تحميل رواية «عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الشخصيات : بطلا الرواية ( عثمان البحيري / سمر حفظي ) " يحيى البحيري " والد "عثمان" " فريال المهدي " والدة "عثمان" " صفية البحيري ( صافي ) " شقيقة "عثمان" " رفعت البحيري " شقيق " يحيى " " صالح البحيري " إبن " رفعت " " هالة البحيري " إبنة " رفعت " " فادي حفظي " شقيق "سمر" " ملك حفظي " شقيقة "سمر" و البقية لاحقا ... ...................................................................... ( 1 ) : جليم / الأسكندرية , في الواحد و الثلاثون من تشرين الأول .. إكتظت الساحة الضخمة المصممة ببراعة و حرفية علي...
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم Shaimaa Gonna
تصرفت "سمر" بآلية شديدة داخل مكتب مديرها .. عندما توجهت نحو هذا البنش المتوسط الذي إحتل ركن قاصي من الغرفة الواسعة
كانت متعبة و منهكة بصورة مميته ، بالكاد كانت تري أمامها ..
لكنها إستطاعت تجميع آدوات صنع القهوة ، كما عثرت بسهولة علي فنجان كبير أضافت له بعض القهوة و القليل من السكر
ثم شغلت وعاء التسخين المصنوع من معدن الكروم حيث إستطاعت أن تري صورة وجهها الشاحب بوضوح و تلك الهالات الزرقاء المحيطة بزوايا عيناها
لا تدري ماذا أصابها بالضبط !
لا يمكن أن تكون همومها ، فهي معتادة علي نوبات الضيق و الحزن منذ فترة طويلة ، ليس هناك ثمة مشكلة في هذا إطلاقا ..
لعله حديث "فادي" الذي لا تتذكر منه شئ الآن !
أو لعله عراك ليلة أمس الذي أنشبه إبن الجزار !
أو .. لعلها "ملك" الطفلة المسكينة التي يهددها الموت بسبب إفتقار أسرتها للمال !!
لم تشاء "سمر" الإسترسال في التفكير أكثر لئلا تزداد حالتها سوءاً ، فهزت رأسها بخفة و هي تركز نظرها المرهق علي شريط مقياس الحرارة المرفق بوعاء التسخين ..
و بعد دقيقة واحدة ، أطلقت الآلة رنين قصير معلنة إنتهاء الغليان
لتصب "سمر" السائل الساخن في الفنجان ، ثم تضعه فوق طبق نحاسي مسطح و تحمله تذهب لتقدمه إلي "عثمان" ..
-إتفضل يافندم ! .. قالتها "سمر" بخفوت و هي تنحني قليلا لتضع الفنجان فوق المكتب
بينما شكرها "عثمان" بإبتسامة و هو يتظاهر بتصفح هاتفهه :
-شكرا يا سمر . و آسف لو تعبتك.
سمر مبتسمة بصعوبة :
-العفو يافندم . مافيش تعب أبدا . دي حاجة بسيطة .. ثم سألته بتهذيب :
-تؤمرني بحاجة تانية ؟
عثمان بجدية :
-أه . كنت عايزك في موضوع . أقعدي يا سمر لو سمحتي .. ثم ترك هاتفهه جانبا ، و أكمل و هو يقوم من مكانه :
-تعالي نقعد هناك أحسن عشان نعرف نتكلم كويس.
و أشار لها إلي مقعدين مقابلين في الوسط
تبعته "سمر" بفم مطبق و كأنها بلا إرادة . بلا روح ..
جلس "عثمان" واضعا ساقا فوق ساق ، لتجلس هي الأخري راسمة تعبيرات هادئة جدا علي وجهها
-خير يافندم ؟ .. قالت "سمر" بتساؤل :
-إيه الموضوع إللي حضرتك عاوزني فيه ؟!
نظر لها "عثمان" محاولا تقدير التبدلات التي مرت بها منذ أخر لقاء لهما البارحة و حتي هذه اللحظة ..
-شكلك مش مظبوط خالص يا سمر ! .. تمتم "عثمان" و هو يحدجها بتركيز
بينما قطبت "سمر" قائلة :
-مش مظبوط إزاي حضرتك ؟!
-يعني . وشك مرهق خالص . و زي ما تكوني واقعة في مشاكل كبيرة . ماكنتيش كده لما سيبتك إمبارح ! .. لم تجب "سمر" فأضاف :
-أعتقد إن في مشكلة تانية بتواجهك ؟
سمر بإبتسامة خفيفة :
-لأ أبدا حضرتك . مافيش و لا مشكلة بتواجهني حاليا الحمدلله . بس آا ..
و أوشكت أن تحكي له عن أحداث الليلة الماضية ؛
كيف تعارك شقيقها مع أحد الشبان الأشرار بمنطقتهم ، و كيف حاولت التدخل لتحول بينهما ، و كيف نجي "فادي" من الوضع بشكل لم تتخيله ، و كيف كانت ستموت هي من الرعب !
و لكنها توقفت
لأنها أدركت أنه قد يفهمها خطأ ، يكفي ما فعله من أجلها حتي الآن ، لا يجب أن تزيد عليه و تبالغ في شكواها ..
-أنا بس قلقانة علي ملك .. هكذا أكملت عبارتها السابقة ببساطة و هي تبتسم له بلطافة زائدة
عثمان بإبتسامة مماثلة :
-إنتي بتبالغي أوي في قلقك عليها . قولتلك أختك هتبقي كويسة خالص .. صدقيني.
سمر و هي تدعي من قلبها :
-يا رب . يا رب يافندم .. إنت أصلك ماتعرفش ملك دي بالنسبة لي إيه . دي بنتي مش بس أختي . أنا إللي إهتميت بيها من يوم ما ماتوا بابا و ماما.
-والدك و الدتك إتوفوا مع بعض ؟!
سمر بحزن :
-أيوه . ماتوا في حادثة عربية . لسا ماكملوش سنة.
عثمان بتعاطف زائف :
-الله يرحمهم.
سمر بإبتسامة حزينة :
-أمين .. ثم نظرت إليه قائلة بإستحياء :
-حضرتك صاحب فضل كبير أوي عليا أنا و أخواتي . بجد نفسي في يوم أقدر أردلك جزء من جمايلك علينا.
عثمان بضيق :
-يا سمر قولتلك قبل كده مابحبش الكلام ده !
-خلاص خلاص . أوعدك مش هضايق حضرتك تاني.
-و بلاش حضرتك دي كمان.
سمر و قد توردت وجنتاها :
-ماينفعش حضرتك.
عثمان بحدة :
-تاني حضرتك ؟
-أومال هقول إيه بس ؟ .. تساءلت بحيرة ، ليجيبها ببساطة :
-قوليلي عثمان عادي جدا.
سمر بخجل شديد و هي تخفض رأسها بسرعة :
-يا خبر ! لأ .. أعذرني مقدرش.
تنهد "عثمان" و هو يهز رأسه بيأس منها ، ثم قال بهدوء :
-إنتي تعرفي إني كنت متجوز قبل كده ؟
و هنا تطلعت "سمر" إليه ..
-حضرتك كنت متجوز ؟ .. تمتمت "سمر" و أكملت بإستغراب :
-غريبة !
-هي إيه دي إللي غريبة ؟!
سمر بتلعثم :
-لأ مش قصدي حاجة . أصل حضرتك قلت كنت متجوز ! معناها إنك طلقت.
-أيوه !
سمر بإبتسامة مرتبكة :
-أنا بس إستغربت مين دي إللي ممكن تتجوزك و تبقي حابة تنفصل بعد كده . حضرتك إنسان كويس جدا يعني.
عثمان و هو يلوي ثغره بإبتسامة ساخرة :
-بس هي بقي ماكانتش كويسة أبدا.
عقدت "سمر" حاجبيها إثر هذا و لم تعلق ، ليكمل هو بنبرة لامبالية :
-طلقتها ليلة الفرح.
سمر بذهول و قد عجزت عن الصمت :
-يا نهار أبيض !
إبتسم "عثمان" و هو يسألها :
-إيه مالك ؟ مستغربة أوي كده ليه ؟ إنتي ماقرتيش الخبر في الجرايد و لا إيه ؟ الموضوع مافتش عليه كتير !
-لأ حضرتك . أنا مش فاضية للحاجات دي .. ثم سارعت لتصلح الجملة :
-أقصد يعني مشاكلي أحيانا كتير بتشغلني عن كل إللي بيدور حواليا !
أومأ "عثمان" بتفهم و قال :
-أنا أصلا ماكنتش بحبها .. الجوازة كانت مجرد جوازة مصلحة عشان نربط عليتها بعيلتي .. ثم أردف و هو يرمقها بنظرات ذات مغزي :
-إنتي عمرك حبيتي يا سمر ؟
أجفلت "سمر" من سؤاله ، و ردت بعد برهة :
-حب ! لأ يافندم . بصراحة عمري ما جربت الحكاية دي.
-ليه ؟ ماتقنعنيش إن محدش عرض عليكي و لا مرة !
سمر بإبتسامة خجلة :
-مش بالظبط و الله .. بس أنا بحب أبقي في حالي . و كمان ماحبش أتخدع أبدا . كفاية مشاكلي عليا . بمعني أدق يعني أنا مش ناقصة و سايبة الحب ده علي جنب . زائد إن الحب أساسا أنواع.
-يعني إيه ؟!
-يعني في حب مش طاهر . مش قايم علي الإحترام و لا المبادئ .. وضحت أكثر و هي تشعر بقليل من الخجل :
-حب زي ده مايبقاش حب و لا يبقي حاجة شريفة أصلا . و أنا مش ممكن أفرط في شرفي أو أسـّوأ سمعتي !
عثمان بلهجة متنمرة :
-طيب . ممكن يبقي إيه ردك لو واحد زيي مثلا عرض عليكي الحب يا سمر ؟!
سمر و هي تضحك علي نكتته الساخرة :
-يا خبر ! واحد زي حضرتك ؟ إنت مافيش واحدة تفكر في عروضك أصلا . عروضك كلها مقبولة مقدما .. و تابعت ضحكها الهادئ
ليبتسم "عثمان" ثم يعلن بصراحة :
-طيب يا سمر .. أنا بعرض عليكي الحب دلوقتي !
صمت مفاجئ .. ثم إنفرجت شفتا "سمر" عن دهشة و قد عاد الشحوب إلي وجهها ثانيةً ..
بإرتداد سريع و لا شعوري تقريبا تحركت بعيدا عنه بقدر ما سمح لها به مسند الكرسي
لكنه لم يأت بأي حركة نحوها ، و قال بإتزان تام :
-أنا دلوقتي راجل عازب . و من حقي أرتبط بأي واحدة تعجبني .. و أنا إختارتك إنتي يا سمر.
سمر بتوتر واضح :
-حـ حضرتك أ كيد بتـ ـهزر !
