوجهه
كانت تبتسم بشدة و قد ظهرت غمازتاها الجميلتين ، فيما بدا "عثمان" نافذ الصبر أمام مرحها بصورة كبيرة ..
-يابنتي خلاص بقي أبوس إيدك سيبي دقني ! .. قالها "عثمان" بضيق شديد
بينما كركرت "ملك" ضاحكة و هي لا تزال مستمرة في شد لحيته بقبضتاها الصغيرتين
تأفف بنفاذ صبر و هو يحاول إبعاد وجهه عن متناول يدها ، لكنها لم تتركه و أظهرت سلوكا شرسا حين قفزت عليه و قضمت خده بأسنانها اللبنية المربعة و هي تزمجر بعفوية ..
لمح "عثمان" شقيقتها و هي تقف و تراقب هذا ، فصاح بإنزعاج :
-إنتي ياستي . تعالي خدي القطة المتوحشة دي . دي إستحالة تكون طفلة ماكملتش سنة !
ضحكت "سمر" رغما عنها و مضت إليهما ..
-معلش أصلها بتسنن بقالها فترة و بتحب تعض علي أي حاجة .. قالتها "سمر" و هي تمد ذراعيها لتأخذها منه
ناولها "عثمان" إياها فورا رغم أن الصغيرة إستاءت ، فقد كانت مستمتعة برفقته ..
عثمان عابسا بضيق :
-قدامها أي إيه دي لحد ما تنام ؟
سمر و هي تهز كتفاها بخفة :
-أنا هأكلها و هحاول أنيمها !
عثمان بإستنكار :
-نـــعــــم ! هتحاولي ؟؟؟
سمر بهدوء :
-أه هحاول . ما أنا أكيد مش هعرف أنيمها غصب عنها.
عثمان بإنفعال :
-إنتي بتهزري ؟ إنتي قاصدة تعملي كده علي فكره بتاعندي معايا. يعني ماتكونيش فاكراني عبيط و مش فاهمك بس لازم تعرفي إن مش أختك إللي هتحوشني عنك.
إرتجفت "ملك" علي صوت صياحه ، و تغللت عميقا في أحضان أختها ة و خبأت وجهها في شعرها و هي تنشج و تئن بحرارة ..
أجفل "عثمان" بتوتر مفاجئ عندما سمعها تبكي ، بينما توهجت نظرات "سمر" المصوبة إلي عينيه و هي تقول بغضب :
-إنت ماتعليش صوتك ده تاني و البنت موجودة . هي عملتلك إيه ؟ دي طفلة صغيرة . و بعدين إنت إللي لازم تعرف إن لولا أختي دي ماكنتش هتشم ريحتي أصلا . أنا لو كنت قبلت أي حاجة عرضتها عليا فأنا قبلت عشانها هي فمش هسمحلك أبدا بأي تجاوز معاها . فاهم ؟
و ظلت نظراتها المستعرة تلتهمه للحظات قبل أن تتركه و تمضي نحو إحدي الغرف ..
وقف "عثمان" يحدق في إثرها الفارغ مشدوها ، فهذه أول مرة تتجرأ عليه هكذا ، أول مرة ... يري الكره .. الغضب الحقيقي في عيناها !!!!!
يتبــــــــع ...
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم Shaimaa Gonna
تذرع "سمر" الغرفة جيئة و ذهابا بـ"ملك" ... فما زالت الصغيرة تبكي بحرارة ، و ما زالت هي تبذل محاولاتها لتجعلها تكف عن البكاء
راحت تغني لها بصوت عذب و تهدهدها بين ذراعيها ، و بالفعل نجح الأمر و هدأت "ملك" تدريجيا إلا من بعض الشهقات و الإرتجفات البسيطة
-بقت كويسة ؟ .. سمعت "سمر" صوته أتيا من خلفها ، لتغمض عيناها في حنق ثم تلتفت إليه ..
سمر بحدة :
-نعم ! عاوز إيه ؟؟؟
عثمان عابسا بشئ من التوتر :
-أنا ماكنش قصدي أزعق في أختك . هي في الأول و في الأخر طفلة و أنا مش حيوان أوي كده عشان ماتفرقش معايا مشاعرها .. ثم مد ذراعيه صوبها مكملا :
-ممكن !
كانت دعوة لا ترفض ، خاصة بعد ما أظهره من سلوك إنساني مهذب و لأول مرة
لوت "سمر" شفتاها ممتعضة ، لكنها ناولته شقيقتها في الأخير ..
توتر جسد "ملك" في بادئ الأمر و إتسعت عيناها الخضرواتان و هي تنظر إلي "عثمان" بخوف و ترقب ، لكنه طمئنها بإبتسامة خفيفة حلوة و ضمها إلي صدره بلطف
تكورت "ملك" بحضنه و دست رأسها في صدره دلالة علي خجلها و حبها في آن ..
عقدت "سمر" حاجبيها بإنزعاج من هذا ، فمدت يديها و إستعادت الصغيرة منه و هي تقول بجفاء :
-ملك حساسة أوي و لسا مانسيتش إللي حصل برا . عشان كده لازم أخدها و أمشي دلوقتي.
و هنا إنقلب مزاج "عثمان" فجأة ، إلا أنه تماسك و رد بأقصي ما إستطاع من هدوء :
-إحنا لسا جايين . و بتقوليلي تمشي ! ده كلام يعني ؟ خليكي شوية إحنا لسا ماقعدناش مع بعض لوحدنا.
سمر بعناد :
-أختي أهم من أي حاجة.
عثمان بنفس الهدوء :
-طيب أنا ماقولتش حاجة و بعدين هي هديت دلوقتي و ممكن تنام بسهولة.
في هذه اللحظة دق هاتف "سمر" ... أخرجته من جيب معطفها ... ألقت نظرة علي إسم المتصل ... و ردت :
-فادي ! .. إيه يا حبيبي صحيت ؟ .. أنا ماحبتش أقلقك .. أيوه عارفة إن إنهاردة أجازة بس ملك كانت محتاجة تروح للدكتور .. إحنا خلصنا كشف خلاص .. لأ هي زي الفل ... ماشي . إحنا جايين بسرعة أهو .. سلام يا حبيبي.
أنهت مكالمتها ، ثم نظرت إليه قائلة بأسف مصطنع :
-فادي بيستعجلنا . للآسف لازم أمشي دلوقتي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في ڤيلا "رشاد الحداد" ... يدخل هذا الشاب ليقابل "چيچي" بالحديقة الخلفية
كانت تجلس علي الأرجوحة تتصفح إحدي مجلات الموضة عندما آتي ، إنتبهت لحضوره و تركت المجلة من يدها ..
چيچي بصوتها الفاتر :
-هآا ! .. طمني عملت إيه ؟
الشاب و هو يمد لها يده بمظروف كاكي اللون :
-أنا عملت كل إللي قدرت عليه . بس للآسف مقدرتش أوصل لجوا الشقة و مش هقدر يا چيچي هانم . إللي إسمه عثمان البحيري ده حاويط أوي و دايما جاهز لأي حاجة !
تنهدت "چيچي" بغيظ و هي تشد المظروف منه بعنف ...
فتحته و أخذت تطالع الصور التي كانت فيه ، لم يسترعي "عثمان" علي إهتمامها بقدر ما فعلت "سمر" ..
راحت تمرر أمام عينيها الصورة تلو الأخر فإستغرقت بلا وعي في تأمل تلك الفتاة ، منافستها ... أغضبها أن تضع نفسها محل مقارنة بجانبها
فهذه أجمل منها لو قورنت بها فعلا ، لابد أن زوجها السابق يستمتع كثيرا هذه الأيام ، و لكنها في الواقع ستجعله يستمتع أكثر ..
-يعني مش هتقدر تجبلي أكتر من كده ؟ .. قالتها "چيچي" بتساؤل و هي تلقي بالصور فوق طاولة صغيرة أمامها
الشاب بأسف :
-خارج النطاق ده ! مش هقدر يا هانم أعذريني.
زفرت "چيچي" بضيق ، ثم قالت :
-طيب فين الـNegative بتاعت الصور دي ؟
أخرج الشاب فيلم التصوير من جيبه و ناولها إياه متمتما :
-إتفضلي يا هانم !
چيچي و هي تقلب الفيلم بين أصابعها :
-أوك . دلوقتي تقدر تروح و المبلغ إللي إتفاقنا عليه هيتحول في حسابك بعد ساعتين بالظبط.
الشاب بإبتسامة :
-شكرا يا هانم . و حضرتك لو إحتاجتيني مرة تانية أنا تحت أمرك في أي وقت.
جلست "چيچي" بعد رحيل جاسوسها تفكر ، كيف تستغل هذه الصور ؟؟؟
توصلت لحل وحيد و قد بدا لها الأكثر فعالية أيضا ، و لكن متي تنفذه ؟ ..
-لأ يا چيچي .. تمتمت "چيچي" لنفسها ، و أكملت بخباثة :
-مش دلوقتي . لازم تستفيدي من دروس الـProfessor بتاعك . عثمان البحيري .. في أقرب مناسبة هفرجلك القنبلة الفظيعة دي يا حبيبي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عندما وصلت "سمر" إلي البيت ... توجهت فورا إلي شقة الجارة "زينب"
تتهلل أسارير "زينب" عند رؤيتها ، لتصيح بعدم تصديق :
-ســــــمـــــــر ! حمدلله علي السلامة يابنتي . جيتي بدري مش مصدقة !!
سمر بإبتسامة عريضة :
-الخطة مشيت أحسن ما رسمتها يا ماما زينب . مقدرش عليا المرة دي.
زينب بسرور :
-الحمدلله . جدعة عقبال مانخلص منه علي خير . طيب خشي واقفة كده ليه ؟!
-هطلع بقي عشان فادي صحي و بيزن كل خمس دقايق في التليفون .. و أكملت و هي تربت علي ظهر "ملك" النائمة علي ذراعها :
-و كمان عشان أنيم الأبلة دي في سريرها أحسن تبرد . بتنام كتير أوي البت دي بس الحمدلله إنها نامت لما نزلنا و مانامتش و إحنا معاه.
-الحمدلله يابنتي . ماشي إطلعي و لما تصحي حبيبة قلبي دي إبقي نزليهالي عشان وحشاني.
سمر بإبتسامة :
-حاضر يا ماما زينب.
و صعدت إلي شقتها ... لتجد "فادي" كعادته جالسا أمام التلفاز يتابع إحدي المبارايات المـُعادة ..
-مساء الخير يا فادي ! .. قالتها "سمر" بنيرة خفيفة و هي تمشي بحرص حتي لا توقظ "ملك"
فادي بشئ من الإنزعاج :
-إتأخرتي كده ليه يا سمر ؟ ده أنا في إجازة يعني و المفروض إرتاح اليومين دول قبل ما أنزل الشغل تاني.
سمر و قد تلاشت إبتسامتها :
-إيه إللي حصل بس يا فادي ؟
فادي بضيق :
-جعان ياستي.
-يا حبيبي . طيب ما دبرتش حالك ليه لحد ما أوصل ؟
-التلاجة فاضية.
سمر بخجل :
-أه معلش نسيت . طيب خلاص أنا هحط ملك في سريرها و هانزل أجيب فطار و شوية حاجات كده.
فادي و هو يقوم من مكانه بتكاسل :
-لأ خليكي إنتي . أنا معايا فلوس أخدت دفعة أولي من المرتب . قوليلي إنتي بس إحنا محتاجين إيه و أنا هجيب كل حاجة.
-ماشي يا حبيبي.
و توجهت نحو غرفتها ، إلا أنها تعثرت و هي تمشي و قد أصابها دوار مفاجئ .. كادت تسقط ، لكنها أمسكت بظهر الكرسي بسرعة كي لا تسقط "ملك" ..
-ســـمــــــر ! .. صاح "فادي" بذعر و إنطلق صوب أخته كالسهم
قام بإسنادها و هو يقول بقلق ممزوج بالخوف :
-سمر . مالك ؟ إنتي كويسة ؟؟؟
شعرت "سمر" بوخزة حادة أسفل معدتها و بغثيان يهدد تماسكها ..
لكنها ردت رغم ذلك :
-أنا كويسة يا فادي ! .. كان صوتها ثقيلا ، بطيئا و إنتابها الإستغراب و القلق من هذا .. تساءلت ماذا يحدث معها ؟؟؟
فادي بنفس نبرة الخوف :
-إيه إللي حصلك فجأة ؟ ده إنتي كنتي هتقعي من طولك !
في هذه المرة خرج صوتها أوضح قليلا :
-ماتقلقش يا فادي أنا كويسة.
-أجيب دكتور ؟
سمر بإسراع :
-لأ . مالوش لزوم . أنا هبقي كويسة لما تجيب الفطار و ناكل سوا هبقي كويسة.
فادي بحنق :
-و هو إنتي نزلتي منغير ما تاكلي ؟ ينفع كده يا سمر ؟!
سمر بلطف :
-معلش . ربنا سترها أهو و أنا مافياش حاجة .. ثم قالت و هي تضع "ملك" بين يديه :
-أمسك ملك عشان ماتقعش مني . حطها في سريرها و أنا هفضل قاعدة هنا لحد ما تنزل و تيجي.
فادي و هو يشملها بنظرة فاحصة :
-ماشي . و خلي الموبايل جمبك لو حسيتي بأي حاجة كلميني.
سمر بإبتسامة متكلفة :
-حاضر يا فادي.
و بعد ذهاب "فادي" ... بقت "سمر" وحدها تراقب مدي تطور حالتها متمنية ألا يكون الشئ البديهي الأول الذي فكرت فيه ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في سيارة "عثمان البحيري" ... يقود بإتجاه القصر
زاد من السرعة متجاوزا عدة إشارات ، لم يتوقف أبدا و كانت عيناه المتقدتان تحدقان إلي الأمام ..
و لكنه في الواقع لم يكن ينظر إلي الطريق بكل هذا التركيز ، بل كان ينظر إلي وجهها الذي يلوح أمام ناظريه أبيا تركه لحاله
و فجأة يدخل "عثمان" في صراع نفسه ..
نفسه :
-إهدا شوية علي نفسك مالك عصبي كده ليه ؟
عثمان :
-لا عصبي و لا حاجة أنا تمام.
نفسه :
-لا يا راجل ! ده إنت من ساعة ما نزلت من الشقة و إنت قايد نار . معقولة واحدة تعمل فيك كده.
عثمان بغضب :
-لا عاشت و لا كانت . لسا ماتخلقتش و بعدين دي تحت جزمتي لو عوزتها في أي وقت هلاقيها.
نفسه :
-إنت لحد دلوقتي معاملتك ليها غير معاملة لواحدة قبلها . و في كل مرة معاها بتحس إنها أول مرة . مش قادر تستغني عنها يا عثمان .. إنت بتحبها !
عثمان بغضب أشد و قد خرج صوته صادحا بعد أن كان مجرد همهمة داخل عقله :
-لأ . مـابحبـهآاش . مش ممكن أنا أحب واحدة زي دي.
نفسه :
-و مالها دي ؟ إنت عارف كويس أوي إنها أحسن من كل إللي عرفتهم في حياتك . إنت إللي أذيتها إنت إللي إستغليت ضعفها إنت إللي خليتها كده . إنت السبب.
عثمان :
-أنا ماجبرتهاش . هي إللي بمزاجها جت لحد عندي.
نفسه :
-بعد ما ساومتها علي حياة أختها الطفلة الصغيرة !
عثمان مغمغما بعنف :
-إسكت . أنا مش غلطان في أي حاجة و بعد إللي حصل إنهاردة ده هخليها تشوف الوش تاني.
نفسه :
-بتحبها.
عثمان بإصرار :
-مش بحبها . و هثبتلك !
يصل "عثمان" أخيرا إلي بيته ... يترك سيارته للبستاتي يصفها بالكراچ ، بينما يمضي هو إلي الداخل
يدق هاتفهه و هو بمنتصف الدرج ، ليخرجه و يقطب مستغربا ..
والده يتصل !
من المفترض أن يكون علي متن الطائرة الآن ..
-إيه يا بابا إنت لسا ماسافرتش ؟ .. رد "عثمان" بنبرة هادئة متسائلة ، ليأتيه صوت غريب تماما و ليس صوت والده :
-السلام عليكم ! عثمان بيه معايا ؟
عثمان بصوت أجش و قد ساوره القلق في هذه اللحظة :
-أيوه . مين معايا ؟؟؟
المتصل :
-معاك الرائد معتز الشيدي . أنا آسف بس مضطر أبلغك بخبر مؤسف شوية و كمان مالاقتش رغم رقم حضرتك كان أخر رقم كلمه يحيى بيه.
إزدرد "عثمان" ريقه الجاف بصعوبة و سأله بشئ من العصبية :
-ما تتكلم يافندم في إيه ؟ إيه إللي حصل ؟؟؟
المتصل :
-يحيى بيه عمل حادثة و هو رايح علي مطار القاهرة . هو دلوقتي في عربية الإسعاف يا ريت حضرتك تاخد أول طيارة و تيجي بسرعة .... !!!!!!!!
.........................................................
في قصر آل"بحيري" ... أخيرا يبدأ "صالح" تدريبات السير
يتعكز علي عصى معدنية من جهة و تسنده "صفية" من الجهة الأخري ..
تعمدت خلق جو مرح أثناء هذا الحدث السار المبهج ، فدمدمت مازحة و هي تضحك :
-تآاتاه خطي العتبة تآاتاه حبة حبة . برآااڤووووو يا صلَّوحي شآاطر !
صالح بتذمر :
-إيه يا صافي التفهاهة دي ؟ إنتي إتهبلتي يا حبيبتي ؟!
صفية بضحك :
-لأ يا حبيبي أنا لسا عاقلة بس مبسووطة مبسوطة أوووي.
-يا رب مبسوطة دايما يا حبيبتي . بس إيه إللي بسطك أوي كده ؟
-إنت مش حاسس بنفسك و لا إيه ؟ إنت إبتديت تمشي يا صالح إبتديت تمشي.
و راحت تتقافز بمكانها ، ليباعد "صالح" بين شفتاه في دهشة و يقول :
-لا حول و لا قوة إلا بالله ! لا ده إنتي مش بس إتهبلتي ده إنتي إستعيلتي علي كبر كمان.
صفية و هي تعقد حاجبيها بإستياء :
-بقي كده يا صالح ؟ طيب إيه رأيك بقي هاسيبك تقع دلوقتي و هخرج و مش هسأل فيك.
صالح بتراجع :
-لا لا لا إنتي صدقتي يا حبيبتي ده أنا بهزر معاكي . أنا قصدي بس نقلل معاملة الأطفال دي شوية أظن إني شحط يعني علي تاتا خطي العتبة دي !
صفية بسخرية :
-إنت شحط أه بس عيل في نفسك يا حبيبي و من زمان و إنت عارف ده إنت لسا لحد دلوقتي بتتقمص زي الأطفال.
صالح و هو يحمحم بحرج ممزوج بالإنزعاج :
-إيه الغلط و الإحراج ده بقي !
و هنا جاءت "هالة" و قد إقتحمت الغرفة فجأة حيث دفعت الباب و ولجت و هي تركض ..
هالة بذعر :
-إنتوا عرفتوا إللي حصل ؟؟؟ .. و كانت أنفاسها تتلاحق بصورة عنيفة
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
صدمة ... تلك هي الكلمة الوحيدة التي من الممكن وصف حالة "عثمان البحيري" بها الآن .. أو بالأحرى منذ جاءته المكالمة السوداء منذ ساعتين بالضبط
في هذا الوقت كان صديقه "مراد" معه ، فقد رافقه بالطائرة الخاصة إحدي الممتلكات الثمينة لـ"عثمان" وحده
إنتهيا من إجراءات المطار بأسرع ما يمكن ، ثم توجها فورا إلي [ مستشفي القاهرة التخصصي ] حيث تم نقل والده هناك ..
لم يخبر "عثمان" أحدا بالأمر ، أبقي عليه سرا و إختار "مراد" فقط ليذهب معه ، حتي عمه لم يشعر بإنه يود إخباره
يستقلا الصديقين أول تاكسي عند خروجهما من المطار ... يصلا إلي المشفي خلال وقت قياسي .. تعترض طريقهما الصحافة التي تجمهرت كلها دفعة واحدة أمام البوابة الرئيسية لحظة إنتشار الخبر .. يبعدهم "عثمان" عن طريقه بعنف و هو يصيح بغضب ، ثم ينطلق إلي الداخل متجاوزا أفراد الأمن الواقفين كحاجز منيع بوجه عدسات وسائل الإعلام الفضولية
كان الوصول إلي مكان والده سهلا إذ جاء أحد العاملين بالمشفي و أرشده .. نقله المصعد إلي الطابق الثالث حيث جناح العناية المركزة ... مضي بسرعة وراء مرشده ليوصله الأخير للحال عند ذاك الباب الذي يفصله عن والده عدة أمتار قليلة ..
-هو مافيش حد يطمنا هنا ؟ .. هكذا صاح "عثمان" بنفاذ صبر ممزوج بالعصبية ، ليرد "مراد" بتماسك و هو يربت علي كتفه مهدئا :
-إهدا شوية يا عثمان دلوقتي حد يخرج و يطمنا.
عثمان بعصبية مفرطة :
-و لا الصحافة إللي واقفة تحت . الخبر لحق ينتشر بالسرعة دي إزاي ؟!
مراد بصوت عابث :
-ماتنساش إن المستشفيات الكبيرة إللي زي دي فيها جواسيس مدسوسين هما إللي بينقلوا الأخبار التقيلة.
في هذه اللحظة خرج الطبيب من غرفة العناية بوجه واجم و فم مطبق ... خرج من بعده طاقم التمريض و هم علي نفس الحالة ، بينما ركض "عثمان" صوبه صائحا :
-من فضلك يا دكتور . أنا عثمان البحيري أبويا إللي حضرتك كنت عنده جوا . من فضلك قولي حالته إزيها ؟ إللي حصله بالظبط ؟؟؟
نظره له الطبيب ، ثم أطرق برأسه و قال بحزن :
-أنا آسف جدا يافندم . البقاء لله !
إتسعت عينا "عثمان" و جحظتا من الصدمة ... ساد الصمت لثوان بدت طويلة جدا ، كان إستيعابه أبطأ من المعتاد ، و لكنه عندما تكلم كان أعنف مما يمكن تصوره ..
عثمان و هو يجأر بغضب هائل :
-إللي إنت بتقوله ده ؟ يعني البقاء لله ؟ إنت عبيط و لا متخلف ؟ بقولك أبويا جوا عمل حادثة بسيطة و جاي عشان تعالجوه مش عشان تقولوا عليه مات ! .. كانت الكلمة الأخيرة تكاد تصيبه بالجنون لشدة غرابتها ، فعقله أصغر من أن يستوعب حجمها كما يجب
تفهم الطبيب حالته و تغاضي عن الإساءة و قال بهدوء :
-الحادثة ماكنتش بسيطة يافندم عربية والدك خبطت في لوري و إتقلبت كذا مرة علي الطريق .. ثم تابع بأسف :
-إحنا حاولنا علي أد ما قدرنا . بس أمر الله نفذ محدش يقدر يقف قصاد قدره.
عثمان بغضب أشد :
-إســكـــت . إنت مش دكتور إنت بهيم مابتفهمش حاجة . هاتولي مدير المستشفي دي هاتولي المسؤول عن المخروبة دي أنا هقفلهالكوا بالضبة و المفتاح ههدها علي إللي فيها.
الطبيب و قد نفذ صبره رغما عنه :
-يافندم لو سمحت وطي صوتك إحنا هنا في مستشفي محترمة و في عيانين إنت كده بتأذيهم . والد حضرتك خلاص بقي في ذمة الله مش هنقدر نرجعه أنا عارف إن الصدمة كبيرة عليك بس كل حاجة و ليها حدود هنا.
تركه "عثمان" قبل أن يكمل كلامه و إندفع صوب غرفة العناية ..
كانت الغرفة ساطعة بيضاء ... كان "يحيى" راقدا علي السرير المعدني بلا حراك .. الغطاء مشدود حتي وجهه و لم يكن ظاهرا منه سوي ذراعاه
إقترب "عثمان" من والده و أزاح الغطاء بحركة عصبية عن وجه والده ... كان شاحبا بالكامل و قد إمتزج لونه بالزرقة القاتمة ، بدا مثل شبح .. إستنساخ عن صورة "يحيى البحيري" و لكنه لم يكن هو .. أين ملامحه الدافئة ؟ الصارمة أحيانا و الضاحكة أحيانا ؟؟؟
كم مرة تخيله "عثمان" ميتا ، بالطبع لقد فكر في ذلك كثيرا ، و لكنها كانت أفكار عابرة تطرأ علي ذهن كل إنسان ... إنما اليوم في هذه اللحظة ، عندما تحققت الفكرة علي أرض الواقع ، شعر و كأنه محبوس داخل قفص معتم ضيق ، يشعر بالإختناق .. لا يستطيع حراك ... ما من طريقة أو ثغره يخرج عبرها !!!
بدأ جسد "عثمان" ينتفض و يرتعد بقوة كما لو أن تيارا كهربيا يسري فيه ..
تهاوي أرضا علي ركبتيه ، و إقترب من والده و قال بصوت ممزق من الدموع التي فاضت من عينيه تلقائيا :
-بابا ! .. أنا عثمان . إنت سامعني صح ؟ أنا عارف إنك سامعني . قوم يا بابا . قوم قولهم إنك كويس . قوم و أنا هاخدك علي البيت علطول . قوم إنت ماينفعش تبقي هنا ماينفعش تبقي كده .. بـابـآاا . لازم تقووم . ماما هتزعل أوي منك . و صافي كمان . إنت نايم . إنت شكلك نايم بس كفاية كده . كفاية يا بابا . قوم . قوم حرام عليك رد عليا إنت ماينفعش تموت . لأ . ماينفعش . رد يا بابا عشان خاطري . رررررررررددد !
يدخل "مراد" في هذا الوقت و يقترب من "عثمان" ...
يمسك بذراعه محاولا جذبه و هو يقول بتأثر شديد :
-كفاية يا عثمان . كفاية قوم . في البيت كلهم بيتصلوا بيا . كلهم عرفوا يا عثمان كفآاياك بقي لازم تفوق و تقوم ماينفعش إللي إنت فيه ده.
أبعده "عثمان" عنه بعنف و هو يصرخ فيه بغضب :
-إوووعي سيبني . إبعد عني مالكش دعوة بيآاا . سيبني . إمــشـــــــي !
يأتي الطبيب عند ذلك و معه إثنان من رجال الأمن ، يأمرهما بإبعاد "عثمان" عنه جثة والده ، فيتوجها نحوه بالفعل و يتعاملا معه بحزم و حرص في آن ..
عثمان بصراخ حاد :
-أوعوا . سيبوووني . أبويــآاااااااااا . أبويــآااااااااااااااا . أبويــآاااااااااااااااااااااا !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
سبعة أيام بعد الحادث ... مروا و كأنهم سبعة سنوات ، تغير كل شئ ، كل شئ بالمعني الحرفي
ما من كلمات تعبر عن هذا
ألم "فريال" بالمقام الأول ، في البداية لم تصدق و نهرتهم جميعا حين بدأ البكاء و النواح بالمنزل لحظة تأكيد الخبر
حبست نفسها بالغرفة و إبتعدت تماما عن أجواء الحداد ، و لكن مع مرور أول يومان بدأت تصدق ...
لا "يحيى" لم يعد هنا أو هناك ، لقد إختفي فجأة كما السراب ، لم يتصل بها طوال اليومين الماضيين ، لم يتواصل معها بأي طريقة علي عكس عادته حين يغيب لفترة
حتي هاتفهه عندما حاولت الإتصال به لم تجد ردا و في الأخير أصبح مغلق ..
في اليوم الرابع لم يسمع عنها أحد أي شئ بالبيت كله ، و لم تستجيب هي للدق علي باب غرفتها ، ليقرر "عثمان" أن يحطم الباب ، و قد كان
دخل ليجد أمه في أسوأ حالة ممكنة ..
كانت جالسة في الفراش ، شاحبة ، صامتة ، مشعثة الشعر و الهالات الزرقاء تحول لونها إلي الأسود مع مرور كل يوم و ساعة و ثانية يزيد فيها تأكيد ما حدث
أحضر "عثمان" لها الطبيب و كانت النتيجة أنها أصيبت بصدمة عصبية حادة أفقدتها النطق و التواصل مع من حولها
بالكاد تتناول دوائها و تأكل قليلا جدا من يد "عثمان" أو "صفية" فقط ، ربما الإهتمام بـ"فريال" هو ما جعل الجميع يتناسون الحزن قليلا
و لكن الشئ المفروغ منه أن قصر عائلة "البحيري" بات مظلم كئيب ، بعد أن كان رمزا للبهجة بمجرد النظر من خلف أسواره الخارجية ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في ڤيلا "رشاد الحداد" ... تجلس "چيچي" مع والدها في مكتبه
نصر في صالحهم و لم يكن بالحسبان ، طوال الإسبوع الفائت و حتي اليوم لم ينقطع الإحتفال من بيتهم ..
رشاد بضحكة مجلجلة :
-مين كان يصدق إن يحيى البحيري يموت بدري كده ؟ و الله مفاجأة حقيقية و محدش كان ممكن يتخيلها أبدا.
چيچي و هي تبادله بضحكة مماثلة :
-أكتر حاجة Interesting ( ممتعة ) في القصة إن عثمان خلاص بقي واقف لوحده مالوش ضهر يعني القضاء عليه بقي أسهل من الأول.
رشاد بجدية ممزوجة بالصرامة :
-إحنا حكايتنا مع العيلة دي إنتهت خلاص يعني مش عايزك تفكري في أي حاجة كده و لا كده . ماتنسيش إنه لسا معاه الـCD بتاع سيادتك و ماتنسيش كمان إن الإنتخابات و فرحك بالظبط كمان شهر مش عايزين قلق يا چيچي و مش عايز تصرفات متهورة تهدلي كل إللي بنيته في الفترة دي.
چيچي بحنق :
-يعني هيفضل ماسك علينا الذلة دي كتير ؟
رشاد و هو يحتدم غيظا :
-و هو مين إللي إدالوا الفرصة ؟ مش حضرتك ؟ أنا لحد دلوقتي مش قادر أصدق إنك عملتي كده قبل فرحك بإسبوع و كل ما إفتكر إللي حصل بيبقي هاين عليا أجيب رقبتك تحت رجلي .. بس أعمل إيه ؟ أولا بنتي و ثانيا الفضيحة . لو كنت عملت فيكي أي حاجة كنت هأكد كلامه قدام الناس.
إبتلعت "چيچي" ريقها بتوتر ، ثم قالت بشئ من الإرتباك :
-بردو مش لازم نسيبه . إفرض في يوم عملهالنا مفاجأة و طلع الـCD ده و فضحنا ؟ ساعتها مش هنقدر نعمل أي حاجة !
رشاد و قد أظلمت نظراته من الغضب :
-ساعتها و لو حصل إللي بتقولي عليه ده أنا بنفسي إللي هخلص عليه.
چيچي علي مضض :
-أوك . بس بردو لازم يتعلم عليه و يتفضح زي ما فضحني و بعت ورايا الصحافة يصوروني و أنا راجعة في نص الليل بفستان الفرح.
رشاد بشك :
-قصدك إيه يعني ؟ يتعلم عليه إزاي مش فاهم ؟!
چيچي بإبتسامة شيطانية :
-أنا هتصرف يا بابي ماتقلقش . كل حاجة مترتبة و جاهزة و مافيش ورايا أي دليل !!!!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم Shaimaa Gonna
يخرج "عثمان" من غرفة أمه و هو يتنهد بآسي ... تأتي "صفية" في هذه اللحظة حاملة كأس من الماء و بعض من الحبوب العلاجية
صفية بملامح ذابلة كئيبة :
-مامي عاملة إيه دلوقتي يا عثمان ؟
عثمان و هو يفرك وجهه بكفاه :
-كويسة . يدوب كلت من إيدي بالعافية .. ثم نظر لها و أكمل بصوت لا حياة فيه :
-صافي مش عايزك تسيبي ماما خالص . خليكي جمبها طول الوقت و لو إحتاجت لأي حاجة تبلغيني فورا.
صفية بدموع :
-حاضر يا عثمان .. و أخفضت رأسها حتي لا يري دموعها المتدفقة بحرارة
عثمان بضيق :
-كفاية يا صفية . كفاية أبوس إيدك أنا مش ناقص و عايزة تدخلي لماما و إنتي بالشكل ؟!
صفية و هي تكفكف دموعها بعزم :
-خلاص يا عثمان . خلاص أنا مش هعيط تاني.
نظر لها بحزن و شدها إلي حضنه ، ثم قال بهدوء :
-أنا عارف إن حياتنا إتغيرت أو إتقلبت بمعني أصح . بس أنا و إنتي لازم نحط خطوط حمرا لمشاعرنا طول الفترة الجاية خصوصا قدام ماما يا صافي . ماما مش دريانة بأي حاجة . أنا مش قادر أشوفها كده . لازم نعمل المستحيل لازم نساعدها عشان تخرج من إللي هي فيه . إحنا مابقاش لينا غيرها.
وافقته "صفية" بإيماءة صغيرة :
-عندك حق يا عثمان . صدقني أنا بمسك نفسي قصادها جامد أوي . بس بردو هي حالتها أسوأ مننا بكتير . دي مانزلتش دمعة واحدة كاتمة في نفسها و ده إللي مخوفني عليها.
عثمان بثقة :
-هتبقي كويسة . إن شاء الله هتبقي كويسة بس محتاجة شوية وقت .. ثم قال و هو يمسح لها دمعة بأنامله :
-يلا إدخليلها . و زي ما قولتلك إوعي تسيبيها أبدا.
صفية بهمس :
-أوك !
و دلفت إلي أمها ، بينما نزل "عثمان" إلي الأسفل ليوافي "مراد" في الصالون الصغير
كان يحتسي فنجانا من القهوة عندما أقبل عليه ..
-عثمان ! فينك مستنيك بقالي ساعة .. قالها "مراد" و هو يرجع فنجانه إلي الطاولة
عثمان بصوت جاف :
-كنت عند أمي .. ثم جلس قبالته و أكمل :
-عملت إيه مع رئيس التحرير ؟
مراد بجدية :
-خلاص الموضوع إنتهي و هو فهم رغبتك خلاص.
عثمان بخشونة :
-مش مهم يفهم رغبتي . المهم يفهم إني ممكن لو حبيت هوديه في ستين داهية و هقفله الجريدة خالص.
مراد بصوت مهدئ :
-إهدا يا عثمان الراجل ما قالش حاجة و بعدين هو مالوش ذنب الصحافيين إللي عنده هما إللي جريوا يغطوا الحادثة و نشروا الخبر و في كل الأحوال أي جريدة تانية لو كانت جاتلها الفرصة تنشر الخبر قبل أي حد كانت عملت كده.
عثمان بغضب :
-أنا ماحبش إسمي أو إسم عيلتي يبقي لبانة في بؤ إللي يسوا و إللي مايسواش.
مراد بتعجب :
-يابني ما إنتوا عيلة مشهورة و من زمان من أيام جدودك و الصحافة بتكتب عنكوا إيه إللي جد ؟!
عثمان بإنفعال :
-إللي جد إن مهنتهم بقت قذرة أوي و بقوا يألفوا علي مزاجهم . كذا خبر نزل عن الحادثة مش منطقي و مالوش أي علاقة بينا و قضايا التعويض إللي رفعتها هي إللي هتأدبهم عشان يحرموا ينشروا كلمة واحدة قبل ما يتأكدوا منها.
مراد بإنزعاج :
-خلاص بقي يا عثمان هدي أعصابك . إنت بقيت صعب أووي !
زفر "عثمان" غاضبا ، ثم قام من أمامه و مضي إلي خارج المنزل كله ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في إحدي وكالات الأنباء الشهيرة ... تجلس "چيچي" أمام المدير في هذا الثوب الغريب عليها تماما
كانت ترتدي نظارة شمسية كبيرة أيضا لتداري وجهها ، و كانت تغطي شعرها بوشاح داكن اللون ظهرت من تحته بعض من خصلاتها الشقراء ..