عثمان و قد إتسمت ملامحه و نبرة صوته بالجدية الشديدة :
-لأ خالص . أنا مابهزرش و عارف أنا بقول إيه كويس أوي .. إنتي بقالك مدة شغلاني و إكتشفت أخيرا إني عايزك .. ثم أكمل بشرط :
-بس لعلمك أنا مش بتاع جواز . هي كانت مرة و خلاص .. شطبت.
في هذه اللحظة هبت "سمر" من مكانها و فورا بحثت عن الباب
تريد أن تخرج ، بل تريد أن تهرب خاصة بعد سماع هذا ..
ليقف بوجهها ذاك الأعزب الفاسق راسما علي شفتيه إبتسامة شيطانية ..
-عديني حضرتك لو سمحت ! .. قالتها بلهجة مرتجفة و هي علي وشك أن تبكي
بينما هز رأسه بالرفض و هو يقول بعتاب :
-و بعدين معاكي . إحنا مش قولنا نبقي كويسين مع بعض و بلاش كلمة حضرتك دي ؟ .. ثم تابع بهدوء نموذجي :
-إسمعيني كويس . كل واحد فينا عايز حاجة من التاني . أنا عن نفسي هديكي كل إللي أنتي عايزاه .. بس لازم بردو أخد منك كل إللي أنا عايزه.
و شدها إليه دون سابق إنذرا ، لتكتم شهقتها المرتعبة قبل أن تتجاوز حنجرتها ، و يتابع هو بهمس قرب أذنها :
-أنا حبيتك علي فكرة . و عارف إنك إنتي كمان ممكن تكوني بتحبيني مختلفناش .. قولتيلي مش ممكن تفرطي في شرفك . تمام .. أنا مش هآذيكي . أوعدك إنك كل مرة هتخرجي من هنا صاغ سليم . ماتخافيش بقي .. طاوعيني و مش هتندمي !
إنهمرت الدموع من عينيها بالفعل و هي تحاول الفكاك منه ، لكنه لف ذراعيه حولها بإحكام ، ثم قال :
-ماتبقيش عنيدة . فكري في مصلحتك . أنا هنفعك أكتر ما هضرك بصرف النظر عن إن إللي أنا عايزه مافهوش ضرر أصلا . بالعكس . أنا هاخد بالي منك و بضمنلك إنك هتكوني مبسوطة معايا.
إستمرت "سمر" في التملص منه و هي تصرخ :
-إوووعي . سيبنيييي . أنا مش عايزة منك حاجة !
و هنا أفلتها "عثمان" و يقول ضاحكا :
-بتهزري يا سمر . إنتي محتاجالي . و مافيش قدامك حل تاني .. إقبلي عرضي دلوقتي أحسن بدل ما تيجي تطلبيه مني بعدين.
عند ذلك لم تشعر "سمر" إلا و هي ترفع كفها عاليا ، لكن "عثمان" تناوله من الهواء بحركة سريعة قبل أن تبلغ المسافة و تصفعه ..
لوي ذراعها خلف ظهرها بقوة ، ثم شدها إليه بعنف بحيث أصبح جسدها ملتصقا بجسده فأحست عندئذ بعضلاته النافره تحت ثيابه ..
بينما قال بصوت أجش :
-هدي أعصابك بقي و حاولي تفهمي .. مافيش قدامك إلا الحل ده . أنا الوحيد إللي في إيدي أخلصك من كل مشاكلك . بس طبعا بالمقابل إللي قولتلك عليه !
كادت تنفجر بوجهه ثانيةً ، لكنه سارع مكملا بصرامة لاذعة :
-أومال إنتي فاكرة أنا جبتك تشتغلي عندي هنا ليه ؟ إنتي و لا تعرفي أي حاجة عن الشغل إللي إنتي فيه . أنا جبتك هنا بس عشان تفضلي تحت عنيا .. عشان وقت ما أعوزك ألاقيكي !
سرت موجة من القرف و الخوف في أوصالها و تقلصت أحشاءها بألم
بدأت تصارع بهياج ، لكنه لم يقم بأي جهد ليحتجزها ثانية أخري ..
و بلحظة تلوت و حررت نفسها ، لتفر هاربة منه للحال
ركضت و هي لا تري أمامها بسبب كمية الدموع التي ملأت عيناها ، واصلت الركض بأقصي سرعة لديها حتي إبتعدت عن أرضه تماما
حينها فقط ، سمحت لساقيها بالتداعي و سقطت باكية تحت ظلال شجرة ضخمة ...
..............................................................
في الثانية بعد الظهر .. يستيقظ "فادي" علي مهل و يقوم من سريره بتكاسل منافي لطبيعته
كان غير عابئا بعامل الوقت أيضا ..
فاليوم هو عطلة ما بين الإمتحانات و قد أعطي لنفسه فترة راحة مفتوحة طيلة النهار لكي يعوض مخزون نشاطه المستهلك علي مدي الثلاثة أيام الفائتة
بعد تأدية روتينه الصباحي ..
قام بتحضير وجبة فطور خفيفة تناولها و هو يحتسي فنجانا القهوة ، ثم ذهب بعدها ليدرس قليلا داخل الشرفة الظليلة المعبقة برائحة الزهور التي قامت "سمر" بزراعتها بنفسها ..
-سمر ! .. تمتم "فادي" لنفسه حين جاء علي ذكر أخته
يعرف أنه بالغ في ردة فعله تجاهها البارحة ، و أفرط في إلقاء اللوم عليها ، فأولا و أخيرا هي ليست مذنبة و لم تفعل شيئا خاطئا ..
كانت ضعيفة و بمفردها و أرادت أن تنقذ "ملك" .. بالتأكيد أن التفكير لم يتسني لها وقتئذ ، بالتأكيد أنها لم تنظر للوضع من منظور الناس و الجيران من حولهم
أو بالأحري من منظور إبن الجزار تحديدا ..
الخوف سد حواسها و ما إستطاعت التمييز ، نعم هو كذلك
"سمر" فتاة جيدة
بشهادة الجميع ..
"سمر" كريمة الأخلاق و مثالا يحتذي به في الآدب و حسن السلوك
بعمرها لم تفعل الخطأ و لن تفعله
هو واثق من ذلك ثقة عمياء مجردة .. أخته جيدة
رغم أنف الجميع
و من الآن فصاعدا لن يعير إهتمامه لأحاديث الناس ، و سوف يصم آذانه عن إدعاءاتهم الباطلة التي ما هي إلا حيلة تستهدف تشويه سمعتهم و تخريب علاقته الطيبة بشقيقته ..
يكفي أنه يعرفها و يثق بها ، لن يهمه شئ أخر بعد الآن
تنهد "فادي" براحة و هو يعتزم مراضاة "سمر" حالما تصل ، نعم .. يجب أن يعتذر منها و ينهي هذا الخلاف السخيف ..
و لكنه ما لبث أن سمع أصوات هرج و مرج منبعثة من أسفل الشرفة ، ليقفز من مكانه حين ميـّـزت آذنه إسم شقيقته يُردد وسط كل هذه الجلبة ..
-إيه ده مش دي البت سمر ؟!
-أيوه هي ياختي.
-خير يا رب . يا تري فيها إيه ؟؟؟!
-العلم عند الله !
-بالراحة يا خميس . خد بالك يابني . علي مهلك .. هو إيه إللي حصل بالظبط ؟!
-ماعرفش و الله ياعم صابر . أنا كنت قاعد جوا المحل فجأة شفتها بتقع من طولها و هي في أخر الشارع !
جحظت عيناه برعب عندما شاهد أخته هامدة تماما كالجثة و محمولة علي ذراعي "خميس" بينما يتجه هو بها إلي داخل المنزل و خلفه جماعة من الجيران ..
في غضون لمحه كان "فادي" أمام باب الشقة
هبط الدرج كالمجنون حتي قابلهم عند طابق السيدة "زينب" ..
غمغم بغضب و هو يتناول "سمر" من بين ذراعي "خميس" ليطمئنه الأخير بلطف :
-ماتخافش يا أستاذ فادي . سليمة إن شاء الله . أنا بعت للصيدلي يجي يشوف الأنسة سمر و زمانه علي وصول.
فادي و قد أحمـّر وجهه من الإنفعال :
-خلاص ياجماعة متشكرين كتر خيركوا لحد هنا . يلا بقي كل واحد يشوف حاله و أنا هعرف أخد بالي من أختي لوحدي.
ثم تركهم وصعد بأخته ، لتتجاهل السيدة "زينب" كلمته و تصعد خلفه لتتطمئن علي "سمر" بنفسها ..
بينما رحل الباقون بناءً علي رغبة "فادي" و من بينهم "خميس" الذي إبتسم بحبور شديد و هو يشعر بأن ما حدث للتو قد أحرز نقطة في صالحه
و حاليا لا يفكر سوي في كيف سيستغل الوضع برمته ؟؟؟
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل "بحيري" .. تحديدا في الطابق الثاني حيث توجد الغرف
يخرج "رفعت البحيري" من غرفته و هو يكمل إرتداء سترته و يتحدث في الهاتف بنفس الوقت ..
رفعت بعصبية مفرطة :
-يعني إيه معاند و مش عايز يبتدي العلاج ؟ الكلام ده أنا ماعرفوش . لأ مابقولش حضرتك تكتفه و تعالجه غصب عنه .. طب إديهولي يا دكتور لو سمحت !
و هنا إنفتحت أبواب الغرف كلها و خرج باقي أفراد العائلة بثياب النوم و قد إجتذبهم صوت "رفعت" المجلجل ..
-في إيه رفعت ؟ .. قالها "يحيى البحيري" بتساؤل و هو يتقدم صوب أخيه بتباطؤ
بينما أهمله "رفعت" ليصيح بإبنه في نفس اللحظة :
-إنت يا متخلف . عامل مشاكل ليه ؟ .. يعني إيه مش عايز تتعالج ؟ إنت إتجننت .. يعني إيه إنت حر ؟ .. أقسم بالله يا صالح لو ما إتعدلت لهعرف شغلي معاك . تخرج ؟ طب إبقي وريني كده هتخرج إزاي . وديني لأربيك من أول و جديد !
و أغلق الخط بوجهه و هو يسب كل شئ بغضب شديد ، ليعاود "يحيى" سؤاله مجددا و قد صار علي مقربة منه :
-في إيه يا رفعت ؟ إيه إللي حصل ماله صالح ؟!
رفعت بعصبية :
-البيه قال مش عايز يتعالج . محدش في المستشفي عارف يلمسه و الدكتور بيقولي أنا خليت مسؤوليتي !
في هذه اللحظة برز صوت بكاء "صفية" التي لم تحتمل سماع المزيد ، فهربت إلي غرفتها مسرعة ..
بينما زم "يحيى" شفتاه بأسف ، ثم قال :
-طيب هتعمل معاه إيه ؟ لازم نعقله بسرعة الولد ده مش هينفع كده !
رفعت بضيق :
-أنا رايحله دلوقتي و هشوف هعمل إيه معاه.
-خدني معاك يا بابي .. قالتها "هالة" بتلهف و هي تركض نحو والدها ، ليرد "رفعت" بقسوة :
-أنا مش فاضي أجر و أسحب ورايا . خليكي هنا لحد ما أشوفلي صرفة معاه !
أنهي عبارته بصرامة لا تقبل الجدل ، ثم رحل
ليلتفت "يحيى" إلي "هالة" التي راحت تبكي في صمت ..
ضمها إلي صدره و هو يمسح علي شعرها بحنان قائلا :
-بس يا حبيبتي . إهدي . ماتقلقيش أخوكي هيبقي كويس إن شاء الله . هو بس حالته النفسية مش مظبوطة و مش فاهم وضعه أوي .. ثم تنهد تنهيدة طويلة ، و أردف :
-بصي إحنا هننزل نفطر دلوقتي و بعدين هاخدك و نروح علي المستشفي سوا . ماشي ؟
أومأت "هالة" و رأسها لا يزال علي صدره ، بينما إبتسم "يحيى" و هو يربت علي كتفها ثم يقبل شعرها بعاطفة أبوية ..
و من علي بعد كانت أعين "فريال" تراقب هذا المنظر المبهج بسعادة
لتلتقي عيناها فجأة بعيني زوجها الذي أخذ يرمقها بنظرات ولهة لا تنتهي أبدا و لا يقل منها الشغف مهما نهل و شبع من حبها ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل "سمر" .. كانت راقدة بإستسلام في فراشها
عندما فتحت عيناها بتثاقل و هي تتمتم أشياءً غير مفهومة ، ليسرع "فادي" إليها و هو يقول بلهفة :
-سمر ! سلامتك يا حبيبتي . ألف سلامة عليكي . ماتخافيش إنتي كويسة مافكيش حاجة.
سمر بنبرة خاملة متداخلة الأحرف :
-فـ فـ ـا دي ! .. إ إ يـ ـه إ للـ ـي حـ حصـ ـل ؟!
-ماحصلش حاجة يا حبيبتي . ضغطك وطي شوية و أغم عليكي . بس دكتور حسين الصيدلي جه شافك و قال إنك كويسة أوي لكن ناقصة غذا .. ثم أردف بنبرة معذبة :
-أنا السبب . أنا السبب في كل حاجة بتحصلنا . و لو ماكنتش ضايقتك إمبارح بكلامي ماكنش جرالك كده .. أنا آسف يا سمر . حقك عليا.
سمر و هي تهز رأسها للجانبين :
-إنت مالكش ذنب يا فادي . إنت ماعملتش حاجة يا حبيبي ماتتآسفش .. و حتي لو عملت إيه . أنا مسمحاك.
فادي بإبتسامة حزينة :
-أنا بحبك يا سمر . إنتي أختي و أنا بحبك و بخاف عليكي . ماقصدش أزعلك و الله.
سمر بإبتسامة مماثلة :
-و أنا كمان بحبك و بخاف عليك يا حبيبي . و بحب ملك و بخاف عليها بردو و مستعدة أرمي نفسي في النار عشانكوا إنتوا الإتنين.
-ماتقوليش كده .. إحنا هنبقي كويسين و قريب أوي مش هنحتاج لحد . مش ده كلامك و لا إيه ؟
سمر بمرارة :
-أيوه .. إن شاء الله !
لاحظ "فادي" تقلص قسمات وجهها ، فتساءل بقلق :
-مالك يا سمر ؟ إنتي كويسة ؟!
كانت ذاكرتها قد إستعادت أحداث صباح اليوم ، و رغم الآلم الجسيم الذي شعرت به في هذه اللحظة ، إبتسمت و هي تجيبه :
-أنا كويسة يا حبيبي . إطمن . حاسة بشوية دوخة بس !
-و لا يهمك ياستي . ماما زينب كانت هنا من شوية و أصرت تنزل تعملك غدا بنفسها . شوية كده و هتطلع تآكلك بإيديها كمان.
سمر بضيق :
-طب ليه يا فادي ؟ ليه تتعبها ؟ كنت خد فلوس من شنطتي و أنزل إنت هات أكل . ليه تخليها تعمل كده ؟!
-و الله فكرت في كده و إتحايلت عليها كمان بس هي إللي أصرت . ماعرفتش أقنعها و الله صدقيني !
تنهدت "سمر" بسأم ، ثم قالت :
-خلاص .. إللي حصل حصل . و كتر خيرها بردو .. بس ماقولتليش أنا وصلت لهنا إزاي ؟!
فادي بغضب دفين :
-خميس هو إللي جابك . شافك و إنتي بتقعي من طولك في أخر الشارع فجري و عليكي و جابك علي هنا.
لم تعلق "سمر" بعد هذا و آثرت الصمت حتي لا يزداد غضب أخيها
ليسألها "فادي" بإهتمام :
-صحيح إنتي إيه إللي رجعك بدري إنهاردة ؟؟!
سمر و هي تجيب بشئ من الإرتباك :
-و لا حاجة . أنا بس حسيت إني تعبت فجأة و مابقتش مش مركزة في الشغل . فإستأذنت و رجعت بدري !
أومأ "فادي" بتفهم ، ثم قال ملقيا اللوم علي نفسه ثانيةً :
-هرجع و أقول أنا السبب بردو . يعني لو كان أغم عليكي في مكان تاني كان إيه إللي ممكن يحصلك ؟!
-خلاص بقي يا فادي .. بطل تعاتب نفسك . و صدقني أنا بقيت كويسة دلوقتي.
و أمسكت بيده و هي تضغط بقوة لتبرهن له كلامها ..
إبتسم "فادي" و هو يقول بلطف :
-طيب . بما إنك فوقتي و بقيتي كويسة ، أنزل أنا بقي أجبلك شوية فاكهة و عصير . لازم تتغذي كويس زي ما دكتور حسين قال.
و إنحني ليقبل جبينها ، ثم قال :
-مش هتأخر عليكي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في المشفي عند "صالح" ... يقف "رفعت" أمام سرير إبنه و نظرات الغضب تتقافز من عينيه ، بينما ينظر "صالح" للجهة الأخري غير آبه بكلمة واحدة مما تفوه بها سواء الطبيب أو والده
-يعني إنت مش همك ؟ .. قالها "رفعت" و هو يضغط علي أسنانه بقوة ، ليجيب "صالح" ببرود و دون أن يغير من وضعيته :
-أه.
رفعت بعصبية :
-جاك هوا يا قليل الآدب . طب إيه رأيك هتتعالج غصب عنك !
هنا نظر "صالح" إلي والده و قال بهدوء :
-مش هتعالج يا بابا . أنا حر .. ثم أكمل و هو يرمق الطبيب بنظرات ذات مغزي :
-و إللي هيحاول يلمسني أو يجي جمبي تاني إزاز نضارته هيدخل في عينه المرة الجاية.
زم الطبيب الشاب شفتاه بحنق و هو يرفع يده و يتحسس بأنامله تلك الكدمة الزرقاء أسفل عينه اليسري ، ما زالت حديثة و ما زالت تؤلمه أيضا منذ الصباح
و كل هذا لأنه حاول بدء أولي جلسات العلاج مع "صالح" .. الأثرياء ، يا لهم من همج !!
-يابني إنت بالطريقة بتعاند نفسك مش حد تاني ! .. قالها "رفعت" رافعا إصبعه السبابة في حركة إنذارية
-صدقني هتندم.
صالح بإبتسامة باهتة :
-لا ماتقلقش يا بابا .. أنا خدت القرار ده و أنا متأكد إني مش هندم عليه أبدا . أرجوك بقي ماتتعبش نفسك و تتعبني معاك في الموضوع ده أكتر من كده.
قطب "رفعت" بيأس و هو يتبادل النظرات مع الطبيب في صمت ..
يبدو أن لا جدوي من الكلام
فقد قام "صالح" بحسم أمره و إنتهي ...
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل "بحيري" ... و مع غروب الشمس
يعود "عثمان" و يترجل من سيارته الفارهة بعد أن سلم المفتاح للبستاني لينزلها بالكراچ ..
يدخل إلي المنزل .. الهدوء سائد كالعادة إلا من حركة الخدم الخفيفة
يسأل عن أفراد عائلته ، ثم يسأل عن صديقه
ليتجه إليه مباشرةً بعد أن علم أنه لم يبارح غرفته منذ الليلة الماضية ..
-إدخل !
يدفع "عثمان" باب الغرفة بعد سماع هذا الأذن و يلج
ليري "مراد" جالسا في صالون الغرفة الصغير و قد وضع حاسوبه علي قدميه يتصفحه بتركيز ، حتي إنتبه لـ"عثمان ..
-أخيرا جيت .. هتف "مراد" بتهكم ، و تابع :
-من الصبح و أنا قاعد هنا لوحدي . حاسس إني خللت يا جدع !
عثمان و هو يجلس في كرسي قبالته :
-هو أنا سايبك مع أهل الكهف ؟ و بعدين حد يبقي قاعد في قصر البحيري و يضايق ؟ إنت عبيط ياض ؟!
-جنة منغير ناس ماتنداس يا صاحبي.
-و إنت شايف البيت مهجور ؟ كنت بتعمل إيه طول النهار ؟ مانزلتش من أوضتك ليه ؟ قالولي تحت إنك فطرت و إتغديت هنا !
-يا عم كويس إني ماطلعتش من الأوضة . ده أنا صحيت علي أصوات فظيعة . و الله يا أخي قطعت الخلف.
عثمان عابسا بإستغراب :
-أصوات إيه إللي صحيت عليها ؟!
-يا سيدي كنت نايم لا بيا و لا عليا . فجأة صحيت علي صوت راجل بيزعق بس مش أبوك أنا عارف صوت أبوك.
-يبقي عمي . كان بيزعق ليه بقي ؟؟
-ماعرفش و الله . أنا ماركزتش كنت لسا صاحي و بقول هادي.
أومأ "عثمان" بتفهم ، ليباغته "مراد" بإبتسامة خبيثة :
-تعالالي بس الأول و ماتوهنيش . إيه أخبار الرهان يا حلو ؟
بادله "عثمان" نفس الإبتسامة و هو يقول :
-إتك عالصبر يا صاحبي.
مراد بضحكة ساخرة :
-و الله يا صاحبي شكلك هتطلع بؤ في الأخر و هتخسر لأول مرة.
-ليه يا بابا لسا فاضل يوم . و بعدين قولتلك عثمان البحيري عمره ما خسر.
مراد بإبتسامة مستفزة :
-بس شكلك هتخسر المرة دي . أصل البت مش النوع إللي سيادتك متعود عليه . مش عارف ليه مش عايز تقتنع !
زم "عثمان" شفتاه بغضب شديد ، و سرعان ما صدح هاتفهه برنينه الصاخب ، ليخرجه من جيب سترته بحركة عصبية ثم ينظر إلي إسم المتصل ..
في ثانية إنفرجت ملامحه ، فأدار وجهه إلي صديقه و هو يبتسم بإنتصار ..