-أنا جيت علي سمعة الوكالة الأخبار عندكوا بتنتشر بسرعة رهيبة و بتوصل لكل الناس و ده إللي أنا محتاجاه ! .. قالتها "چيچي" بصوت ثابت النبرات
المدير و هو يقلب الصور بين يديه :
-مفهوم حضرتك . بس أعتقد إن خبر زي ده لو إتنشر في وقت زي ده مش هيبقي حلو علي سمعة عيلة البحيري . إنتي عارفة هما بيمروا بإيه يا أنسة . آا و لا يا مدام ؟
چيچي بضيق :
-حضرتك قول إللي إنت عايزه مش هتفرق . بص يافندم أنا شرحتلك مشكلتي و فهمتك إن في علاقة بيني و بين عثمان البحيري . أنا بقالي كتير معاه و هو مش راضي يعلن عن أي حاجة تخصنا . ضغطت عليه كتير بس ده أحسن وقت . أرجوك ساعدني ! .. و لفظت أخر جملة برجاء
المدير بعد تفكير :
-ماشي يا مدام . أوعدك هعمل كل إللي أقدر عليه عشان أساعدك.
چيچي بإمتنان :
-بجد ميرسي أوي . أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي !
المدير بإبتسامة خفيفة :
-العفو يا مدام.
چيچي و هي تقوم من مكانها :
-أول ما أشوف الخبر منشور هدفعلك مبلغ معقول أوي.
المدير بجدية :
-حضرتك لسا قايلة إنك جاية علي سمعتنا . إحنا هنا في الوكالة ماتهمناش الفلوس إحنا إللي يهمنا بجد قيمة الخبر و عيلة البحيري أكبر عيلة في إسكندرية و ليهم شعبية واسعة جدا . الناس كلها بتهتم بأخبارهم و دي حاجة هتعود علينا بمكسب أكبر من الفلوس.
چيچي بإبتسامة :
-أوك . يبقي متفقين . إستأذنك بقي دلوقتي !
المدير بكياسة و لطف :
-إتفضلي . نورتينا.
و حالما خرجت ضغط بسرعة علي زر الإستدعاء ، ليحضر ذاك الشاب خلال ثوان قصيرة ملبيا ندائه ..
الشاب بخباثته المعهودة :
-آمرني يا ريس . في مصلحة جديدة و لا إيه ؟ المزة جتلك محملة صح ؟ .. و غمز له بعينه
المدير بتوبيخ :
-إهمد شوية ياض و طرطألي ودانك . عايزك تنزل بسرعة و تقطرلي البت إللي لسا نازلة . عايزك تجيبلي قراراها و تعرفلي هي مين.
الشاب بضيق مصطنع :
-إنت ماتحتاجنيش أبدا إلا في المشاوير ؟!
-بقولك إيه مش عايز رغي كتير و بعدين إنت عارف إني معينك هنا ندورجي ببعتك تجيبلي أخبار الناس و بديك أجرك .. ثم قال بصرامة :
-إنجز بقي و ألحقها بسرعة قبل ما تمشي أحسن و الله أمشيك أنا و دلوقتي حالا.
الشاب بضحكة ساخرة :
-لا و علي إيه . هطير أنا أهو و هاجبيلك أخرها قبل أولها كمان ده إنت تؤمرني يا ريس.
و إنطلق متعقبا إثر الزائرة
بينما أمسك المدير بهاتفهه و أخذ يبحث في اللائحة عن إسم معين ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... تذهب "هالة" لتطمئن علي والدها
تجده جالسا في الظلام وحده ، غرفته هادئة تماما و كئيبة مثل كل شيء في البيت كله ..
تقترب منه ببطء ، ثم تركع أمام مقعده و تقول بصوت حزين :
-بابي ! إنت كويس ؟ .. يا بابي بليز رد عليا . هتفضل ساكت علطول كده ؟!
رفعت بصوت خال من أي تعبير :
-عايزاني أقول إيه يا هالة ؟ مافيش كلام ممكن يتقال خلاص.
هالة و هي تمسك يده الكبيرة بكلتا يداها :
-إنت بقالك إسبوع علي الحال ده . لا بتاكل و لا بتشرب و حابس نفسك في الأوضة . حرام عليك يا بابي أنا و صالح محتاجينلك.
و هنا نظر "رفعت" إلي إبنته ..
تراقصت بعيناه الدموع و هو يقول :
-أخويا مات يا هالة . يحيى .. أخويا الصغير مات . مات و هو زعلان مني . أنا عمري . عمري ماتخيلت إن له في قلبي الحب ده كله . عمري ما فكرت إني هندم أووي كده علي كل موقف . كل لحظة زعلته فيها . كنت دايما بقول علي نفسي أنا الكبير . لكن هو إللي طول عمره كان الكبير . بأفعاله و تصرفاته . أنا كنت أخ وحش أوووي عمري ما حبيته عمري ما خدت بالي منه.
و أطرق رأسه مجهشا بالبكاء ، لتقوم "هالة" و تحتضنه بقوة قائلة :
-يا بابي كفاية . عشان خاطري كفاية ! .. كانت تبكي مثله الآن
رفعت بصوت كالأنين :
-ماكنش يستاهل مني كل الكره ده . نفسي أشوفه بس و لو لمرة واحدة . عايز أعتذرله و أترجاه يسامحني . يا ريتني كنت أنا إللي مت و هو إللي عاش علي الأقل كان ممكن يسامحني أنا ماستهلش أعيش بداله ماستهلش.
هالة بحزن شديد :
-يا بابي إسكت . كفاية بالله عليك . ربنا يخليك لينا أنا مستحيل أقدر أعيش منغيرك.
رفعت بمرارة حارقة :
-و أنا دلوقتي بقيت لوحدي . أخويا سابني و مش هقدر أعيش منغيره . ماعادش ليا حد و لا ضهر . ماعادش ليا لازمة !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في سيارة "عثمان البحيري" ... يركن قريبا من الشاطئ ، ثم يترك سيارته و يمضي بإتجاه البحر
يجلس فوق الرمال بعيدا عن الأمواج قليلا غير عابئ بتلويث ملابسه السوداء
ينظر إلي السماء الحالكة الملبدة بالغيوم و المرصعة بالنجوم ... يطلق تنهيدة حارة مطولة ، ثم يخرج هاتفهه من جيب سترته و بدون تردد يتصل بها ..
يأتي صوتها بعد لحظات :
-ألو !
عثمان بنبرة مهمومة :
-سمر ! .. إزيك ؟
سمر بصوت حذر :
-الحمدلله . إزيك إنت ؟!
عثمان بقنوط :
-أهو . عايش . عادي يعني .. ليه ما سألتيش عليا طول الأيام إللي فاتت ؟ إنتي ماعرفتيش إللي حصل ؟
سمر بتردد :
-عرفت . بس ..
-بس إيه ؟
-ماحبتش أضايقك . إنت في إيه و لا في إيه ؟
عثمان بإهتمام :
-ليه إنتي عندك مشكلة و لا حاجة ؟؟
سمر بتوتر :
-لأ . مش بالظبط كده .. بس بقالي يومين حاسة إني تعبانة شوية.
-سلامتك . طيب أجي أخدك للدكتور ؟!
سمر بإسراع :
-لأ . إن شاء الله هبقي كويسة . مالوش لزوم الدكتور !
-هو أخوكي لسا عندك ؟
-لأ سافر إمبارح.
-طيب ممكن أشوفك بكره ؟
صمتت "سمر" و لم تجب ...
عثمان برجاء :
-من فضلك يا سمر . أنا محتاجلك أوي . أنا عارف إنك بتكرهيني بس معلش حاولي تنسي مشاعرك شوية و تستحمليني الفترة دي.
سمر بعد صمت طويل :
-حاضر . أشوفك بكره !
عثمان بجدية :
-بس ملك ماتكونش معاكي زي المرة إللي فاتت .. و هنا دخلت مكالمة أخري علي الخط ، ليستأذنها بلطف :
-سمر معلش هقفل معاكي دلوقتي معايا مكالمة تانية !
-إتفضل طبعا .. و أغلقت معه ، ليرد :
-ألو !
المتصل :
-ألو السلام عليكم . عثمان بيه البحيري معايا ؟!
عثمان بصوت أجش :
-أيوه . مين معايا ؟
المتصل :
-أنا عبد المنعم صقر مدير وكالة ( --------- ) الخاصة بأخبار الفن و المجتمع.
عثمان و قد إكتسب صوته نبرة عدائية :
-أهلا . خير حضرتك ؟ يا تري بتكلمني بخصوص قضية التعويض إللي رفعتها عليك ؟ أحب أقولك دي أقل حاجة عملتها معاك رغم إني معاك في إن قيمة التعويض كبيرة شوية بس ده عشان تقدر تميز بعد كده بين الأخبار قبل ما تنشرها خصوصا لو كانت متعلقة بيا أو بأي واحد من عيلتي.
-بالراحة شوية يا عثمان بيه . أنا مش بكلمك عشان أتفاوض معاك علي قيمة التعويض . إنت عارف إننا وكالة كبيرة و ممكن ندفعلك المبلغ كاش و من بكره الصبح لو حبيت.
عثمان بغضب :
-أومال بتكلمني ليه ؟ أخلص و هات من الأخر عشان صبري إبتدي ينفد.
-أنا بكلم حضرتك دلوقتي عشان في مستندات تحت إيدي أعتقد إنها مهمة و تخصك.
عثمان بإستغراب :
-مستندات إيه دي ؟؟؟
-لا يا باشا مش هينفع في التليفون . لو ممكن تشرفني دلوقتي خمس دقايق بس هتشوف بنفسك و تقول رأيك قبل ما أنشر أي حاجة و تزعل مننا تاني.
عشرة دقائق ... و كان "عثمان" بمقر الوكالة
-أهلا أهلا يا عثمان بيه ! .. قالها المدير و هو يقف و يصافح "عثمان" بحرارة ، و تابع بترحيب :
-خطوة عزيزة . بجد ده شرف ليا إنك واقف في مكتبي دلوقتي.
عثمان بفتور :
-أنا جيت أهو يا أستاذ عبد المنعم . فين المستندات المهمة إللي تخصني دي ؟!
عبد المنعم بإبتسامة :
-طيب أقعد يافندم.
تنهد "عثمان" بصبر ، و جلس أمامه
فتح "عبد المنعم" أحد أدراج مكتبه ، و أخرج مظروف كاكي اللون و ناوله إياه ..
أخذه "عثمان" و فتحه بنفاذ صبر و سحب محتوياته ... لتتسع عيناه بغضب و هو يشاهد تلك الصور التي ضمته مع "سمر" و شقيقتها في ذلك النهار الأسود الذي توفي فيه والده ..
-مين إللي جابلك الصور دي ؟؟؟ .. صاح "عثمان" بغضب شديد و هو يهب من مكانه كما العاصفة
أجفل "عبد المنعم" بشئ من التوتر و قال :
-إهدا شوية يا عثمان بيه . حضرتك ممكن تسأل بهدوء و أنا أجاوبك.
بلغ "عثمان" قمة غضبه ، فمشي صوب مدير الوكالة بخطوات واسعة ..
أمسك بتلابيب قميصه و إجتذبه ليقف علي قدميه أمامه :
-و رحمة أبويا لو ما إتكلمت و قولتلي مين إللي جابلك الحاجات دي لاكون دفنك هنا و يسلام لو كنت جايبني و بتساومني و تكون إنت إللي بعت جواسيسك يلموا ورايا أقسم بالله هتشوفوا إللي عمركوا ما شوفتوه علي إيدي.
عبد المنعم بحدة ممزوجة بالإرتباك :
-نزل إيدك يا عثمان بيه مش طريقة حوار دي . أنا لا بعت جواسيس وراك و لا نيلة كل الحكاية إن في واحدة جاتلي من شوية و سلمتني الصور دي.
عثمان بعصبية مفرطة :
-و دي مين دي إسمها إيه إنطق ؟؟؟
-عبد المنعم بنفس الحدة :
-ماعرفش إسمها إيه بس هي كانت محجبة و الاكيد إن هي إللي في الصورة يعني.
بـُــهت "عثمان" في هذه اللحظة ، و تبدلت ملامحه إلي الصدمة و عدم التصديق !!!!!!
......................................................................
تفتح "سمر" عيناها ... تستقبل ضوء صباح جديد
بقت مستلقية لدقائق في سريرها ، تحصي دقات قلبها المتسارعة و تتساءل عن سبب تعرق راحتي يديها ..
ربما لأنها ستقابل "عثمان" اليوم ! ... لقد سبق و قطعت وعدا للجارة "زينب" بإنها لن تسمح له بإن يختلي بها مجددا ، لن تلتقي به بمفردها أبدا
و لكنها لا تعلم .. لماذا منحته البارحة موافقتها بسهولة هكذا ؟ .. لماذا حاز علي عطفها ؟ .. لماذا أشفقت عليه ؟ لماذا لمستها نبرة الحزن في صوته ؟؟؟
لم تشعر "سمر" بحاجة لتناول فطورها الآن ، فقامت بإطعام "ملك" ثم بدلت ثيابها و أخذتها و نزلت لتسلمها كالعادة للسيدة العطوفة التي تهتم بها ..
-أهلا أهلا بالقطقوطة الصغننة بتاعتي ! .. هـَّدلت "زينب" بإبتسامة عريضة و هي تفتح ذراعاها لتتلقي "ملك"
مدت "سمر" ذراعيها مبتسمة هي الأخري و ناولتها الصغيرة قائلة :
-القطقوطة الصغننة بتاعتك بقت شقية و فظيعة خآالص تعبتني.
زينب بضحك :
-و ماله ياختي تتشاقي ما كل العيال كده هتيجي عليها يعني .. ثم سألتها بسماحة :
-إيه رايحة الشغل و لا إيه ؟
سمر بخفوت و توتر :
-إحم . لأ يا ماما زينب مش رايحة الشغل.
زينب بدهشة :
-أومال رايحة فين علي الصبح كده !!
إرتعشت أنفاسها و هي تدفعها بلطف إلي داخل الشقة ... أقفلت الباب بروية ، ثم أجابتها بهدوء حذر :
-ماما زينب . منغير ما تتعصبي . أنا رايحة أقابله.
زينب ببلاهة :
-رايحة تقابلي مين ؟!
سمر بتردد :
-عـ عثمان يا ماما زينب . هيكون مين يعني !
مر وقت قصير و "زينب" تكرر الكلمات في ذهنها مرات عدة ، مدققة في كل كلمة لكي تستطع معرفة هدفها الحقيقي ..
-إنتــــي إتجـنـنتــــــي ؟؟!! .. صاحت "زينب" بغضب
سمر بلطف :
-إهدي بس يا ماما زينب هفهمك.
زينب بإنفعال :
-هتفهميني إيـــــــه ؟ إنتي كده بتسرحي بيا يا سمر أو بتاخديني علي أد عقلي . إنتي مش وعدتيني إنك هتستسلميله تاني ؟؟؟
سمر بوهن :
-يا ماما زينب لو سمحتي إسمعيني . أنا مش رايحة أقايله عشان حاجة . ما إنتي عارفة إن والده إتوفي الإسبوع إللي فات.
زينب بإستهجان :
-الله يرحمه و يحسن إليه ياستي بس إنتي مالك يعني ؟ هياخدك و يقرا عليه في الترب مثلا !
سمر بإنزعاج :
-حرام كده يا ماما زينب . الراجل في ذمة الله دلوقتي ماينفعش نتريق عليه بالشكل ده مايجوزش عليه غير الرحمة.
تنهدت "زينب" بضيق و قالت :
-أنا ماقولتش حاجة يابنتي . بس أنا مضايقة منك و من المماطلة و الكر و الفر إللي بينك و بينه . ما تجيبهاله علي بلاطة كده و قوليله إن إللي بينكوا إنتهي و خلصي نفسك من القرف ده.
سمر بنبرة تفيض حزنا :
-يعني إنتي فكراني مبسوطة بحالي معاه ؟ أنا لحد دلوقتي بستحقره و و لا مرة حسيت معاه بالآمان.
زينب بتعجب :
-أومال ليه ساكتة عليه لحد دلوقتي ؟ و رايحة تقابليه ليه ؟!
-صعبان عليا !
زينب بإستنكار ممزوج بالذهول :
-نعم ياختي ؟!
تنفست "سمر" بعمق و ردت متأثرة بالمشاعر التي أخذت تجيش بصدرها الآن :
-لما كلمني إمبارح . حسيت في صوته نبرة حزن كبيرة أوي .. حسيت بالبرد في صوته . حسيت إنه شرد من نفسه . إنه غرقان و مش عارف يتنفس .. أنا مريت بإللي مر بيه يا ماما زينب و عارفة كويس يعني خسارة أب أو أم . هو يمكن غني جدا و معاه فلوس تعيشه طول عمره مش محتاج لحد . بس الأب و الأم هيفضلوا أغلي حاجة في حياة ولادهم . أغلي من كنور الدنيا و مافيش حاجة ممكن تعوض غيابهم.
نظرت لها "زينب" بيأس و قالت :
-يعني مصممة تروحيله ؟ هتعملي فيها طيبة و هتسيبيه يستغلك تاني ؟ حتي بعد ما عرفتي إن علاقتكوا حرام ؟!
-يا ماما زينب إطمني أكيد مش بيفكر دلوقتي في الحاجات دي هو في إيه و لا إيه بس ؟
زينب بحنق :
-إنتي هتجنيني يابت ؟ عايزة تفهميني إنه عايزك عشان طمعان في شوية حنان ؟؟!!
إنفجرت "سمر" ضاحكة رغما عنها بعد تلفظ "زينب" بالجملة الأخيرة ، لتوبخها السيدة بغيظ :
-و كمان بتضحكي ؟
أقلعت "سمر" عن الضحك سريعا ، ثم قالت بجدية :
-ماما زينب . هو فعلا طمعان في شوية حنان . و أنا مش هقدر أبخل عليه بحاجة بسيطة زي دي حتي لو بكرهه . هو طلب مني كده . أنسي مشاعري تجاهه شوية و أكون لطيفة معاه و بس . و بعدين مهما كان هو بردو ساعدني و أنقذ حياة أختي.
زينب بحدة :
-و خد المقابل غآاالي أووي . خد مستقبلك و ضيعه.
سمر بصرامة :
-خلاص مش هياخد مني حاجة تاني . ده عهد خدته علي نفسي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... تردد "رفعت" كثيرا قبل الإقبال علي هذه الخطوة
لكنه وجد الأمر سهلا ، سيذهب ليطمئن عليها فقط ... علي كل .. مشاعره ، حبه ، عشقه الصامت و القديم لها كل شئ صار طي النسيان الآن ، بل و منذ وفاة أخيه
و كأنها الصفعة التي هوت علي وجهه و أفاقته من تلك الغيبوبة ، فأميرته لم و لن تكن له أبدا و عليه ألا يبقي مسحورا بها بعد الآن .. فقد أدرك متأخرا حقيقة أنها زوجة أخيه ، و أم لرجل ناضج و فتاة بالغة
مشي "رفعت" متجها صوب غرفتها ، لتقابله "صفية" بمنتصف الرواق ..
-أنكل رفعت ! صباح الخير .. قالتها "صفية" بإبتسامة شاحبة
رفعت بإبتسامة متوترة بعض الشئ :
-صباح النور يا صافي . إيه جاية من عند ماما ؟!
-أيوه يا أنكل . صحيت من ربع ساعة و ميعاد الدوا بتاعها كمان شوية لازم تفطر الأول قبل ما تاخده فقلت أنزل أعملها الفطار بنفسي.
رفعت بإهتمام :
-هي حالتها وصلت لفين دلوقتي ؟ ماتحسنتش ؟؟؟
صفية و قد تهدل كتفاها بحزن :
-مش أوي يا أنكل . مامي إنطفت !
آلمه الوصف ، فتكلم بصوت متحشرج و كأن هناك شئ عالق بحنجرته :
-لسا ما بتتكلمش ؟
هزت "صفية" رأسها سلبا :
-لسا.
-طيب بتتواصلي معاها إزاي ؟!
-الدكتور قالها لو حبت تتكلم مع حد فينا ممكن تكتب إللي هي عايزاه علي الورق . و ساعات بتعمل كده فعلا.
أومأ "رفعت" بتفهم ، بينما إستأذنته "صفية" بأدب :
-عن أذنك يا أنكل . هنزل أجيب الفطار عشان ماتأخرش علي ماما.
رفعت بإبتسامة لم تصل إلي عينيه :
-إتفضلي يا حبيبتي.
ذهبت "صفية" ... ليستأنف "رفعت" سيره بإتجاه غرفة "فريال" ..
يطرق بابها مرتين ، ثم يدير المقبض و يلج ببطء ..
كانت نصف ممدة في السرير الكبير ، يغطي نصفها السفلي لحاف سميك باللون الأبيض .. تماما مثل وجهها الشاحب حتي البياض
كان جفناها مطبقين حين شعرت بظل يمتص بقايا ضوء الغرفة المتسلل عبر جوانب عيناها ..
أزاحت أهدابها بتثاقل لتتمكن الرؤية ... تفاجأت عندما رأته يقف أمامها ، حقا تفاجأت و تملكها غضب شديد
أرادت أن تصرخ في هذه اللحظة و تطرده من هنا فورا ، و بالفعل فتحت فمها لتقصفه بعنف ... لكنها أغلقته ثانيةً عندما وجدت صعوبة في النطق مجددا
أحست بالعجز الآن فقط و إستسلمت للقدر مقهورة ، بينما رمقها بعينين معذبتين و كره نفسه أكثر حين طفقت تحدجه بنظرات إتهام مشمئزة ..
-صباح الخير ! .. قالها "رفعت" بصوت مبحوح ، و تابع :
-إزيك ؟ سلامتك . عاملة إيه دلوقتي يا أم عثمان ؟!
طعنته بنظرة بغض ساخرة ، ليعض علي شفته بقوة و يطرق رأسه شاعرا بالخجل منها ..
يجلس "رفعت" علي كرسي محاذيا للفراش ، ثم يقول دون أن يرفع وجهه إليها :
-أنا عارف إن أي كلام مش ممكن يسكن جرحك أو جرح أي حد فينا . يحيى كان شئ مهم في حياتنا كلنا . كان مهم في حياتي أنا شخصيا رغم إني أخوه الكبير .. يحيى صحيح مش معانا بجسمه . بس أنا متأكد إنه معانا بروحه .. ثم نظر لها و أكمل :
-أنا متأكد إنه هنا معانا يا فريال . متأكد إنه شايفنا و شايفك إنتي بالأخص . الحب إللي بينكوا قوي أوي مش سهل ينتهي و لو حتي بالموت . و بما إنك كنتي و لسا أغلي إنسانة علي قلب أخويا مش عايزك تفضلي زعلانة كده . حالتك لا يمكن تكون عجباه أكيد بيتعذب و هو شايفك تعبانة بالشكل ده و مش قادرة تتكلمي .. و غير كل ده . إنتي لازم تكوني مؤمنة بقضاء ربنا يا فريال . ده عمره و لو ماكانش مات في الحادثة كان هيموت هنا علي سريره.
لو كانت النظرات تقتل لكان "رفعت" الآن في تابوت ... قذفته "فريال" بنظرة فتاكة ، إهتاجت أنفاسها و هي تتلفت ياحثة عن المجلد الذي أعطاه لها الطبيب
عثرت عليه بين الأغطية و إلتقطت القلم ، ثم بدأت بالكتابة فيما يراقبها "رفعت" بإهتمام ... إنتهت و رفعت الورقة أمام ناظريه ..
" إنت إللي قتلته . مش هسيبك يا رفعت هاخد بتاره منك . إنت فاكرني ممكن أعيش لحظة منغير أخوك ؟ أنا في لحظتها كان سهل جدا أروح وراه بس لأ مش قبل ما أبعتك الأول هعيش و هرجع أقف علي رجلي عشان أموتك زي ما موته "
إتسعت عينا "رفعت" و جحظتا من الصدمة ..
-مش ممكن ! .. صاح "رفعت" مذهولا ..
-إنتي .. إنتي متخيلة فعلا . إني ممكن أقتل أخويا ؟ متخيلة إني ممكن آا .. لم يكمل جملته ... أشاح بوجهه محالا السيطرة علي غضبه قبل أن يتفاقم بشدة ، ثم واصل كلامه بحدة :
-إنتي أكيد الصدمة لسا مآثرة علي دماغك . لو كنتي قولتي أي حاجة تانية . لو كنتي عبرتي عن حزنك بأي طريقة غير الطريقة دي كنت هعذرك لكن ما خيالك يوصل للنقطة دي مش هتلاقي عندي أعذار يا فريال . يحيى ده أخويا قبل ما يكون جوزك و أبو ولادك فاهمة يعني إيه أخويا ؟ حتي لو كنت بحبك و لو كان هو سبقني و وصل لقلبك قبلي مش ممكن هفكر آذيه عشانك . يعني أنا ممكن أفكر أقتل أخويا عشان واحدة ست ؟ إستحالة أخسر أخويا عشانك أو عشان غيرك أو عشان أي حاجة في الدنيا !
في هذه اللحظة سمعا هما الإثنان صوت أشياء تنكسر قريبا منهما ... إلتفتا الشقيق و الزوجة معا ليشاهدا "صفية" ..
تفف متصلبة كتمثال من حجر ، و قد سقطت صينية الطعام من يدها ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
تحت سماء النهار الشتوي الغائم ... تنتظر "سمر" علي رصيف جانبي كالعادة
لقد أتت قبل الموعد بعشرة دقائق ، خالت أنها ستنتظر مدة أطول ... و لكنها إستطاعت أن تلمح تلك السيارة الباذخة السوداء أحدث فئات الـ3M لهذا العام
كان يقود بجنون كعادته و بدا أنه و هو يقترب منها علي وشك أن يدهسها ، لكنه توقف في ثانية علي بعد نصف متر منها ..
-إركبي ! .. أمرها بصوت غاضب ، فجفلت بإستغراب لكنها كالمعتاد أيضا أطاعت أمره
إحتلت مكانها بجانبه ، فإنطلق من فوره منعطفا بحدة صوب الملف الشمالي
سلك عدة طرق مختلفة ليست لها علاقة ببعضها ، ظل لمدة نصف ساعة بدون مغالاة يخرج من هذا الإتجاه و يدخل في ذاك ... بيد أنه يدور في حلقة مفرغة ..
-هو إنت بتلف كتير أوي كده ليه ؟ .. قالتها "سمر" بتساؤل و هي تدرس بصعوبة ملامح وجهه المتجهمة
-الطرق دي كلها بتودي لمكان واحد . إحنا عدينا من هنا 5 مرات لحد دلوقتي ! في مشكلة ؟!
عثمان بصلابة :
-مافيش مشكلة و لا حاجة . مجرد إحتيطات بس .. ثم حانت منه إلتفاتة نحوها و هو يكمل بسخرية :
-مش يمكن يكون حد بيراقبنا !
سمر بهلع ممزوج بالصدمة :
-حد بيراقبنا ؟ مين ؟ مين إللي هيكون بيراقبنا ؟؟؟؟؟
عثمان بإبتسامة صفراء :
-ماتاخديش في بالك يا بيبي . أنا بس إللي موسوس شوية و بحب أبقي في الآمان دايما.
سمر بقلق :
-إنت خوفتني علي فكرة . هو في حد يعرف بإللي بينا ؟ إنت قلت لحد ؟؟!!
إشتدت عضلات فكيه بغضب و لم يجبها ... بينما لم تشأ إثارته أكثر ، إذ بدا لها خطير علي نحو لم تألفه و لم تعرف السبب حتي ..
-ما يمكن بيكون كده و هو حزين و مكتئب ! .. تمتمت "سمر" لنفسها و هي لا تزال تراقب تعابير وجهه المتصلبة و يداه القابضتان علي عجلة القيادة بقوة واضحة
-يمكن تكون دي طريقته في التعبير . جايز !!
لم يقلل "عثمان" من سرعة السيارة أبدا ، و سرعان ما دخل شوارع أرقي مناطق المدينة علي الإطلاق ... نظرت "سمر" علي جانب الطريق من جهتها ، لتري مجمع شاليهات فخم مترابط علي أبعاد واسعة متساوية بحيث يضمن المالك خصوصيته
إلتفتت "سمر" إلي "عثمان" ..
-إحنا إيه إللي جابنا هنا ؟ الشقة بتاعتك مش في المكان ده !
عثمان بنبرة خبيثة :
-أنا شخصية ملولة أووي يا سمر . بمل بسرعة من الحاجة و بحب أغير دايما . الشقة بيعتها و إشتريتلك بيت جميل في المكان ده . هيعجبك خالص لما تشوفيه.
بللت "سمر" شفتاها بلسان جاف و هي تشعر بالريبة من تصرفاته ... بينما إنعطف يمينا و أوقف السيارة في فسحة مستطيلة
ثم قال بخشونة دون أن يلتفت نحوها :
-إنزلي !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في وكالة الأنباء الشهيرة ... يجلس المدير مستمرا في هز قدمه بعصبية
ضغط زر الديكتافون للمرة العاشرة حتي الآن و هدر بغضب :
-الزفت عصام لسا ماجآاش و لا بيرد علي التليفون بردو ؟؟؟
ترد السكيرتيرة بنبرة خائفة :
-لسا يافندم . أول ما يجي هبعته لحضرتك علطول !
المدير بعصبية :
-شوفــهـــولي فــيـــــن.
و بعد ثلث ساعة :
-يا أستاذ عبد المنعم عصام فتح موبايله !
عبد المنعم بغضب :
-حوليلي المكالمة .. لحظات و آتي صوت "عصام" :
-صباح الفل يا ريس.
عبد المنعم بحنق :
-صباح الزفت علي دماغك و دماغ إللي خلفوك.
-الله الله ! ليه الغلط ده بس يا ريس ده أنا حبيبك !
-بلا حبيبي بلا قرف . كنت فين يا حيوان من إمبارح ؟ و قافل تليفونك ليــه ؟ أنا مش بعتك في مشوار مهم ؟؟؟
عصام بنبرة متكاسلة :
-معلش بقي خليها علي المرة دي كان عندي مصلحة بقضيها و موبايلي فصل شحن لسا فاتحه حالا.
عبد المنعم بإنفعال :
-نهارك إسود و مهبب . إنت ماعملتش إللي قولتلك عليه إمبارح ؟!
-لأ يا ريس و دي تيجي . قطرتلك البت و عرفتلك كل حاجة عنها . مش هتصدق أصلا هي مين.
عبد المنعم بنفاذ صبر :
-إنجز ياض.
عصام بضحكة مرحة :
-حاضر . الهانم ياباشا تبقي چيچي الحداد . عارفها طبعا طليقة عثمان البحيري إللي صورناها ليلة الفرح و هي راجعة لأبوها بفستانها !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
إرتعدت "سمر" بقوة ... حين سمعته يصفق باب الغرفة بعنف
لم تود أن تدخل معه إلي هنا ، لكنه كان صارما بطريقة أعجزتها عن التفوه بالكلام لا عن الرفض فحسب ..
إستدارت له بسرعة بعينين واسعتين ... سرت رعشة باردة من مفرق رأسها حتي قدميها و هي تراه ينظر لها بغضب واضح الآن
كان خطير حقا ، أكثر من أي وقت مضي .. بدا أسمر شيطانيا في قميصه الناصع الذي إلتصق بعضلات صدره و عضلات بطنه السداسية
كشر عن أنيابه و هو يقترب منها ببطء ، كنمر يستلذ بفن محاصرة طريدته قبل إفتراسها
-إنت مالك ؟ فيك إيه إنهاردة ؟؟ .. هكذا تساءلت "سمر" و قد فشلت في إخفاء نبرة الخوف في صوتها
عثمان بصوت كفحيح الأفعي :
-إنتي غلطتي غلطة كبيرة . غلطة عمرك يا سمر .. فاكرة نفسك ذكية بالطريقة دي ؟!
سمر بعدم فهم :
-إنت بتقول إيه ؟ أنا مش فاهمة إنت تقصد إيه !!
عثمان بذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة :
-مش فاهمة ؟ لأ حالا هتفهمي .. و إستمر في الأقتراب منها ثانيةً علي نفس الوتيرة المتباطئة
سمر بحدة :
-هتعمل إيه ؟؟؟
-هتعرفي دلوقتي هعمل إيه ! .. قالها "عثمان" و هو يخلع حزام بنطاله و يلف نصفه علي يده
أخذت "سمر" تتراجع للخلف ، فأسقطت في طريقها طاولة صغيرة حملت مزهرية ورود ... تناثر زجاجها و سقطت الشظايا من حولها
هزت رأسها بعصبية ، بينما خاطبها بصوت خفيض مثقل بالغضب و هو لا يزال يتقدم صوبها :
-فاتورتك تقلت أووي معايا . و عديتلك كتـيييير بمزاجي . بس لحد إسمي و شرفي و Stop يا بيبي.
سمر بإستهجان :
-و أنا عملت إيه يمس إسمك أو شرفك ؟!
عثمان بغضب :
-إنتي هتستعبطي يابت و لا إيه ؟ إنتي عارفة كويس إنتي عملتي إيه . بس إوعي تكوني فاكرة إن عمايلك دي هتجيب في صالحك نتايج إيجابية دلوقتي حالا هتشوفي النتايج السودا إللي جبتيها لنفسك.
و فرد ذراعه لأعلي و هو يقطع المسافة بينهما بخطوة واحدة ، لينزل بإبزيم الحزام المعدني بمنتهي العنف في إتجاهها
تفر "سمر" من أمامه في اللحظة المناسبة و هي تحبس أنفاسها مذعورة ، و بدل أن ينزل الحزام علي جسدها نزل علي يد كرسي أثري حطمها و فصلها عن بقية أجزاؤه في الحال ..
-هتروحي مني فين يعني ؟ .. قالها "عثمان" بمرونة
-و رحمة أبويا ما هاسيبك.
إرتجفت مفاصلها من الرعب و إنهمرت دموعها رغم محاولتها في كبحها ..
لحق بها فورا قبل حتي أن تفكر في الفرار ... أمسك بذراعها و شدها إليه صائحا :
-إنتي كمان ؟ إنتي كمان كنتي فاكرة إنك ممكن تخدعيني ؟ ليه ؟ شايفاني بريل ؟ للدرجة دي يبان عليا إني ساذج ممكن يضحك عليا بسهولة ؟ للدرجة دي بتشوفوني كلكوا بني آدم غبي ؟؟؟
سمر و هي تشهق مفزوعة :
-إنت بتقول إيه بس ؟ أنا مش فاهمة حاجة و الله ما فاهمة حاجة !!!
عثمان بشراسة :
-إنتي لسا هتكدبي ؟ أنا خلاص كشفتك . كشفتك رغم إني ماكنتش مديكي خوانة إستغبيت المرة دي فعلا و صدقت إنك بريئة لكن كلكوا طلعتوا صنف واحد صنف ---------- كلكوا زبآاالة.
و دفعها بعنف لتسقط مرتطمة بالأرض الرخامية
تآوهت بآلم و قد إكتشفت إنه إقتلع حجابها بإحدي حركاته الخفية السريعة ، أحاط شعرها بوجهها و إنسدل علي عيناها الدامعتان و هي تنظر إليه من خلالهما برعب ..
-أنا ماعملتش حاجة ! .. همست "سمر" و أكملت بنشيج حار :
-والله ما فاهمة إنت بتعمل كده ليه ؟!
-ده جزائي بعد ما عملت منك بني آدمة ! .. قالها "عثمان" بصياح حاد و قد أعمي الغضب عيناه تماما ، و أكمل :
-إنتي ماتستهليش واحد في المية من إللي عملته معاكي . كنت بدأت أصدق إنك ملاك و إن أنا إللي جنيت عليكي و ضيعتك لكن أثبتيلي بنفسك إنك أرخص من أرخص واحدة عرفتها في حياتي.
ثم هوي بتلك القطعة المعدنية بمنتهي العنف علي ذراعها ، فسمعت "سمر" صوت صراخ يصم الآذان .. أدركت بصدمة ، أنه كان صراخها هي
شعرت بأن أحبالها الصوتية قد تقطعت كلها إثر هذا ، لكنها عادت للصراخ أقوي مجددا حين باغتها بضربة ثانية أعنف من السابقة ..