-إيه في إيه ؟ .. تساءل "مراد" بغرابة
ليرفع "عثمان" هاتفهه في مستوي ناظري "مراد" حتي يستطيع رؤية إسم "سمر" الذي راح يضيئ شاشة الهاتف بلا توقف ...
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم Shaimaa Gonna
صامتة ، شاردة ، شاحبة ، مكتئبة ... هكذا أصبحت "صفية" منذ واقعة إنفصالها عن "صالح"
فقدت شهيتها تدريجيا و جهلت بعد ذلك معني الحياة ..
إذ إكتشفت أنه كان يمثل لها هذا المعني بالضبط ، هو وحده لا أحد غيره ، و لكنها هي من تغافلت عن تلك الحقيقة و لطالما عاملته ببرود
لم تكن تدر أن حالتها ستسوء بهذا الشكل إذا تفارقا ذات يوم ، بل لم تكن تدر أنها تحمل له كل هذا الحب بداخلها .. لم يخطر ببالها أبدا !!
-يا تري ممكن أدخل ! .. قالها "يحيى" و هو يقف علي عتبة باب غرفتها من الخارج ، بينما عادت "صفية" إلي أرض الواقع و إنتبهت لوالدها
-بابي ! .. تمتمت بشئ من التوتر ، ثم قالت بإبتسامة :
-أه طبعا إتفضل . إدخل يا بابي من فضلك.
إبتسم "يحيى" هو يلج بخطواته الوقورة المتزنة ، ثم قال و هو يجلس علي طرف الفراش بجانبها :
-أنا هسافر إنهاردة . طيارتي بعد 3 ساعات . قلت أجي أشوفك و أطمن عليكي قبل ما أمشي.
-حبيبي ربنا يخليك ليا و ترجعلنا بالسلامة يا رب.
إستشف "يحيى" الكآبة في نبرة صوتها رغم محاولاتها لإخفاء ذلك .. ضيق عينيه و هو ينظر لها بتركيز ، ثم قال بهدوء :
-صافي .. مالك يا حبيبتي ؟ إيه إللي مضايقك ؟!
صفية بإبتسامة مرتبكة :
-مافيش حاجة يا بابي . مافيش حاجة مضايقاني . مش عارفة ليه كلكوا فاكرين إني مضايقة اليومين دول . أنا كويسة و الله !
-شكلك مش بيقول كده يا حبيبتي . قوليلي لو في حاجة . أنا أبوكي و أكتر واحد في الدنيا يهمه أمرك . أصلا ماعنديش في الدنيا أغلي منك.
صفية و هي تميل برأسها علي صدره و تلف ذراعيها حول وسطه :
-يا حبيبي يا بابي .. أنا عارفة ده طبعا . و صدقني مافيش حاجة . لو كان فيه أنا ليا مين غيرك يعني ألجأ له ؟
يحيى بحيرة :
-أومال مالك بس ؟ أحوالك مش عجباني . و أمك شكلها عارفة حاجة و مش عايزة تقولي !
-يا بابي صدقني مافيش حاجة .. إطمن.
يحيى بإلحاح :
-أنا مش عايز أسافر و أنا حاسس إن في مشاكل بتحصل من ورا ضهري . ماينفعش تخبوا عني يا صافي.
-يا حبيبي محدش يقدر يعمل حاجة من ورا ضهرك و إحنا مانقدرش نخبي عنك أي حاجة.
تنهد "يحيى" مستسلما ، لكنه ألقي بأخر كارت كمحاولة يائسة لإستمالتها :
-طيب . مافيش مشكلة بينك و بين صالح مثلا ؟!
صفية و قد فشلت في إجلاء الحزن عن صوتها :
-ليه بتقول كده ؟
هز "يحيى" كتفيه و قال :
-يعني . مجرد تخمين .. و بعدين إنتي بقالك فترة مش بتروحيله المستشفي ! حصل حاجة بينكوا ؟
صفية بشئ من التردد :
-في مشكلة صغيرة . بس حضرتك عارف إحنا مش بنقدر نبعد عن بعض كتير .. و دايما هو إللي بيبدأ و بيصالحني.
-عملك إيه طيب ؟؟؟ .. تساءل "يحيى" بحدة ، لتجيبه "صفية" بسرعة و لطف :
-لأ يا بابي صالح ماعملش حاجة خالص .. هو بس مضايق من إللي حصله . حالته النفسية مدمرة و أنا مقدرة وضعه و زعلانة عشانه أووي . يمكن هو ده إللي مضايقني بالشكل ده.
تنفس "يحيى" بعمق ، ثم قال بصلابة :
-عموما أنا عايزك تعرفي إنك إنتي بس إلي تهميني وسط كل إللي بيحصل ده . و أنا مش عايزك تيجي علي نفسك و يبقي حالك كده . نفسيته مدمرة علي عينا و راسنا بس مايسوقش فيها و يحسسنا إن إحنا إللي وزينا عليه و فرحانين بإللي حصله .. ثم أكمل بتحذير :
-إسمعي يا صفية . إنتي مش مضطرة خالص تستحملي من صالح إللي بستحمله أنا و أخوكي من عمك . و إذا كان إللي إنتي فيه ده بسببه يبقي نفضها سيرة من دلوقتي أحسن و كل واحد يروح لحاله.
-لأ .. صاحت "صفية" بهلع ، ثم إبتعدت عنه و أردفت :
-أنا ماشتكتش و مش عايزة و لا بفكر أسيب صالح يا بابي . أنا بحبه و بعدين لازم إستحمله . هو بيمر بأزمه مش سهلة.
يحيى بضيق :
-أنا مستحمل من يوم الحادثة عشانك . عشان أحافظ علي علاقتكوا . بس لو هو مش هامه حاجة زي دي يبقي مايستهلش تسألي فيه أصلا .. فوقي يا بنتي . ده إنتي بنت يحيى البحيري . يعني كل رجالة البلد و أنضفهم يتمنوا التراب إللي بتمشي عليه.
صفية بإصرار غاضب :
-بس أنا بحب صالح . و مش عايزة غيره.
يحيى بسأم :
-براحتك . بس يكون في علمك لو رجعت و لاقيتك لسا في الحالة دي أنا بنفسي إللي هفسخ خطوبتكوا و لو إنطبقت السما عالأرض مش هوافق ترجعوا أبدا .. ثم رسم إبتسامة بسيطة علي ثغره و قد تخلص من مزاجه السيئ بمهارة ورثها عنه إبنه
ربت علي وجنتها بخفة ، ثم قال بهدوء :
-يلا يا حبيبتي . أشوف وشك بخير .. مش عايزة حاجة أجبهالك معايا و أنا جاي ؟
صفية و تبادله نفس الإبتسامة :
-عايزاك ترجعلنا بالسلامة يا بابي .. و عانقته بقوة متمتمة :
-هتوحشني أوووي .. بليز ماتتأخرش !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
-سمر ! .. هكذا صاحت السكرتيرة متفاجئة ، ثم قامت و مشت ناحية "سمر" مكملة :
-إيه يا بنتي المفاجأة الحلوة دي ؟ حمدلله علي السلامة.
سمر بإبتسامة خالية من الروح :
-الله يسلمك يا نجلاء . إنتي عاملة إيه ؟
-سيبك مني أنا . إنتي صحتك بقت كويسة و لا لأ ؟؟؟
سمر بمرارة خفية :
-لو ماكنتش كويسة ماكنتش جيت.
نجلاء بإبتسامة :
-طيب الحمدلله . و كويس يا أختي إنك جيتي ربنا عالم بيا أنا و عثمان بيه مش متفاهمين خآااالص.
سمر بضحكة متكلفة :
-ليه كده بس ؟
نجلاء بطيش و هي تلوح بيدها في الهواء :
-يا شيخة ده بني آدم مجنون مختل عقليا أقسم بالله.
-يخرب عقلك وطي صوتك أحسن يسمعك.
-هو في إيه و لا في إيه يا حبيبتي . عنده ناس جوا مشغول.
عبست "سمر" متسائلة :
-هيطول ؟
-مش عارفة بصراحة بس هما بقالهم كتير معاه جوا . إنتي عايزة تدخليله و لا إيه ؟
سمر بوجوم :
-أيوه.
نجلاء و هي تجذبها من ذراعها :
-طيب يا حبيبتي تعالي ده مكتبك أصلا . تعالي كلميه و لو في حاجة مهمة يعني قوليله لو سمحت يافندم عايزاك دقيقتين.
-لـل لأ .. تمتمت "سمر" بإباء ، ثم قالت :
-كلميه إنتي من فضلك يا نجلاء . قوليله إني عايزة أقابله !
نجلاء بدهشة :
-الله ! طيب ما تكلميه إنتي يابنتي . إنتي ناسيه إنك سكيرتيرته أصلا ؟!
سمر بضيق :
-معلش يا نجلاء . إسمعي كلامي من فضلك !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في المكتب عند "عثمان" ... أخيرا ينهي نقاشه مع "هالة" الذي إستغرق وقتا طويلا
عثمان بصرامة ممزوجة باللطف :
-خلاص يا هالة . أنا هاروحله إن شاء الله و هتكلم معاه.
هالة برجاء :
-بليز يا عثمان إبقي إستحمله لو قال كلمة كده و لا كده . إنت عارف هو مش هيكون قاصد أي حاجة.
عثمان بثقة :
-ماتقلقيش . ده صالح يعني . أنا هعرف أتصرف معاه .. ثم نظر نحو "مراد" و قال :
-مراد لو سمحت وصل هالة للبيت دلوقتي و بعدين إرجعلي عشان نروح المستشفي سوا.
مراد برحابة شديدة :
-حاضر . و أساسا منغير ما تقول أنا إللي جيبتها لهنا و إللي هاوصلها للبيت.
-ماشي ياخويا !
و هنا دق هاتف المكتب ، ليقوم "عثمان" و يرد بفتوره المعتاد :
-في إيه يا نجلاء ؟ .. مــــــــــــــــين ؟ .. صاح بدهشة حقيقية ... ثم أردف بجدية :
-طيب . طيب الضيوف إللي عندي خارجين دلوقتي . دخليها بعدهم علطول .. و أقفل الخط و هو يبتسم بشدة و يتمتم لنفسه :
-ماتأخرتيش يا سمر . أخيرا جيتيلي برجليكي ! .. ثم إلتفت إلي صديقه و إبنة عمه قائلا :
-طيب يلا بقي عشان تلحق توصلها يا مراد و ترجعلي زي ما قولتلك !
مراد و هو يقوم من مكانه :
-تمام . يلا يا هالة ؟!
-أوك .. قالت "هالة" و هي تأخذ حقيبتها و تنهض
مشت صوب "عثمان" ... إقتربت منه و قبلته من وجنتيه و هي تقول بهيام شديد :
-باي يا عثمان . أبقي أشوفك في البيت بقي.
تظاهر "عثمان" بعدم فهم إسلوبها ، و تعامل معها بأخوية ..