إستمر "عثمان" في تعذيبها بدون وعي ، و بينما كان يحولها إلي قطعة مدماة ظل يهدر و يزمجر بغضب شديد :
-إنتي كمان خونتيتي . إنتي كمان طلعتي زيها . كلكوا زي بعض أنا الغبي أنا إللي بصدق . أنا غلطآاان أنا إللي حـبـ . أنا إللي جبتك من الشارع أنا إللي نضفتك و إديتك كل تتمنيه و كنت مستعد أديكي أكتر و زي ما تطلبي و إنتي عملتي إيـــــه ؟ خونتيني زيهآااا كلكوا زي بعض و إنتي أسوأ يا سمر أسوأ.
من شدة الآلم ... ما عادت تصرخ "سمر" .. أحست بالخدر يسري في ساقيها و ذراعيها فلم تقو علي الحراك و ظلت مستلقية تحت قدميه ، تتلقي ضرباته بجسارة دون أن تتأوه و دون أن تصرخ ..
شعرت بحلول أجلها ... و رغم أنها لا تعرف ماهية الجرم الذي إرتكبته ليعاقبها هكذا ، إلا أنها كانت سعيدة بتسرب وعيها مع تسرب الدماء من جسدها !!!!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم Shaimaa Gonna
في البداية ... كان الأمر أشبه بالحلم
عندما غدت الرؤية معتمة لدي "سمر" و السمع بالكاد كان واضحا ، حيث أتاها صوته كما لو أنه علي بعد مسافة سحيقة
كان يدوي غاضبا ، مروعا ، مفزعا ... و من بين سيل الكلمات السريعة اللاذعة التي خرجت كالقنابل من فمه ، لم تلتقط أذنها سوي كلمة واحدة متكررة منذ البادئ .. "خاينة" ..
ياللعجب ! .. لماذا ينعتها بالخائنة ؟ .. ماذا فعلت ؟ في الحقيقة لم تكترث "سمر" كثيرا بالإجابة ، و لم تتوق لمعرفتها
فقد كانت سعيدة ... البرد الذي أصابها و خدر جسدها بالكامل ، و الدوار المسكر ، و العجز المسيطر عليها تماما .. كل هذه الأمور أنبأتها بأن الأمر علي وشك الإنتهاء
كل هذا العذاب سينتهي قريبا ، الآلم الذي شعرت به منذ فترة طويلة ، الذل ، القهر ، المهانة .. كل شئ صار مرهونا بالعد العكسي لعدد أنفاسها الأخيرة
كانت مسالمة علي نحو غريب ، لم يكن لديها أي ميل للحياة ... أرادت أن تتخلص منها سريعا ، و بالفعل كان لها ما طلبت
غلبتها الغفوة الثقيلة في هذه اللحظة ، إنسحب الهواء كله من رئتيها هاربا ، شدها الظلام أكثر فأكثر ... نحو القاع اللانهائي ، و قبل أن ينطفئ بصيص حياتها للأبد شعرت بالإمتنان لأن أخويها سيعيشان في راحة و هدوء من بعدها ، قضي الأمر ..
لم تعد تشكل النقطة السوداء في حياة كلاهما ... "ملك" ستكون بخير ، "فادي" سيعتني بها جيدا و غدا سيكون له مستقبل زاهرا و سيحظي بزوجة تسعده و تكون أما لـ"ملك" عوضا عنها
أخر فكرة راودتها كانت ... تري هل سيكون لها حظا من رحمة الله ؟ هل سيغفر الله ؟ هل ستنال عفوه ؟؟؟
إستسلمت و نفسها تزخر بالرعب و الفزع ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
رغم برودة الجو ... كان جسد "عثمان" يتصبب عرقا ساخنا بعد هذا المجهود البدني و العصبي الهائل الذي بذله خلال الدقائق المنصرمة التي بدت و كأنها عقود بالنسبة لها و له
ما زال يضربها بوحشية ، ما زال يتحدث ، مازال كيانه ينضح حنقا و هو يهدر بأعلي صوته بلا وعي :
-خاينة يا سمر . خونتيني زيها . كنت واثق فيكي . أفكاري كلها كانت بدأت تتغير من ناحيتك . كنت فاكرك مختلفة فعلا . كنت فاكرك غيرهم كلهم . لكن طلعتي ممثلة . ممثلة هايلة . خدعتيني . بعتيني !
يتوقف "عثمان" أخيرا عندما شعر بالإنهاك ، يتنفس بصوت مرتفع ، ينظر إليها بإحتقار و لم تخالجه ذرة شفقة عليها
بل ألقي بالحزام الذي يقطر منه دمائها علي الأرض ، ثم إلتفت و مضي إلي الهاتف الرابض فوق طاولة بجانب الفراش
أمسك بدليل الأرقام ، و عثر علي رقم الإسعاف بسهولة ... ضرب الأرقام و إنتظر الرد ..
-ألو .. كان أنفاسه منتظمة الآن و تحدث علي نحو جدي هادئ ..
-من فضلك محتاج عربية إسعاف علي العنوان ده "------------" أنا عثمان البحيري . إللي حصل مايخصكيش . إبعتيلي عربية و خلاص . دلوقتي حالا !
و أغلق الخط و هو يتنهد بثقل ... تناهي إلي سمعه صوت جرس هاتفهه ، كان مكتوما ، فعقد حاجبيه و هو يتتبع مصدره
وصل عند "سمر" ثانيةً ... الصوت ينبعث من أسفلها حيث وقع منه بالتأكيد أثناء جلسة الضرب العنيفة التي أقامها لها
لكزها بقدمها و أزاحها جانبا ، ثم تناول الهاتف و رد بدون أن يعرف هوية المتصل ..
-ألو !
المتصل بنبرة حماسية :
-عثمان بيه . معاك عبد المنعم صقر.
عثمان بفتور :
-أهلا . خير يا أستاذ صقر ؟ في مستندات تانية حابب توريهالي ؟!
-لأ يافندم ده أنا بتصل عشان أقولك خبر مهم جدا.
عثمان و هو يفرك وجهه بكفه :
-خبر إيه ؟
-أنا عرفت مين الست إللي جابت الصور بتاعت سيادتك . مش هتصدق هي مين حضرتك !
عثمان بإبتسامة ساخرة :
-مين يا أستاذ صقر ؟
-چــــيــــــــــــــــچـي الحدآاد !
عثمان بصدمة :
-بتقول إيه ؟؟؟؟؟؟؟؟
عبد المنعم بنبرة مهزوزة بعض الشئ :
-هي مفاجأة فعلا . أنا نفسي ماتخيلتش تفضل وراك بعد كل إللي حصل بينكوا . أنا قلت أبلغ حضرتك بالخبر ده قلت أكيد يهمك و من حقك تعرف عشان تاخد إحتياطاتك بعد كده.
عثمان بنفس الصدمة ممزوجة بالغضب :
-إيه إللي إنت بتقوله ده ؟ إنت كل شوية هتطلعلي بحدوته ؟ جبت الكلام ده منين ؟ يبقي إنت إللي عامل كل ده و كدبت عليا . أقسم بالله ما هاسيبك !
عبد المنعم بجدية :
-يا عثمان بيه إهدا من فضلك . أنا هفهمك قبل ما تجيلي حضرتك إمبارح بعت واحد من إللي شغالين عندي ورا الست إللي جات و جابتلي الصور ... و حكي له ما حدث
سقط الهاتف من يده ... جحظت عيناه و تباعدت شفتاه بصدمة مضاعفة عندما وقع بصره عليها
-مش إنتي !!! .. همس "عثمان" و صاح مكملا و هو يهرع إليها :
-مش إنتي يا سمر ؟؟؟ .. ركع بجوارها و أمسك بكتفيها
-يعني مش إنتي إللي روحتي ؟ إنتي ماخونتنيش ؟ إنتي ماعملتيش حاجة فعلا زي ما قولتيلي ؟ أنا ظلمتك ؟ أنا .. عملت فيكي كده .. و شملها بنظرة مصعوقة ، ثم صرخ بذعر :
-لأااااااااااااااا . أنا عملت فيكي إيه ؟ عملت إيه ؟ أنا ماكنش قصدي أنا كنت فاكرك بعتيني . كنت فاكرك زيها . أنا آسف . آسف يا سمر . إصحي عشان خاطري . طيب فتحي عنيكي بس . أنا بحبك و الله عملت كل ده عشان بحبك . ماكنتش متوقع إني ممكن إتصدم فيكي . سمر . إنتي الوحيدة إللي ملكتي قلبي و الله العظيم . أنا حبيتك و عارفة و الله إمبارح لما كلمتك و قولتلك نتقابل كنت عايز أشوفك عشان أقولك إننا هنتجوز رسمي . كنت عملهالك مفاجأة .. سمر . قومي الله يخليكي ماتعمليش فيا كده !
و لكن لا حياة لمن تنادي ... هزها بعنف و هو يصيح :
-ســــــمـــــــر ! لأااا ردي عليا ماتعمليش زيه . مش هقدر أستحمل ده تاني . أرجوكي لأ . لأ .. أرجوكي . قومي . لأ .. كان عذابا مروع باديا في صوته
-سمر . سمر . أرجوكي . ردي عليا . لأ . لأ . سمر . لأ . لأاااااااااا . ســـــــــــــمـــــــــــــــــــــــــر !
و فجأة دوي بوق سيارة الإسعاف مقتربا شيئا فشئ من المنزل الممتلئ عويلا و صراخا ، بالطبع لم يكن السائق بحاجة للنظر في العنوان
لقد أرشدته هذه الأصوات بمنتهي السهولة ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... تدور "صفية" بغرفتها علي غير هدي
بعد ما سمعته من فم عمها بغرفة أمها ،لم تشعر بنفسها إلا و هي تركض إلي هنا ... كانت دموعها تهطل بغزارة الآن
لو كان هذا الكلام صحيحا حقا فإنها كـــــــارثة ...
-صافي هانم !
إنتبهت "صفية" علي صوت الخادمة ، إلتفتت لها
-عايزه إيه ؟ .. سألتها "صفية" بحدة
الخادمة بتوتر :
-فريال هانم عايزة حضرتك !
-طيب روحيلها إنتي دلوقتي و أنا جاية وراكي.
أطاعتها الخادمة و ذهبت ، بينما إزدادت حيرتها و هي تتنهد بحرارة ..
-يا ربي ! أعمل إيه ؟ أنا مش عارفة أي حاجة .. يا رب !!
إضطرت إلي الذهاب في الأخير ... ولجت عند أمها ، لتجدها جالسة في إنتظارها بفارغ الصبر
تحاشت "صفية" النظر إليها و مشت ناحيتها بآلية .. جلست علي طرف السرير قبالتها ، لتمد "فريال" يدها و ترفع ذقنها لتجبرها علي النظر لها ..
رمقتها "صفية" بتساؤل ممزوج بالإرتباك ... ثم قالت بحذر :
-إيه إللي أنا سمعته ده يا مامي ؟ إللي أنا سمعته ده صحيح ؟؟؟
بسرعة أمسكت "فريال" بالدفتر و القلم و بدأت تكتب ..
أعطت الورقة لإبنتها لتقرأ ... " إنتي سمعتي إيه بالظبط ؟ "
إبتلعت "صفية" ريقها بصعوبة و أجابت :
-بابي مات في حادثة . مش فاهمة . أنكل رفعت .. قال كلام فظيع .. فعلا هو ... هو إللي قـ آا . هو إللي عمل كده في بابي عـ عشانك ؟؟؟
تكتب "فريال" من جديد ، ثم تقرأ "صفية" .. " مافيش حاجة بيني و بين عمك يا صافي . إوعي تفهمي غلط "
صفية بوهن :
-أنا عارفة يا مامي . أنا مش ممكن أتخيل حاجة زي دي طبعا .. بس إللي هجينني . هو فعلا عمل كده و لا لأ ؟؟!!
تنهدت "فريال" بآسي و عادت تكتب .. إستغرقت بعض الوقت في هذه الورقة ، و لكنها سلمتها لإبنتها بالنهاية ..
قرأت "صفية" .. " أنا ماعرفش . بجد ماعرفش . أنا بس محروقة أووي يابنتي . قلبي مولع مش قادرة أطفي النار إللي جوايا علي أبوكي . عمك إعترفلي من فترة إنه بيحبني من زمان . ماكانش طبيعي لما قالي كده . أنا ماحبتش أكبر الموضوع و لو كنت قلت حاجة ليحيى الموضوع كان هيوصل للدم مش مجرد خناقة من خناقتهم العادية إللي بتحصل دايما .. أنا مش متأكدة من حاجة يا صافي . بس أنا يائسة . يائسة و حاسة إني هنفجر . عايزة أعمل أي حاجة . عايزة أرتاح . أنا عايزة أموت يا صفية . عايزة يحيى . أنا مش قادرة أصدق إني مش هاشوفه تاني . أنا هتجنن و الله هتجنن "
تترك "صفية" الورقة و تقترب من أمها التي بدأت تجهش بالبكاء ، ضمتها إليها متمتمة :
-خلاص يا مامي . بليز إهدي .. عشان خاطري . بعد الشر عليكي يا حبيبتي . إوعي تقولي كده تاني . ده إنتي إللي باقيتلنا أنا و عثمان . مانقدرش نعيش منغيرك . فكري فينا يا مامي و صبري نفسك . إوعي تيأسي أو تستسلمي . إحنا معاكي . يعني كإن بابي معاكي . مش إحنا بردو حتة منه ؟!
إرتجفت "فريال" و هي تنشج بحرقة في حضن إبنتها ، لتربت "صفية" محاولة تهدئتها ..
صفية بلطف :
-بس يا مامي . إهدي يا حبيبتي.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في ڤيلا "رشاد الحداد" ... تجلس "چيچي" مع والدها في الشرفة المطلة علي الحديقة
يتناولا معا طعام الفطور ، و لكن "چيچي" مشغولة بشئ أخر ..
منذ أكثر من نصف ساعة و هي ممسكة بجميع الجرائد و المجلات ، تتصفح أخبار اليوم و خاصة أخبار صفحة المجتمع
علي أمل أن تري الفضيحة التي دبرتها لزوجها السابق ... و لكن لا شئ ، لا شئ البتة !
يلاحظ والدها ما يحدث معها ، فينتابه الفضول ..
رشاد بصوته العميق :
-چيچي ! مالك في إيه ؟؟
چيچي و هي تنظر له في توتر :
-هه ! بتقول حاجة يا بابي ؟!
رشاد بنظرة ثاقبة :
-بقول مالك ؟ من الصبح و إنتي ماسكة الجرايد و مش بتفطري ! عايزة تشوفي إيه في الأخبار ؟؟؟
چيچي بإرتباك :
-آا أبدا . مش . مش عايزة أشوف حاجة.
-چيچي ! ..قالها "رشاد" بتشكك
-قوليلي هبتتي إيه ؟ طالما مرتبكة و حالك مشقلب كده يبقي عملتي مصيبة.
چيچي بضيق :
-لا مصيبة و لا حاجة . إنت ليه دايما بتحسسني إني طفلة صغيرة ؟ علي فكرة أنا كبرت و بقيت بفهم و إطمن مش هورطك تاني في مشاكل أنا إتعلمت من الدرس كويس.
رشاد بجدية :
-طيب قوليلي عملتي إيه ؟
تنهدت "چيچي" يإستسلام و حكت له ما حدث ..
-نهارك إسووود ! .. صاح "رشاد" بغضب و هو يقلب بعنف طاولة الطعام التي تفصلهما عن بعض ، و تابع :
-إنتي إتجننتي ؟ إزاي تعملي كده يا بنت الـ----- يا غبية يا متخلفة ؟ إنتي إيه مابتحرميش ؟ عايزة تعملي فيا إيه تاني ؟ بتورطينا لتاني مرة مع عثمان البحيري ؟ و قبل فرحك بشهر ؟ و كمان قبل الإنتخابات إللي آجلتها مخصوص لحد ما فضيحتك تداري ؟ إنتي عارفة إنه ممكن يدمرنا في ثانية بالـCD إللي معاه ؟ لو كبرت في دماغه و عملها مش هيبقالنا عيش في البلد دي . مستقبلنا هينتهي يا بنت الـ---- !
چيچي و هي تلتصق بمقعدها بخوف :
-يا بابي إهدا . أنا عملت حسابي كويس كنت متنكرة و محدش شافني . هو مش هيعرف حاجة.
هب "رشاد" من جلسه هادرا بإنفعال :
-إنتي فاكراه غبي ؟ إذا كان عرف يصورك و إنتي جوا أوضة نوم الزفت بتاعك و في حضنه مش هيعرف إن إنتي إللي ورا الفضيحة إللي هتحصله ؟!
چيچي بثقة :
-مش هيعرف صدقني.
رشاد بغضب :
-إخرسي خالص . و رحمة أمك لو جاتلي مشكلة تانية حتي و لو كانت صغيرة من تحت راسك هقتلك يا چيچي . هدبحك بإيديا.
إزدردت "چيچي" ريقها بخوف و حملقت فيه صامتة ..
رشاد بخشونة :
-إسمه إيه الجرنال إللي روحتيه ؟ إنطقي خليني أتصرف قبل ما المعبد يتهد فوق دماغي و دماغك !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في المستشفي التخصصي ... يقف "عثمان" أمام غرفة الفحص ، يعض أصابع الندم
كان خوفه حقيقي ، حقيقي جدا إلي حد جعل شفتاه ترتجفان و ساقاه تهددان بإنهياره ما إذا خرج الطبيب و أخبره بشئ لن يتحمل سماعه ..
-هتبقي كويسة ! .. تمتم "عثمان" لنفسه و هو يحارب رغبة جامحة في البكاء
-سمر هتبقي كويسة . لازم تبقي كويسة.
في هذه اللحظة خرج الطبيب راسما علي وجهه ملامح الغضب ..
إقترب "عثمان" منه و سأله بتلهف :
-دكتور . أرجوك طمني . سمر عاملة إيه ؟!
الطبيب بصوت أجش :
-إنت تقربلها إيه بالظبط ؟
عثمان بصبر نافذ :
-أنا جوزها من فضلك قولي بقي هي كويسة ؟؟؟
الطبيب بحدة :
-المدام إتعرضت لأبشع أنواع الإعتداءات بالضرب . إيديها الإتنين إتكسروا و في شرخ في الرجل الشمال . ده غير الكدمات إللي مغطية جسمها كله.
إبتلع "عثمان" غصة مريرة في حلقه ، و قال بصعوبة :
-هتخف . صح ؟
الطبيب بنفس الحدة :
-هتتعالج و هتخف إن شاء الله بس هنحتاج لشوية عمليات.
عثمان بإسراع :
-إعمل اللازم يا دكتور أنا مستعد أدفع ملايين بس سمر تقوم و تبقي كويسة تاني.
الطبيب بنظرة إتهام :
-حضرتك تعرف مين إللي عمل فيها كده ؟
و هنا أطرق "عثمان" رأسه بخزي ، ليكمل الطبيب بصوت كحد السكين :
-المدام حامل !!!!
عثمان و هو يرفع وجهه بسرعة :
-إيه ! .. كانت الصدمة بادية في صوته
-بـ بتقول إيه يا دكتور ؟ حامل ؟ سمر حامل ؟ إزآااي ؟؟!!
الطبيب بإستهزاء :
-زي الناس حضرتك . حامل زي ما كل الستات بتحمل.
عثمان بحيرة ممزوجة بالإرتباك :
-لأ يا دكتور إنت مش فاهمني . سمر كانت بتاخد حبوب منع الحمل .. حـ حملت إزاي ؟!
الطبيب بإبتسامة ساخرة :
-يافندم بتبقي واخدة هيئة تنظيم الأسرة بحالها و بتحمل عادي . مافيش حاجة ممكن تقف قصاد إرادة ربنا.
عثمان بإهتمام صادق :
-طيب هي وضعها إيه بالظبط ؟ و البيبي ممكن يكون خطر عليها و هي في الحالة دي ؟؟؟
الطبيب بجدية :
-في الحقيقة أنا مستغرب إزاي بعد كل إللي إتعرضتله ده و لسا الحمل ثابت ! بس زي قولتلك دلوقتي دي إرادة ربنا . الجنين سليم و بالنسبة له مافيش خطر عليه.
-المهم سمر.
-المدام هتبقي كويسة بردو و بعدين الحمدلله مافيش حاجة تقلق و طالما البيبي كويس تبقي هي كويسة . مافيش نزيف مافيش إصابات في مناطق حيوية . يعني كل حاجة تمام.
-طيب بالنسبة للعمليات إللي قولتلي عليها ! .. قالها "عثمان" بإستفهام
الطبيب بفتور :
-بالنسبة للعمليات دي سيادتك مالهاش أي ضرر بردو . إحنا هنعملها بس عشان نساعدها علي الحركة لأن زي ما قولتلك معظم أطرافها متكسرة.
-طيب العمليات دي مش هتبقي خطر عليها أو علي البيبي ؟!
-المدام حامل في شهرين و دايما إحنا كداكاترة بنحبذ إجراء العمليات قبل النص التاني من فترة الحمل . و بعدين عمليات عن عمليات تفرق . العمليات إللي هنعملها بسيطة و نسبة المخدر إللي هتاخدها هتكون قليلة يعني هتبقي في الآمان.
تنفس "عثمان" براحة غامرة ، بينما عادت الحدة إلي نبرة الطبيب و هو يكمل :
-بس إحنا دلوقتي محتاجين نعمل محضر بإللي حصل !
تبدل مزاج "عثمان" في لحظة ، و غدت عيناه مظلمتين حادتين ..
عثمان بعدائية واضحة :
-أنا جوزها يا دكتور و أقدر أقولك دلوقتي إننا مش محتاجين نعمل محضر بإللي حصل و لا حاجة.
الطبيب بتحد :
-مش حضرتك إللي تقرر يافندم . المدام إن شاء الله لما تفوق هي إللي تقرر و تقول هي محتاجة إيه و عايزة تاخد حقها إزاي.
خرجت زمجرة ضارية من حنجرة "عثمان" و هو يرمقه بنظرات فتاكة ..
عثمان بنبرة حادة :
-أوك . أنا داخل أشوفها دلوقتي.
الطبيب و هو يمد ذراعه ليمنعه من المرور :
-ماينفعش حضرتك . هي دلوقتي تحت تأثير نسبة قليلة من المخدر و أي إزعاج ليها ممكن يفوقها و لو فاقت دلوقتي هتحس بالألم و مش هنقدر نديها مسكنات.
أبعد "عثمان" الذراع من طريقه بحزم ، و قال بصوت غاضب جازم :
-قلت هدخل أشوفها يا دكتور . و بغض النظر عن أنك مش هتقدر تمنعني . بس إطمن . أنا مش هزعجها.
و بالفعل ولج "عثمان" متجاهلا تذمر الطبيب و همهمته المعترضة ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
يلج "عثمان" إلي هذه الغرفة الساطعة ... بدت أشبه بغرف الطورائ نوعا ما
عثر علي "سمر" بسهولة ، كانت ممدة علي سرير صغير ، ملابسها الممزقة الملطخة بدمائها ليس لها وجود الآن ... بل كانت ترتدي القميص الأزرق المعقم
جلدها الناعم نظيف ، فقط الكدمات الزقاء بارزة قليلا و الجروح الحمراء متراصة علي طول مرفقيها
وجهها شاحب لكنه جميل و بهي كالعادة ، هالات بنفسجية تحيط بعيناها الغائرتين ، شفتاها منفرجتان قليلا ، و شعرها القصير يحيط بوجهها مثل غمامة ..
يجلس "عثمان" علي حافة السرير .. يرفع يده مترددا ، كان صراع يحتدم في نفسه .. يمر بأطراف أصابعه بحرص شديد علي وجنتها ، ثم يمسد وجهها بظهر يده من صدغها حتي فكها بمنتهي اللطف و الحذر ..
-أنا آسف .. همس "عثمان" بندم
-أنا لو فضلت أعتذر عمري كله مش هيكفي . أنا ماكنتش أعرف إني بحبك للدرجة دي .. أول مرة أحب يا سمر . أول مرة أحس إن عندي قلب . أنا ظلمتك و عملت فيكي حاجات وحشة كتير . بس أوعدك .. هنسيكي كل حاجة . هعوضك يا سمر . هعمل المستحيل عشان تسامحيني و تحبيني . أنا عارف إنك بتكرهيني . و عارف إن بعد إللي عملته مش هتصفي بسهولة . مش بلومك . إنتي عندك حق . لكن نفسي هيكون طويل معاكي . مش هسيبك يا سمر . أول ما تخرجي من هنا هتجوزك رسمي و هاخدك عشان تعيشي معايا في بيتي .. ثم قال بصوت يختلج إنفعالا :
-بس قبل ده كله . لازم أجبلك حقك الأول !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... يدق باب غرفة "هالة" فتأذن بالدخول
كانت منهمكة بصورة كبيرة ، منذ فترة و هي تصب جم تركيزها علي هذه اللوحة .. تطلب الأمر ثلاثة أيام تقريبا لتخرج بهذه النتيجة المذهلة
و اليوم أخيرا هي تضع اللمسات الأخيرة فقط ...
-مساء الخير يا حبيبتي ! .. قالها "رفعت" و هو يقترب من إبنته الجاثمة فوق المقعد بوضعية غريبة
هالة بنصف تركيز :
-مساء النور يا بابي.
رفعت و هو ينظر إلي اللوحة بتفحص :
-إيه بترسمي و لا إيه ؟!
هالة بإبتسامة :
-لأ أنا خلصت خلاص بس بحط الـFinishing touches.
رفعت مددقا النظر في وجه الشخص المرسوم :
-مش .. مش ده مراد بردو ؟!
و هنا إضطربت "هالة" و خرجت عن تركيزها ، تسارعت دقات قلبها و أفلتت دقة خارج الإيقاع ..
-آا آ أيوه يا بابي .. هو !
رفعت بإستغراب :
-و بترسمي مراد ليه يا هالة ؟؟
هالة بتوتر :
-هو طلب مني أرسمله صورة . كان عايز يمتحن قدراتي يعني.
رفعت بعدم تصديق :
-إممم . أوك .. عموما أنا كنت جاي أكلمك في موضوع مهم . فاضية دلوقتي و لا أجيلك كمان شوية ؟
هالة برحابة :
-فاضية طبعا يا بابي . إتكلم حضرتك أنا سمعاك !
تنفس"رفعت" بعمق ، ثم قال بنبرة مهزوزة قليلا :
-أنا . أنا كنت جاي أقولك إن مدة إقامتنا هنا خلاص إنتهت.
هالة بعدم فهم :
-مش فاهمة يا بابي ! قصدك إيه ؟!
صمت قصير .. ثم قال "رفعت" بوجوم :
-قصدي إننا هنرجع باريس تاني . أنا و إنتي.
هالة بصدمة :
-نرجع باريس ! طيب ليه ؟ إيه إللي حصل ؟ أنا عملت حاجة غلط ؟!
-لأ يا حبيبتي . إنتي ماعملتيش حاجة و قراري إنتي مالكيش دخل بيه . كل الحكاية بس إني مش طايق القعدة هنا بعد .. بعد إللي حصل . عايز أبعد !
هالة بوهن :
-بس أنا مش عايزة أمشي يا بابي . أنا عايزة أفضل هنا أنا رتبت حياتي هنا و مش هاينفع أغير حاجة.
رفعت بحزن :
-يعني هتسيبيني أسافر لوحدي ؟!
هالة بحيرة :
-و إنت تسافر ليه أصلا ؟ خليك معانا . إنت دلوقتي بقيت مسؤول عن العيلة كلها . بعد أنكل يحيى إنت الوحيد إللي ممكن تحل محله.
رفعت بإبتسامة جازعة :
-البركة في عثمان . هو الكبير بعد أبوه . أنا طول عمري برا الدايرة.
-ماتقولش كده . إحنا كلنا دلوقتي محتاجينلك.
رفعت بإبتسامة لم تصل إلي عيناه :
-بس أنا محتاج أبعد يا هالة . لازم أبعد !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في شقة الجارة "زيــنب" ... إعتمت السماء في الخارج و لم تأتي "سمر" بعد
كانت قلقة إلي أقصي حد و هي تجوب شقتها طولا و عرضا ط و ما أزاد أضعافا من قلقها عدم رد "سمر" علي إتصالاتها
حاولت الإتصال بها لأكثر من خمسون مرة خلال ساعات النهار ، لتجده مغلقا بعد ذلك ..
-يا ربي ! .. إستر يا رب . يا تري إنتي فين يا سمر ؟ إيه إللي أخرك يابنتي . و مابترديش علي تليفونك ليــــه ؟؟؟
في هذه اللحظة يخرج "صابر" من غرفة النوم و هو يفرك عيناه من النعاس ... يجدها علي هذا الوضع ، فيعبس مستغربا ..
-مالك يا زينب ؟ .. قالها "صابر" بتساؤل
-دايرة في الشقة زي النحلة كده ليه ؟ و وشك مخطوف كمان . في إيه يا وليه مالك ؟؟
زينب بإنفعال :
-إسكت . إسكت دلوقتي يا صابر أنا مش فايقالك.
صابر بتهكم :
-و ده من إيه ياختي إن شاء الله ؟ قوليلي ونبي أصل زعابيبك بقالها كتير ماهبتش عليا.
زينب بعصبية :
-قولتلك إنكتم يا صابر . لو ماسكتش وديني لاكون سايبالك البيت و غايرة.
صابر ببرود ممزوج بالسخرية :
-خلاص ياختي خلاص . خليكي قاعدة في بيتك أنا إللي هلبس هدومي و هفوتهالك مخدرة.
و ولج إلي المرحاض صافقا الباب خلفه ..
-لأ مش هاينفع كده ! .. قالتها "زينب" بنفاذ صبر
-أنا هنزل أدور عليها .. و ذهبت إلي غرفتها ، بدلت ثيابها بسرعة و خرجت و هي تلف الجچاب علي عجالة ، كانت ستتجه نحو "ملك" لتأخذها عند جارتها في الشقة المقابلة
لكنها إصطدمت بزوجها ..
-إيه ده يا وليه ؟ لابسة كده و رايحة فين ؟ .. ثم قال بحدة :
-هي كبرت في دماغك بجد و هتمشي و لا إيه ؟ ماقولتلك هلبس و هتنيل أنزل.
زينب بغضب :
-إوعي من سكتي يا صابر . لازم أنزل دلوقتي.
صابر بغضب مماثل :
-تنزلي فين ياختي إنتي إتجننتي ؟ إنتي عارفة الساعة كام دلوقتي ؟ الدنيا عتمت برا.
زينب بإصرار :
-إن شاالله تكون الفجرية هنزل يعني هنزل.
صابر بإنفعال :
-إنتي إتخبلتي و لا إيه ؟ ما تفهميني إيه إللي جرالك بالظبط !
-البت سمر . البت سمر لسا مارجعتش من برا لحد دلوقتي.
-و إحنا مالنا ؟ و بعدين من إمتي بتهري في نفسك مده عشانها ماتولع و لا تروح في ستين داهية.
دينب بنظرات متوقدة :
-إوعي من قدامي يا صابر بدل ما إرتكب جناية . إوعــــــــــــــــــــــي !
صابر بلهجة قاطعة :
-قلت مافيش نزول من هنا . كلمتي ماتتردش تاني فاهمة يا زينب ؟
زينب بعناد :
-لأ مش فاهمة . و مش هقعد مكاني هنا حاطة إيدي علي خدي و أنا مش عارفة البت فين.
-ماتكلميها علي الزفت الموبايل.
-مقفول.
يزفر "صابر" غاضبا ، ثم يقول علي مضض :
-خلاص . أنا هنزل أدور عليها .. و بلاها قاعدة علي القهوة الليلة دي ! .. كان الغيظ يحتدم في نظراته و نبرة صوته
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في ڤيلا "رشاد الحداد" ... يقف وجها لوجه أمام إبنته
ملأ البيت صياحا و هو يوبخها بغضب شديد ..
-شوفتي أخرة عمايلك السودة ؟ أهو رئيس الزفت التحرير بتاع الجرنال إللي روحتيه بيقولي ماشفتش حاجة و ماعرفش حاجة . شوفتي عملتي فينا إيه ؟ الله أعلم راح قال لعثمان البحيري و لا لأ ! لازم تعرفي إنه لو عرف هتبقي نهايتنا و كله منك يا بنت الـ--- .. و صفعها بقوة ليرديها أرضا تنشج بالبكاء الحار
-هو عرف خلاص يا رشاد بيه !
إرتعد "رشاد" و إلتفت بسرعة لمصدر الصوت
كان "عثمان" ماثلا أمامه في هذه اللحظة ، يصوب نظراته نارية نحوه ، بدا من مظهره أنه لا يلوي علي خير أبدا ..
-إنت دخلت هنا إزاي ؟ .. قالها "رشاد" بحدة
-مين إللي دخلك ؟؟؟
عثمان بنبرته الخبيثة :
-أنا إدخل أي مكان في أي وقت يعجبني يا رشاد بيه .. ثم قال بصلابة :
-رجالتي واقفين يدردشوا مع شوية العيال إللي جايبهم يحرسوك برا . أنا مش جاي ناوي علي الشر . أنا بس جاي أخد حاجة تخصني و همشي علطول.
رشاد بغضب :
-إنت مالكش حاجة هنا . إتفضل إطلع برا بدل ما أطلبلك البوليس.
-تؤ تؤ تؤ عيب كده يا رشاد بيه . هو ده كرم الضيافة ؟ ده أنا في بيتك .. ثم نظر إلي "چيچي" التي وقفت علي قدميها الآن ، و أكمل :
-إيه يا چيچي يا حبيبتي ! ساكتة لبابا ليه ؟ مش تدافعي عني قدامه.
إبتلعت ريقها بصعوبة و هي تنظر له بخوف ..
رشاد بخشونة :
-أحسنلك تاخد بعضك و تمشي دلوقتي يا عثمان قبل ما أكبر الموضوع . إنت كده بتتهجم عليا و دي جريمة و ماتنساش إني شخصية مهمة و عندي حصانة ممكن أوديك ورا الشمس.
ألقي "عثمان" برأسه للخلف و قهقه ملء صوته بسخرية ، ثم عاد ينظر إليه ..
عثمان بإبتسامة عريضة :
-لما توديني أنا ورا الشمس يا رشاد بيه . أومال أنا بقي ممكن أوديك فين بالظبط .. إنت ناسي إيه تحت إيدي و لا إيه .. و غمز له بعينه ، ثم حول نظره إلي "چيچي"
-چيچي أدائها كان عالي أووي Motor جآامد harley davidson بصحيح . أنا متأكد لو إحترفت برا هتجبلك دهب تحت رجليك.
صمت "رشاد" و هو يغلي من الغضب ، لا يعرف بماذا يجيبه ..
-طيب ! أعتقد إنتوا عارفين أنا جاي ليه .. يلا يا چيچي يا حبيبتي . إديني الأمانة . إديني الـNegative بتاع الصور خليني أمشي من هنا بسرعة . بصراحة حاسس إني ضيف تقيل عليكوا شوية.
چيچي بصوت متقطع :
-آا . مـ مافيش . حاجة ليك هنا يا عـ عثمان !
-لأ ! .. قالها "عثمان" بهدوء مغمضا عينيه
-كده أزعل منك يا بيبي .. و فاجأها بصفعة عنيفة من يده الثقيلة
-آاااااااااه .. صرخت "چيچي" بألم شديد ، بينما شدها نحوه قبل أن تسقط ، و عاد للهدوء مجددا و هو يسألها :
-ها يا حبيبتي ! هتديني أمنتي و لا عايزاني أقعد معاكوا شوية كمان ؟ .. و قبض بقوة علي حفنة شعر أسفل رأسها
-أنا ماعنديش مانع أنا فاضيلكوا إنهاردة خآاالص.
چيچي بصراخ :
-إلحقني يا بآاااابي.
-أبوكي ! .. قالها "عثمان" بإستخفاف و هو يشدد قبضته علي خصلات شعرها
-إنتي فاكرة إن ممكن حد يخلصك من إيديا ؟ حتي لو كان أبوكي ؟! .. ثم أكمل و هو يزجرها بغضب شديد :
-فين الـNegative ؟؟؟
يتدخل "رشاد" أخيرا ..
-سيبها يا عثمان . سيبها يابن البحيري .. كان صوته ساخرا أكثر منه غاضبا
-المفروض إن أبوك الله يرحمه و أمك ربوك و علموك العيب.
عثمان برعونة :
-أبويا الله يرحمه و أمي ربوني أه . بس إنتوا بقي العيب ذات نفسه و أنا مع أمثالكوا سافل و مش متربي . مع أشكالكوا الأدب ده ماعداش من جمبي .. ثم عاد إلي "چيچي" و زمجر :
-صبري قرب يخلص يا بيبي . مش في مصلحتك.
چيچي بعينين نديتين ثاقبتين :
-تديني إللي عندك هديك إللي عندي.
يطبع "عثمان" صفعة أخري علي وجهها ، ليسيل الدم خط رفيع من جانب فمها ..
-أنا مستخسر وشك الجميل في إللي أنا بعمله ده .. قالها "عثمان" ببرود ، و تابع :
-عليكي من ده بإيه بس ؟ خلصي نفسك مني بسرعة يا حبيبتي.
رشاد بصياح منفعل :
-إديله إللي هو عاوزه يا ------ إخلصي بدل ما أخلص عليكوا إنتوا الإتنين.
لاح طيف إبتسامة ساخرة علي فم "عثمان" بينما أومأت "چيچي" موافقة و دموعها تدفق بحرارة ... أطلق "عثمان" سراحها عند ذلك ، لتبتعد عنه بسرعة ، ثم تصعد إلي غرفتها و تعود بعد دقيقة واحدة
أعطته شريط الصور الأصلي و هي تخفض رأسها متحاشية النظر إليه ، أخذه "عثمان" من يدها مبتسما بإنتصار ..
-براڤو . إنتي كده شطورة يا بيبي . إنتي عارفة طبعا إن الصور دي ماتهزش شعرة مني و إنها صور عادية . بس الست إللي في صور دي ضفرها برقبتك و رقبة مليون زيك و أنا أحب لما الناس يشوفوها لأول مرة . يشوفوها و هي جمبي و خبر جوازنا منور الأخبار كلها . و بس كده .. أنا خلصت مصلحتي هنا خلاص. دلوقتي ممكن أمشي و ماتشوفيش وشي تاني . إلا في كوابيسك بس .. و ضحك بإستفزاز ، ثم قال :
-يلا إستأذنكوا بقي.
و مشي عدة خطوات بعيدا عنهما ، لكنه إلتفت ثانيةً و كأنه نسي شيئا ..
-صحيح يا رشاد بيه . إوعي تتفاجئ بكره لو جاتلك عروض علي چيچي . أصلها هتكون منورة بالڤيديو بتاعها في الـheadlines ( عناوين الأخبار الرئيسية ) كلها و في الـ3 جرايد و صفحات النت كمان .. و أنا واثق إنها هتبقي معبودة الجماهير في وقت قصير خآالص .. ثم بعث لـ"چيچي" قبلة في الهواء و قال :
-باي يا قلبي . بجد إتبسط إني شوفتك إنهاردة !
يتبـــــع ...
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم Shaimaa Gonna
تفتح "سمر" عيناها بتثاقل علي ضوء أبيض ساطع ... كانت في مكان لا تعرفه ، تبينت شئيا فشئ أنها غرفة
غرفة بيضاء كئيبة ، و لكنها حديثة جدا ، و فوق رأسها كانت هناك إضاءة شديدة تعمي البصر .. السرير الذي ترقد فوقه كان مسطح غير مريح
تأوهت بصوت غير مسموع عندما شعرت بوخز علي ظاهر يدها اليسري ، بعثت نظرة إليها لتجد الأنابيب الشفافة تحيط بها ..
و هنا أدركت "سمر" كل شئ ... فهمت أنها بالمشفي ، و في لمحة عادت إليها أخر أحداث عاشتها قبل أن تفقد وعيها ، أو كما كانت تعتقد قبل أن تفارق الحياة
لم يكن هناك متسع من الوقت ، لم يكن هناك وقت للتفكير في شئ أخر ، إنتابها الذعر و سيطر عليها كليا ، لابد أنها غابت مدة طويلة في هذه الغيبوبة و مؤكد أن الجارة "زينب" قد بدأت بالفعل تبحث عنها ..
حاولت "سمر" القيام من مكانها ، حاولت رفع ذراعها ، تحريك ساقها ، و لكن ثمة آلم جسيم يلف عظامها و يحبط كل محاولاتها
واصلت الكفاح بإصرار و قد بدأت الدموع تتدفق من عيناها شلالات تحرق خديها الشاحبين ... نجحت "سمر" نوعا ما
حيث إستطاعت تحريك ذراعها الأيمن .. إهتاجت أنفاسها و هي تستند علي مرفقيها ثم تنتقل للخطوة التالية بسرعة و ترتفع بجذعها و هي تشق الصمت المخيم علي الغرفة بصرخة حادة
حضرت الممرضة في الحال علي صوت صرختهتا و قامت بسندها بحذر و لطف بالغين ، إعتقدت أنها واجهت مشكلة أو أنها كادت تسقط من فوق الفراش ..
-علي مهلك يا مدام . بالراحة ! .. قالتها الممرضة بنبرة ودية خافتة و هي تحيط بكتفي "سمر"
سمر بعصبية ممزوجة بالتوتر :
-إوعي إنتي سيبيني . أنا عايزة أمشي من هنا . سيبيني إوعــــــــــي.
الممرضة بلهجة هادئة مهذبة :
-ماينفعش حضرتك . إنتي لازم تستريحي . لسا مش هتقدري تتحركي كويس دلوقتي !
سمر بإنفعال :
-بقولك إوعي سيبيني . إوعي همشي يعني همشي سيبيــــــــني.
إحتارت الممرضة ماذا تفعل معها و هي في هذه الحالة العصبية ، ظلت ممسكة بها و هي تهتف بصوت عال :
-يا منيــــــر . منيــــــــــر . منيــــــــــــــر !
جاء المدعو "منير" مهرولا ..
-في إيه سهام ؟
الممرضة بشئ من الإضطراب :
-روح نادي دكتور محمد بسرعة . قوله جناح 203 المريضة جاتلها حالة عصبية و مش عارفين نهديها يلا بسرعة.
منير و هو يلقي نظرة قلقة نحو "سمر" :
-حاضر حاضر !
و ذهب مسرعا ، بينما تجاهد الممرضة سدى محاولة تهدئة "سمر" ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... تحديدا بغرفة "رفعت البحيري"
مازال يتحدث في الهاتف منذ الصباح ، منذ ضبطته إبنة أخيه في غرفة والدتها .. مازال يجري ترتيبات السفر ليرحل من هنا بأقصي سرعة ..
-لو سمحتي كنت عايز أحجز تذكرة First Class ! قالها "رفعت" بصوت ثابت النبرات
العاملة :
-علي فين يافندم ؟
رفعت بإسراع :
-Cairo / Paris و يا ريت تبلغيني بمواعيد الرحلات من فضلك ما بين بكرة و بعده.
العاملة :
-حالا يافندم !
و هنا إنتبه "رفعت" لمداخلة هاتفية أخري ، فأعتذر من عاملة الإستعلامات :
-آا معلش يا أنسة معايا مكالمة تانية . ينفع أرد عليها و أرجعلك تاني ؟!
العاملة :
-مافيش مشكلة يافندم في إنتظار حضرتك .. يرد "رفعت" علي المكالمة الثانية :
-ألو !
المتصل بصوت خشن :
-رفعت البحيري ؟ معاك رشاد الحداد !
أجفل "رفعت" مجيبا :
-رشاد بيه . أهلا ! .. كان الإستغراب يملأ صوته
رشاد بغلظة :
-لا أهلا و لا سهلا . إسمعني كويس يا رفعت . أنا بتصل أحذرك و أحطك في الصورة بما إنك بقيت كبير عيلتك بعد أخوك الله يرحمه.
رفعت بدهشة :
-في إيه بس يا رشاد بيه ؟ إيه إللي حصل ؟؟!!
رشاد بغضب :
-في إن إبن أخوك مش جايبها لبر معايا و أنا لوحطيته في دماغي أقسم بالله مش هخلي الدبان الأزرق يعرف طريقه . همحيه من الوجود.
رفعت و قد غدت نبرته عدائية الآن :
-لأ لحد هنا و عندك بقي يا رشاد بيه . راقب كلامك كويس و أعرف إللي بتقوله . مبدئيا إنت ماتقدرش تمس شعرة من إبن أخويا إنت عارف كويس عيلتنا حجمها و نفوذها أد إيه و لو جربت تقرب منه هيبقي أخر يوم في عمرك.
رشاد بغضب أشد :
-إنت كمان بتهددني يا رفعت ؟ عاملين عليا عصابة مافيا إنت و إبن أخوك ؟؟
رفعت بحدة :
-أنا مش بهددك يا رشاد بيه . أنا برد علي كلامك . و بعدين إنت إللي كلامك من الأول كله تهديد و داخل عليا حامي أوي . كان أحسن تقولي بهدوء عثمان عملك إيه و أنا بقي أشوف هتصرف معاه إزاي !
رشاد بسخرية :
-يعني لو قولتلك هتعرف تتصرف يا رفعت ؟ هتقدر علي إبن أخوك ؟!
رفعت بجدية :
-أنا ماليش سلطة عليه . بس أسمع منك المشكلة و لو عثمان غلطان تأكد إني مش هقبل و لا هسمحله يستمر في الغلط.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في غرفة "صالح" ... يدق الباب و تدخل الخادمة مجددا
صالح بتلهف :
-ها يا وردة ؟ لاقتيها ؟!
وردة بإبتسامة :
-لاقيتها يا صالح بيه . صافي هانم موجودة في أوضتها.
-قولتلها إني عاوزها ؟؟؟
-أيوه قولتلها.
-و قالتلك إيه ؟؟؟
وردة برقة :
-قالتلي أشوف أنا طلبات حضرتك و هي هتبقي تجيلك الصبح عشان هي تعبانة و عايزة تنام دلوقتي.
عقد "صالح" حاجبيه بإستغراب ..
-تعبانة ؟! .. تمتم لتفسه بصوت خافت
-ده أنا ماشوفتهاش من الصبح !!
-تؤمرني بحاجة يا بيه ؟! .. يفيق "صالح" علي صوت الخادمة
-شكرا يا وردة .. قالها بإقتضاب
-روحي إنتي نامي.
وردة بإبتسامة :
-طيب لو حضرتك عوزت أي حاجة إطلبني و أنا هكون قدامك في ثواني.
صالح بصوت جاف :
-أوك . إتفضلي إنتي بقي.
ذهبت "وردة" ... ليبقي "صالح" بمفرده يفكر في عذر "صفية" غير المقنع ، لا يعتقد أن تشعر بتوعك حقا كما تزعم ، لابد أن ثمة شئ حدث تسبب في عدم مجئيها إليه ..
و لكن ما هو ؟؟؟؟؟
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في شقة الجارة "زيـــنب" ... تدق عقارب الساعة معلنة تمام الواحدة بعد منتصف الليل
بينما تجلس السيدة المنهارة في الصالة و قد أجلست الصغيرة "ملك" علي الآريكة بجانبها و نثرت حولها بعض الألعاب لتلتهي عنها بهم
كان القلق يعصف بها و بأفكارها علي نحو مرعب ، طوال اليوم و هي تتخيل مئات الأفكار السوداء
لو أنها لم تخشي الفضيحة لكانت أخبرت زوچها أين يمكن أن يجد "سمر" الآن ، و لكنها صمتت ..
صمتت حفاظا علي سمعة تلك الأسرة المسكينة ، و أملت أن تكون "سمر" بخير و أنها ستدق الباب في أي لحظة و تخمد نيران الترقب و القلق المستعرة في قلبها منذ مدة طويلة
يدق الباب في هذه اللحظة بالفعل ، فتقوم "زينب" و تهرع صوبه بسرعة لتفتح ..
-صابر ! .. قالتها بخيبة عندما فتحت و وجدت زوجها
صابر بإمتعاض :
-أه صابر ياست الكل . صابر إللي إتمرمط في الشوارع و دخل أقسام و مستشفيات عشان خاطر الصنيورة بتاعتك.
زينب بصوت كالأنين :
-مالقتهاش ؟!
صابر و هو يبعدها عن طريقه ليدخل :
-مالقتهاش ياختي . عموما إطمني . طالما مالهاش أثر في الأقسام و المستشفيات تبقي كويسة . تلاقيها بس صايعة في حتة هنا و لا هنا . ما هي سايبة بقي و مالهاش كاسر يكسرها بعد ما أخوها سافر خدت راحتها.
تخرج "زينب" عن شعورها عند هذا الحد ، فتصرخ فيه بضراوة :
-كفـــآااية بقـــي . إخرس و حط لسانك في بؤك . ماتجيبش سيرتها علي لسانك دي أنضف من عشرة زيك . إنت إللي لسا محروق عشان ماطوعتكش عشان ماديتلكش ريق حلو و لا عبرتك . إوعي أسمعك تقول عليها نص كلمة تانية يا صابر أنا إستحملت قرفك بما فيه الكفاية بقآالي سنين و لو فاض بيا هقولك في ستين داهية ماتورنيش وشك تاني . أنا خلاص جبت أخري من العيشة معاك أنا بندم ندم عمري إني إتجوزتك إمتي ربنا يرحيني منك بقــــــــي !
ظل "صابر" ينظر لزوجته بصدمة .. لم يتخيل أبدا أنها تكن له كل هذه المشاعر ... لم يتخيل أنها تحملته و تحملت أفعاله المشينة بصمت و ضغطت علي أعصابها لئلا تنفجر مثلما فعلت الآن
لقد آذاها أكثر مما توقع ، آذاها لدرجة أنها كرهته و كرهت حياتها معه ، هذه السيدة العطوفة التي إنتشلته من حفرة فقره عندما كان مجرد شاب لا قيمة له يعمل لدي والدها في ورشته الصناعية
جاءت الجارة "شهيرة" علي صوت صياح "زينب" ..
شهيرة بقلق :
-في إيه يا أبلة زينب ؟ مالك صوتك عالي كده ليه ؟!
زينب بدموع :
-أنا خلاص زهقت من الراجل ده . مش طايقاه . ماعادش لينا مكان في حياة بعض . لازم يطلقني خلآااص كفاية أووي لحد كده.
شهيرة بلطف :
-طيب إستهدي بالله . إهدي بس يا أبلة الدنيا ليل و عيب الناس يسمعوا صوتنا . تعالي . تعالي باتي عندي إنهاردة لحد ما أعصابك تهدا و تروقي .. و شدتها برفق
زينب بصوت متحشرج :
-أنا قاعدة بالبت ملك !
شهيرة بإبتسامة :
-يسلام ! ناخد معانا ملك . ده إحنا عنينا للست ملك.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
قضي "عثمان" أهم ما أراد فعله اليوم ... حصل علي شريط الصور من "چيچي" و قام بإتلافه ، لم تعد تشكل عليه أو علي حبيبته خطرا
بل في الحقيقة هي المتورطة الآن ، مصيرها و مصير عائلتها كلها في يده هو ..
يدق هاتفهه و هو يقود السيارة بإتجاه المشفي ، يخرجه من جيبه ، ثم يرد :
-ألو !
المتصل :
-ألو أستاذ عثمان ؟!
عثمان بفتور :
-أيوه أنا مين ؟
المتصل :
-أنا دكتور محمد المشرف علي علاج مدام حضرتك !
عثمان بذعر و قد تسارع وجيب قلبه بشدة :
-سمر حصلها حاجة ؟؟؟
الطبيب :
-لا يافندم إطمن المدام بخير . هي بس فاقت و فورا جاتلها حالة عصبية كلنا فشلنا معاها و مش عارفين نهديها و أنا مش هقد أخدرها تاني خوفا علي حملها كفاية نسبة التخدير إللي هتاخدها بكره الصبح في العمليات فياريت حضرتك تيجي دلوقتي حالا يمكن لما تشوفك تهدا شوية !
تنهد "عثمان" و قال :
-حاضر يا دكتور . أنا خلاص قربت أصلا من المستشفي دقيقتين و هكون عندك.
و وصل "عثمان" إلي المشفي في غضون دقيقتين فعلا ... ولج إلي غرفة "سمر" ليجد طقم كامل من الممرضين و علي رأسهم الطبيب يقفون في حلقة حول "سمر" بدا أن جميعهم يسترضونها بشتي الطرق حتي تهدأ و لكن دون جدوي
إنتبه الطبيب لحضور "عثمان" فتحول تعبير التوتر في وجهه إلي تعبير بشوش مرحب ..
-أهلا يا أستاذ عثمان . إتفضل أرجوك .. قالها الطبيب و هو يمضي نحو "عثمان"
-إحنا قولنا حضرتك الوحيد إللي هتقدر تهدي المدام و الحمدلله أهيه فعلا إبتدت تهدا لما شافتك !
تركزت عينا "عثمان" علي "سمر" و إلتقت نظراتهما ... ليقرأ في وجهها المشاعر التي تجيش بصدرها تجاهه .. الصدمة ، الآلم ، الكره ، الخوف ..
أطرق "عثمان" رأسه شاعرا بالخجل منها ، لكنه تكلم و رفع صوته ليسمعه كل من بالغرفة ..
عثمان بصوته العميق :
-طيب يا دكتور من فضلك خد المساعدين بتوعك و سيبني مع مراتي شوية !
تطلب الأمر نضف دقيقة ... و بقت "سمر" وحدها معه من جديد
-إزيك دلوقتي ! .. همس "عثمان" و هو لا يزال يحدق بالأرض ، و لكن عندما أطالت في ضمتها رفع وجهه إليها مرة أخري
كانت نظراتها له لا تحتمل ، تقلص وجهه بآلم تحت وطأة هذه النظرات التي تعذبه ..
-أرجوكي ماتبوصليش كده ! .. قالها "عثمان" بتوسل
بينما قدحت عينا "سمر" بشرارات الكراهية و هي تحملق فيه ..
عثمان بصوت مجروح :
-أنا مش عارف ممكن أبرر إللي عملته إزاي ! بس أنا آسف . آسف بجد . أنا عمري ما أعتذرت لحد علي فكرة . عمري ما حسيت بشعور الغضب أو الغيرة أو .. الحب إلا معاكي إنتي يا سمر . أيوه . أنا حبيتك . إللي حصل . إللي عملته فيكي كان غلطة . غلطة أنا شخصيا مش هقدر أغفرها لنفسي . بس عندي أمل إنك تسامحيـ آا ...
-هطلقني ! .. قاطعته "سمر" بصوت خال من أي تعبير
عثمان بإستنكار :
-إيه ؟ قولتي إيه ؟!
سمر بسخرية :
-صح . ليك حق تستغرب . ما جوارنا ماكنش جواز أصلا . كان حاجة قرف كلها حرام في حرام . بس معلش إدينا هنضلح كل حاجة دلوقتي .. و علي فكرة أتا بشكرك أوي . بجد . إنت خدمتني و إنت مش حاسس . بس بردو شكرا.
عقد "عثمان" حاحبيه بغرابة ، لتكمل "سمر" بإبتسامة هازئة :
-الضرب إللي ضربتهولي . كان جامد أوي . أنا حاسة منغير ما الدكتور يقولي إن جسمي إتكسر . إنت ساعدتني أتخلص من ذنوبي بالضرب ده كله . يمكن تكون طهرتني و أنت مش واخد بالك . شكرا .. ثم قالت بصرامة :
-و دلوقتي بقي بطلب منك تسيبني في حالي . هتقطع الورقة إللي معاك و هقطع الورقة إللي معايا و كل واحد مننا يروح لحاله.
عثمان بإستنكار مجددا :
-إيه إللي بتقرليه ده يا سمر ؟ أنا مش هسيبك طبعا إنتي مراتـ آا ..
-ماتقولش الكلمة دي تاني ! .. قاطعته "سمر" بغضب ، و تابعت :
-أنا مش مراتك . إنت لسا هتضحك عليا ؟ أنا فوقت . فوقت متأخر أه بس فوقت . و خلاص مش هغرق معاك في الوحل أكتر من كده.
يقترب "عثمان" فتوقفه صارخة :
-مكانك . إوعي تقرب مني.
عثمان بلطف :
-طيب إسمعيني !
سمر بحسم :
-لأ . مش هسمعك . خلاص إحنا إنتهينا لحد هنا.
عثمان برفض :
-لأ يا سمر . مافيش حاجة إنتهت . قولتلك أنا بحبك . و فعلا أنا و إنتي هقطع الورق إللي معانا و هتجوزك رسمي . أول ما تخرجي من هنا هاخدك علي بيتي و هتجوزك . هعلن جوازنا و هتبقي مراتي بجد قدام ربنا و قدام الناس.
سمر بتهكم :
-لعبة جديدة دي صح ؟ عايز تتسلي بيا تاني ؟ ما أنا عارفاك . إنت بنفسك قولتلي إنك شخصية ملولة . بتمل من الحاجة بسرعة و بتخب التغيير . النكتة دي بقي هي الحاجة الجديدة إللي هتسليك ؟!
عثمان بصوت رقيق :
-سمر أنا بتكلم جد . صدقيني . أنا حبيتك بجد و مش هقدر أستغني عنك . مش هسمحلك تسيبيني . أساسا إنتي غصب عنك هتفضلي مرتبطة بيا.
سمر بغضب :
-أنا مش هعمل حاجة تاني غصب عني . إنت مش هتقدر تكسرني تاني . خلاص سمر الضعيفة ماتت إنت موتها بإيدك . دلوقتي مافيش حاجة تجبرني أسمع كلامك و أرجعلك.
عثمان بتحد :
-لأ في . إبني . إبني إللي في بطنك يا سمر !
فتحت فمها و حدقت فيه بذهول ..
عثمان بإبتسامة :
-أيوه . إنتي حامل يا سمر . جه في وقته . هو ده إللي هيقربك مني . هو ده إللي هيخليكي تفضلي جمبي علطول.
-لازم ينزل ! .. همست "سمر" بنفس الصدمة و الذهول
عثمان بحدة :
-بتقولي إيه ؟ إنتي إتجننتي ؟ مين ده إللي ينزل ؟؟؟
نظرت "سمر" له و قالت بحقد شديد :
-الملعون إللي في بطني ده . لازم ينزل . لازم يموت . ماينفعش يجي الدنيا . لازم ذنبي كله يتمحي . لازم ينزل . لازم يمووت.
عثمان بغضب :
-إسكتي . ماسمعكيش تقولي كده تاني سامعة ؟
سمر صارخة بإنفعال :
-لأ هقول . إللي في بطني ده إبن حرام . فاهم يعني إيه إبن حرام ؟ لازم ينزل لازم يموت . و إنت لازم تخرج من حيــآاتي !
قطع "عثمان" المسافة بينهما في لمحة و أمسك بوجهها ضاغطا بأصابعه الصلبة علي فكها ، ثم قال بصوت كالفحيح :
-إبني يا سمر .. مش هسمحلك تمسيه . إنتي غالية عندي أه . بس هو كمان غالي . جايز أنا ماكنتش عايزه و حذرتك تقعي في الغلطة دي . لكن بعد ما حصل و بقي موجود مش هسمحلك تآذيه . لتاني مرة هقولك . إبني . لو لمستيه أنا هنسي كل حاجة و هدوس علي قلبي . هفتكر بس إنك قتلتي حتة مني . شوفي إنتي إزاي كنتي مستعدة تضحي بحياتك عشان تنقذي أختك . شوفي إزاي قولتيلي مرة إنها أغلي حاجة في حياتك . أهو دلوقتي إبني إللي في بطنك بقي كده بالظبط بالنسبة لي.
نظرت له بمقت شديد ، ليكمل هو بنبرة تزخر بالحدة :
-لو إنتي مش عايزاني و شايفة إن حياتنا مش هتنفع مع بعض . خلاص . أنا مش هغصب عليكي . بس لازم الجواز يتم عشان إبني و صورته قدام الناس . بعدها لو حبيتي تطلقي هطلقك . بس دلوقتي إوعي تنسي كلمة من كلامي . خليكي دايما فاكرة إنك شايلة في بطنك إبن عثمان البحيري . لازم تفكري مليون مرة قبل ما تعملي أي حاجة ممكن تآذيه .. فاهمة ؟!
و بعث لها بعيناه أخر رسالة تحذيرية ، ثم تركها و مضي خارج الغرفة و هو يفتح قبضتاه و يضمهما في محاولة للسيطرة علي إرتعشات الغضب التي تسري بذراعاه و تجعل جسده ينتفض كله ...
عندما وصل "عثمان" إلي بيته ... كان لا يزال تحت تأثير الحالة العصبية التي سببتها له "سمر"
أراد أن يصعد إلي غرفته فورا ، و لكن إستوقفه صوت عمه قبل أن حتي يضع قدمه علي الدرج ..
-عمي ! .. قالها "عثمان" حين إلتفت و شاهد "رفعت" جالسا هناك في ركن معتم ، بالكاد كان مرئيا تحت إضاءة البهو الخافتة
رفعت بصوت هادئ :
-تعالي يا عثمان . تعالي أقعد معايا شوية أنا مستنيك من بدري.
يمضي "عثمان" نحوه و هو يقول :
-حضرتك سهران ليه لحد دلوقتي ؟ كنت إطلبني أول ما تصحي الصبح و كنت هاجيلك بنفسي .. و جلس قبالته
أشعل "رفعت" مصباح بجانبه ليستطيع كلاهما النظر إلي بعضهما بوضوح ..
-أولا لو كنت إستنيت للصبح كلامي ماكنش هيبقاله فايدة يا عثمان ! .. قالها "رفعت" بنبرة ذات مغزي ، و تابع :
-ثانيا موبايلك مقفول و ماكنتش عارف أوصلك !
عثمان بلهجة بسيطة عادية :
-معلش فصل شحن . من الصبح و أنا برا و اليوم كان مشغول من أوله .. المهم حضرتك كنت عاوزني في إيه ؟!
صمت قصير ... ثم قال "رفعت" :
-رشاد الحداد كلمني إنهاردة.
تجهم وجه "عثمان" فجأة و وصل صوت صرير أسنانه إلي أذن عمه ..
-ماينفعش إللي إنت عايز تعمله ده د آا ..
-من فضلك يا عمي خليك إنت برا الموضوع ده .. قاطعه "عثمان" بصوت خشن
رفعت بحدة :
-يعني إيه أخليني برا الموضوع ؟ أنا عمك و من حقي لما أشوفك بتغلط أوقفك عند حدك.
عثمان بصرامة :
-أنا مش غلطان و كل حاجة حصلت قدامك و قدام الناس كلها . الكل عارف مين إللي غلطان محدش يقدر يلومني و أنا سكت علي الـ------- دي مرة بسبب ضغط أبويا عليا لكن المرة دي مش هرحمها . هقضي عليها خالص طالما ماحرمتش و إفتكرت إن عثمان البحيري بيهوش.
رفعت بصبر :
-طيب . إنت عندك حق في كل إللي قولته . هي واحدة زبالة فعلا و تستاهل الحرق كمان . بس ماينفعش تفضحها يا عثمان . فكر في ستات البيت ده . أمك و أختك و بنت عمك !
عثمان بغضب :
-محدش يقدر يمسهم بكلمة طول ما أنا عايش . و بعدين مافيش مقارنة هنا أصلا دي ------- و بنت ستين ---.
-أوك مافيش مقارنة زي ما قلت و أنا عارف إننا كبار أكبر من لعبة رخيصة زي دي مش هنكسب من وراها غير التشهير بسمعتنا و بس.
عثمان مصححا :
-التشهير بسمعتها هي.
رفعت بلطف :
-طيب معلش . عشان خاطري أنا . إرجع عن إللي في دماغك المرة دي إديها فرصة أخيرة.
عثمان بدهشة :
-إنت مالك يا عمي مهتم أووي كده بالموضوع ده ؟ بتحامي لواحدة زي دي ليه ؟؟؟
رفعت بنفاذ صبر :
-مش بحامي لحد . أنا عايز أحميك إنت و أحمي العيلة دي كلها.
عثمان بحدة :
-محدش يقدر يهوب ناحيتنا.
رفعت بإنفعال :
-يابني سيب غرورك ده علي جنب شوية و إسمعني . مافيش في الدنيا حاجة مضمونة الموازين كلها ممكن تتقلب في لحظة . رشاد الحداد دلوقتي عامل زي النمر الجريح لو حد قرب منه أو حاول يآذيه تاني هيستوحش أكتر هيتجنن و محدش هيقدر يوقفه.
عثمان ببرود :
-يتجنن علي نفسه . أنا عايز أجيب أخره معايا بقي و أشوف هو ممكن يعمل إيه !
رفعت بحنق :
-و أنا مش هستناه لما يعمل . مش ممكن أسمحله يآذيك و لو فكر بس أو حاول الحرب بينا هتقوم و كلنا هنتبهدل من أكبرنا لأصغرنا لو إنت بقي عايز كده خلاص أعمل إللي إنت عايزه.
-يعني هو هددك ؟؟؟ .. زمجر "عثمان" متسائلا و هو يغلي من الغضب
رفعت بضيق :
-يابني محدش هددني . أنا بقولك الكلام المنطقي إللي ممكن أي حد يقولهولك . بالعقل كده واحد سيادتك فضحت بنته و طلقتها ليلة دخلتك عليها و جاي دلوقتي كمان عايز تثبت الفضيحة و تأكدها رسمي و أبوها شخصية سياسية مهمة زي ما إنت عارف . و كده مش هتكون بتآذيها هي لااا . ده إنت بالشكل ده بتقضي عليه هو و بتنهي مستقبله للأبد يعني كأنك بتموته بالظبط.
تنهد "عثمان" بسأم و قال :
-يعني حضرتك عايز إيه دلوقتي ؟
رفعت و قد عاد إلي الهدوء من جديد :
-عايزك ترجع عن إللي في دماغك . هي إتعلمت الدرس كويس . صدقني مش هتجرؤ تعمل معاك حاجة تاني . و يا سيدي لو ضايقتك مرة تانية أنا مش همنعك عن أي حاجة عايز تعملها .. إتفقنا ؟
زفر "عثمان" بضيق و أدار عيناه غير راضيا ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
يأتي صباح يوم جديد ... و تخرج "سمر" من غرفة العمليات بعد أن قضت بداخلها ساعة و نصف تقريبا
كانت مستيقظة الآن و لكنها أيضا كانت تحت تأثير المخدر ، و جاهدت ليخرج صوتها قبل أن تتركها هذه الممرضة و تذهب إلي عملها ..
سمر بصوت بطيئ و ثقيل :
-لـ..ـو سـ..ـمـ..ـحـ..ـتـ..ـي . مـ..ـمـ..ـكـ..ـن . مـ..وبـ..ـايـ..ـلـ..ـلك ؟ محـ..ـتـاجـ..ـة . أعـ..ـمـ..ـل . مكـ..ـالـ..مـ..ـة !
الممرضة بلطف :
-يا مدام إنتي لسا خارجة من العمليات . هتقدري تتكلمي ؟!
أومأت "سمر" بإصرار و رجتها :
-أ.ر.جـ..ـوكـ..ـي !
تنفست الممرضة بعمق ، ثم قالت بإبتسامة :
-حاضر . هروح أجبلك موبايلي.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في شقة الجارة "شهيـــرة" ... لم تنم "زينب" طيلة اللبل و ما برحت الأفكار القاتمة تتضارب رأسها حتي الآن
لم تشعر بالتعب و هي تقف أمام النافذة قرابة إثنا عشر ساعة بدون مغالاة ، حتي أن توسلات "شهيرة" المتواصلة ذهبت سدى ..
-طيب و بعدهالك يا أبلة زينب ؟ .. قالتها "شهيرة" بتساؤل و عتب
-حرام عليكي نفسك . من إمبارح و إنتي واقفة الواقفة دي . لحد إمتي بس ؟!
زينب بحسرة :
-البت بضيع يا شهيرة . بضيع و أنا متكتفة مش عارفة أعملها حاجة . يا تري فيكي إيه يا سمر ؟ ماتصلتيش تطمنيني عليكي ليه يابنتي لحد دلوقتي ؟؟؟
شهيرة بحزن :
-لا حول و لا قوة إلا بالله . طيب إيه إللي مسكتنا بس أنا مش فاهمة ؟ ليه مانبلغش النقطة ؟؟؟
زينب بإسراع :
-لأ قسم لأ . كده البت تتفضح.
شهيرة بإستغراب :
-تتفضح ليه يا أبلة ؟ مش قولتي إنها خرجت و مارجعتش من إمبارح و قافلة تليفونها ؟ تبقي مختفية و البوليس في الحالات إللي زي دي بيدور و بيشوف شغله و إن شاء الله ترجع بالسلامة.
زينب بمرارة :
-إسكتي يا شهيرة . إسكتي إنتي مش عارفة حاجة !
شهيرة بفضول :
-طيب قوليلي . إحكيلي يا أبلة ماتسبنيش كده علي عمايا.
زينب بتردد :
-لأ .. أحسن لسانك يزلف قدام حد . تبقي مصيبة.
شهيرة بعتاب :
-كده يا أبلة ؟ بعد العشرة دي مش واثقة فيا ؟ أنا عمري طلعت سرك برا ؟؟
زينب بإستسلام :
-خلاص . خلاص يابت ماتزعليش . هقولك و أمري لله .. و حكت لها كل شئ
تشهق "شهيرة" بصدمة قائلة :
-يا حـِزني ! لأ لأ . مش مصدقة . ونبي تقولي كلام غير ده يا أبلة زينب . سمر ؟ .. سمر تعمل كده ؟؟؟ لأ مش مصدقة !!
زينب بحزن شديد :
-أهو إللي حصل يابنتي . ضاعت يا عين أمها . طول عمرها البت دي حظها قليل . عمرها ما فرحت . و كمان فرحتها ضاعت .. فينك بس يا سمر ؟ يا رب جيب العوائب سليمة !
يدق هاتف "زينب" في هذه اللحظة ، فتهرع إليه و ترد :
-ألو ! ألوو . أيوه مين ؟ مين إللي بيتكلم ... ســـــمـــــــــــر ؟ .. إنتي فين ؟ إنتي فين يا حبيبتي ؟ مستشفي ؟؟؟ جرالك إيه يا سمر ؟ قوليلي مستشفي إيه ؟ أنا جيالك يا سمر . جيالك دلوقتي يا حبيبتي !
و أقفلت معها ، لتنطلق كلمك البصر نحو عباءتها الداكنة و ترتديها بتعجل ..
شهيرة بتساؤل :
-في إيه يا أبلة ؟ دي سمر دي إللي كانت بتكلمك ؟؟
زينب و هي تلف حچابها بسرعة و عدم إتقان :
-أيوه هي . طلعت في المستشفي من إمبارح.
-كفاالله الشر . مالها ؟؟؟
زينب بضيق :
-لسا مش عارفة يا شهيرة المهم خلي بالك من ملك لحد ما أجي ! .. ثم قالت بثقة :
-إن شاء الله تكون حاجة بسيطة و مش هرجع إلا بيها.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في ڤيلا "رشاد الحداد" ... يتصفح الجرائد و المجلات و هو يتحدث في الهاتف مع شقيقته بنفس الوقت
رشاد بصوت أجش :
-طلع عاقل يا إلهام . مانشرش حاجة !
إلهام بإرتياح :
-الحمدلله . عارف لو كان عملها و نشر أي حاجة كانت هتبقي فضيحة مستحيل نعرف نلمها.
رشاد بسخرية :
-ماكنتش هحاول ألمها . كنت هجري أخلص عليه بإيدي.
إلهام مطمئنة :
-خلاص يا حبيبي it's Over . مابقاش في خطر إطمن.
تنهد "رشاد" و هو يلقي بأخر جريدة في يده ، ثم قال :
-أيوه عندك حق . الخطر زال !