حيث طبع قبلة سطحية علي جبهتها ، ثم قال بإبتسامة :
-مع السلامة يا حبيبتي . نورتيني إنهاردة و الله !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في الخارج ... أخذت "سمر" تستعد للمواجهة
شحنت نفسها بالجرآة و القوة ..
لا تريد أن تــُذل أمامه أبدا .. كي تكون النتائج في صالحها ، ليس هو وحده من يملك عقل مدبر ، ستراوغه هي أيضا ..
-إيه ده مش ممكن ! .. سمر ؟!! .. قالها "مراد" بصياح ذاهل ، لتنتبه إليه "سمر" و تقطب بإستغراب .. فهي لا تتذكره
توجه "مراد" إليها و هو يقول مبتسما :
-حمدلله علي سلامتك . و ألف سلامة عليكي . أنا لسا عارف إنهارده و الله أول ما جيت و ماشوفتكيش سألت عليكي علطول.
سمر و تطرف بتوتر :
-شـ شكرا !
-إيه يا سمر إنتي مش فاكراني و لا إيه ؟؟
سمر و هي تهز كتفاها ببطء :
-بصراحة لأ !
مراد بإبتسامة :
-ليكي حق تنسيني إنتي ماشوفتنيش غير مرة واحدة بس .. ثم قال و هو يلتفت نحو "هالة" :
-عموما هاشوفك . أنا باجي هنا كتير .. يلا سلام مؤقت.
و ذهب برفقة "هالة" ... لتعبس "سمر" بغرابة ممزوجة بالمقت ، لكنها تخطت الأمر و وجهت ناظريها نحو باب المكتب المفتوح هناك ..
أخذت نفسا عميق و حبسته قليلا برئتيها
ثم أطلقته علي زفرات متتالية و سارت بخطي ثابتة إلي .. إلي المجهول ... الذي سيحدد مصيرها و مصير أختها المسكينة !!!
.......................................................
كانت علي شفا النعاس .. بعد مجهود شاق بذلته لتصفي ذهنها من كل فكرة و هاجس أسود يهددها
ليأتي "فادي" فجأة و يفسد كل شئ ..
-سمر ! .. قالها "فادي" بهتاف متوسط و هو يلج إلي الغرفة دون إستئذان
-إنتي نمتي يا حبيبتي ؟! .. تساءل ببراءة ، لتبتسم "سمر" بخفة و هي تقول :
-لأ يا حبيبي . لسا . إيه كنت عايز حاجة ؟
فادي و هو يمشي ناحيتها :
-لأ يا حبيبتي سلامتك مش عايز حاجة . أنا بس كنت جاي أرجعلك الموبايل . خلاص عملت المكالمة .. ثم أعطاها الهاتف مكملا بإبتسامة :
-شكرا.
-العفو يا فادي .. ثم أردفت علي سبيل المزاح :
-كنت بتكلم مين بقي ؟ الحج عبد الموجود ؟!
و ضحكت بمرح ، ليرد "فادي" بجدية :
-لأ كنت بكلم مديرك . عثمان بيه !
إرتعدت "سمر" بقوة و قد أبيـّض وجهها من الصدمة
-إيه !! .. تمتمت بفم مفتوح ، ثم صاحت فيه بغضب :
-ليــــه ؟ ليه كلمته ؟؟؟
أجفل "فادي" و هو يجيب بشئ من التوتر :
-كلمته عشان أخدلك إجازة يومين من الشغل . لاقيتك ماتصلتيش بيه إنتي فإتصلت أنا عشان مايفهمش غيابك غلط !
زمت "سمر" شفتيها و هي تقطب في ضيق شديد
ليرمقها "فادي" بنظرات حملت طابع التشكيك ، ثم يقول :
-في إيه سمر ؟ مالك إتعصبتي كده ليه لما عرفتي إني كلمته ؟!
همهمت "سمر" بإنزعاج و قالت :
-لأ ماتعصبتش و لا حاجة . بس ماكنش في داعي يعني تكلمه في وقت زي ده و تزعجه .. أنا كنت هكلمه بكره الصبح.
فادي بنبرة موضوعية :
-بصراحة الراجل كان ذوق أوي و ماقالش حاجة . بالعكس قال سلامتها و تبقي تيجي علي مهلها مافيش مشكلة.
أومأت "سمر" قائلة بإقتضاب :
-طيب كتر خيره.
فادي بتعجب :
-إيه طيب كتر خيره دي ؟!
-عايزني أقول إيه يعني ؟ .. تساءلت بعصبية واضحة
ثم أخدت نفس عميق و أطلقته علي زفرات متتالية ، و قالت بإيجاز :
-بكره الصبح هبقي أتصل أشكره بنفسي.
عبس "فادي" و هو يرمقها بنظرات حائرة ، ليسألها بإلحاح :
-سمر .. مالك ؟ في حاجة حصلت ؟؟؟
سمر بتآفف :
-قولتلك مافيش حاجة يا فادي . أنا تعبانة بس و مش مستحملة الكلام الكتير ده . عايزة أنام.
فادي بلطف :
-طيب طيب . خلاص أنا خارج أهو .. تصبحي علي خير يا حبيبتي.
سمر بهدوء مرهق :
-و إنت من أهله !
تنهد "فادي" و هو يهز رأسه بعدم إرتياح ، لكنه تركها و خرج بالنهاية ..
ليطير النعاس من عينيها فورا و تظل واعية تفكر في بالموقف المخزي الذي وضعها فيه أخيها بدون قصد
ماذا سيقول الآن ؟ هل سيعتبر ذلك تصريحا بالموافقة منها ؟ هل سيفهم مما حدث أنها أعطته الضوء الأخضر و أعلنت إستسلامها لعرضه ؟
-لأ .. غمغمت "سمر" بغضب ، و أردفت :
-يفهم إللي يفهمه . الحيوان ده . أنا مش هاوريله وشي تاني . يروح في ستين داهية . فادي كان عنده حق !
و هنا دخلت "سمر" في صراع مع نفسها ..
نفسها :
-طب و مشاكلك ؟ ده هو الوحيد إللي في إيده الحل لكل المشاكل إللي إنتي فيها !
سمر بغضب :
-يغور في داهية هو و حلوله . أنا مش ممكن أركعله أبدا . ده مش بني آدم.
نفسها :
-إنتي مش كنتي بتشكري فيه ؟ و كمان كنتي بتدافعي عنه !!
سمر :
-أه ده كان قبل ما يظهر علي حقيقته . و بعدين أنا إللي كنت غبية . صدقت أنه كان بيعمل معايا كل ده لوجه الله .. بس فادي كان صح . لما كان بيقولي مش مرتاحله و هو أصلا عمره ما شافه !
نفسها :
-كل ده مايغيرش إنك محتجاله يا سمر.
سمر بعصبية :
-لأ مش محتجاله . ده أخر إنسان في الدنيا ممكن أحتاجله.
نفسها :
-متأكده ؟
سمر بثقة :
-طبعا.
نفسها :
-طيب بالنسبة لملك ! .. هتقدري توفرلها مصاريف المستشفي و العلاج يا سمر ؟ معاكي المبلغ الضخم ده عشان تقدري تعالجي أختك بيه ؟!
سمر و قد صعقت من هذه الفكرة :
-هو ممكن يبطل يدفع المصاريف ؟؟؟
نفسها :
-أكيـــد . إنتي لسا قايلاها بلسانك . هو ماكنش بيعمل معاكي كل ده لوجه الله .. المقابل الحقيقي لكل إللي عمله ده هو إنتي يا سمر.
سمر بوهن ممزوج بالقهر :
-بس أنا مش ممكن أوافق علي كده . مش ممكن أوافق علي إللي هو عايزه ده . أبيعله نفسي ؟ لأ . مستحيييل.
نفسها :
-يبقي حياة أختك هتكون التمن !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عند "عثمان" ... يخرج عابس الوجه من الشرفة الملحقة بغرفة "مراد"
ينهي سريعا بعض الأشياء بهاتفهه ، ثم يرجعه إلي جيبه مجددا ..
ليستقبله صديقه فورا بتساؤل و فضول :
-إيه يا عم ! إيه إللي حصل ؟ كانت عايزة منك إيه ؟؟؟
تنفس "عثمان" بعمق ، ثم أجابه بفتور :
-و لا حاجة . ماكانتش عايزة حاجة.
مراد بإستهجان :
-نعم ياخويا ؟ ماكانتش عايزة حاجة إزاي ؟ أومال إتصلت بيك ليه ؟!
عثمان ببرود :
-مالكش فيه يا مراد.
-بقي كده ؟
-أه . إنت ليك نتيجة الرهان إللي بينا لو حصل هبقي كسبت لو ماحصلش مفتاح العربية كده كده جاهز.
-ماااشي يا عثمان . و علي رأي المثل . خلينا ورا الكداب.
عثمان بإبتسامة متهكمة :
-طيب يلا ياخويا . يلا عشان ننزل نتعشي تحت.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل المعلم "رجب" الجزار ... يجلس "خميس" بالصالون المذهب الرخيص قبالة والده
مضت ساعة حتي الآن و هو يحاول إقناعه بما يريد ..
خميس بلطف :
-يابا عشان خاطري !
المعلم رجب بصوته الغليظ :
-أنا قلت لأ يعني لأ.
خميس مواصلا إلحاحه :
-يابا صدقني المرة دي مش هيرفضوا . طاوعني المرة دي بس.
وضع المعلم "رجب" مبسم النارجلية بفمه و راح يسحب من خلاله نفسا عميق زفره بشكل عموديفي وجه إبنه و هو يقول بسخرية :
-و إنت إيه إللي مخليك متوكد أوي كده ؟ بقي بعد ما ست الحسن رفضتك من أول مرة هتيجي توافق عليك في التانية ؟ إنت أهبل ياض ؟؟!!
-أنا مش حكيتلك إللي حصل إنهاردة ؟
-و هو يعني عشان جنابك عملتلي فيها فريد شوقي وحش الشاشة و جريت علي الصنيورة و شيلتها لحد البيت ده كده بقي إعلان خطوبة مثلا !
خميس و قد إنتابه الغضب :
-أنا ماقولتش كده يابا . بس هي و إخواتها كل يوم الحال بيسوء بيهم أكتر و إللي حصلها إنهاردة علامة بتبين إنهم خلاص جابوا أخرهم . و المثل بيقول أضرب الحديد و هو سخن و إحنا لو روحنا نتكلم معاهم هايوافقوا و الله هايوافقوا.
-بس أنا بقي مش موافقة ! .. قالت هذه الجملة سيدة في منتصف العمر ، آتت حين سمعت نقاش زوجها و إبنها الذي طال بغير لزمة من وجهة نظرها
-و مش موافقة ليه ياما إنتي كمان ؟ .. تساءل "خميس" بضيق شديد ، لترد الأم بلهجة سوقية للغاية :
-دي واحدة طمعانة فيك و في فلوس أبوك يا حبيبي و أنا لو إنطبقت السما علي الأرض مش هوافق تخش عيلتنا.