إلهام بتحذير :
-خلي عينك علي چيچي بقي من هنا و رايح.
رشاد بلهجة حادة :
-چيچي مش لازم تفضل هنا أصلا . لازم تسيب مصر خالص و إلا هفضل ألم وراها و أغرق في مشاكلها أكتر.
إلهام بإستغراب :
-مش فاهمة قصدك إيه ؟!
رشاد بصرامة :
-هبعتهالك علي كندا زي ما بعتلك أختها . كمان إسبوع أكون جوزتها للمحروس بتاعها بعدين هقطعلهم التذاكر و أبعتهملك.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عندما وصلت "زينب" إلي المشفي التي وجهتها "سمر" إليها ... ذهبت إلي مكتب الإستعلامات
و من هناك أرسلوا معها ممرضة لترشدها إلي غرفة "سمر" ..
-مـامـا زينـب ! .. صاحت "سمر" بضعف في لحظة دخول "زينب" من باب الغرفة
زينب و هي تركض نحو سريرها :
-حبيبتي يابنتي . إيه إللي جرالك يا سمر ؟ فيكي إيـــه ؟؟ .. كان صوتها يقطر آسي
سمر بدموع :
-زي ما إنتي شايفة . جسمي كله متكسر.
زينب بحدة ممزوجة ببكائها :
-مين إللي عمل فيكي كده ؟ هو ؟؟؟
سمر بصوت كالأنين :
-هحكيلك بعدين . المهم خديني من هنا . مشيني بسرعة يا ماما زينب قبل ما يجي.
-حاضر حاضر يا حبيبتي .. ثم إلتفتت "زينب" إلي الممرضة و قالت :
-لو سمحتي أطلبيلنا تاكسي بسرعة.
الممرضة :
-حضرتك المدام مش هينفع تخرج و هي في الحالة دي.
زينب بحدة :
-مايخصكيش يا حبيبتي الكلام ده . أنا أمها و قلت هاخدها من هنا وريني هتمنعيني إزاي ده أنا أواديكي إنتي و المستشفي بإللي فيها في ستين داهية.
الممرضة بشئ من التوتر :
-يافندم المدام لسا خارجة من العمليات مابقلهاش ساعتين هتخرج من المستشفي دلوقتي إزاي بس ؟!
زينب بتهكم :
-هتخرج زي الناس يا حبيبتي.
و هنا جاء الطبيب ..
-في إيه ؟ إيه إللي بيحصل هنا ؟؟ .. قالها الطبيب بتساؤل و هو يوزع نظراته بين "سمر" و "زينب" و الممرضة
الممرضة بتهذيب :
-يا دكتور الحجة بتقول إنها والدة مدام سمر لسا جاية دلوقتي و عايزة تاخدها و تمشي.
الطبيب بإستنكار :
-تاخديها إزاي يا حجة ؟ إنتي مش شايفة حالتها عاملة إزاي ؟ المدام لسا خارجة من العمليات !!
زينب بغضب :
-بقولك إيه إنت و هي بالذوق كده خلي نهاركوا ده يعدي علي خير بدل ما أعملكوا فضيحة هنا حالا . قلت هاخد بنتي يعني هاخدها.
ضغط الطبيب علي أسنانه بحنق و قال :
-ماينفعش إللي بتقوليه حضرتك إنتي في مستشفي محترمة و بعدين إنتي ماتقدريش تاخدي مدام سمر جوزها هو إللي جابها و هو الوحيد إللي يقدر يستلمها و يخرجها من هنا.
كادت "زينب" تنفجر بوجهه ثانيةً ، و لكن "سمر" بادرت بإسراع :
-يا دكتور أنا إللي عايزة كده .. كان صوتها واهن هش إلي أقصي حد
الطبيب بحيرة :
-يا مدام سمر إنتي لسا مش كويسة !
سمر بتوسل :
-أرجوك . أنا لازم أخرج من هنا . و صدقني أنا هتحسن أسرع في بيتي.
الطبيب بعد تفكير :
-خلاص إللي تشوفيه .. ثم قال بحزم :
-بس لازم قبل ما تخرجي الحجة تمضيلنا تعهد الأول عشان المستشفي تخلي مسؤوليتها من إللي ممكن يحصل بعد كده.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
ظهرت الشمس من بين الغيوم بعد الظهيرة ... راحت ترسل آشعة طويلة من العقيق و الذهب نحو الأرض
و من بين كل شئ علي الأرض ، تتألق "ملك" تحت الضوء الساحر بخصلات شعرها الكستنائية الملساء ، و خضرة عيناها الواسعتان بصورة رائعة
كانت محتجزة بين ذراع "شهيرة" و صدرها ، و لكنها لم تكن منزعجة إطلاقا .. بل كانت مبتهجة و هي تشاهد الشوارع و الناس من حولها ، كانت مستمتعة و البسمة لم تفارق ثغرها الوردي الجميل ..
-إصباح الخير ياست نعيمة ! .. صاحت "شهيرة" عندما وصلت أمام محل الجزارة ، لترد السيدة "نعيمة" التي وقفت تباشر تقطيع اللحم النيئ بسكين حاد النصل :
-إصباح الخير يا أم عمر . تعالي إتفضلي.
تدخل "شهيرة" منقطعة النفس و تضع يأكياس الخضار علي الأرض عند قدميها ، ثم تقول و هي تعدل من وضعية "ملك" علي ذراعها :
-ونبي ياست نعيمة تلفيلي نص كندوز و نص مفروم.
نعيمة بإبتسامة :
-و ليه تاخدي إنصاص خليهم 2 كيلو عشان العيال.
شهيرة بحرج :
-كده الميزانية هتخرم خآالص . معلش نبقي نزودهم المرة الجاية.
نعيمة بتصميم :
-طب و الله هتاخدي الـ2 كيلو و علي حسابي كمان إيه رأيك بقي !
شهيرة مبتسمة بخجل :
-ياخبر . إن شاالله يخليكي يا أم خميس . ماينفعش و الله ده كتير كده.
نعيمة بإبتسامة ودودة :
-مش كتير و لا حاجة كلوا عشان العيال و أبوهم هو مش بسلامته رجع من السفر ؟
-راجع بكره إن شاء الله.
-طيب زي ما قولتلك بقي و كلمتي مش هتترد . هتاخدي الحاجة علي حسابي و مش عايزة أسمع كلمة زيادة.
-بس ده كتير.
-قولتلك مش كتير و بعدين أنا عنيا ليكي يا شهيرة.
شهيرة يإمتنان :
-تسلم عنيكي يا أم خميس . تشكري يا حبيبتي.
تلاحظ "نعيمة" الصغيرة "ملك" في هذه اللحظة ، فتتساءل بسخرية :
-هي البت ملك بقت تقعد عندك دلوقتي ؟ مش كانت بتقعد عند زينب ؟!
شهيرة و قد تغضنت ملامحها بالحزن :
-لأ ما أصل أبلة زينب سابتهالي و راحت مشوار مهم . إدعي ونبي يا أم خميس ربنا يجيب العوائب سليمة و يرجعهم بالسلامة.
نعيمة متظاهرة بالتأثر :
-خير ياختي . إيه إللي حصل ؟ مالها الحجة زينب ؟؟؟
تنهدت شهيرة بحرارة و قالت :
-أبلة زينب كويسة . دي سمر هي إللـ آا .. و بترت عباراتها فجأة
نعيمة بفضول :
-مالها سمر يا شهيرة ؟؟؟
شهيرة بإرتباك :
-مـ مالهاش . مالهاش يا أم خميس.
نعيمة بحزن مصطنع :
-أخس عليكي . يتخبي عليا ؟ مش مأمنالي !
شهيرة بإسراع :
-لأ و الله مش قصدي .. ثم قالت بتردد :
-بس ده سر . أبلة هتزعل مني و إحتمال تقاطعني لو حد عرف.
نعيمة بإبتسامة خبيثة :
-إطمني يا حبيبتي سرك بير . عمر ما حد هيعرف إنتي قولتيلي إيه.
شهيرة بعد تفكير :
-طيب خلاص . هقولك ... و حكت لها ما سبق و سمعته من "زينب" و بالتفصيل
نعيمة بصدمة لم تقل عن صدمتها حين علمت :
-يا لهوي !
شهيرة برجاء :
-بالله عليكي يا أم خميس . أما ماقولتش حاجة . إوعي تجيبي سيرة لحد و غلاوة خميس عندك.
نعيمة بنبرة متكلفة :
-لأ ياختي طبعا . و دي حاجة تتقال بردو ؟ إذا كنت أنا مش قادرة أصدق لحد دلوقتي ! معقول سمر إللي كل الحتة بتحلف بأخلاقها تعمل عملة زي دي ؟؟!!
شهيرة مؤيدة :
-و الله عندك حق . أنا هتجنن بردو . مش عارفة إزاي قبلت تعمل كده !!
نعيمة و قد إلتمع البريق الشيطاني بعينيها :
-يلا ربنا يسهلها .. و يستر علي ولايانا.
بعد ذهاب "شهيرة" بمدة قصيرة ... يصل "خميس" بالعربة المحملة بالبضاعة ، يلج إلي المحل يثيابه القذرة علي الدوام ، لتستقبله أمه فورا ..
نعيمة و هي تقوم من مكانها و تمشي ناحيته :
-إنت شرفت ياخويا ؟ تعالي . تعالي يا سبع رجالة في بعض . تعالي شوف خبتك .. كان التهكم يملأ صوتها
خميس بتعجب :
-في إيه ياما مالك ؟ أول ما أهل عليكي كده تسلتميني بالزفة دي ؟ حصل إيه ؟!
نعيمة بإنفعال :
-حصل إللي كنت بحاول أخليك تفهمه ياخويا . حصل إللي كنت عاملة حسابه . حصل إللي كنت هتتقرطس بسببه لو كنت سيبتك تعمل إللي في دماغك.
خميس بضيق :
-ياما إيه الألغاز دي علي الصبح ؟ ماتجيبي م الأخر . عايزة تقولي إيه ؟
نعيمة بغضب :
-هقولك يا حبيبي . البرنسيسة بتاعتك إللي كنت هتموت و تتجوزها . طلعت ماشية في الحرام يا روح أمك . طلعت متجوزة عرفي.
خميس بصدمة :
-تقصدي مين ؟ ســـمـــر ؟؟؟
نعيمة و هي تلوي فمها بإزدراء :
-أيوه ياخويا . السفيرة عزيزة . الدرة المصونة . سمر هانم .. ثم أكملت بغيظ :
-صحيح تحت الساهي دواهي !!
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في المستشفي التخصصي ... كان "عثمان" في طريقه إلي غرفة "سمر" عندما إستوقفته الممرضة
عثمان و ينتزع نظارته الشمسية عن عينيه :
-نعم ! في حاجة ؟!
الممرضة :
-مدام سمر مش في أوضتها يافندم.
-بتقولي إيه ؟؟؟ .. قالها "عثمان" بصياح حاد تجمع علي إثره كل من في قسم الطوارئ
الممرضة بتوتر :
-بقول لحضرتك مش موجودة !
عثمان بغضب شديد :
-يعني إيه مش موجودة ؟ هو أنا سايبها في الشارع ؟ ده أنا هاوديكوا في ستين داهية . راحت فـــيـــــــــــن ؟؟؟
الممرضة و هي تنكمش بخوف :
-ماعرفش حضرتك . هي في س جت و أخدتها و سيبتلك الورقة دي.
مدت له يدها المرتجفة بالورقة الصغيرة ، ليخطفها "عثمان" بحركة حادة و ينظر فيها ... كانت عبارة عن رقم هاتف !!!!!
يتبــــــــع ...
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم Shaimaa Gonna
كان وقع الصدمة عنيفا جدا عليه ... غضب إجتاحه بشدة و أخذ منه كل مأخذ
خميس صارخا بوجه أمه :
-إنتي جيبتي الكلام ده منين ؟ مين إللي قالك كده ؟؟؟؟؟
نعيمة بسخرية :
-مش مهم مين إللي قالي . المهم إن الكلام صح و الأهم إن أنا كنت صح . كل كلمة قولتهالك كان عندي حق فيها.
ضرب "خميس" الحائط بقبضته و هو يصيح بعصبية :
-إتكلمي ياما و قوليلي مين إللي قالك كده ؟ قوليلي مين و أنا أروح أقطع رقبته . محدش يمس سمر بكلمة طول ما أنا موجود . قوليلي مين إبن الـ------ ده خليني أروح أجيب أجله.
نعيمة بغضب :
-يا خبتك القوية يابن المعلم رجب . لسا يا واد بتحاميلها ؟ بعد كل إللي قولتهولك ؟؟؟
خميس بإنفعال شديد :
-إللي قالولك الكلام ده ناس متكادة منها ياما . سمر إستحالة تعمل حاجة زي دي . دول رجالة الحتة كلهم طمعانين فيها و هي و لا عبرت واحد فيهم أكيد نطع منهم هو إللي طلع عليها السمعة دي . وديني . وديني هعرفه و ساعتها محدش هيقدر يحوشه من تحت إيدي.
نعيمة بدهشة حقيقية :
-لأ ده إنت حالتك مش طبيعية . مش مصدق عليها الهوا ..و أكملت بحنق :
-البت دي أكيد عملالك عمل !
خميس صائحا بغضب :
-إسكتي ياما . إسكتي إنتي كمان ماسمعكيش تجيبي سيرتها بالكلام البطال ده . سمر هتبقي مراتي بمزاجك أو غصب عنك محدش هيتجوزها غيري ســـــآاااامعة ؟
نعيمة و هي تضع يديها فرق رأسها و تتمايل بنواح :
-يا لهوي عليا و علي سنيني السودة . يا خيبتك يا نعيمة . يا مرارك . ماتنصفتيش في إبنك يا نعيمة . يا شماتة العدوين فيا . يا فرحتهم فيــــــــــــآااااااااا.
خميس بعناد :
-خليكي أقعدي إندبي كده من هنا للصبح . بردو هتجوزها يعني هتجوزها و لو حد قال عليها نص كلمة هقطعله لسانه !
و هنا إجتذب سمعه صوت هدير سيارة تمر من أمام المحل ، ما كان ليلتفت إن لم يكن قد سمع صوتها آت من داخل هذه السيارة ..
إلتفت "خميس" بسرعة و دقق النظر ... لمح "سمر" تجلس بجوار السيدة "زينب" في المقعد الخلفي من سيارة الآجرة
كانت في حالة يرثي لها و لاحظ الضمادات تحيط برسغيها الإثنين .. إنقبض قلبه في هذه اللحظة و لم يشعر بنفسه إلا و هو ينطلق كالسهم صوبها متجاهلا نداءات أمه المعترضة ..
-تشكر ياسطي ! .. قالتها "زيتب" عندما نزلت من السيارة
ثم شرعت في إخراج الأجرة من چزدانها ، ليسبقها "خميس" و يسأل السائق من الجهة الأخري :
-حسابك كام ياسطي ؟
تنظر "زينب" له و تقول بإرتباك :
-خـ خميس ! بتعمل إيه يابني ؟ شيل فلوسك في جيبك مايصحش كده.
خميس و هو يخفض رأسه و يلقي نظرة قلق سريعة علي "سمر" :
-بالعكس يا حجة زينب مايصحش إنتي إللي تدفعي و أنا موجود .. و حاسب السائق ، ثم إستدار حول السيارة حتي وصل عند "سمر"
فتح لها الباب و هو يتساءل بلطف :
-مالك ياست البنات ؟ إيه إللي جرالك ؟ إيه إللي عمل فيكي كده ؟؟؟
توترت "سمر" و عضت علي شفتها بقوة عاجزة عن الرد ، لتتدخل "زينب" و تنقذها من هذه المباغتة ..
-خير يابني مافيهاش حاجة ! .. قالتها "زينب" بصوت متوتر و تابعت :
-قدر و لطف عملت حادثة بس و هي راجعة من الشغل.
خميس بجزع :
-سلامتك ياست البنات . ألف سلامة عليكي.
-الله يسلمك يا خميس ! .. تمتمت "سمر" بخفوت ، ليفاجئها "خميس" في اللحظة التالية و يدس ذراعيه تحتها و يرفعها من دون جهد .. و كأنه يرفع صندوقا فارغا
تشهق "سمر" من المفاجأة و تقول بإضطراب شديد :
-إيه ده يا خميس ؟ نزلني لو سمحت . ماينفعش تشيلني كد آا ..
-إهدي يا أنسة سمر .. قاطعها "خميس" بصوت دافئ ، و أكمل :
-مش هتعرفي تطلعي السلم علي رجلك و الحجة زينب يدوب تقدر تطلع لوحدها . أنا هساعدك بس ماتقلقيش !
تنهدت "سمر" بإستسلام و أطرقت برأسها حتي لا تلتقي بعيناه ، بينما برز صوت "زينب" و هي تمشي خلفهما ..
-روح يابني إلهي يسترك . جدع يا خميس و الله إنت ما في منك في الحتة كلها.
وصلوا إلي شقة "زينب" ليمددها "خميس" علي أقرب آريكة ، ثم يبتعد خطوتين و يقول دون أن يحيد بنظره عنها :
-تؤمروني بحاجة تانية ؟!
زينب بإمتنان :
-ألف شكر يابني ربنا يخليك . مع السلامة إنت بقي و آسفين لو كنا عطلناك.
خميس بعتاب :
-ماتقوليش كده يا حجة زينب إحنا أهل.
-تسلم يا حبيبي . طبعا أهل.
خميس بجدية :
-عموما لو إحتاجتوا أي حاجة أقفي في الشباك و نادي عليا صوت بس هكون قدامك في ثانية .. ثم حمحم بشئ من التوتر و قال و هو يشيح عنها بصعوبة :
-يلا بقي . إستأذن أنا !
زينب بإبتسامة :
-مع ألف سلامة يابني.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
بعد أن فاض به ، قرر أن يذهب إليها هو و يفهم بنفسه ماذا يحدث بالضبط ، لعله فعل شيئا إساء لها بدون قصد
يخرج "صالح" من غرفته ، و يمشي صوب غرفة "صفية" مستعينا بعكازيه المصنوعين من المعدن
يطرق بابها ثلاث مرات متتالية ، ثم يدخل بعد سماع صوتها يدعوه للدخول ..
-صالح ! .. صاحت "صفية" و هي تنظر له بتوتر
صالح بصلابة :
-أيوه صالح . إيه مالك يا بنت عمي ؟ مش مبسوطة إنك شوفتيني ؟!
أشاحت "صفية" بعيناها عنه و لم تجب ..
صالح بذهول :
-كمان مابترديش يا صفية ؟ .. معقول بالسرعة دي . ترجعي تحني لإسلوبك القديم معايا !!
و هنا نظرت له "صفية" من جديد ، و قالت بإسراع :
-إيه إللي إنت بتقوله ده يا صالح ؟ أنا لا رجعت لإسلوبي القديم و لا حاجة إنت فاهم غلط.
صالح بسخرية :
-أنا كنت فاهم غلط فعلا . إنتي زي ما إنتي . إللي عملتيه معايا الفترة إللي فاتت ماكنش أكتر من عطف . عطف بتكفري بيه عن ذنبك لإنك حاسة أن إللي حصلي إنتي السبب الأكبر فيه . بس إنتي ماكنتيش مضطرة تعملي كل ده يا صفية أنا كنت مسامحك أصلا بس دلوقتي مستحيل أقدر أسامحك.
هبت "صفية" من مكانها و هي تقول بغضب :
-صالح إيه إللي إنت بتقوله ده ؟ إنت مأڤور الموضوع أوي علي فكرة . كل ده عشان ماجتش أشوفك من إمبارح يعني ؟؟!!
صالح بصوت آجش :
-صح إنتي عندك حق . أنا دايما بأڤور المواضيع .. عشان كده لازم نوضع حد للقرف بتاعي قبل أضايقك أكتر من كده.
صفية بشك :
-قصدك إيه ؟
رفع "صالح" يده اليسري قليلا دون أن يفلت العكاز و إنتزع خاتم الخطبة من إصبعه للمرة الثانية ..
-المرة دي مش هيرجع تاني ! .. قالها "صالح" و هو يقذفه بوجهها
صفية بصدمة :
-إيه إللي عملته ده يا صالح ؟؟؟
صالح بإزدراء :
-إللي لازم يتعمل يا صافي . عمي الله يرحمه فعلا كان عنده حق . أنا و إنتي ماننفعش لبعض . إحنا ولاد عم و بس.
كانت "صفية" مشدوهة لدرجة أنها لم تنفعل من كلماته ، بل هزت رأسها سلبا و حاولت أن تتكلم ، و لكنها تحس بإنسداد في حلقها ..
رغم ذلك همست :
-إنت ماتقدرش تعمل كده !
صالح بصوت قاس :
-أنا مش لسا هعمل يا صفية . أنا خلاص عملت .. إنتي من هنا و رايح مش أكتر من بنت عمي.
و قبل أن تجيب ، و قبل أن تفهم معاني كلماته .. كان قد رحل ..
بقت "صفية" تحدق في إثره الفارغ مصدومة ، و الآن فقط شعرت بوخز كلماته .. كانت أكثر إيلاما من كلمات الهجر الأول
شعرت بالآسي يخنقها و بركبتيها ترتجفان و تلتويان تحتها
إنهارت ، أطلقت لنفسها العنان أخيرا بعد كل هذه المقاومة الهائلة منذ وفاة أبيها .. إرتعش بدنها و تدفقت الدموع من عيناها كالشلالات دون توقف ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في سيارة "عثمان البحيري" ... يترجل منها متجها إلي رصيف الشاطى المهجور
يخرج هاتفهه و يتصل بالرقم الذي ترك له في مكتب إستقبال المشفي ... ينتظر للحظات ، ثم يآتي صوت أنثوي فيه مسحة غلظة ..
-ألو !
عثمان بصوت صارم :
-أنا عثمان البحيري . أيا كان إللي بيتكلم معايا . إديني سمر.
ترد "زينب" بصوت حاد :
-هو إنت بقي بسلامتك ؟ خسارة إنك بتكلمني في التليفون . عارف لو كنت قدامي أقسم بالله كنت شربت من دمك يا جبان يا حقير . بتستقوي علي بنت ضعيفة يا حيوان ! ماكفكش شرفها إللي ضيعته ؟ عايز تخلص عليها خالص ؟ ربنا ينتقم منك إن شاء الله.
أطبق "عثمان" كفه علي الهاتف بقوة ، كما إشتدت عضلات فكيه و هو يجيب من بين أسنانه :
-أنا لحد اللحظة دي هادي جدا و لسا ما قررتش أي تصرف . فلو سمحتي قبل ما أفقد إللي باقي من أعصابي .. إديني سمر !
زينب بإستفزاز :
-سمر عمرك ماهتشوفها تاني يا ندل . مش هاتشوف ضفرها و أنا إللي هاخدلها حقها منك.
في هذه اللحظة جن جنونه ، ليصرخ بها :
-هآااااتي ســــــمـــــــــر . إديها الموبايل خليها تكلمني . خليها تكلمني أحسن آا ...
-نعم ! عاوز مني إيه تاني ؟ .. هكذا جاء صوت "سمر" فجأة بدلا من صوت السيدة التي نجحت إثارة أعصابه الفولاذية بسهولة
عثمان بخشونة :
-إنتي إزاي تخرجي من المستشفي منغير أذني ؟؟؟
سمر ببرود :
-و أستأذنك بأمارة إيه ؟!
عثمان بحدة :
-بأمارة إني جوزك يا هانم و أبو إللي في بطنك.
سمر بسخرية :
-أولا إنت مش جوزي و لا هتكون . ثانيا إللي في بطني تنساه . أنا هنزله مش ممكن أسمح لحاجة منك تكون جوايا . مش ممكن أقبل أطفال منك إنت شيطان و ولادك هيبقوا زيك بالظبط.
يهدر "عثمان" بغضب :
-عارفة ! عارفة لو لمستيه ؟ لو آذتيه مش هرحمك يا سمر و لا هرحم عيلتك.
سمر بغضب مماثل :
-إنت ماتقدرش تعمل أي حاجة . و إسمعني بقي عشان أنا إللي ههددك دلوقتي . لو قريت مني تاني أو قربت لحد من إخواتي هقتلك . و الله هقتلك أنا ماعنديش حاجة أخسرها و بعدهم مافيش أي حاجة . سامع ؟؟؟
عثمان بصوت خال من أي شعور :
-مش هاسيبك بالسهولة دي يا سمر . سبق و قولتلك إنك ملكي.
سمر صارخة بآسي :
-يا أخي إبعد عني بقي . إنت عايز مني إيه تاني ؟ ما إنت دمرتني و خلاص عملت فيا كل حاجة . فاضل إيه تاني ماعملتوش ؟؟؟
عثمان بصوت هادئ :
-فاضل أهم حاجة . عايزك تعرفي إني مش ممكن إتنازل عنك أبدا . هاسيبك تريحي أعصابك فترة بس هترجعيلي حتي لو كان غصب عنك .. ثم قال بتحذير :
-بس من هنا لوقتها لو عرفت إنك آذيتي إبني . صدقيني يا سمر هتشوفي عثمان واحد تاني عمرك ما شوفتيه و لا تحبي تشوفيه .. باي !
و أقفل معها مطلقا تنهيدة حارة مطولة ..
-هتسامحيني يا سمر .. تمتم "عثمان" لنفسه ، و أكمل بإصرار :
-أكيد هيجي يوم و تسامحيني . حتي لو كان أخر يوم في عمري !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في شقة الجارة "زيـــنب" ... تترك "سمر" الهاتف من يدها و تتهادي رأسها الثقيلة علي ذراع الآريكة اللين
تتنهد بثقل وهي تطبق جفناها هاربة من نظرات "زينب" المتسائلة ، و لكن الأخيرة لم تصمت كما توقعت ..
-يعني المصيبة بقت مصبتين ؟! .. قالتها "زينب" بنبرة خشنة ، و أكملت بوهن مفاجئ :
-ياربي إيه الكوارث إللي نازلة ترف فوق دماغنا دي ؟ .. حامل يا سمر و في شهرين ؟ هتنزلي العيل ده إزاي و إنتي جسمك مكسر كده ؟ ده إنتي ممكن تروحي فيها !
سمر بقسوة :
-مايهمنيش . لازم الملعون ده ينزل . أنا آذيت سمعتي و سمعة إخواتي بما فيه الكفاية . مش هقدر أورطهم في فضيحة زي دي مايعرفوش يكملوا حياتهم بسببها . بسببي أنا يا ماما زينب.
زينب بحيرة ممزوجة بالألم :
-بس إنتي كده .. ممكن . تموتي يا سمر !!
صمت طويل .. ثم قالت سمر بدموع :
-مش مشكلة . أهم حاجة إخواتي يعيشوا أنا كده كده حياتي إنتهت من فترة و مستقبلي ضاع . مش هتفرق.
في هذه اللحظة دق جرس الباب ، لتقوم "زينب" متحاملة علي نفسها و تذهب لتفتح ..
-أيوه جاية أهو ياللي علي الباب .. و فتحت !!!!!!!!!
لم يكن الطارق سوي السيدة "نعيمة" ... والدة "خميس"
وقفت مواجهة لـ"زينب" و قد كانت تشتعل غضبا و يديها ترتجفان من شدة الإنفعال ..
-أم خميس ! .. تمتمت "زينب" بإستغراب ، لكنها إستطردت بإبتسامة مرحبة :
-أهلا يا أم خميس . إتفضلي يا حبيبتي إدخلي .. و أفسحت لها مجالا للدخول
نعيمة بغلظة :
-أنا مش جاية أضايف ياست زينب .. و أكملت و هي تصوب نظرها نحو "سمر" :
-أنا جاية أقول كلمتين للمحروسة إللي قاعدة هناك دي و ماشية علطول.
أحست "سمر" بإرتجاف الهواء فوق شفتيها و هي تحدق في السيدة بريبة ، بينما ولجت الأخيرة و مضت ناحيتها ..
-إسمعي يا شاطرة ! .. قالتها "نعيمة" بخشونة و هي تقف علي مقربة منها ، و تابعت :
-أنا سبق و قولتلك تبعدي عن إبني خميس و إنتي سلمتي و قولتي أمين . بس إللي أنا شايفاه دلوقتي غير كده . ماتحاوليش تجريه لسكتك يا سمر عشان أنا مش هسمحلك مش بعد ما ربيته و تعبت فيه لحد ما بقي راجل تيجي بسلامتك و تاخديه علي الجاهز . لأاا . ده مش ممكن يحصل و لا يكون أبدا.
تقلصت ملامح "سمر" بألم ، لكنها حاولت إستعادة تعابيرها الطبيعية متجاهلة الدموع المنهمرة من عيناها ..
-إنتي لتاني مرة فاهمة غلط يا طنط نعيمة ! .. قالتها "سمر" بصوت مخنوق ، و أكملت :
-أنا عمري ما فكرت في خميس و مش هفكر فيه إطمني خميس زيه زي فادي أخويا بالظبط و نظرتي له كأخ مش هتتغير أبدا.
نعيمة بتهكم :
-كلامك موزون و منقياه كويس عشان تنيميني بيه و تلفي علي الواد من ورايا . بس أنا بقي صاحيالك ياختي و مش هسيبلك الفرصة دي . بعينك تتجوزي إبني أنا إستحالة أقبل أجوزه واحدة إتجوزت من قبله جوازة شفوي !
جحظت عينا "سمر" في لحظة من الصدمة ... كيف علمت السيدة "نعيمة" بهذا الأمر السري ؟؟؟ .. إنها لكارثة حتمية ..
تتدخل "زينب" عند هذا الحد صائحة و قد طبع الحنق كل ملامح وجهها :
-إيه إللي إنتي بتقوليه ده ياست إنتي ؟ ما تحسبي كلامك و أعرفي إنتي بتقولي إيه ؟ هي حصلت تيجي لحد بيتها و ترمي عليها تهمة زي دي ؟ ما تفوقي يا حبيبتي و بوصيلها كويس . دي سمر يا حبة عيني إللي كل الحتة بتحلف و تتحالف بأخلاقها و تربيتها.
ضحكت "نعيمة" بسخرية و قالت :
-لأ و هي متربية أووي يا زينب . لما تروح تتجوز البيه صاحب الشركة عرفي تبقي متربية و بنت أصول محدش يقدر يقول عليها نص كلمة.
زينب بصدمة :
-إنتي مين إللي قالك الكلام ده ؟؟؟
إبتسمت "نعيمة" بإلتواء و قالت :
-يعني صح يا زينب !
زينب بإنفعال :
-لأ طبعا مش صح ده كله كلام فارغ . سمر ماتعملش حاجة بطالة أبدا قوليلي مين إللي قالك كده و أنا أكدبه قدامك و أحط صوابعي العشرة في عنيه.
نعيمة بإبتسامة مستفزة :
-أنا مش جاية أحقق في إللي جرا يا زينب . كل حي يعمل إللي يعجبه . أنا بس جاية أحذر قطتك الحلوة . لو ماسمعتش الكلام و بعدت عن إبني أنا هخلي إللي ما يشتري يتفرج عليها.
زينب بزمجرة :
-تهديد ده يا نعيمة ؟!
نعيمة ببرود :
-لو إنتي شايفة كده يبقي أه . إنتي طبعا عارفة يا زينب إن بكلمة مني ممكن أقيد النار في بيتك كله و هيجي الخراب علي دماغك بسببها . فلميها أحسن و عقليها . قوليلها تبعد عن إبني بدل ما فضيحتها تبقي بجلاجل في الحتة كلها ثم شملت "سمر" بنظرة إزدراء أخيرة و قالت :
-فوتكوا بعافية !
و ذهبت صافقة باب الشقة من خلفها ... كانت "سمر" و "زينب" متجمدتين في هذه اللحظة ، و كأنهما تمثالين من الشمع ..
توقف الباب عن الإرتجاج ، عنذ لك فقط إنتفضت "زينب" و إنطلقت إلي خارج الشقة ..
-شـهـيــــــــــــــــــــــــــرة ! .. صاحت "زينب" بصوت يزخر بالغضب الشديد
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... يشعر "عثمان" بالحيرة و التردد حيال الفكرة التي جاءته
لم يكن متأكدا إذا كانت فكرة صائبة أم خاطئة ؟ .. لكنه لأول مرة شعر بالحاجة لإفشاء ما بداخله ، و هي أنسب من خطرت علي باله !!!
يتوجه "عثمان" نحو غرفة شقيقته و هو يقدم ساق و يؤخر الأخري .. يدق بابها ، ثم يدخل حابسا أنفاسه بتوتر ..
كانت تجلس في شرفتها عندما ظهر أخيها من خلف باب الغرفة ... صاحت بإبتسامة شاحبة :
-عثمان ! تعالي يا حبيبي.
مضي "عثمان" إليها بتباطؤ ، و جلس في كرسي قبالتها ..
-إزيك يا صافي ؟ .. قالها "عثمان" بلهجة مقتضبة
صفية و هي تهز كتفاها بخفة :
-كويسة . الحمدلله .. إنت إيه أخبارك ؟؟
-تمام . لأ .. في الحقيقة مش تمام خآالص ! .. كان صوته يائسا بشكل ملحوظ
صفية بإهتمام :
-مالك يا عثمان ؟ .. عندك مشكلة و لا إيه ؟؟؟
تنفس "عثمان" بعمق و أجابها :
-عندي مشكلة كبيرة يا صافي.
صفية و هي تتململ بقلق :
-خير يا حبيبي . مالك يا عثمان ؟ إحكيلي بلاش تقلقني أكتر من كده بليز !
عثمان بلطف :
-ماتقلقيش يا حبيبتي . It's okay . المشكلة مش خطيرة لدرجة القلق يعني.
صفية بحيرة :
-طيب فهمني . ماتسبنيش حيرانة كده هفضل قلقانة عليك.
نظر لها "عثمان" بتفكير ، ثم قال بجدية :
-قبل ما أقولك أي حاجة إوعديني إن كل كلمة هتبقي سر بينا . ماينفعش مخلوق يعرف أي حاجة و لا حتي صالح.
إبتسمت "صفية" بسخرية حين آتي علي ذكر "صالح" و قالت :
-إطمن يا عثمان . لو علي صالح مش هيعرف أي حاجة.
عثمان بلهجة حادة :
-صالح أو غيره.
صفية بنفاذ صبر :
-يا أخي حد قالك عليا فتانة ؟ ما تتكلم بقي يا عثمان إخلص !
يأخذ "عثمان" نفسا عميقا .. ثم يبدأ بسرد القصة عليها ، و من البداية ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في شقة الجارة "شهيرة" ...
تقف "زينب" في منتصف الصالة ، تهدر بأعلي صوتها و عيناها تقدحان شرارات غاضبة :
-هي دي الأمانة إللي آمنتك عليها يا شهيرة ؟ هو ده السر إللي قولتيلي في بير ؟ عملتي كده ليه ؟ قوليلي لـيـــــه ؟ ليه فضحتي البت ؟ ده ربنا كان سترها تيجي إنتي تفضحيها ؟ بس العيب فعلا مش عليكي . العيب عليا أنا إني وثقت فيكي و حكتلك . أنا إللي أستاهل.
شهيرة بدموع :
-أبلة زينب . سامحيني . أنا غلطانة و الله !
زينب بإستنكار :
-أسامحك ؟ هو إنتي كسرتيلي كوباية و لا طبق ؟ إنتي خونتي الثقة يا شهيرة . خونتي الأمانة . خونتي عشرة العمر و العيش و الملح.
شهيرة بصوت كالأنين :
-ونبي كفاية يا أبلة . ونبي تسامحيني . أنا ماكنش في نيتي حاجة وحشة و الله.
زينب بعدم تصديق :
-أنا مش عارفة إزاي لساني فلت مني و حكتلك ؟ و مش مصدقة إنك سمعتي مني و جريتي تنشري الأخبار في كل حتة . إزاي أنا كنت غبية كده ؟ إزاي حكتلك سر خطير زي ده إزآااااي ؟؟؟
شهيرة بنبرة معذبة :
-يا أبلة زينب كفآاية الله يخليكي . يا ريتك ماكنتي حكيتيلي فعلا . يا ريتك.