خميس بإنفعال :
-هي مين دي إللي طمعانة فيا و في فلوس أبويا ؟ إنتي شايفاها رامية نفسها عليا ؟؟؟
الأم و هي تقسم بحرارة :
-و المرسي أبو العباس ماهتجوزها يا خميس و حياة أبوك إللي قاعد ده يانا يا الجوازة دي.
المعلم رجب و هو يزيد من غلظة صوته :
-خلاص بقي يا ولية . إنتي بتتحشري ليه أصلا و أنا بتكلم مع الواد ؟ مالكيش دعوة إنتي بالمواضيع دي.
-ماليش دعوة إزاي ؟ هو مش إبني أنا كمان ؟!
المعلم رجب بحدة :
-لما أكون أنا بتكلم إنتي تخرسي خالص.
الأم و هي تضرب فمها بكفها :
-حاضر ياخويا . أهو . إنخرست خالص أهو.
حدجها زوجها بملل شديد ، ثم أشاح عنها و عاد لحديثه مع إبنه ..
المعلم رجب بإيجاز :
-شوف يابني أنا مش موافق علي البت دي . النسب مش لادد عليا خالص الصراحة . سيبك منها و أنا أوعدك هجوزك أحلي بت في إسكندرية كلها.
خميس بغضب :
-أنا مش عايز أحلي بت في إسكندرية كلها . أنا عايز سمر يابا .. أنا بحبها !
المعلم رجب بإنفعال :
-بتحبها إيه و زفت إيه يا عبيط أنت ؟ ياض إفهم بقي و خلي عندك كرامة . البت مش عايزاك و أخوها لسا كان ماسك في خناقك إمبارح . إيه كل ده مش حاطه في إعتبارك ؟ ماعندكش دم خالص ؟!
رمقه "خميس" بنظرات محتقنة إثر هذا ..
لكنه تمالك نفسه و سأله بهدو للمرة الأخيرة :
-يعني مش هتروح تخطبهالي يابا ؟
-لأ .. قالها المعلم "رجب" بقرار قطعي يختتم النقاش إلي هنا أخيرا
ليقوم "خميس" من مكانه بعنف ، ثم يلتفت و يغادر المنزل كله و هو في فورة غضبه و عصبيته ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل "بحيري" ... بداخل حجرة الطعام
يدخل كلا من "عثمان" و "مراد"
و بعد تبادل التحيات القصيرة ، يسحب "مراد" كرسي لنفسه و يجلس بجانب "هالة"
بينما يتجه "عثمان" نحو أمه الجذابة و المتبرجة بالكامل ..
يتناول يدها الناعمة برفق ، ثم ينحني ليقبلها برقي شديد
إبتسمت "فريال" بحب و هي تمسح علي شعره بحنان ، ليرفع وجهه إليها في اللحظة التالية و يقول بجاملة مهذبة ليدخل علي قلبها السرور :
-مساء الجمال يا فريال هانم . أنا كنت نازل و أنا حاسس إني ميت من الجوع . شفتك بس حسيت إني واكل و شارب و شبعان علي الأخر . مابقتش محتاج حاجة من الدنيا خلاص.
قهقهت "فريال" برقة ، ثم قالت و هي تداعب لحيته البنية :
-آه منك و من بكشك إللي مش بيخلص ده . بس بموت فيك بردو أعمل إيه !
و قربت وجهه منها لتقبله من وجنته ..
-و أنا قرطاس لب قاعد وسطكوا !! .. قالها "يحيى" بغيظ ، لتلتفت "فريال" نحوه و تمسك بيده قائلة :
-ده إنت حبيبي الأول و الأخير . بس ده مايمنعش إن عثمان حاجة تانية بالنسبة لي.
يحيى بتهكم ممزوج بالغيظ :
-ربنا يخليهولك.
فريال بضحك :
-أمين ياااا رب.
لوي "عثمان" فمه بإبتسامة جانبية ، ثم تساءل عندما لمح الكرسي الذي تجلس عليه "صفية" فارغ :
-هي فين صافي يا ماما ؟ بقالي كام يوم ماشوفتهاش !
تنهدت "فريال" و قالت بحزن :
-صافي فوق في أوضتها . مش راضية تنزل تتعشي معانا.
-ليه ؟!
فريال و هي ترمقه بنظرة ذات مغزي :
-مش عارفة . لو قادر أطلع هاتها إنت كلنا هنا غلبنا معاها.
أومأ "عثمان" برأسه ، ثم إتجه إلي غرفة شقيقته ..
بينما شغل "يحيى" الأجواء بفتح حديث جديد مع "مراد" :
-و إنت عامل إيه يا مراد ؟
مراد بإبتسامة :
-الحمدلله يا أنكل كويس.
-و أبوك أخباره إيه ؟ مش ناوي ينزل هو كمان ؟!
-لا هو ماما مبسوطين أوي هناك . أنا إللي زهقت و قررت أرجع و هما ماعترضوش .. سابوني براحتي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في غرفة "صفية" ... يدق "عثمان" الباب ، ثم يدخل ليجدها جالسة فوق سريرها تشاهد التلفاز بشرود
-ممكن أدخل ! .. قالها "عثمان" بلهجة إنسيابية ، لترد "صفية" بتكلف :
-إنت دخلت خلاص.
ضحك "عثمان" بخفة و تقدم صوبها و هو يقول :
-أنا قلت أجي أبص عليكي . بقالي يومين ماشوفتكيش.
صفية بسخرية :
-علي أساس إن حد بيشوفك إنت ؟ ما إنت مختفي علطول.
جلس "عثمان" بجوارها ، ثم سألها بجدية :
-مالك يا صافي ؟ شكلك عامل كده ليه ؟!
-شكلي ماله مش فاهمة ؟!
-يعني .. خاسة . قاعدة في أوضتك دايما . مش بتنزلي تاكلي معانا تحت !
صفية و هي تبتسم بكآبة :
-أنا كويسة يا عثمان ماتقلقش عليا . بس حبيت أقعد مع نفسي شوية.
-قصدك حبيتي تحبسي نفسك ! .. بتعملي كده ليه ؟ في مشكلة ؟ إحكيلي يا صافي لو عندك مشكلة مهما كانت حجمها هحلهالك.
تنهدت "صفية" و قالت :
-صدقني يا عثمان . مافيش حاجة . أنا و صالح زعلانين مع بعض شوية .. بس أكيد هنتصالح بسرعة.
عثمان بإهتمام :
-طيب ممكن أعرف زعلانين من بعض ليه ؟!
صفية بإختصار :
-هو مضايق من حالته و بقي عصبي . بس أنا مقدره إللي هو فيه عشان كده سايباه براحته لحد ما يتكلم من نفسه.
همهم "عثمان" بتفهم ، ثم قال و هو يقف علي قدماه :
-طيب ياستي . سيبك من كل ده دلوقتي و يلا معايا علي تحت عشان تتعشي معانا.
صفية بضيق :
-لأ يا عثمآاان . بجد مش في المود خالص.
-هو إيه إللي مش في المود ! أنا بقولك تعالي أفسحك ؟ يلا يا بت مابحبش الرغي الكتير.
و شدها من يدها لتقف بسهولة ..
-يا عثمآااان ! .. تمتمت بضيق أشد ، ليقول بصرامة و هو يجرها خلفه :
-يلآاااا . أنا راجل شقيان و جعان يا حبيبتي و مش فاضي خالص لدلع البنات ده !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
صباح يوم جديد ... تستيقظ "سمر" من النوم باكرا ، ثم تقوم و تذهب لغرفة "فادي"
لديه إمتحان اليوم و لا تريد أن يتأخر فليس هناك من يوقظه غيرها ..
و لكنه لم تجده
يبدو أنه إستيقظ من نفسه لأول مرة و ذهب لجامعته
تنهدت "سمر" تنهيدة مطولة ، ثم إلتفتت حتي تعود إلي غرفتها
لكنها ما لبثت أن سمعت صوت جرس الباب يرن بتواصل ..
-أكيد فادي نسي حاجة .. تمتمت لنفسها ، ثم ذهبت لتفتح الباب
و كانت رؤية ذاك الزائر الآن أبعد ما تكون عن خيالها
نظرت إليه بصدمة و قد شلتها المفاجأة عن الكلام و الحركة ، بينما شملها بنظرات متفحصة و هو يبتسم بخبث شديد و عيناه تلتمعان بوميضه الشيطاني !!!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم Shaimaa Gonna
لحسن حظها أنها كانت تضع الحچاب علي رأسها تحسبا لجميع الإحتمالات ... لكنها وجدت نفسها تصفع الباب بعنف في وجهه ثم تستند إليه بظهرها و هي تلهث بشدة
-إيه إللي جابه هنا الحيوان ده ؟ .. تمتمت "سمر" لنفسها و جسدها ينتفض بقوة ، و أكملت بحيرة :
-عايز إيه ؟ .. طيب أفتحله و لا لأ ؟!
أخذت نفسا عميق و زفرته ببطء ، ثم تشجعت و إستعدت لمواجهته و هي تقول ببأس و قوة :
-ماتخافيش يا سمر . إنتي في بيتك و وسط جيرانك مش هيقدر يعمل حاجة . شوفيه جاي ليه و خليكي شجاعة إوعي تباني ضعيفة قدامه !
ثم إلتفتت ... و مدت يدها إلي مقبض الباب لتفتحه ثانيةً ..
كان "عثمان" لا يزال واقفا بمكانه ، لم يتحرك قيد أنملة ، حتي إبتسامته اللعوبة لم تفارق ثغره الدقيق
حدجها بنظرات مبهمة و هو يقول بنعومة :
-إيه يا سمر ! ينفع كده تقفلي الباب وشي ؟ ده أنا ضيفك بردو !
سمر بحدة :
-أفندم يا عثمان بيه ؟ خير إيه سبب زيارة حضرتك إللي علي غفلة دي ؟!
عثمان و هو يبتسم بجاذبية :
-طيب مش تقوليلي إتفضل الأول ؟ و لا إنتوا هنا متعودين تكلموا ضيوفكوا علي الباب ؟!
تنهدت "سمر" بنفاذ صبر ، و لكنها لم تجد حلا أخر
تنحت جانبا مفسحة له الطريق ، ليتقدم هو بخطواته المختالة المغرورة ..
إجتاز المدخل القصير و هو يعاين الشقة بنظراته الفاترة
كانت بسيطة جدا و مرتبة و نظيفة ، إنما من وجهة نظره هو كانت حقيرة جدا و أشبه بجحر الفئران
لكن بخلاف كل هذه الأمور أي بيت عادي مثل هذا يساوي لا شئ بالمقارنة بقصر آل "بحيري" الذي نشأ و ترعرع فيه حتي بلغ الثلاثين من عمره ..
-بيتك حلو أوي يا سمر .. قالها "عثمان" بمجاملة زائفة ، لترد "سمر" التي وقفت بجانب باب الشقة المفتوح :
-شكرا . ده من ذوقك.
إلتفت "عثمان" نحوها و هو يقول بدهشة :
-إنتي واقفة كده ليه ؟ ما تقفلي الباب ده و تعالي عشان نتكلم !
سمر بصلابة :
-أنا كده كويسة . و حضرتك تقدر تقول كل إللي إنت عايزه عادي . أنا سمعاك.
رمقها "عثمان" و هو يرمقها بنصف إبتسامة ، ثم تقدم صوبها و أمسك بمسند الباب قائلا بهدوء :
-سمر .. متخافيش أنا مش هاكلك . أنا جاي أتكلم معاكي و بس.
سمر و هي تنظر إليه بجرأة واهية :
-أنا مش خايفة !
عثمان بإبتسامة :
-طيب إثبتي .. تعالي نقعد لو سمحتي . أنا مش هطول عليكي . هقولك إللي عندي و همشي علطول .. ثم قال و هو يحاول سحب الباب من يدها :
-بعد أذنك !
نظرت له بتردد للحظات ... ثم تنهدت و أنزلت يدها
ليغلق الباب بروية ، ثم يدير وجهه إليها متسائلا :
-هنقعد فين ؟
-إتفضل .. قالتها بخفوت و هي تشير إلي الصالة الصغيرة ذات الأثاث الرث
جلسا قبالة بعضهما و لكنهما كانا متباعدين
إذ كانت تفصل بينهما طاولة متوسطة تحدها آريكة وقع علي جانبيها مقعدها و مقعده ..
-إتفضل . أنا سمعاك ! .. تمتمت "سمر" بإقتضاب متجنبة النظر إليه حتي لا يُـتلف غشاء الثقة الليـّن الذي صنعته لتحتمي من نظراته الثاقبة
-أولا أنا آسف إني جيت منغير ميعاد .. قالها "عثمان" بلباقة لا تليق به أبدا ، و تابع :
-بس لما أخوكي كلمني و قالي إنك تعبانة صممت أجي أطمن عليكي بنفسي.
سمر بسخرية :
-كتر خير حضرتك !
تذرع "عثمان" بالصبر جراء معاملتها الجافة ، ليقول بخبث مهذب :
-و لو إني مش عارف إنتي تعبتي فجأة ليه ؟ حوارنا الأخير ماكنش جامد أوي عشان تتعبي بعده علطول كده !
و هنا نظرت إليه "سمر" و قالت بغضب :
-عثمان بيه . يا ريت من فضلك تقول إللي جيت عشانه و تتفضل تمشي بسرعة . أنا مش هقدر أستقبلك كتير و أخويا مش موجود.
إبتسم "عثمان" و هو يومئ بتفهم ..
-طيب يا سمر .. ندخل في الموضوع علطول .. و حملق فيها بتركيز ، ثم قال :
-أنا جيت لحد عندك المرة دي عشان أجدد عرضي.
و قاطعها بسرعة و حزم حين حاولت الرد :
-مش عايزك تردي منغير ما تفكري . فكري كويس قبل ما تقولي أه أو لأ .. ثم أكمل بجدية :
-قرارك مش متعلق بيكي لوحدك . إخواتك شركا معاكي .. يعني لو وافقتي هتحلي مشاكلك و مشاكلهم . مش هتلاقي نفسك محتاجة لحاجة . أنا هتكفل بيكي و بيهم.
هزت "سمر" رأسها و هي تنظر إليه غير مصدقة ، ثم قالت بإنفعال و قد خرجت عن شعورها :
-إنت مجنون صح ؟ أي شرع أو أي قانون بيقول كده ؟ قانونك إنت ؟ إزاي متخيل إني ممكن أقبل بحاجة زي دي ؟ إللي يسمعك بتقول كده يفتكر إن نواياك شريفة و إنك مش عايزني في الحرام . جايز إنت متعود علي الحاجات دي و الشرف مش بيفرق معاك بس أحب أعرفك إن شرفي غالي أوي عليا و أنا مش ممكن أفرط فيه عشان واحد إنتهازي و إستغلالي زيك !
-أنا إنتهازي و إستغلالي ؟! .. قالها "عثمان" بتساؤل رافعا أحد حاجبيه بغضب ، لترد "سمر" بتأكيد :
-طبعا . أومال تسمي تصرفاتك بإيه ؟ إنت شفت وضعي الصعب و أد إيه أنا كنت محتاجة للفلوس عشان أختي مش عشاني . عشان أعالجها و ماسبهاش تموت . بس إنت إستغليت النقط دي كويس و قلت تضغط عليا في الوقت المناسب .. ثم أكملت بإشمئزاز مرير :
-كنت فكراك إنسان كويس و كنت بشكر فيك و بدعيلك . حسستني إن الدنيا لسا بخير .. لكن طلعت عكس ما توقعت . ورتني أبشع صورة ليك و هي صورتك الحقيقية . خلتني أصدق كلام الناس . إن مافيش حد بيساعد حد دلوقتي لوجه الله !
حدجها "عثمان" ببرود و لم يؤثر كلامها فيه قيد شعرة
بل تنهد بسأم ، ثم قال :
-بصي يا سمر . سيبك كل الكلام إللي قولتيه دلوقتي ده و ركزي معايا أحسنلك . أنا مابتآثرش بالكلام ده.
سمر بعصبية :
-و أنا ماطلبتش منك تتآثر.
-طيب إهدي شوية و إسمعيني . خليني أحطهالك علي شكل صفقة . طبعا مافيش شك إنها صفقة كبيرة و إنتي عارفة كده كويس .. و عارفة كمان إنك أكتر طرف هيستفاد منها . بصرف النظر عن إني ممكن أرتبط بمليون واحدة زيك . بس أنا عايزك إنتي حتي لو إنتي مش حاسة بأي إنجذاب ناحيتي . شوفي الوضع زي ما أنا شايفه .. علي طريقة البزنس مثلا .. إنتي محتاجة فلوس أيا كان السبب بقي . و المبلغ إللي إنتي محتاجاه مش قليل . و أنا محتاج العلاقة دي في حياتي . أنا لسا خارج من علاقة فاشلة و عايز حد يساعدني أتخطا خيبة الأمل دي . مالاقتش غيرك قدامي .. إنتي أنسب واحدة يا سمر.
-أنسب واحدة منغير جواز ؟ .. تساءلت بتهكم ، و أردفت بغضب :
-إنت بتحاول تقنعني بإيه ؟ المسألة واضحة جدا .. إنت عايزني عشيقة . عايز تتمتع في الحرام و هي فترة و هترميني في الزبالة زيي زي أي واحدة رخيصة من إللي بيقفوا في الشوارع أخر الليل . أنصحك تروح تدور علي واحدة من دول . علي الأقل دول فنانين في مجالاتهم و هيعرفوا يتعاملوا معاك كويس و ينسوك خيبة أملك . أنا مش هنفع للمهمة دي يا عثمان بيه !
أغمض عيناه بشدة معبرا عن ضيقه ، لكنه عاود النظر إليها مجددا و قال بصبر :
-أنا عايزك إنتي يا سمر . إنتي مش حد غيرك .. و صدقيني لو وافقتي حياتك هتتغير و للأحسن . أي حاجة كنتي بتحلمي بيها أنا هحققهالك . و أختك . مصاريف علاجها و كل إحتياجاتها عليا . حتي لو في يوم سيبنا بعض زي ما بتقولي أنا هضمنلكوا مستقبل كويس و مش هتضطري تشتغلي تاني أبدا . هتعيشي مرتاحة طول عمرك .. أنا بوعدك !
جلست "سمر" صامتة و هي تنصت بإنتباه مرعب و مركز إلي كلماته ، و لم تلاحظه و يقف من مكانه فجأة ..
إذ كانت كالمنومة مغناطيسيا ، ليس بفعل صوته ، بل بفعل الرؤى التي أثارتها كلماته التي وصفت حياتها كما ستكون عليه لو قبلت عرضه ، و علي غير هدي راح شيطانها يعيد لها حديثه المغر بإلحاح شديد ..
-قولتي إيه يا سمر ؟ .. تساءل "عثمان" بعذوبة ، لتعود "سمر" إلي أرض الواقع في هذه اللحظة و تتطلع إليه بوجوم
بينما شدها "عثمان" لتقف علي قدميها و هو يتابع :
-عمرك ما هتندمي . صدقيني !
لم تقاوم ... كان فعل صوته عليها كالسحر ، و إنشغل ذهنها بهذا المستقبل الرائع المريح
ليطغي اليأس عليها و تفكر .. لو تكلمت فستقول نعم أقبل عرضك ، و لكن ثمة شئ داخلها يرفض هذا الضعف و يمنعها بقوة
وضع "عثمان" ذراعه حولها بلطف و جذبها نحوه ، بينما لم تحاول أن تقاوم حتي الآن و تركزت عيناها شبه المنومتين علي عينيه ..
عندما طوقها بذراعيه كان كما لو أنه يحميها و يوفر لها ملجأ و ينتشلها من حافة فقر قاتل و يرسلها إلي عالم الأشياء المرغوبة المحببة
و علي مدي دقيقة ، وقف الثري الخبيث و العذراء الضعيفة وجها لوجه و تلاقت عيونهما و تلامس جسديهما ..
ليحكم "عثمان" قبضته عليها و يشدها نحوه بقوة أكبر
فأفسد التعويذة و الرؤي التي أبقتها عاجزة عن مقاوته ، رؤى الفقر المدقع و الفرار منه تلاشت فجأة و صدمها ما كان يحدث لها ..
فأخذت تتلوي لتتحرر منه ، لكنه كالمرة السابقة لم يحاول إجبارها
أفلتها بسهولة ، لتسقط علي مقعدها شاحبة و مرتجفة
نظرت إليه بعينين مزجتا بين الخوف و المقت ، بينما وقف ينظر إليها و علي شفتيه إبتسامة نصر هادئة ..
-مستحيل .. تمتمت "سمر" بأنفاس مخطوفة
-مش هابعيلك نفسي أبدا . حتي لو المقابل كنوز الدنيا كلها !
تجاهل "عثمان" أقوالها و قال و هو ينظر بساعة يده :
-أنا إتأخرت أوي علي الشغل . الساعة بقت 9 و إنتي عارفة إني ببقي هناك من 8 أو قبل 8 كمان .. و أضاف بإثارة :
-هستناكي بكره . ماتتأخريش.
صرخت بوجهه :
-مش هاجي.
أومأ و هو يقول بثقة شديدة :
-هتيجي يا سمر . بكره هتجيلي برجليكي و إنتي موافقة علي إتفاقنا و بدون أي ضغط مني .. ثم أكمل بإبتسامة خبيثة :
-أصل أنا مش بحب الغصب خاالص . بالعكس . ده أنا حنين أوي .. و رقيق أووي !