زينب بحدة :
-قولتي لمين تاني يا شهيرة ؟ إنطقي قوليلي مين تاني في الحتة لسا ماعرفش بفضيحة سمر ؟؟
شهيرة بإنفعال صادق :
-و الله ما قلت لحد تاني . أقسم بالله و حياة ولادي ما قلت لحد تاني !
زينب بإبتسامة ساخرة :
-حتي لو ما قولتيش . نعيمة مش هتسكت . هتخلي سيرة البت علي كل لسان . السر مابقاش سر خلآاص و البت إتفضحت و إللي كان كان.
أطرقت "شهيرة" رأسها باكية بحرقة ، بينما نظرت لها "زينب" بإحتقار و لم تتأثر البتة بحرارة نشيجها ..
-من بكره تلمي عزالك و تشوفيلك مطرح تاني تقعدي فيه .. قالتها "زينب" بصرامة ، و أكملت :
-ماعادش ليكي مكان في بيتي يا شهيرة.
رفعت "شهيرة" وجهها بسرعة ، و شعرت بإن جدران البيت تهتز .. لكنها لم تكن هزة أرضية كما ظنت لبرهة ، إنما إرتجافها هي ..
-بتقولي إيه يا أبلة ؟! .. تمتمت "شهيرة" بصدمة
زينب بقسوة :
-إللي سمعتيه . قدامك من هنا لأخر الإسبوع . تكون الشقة فاضية و المفتاح في إيدي.
ثم تركتها و عادت إلي شقتها
وجدت "سمر" جالسة كالصنم لا تتحرك إطلاقا ، بالكاد كتفاها يصعدان و يهبطان نتيجة معدل أنفاسها ... مضت "زينب" إليها ركضا و جلست بجوارها علي حافة الآريكة :
-مالك يا سمر ؟ مالك يا حبيبتي ؟ إنتي كويسة ؟؟؟
و فجأة لمحت هاتفهها ملقي في حجر "سمر" و لا زالت الشاشة مضاءة تشير لإنهاء إحدي المكالمات ..
-هو في حد إتصل بيا و لا إيه ؟ .. قالتها "زينب" بصوت تساوره الشكوك ، لترد "سمر" بصوت هامس بالكاد كان مسموعا :
-فادي . فادي لسا قافل معايا . راجع بكره يا ماما زينب !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عند "عثمان" و "صفية" ...
بعد أن فرغ "عثمان" من سرد قصته :
-يا نهــــــــــار إسوود ! .. صاحت "صفية" بذهول
-متجوز عرفي يا عثمان ؟؟؟
عثمان بحدة :
-ششسشش وطي صوتك . ماشفهومش و هما بيسرقوا شافوهم و هما بيتحاسبوا !!
صفية بغضب :
-و ليك نفس تهزر ؟ إيه إللي يخليك تتجوز عرفي يا عثمان ؟ ليـــه ؟ ده أنت راجل و إبن ناس و مش أي ناس و تقدر تتجوز في نور و قصاد الدنيا كلها.
عثمان بضيق :
-ماكنتش واخد الموضوع بجد . كنت حاطط في دماغي إنها فترة و هنسيب بعض . بس فجأة لاقيت نفسي إتنيلت علي عيني و حبتها . أول مرة أحب يا صافي !
صفية بإستنكار :
-يعني لو ماكنتش حبتها كنت هتخلا بيها ؟ كنت هتسيبها متورطة لوحدها في مصيبة زي دي ؟ .. أنا بجد مصدومة و خاب أملي فيك يا عثمان.
عثمان بعصبية :
-هو أنا جايلك عشان تلوميني بالكلام ؟ أنا غلطان إني جيت أحكيلك أصلا .. و كاد يقوم من مكانه ، لتوقفه بإسراع :
-أقعد يا عثمان ! .. كانت لهجتها صارمة و حانقة في آن
عثمان بإنزعاج :
-أقعد عشان تسمعيني كلام مالهوش لازمة ؟!
صفية بإمتعاض :
-لأ . تقعد عشان نشوف حل .. إنت ناوي علي إيه دلوقتي طيب ؟
عثمان بثقة عمياء :
-ناوي أتجوزها طبعا . بقولك بحبها . و ماتنسيش أنها حامل في إبني أو بنتي لازم الجواز يتم في أسرع وقت.
صفية بسخرية :
-أيوه بس إنت قولتلي إنها مش طايقاك و عايزة تنزل البيبي !
تنهد "عثمان" بسأم و قال :
-ما أنا عشان كده لجأتلك يا صافي.
صفية بإستغراب :
-مش فاهمة قصدك إيه ؟!
نظر "عثمان" لها ... و قال بعد صمت طويل :
-أنا محتاجلك . إنتي ممكن تساعديني و تأثري عليها .. كان أمل كبير يملأ صوته ... !!!!!!
يتبـــــــــــــع ...
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم Shaimaa Gonna
في صباح اليوم التالي ... يصل "فادي" في ساعة مبكرة ، يتفاجأ بمكوث شقيقتاه في بيت الجارة "زينب"
كما أصابه الذعر عندما شاهد "سمر" و رأي حالتها السيئة ، فورا تحولت ملامحه و نظراته إلي علامات إستفهام لا نهاية لها ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
-يابني قولتلك عملت حادثة بسيطة ! .. قالتها "زينب" بشئ من التوتر ، ليرد "فادي" الذي كان يحمل "ملك" علي ذراعه :
-حادثة بسيطة تعمل فيها كل ده ؟ .. كان الإستنكار واضح جدا في صوته
زينب بإرتباك :
-يا حبيبي الإصابات مش كبيرة و زي ما إنت شايف أختك مش متجبسة ده يا دوب الدكتور ربطلها إيديها و رجلها و قالها ماتتحركش . إسبوع و لا إتنين و هترجع أحسن من الأول !
فادي بعدم تصديق :
-و الحادثة دي حصلتلك فين ؟؟؟
إزدردت "سمر" ريقها الجاف بصعوبة و أجابته بتلعثم :
-و آا و أنا ر راجعة من الشـ.ـغل !
فادي بحدة :
-طيب و قاعدة هنا ليه ؟ إزاي تباتي في بيت فيه راجل غريب ؟؟؟
تتدخل "زينب" هنا :
-يابني ماتقلقش عمك صابر في مأمورية شغل من إمبارح سافر أسيوط و هيرجع علي أخر الإسبوع.
زفر "فادي" بقوة شاعرا بالحنق حيال هذا كله ، فلا زال غير مقتنع بهذه التصريحات الواهية ...
-طيب هتفضلي قاعدة هنا كتير و لا إيه ؟ .. قالها "فادي" بتساؤل
سمر بحيرة ممزوجة بالتوتر :
-مش فاهمة عـ عايز تقول إيه ؟!
فادي بإنفعال :
-مش ليكي بيت ؟ يلا بينا علي شقتنا.
تتدخل "زينب" للمرة الثانية :
-يا حبيبي هي مش هتقدر تتحرك من مكانها . سيبها هي و ملك عندي ماتخافش عليهم دول هيونسوني و إنت عارف أنا قاعدة لوحدي خالص اليومين دول !
عقد "فادي" حاجبيه و زم شفتاه ممتعضا ... ناول "ملك" إلي السيدة "زينب" ثم قال بصوت آجش :
-ماشي خليكي هنا . أنا هطلع فوق لو عوزتي أي حاجة لو حصل أي حاجة كلميني علي الموبايل.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ...
تفرغ "فريال" من تناول وجبة الإفطار التي تناولتها بصعوبة و بمساعدة وصفيتها الخاصة
تعطيها الفتاة جرعة دوائها و تهم بالمغادرة ... لتجد "عثمان" يفتح الباب قبل أن تمد هي يدها و تفتحه ..
-صباح الخير يا ماجي ! .. قالها "عثمان" بلهجة ودية خفيفة
ماجي بإبتسامة :
-صباح النور يا عثمان بيه.
-إيه فريال هانم أخبارها إيه إنهاردة ؟
-كويسة سيادتك في تحسن الحمدلله و بقت بتاكل أكتر من الأول.
عثمان براحة غامرة :
-الحمدلله .. طيب . تقدري تروحي تشوفي شغلك دلوقتي.
ماجي بتهذيب :
-أوك بعد إذن حضرتك ! .. و ذهبت
بينما مضي "عثمان" صوب أمه و هو يقول مبتسما :
-صباح الفل يا ست الكل .. و دني منها ليقبلها من وجنتها
ترد "فريال" الإبتسامة له و هي ترمقه بإشتياق شديد ..
-وحشتيني أووي يا ماما .. قالها "عثمان" و هو يجلس في الكرسي المحاذي لسريرها ، لتتلاشي إبتسامتها فورا و تقلب عيناها مظهرة حزنها
عثمان بقلق :
-مالك يا ماما ؟ حصل إيه ؟ إنتي كويسة ؟؟؟
أمسكت "فريال" بدفترها و كتبت شيئا ، ثم دفعت بالورقة له ..
"بقالي تلتيام ماشوفتكش ! "
ينظر "عثمان" لها و يقول بأسف :
-حقك عليا . أنا آسف بجد . أنا فعلا غلطان بس كان في شوية مشاكل كده كنت بحلها . ده مش عذر أنا عارف بس إنتي هتسامحيني طبعا ده أنا عثمان حبيبك.
نظرت له بعتاب ، فبادلها بإبتسامة مشاكسة ، كأنها إبتسامة طفل يقابل تأنيب شخص قريب منه بالإبتسام لأنه واثق من أن هذا الشخص لن يغضب منه ..
-ماتزعليش مني بقي . ده أنا جاي أكلمك في موضوع يهمك إنتي أكتر واحدة أنا متأكد إنك هتفرحي لما تسمعي كلامي !
تقافزت نظرات الفضول من عينا "فريال" ليضحك "عثمان" بمرح ، ثم يقول بإسترخاء :
-guess what يا ماما ؟ .. أنا . هـتـجــــــــوز !
إتسعت عيناها و هي تحملق فيه بذهول و عدم تصديق ، ليزداد ضحكه أكثر و هو يتأمل ردة فعلها فقد كانت كما توقعها بالضبط ..
أمسكت "فريال" بدفترها ثانيةً و كتبت عبارة سريعة :
" بجد هتتجوز يا عثمان ؟؟؟ " .. قرأ "عثمان" و أجاب بمرح :
-أيوه يا ماما هتجوز . شوفتي ؟ هحققلك أمنيتك أهو و هخليكي جدة زي ما كنتي عايزة.
كتبت "فريال" ورقة جديدة و دفعتها إليه :
" هي مين و إسمها إيه ؟؟؟ "
رأته يأخذ نفسا عميقا ، و يصمت مفكرا للحظات ... ثم يقول :
-إسمها سمر حفظي يا ماما . هي بنت عادية جدا . مش غنية و مش من عيلة كبيرة . بسيطة أوي .. باباها و مامتها متوفين و عندها أخ أصغر منها بشوية و أخت طفلة صغيرة . طبعا بعد ما نتجوز هيجوا يعيشوا معانا هنا . هما ناس بسيطة زي ما قولتلك و هي عادية بس أنا بحبها . أنا عايزها دي إختياري أنا محدش فرضها عليا زي ما حصل قبل كده.
توترت ملامح "فريال" و تابعت معه :
" طيب يا حبيبي إنت متأكد من مشاعرك ؟ درست قرارك يعني ؟ و الأهم من ده كله .. إنت مرتاح ليها ؟ ماعندكش شك إنها مش ممكن تكون زي چيـ .. زي الجوازة الأولانية ؟! "
قرأ "عثمان" و رد بغضب دفين :
-لأ يا ماما . سمر مش زي القذرة الأولانية . سمر بنت كويسة جدا و مالهاش في أي حاجة . مش أي حاجة ممكن تغريها . لما تيجي هنا هتشوفي بنفسك مميزاتها كتيرة و بتسمع الكلام و بعدين هي هتعيش وسطنا مش هتطلع برا أبدا حياتها كلها هتبقي هنا و معايا مافيش حاجة هتكون ناقصاها . هي دي إللي هتريحني و زي ما قولتلك دي إختياري و أنا .. أنا بحبها !
أجفلت بحيرة و تنهدت بحرارة ... لكنها عادت تكتب من جديد :
" هتجيبها إمتي عشان أشوفها ؟ "
عثمان بإبتسامة :
-في أقرب وقت.
" هي حلوة ؟ "
-حلوة أووي يا ماما . شبهك.
إبتسمت "فريال" برقة ، ليقول "عثمان" بجدية :
-أنا هتجوزها خلال الأيام الجاية . طبعا مش هعمل فرح عشان الظروف إللي إحنا فيها . بس هعوضها بشهر عسل حلو . لازم تفرح زي كل البنات بردو !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
يأتي المساء ... لتمسك "زينب" بـ"ملك" و تبدل لها ملابسها لأن شقيقتها الكبري أصبحت عاجزة عن ذلك لفترة مؤقتة فقط
كان يجب أن يذهب أحدا بالصغيرة إلي الطبيب من أجل جلسة المتابعة خاصتها ، لم تشأ "سمر" إزعاج "فادي" و لم تود أن تتعبه في أولي أيام عطلته
طلبت من "زينب" أن تذهب بها فلم ترفض الأخيرة ، بل رحبت ترحييا شديدا ..
-إستني يا ماما زينب خدي فلوس الڤيزتا ! .. قالتها "سمر" محاولة يدها لتجلب حقيبتها
زينب لائمة :
-مش عيب تفوليلي حاجة زي دي ؟ يعني أنا هرضي أخد منك فلوس . أنا معايا يا حبيبتي و هدفعهم.
سمر بحرج :
-ماينفعش يا ماما زينب . إنتي ذنبك إيه طيب ؟
زينب بضيق :
-سمر . و لا كلمة لو سمحتي . إنتي بتزعليني كده !
سمر بلطف :
-و الله مش قصدي.
-إنتي و هي مش بناتي ؟؟
-طبعا بناتك.
-يبقي خلاص إللي أقوله يتسمع.
سمر بإبتسامة :
-ماشي . إللي تشوفيه.
زينب و هي ترد لها الإبتسامة :
-أيوه كده .. يلا بقي أشوفك علي خير . مش عايزة حاجة قبل ما أمشي ؟
-تسلمي يا ماما زينب . مع السلامة .. و كادت السيدة تذهب ، لتستوقفها "سمر" :
-ماما زينب !
تلتفت "زينب" مرة أخري :
-نعم يا سمر ؟!
سمر بحذر :
-بصي أنا عارفة إنها غلطت . بس مش هينفع تطرديها يا ماما زينب خلاص إللي حصل حصل.
زينب بغضب :
-إنتي إتهلبتي يا بت ؟ عايزاني أسيبها بعد إللي عملته ؟؟؟
سمر بحزن :
-قولتلك خلاص إللي حصل يا ماما زينب . ' بعدين شهيرة طول عمرها ساكنة في البيت ده . هيبقي صعب عليها تخرج منه . هتروح فين بس بعيالها حرام يا ماما زينب.
زينب بإنفعال :
-حرمة عليكي عيشتك . بت إنتي ماتخلنيش أتجنن عليكي.
سمر بهدوء :
-طيب إسمعيني بس . قعدتها هنا في مصلحتنا.
قطبت "زينب" حاجبيها و قالت بإستنكار :
-نعم ياختي ؟ في مصلحتنا ؟؟!!
سمر بجدية :
-أيوه طبعا في مصلحتنا . إفرضي طنط نعيمة نشرت الخبر بعد ما شهيرة تمشي الناس هتصدقها لكن لو شهيرة قعدت و طنط نعيمة إتكلمت في حاجة ساعتها هنوقف شهيرة قدام الناس تكدب كل إللي طنط نعيمة ممكن تقوله.
نظرت لها "زينب" بتفكير .. ثم قالت مؤيدة :
-و الله وجهة نظر بردو !
سمر بإبتسامة :
-شوفتي.
-بس بردو المعاملة بينا عمرها ما هترجع زي الأول .. غمغمت "زينب" بحنق
تنهدت "سمر" و وافقتها :
-أكيد يا ماما زينب !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
تخرج "زينب" من شقتها ... و علي مضض تتجه نحو شقة "شهيرة"
تدق بابها ، لتفتح الأخيرة بعد لحظات
تفاجأت "شهيرة" حين رأت "زينب" تقف أمامها في هذه اللحظة ، لم تصدق نفسها ..
-لولا الشديد القوي أقسم بالله ما كنت عبرتك ! .. قالتها "زينب" بغضب شديد ، بينما أخفضت "شهيرة" رأسها شاعرة بالخزي
زينب بخشونة :
-البت إللي فضحتيها يا شهيرة هي إللي إتوسطتلك عندي . هي إللي إترجتني أخليكي في البيت و ما أطلعكيش عشان ماتتبهدليش إنتي و عيالك.
شهيرة بخجل :
-أنا مهما أقول مش هقدر أوصفلك ندمي يا أبلة . و الله طول الوقت بدعي تسامحيني !
زينب بسخرية :
-الله يسامحك يابنتي .. ثم قالت بصوت جاف و هي تعطيها مفتاح شقتها :
-خدي مفتاح شقتي . أنا رايحة أودي البت ملك للدكتور لو إتأخرت عنده إبقي خشي شقري علي سمر . شوفيها إذا كانت محتاجة حاجة.
شهيرة برحابة :
-حاضر . عنيا ليها يا أبلة زينب.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل المعلم "رجب" الجزار ...
جلست "نعيمة" تنتظر زوجها بصبر نافذ ، تتأهب وصوله في أي لحظة .. إلي أن دق الباب
قامت إنطلقت بسرعة لتفتح ..
-حمدلله علي السلامة ياخويا ها طمني عملت إيه ؟ .. قالتها "نعيمة" حتي قبل أن يخطي زوجها داخل المنزل
رجب بإنزعاج :
-طيب إستني لما أخد نفسي الأول . إيه يا وليه الغشامة بتاعتك دي ؟!
نعيمة بنفاذ صبر :
-إخلص يا رجب أنا العفاريت بتتنطط قدامي من صباحية ربنا إخلص و قولي عملت إيه مع إبنك ؟؟؟
مضي "رجب" إلي الداخل و جلس علي أقرب مقعد ، ثم تنهد و قال بإسلوب بطيئ مستفز :
-إبنك طالع دماغه جزمة زي أبوه . أنا و إنتي من أول الموضوع عمالين نضغط عليه و نهدده إننا مش هنحط إيدنا في الجوازة دي . بس هو و لا همه و المرة دي هو إللي هددني . لو وقفت في طريقه و منعته عن إللي البت دي هيطفش و مش هيرجع تاني.
نعيمة بغضب :
-و إنت قولتله إيه ؟ إوعي تكون طاوعته و وافقت !!
رجب بحدة :
-أنا مش هخسر إبني الوحيد يا نعيمة عشان خاطر موضوع تافه زي ده . هو بيحب البت و عايزها خلآااص هجوزهاله و إنتي مش عايزك ترغي تاني و توجعي دماغي.
نعيمة بعصبية مفرطة :
-إنت عايز تجنني يا راجل إنت و إبنك ؟ بعد كل إللي سمعتوه مني بردو ماطنشين ؟ إيـــــــــــه ؟ مافيش ذرة نخوة و لا رجولة ؟؟؟
رجب بغضب :
-إحترمي نفسك يا نعيمة فوفي و إنتي بتكلميني بدل ما أقوم أفوقك أنا.
نعيمة بإنفعال :
-عايزني أكلمك ياخويا و إنت عامل من بنها إنت و إبنك ؟ بقولك البت متجوزة عرفي . إنت مش فاهم الكلمة و لا إيه حكايتك بالظبط ؟؟؟؟
-لأ ياختي فاهم الكلمة .. قالها "رجب" بتهكم :
-بس إنتي إللي مش فاهمة.
نعيمة بإستنكار :
-مش فاهمة إيه بقي إن شاء الله ؟!
رجب بجدية :
-إبنك قالي كلام معقول أوي . الإشاعة إللي سمعتيها دي ممكن ماتكونش مظبوطة و إن إللي قالهالك بيغير من البت و عايز يأذي سمعتها و يوقف حالها.
نعيمة و قد إحتدمت نظراتها من شدة الحنق :
-إنت كمان هتقولي زي إبنك ؟ .. طـيـــــــب . الله في سماه لأكون مسمعاكوا الخبر الأكيد الليلة دي !
و إلتفتت بحدة و كادت تخطو بإتجاه الباب ، ليقبض زوجها علي معصمها متسائلا بدهشة :
-رايحة فين يا وليه إنتي ؟!
نعيمة و هي تشد يدها بعنف من قبضته :
-إوووعـــي سيبني .. كانت تصرخ :
-سيبني بدل ما أطفش أنا و محدش هيعرفلي طريق أقسم بالله !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
تدق الساعة معلنة تمام الثامنة ... لينزل "عثمان" من غرفته في الحلة السوداء الأنيقة ، ينتظر أخته إلي أن وجدها بعد دقيقة علي مقدمة الدرج
كانت متأنقة بدورها و لكن ردائها لم يخرج عن الألوان القاتمة ، فما زالت فترة الحداد علي أبيها قائمة ..
تهبط "صفية" الدرج بخفة و تصل عند أخيها :
-إيه يا عثمان إتأخرت عليك ؟ .. تساءلت بصوتها الرقيق ، ليجيب "عثمان" بتوتر :
-لأ أبدا ماتأخرتيش يا صافي.
صفية بإستغراب :
-مالك شكلك متخلبط و قلقان كده ليه ؟؟؟
عثمان بإقتضاب :
-مافيش حاجة . متوتر بس شوية !
تضحك "صفية" بشدة و ترد :
-و الله و جت إللي وقعتك بجد يا عثمان . الحمدلله عشت و شوفتك واقع في الحب.
عثمان بإبتسامة صفراء :
-ظريفة أوي إنتي.
-طبعا يا حبيبي إنت تقدر تقول غير كده ؟ .. ثم قالت بجدية :
-المهم إنت أخدت منها معاد و لا هنروح نفاجئها ؟
-لأ ماقولتلهاش أي حاجة . كده أحسن عشان إنفعالها يبقي أقل و تعرفي تكلميها.
-أه يا واد يا خبرة إنت .. و غمزت له بعينها
عثمان بإبتسامة :
-طب يلا يا ظريفة . يلا عشان مانتأخرش أكتر من كده ... !!!!!!!!
......................................................................................
نزلت "نعيمة" من بيتها و إتجهت نحو محل الجزارة و شرارت الغضب تتطاير من عيناها ..
لم تجد إبنها هناك ، فسألت عنه الفتي الذي يعمل عندهم :
-واد يا عبده فين المعلم خميس ياض ؟؟؟
عبده بصوته اليافع :
-المعلم خميس راح لحد كرموز يوصل بضاعة و جاي تاني يا معلمة.
تنهدت "نعمية" بحنق و بالصدفة إلتقطت "فادي" بناظريها ...
-هو الأستاذ فادي رجع من السفر و لا إيه يا عبده ! .. قالتها "نعيمة" و هي تدقق النظر في "فادي" قبل أن يدخل إلي بيته في هذه اللحظة
عبده مؤكدا شكوكها :
-أه يا معلمة لسا راجع إنهاردة الصبح.
نعيمة بإسراع :
-طب روح أندهولي بسرعة . قوله الست نعيمة عايزاك . يـــــــــلا !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
يتوقف "عثمان" بسيارته أمام إحدي متاجر الزهور ...
ينزل و يغيب بالداخل بضعة دقائق ، ليعود حاملا في يده باقة كبيرة من الورود الحمراء الناضجة ، شكلها يبهر الأبصار
يحتل مكانه في كرسي السائق ثانيةً و يعطي الباقة لأخته حتي تمسكها و تحافظ عليها التلف ..
-الله الله علي الرومانسية ! .. قالتها "صفية" و هي تبتسم بشقاوة ، ليرد "عثمان" بضيق مصطنع :
-إسكتي شوية بقي يا صافي . إنتي علي فكرة بتوتريني أكتر بتصرفاتك دي.
ضحكت "صفية" برقة و قالت :
-ياخواتي ياناس . أخويا إتعلم الرومانسية و كمان بيتكسف . لا لا كده كتير و ربنا.
عثمان بسأم :
-ياريتني ما كنت جبتك معايا و الله.
صفية بإبتسامة جدية :
-خلاص يا عثمان . هبطل أعاكسك خلاص . بس بجد أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إللي بيحصلك و هموت و أشوف البنت دي إللي قدرت تكسر غرورك و تخليك تعترف إنك بتحبها . دي أكيد قادرة و قوية يابا ... و ضحكت من جديد
تنفس "عثمان" بعمق و لاحت علي ثغره طيف إبتسامة ، ثم قال بشرود :
-بالعكس . دي أضعف مخلوقة ممكن تشوفيها في حياتك . رقيقة جدا و هشة جدا بس في نفس الوقت قوية جدا جدا . عنيها مركز قوتها عشان بتعكس مشاعرها . أنا ماكنتش متصور إني ممكن أحبها أبدا . كنت شايفها نوع جديد ماجربتوش قبل كده . بريئة . ماكنتش مصدق بردو البراءة إللي فيها . بس لما قربت منها أوي و جمعتنا المواقف . بقيت متأكد مية في المية من برائتها . هي حتة ماسة غالية أوي و جميلة أوي . أنا إللي وسختها . بس هرجعها تاني زي ما كانت . هخليها تلمع من تاني و هحتفظ بيها لنفسي للأبد !
تلاشت إبتسامة "صفية" شيئا فشئ و هي تستمع إلي كلامه و تنظر له بتمعن ، بينما أفاق من شروده و قال ببساطة :
-ماتركزيش يا صافي ماتركزيش.
صفية بدهشة :
-ماركزش إيه بس ؟ إنت وقعت يا عثمان و لا الهوا إللي رماك ؟!!
رمقها "عثمان" بنظره جانبية و قال :
-بطلي بقي . هنتأخر بسبب رغيك ده.
و إنطلق بالسيارة مجددا ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... تحديدا في غرفة "صالح"
يساعد "رفعت" إبنه علي الجلوس في الكرسي المتحرك و هو يقول بلطف :
-طيب إهدا يا صالح . إهدا كفاية إنفعال إنت مش ناقص.
صالح بعصبية :
-يا بابا من فضلك سيبني . قولتلك أنا بقيت كويس و بقف علي رجلي ماتقعدنيش في الكرسي الهباب ده تاني.
رفعت و هو يربت علي كتفه برفق :
-يا حبيبي ربنا يكمل شفاك علي خير ماتجهدش نفسك يا صالح عشان تخف و مايحصلكش مضاعفات.
صالح بضيق :
-يا بابا أرجوك كفاية تعاملني المعاملة دي أنا كويس . أنا بعتلك بس عشان تشوفلي حل المصيبة إللي هببتها.
رفعت بإنفعال :
-يعني هعملك إيه يا صالح ؟ مش إنت إللي فسخت الخطوبة لتاني مرة و قولتلها مش هترجع عن قرارك أبدا ؟؟؟
صالح بندم شديد :
-أيوه أنا قلت كده . بس ندمان . ماكنش قصدي أقولها الكلام ده . أنا بحبها يا بابا صافي دي النفس إللي بتنفسه . مقدرش أعيش منغيرها . أنا بقيت عصبي و صعب بالطريقة دي عشان خايف أخسرها . طول عمري و من صغري و أنا حاططها جوايا بكبرها زي الوردة معايا و أنا بكبر . صافي لو سابتني مش هيبقالي لازمة . الموت هيبقي أهون.
رفعت بغضب :
-بعد الشر عليك . أوعي تقول كده تاني .. ثم أخذ نفس عميق ليهدئ نفسه ، و قال :
-خلاص . أنا هتصرف . هصالحكوا علي بعض أول ما ترجع من برا هجيبها و أجيلك.
صالح بإستغراب :
-ترجع من برا ؟ ليه هي فين ؟؟؟
رفعت بفتور :
-أنا شوفتها من شوية نازلة مع عثمان . أكيد راحوا مشوار سوا.
تنهد "صالح" بحرارة و قال :
-يا رب ماتكونش شالت مني المرة دي . و تسامحني !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في محل الجزارة ...
يدخل "فادي" وراء الفتي الذي أوصل له رسالة "نعيمة" .. تنظر له "نعيمة" من علو و هي تجلس خلف المكتب :
-أهلا يا أستاذ فادي ! .. قالتها "نعيمة" بإلتواء ، و تابعت :
-خطوة عزيزة إتفضل.
مضي "فادي" صوبها و جلس قبالتها ..
-خير ياست نعيمة ؟! .. كان في صوته إستغراب كبير
نعيمة ببرود :
-خير إن شاء الله . إنت طبعا عارف إن عيلة المعلم رجب كل إللي فيها ولاد أصول ماتطلعش من بؤهم العيبة . يعني إستحالة نجيب سيرة حد بالوحش أو نكون سبب في فضيحة.
فادي بنفاذ صبر :
-ست نعيمة . حضرتك بعتيلي . أنا أهو . خير بقي ؟ حضرتك عايزة مني إيه ؟؟؟
نعيمة بإبتسامة ساخرة :
-هقولك يا أستاذ فادي عايزة منك إيه . بقي يا سيدي في إشاعة طالعة اليومين دول بتقول إن المحروسة أختك ... و حكت له ما نقلته لها "شهيرة"
وقف "فادي" عن مقعده فجأة ، و هوي بقبضته علي سطح المكتب ، إبتسمت "نعيمة" بخبث إزاء إهتزاز جسده القوي من شدة الغضب
نظر لها بوحشية و سمعت صوت حشرجة الهيجان تعلو في صدره ..
-إسحبي كلامك ياست إنتي .. زمجر "فادي" بشراسة ، و أكمل :
-إنتي أد أمي و مش عايز إتصرف معاكي بقلة إحترام.
نعيمة بإستهجان :
-إحترام ! إحترام إيه ياخويا إللي جاي تقول عليه ؟ ما أختك عيارها فلت و إللي كان كان . إبقي إترحم بقي علي الإحترام.
فادي صائحا بغضب شديد :
-إخـرســـــي ياست إنتي . إخرسي قطع لسانك . إوعي تجيبي سيرة أختي علي لســـــــانك . أنا إللي يمسها بكلمة بس أكله بسناني و إنتي لو نطقتي حرف زيادة قسمــــا بالله مش هكون مسؤول علي إللي ممكن أعمله معــآاكي !.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في هذا الوقت ... وصل "عثمان" عند بيت "سمر"
ينزل من سيارته و يمشي ناحية أخته ، يفتح لها الباب ، لتنزل "صفية" و هي تصوب عيناها تجاه ذلك التجمهر و الصياح الحاد هناك علي بعد مسافة قليلة ..
-إيه ده يا عثمان ؟ تساءلت "صفية" بصوت يساوره القلق ، ليرد "عثمان" و هو يحاوط كتفيها بذراعه و يشدها نحوه :
-مالناش دعوة يا صافي . تعالي يلا هو ده البيت.
و أخذها و توجه إلي البيت ... صعدا درجات السلم المتعرجة حتي و صلا عند شقة "سمر"
و لكن كان هناك من يتنصت علي صوت خطواتهما و هما يمران علي الطابق الذي تقع به شقة السيدة "زينب" ..
يقف "عثمان" و "صفية" أمام شقة "سمر" ... يأخذ "عثمان" نفسا عميقا ، ثم يمد يده ليدق جرس الباب
لكنه يتوقف فجأة و يتردد في إعادة المحاولة ..
صفية بدهشة :
-الله ! ما ترن الجرس يا عثمان . مستني إيه ؟!
عثمان مجفلا بتوتر :
-حاضر .. و دق الجرس أخيرا
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في شقة الجارة "شهيرة" ...
تقف علي عتبة بابها و تتحدث في الهاتف بصوت هامس :
-أيوه يا أبلة زينب . إنتي فين ؟؟؟
زينب :
-أنا لسا في العيادة يا شهيرة عايزة إيه ؟
شهيرة بتساؤل ممزوج بالقلق :
-قدامك أد إيه ؟؟؟
زينب بتعجب :
-الله ! بتسأليني ليه ؟ في حاجة ؟؟
شهيرة بتوجس :
-أصل في خناقة عندنا في الحتة !
-يا لهوي . خناقة بين مين و مين ؟؟؟
-بين فادي و الست نعيمة مرات المعلم رجب الجزار.
زينب بفجعة :
-يانهار إسوود . و بيتخانقوا ليه ؟؟؟
شهيرة بتوجس أشد :
-مش دي المشكلة يا أبلة زينب . أنا لسا شايفة واحد شكله نضيف أوي . جه و معاه واحده . واقفين و أنا بكلمك دلوقتي قدام شقة سمر .. باينه هو يا أبلة زينب !!!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
عند "فادي" ... ما زال يملأ الشارع كله صياحا و ما زال الجميع يحاولون تهدئته بلا جدوي ، فقد إنفلت عقال غضبه و إنتهي الأمر
-ياض إنت عيب كده إحترم نفسك ! .. قالها المعلم "رجب" بحدة و هو يقف حاجزا بين زوجته و بين الشاب الهائج
فادي بخشونة :
-عــــيــــــــــــــب ! بتقولي أنا عيب يا معلم رجب ؟ قول لمراتك إللي بتخوض في أعراض الناس و بتجيب سيرتهم بكلام و××
نعيمة بلهجة سوقية :
-أنا بردو إللي كلامي و×× ياخويا ؟ روح إتشطر علي أختك يا حبيبي . روح لمها أحسن بدل ما تقف تناطحني بالكلام كده.
إشتد إحمرار وجه "فادي" حتي إنقلب بنفسجيا ..
نطق من بين أسنانه بعنف :
-و الله لولا إنك ست قدامي ما كنت رحمتك و كنت سويتك بالأرض . بس العيب مش عليكي . العيب علي إللي واقف ده و محسوب عليكي راجل.
رجب بغضب :
-يابني أنا عامل حساب للجيرة و العيش و الملح . إكتم بقي بدل ما إقلب علي وشي التآااني !
فادي بتحد سافر :
-إقلب يا معلم . لو راجل إقلب.
يصل "خميس" في هذه اللحظة ..
-إيه يا جدعان في إيه ؟ إيه إللي بيحصل هنا ؟؟؟ .. تساءل "خميس" و يوزع نظراته القلقة علي وجوه والديه و "فادي"
-مالك يا أستاذ فادي ؟ خير ؟؟؟
فادي بنظرات فتاكة :
-إسأل الست الوالدة.
-عمو فادي ! .. قالها صوت صغير جاء فجأة و وقف بجانب "فادي"
نظر "فادي" ليجده "عمر" إبن الجارة "شهيرة" ..
فادي بلهجة مقتضبة :
-نعم !!
الصغير و هو يؤشر بإصبعه تجاه شيئا ما :
-في ناس جم بالعربية دي و طلعوا عندكوا في الشقة . أنا شوفتهم من بير السلم.
نظر "فادي" إلي السيارة الفارهة ، و للحال إنطلق كالسهم صوب منزله ..
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
تأففت "صفية" عندما طالت مدة الإنتظار ..
صفية بضيق :
-عثمان شكل مافيش حد هنا يلا نمشي !
عثمان بملامح مكفهرة :
-إصبري شوية يا صفية .. و عاود دق الجرس من جديد
صفية بتبرم :
-إفففففف . دي المرة العشرين بترن الجرس و محدش بيفتح . أكيد مش جوا تلاقيها راحت للدكتور مثلا .. و أكملت برجاء :
-يلا بقي أنا تعبت من الواقفة و المكان هنا مريب بصراحة يلا يا عثمآااان بليييييز !
عثمان و قد تهدل كتفاه بإستسلام :
-أوك . يلا.
في هذه اللحظة ، سمعا الشقيقان صوت خطوات تصعد الدرج بسرعة كبيرة ، ثم وجدوا ذاك الغريب بوجههم فجأة ..
-أهلا ! مين حضراتكوا ؟؟؟ .. تساءل "فادي" بهدوء شديد و هو يلهث بخفة جراء ركضه السريع
نظرت له "صفية" بريبة ، بينما أجاب "عثمان" بصوته العميق :
-أنا عثمان البحيري . مدير سمر . و دي أختي صفية .. كان يحدثه بثقة كبيرة
فادي بنفس الهدوء :
-أهلا وسهلا يا باشا . أنا بقي فادي . أخو سمر.
عثمان بلباقة :
-أيوه عارفك إحنا إتقابلنا قبل كده بس شكلك إنت إللي ناسي . عموما أنا عرفت إنها عاملة حادثة و تعبانة فقلت لازم أجي أزورها . بس ماكنتش أعرف إنك موجود عشان كده جبت أختي معايا.
فادي و هو يشمل "صفية" بنظرة فاحصة :
-نورتوا !
عثمان بصوت أجش عندما لاحظ نظراته المصوبة نحو أخته :
-بنورك .. أومال هي مش موجودة و لا إيه ؟ بنخبط عليها بقالنا مدة و محدش بيفتح !!
-لأ يا باشا موجودة . تلاقيها نايمة بس .. ثواني.
و مر من جانبه ليفتح باب شقة ..
-إتفضلوا إدخلوا ! .. قالها "فادي" بتهذيب و هو يفتح لهما الباب علي مصراعيه ، و كأنه يفتح لهما عريـــن الأســــد ..... !!!!!!!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم Shaimaa Gonna
في عيادة طبيب الأطفال ...
تجلس "زينب" في قاعة الإنتظار و تضم "ملك" الغافية إلي صدرها ، فيما تمسك هاتفهها باليد الأخري و تطلب رقم "شهيرة" بعصبية
لحظات و جاء صوتها :
-أبلة زينب إنتي فين ؟؟؟
زينب بإنفعال :
-إنتي مابترديش ليه من أول مرة ؟ إيه إللي حصل عندك ؟؟؟؟؟
شهيرة بوجل :
-لسا ماحصلش بس أكيد هيحصل . فادي دخلهم الشقة . هما دلوقتي لوحدهم معاه !
زينب هامسة بنبرة عنيفة :
-يانهار إسووود . إلطف يا رب .. ثم قالت بصوت آمر :
-شهيرة . إدخلي خليكي مع سمر . إوعي تخلي فادي يطولها لحد ما أجي . أنا مسافة السكة أهو.
و قامت بسرعة لتغادر ..
رأتها موظفة الإستقبال فصاحت بدهشة :
-يا حجة . يا حجة دورك الجاي خلاص !!
و لكنها أكملت طريقها بأقصي ما إستطاعت من سرعة ...
ظلت تدعو طوال الطريق بألا يقع أي سوء لتلك العائلة المسكينة ، تضرعت في كل خطوة و مشت في الشوارع تطلب من الناس الدعاء معها
ليهديها عقلها فجأة إلي هذه الفكرة .. تذكرت إنه سبق و إتصل بها ، أمسكت بهاتفهها للحال و بحثت عن الرقم الغريب و أجرت الإتصال به ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
أمام شقة "سمر" ...
يدخل "عثمان" بخطواته الوقورة أولا ... بينما وقفت "صفية" محلها
ترددت في الدخول و هي تنظر إلي "فادي" بشئ من القلق ، لا تعلم لماذا تشعر هكذا حياله .. رغم أنه بدا طبيعيا جدا !
-تعالي يا صافي .. قالها "عثمان" بصوته الهادئ يحثها علي ملاحقته ، لتمد "صفية" ساقها أخيرا و تمر بمحاذاة "فادي" متحاشية النظر في عينيه
يقفل "فادي" الباب بالمفتاح بعد نجاحه في إحتجازهما بشقته و بمنتهي السهولة ... يضع المفتاح بجيبه ، ثم يلتفت نحوهما راسما علي ثغره إبتسامة خفيفة ..
-إتفضلوا أقعدوا .. قالها "فادي" بلطف مشيرا لآريكة توسطت الصالة المتواضعة
أخذ "عثمان" أخته و أجلسها ثم جلس بجانبها ..
وضعت "صفية" باقة الزهور علي الطاولة ، بينما قال "عثمان" متطلعا إلي "فادي" :
-لو سمر نايمة ماتزعجهاش من فضلك . إحنا ممكن نمشي و تبقي تقولها إننا جينا نطمن عليها.
فادي بإبتسامة :
-تمشي ! تمشي إيه بس يا باشا ؟ هو إنت لحقت ؟ أنا هدخل أصحيها . بس الأول لازم أقوم بالواجب معاكوا . تحبوا تشربوا إيه ؟
تبادل "عثمان" نظرات سريعة مع "صفية" ثم عاد إليه و قال :
-شكرا و لا أي حاجة.
فادي بإعتراض شديد :
-لااااا . ده كلام بردو ؟ مايصحش أبدا يا عثمان بيه . لازم تشربوا حاجة.
تنهد "عثمان" بحيرة ، ثم قال :
-خلاص . أنا قهوة مظبوطة . و صافي أي عصير.
إبتسم "فادي" إبتسامة ودية مظهرا أسنانه البيضاء و قال :
-دقايق بس . عن إذنكوا.
عثمان محاكيا إسلوبه الودود :
-إتفضل.
و ذهب "فادي" بإتجاه المطبخ ، لتميل "صفية" في اللحظة التالية صوب أخيها و تهمس قرب أذنه :
-عثمان ! .. أنا عايزة أمشي من هنا.
نظر "عثمان" لها و قال بإستنكار :
-مالك يا صفية ؟ إيه عايزة تمشي دي ؟ هو أنا كنت جبتك غصب عنك ؟ جاية دلوقتي بعد ما جينا و دخلنا و قعدنا تقوليلي عايزة أمشي ؟! .. كان العتاب واضح في صوته
صفية بشئ من الإضطراب :
-ما أخوها هنا . كده كده مش هنعرف نتكلم معاها في حاجة.
-عارف ياستي . هنضطر نأجل الموضوع لبعدين بس مش هينفع نمشي منغير ما نشوفها ! .. و هنا دق هاتفهه
أخرجه من جيب سترته ... كان رقم بدون إسم ، لكنه رد :
-ألو !
أتاه صوت "زينب" الصارخ فورا :
-إمشي من عندك بسرعة . فادي عرف كل حاجة !!!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت "سمر" نائمة ... عندما ولجت "شهيرة" إلي شقة الجارة "زينب"
أقفلت "شهيرة" الباب من خلفها جيدا ، مشت ناحية "سمر" .. و برفق مدت يدها و هزتها متمتمة :
-سمر .. سمر .. أبوس إيدك إصحي يا سمر.
تفتح "سمر" عيناها بتثاقل ، تستغرق ثوان لإستعادة وعيها كاملا ، تنظر إلي "شهيرة" فتتفاجأ برؤيتها ..
-إنتي ! .. قالتها "سمر" بصوت حاد
-إنتي إيه إللي جابك هنا ؟؟؟
جلل الخوف وجه "شهيرة" و هي تجيبها :
-مش وقته يا سمر . مش وقته . قومي بس كده علي حيلك و إدعي معايا المصيبة دي تخلص بسرعة و ماتحصلش كوارث.
سمر مفغرة فاهها بصدمة :
-مصيبة إيه ؟؟؟
رمقتها "شهيرة" بشفقة ... ثم حكت لها ما يحدث بإيجاز
في ثانية كانت "سمر" واقفة علي قدميها المكسورتان ، لم تعد تشعر بالألم ، لم تعد تشعر بأي شئ سوي بالخطر المحدق بها و بشقيقها و ... و بالرجل الذي يدعي زوجها ..
-إستني يا سمر رايحة فين ؟؟؟ .. صاحت "شهيرة" و هي تقبض علي رسغ "سمر" برفق
سمر و هي تشد يدها بعصبية :
-إوووووعي سـيـبـيـنــــــي !
شهيرة برفض :
-لأ أبلة زينب قالتلي ماينفعش فادي يشوفك دلوقتي.
سمر بصراخ :
-بقولك إوووعي من وشـــي.
و دفعتها من طريقها بكل قوتها ، و مشت بسرعة و هي تعرج علي قدم و قدم ..
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
عند "عثمان" ... يغلق الخط و التوتر يجتاحه فجأة ، لأول مرة يتسلل إلي قلبه الشعور بالخوف ، لكنه لم يكن خائفا علي نفسه ، بل علي "صفية"
لقد كان من قمة الغباء .. من عدم الشعور بالمسؤولية أن يعرضها لموقف كهذا ..
إستدار "عثمان" إلي أخته و قال بصوت خافت للغاية :
-جهزي نفسك عشان هنمشي دلوقتي.
صفية بقلق :
-في حاجة و لا إيه ؟!
عثمان محاولا الظهور بمظهر الهادئ :
-مافيش حاجة . بس عشان مانتأخرش.
لم تقتنع "صفية" بكلامه ، لكنها تأهبت للرحيل و أمسكت بحقيبة يدها
جاء "فادي" بعد لحظات حاملا المشروبات بين يديه ... كانت ملامحه متغيرة الآن ، لم تكن ودية إطلاقا ، فقط ساكنة و غامضة بصورة مخيفة ..
-إتفضلوا ! .. قالها "فادي" بصوت عادي و هو يقدم لهما المشروبات
عثمان بإبتسامة خفيفة :
-لأ إحنا أسفين . مضطرين نمشي دلوقتي جالنا تليفون من البيت . إنت إبقي بلغ سمر إننا جينا نزورها و لاقينها نايمة . إن شاء الله هنكرر الزيارة تاني .. يلا يا صافي !
و أمسك بيد أخته ، لكن جمده صوت "فادي" قبل أن يقوم من مكانه :
-تمشي إزاي يا باشا . قولتلك هدخل أصحيها . خليك مكانك لو سمحت .. كان صوته فيه طابع الحدة الآن
عثمان بشئ من التوتر :
-معلش . قولتلك هنبقي نكرر الزيارة تاني .. و شد "صفية" ليوقفها معه
في هذه اللحظة ، و من دون أن يعرف "عثمان" ماذا حدث أو متي حدث .. وجده يظهر سكين حاد النصل من خلف ظهره و يشهره بوجهه هو و أخته ..
-فين العقد العرفي يا عثمان بيه ؟؟؟ .. تساءل "فادي" بخشونة و قد غدت نظراته مظلمة تماما
إنتفض "عثمان" للخلف ، فيما إمسكته "صفية" من ظهره و سحبته بعيدا عن ذلك المجنون و هي تزدرد ريقها بخوف شديد ..
-إيه إللي بتعمله ده يا فادي ؟ إنت إتجننت ؟! .. قالها "عثمان" بحدة تناقض الوجل الذي يجيش بأعماقه ، ليصيح "فادي" و هو يمد يده الأخري و يجتذبه بعنف من ياقة سترته :
-بقولك العقد العرفي فـيـــــن يا عثمان ؟ .. بـيــه !
تتدخل "صفية" عتد ذلك ، فتقول بعدائية شديدة :
-إنت سيبه . سيب أخويــا ..
-إسكتي يا صفية ! .. قاطعها "عثمان" بحزم ، و تابع مع "فادي" بلهجة جامدة :
-عقد إيه إللي إنت تقصده ؟ مافيش عقود.
فادي و هو يشده من سترته بعنف أكبر :
-إنت هتستعبط عليا ؟ أنا خلاص عرفت كل حاجة . وديني ما أنا سايبك إنهاردة.
تصيح "صفية" به من جديد :
-قولتلك سـيـبـه . عارف لو لمسته !!!
نظر لها "فادي" و قال بإسلوب أرعن لا يناسبه بتاتا :
-بتأدي حلو إنتي يا بنت الـ××××××××× جايبك تمثلي دور الأخت.
جحظت عينا "صفية" بذهول عندما سمعت الوصف الذي نعتها به ، بينما طغي الغضب علي "عثمان" الآن فزمجر بشراسة و هو يدفعه عنه بقوة :
-لأ .. لحد هنا و عندك . إوعي تغلط تاني و تقولها الكلام القذر ده . و بعدين دي أختي . مش ممثلة . عثمان البحيري مابيكدبش و لا بيمثل.
فادي بإبتسامة شيطانية :
-أختك بجد ؟ .. طيب . زي الفل . إنت كده وفرت كتير عليا !
نظر له "عثمان" بغضب ، و خرجت من حنجرته زمجرة ضارية
إهتز باب الشقة بعنف هنا من شدة الطرق عليه ، و جاء صوت "سمر" صارخا من الخارج :
-فــــــــــآااااااااااااااااااادي . فـــــــــــــــآااااااااااااااااااادي . إفـتــــح . إفــتــح الـبـاب !
إتجه "فادي" نحو الباب و فتحه بسرعة .. أمسك "سمر" من شعرها و جرها للداخل صائحا :
-تـعـآالـي ياختي . إدخـلـي . دورك جآاي.
كانت "سمر" تصرخ الآن ، لكنها حررت نفسها منه عندما إلتقطت "عثمان" بعيناها و تأكدت من إدعاء "شهيرة" ..
-إيه إللي في إيدك ده ؟؟؟ .. قالتها "سمر" بصدمة حين رأت السكين بيد أخيها
-إرمي الزفتة دي . إنتي عايز إيه ؟ عايز تودينا في ستين داهية ؟ إرمـــي إللــي فــي إيــدك بــقــولك.
إبتسم "فادي" بإستفزاز و قال :
-مش عيب يا سمر تدخلي كده و ماتسلميش علي ضيوفنا . أكيد تعرفيهم طبعا . عثمان بيه و أخته .. سلمي عليهم عيب كده.
نظرت "سمر" إلي الفتاة المذعورة التي وقفت بجانب "عثمان" و تمتمت بصدمة مضاعفة :
-أخته !
فادي بخبث :
-شكلك ماكنتيش تعرفيها بقي . بس تعرفي إنها زي القمر . شبه الباشا أخوها بالظبط .. و شدد علي أخر كلمة
ليمد "عثمان" يده إلي الوراء مشيرا لأخته كي تقف خلفه مباشرةً ..
-خليها تنزل و أنا قاعد معاك ! .. قالها "عثمان" بصوته العميق و قد حرص علي الإحتفاظ بنبرة القوة فيه
صفية و هي تتشبث بثياب أخيها بأصابع مرتجفة :
-مش هاسيبك لوحدك يا عثمان !
عثمان بصرامة :
-إسكتي إنتي .. إسمعي الكلام . هتنزلي و تروحي علطول و أنا جاي وراكي.
قهقه "فادي" بسخرية و قال :
-تنزل إيه ياباشا ؟ هو ده ينفع بردو ؟ و رحمة أمي ماحد هينزل من هنا قبل ما تاخدوا واجبكوا .. ثم أكمل و هو يحدجه بنظرات مستعرة :
-و بالذات أختك . لازم نكرمها . زي ما كرمت أختي بالظبط.
في هذه اللحظة كشر "عثمان" عن أسنانه متخذا وضعية الدفاع ، بينما تصدت "سمر" لأخيها صارخة و هي تدفعه في صدره :
-إنت مجنوووون . إيه إللي إنت بتقوله ده ؟؟ فووق عايز تعمل إيـــه ؟؟؟؟
فادي صائحا بوحشية :
-عايز أعمل إللي عمله معاكي . إيه ؟ مش ده العدل ؟ قوليلي إنه ماعملش حاجة . قوليلي إني فاهم غلط و أنا هاسيبه و هاسيب أخته و مش هاجي جمبها . قـــــوولي يا ســـــمـــر !
أخرسها إلحاحه ، لم تقو علي الكلام .. إذ كانت نظراته غير المصدقة لها ، و تشجيعه لها بأن تنفي الأمر و تقول إن ما من شئ حدث .. كل هذا كان أشد إيلاما بمراحل من ألم جسدها ..
-يعني صح ؟! .. قالها "فادي" مصعوقا عندما صار متأكدا مما سمعه
-الكلام إللي سمعته صح يا سمر ؟؟؟ رررررددي عــلــيــآاا !
تغضن وجهها بمرارة و إمتلأت عيناها بالدموع ، ليكمل "فادي" و هو يهز رأسه بعدم تصديق :
-مستحيل .. أنا كنت شاكك . قلبي كان حاسس .. بس كنت بقول لأ . مش ممكن سمر تعمل كده . مش ممكن .. معقولة إنتي تعملي كده ؟؟؟؟؟
إعتصرت جفناها بألم شديد و لم ترد ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في محل الجزارة ...
ما زال التجمهر كما هو ، و حين نشب الصراخ و الصياح أتيا من منزل "سمر" وقفت "نعيمة" بمنتصف الحلقة و رفعت نبرة صوتها و هي تقول بإنتصار :
-سآاااااامعين ؟ سآااامعين يا أهل الحتة ؟ طلعت أنا كدابة دلوقتي ؟ طلعت أنا المفترية ؟ خلاص يا معلم رجب ؟ خلاص يا خميس ؟ خلاص بيقتوا متأكدين من كلامي ؟؟؟
تدفق الدم حارا مغليا في عروق "خميس" و إنقبضت عضلات فكاه بقوة و هو يحملق في نافذة بيتها
لم يشعر بنفسه في اللحظة التالية إلا و هو يندفع صوب درج الآلات الحادة الخاصة بالجزارة ... بدون تردد أخذ الساطور ( سكين عريض ثقيل ذو حدٍ واحد يـُـكسر به العظم ) و إنطلق نحو المنزل متجاهلا نداءات والديه الملتاعة ..
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وقفت "سمر" بين "عثمان" و "فادي" تصارع تارة و تستجدي تارة ..
-بالله عليك . بالله عليك يا فادي لأ . سيبه يمشي عشان خآاطري !
يرمقها "فادي" بنظرات محتدمة و يجذبها من ذراعها صائحا :
-إنتي لازقالي فيه كده ليه ياختي ؟ صعبان عليكي ؟ بتحبيه ؟ وديني هدبحه قصاد عينك و بعدين هشرب من دمك بعديه.
سمر برجاء و قد هطلت دموعها كالشلالات :
-طيب بلاش عشان خاطري . عشان خاطر ملك . هتروح في داهية . هي مالهاش غيري أنا و إنت.
يدق باب الشقة في هذه اللحظة و يقاطعهم ..
-إفتحوآاا الـبـاب ! .. كان صوت "خميس"
إبتسم "فادي" بشر و ذهب ليفتح له :
-تعالي . خش .. قالها "فادي" بترحاب شديد ، ليدخل الأخير و علامات الإجرام تتسيد قسمات وجهه
كان يبحث عن "عثمان" و عندما وجده ، غمغم بصوت كالفحيح :
-هو ده ؟ هو ده يا سمر ؟؟؟ .. و رفع يده التي تحمل الساطور في حركة إستعدادية
رأت "سمر" هذا فلطمت خديها و صرخت برعب :
-لأاااااااااااااااااا.
صرخت "صفية" بدورها و قد إنتابتها حالة عصبية و هسترية شديدة :
-عثمآاان . لأ . هيقتلوك . هيقتلوك يا عثمآااان لأ . لأااا.
ضغط "عثمان" علي يدها و قال بلطف :
-ششششش إهدي . إهدي يا صفية .. كانت عيناه معلقتان علي الدخيل الجديد
إقترب "فادي" من "خميس فظهرها و كأنهما قد شكلا حلفا ما بعد العدواة التي كانت بينهما ..
-هسيبهولك يا خميس .. قالها "فادي" رابتا علي كتفه ، و تابع بإبتسامة ماكرة :
-علي عيني . عشان بس هكون مشغول مع أخته !
زمجر "عثمان" أشد من ذي قبل و قال بغضب شديد :
-لازم تعدي فوق جثتي الأول قبل ما توصلها.
فادي بإبتسامة مرحة :
-و هو كذلك .. و نظر إلي "خميس" و كأنه يعطيه الإذن
في لحظة إندفاع ذلك الهمجي ، إستدار "عثمان" في لمحة و أمسك بأخته .. دفعها بقوة داخل إحدي الغرف و أغلق الباب عليها ...
ظلت "صفية" تحاول فتح الباب دون فائدة ، ظلت تصرخ بإسم أخيها و هي تسمع هذه الأصوات المخيفة في الخارج
كانت علي شفير الإنهيار ، و لم تعرف كيف أخرجت هاتفهها و جلبت رقمه و إتصلت به .. حتي لم تعرف كيف خرج صوتها المخنوق بهذا الوضوح :
-صآاااااااالح . إلحقنا يا صآاالح !
..................................................................
وصلت "زينب" إلي المنزل أخيرا ...
لم يجذبها الحشد الكبير في الشارع و الذي جمع كل الفضوليين و المتطفلين من الجوار ، صعدت طوابق البيت بسرعة رهيبة و مستحيلة بالنسبة لإمرأة في سنها
قادتها حاسة السمع خاصتها إلي أمام شقة "سمر" حيث رأت كل من "شهيرة" و السيدة "نعيمة" و المعلم "رجب" جميعهم يقفون تسيطر عليهم حالة رعب شديدة و هم يحاولون بلا فائدة إقناع من بالداخل بالكف عن كل ما يحدث و الخروج الآن
إنتبهت "نعيمة" لوصول "زينب" فإستقبلتها فورا ..
نعيمة بصوت مجلجل و قد سالت الدموع من عيناها :
-تـعـآااااااااااالي . تـعـآااااالي يا زيـنـب . تعالي شوفي إللي بيجرا و إفرحي أوي بالعيلة إللي بتحميهم و بتخافي عليهم . عايزاكي تفرحي بالمجزرة إللي بتحصل جوا . بس و ربنا لو إبني حصله حاجة هاخد عمرك و عمر إللي أواياهم في بيتك.
تعطي "زينب" الصغيرة "ملك" لـ"شهيرة" و ترد لاهثة بذعر :
-إيه إللي حصل ؟ إيه إللي بيحصل ؟؟؟
نعيمة بصراخ :
-إطرشيتي ياختي ؟ مش سامعة المصايب إللي بتحصل جوآاا .. و لم تتمالك "نعيمة" نفسها أكثر و إنهارت باكية بحرارة شديدة
-إبني هيروح مني يا خلق .. غمغمت بنواح ، ليقول "رجب" بتوتر و هو يزيحها من أمامه :
-إحنا مش هنفضل واقفين نتفرج كده . أنا هنزل أجيب الصبيان يكسروا الباب ده ! .. و ذهب
بينما تساءلت "زينب" بشحوب :
-سمر .. البت سمر فين ؟؟؟
أجابتها "شهيرة" بمزيد من الخزي و الخجل :
-و الله . و الختمة الشريفة مسكت فيها و قولتلها بلاش بس ماسمعتش كلامي.
" لأ " .. كانت تود "زينب" أن تقولها لو وجدت القدرة علي علي فتح فاهها و الكلام ، لكنها لم تشعر إلا و هي ترمي بنفسها صوب باب الشقة و صوتها قد خرج نائحا بصورة تلقائية :
-فـــــــــآااااااااااااادي . يــآااااابـني . إفتح البـآاااااااب . يابني الله يخليك . إفــتـــح !
هكذا إستمر هتاف "زينب" و نداءات توسلها .. و لا من مجيب
مزقها الآلم إربا و فاضت دموعها إنهارا و هي تستمع إلي صراخ و عويل "سمر" المتواصل .. أصوات العراك .. بكاء "ملك" .. نواح "نعيمة"
أيقنت "زينب" أن الخسارة واقعة لا محالة ، حتما هناك من سيموت الليلة ، لن يمر هذا بسلام أبدا ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... عندما دق هاتفهه و رأي إسمها ، شعر بصدمة لذيذة و ظهرت نبضات قلبه في عينيه
رد "صالح" بسرعة و تلهف :
-صآافي . صآافي حبيبتي . أنا أسف يا صافي ماكنش قصدي آاا .. قاطعه صراخها الحاد :
-صآااااااااااالح . إلحقنا يا صآااااالح !
صالح منتفضا بذعر :
-صـفـيــــة . مـالك ؟ فـي إيـه ؟؟؟؟
صفية بنشيج مخنوق :
-عـ . عـثمآاان . عثمآاان قتلوه . أه قتلووه.
صالح بصدمة :
-بتقولي إيه ؟؟ إنتوا فـيـــن ؟ إنتوا فـيـن يا صـفـيـة ؟؟؟؟؟
تمتمت "صفية" بنبرة مرتبكة متداخلة الأحرف ، ليقاطعها "صالح" قائلا بصوت آمر :
-صفيـــة ! بالراحة . قوليلي العنوان.
صفية بصوت كالأنين :
-ماعرفش العنوان !
صالح بعصبية :
-قوليلي أي حاجة . أوصفيلي المكان المنطقة أي علامة مميزة !!
تأتأت "صفية" و هي تجاهد لتقول له بتركيز :
-فـ في مـ محـ ـطة الـ الرمـ ـل . في الـ ـشـوارع إ إللي مـ من جوا خآلص.
صالح و هو يقفز من مكانه فورا :
-طيب إهدي . إهدي يا حبيبتي . أنا جايلك حالا . خليكي معايا ماتقفليش . أنا جايلك بسرعة ماتخافيش يا صافي .. ثم أبعد الهاتف عن أذنه قليلا و صاح بصوت إرتجت علي إثره نوافذ و أبواب القصر كله :
-بـــآااااابــآااااااااااااااااااااااااااااااااااا !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
كان العراك علي أشده ... و قد أظهر "عثمان" مهارة بالغة ، كان شديد التركيز و لم يزل أبدا حتي الآن ، كل شئ كان مجرد مناورات و مناوشات .. لم يستطع أحدهم التغلب علي الأخر حتي هذه اللحظة
كانت "سمر" راكعة علي ركبتيها هناك بعيدا عن ساحة القتال ، جسدها يتقلص و ينقبض ، رأسها يكاد ينفجر من شدة الآلم و هي تري كل هذا يحدث أمام عيناها
كل ذرة و كل جزء منها إستسلم للأمر الواقع .. إلا صوتها ، لم يتوقف عن الصراخ أبدا ... صراخ هستيري لا جدوي منه و هي تعلم ذلك جيدا
و رغم أنها حاولت أن يكون وجودها مفيدا .. حاولت أن تقوم و تضع نفسها بين الرجال الثلاثة ، و لكن ساقاها لم تطيعانها أبدا
كما لم تستجب لها عيناها عندما إرادت تحويل نظرها عما يحدث ، و كأن العذاب سائل مـُر في كأس ، و هي مجبرة علي تجرعه من البداية إلي النهاية ..
علي بعد مترين تقريبا منها كانت الرقصة الثلاثية لا تزال مقامة .. كان "عثمان" يماشي حركة أقدام الرجلان كالظل مدافعا عن نفسه في المقام الأول لسببين
أولا ، لأنه لا يريد إيذاء "فادي" شقيق "سمر" فلو حدث ذلك سوف تتسع الفجوة بينهما و سيبقي هذا فراقا إلي الأبد
و ثانيا ، لأنه سمع شقيقته تتحدث إلي "صالح" و تصف له موقعهم و من المؤكد أنه في طريقه إلي هنا الآن ، لذا فهو يكسب بعض الوقت مستعينا بخبرته الواسعة في الألعاب الرياضية و ما تعلمه في صغره من تدريبات الدفاع عن النفس و الفنون القتالية
تلك أشياء نفعته في هذه المحنة لولاها لخر صريعا من أول محاولة لقتله بهذه الآلات الحادة المتربصة له سواء التي ييد "فادي" أو "خميس"
بالطبع لم يستمر دوره البطولي طويلا ، حيث نجح "فادي" ببعض الحركات في أن يلهو بخيوط إنتباه "عثمان" ... و فجأة
حدثت ثلاثة أشياء في وقت واحد ...
شن "خميس" هجومه السريع علي "عثمان" .. فأطلق "عثمان" زعقة ألم حادة و هو يقع علي ركبيته .. و صرخت "سمر" صرخة مدوية حين رأت الدماء تسيل من كتف زوجها المجروحة
و بلحظة إنقطعت صرختها ، و زاغت عيناها ،
ثم وقعت في الهاوية و إبتلعتها الظلمة ... سقطت "سمر" مغشيا عليها ، ليجأر "عثمان" بأعلي صوته :
-ســــــــــمـــــــــــــــــــــر !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في السيارة الـJeep Grand الضخمة .. إحدي ممتلكات عائلة "البحيري" الثمينة
يجلس "مراد" في الكرسي المجاور لكرسي السائق ، بينما يجلس "صالح" في الخلف بجانب والده
لا تزال "صفية" معه علي الخط ، يطمئن عليها بين الحين و الأخر ، حتي سمعها تصرخ صرخة أخيرة و لم يعد صوتها بعد ذلك ..
-صـفـيـة ! .. هتف "صالح" ملتاعا ، و تابع :
-صـفـيـة . إيه إللي حصل ؟ روحتي فين ؟ صـفـيـــــــــة !!!
-في إيه يا صالح ؟! .. تساءل "رفعت" بقلق
صالح برعب شديد :
-ماعرفش . ماعرفش مابتردش عليا .. و أكمل بغضب :
-كله منه . الحيوآاان أخوها كله منه . و رحمة أمي لو كان لسا حي لأقتله هــقـتـــلـــــــه.
مراد بتبرم :
-إحنا في إيه و لا في إيه يا صالح ؟ و بعدين هو ماله عثمان ؟ حد عارف إيه إللي بيحصلهم بالظبط ؟!
صالح بإنفعال :
-أيا كان إللي بيحصل ده إنسان عديم المسؤولية . إزاي يودي أخته في حتة زي دي و يعرضها للموقف ده !!
رفعت بتوتر ممزوج بالعصبية :
-طيب خلاص يا صالح خلاص . إحنا قربنا إن شاء الله هنلحقهم.
إلتفت "صالح" إلي والده و قال بصوت معذب :
-بابا إطلب البوليس . أنا مش مطمن.
رفعت بعصبية أكبر :
-يعني هو البوليس هيبقي أسرع مننا دلوقتي ؟ و بعدين هو إحنا عارفين إبن عمك عمل إيه ؟ مش جايز عامل مصيبة هنوديه في داهية بإدينا ؟؟
صالح بغضب :
-إن شاالله يروح في ستين داهية مايهمنيش . أنا إللي يهمني صافي.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
يصعد المعلم "رجب" ثانيةً عند شقة "سمر" ... جلب معه ثلاثة من صبيانه الأشداء
فض تجمع النساء و هو يقول بصوته الخشن :
-إوعي يا ولية منك ليها . إوعوا من السكة ! .. ثم إستدار نحو صبيانه و أمرهم :
-إكسرولي الباب ده.
و في خلال ثوان ، كان باب الشقة مخلوعا من إطاره ، و كانت "زينب" أول المقتحمين تليها "نعيمة" ثم "رجب" و "شهيرة" ..
أمر "رجب" رجاله للمرة الثانية بالإمساك بإبنه و "فادي" ففعلوا رغم أن الفض بين الثلاثة رجال كان صعب جدا خاصة و إنهم إزدادوا شراسة و علي وجه التحديد "عثمان"
لم تعيقه إصابته عن التعامل مع هؤلاء ، بل إستطاع التغلب عليهم و تجريدهم من أسلحتهم ، إنقلبت الموازين و أصبح هو من يشكل الخطر عليهم .. و لكنه لم يحاول أن يؤذيهم فقط من أجلها
في اللحظة التالية رمي "عثمان" الآلات الحادة من يده ، و أسرع لاهثا نحو الغرفة التي حجز أخته بداخلها ، بينما هرعت "زينب" نحو "سمر" تتفحصها بذعر و تري ماذا أصابها بالضبط ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في هذا الوقت ... وصلت فرقة الإنقاذ ، فوقف جميع سكان المنطقة ينظرون بإنبهار شديد إلي سلسلة السيارات الفخمة التي إصطفت تباعا أمام منزل السيدة "زينب"
نزل "صالح" من السيارة مستندا علي عكازيه و هو يقول :
-أكيد هو ده البيت . سامعين الدوشة إللي فوق ؟؟؟ .. و أشار إلي إحدي الشرفات المفتوحة بالأعلي
بإشارة واحدة من يد "رفعت" تجمع كل أفراد الحراسة و وقفوا أمامه ..
رفعت بصوت صارم :
-عايز شوية هنا قدام باب البيت و الباقي بسرعة علي فوق !
و بينما كان يحدث كل هذا ، تعالت الهمسات و الهمهمات النسائية ، فواحدة تقول :
-يالهوي ياختي . شايفة إللي أنا شايفاه ؟؟؟
ترد الثانية :
-شايفة ياختي . دي باينها ليلة سودا مش هتعدي.
الأولي :
-طلعت الإشاعة حقيقية و البت سمر صحيح غلطت مع البيه صاحب الشركة إللي بتشتغل فيها . الله أعلم يمكن غواها.
الثانية بسخرية :
-غوا مين يا حبيبتي ! دي أكيد هي إللي رمت روحها عليه إيش جاب لجاب . إنتي عارفة مين العيلة دي ؟؟
الأولي بفضول :
-لأ ياختي ماعرفش . مين ؟؟؟
الثانية بغيظ :
-عيلة البحيري . أكابر إسكندرية يا حبيبتي البت لعبتها صح.
الثانية بتساؤل :
-بس تفتكري ممكن يتجوزها ؟؟؟؟
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت "صفية" مستكينة في حضن "عثمان" ... عندما وصلوا بقية أفراد العائلة
-صـافـي ! .. قالها "صالح" بتلهف حين وقعت عيناه عليها ، و فورا مضي صوبها
فيما إكتظ المكان بالكثير من الناس ، و البعض أظهر خوفه من طاقم الحراسة الأشبه بقطيع من الثيران البشرية ، ولج "رفعت البحيري" بخطوات مضطربة ، لكنه أطلق زفرة إرتياح عندما شاهد أولاد أخيه بخير و بخاصة "صفية" ..
-إيه إللي حصل يا عثمان ؟ .. تساءل "رفعت" بغلظة و هو يرمق جميع الغرباء هنا بنظرات دموية
عثمان بلهجة هادئة :
-مافيش حاجة يا عمي . كله تمام.
و هنا إنفجر "صالح" بغضب شديد :
-يعني إيه مافيش حاجة ؟ آا ..
-صالح ! .. قاطعه "رفعت" بحزم دون أن يحيد بنظره عن "عثمان" و أكمل :
-أومال مال دراعك ؟؟؟
عثمان بنفس الهدوء :
-دي حاجة بسيطة !
إنضمت جماعة أخري إليهم في هذه اللحظة ، فبرز صوت "رجب" قائلا بحنق :
-مين إللي بلغ البوليس ... ؟؟؟!!!!!
لم يتسني لأحد أن يجيبه ، ليقول ضابط الشرطة الذي تقدم عساكره بوقار :
-كله يثبت مكانه و محدش يتحرك .. كان صوته حادا ، إلي أن رأي "رفعت"
صاح بدهشة :
-رفعت بيه البحيري ! .. خير يافندم إيه إللي حصل ؟ حد هنا إتعرض
لحضرتك ؟؟؟؟!!!!
نظر "رفعت" إلي "عثمان" حائرا و لم يجب ..... !!!!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الثلاثون 30 - بقلم Shaimaa Gonna
في قصر آل"بحيري" ... يقف كلا من "رفعت" و "مراد" أمام جناح "عثمان" ينتظران خروجه بصبر نافذ ليتحدث و يشرح أسباب كافة الأحداث التي وقعت اليوم
ينضم "صالح" لهما فيما بعد ... كان آتيا من غرفة "صفية" تركها لتنام بعد ما هدئها و إطمئن عليها :
-أومال فين الباشا ؟؟؟ .. تساءل "صالح" بتجهم ، ليرد "مراد" بملامح عابسة و قد بدا مستغرقا في التفكير :
-لسا جوا مع الدكتور !
صالح بحنق :
-الغبي الحيوان . كان هيضيع أخته . أنا لحد دلوقتي مش مصدق إنه عمل كده و غامر بيها . إزاي بقي بالغباء ده فجأة ؟؟؟
رفعت بصوت صارم :
-خلاص بقي يا صالح . إحنا لسا مانعرفش إيه الحكاية بالظبط . لما يطلع هيحكلنا.
صالح بإنفعال :
-و هو لسا هيحكي ؟ ما خلاص كل حاجة إتعرفت . البيه كان متجوز عرفي و الدنيا كلها كانت عارفة . إحنا بس إللي كنا نايمين علي ودنا غفلنا حضرته.
كان أول صعق لهذه التصريحات هو "مراد" ... بالطبع أنه يعرف صديقه جيدا و يتوقع منه أي شئ ، و لكن الزواج العرفي !!
-إنت عرفت الكلام ده منين يا صالح ؟ .. قالها "مراد" بتساؤل
صالح بإمتعاض :
-صافي حكتلي . و قالتلي كمان إن الخبر كان هيتنشر في الجرايد بس الباشا لحقه.
رفعت بصدمة :
-كل ده حصل من ورانا ؟ و من ورا أبوه لما كان عايش ؟؟!!
صالح بغيظ شديد :
-بني آدم أناني و غبي . و كلكوا إللي شجعتوه علي كده من كتر ما كنتوا بطرمخوا علي بلاويه و بتسكتوا.
رفعت بضيق ممزوج بالعصبية :
-خلاص يا صآالح . كفاية لو سمحت !
يخرج "عثمان" في هذه اللحظة مع الطبيب .. و يسمع الجميع التوصيات التي شدد عليها الرجل المسن :
-هي بخير يا عثمان بيه ماتقلقش . بس أهم حاجة ترتاح خالص طول الفترة الجاية و لازم تواظب علي الڤيتامينات و تتغذي كويس عشان البيبي.
يتجاهل "عثمان" همهمات الصدمة المتصاعدة و يتابع مع الطبيب :
-يعني خلاص يا دكتور مافيش أي خطر عليها أو علي البيبي ؟؟؟
الطبيب بجدية :
-بإذن الله لأ مافيش خطر . أهم حاجة بس زي ما قلت لحضرتك لازم توفرلها الراحة التامة و تاخد العلاج في معاده . و حضرتك كمان لازم تغير علي دراعك كل يوم و بعد إسبوع هبقي أشوفك إن شاء الله.
عثمان بإبتسامة خفيفة :
-شكرا يا دكتور .. ثم نظر إلي "مراد" و أكمل :
-مراد وصل الدكتور لو سمحت !
رمقه "مراد" بنظرة متصلبة ، لكنه نفذ طلبه و تقدم الطبيب ليوصله عند الباب حتي لا يتوه بمتاهة هذا القصر الخرافي ..
-ممكن بقي تفهمني إيه الحكاية بالظبط يا عثمان ؟ .. قالها "رفعت" بصوت حاد بعض الشئ
نظر له "عثمان" و قال بفتور :
-حكاية إيه ؟ مافيش حكاية يا عمي.
رفعت بإنفعال :
-يعني إيه إللي بتقوله ده ؟ أومال الكوارث إللي حصلت إنهاردة دي تبقي إيه ؟ و أختك إللي كانت هتضيع ؟ و سيادتك إللي كنت هتتقتل ؟ يابني إتكلم و فهمني عشان لو واقع في مشكلة أعرف أساعدك.
تنهد "عثمان" و قال ببرود :
-إطمن يا عمي . أنا ماعنديش أي مشاكل.
رفعت بحنق :
-طيب علي الأقل قولي مين دول إللي أصريت تجيبهم هنا معانا !!
صمت قصير ... ثم قال "عثمان" بجدية تامة :
-إللي أصريت أجيبهم هنا يبقوا مراتي و أهلها.
رفعت بذهول :
-يعني صحيح إتجوزت منغير ماتقولنا ؟؟؟
حك "عثمان" رأسه بتفكير و قال ببطء :
-مش بالظبط كده . بس هي مراتي و بكره الخبر هينزل في الجرايد.
كاد "رفعت" يقول شيئا أخر ، ليسرع "عثمان" و يقاطعه بصرامة :
-عـــمـــي ! . الست إللي جوا دي تخصني أيا كانت طريقة إرتباطي بيها . و أيوه حصل سوء تفاهم إنهاردة بس إتحل . و كل حاجة هتتحل و إللي حصل مش هيتكرر تاني . إطمن .. ثم أكمل بنبرته المخملية :
-و دلوقتي بقي هطلب من حضرتك تكلم المأذون.
رفعت بإستغراب :
-مأذون ؟ و عايز المأذون ليه يابني ؟!
عثمان بإبتسامة :
-عشان يكتب كتابي.
رفعت بتعجب :
-إنت مش قلت إنك متجوز ؟؟!!
يميل "صالح" علي والده في هذه اللحظة و يتمتم بغيظ و هو يصوب نظراته المحتقنة إلي "عثمان" :
-أنا مش لسا قايلك إنه متهبب متجوز عرفي . أكيد عايز يحول الجواز من عرفي لرسمي !
زم "رفعت" شفتاه و قال بإقتضاب :
-أوك يا عثمان . هكلم المأذون حاضر.
أومأ "عثمان" رأسه مستحسنا ، ثم سأله :
-أومال فين أخوها و أختها صحيح ؟ وديتوهم فين ؟؟؟
رفعت بنفاذ صبر :
-أخوها في الجناح القديم إللي تحت و أختها مع هالة في أوضتها.
إشتدت عضلات فك "عثمان" و هو يحاول أن يداري إبتسامة قبل أن تظهر ، و قال :
-أوك . شكرا يا عمي . أنا رايح أبص علي صافي دلوقتي تكون حضرتك كلمت المأذون.
و مشي عبر الرواق الرواق الطويل قاصدا غرفة أخته ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في غرفة "صفية" ...
تخرج من مرحاضها المستقل و هي ترتدي قميص نومها المنسوج من الحرير .. تمشي صوب سريرها و تتهالك فوقه ، لم تنسي أن تأخذ حبة المنوم التي طلبتها من الطبيب
قد تكون الليلة هادئة و الوضع علي ما يرام الآن ، و لكنها هي ليست علي ما يرام إطلاقا ..
أطفأت نور الغرفة و راحت تحاول النوم ، و لكن أعصابها لا تزال مشدودة .. فأطلقت تنهيدة حارة و أخذت تتأمل السقف العال في إنتظار أن يثقل جفناها من تأثير الحبة التي إبتلعتها
سمعت طرقا خفيفا علي باب الغرفة ..
-إدخل ! .. قالتها "صفية" بصوت ضعيف
-نمتي يا حبيبتي ! .. و إنفتح الباب قليلا ، لتري "عثمان" و الضوء الخارجي منعكس علي وجهه و ذراعه الملفوف بالشاش و المعلق برقبته
-ممكن أدخل ؟! .. سألها بتردد
صفية بصوت متحشرج :
-أه طبعا . تعالي يا عثمان.
ولج "عثمان" و مشي ناحيتها و يقول :
-إنتي مالك مضلمة الأوضة كده ؟
أضأت "صفية" مصباحا صغيرا بجانبها و غمغت بتعب :
-بساعد نفسي علي النوم . كان يوم Distressful ( عصيب ) أووي . المهم قولي دراعك عامل إيه ؟
عثمان بشئ من الإرتباك :
إستغربت "صفية" مظهر الإحراج الذي بدا علي أخيها ، فقالت بإستغراب :
-إيه يا عثمان ؟ مالك يا حبيبي ؟؟؟
أطرق "عثمان" رأسه بخزي و قال :
-أنا آسف يا صافي . آسف علي كل لحظة خوف و رعب إنتي عشتيها إنهاردة . آسف إني عرضتك للموقف ده . دي غلطة عمري و صدقيني لا يمكن أغفرها لنفسي . بس إللي عايزك تعرفيه و تتأكدي منه كويس . إني مستحيل كنت أسمح لأي حد يلمسك أو يقرب منك . إستحالة ده يكون و أنا عايش لازم أكون ميت عشان يحصل.
صفية بدموع :
-بعد الشر عليك يا حبيبي . أنا مانكرش إني كنت خايفة علي نفسي . بس خوفي عليك إنت كان أكبر . في الحقيقة كنت مرعوبة عليك . بعد بابي مابقاش ليا غيرك و مامي كمان مالهاش غيرك . إنت ضهرنا في الحياة منغيرك نقع و مانقومش تاني.
تطلع إليها و إبتسم بمرارة :
-أنا كنت غبي أوي . كنت هضيعك بإيدي . فعلا علي رأي صالح طلعت إنسان مش مسؤول.
صفية برجاء :
-بليز كفاية . ماتحملش نفسك كل ده إنت مش غلطان خالص يا عثمان صدقني بالعكس إللي عملته هو الصح و وجودي معاك كان مفيد جدا.
عثمان بإستغراب :
-إزاي يا صفية ؟؟؟
-لو ماكنتش معاك كان زمانك إتأذيت أكتر من كده . أنا إللي كلمت صالح و عرفته مكانا إنت مستحيل كنت هتعرف تعمل كده .. و أكملت بحزن :
-أنا بس الموقف نفسه هو إللي تاعبني . أعصابي بايظة أووي و لسا مخضوضة !
إقترب "عثمان" منها و ضمها إلي صدره بحنان ..
-إطمني يا حبيبتي . إنتي دلوقتي في بيتك و وسط عيلتك . محدش يقدر يأذيكي يا صفية طول ما أنا عايش.
-ربنا يخليك ليا ! .. كانت شبه نائمة و هي تقول ذلك
أبعدها "عثمان" قليلا ، ليري تعابير وجهها مسترخية الآن بعد أن سرقها النعاس أخيرا
تنهد "عثمان" تنهيدة مطولة ، و إنحني ليقبلها علي جبينها .. شد عليها الغطاء حتي ذقنها ، و مسح علي شعرها بلطف ، ثم أطفأ الضوء و خرج من الغرفة ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ينهي "رفعت" بعض الإتصالات ...
و يكاد يصعد إلي غرفته .. آتي الحاري في هذا الوقت و قال له :
-رفعت باشا . في ست برا طالبة تقابل عثمان بيه.
رفعت بتساؤل :
-ست مين ؟ ماقلتش إسمها ؟؟
الحارس :
-لأ حضرتك ماقلتش . كل إللي قالته إنها عايزة تقابل عثمان بيه و مش هتمشي غير لما تشوفه .. لو سيادتك تحب ممكن نمشيها بطريقتنا !
رفعت بعد تفكير :
-لأ . خليها تدخل.
و بعد دقيقتين ... تدخل "زينب" و تقترب من "رفعت" و الشر يشع من وجهها بقوة ..
-فين سمر و إخواتها يا بيه ؟؟؟ .. صاحت "زينب" متسائلة
رفعت بكياسته المعهودة :
-حضرتك تبقي مين ؟
زينب بحدة :
-أنا الحجة زينب . جارتهم و في مقام المرحومة أمهم.
رفعت بإبتسامة :
-أهلا و سهلا يافندم . إطمني هما كلهم بخير و قعدين معانا معززين مكرمين.
زينب بنفس الحدة :
-أشوفهم بعيني و أتأكد.
-حاضر . إللي تشوفيه .. و نادي علي خادمة وقفت علي مقربة منهما :
-سعاد . تعالي من فضلك وصلي الحجة لجناح عثمان بيه.
الخادمة بتهذيب :
-تحت أمرك يا رفعت بيه .. و إصطحبتها لترشدها إلي الغرفة
بينما جاء الحارس ثانيةً ، ليسأله "رفعت" بضيق شديد :
-في إيه تاني يابني ؟؟؟
الحارس :
-المأذون وصل يا باشا !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
يصل "عثمان" عند هذه الغرفة المحفوفة بالحرس ... يأمرهم بالإنصراف و يفتح الباب و يدخل
لم يخشي هذا الشاب الجالس هناك في الزواية كالوحش الضاري ، لم يهب حتي نظراته الفتاكة و أحضر كرسي في يده و جلس أمامه ..
-علي فكرة أنا مش زعلان منك ! .. قالها "عثمان" بجدية و هو ينظر في عينا "فادي" بقوة ، و تابع :
-أنا عاذرك . رد فعلك كان طبيعي و أنا حطيت نفسي مكانك . فإكتشفت إني كنت ممكن أعمل أكتر من كده.
فادي بغلظة :
-إنت عايز إيه ؟ هات من الأخر . البوليس مستني برا صح ؟؟
عثمان بصوت هادئ :
-مافيش بوليس مستتي برا يا فادي . أنا مابلغتش فيك أصلا.
فادي بسخرية :
-طبعا . سمعتك تهمك بردو مايصحش الصحافة تكتب أخبار زي دي عن واحد إبن أكابر زيك.
تنهد "عثمان" و قال بصبر :
-فادي . إسمعني .. أنا مابغلتش البوليس و مش هبلغ و الحرس إللي واقفين برا ماشيتهم . أنا مش عايز الأمور تتعقد بينا أكتر من كده عايز أصلح غلطتي . عايز إتجوز سمر . أنا علي فكرة كلمت المأذون و هو زمانه جاي !
قدحت عينا "فادي" بشرارات الغضب و هو يحدق بـ"عثمان" ..
-و هي غلطة زي دي ممكن تتصلح يا باشا ؟ .. قالها "فادي" بخشونة
-الحكاية عاملة بالظبط زي الحرامي إللي سرق . عمرك شوفت حرامي رجع حاجة سرقها ؟؟؟
عثمان بشئ من العصبية :
-بردو إنت مصمم تعقد كل حاجة . أنا جاي أصلح الوضع و إنت مش عايز ؟ إنت بتفكر إزآاي ؟؟!!
فادي بصرامة :
-بقولك إيه يا باشا . إنت خلاص فلت من إيدي و لسا ليك عمر . و أختي خلاص بقت ميتة بالنسبة لي . مش عايز إسمع إسمها تاني حتي . أنا همشي و إنت بقي أعمل إللي يعجبك تتجوزها ماتتجوزهاش ماليش فيه.
عثمان بإستنكار :
-مش هتمشي يا فادي . بقولك هنكتب الكتاب الليلة لازم تكون وكيلها.
فادي صائحا بوحشية :
-ماليش دعوة بيها . زي ما عملت الغلط لوحدها تصلحه لوحدها.
عثمان بتحد :
-لو مشيت هتمشي لوحدك . لا سمر و لا ملك هيمشوا معاك.
فادي مزمجرا بغضب :
-إنت فاكر إنك ممكن تاخد مني أختي الصغيرة هي كمان ؟ ده أنا أقتلك و المرة دي أقسم بالله ما حد هينقذك مني.
عثمان بلطف :
-صدقني أنا مش بلوي دراعك . بالعكس . أنا جايلك و معترف إني غلطان و بطلب منك تساعدني أصلح غلطي . هرد لأختك كرامتها و كرامتك محدش هيقدر يحيب سيرتكوا بكلام وحش . بكره الدنيا كلها هتعرف إن سمر مراتي كل إللي بيتكلموا هيتخرسوا.
زم "فادي" شفتاه و بدا عليه الإرتباك قليلا ... لكنه عاد و قال بعناد :
-عايز أمشي.
تلاشت إبتسامة "عثمان" و إحتدم غيظا و هو ينظر له ..
-مش هتمشي إلا لما نكتب الكتاب .. قالها "عثمان" بلهجة قاطعة
ثم قام خرج متوجها إلي حيث "سمر" ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
شعرت بأنها غابت عن الوعي طويلا ... كان جسدها متيبسا و كأنها لم تتحرك طيلة فترة النوم
كان عقلها مزدحما بالذكريات حتي تباطأت حركته ، و كانت الكوابيس و الصور تدور في دوامة لا متناهية برأسها .. كل الأحداث تكررت مرة أخري في ذهنها و كانت جميعها حقيقية تنبض بالحياة مما يعطي دليلا دامغا بأنه ليس حلما أو كابوس
إستطاعت أن تشعر من جديد بالعجز الذي أصاب قدميها و جعلهما عاجزتين عن الحركة ، كما أبصرته و هو ينزف من كتفه و يسقط معلنا إستسلامه
عند ذلك لم تستطع الصمود أكثر و إنتزعت نفسها بقوة من هذا العالم المظلم ..
-لأاااااااااااااااااااااااااا ! .. شقت صرخة "سمر" أجواء الصمت المخيم علي الغرفة
أسرعت "زينب" إليها و ضمتها بتلهف و هي تقول :
-إسم الله عليكي يا حبيبتي . بسم الله الرحمن الرحيم . إهدي . إهدي يا سمر إنتي بخير يابنتي.
تطلب الأمر بعض الوقت لتعي "سمر" نفسها و الواقع الجديد ..
-آا أنا . أنا فين . أنا فين يا ماما زينب ؟ .. و فاضت دموعها من حافة الجفن و هي تكمل بذعر شديد :
-فـ فادي . فادي فين ؟ و . و آ آا . آا ..
زينب و هي تمسد ظهرها بلطف :
-إهدي يا سمر . فادي كويس . كلهم كويسين محدش حصله حاجة.
يدخل "عثمان" في هذه اللحظة
إبتسم بحب عند شاهد "سمر" واعية ، لكنه سرعان ما تفاجأ بوجود "زينب" ..
مضي صوبهما و هو يدمدم :
-حضرتك جيتي ؟!
زينب بعدائية :
-أيوه جيت . و مش ماشية إلا و سمر و فادي و ملك في إيدي.
عثمان بإبتسامة إستخفاف :
-يا هانم محدش فيهم هيمشي من هنا . سمر مراتي و ده بيتي يعني بيت سمر . هي و إخواتها مسؤوليتي من إنهاردة.
سمر بحدة ممزوجة بالإرتباك :
-أنا مش مراتك . فين إخواتي ؟؟؟
عثمان بنعومة :
-إخواتك هنا يا سمر . ماتقلقيش هما بخير . إطمني.
-عايزة أشوفهم .. قالتها "سمر" بصوت مرتجف
تنفس "عثمان" بعمق و نظر إلي "زينب" ..
-ممكن تسيبنا لوحدنا شوية من فضلك ! خمس دقايق.
تبادلت "زينب" النظرات مع "سمر" و قامت بعد أن حصلت علي الإذن
خرجت من الغرفة ، فإقترب "عثمان" من زوجته و جلس علي طرف السرير بجانبها ..
-إزيك دلوقتي يا سمر ؟ .. قالها "عثمان" بخفوت
سمر بصلابة :
-أنا كويسة . عايزة أشوف إخواتي !
عثمان برقة :
-هتشوفيهم يا حبيبتي . إنتي عارفة إننا هنتجوز الليلة.
رمقته "سمر" لشك ، ليبتسم و يقول :
-عارف إننا متجوزين . قصدي هنكتب الكتاب عشان يبقي جواز رسمي.
سمر بحنق :
-أنا قولتلك قبل كده مش عايزاك مش عايزة أتجوزك . أنا مش ممكن أبقي مرات واحد زيك و إنت مش هتلوي دراعي.
عثمان بإبتسامة :
-يا سمر مش وقته عنادك ده و ماينفعش أصلا بعد إللي حصل تعترضي . خلاص مابقاش ينفع.
أدركت "سمر" ما يرمي إليه ، فتغضن وجهها بالألم و قالت بصوت مخنوق :
-يعني إيه ؟ مش هعرف أخلص منك أبدا ؟؟؟
إبتسم "عثمان" و داعب خصلات شعرها و هو يهمس :
-أبدا أبدا . أنا أصلا مش هسمحلك تتواربي عن عيني ثانية بعد كده . المأذون علي وصول . هيكتب كتابنا و هتبقي مراتي بجد . بجد يا سمر . و في وجود أخوكي و عيلتي مش بيني و بينك زي الأول !
دق هاتفهه عند ذلك .. وجد رقم عمه ، فرد :
-ألو .. أيوه يا عمي . وصل ؟ .. طيب تمام أوي .. مصور ؟ أيوه أنا طلبت واحد . خليه هو يجهز الأول . أه هناخد الصور في الأول .. أوك . شوية و نازلين . مش هنتأخر . أوك باي !
أغلق الخط و نظر إلي "سمر" ..
-وصل يا سمر . المأذون وصل.
تنهدت "سمر" بيأس و قالت :
-دايما كل حاجة مفروضة عليا . أنا بكرهك !
ضحك "عثمان" بمرح و قال :
-طيب هنبقي نشوف الموضوع ده بعدين . أنا واثق أصلا إنك هتغيري رأيك . بس دلوقتي يلا . لازم تجهزي عشان الصور.
سمر بإستغراب :
-صور ؟!
-أه . مصور من أشهر جريدة في مصر كلها . أنتي أساسا زي القمر . مش طالب منك حاجات كتير يدوب بس تغسلي وشك و تفوقي كده و تبقي Relax خآالص . إتفقتا ؟
نظرت له بمقت ، فإبتسم هو و إقترب منها أكثر ، ثم تمتم و شفتاه تداعبان خدها إلي عنقها نزولا و صعودا :
-يلا يا حبيبتي . المصور مستنينا . خبر جوازنا لازم يبقي في الصفحات الأولي كلها بتاعة بكره . كل الناس لازم يشوفوكي معايا و يعرفوكي .... !!!
نزلت "سمر" مع "عثمان" بعد أن قامت بغسل وجهها و أرتدت حچابها ثانيةً ..
كانت تعرج و هي تمشي ، فأجبرها علي الإستناد إليه غير عابئ برفضها ، تابع مع خطواتها بتمهل و صبر بينما كانت هي في عالم أخر
كانت تنظر حولها بإنبهار شديد ، هي تعلم جيدا أنه ثري ثراء فاحش تعلم أنه يملك كل شيء و قد رأت بعينها بعض مما يملك
و لكن هذا القصر الفخم كان بعيدا عن خيالها تماما .. المساحة شاسعة ، الأضواء متناسقة مبهرة للأبصار ، الديكور منه الأثري و العصري و بمختلف الأشكال ، و اللوحات المنتشرة علي الجدران كلها يعود تاريخها للعصور الوسطي
شعرت "سمر" بإنها وقعت بكتاب يروي إحدي الأساطير الخرافية
أخيرا وصلت بصحبة "عثمان" لغرفة الصالون الكبيرة و التي لا تقل فخامة عن بقية القصر
تعلقت بها العيون عند دخولها و تباينت ردود الأفعال ..
نظرات توتر فقط من عيون ثلاثة أشخاص صوبت نحوها ... "رفعت" و "صالح" و "مراد" ..
كان "فادي" وحده الذي جلس محاصرا بأفراد الحراسة مختلفا عنهم
كان يرمقها بإزدراء شديد ، لقد خلا من العنف و الوحشية الآن ، لكنها شعرت بعدم قدرتها علي تحمل نظراته
ليته يفعل أي شئ أخر ، ليته يقتلها ، و لكن هذه النظرة صعبة جدا .. لا يجب أن تأتي منه هو ..
كانت "زينب" تقف بجانبه تضع يدها علي كتفه و تربت عليه بلطف ، بينما مضي "عثمان" بـ"سمر" وسطهم و أجلسها في كرسي قريب منه
كان المأذون حاضرا و المصور الذي طلبه أيضا ، لكن "رفعت" سأله مرة أخري :
-هنكتب الأول يا عثمان و لا إيه ؟!
عثمان بصوت هادئ :
-لأ يا عمي هناخد الصور الأول .. ثم نظر إلي الشاب الممسك بالكاميرا و قال :
-تعالي يابني . شوف هتصورنا إزاي بس خد بالك الإصابة إللي في دراعي دي مش لازم تظهر في الصور و المدام كمان مش هتقدر تقوم من مكانها.
المصور بإبتسامة :
-تحت أمرك يافندم . طيب معلش حضرتك هتيجي كده من الناحية التانية و هتميل شوية بس ... أيوه . شمال سنا . راسك فوق . إبتسامة صغيرة . بــــس كده تمام أوي.
و صوب العدسة نحوهما و كاد يلتقط الصورة الأولي ، لكنه توقف فجأة و قال بإرتباك :
-من فضلك يا مدام ممكن تبتسمي شوية بس ؟
إزداد إضطراب "سمر" عندما أحست بالنظرات تتأملها أكثر ، ليحثها "عثمان" و هو يهمس في أذنها بنعومة :
-سمر . إبتسمي يا حبيبتي . يلا عشان ننجز !
تحاشت "سمر" النظر في عيونهم جميعا ، ركزت فقط علي عين الكاميرا .. بذلت جهد كبير حتي نجحت في رسم إبتسامة خفيفة علي ثغرها ، و رغم أن وجهها خاليا من مساحيق الزينة إلا إن جمالها الطبيعي طاغي في كل وقت و آن
إنها مجبورة علي كل هذا ، لولا أنها تخشي الفضيحة و تخشي علي مستقبل أخيها و أختها ما كانت لتقبل أبدا أن تقوم بأي من هذا ..
إلتقط المصور ثلاثة صور لهما علي نفس هذا الوضع ، عرضهم علي "عثمان" ليختار واحدة منهم لتكون مرفقة بعنوان الخبر ، فإختار "عثمان" الأولي .. كانت إبتسامة "سمر" واضحة أكثر فيها
-يلا بقي يا عثمان عشان نكتب الكتاب .. قالها "رفعت" بنفاذ صبر
-مولانا إتأخر و إحنا جايبنه في ساعة زي دي !!
إبتسم "عثمان" و مشي ناحية المأذون
كانت "سمر" تسمع كل شئ ، و لكنها لم تجرؤ علي المشاهدة ، إذ كان صوت أخيها الجاف و المقتضب بالنسبة لها كالطعنات بالضبط ..
-تعالي يا عروسة عشان تمضي ! .. قالها المأذون بإبتسامة ، ليتطوع "عثمان" و يأخذ لها الدفتر و القلم حتي تمضي و هي في مكانها
أخذت منه القلم بدون أن تلمس يده ، مضت بإسمها ثم غمست إصبعها في الحبر و بصمت علي الورق
إنتهي عقد القران أخيرا و إستأذن المأذون و ذهب
بينما قام "فادي" من مكانه فجأة ليتأهب له الجميع بنظرات متوجسة ..
فادي بصوت حاد :
-المسرحية خلصت خلاص ؟ عايز أختي الصغيرة . هاتوهالي.
ترتجف "سمر" بخوف عندما قال أخيها ذلك
شعر "عثمان" بها فأحاط كتفها بذراعه و رد بهدوء شديد :
-قولتلك يا فادي . عايز تمشي إمشي . لكن سمر و ملك هيفضلوا هنا.
توهجت نظرات "فادي" ليقول بغضب :
-إنت فاكر إنك ممكن تمنعني أخد أختي ؟ ده أنا أوديك في ستين داهية.
عثمان بثقة :
-ملك هتفضل هنا مع أختها . هنا أفضل كتير بالنسبة لها . بص حواليك . هنا كل حاجة متوفرة . هنا مش هينقصها حاجة.
فادي بحدة :
-و إنت فاكرني مش هقدر أوفر لأختي إحتياجاتها ؟ حتي لو . مستحيل أسيبها عند واحد و×× زيك.
تمالك "عثمان" نفسه و غض النظر عن الإهانة و قال بصرامة :
-ملك مش هتمشي معاك يا فادي . بس ده مش معناه إنك مالكش حق فيها . كل ماتحب تشوفها إتفضل في أي وقت.
إحتدم "فادي" غضبا و قال بتهديد :
-مش هسكت . مش هاسيبك !
و إستدار دافعا من أمامه بقوة أفراد الحراسة و ذهب ، لتتبعه "زينب" فورا بدون تفكير ..
لمس "عثمان" خد "سمر" :
-كل حاجة بقت كويسة دلوقتي ! .. كان صوته هامسا
-إحنا بقينا مع بعض . أنا مش هاسيبك أبدا.
كان داخل "سمر" مضطربا بالرعب و الآسي ، و لم تصدق قوله بأن كل شئ بات بخير .. تري ماذا سيفعل "فادي" ؟؟؟؟؟
قاطع شرودها إنحناء "عثمان" عليها ..
سمر بإستغراب :
-إنت بتعمل إيه ؟!
حملها "عثمان" في هذه اللحظة دون عناء رغم إصابة كتفه ، لتصرخ بإحتجاج :
-إيه ده نزلني !
عثمان بلطف ممزوج بالحزم :
-إهدي . هطلعك فوق عشان ترتاحي.
سمر بغضب :
-نزلني أنا هعرف أمشي .. و حاولت التخلص منه بلا فائدة ، بالطبع لن تقوي عليه
تمتمت بغيظ ممزوج بالخجل الشديد :
-إللي قاعدين دول يقولوا إيه ؟؟؟
ضحك "عثمان" بمرح و قال بصوت مرتفع ليسمعه الجميع :
-يقولوا راجل و مراته و بعدين طز في أي حد.
و أخذها و صعد للأعلي وسط دهشة و ذهول عمه و إبن عمه و صديقه المقرب ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل المعلم "رجب" الجزار ...
يجلس "خميس" في غرفته وحيدا مكتئبا
يتذكر مرارا موقف هزيمته ، الهزيمة الوحيدة بحياته كلها ، و التي كانت بمثابة الضربة القاضية ..
Flash back
أمسك "عثمان" بـ"سمر" الملقاة أرضا و فاقدة وعيها ، ثم ضمها إلي صدره بحركة إستحواذية كإعلان عن ملكيته لها
نظر للضابط و قال بصوته العميق :
-الست دي مراتي يا حضرة الظابط . حصل بينا سوء تفاهم و أنا جيت عشان رجعها البيت.
الضابط بتهذيب :
-مفهوم يا عثمان بيه . بس الإصابة إللي في كتف سيادتك دي مين السبب فيها ؟ حد من الموجودين ؟؟
إستعد "خميس" في هذه اللحظة و تحرق شوقا لنطق "عثمان" بالكلمات ، فهذا شئ يشرفه و لو سنحت له الفرصة لكان قتله و ذبحه مثلما يفعل بالأضحيات ..
-محدش سبب فيها يا حضرة الظابط .. قالها "عثمان" بصوت خال من أي تعبير
-دي مجرد حادثة غير مقصودة !
تنفست "نعيمة" الصعداء عندما نفي "عثمان" التهمة عن إبنها ، بينما كاد "خميس" أن يصرخ و يثبتها علي نفسه ليلكزه أبيه في كتفه و يرمقه بنظرة تحذيرية ..
الضابط بإلحاح :
-إنت متأكد يافندم ؟ يعني مافيش خطر علي حضرتك هنا ؟ البلاغ إللي جالنا من الأهالي هنا قال إن حضرتك في خطر !
عثمان بإبتسامة باهتة :
-مافيش خطر يا حضرة الظابط . إطمن أنا في وسط أهلي.
و أشار بالأخص إلي عمه و "صالح" و "مراد" و دزينة الحراسة التي تكاد تسد الشقة الصغيرة من هول أحجامها ..
الضابط بإبتسامة :
-طيب ياباشا . إللي تشوفه . إحنا هنمشي دلوقتي بس لو حصل أي حاجة بلغنا هنرجع فورا.
عثمان بثقة :
-مافيش حاجة هتحصل.
و بعد ذهاب أفراد الشرطة يأمر "عثمان" طاقم الحراسة بأخذ "فادي" إلي السيارة ، رغم أن الأخير قاومهم لكنه لم يصمد أمامهم طويلا ..
تدخل "رفعت" عند هذا الحد :
-ممكن أفهم إيه إللي بتعمله ده ؟؟؟ .. كانت الحدة تغلف صوته
عثمان ببرود :
-هفهمك بعدين يا عمي .. ثم نظر إلي "مراد" و تابع :
-مراد من فضلك خد ملك و إسبقنا علي تحت .. و أشار إلي الطفلة الصغيرة التي حملتها "شهيرة" بين ذراعيها
زينب صائحة بغضب :
-إنت بتعمل إيه يابني إنت ؟ واخد العيال علي فين ؟ محدش فيهم هيخرج من هنا و فادي لو مارجعش إنت حر !
لم يعيرها "عثمان" إهتماما و حث صديقه بهدوء :
-يلا يا مراد .. ثم قال بنبرة ذات مغزي و هو يصوب نظراته إلي "زينب" :
-يلا قبل ما الموضوع يوسع أكتر من كده . البوليس لسا قريب.
رمقته "زينب" بغضب شديد ... إنه يهددها
مد "مراد" ذراعيه ليأخذ "ملك" فناولته "شهيرة" إياها بتردد و هي تنظر إلي "زينب" العاجزة عن التفوه في هذا الوقت ..
تابع "عثمان" كلامه :
-و إنت يا صالح خد صفية و علي تحت إنت كمان.
كان "خميس" يشاهد كل هذا و هو يتلوي بين الأيادي الممسكة به ، يزمجر تارة و يغمغم بكلمات غير مفهومة تارة أخري ، كم أراد أن يتحرر من هذه القيود و ينقض عليه خاصة عندما وجده يحملها و يتجه بها إلي الخارج
كان عاجزا بدوره .. والده و الرجال المواليين له ، جميعهم تجمعوا ليكبحوه حتي لا يرتكب جرما ، فهو طائش و خطير مثالا يحتذي به حقا في التهور و الأفعال الدموية ...
Back
بعد قليل تدخل والدته إليه هي تزيل عن وجهها دموع الحزن ... تقترب منه و تمسح علي شعره بحنان قائلة :
-إيه يا خميس ؟ مش هتيجي تتعشا معانا يابني ؟!
خميس بعصبية :
-مش عايز أطفح . سيبيني في حـآاالي.
نعيمة بحزن شديد :
-يابني ماتعملش كده في نفسك إللي خلقها ماخلقش غيرها و لا إيه ؟؟؟
هب من مكانه صارخا بإنفعال :
-يووووووه إنتي مش هتسكتي أبدا . عايزة إيه يعني ؟ عايزاني أسيبلك البيت و أهج عشان ترتاحي ؟؟؟
نعيمة بذعر :
-لأ لأ . لأ يا خميس ده إنت حبيبي يابني أنا مقدرش أعيش منغيرك ياضنايا . إنت إللي طلعت بيك من الدنيا يابني .. و إختنق صوتها في العبارة الأخيرة لتجهش بالبكاء
جاء صوت "رجب" الصارم و هو يقف عند عتبة الباب :
-تعالي يا نعيمة . تعالي و سيبه دلوقتي . هو هيهدا لوحده.
تنهدت "نعيمة" بآسي و إنصاعت لزوجها
تركت "خميس" وحده ، ليعيد إستعراض نفس الأحداث من جديد ، و يتألم في صميم نفسه و رجولته في كل مرة ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عند "سمر" ...
بعد أن تركها أخيرا و ذهب ليطمئن علي أمه ، أخذت تتجول ببصرها في جناحه الفخم الذي تشيع فيه الكلاسيكية إلي حد كبير
حيث السجاد التركي المحاك من الحرير ، و الأثاث الإنجليزي المذهب ، و النوافذ الطويلة ذات الإطلالة البانورامية الآسرة ..
قاطع شرودها دخول فتاة في مقتبل عمرها
كانت جميلة إلي حد ما ، لكن "سمر" توترت عندما رأتها و في نفس الوقت إبتسمت و غمرتها الراحة لأن "ملك" كانت معها ..
-مساء الخير ! .. قالتها "هالة" بصوتها الرقيق
سمر بشئ من الإرتباك :
-مساء النور !
وضعت "هالة" الصغيرة "ملك" بحضن شقيقتها و قالت بإبتسامة :
-أنا هالة . بنت عم عثمان.
سمر بضيق :
-أهلا !
هالة بحذر :
-أنا آسفة لو كنت جيت و ضايقتك . الداده كانت هتجبلك الصغنونة بس بصراحة أنا إللي ماقدرتش أقاوم فضولي و جيت عشان أشوفك كويس.
رمقتها "سمر" بغرابة ، فضحكت "هالة" و قالت بمرارة خفية :
-أصل لما عثمان جابك من شوية كنتي فاقدة الوعي و ماعرفتش أشوفك كويس . هو كان خايف عليكي أوي و رغم الجرح إللي في دراعه مخلاش حد يلمسك و أصر يشيلك و يطلعك بنفسه لحد هنا.
نظرت لها "سمر" بصمت ، لتكمل "هالة" و تقر و هي تشعر بألم يجيش بداخلها :
-عثمان عنده حق يحبك . إنتي حلوة أوي فعلا رغم إني ماعرفش إنتوا إرتبطوا إزاي و كمان ماعرفش إيه حكايتكوا و إيه إللي حصل إنهاردة بس هو بجد بيحبك . أنا شوفت ده في عينه .. أول مرة أشوف عثمان كده !
آتي صوت "عثمان" في هذه اللحظة :
-أول مرة تشوفيني كده إزاي يا هالة ... ؟؟؟