نظرت له بعدائية و حقد شديدين ، بينما رماها بإبتسامة أخيرة ، ثم إلتفت و غادر أخيرا
لكنه ترك عبير عطره الرجولي الخشن يعبق الجو من حولها ، ظل ينفذ بقوة داخل أنفها و رئتيها حتي كاد يخنقها
فقفزت من موضعها و ركضت نحو الشباك ، فتحته لتستنشق الهواء النظيف ، و لتراه يستقل سيارته ، ثم ينطلق بها شيئا فشئ حتي أختفي عن ناظريها تماما ...
................................................................
كانت تعد له حقيبة السفر و قلبها يتعذب ... لا تريده أن يذهب و يتركها ، خاصةً أنه سيغيب لمدة شهر
كيف ستتحمل كل هذه المدة بدونه ؟ .. بالطبع لن تتحمل !
و لكن علي حد قوله هذه الرحلة مهمة جدا بالنسبة لأعماله و يجب أن يذهب ، للآسف ليس أمامه خيارا أخر ...
-فريال ! إنتي لسا بتعيطي بردو ؟ .. قالها "يحيى" عابسا بضيق ، لترد "فريال" التي إنتهت من إعداد الحقيبة و شرعت في إقفالها :
-لأ يا يحيى .. مش بعيط !
نطقت بصوت متحشرج ، ثم أسرعت بمسح دموعها قبل أن يراها ، و أردفت :
-خلاص شنطتك بقت جاهزة.
تنهد "يحيى" بسأم ، ثم ترك أغراضه من يده و مشي ناحيتها ..
أمسك بكتفيها و حملق فيها بحب و هو يقول :
-حبيبتي . أنا مش سايبك بمزاجي . إنتي عارفة كويس إني مابقدرش أستغني عنك و باخدك معايا في كل في سفرية .. بس المرة دي مش هقدر أخدك معايا . البلد إللي أنا رايحها برد أوي عليكي و أنا عارف إنك مش هتقدري تتحملي البرودة إللي هناك و لو خدتك هتتعبي أوي !
فريال و هي تنظر إلي عيناه بحزن :
-خلاص يا حبيبي . روح إنت و أنا هستناك .. بس خلي بالك من نفسك.
يحيى بإبتسامة عشق :
-حاضر . و أوعدك هحاول أخلص شغلي هناك قبل شهر عشان أرجعلك بسرعة.
-يا ريت تعمل كده.
نظر لها "يحيى" بهيام ملتهب ، ثم ضمها بقوة و هو يتمتم و قد غمر شعرها الحريري وجهه :
-فريال هانم .. يا بنت سليمان باشا المهدي . يا حبيبتي و مراتي و أم ولادي .. بحـــــــــــــــبك . و هتوحشيني أوووي.
إبتسمت "فريال" بشدة ، حتي تحولت بسمتها إلي ضحكة جميلة و هي ترد عليه :
-و أنا كمان بعشقك . يا دونچوان جليم و إسكندرية كلها.
ضحك "يحيى" هو الأخر ، ثم عاود النظر إليها و قال :
-إنتي لسا فاكرة ؟ ياااه ده كان زمان يا حبيبتي.
فريال برقة و هي تضبط له ربط عنقه :
-و لحد دلوقتي يا حبيبي و الله . كل الستات بيحسدوني عليك لحد إنهاردة . و كلهم بيتمنوا يشوفوك بس.
يحيى و هو يقرص ذقنها بلطف :
-بس أنا بقي مش شايف وسطهم حد غيرك . إنتي لوحدك إللي عايشة في قلبي.
فريال بإبتسامة :
-عارفة يا حبيبي . و واثقة من كده جدا ... ثم قالت و هي تبتعد عنه قليلا :
-يلا بقي . يلا عشان ماتتأخرش علي طيارتك.
يحيى بنصف عين :
-ممم شكلك زهقتي مني و عايزة تزحلقيني.
فريال بضحك :
-أنا ! الله يسامحك . طب تصدق أنا غلطانة . خلاص خليك و بلاش سفر يا يحيى.
-لا لا لا إنتي صدقتي و لا إيه ؟ كده يتخرب بيتنا يا حبيبتي.
-ما إنت بتفهمني غلط . مش لسا هتروح القاهرة عشان تاخد الطيارة من هناك ؟ كل ده مش هياخد وقت ؟!
-هياخد طبعا يا حبيبتي .. ثم أكمل و هو يمسك بيدها :
-طيب يلا . يلا عشان تودعيني تحت.
فريال و هي تسحب يدها من يده بقوة :
-لأ . مابحبش الوداع .. أنا خلاص سلمت عليك !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل "سمر" ... زاد شعورها بالإعياء خاصةً عقب ذهابه
فلازمت فراشها مستسلمة لأفكارها و هواجسها ، و لكنه هو .. كان أكبر هاجس يطاردها ..
إنتفضت حين رن هاتفهها فجأة
لكنها أسرعت بالإجابة عندما لمحت إسم الطبيب المشرف علي علاج "ملك" ..
-ألو !
ردت بصوت مهزوز من القلق ، ليأتي صوت الطرف الأخر :
-ألو أنسة سمر معايا ؟!
-أيوه يا دكتور أنا معاك ! خير في حاجة ؟ ملك حصلها حاجة ؟؟؟
-لأ إطمني حضرتك هي بخير مافيهاش حاجة.
سمر و هي تزفر بإرتياح :
-الحمدلله ! طيب خير ؟ حضرتك عاوز مني حاجة ؟!
-في الحقيقة أه يا أنسة . كنت بتصل عشان أستفسر عن حاجة مهمة.
-إتفضل يا دكتور !
-مصاريف العلاج يا أنسة سمر . بقالها يومين محدش جه دفعهم . لعل المانع خير !
سمر بصدمة كبيرة :
-المصاريف بقالها يومين .. محدش دفعهم ؟!
-أيوه يا أنسة . أنا لما فات أول يوم و محدش جه قلت جايز حصلت ظروف . بس إمبارح لا حد جه و لا حد إتصل فإضطريت أكلم حضرتك دلوقتي.
سمر بمرارة شديدة :
-أيوه يا دكتور !
-حضرتك عارفة إن المبلغ مش قليل . و لو الفلوس ماجتش إنهاردة هيبقي تالت يوم و كده أنا آسف هضطر أخرج أختك من الحضـَّانة و لازم حضرتك تيجي تاخديها بعد شوية إلا إذا جيتي و جبتي الفلوس معاكي و دفعتي الـتلاتيام مع بعض.
تقلص وجهها بألم شديد ، لتهطل من عيناها الدموع ..
لقد فعلها .. لقد تعمد فعل ذلك ليثبت لها أنها بحاجة له
توقف عن دفع رسوم العلاج ... يا له من شيطان ..
ماذا ستفعل الآن ؟ .. و هي لا تملك فلسا !
أيعقل ؟ ... أيعقل أن تتحقق مشيئته و .. و تذهب له ؟!
و قبل الميعاد أيضا !!!!!
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... تحديدا بالأسفل داخل الكراچ
تدخل "هالة" هي و السائق المسن و يمشيا في إتجاه صف السيارات الخاصة بالعائلة ..
-إنت عارف شركة عثمان بيه صح يا عم جابر ؟!
جابر ببشاشة تليق بسنه :
-عارفها يا ست هالة و هوديكي علي عيني.
هالة بإبتسامتها رقيقة :
-تسلم عنيك يا عم جابر .. طب يلا بقي شوف هتوديني بعربية مين !
-هوديكي بعربية يحيى باشا القديمة . أنا لما حد هنا بيعوزني أوصله في حتة بطلع بيه بعربية يحيى باشا القديمة . دي أوامره.
أومأت "هالة" بعفوية و هي تقول :
-أووك يا عم جابر . يلا بينا بقي.
-صباح الخير ! .. قالها "مراد" الذي آتي فجأة من خلف "هالة" ، لتلفت له و ترد بإبتسامة :
-صباح النور . إزيك يا مراد !
-الحمدلله تمام يا هالة . إيه إنتي رايحة لعثمان و لا إيه ؟
هالة و هي ترفع خصلة نزلت علي عينها :
-أه فعلا . رايحاله !
أحس أنها شعرت ببعض التوتر ، فقال بتهذيب :
-أنا آسف بس أنا كنت هنا و سمعتك غصب عني و إنتي بتقولي رايحاله.
هالة بإبتسامة مرتبكة :
-و لا يهمك هو مش سر يعني.
-طيب عموما أنا رايحله بردو . ممكن أخدك معايا لو تحبي !
هالة و قد تلاشت إبتسامتها الخفيفة :
-مش عايزة أتعبك.
-مافيش تعب يا هالة بقولك رايحله.
لم تجد حجة تفلت بها منه ..
فإلتفتت للسائق و تمتمت بخفوت :
-خلاص يا عم جابر . مراد هايوديني !
جابر بإبتسامة :
-ماشي يا ست هالة . و أنا هاجي وراكوا عشان أبقي أرجع حضرتك.
و هنا تدخل "مراد" قائلا بصرامة هادئة :
-مافيش داعي يا عم جابر خليك مستريح . أنا هبقي أرجع هالة هانم بنفسي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
ترددت كثيرا و هي تفكر هذا ... و لكنه أخر أمل بالنسبة لها ما إذا أرادت الحفاظ علي شرفها ، ما إذا أرادت العيش بكرامة
أخذت "سمر" نفسا عميق و زفرته علي مهل ، ثم حسمت أمرها و توجهت بخطوات واسعة مضطربة نحو محل الجزارة المقابل لبيتها
تخطت عتبة المحل ، لتتفاجأ برؤية السيدة "نعيمة" زوجة المعلم "رجب" و والدة "خميس ..
-صباح الخير يا طنط ! .. حيتها "سمر" بشئ من الإرتباك ، بينما رفعت "نعيمة" بصرها عن بعض الدفاتر الحسابية و ردت و هي تنظر لـ"سمر" من أعلي إلي أسفل :
-أهلا ! إصباح النور يا سمر . خير عايزه حاجة ؟
سمر بوجه شاحب :
-كنت . كنت عايزة خميس في موضوع كده . هو مش موجود ؟!
تنهدت "نعيمة" و هي ترمقها بغيظ ، ثم سألتها :
-و إنتي عايزة خميس في إيه ؟ قصدي يعني إيه الموضوع ده إللي عايزاه فيه ؟؟
سمر بإبتسامة مُحرجة :
-و لا حاجة . مش حاجة مهمة يعني . خلاص أنا هبقي أجيله وقت تاني.
و كادت تخرج ، لتستوقفها "نعيمة" بحدة :
-إستني يا سمر !
تجمدت "سمر" بمكانها ، بينما قامت "نعيمة" من خلف المكتب البالي و مشت صوبها ..
وقفت أمامها مباشرةً ، ثم بدأت بالكلام :
-إسمعيني كويس يا سمر . إنتي زي بنتي و يعلم ربنا إني بعزك إنتي و إخواتك . بكلمك جد مش بهزر.
سمر بإبتسامة لطيفة :
-شكرا يا طنط نعيمة . تسلمي يا رب . و إحنا كمان بنحبك أوي و الله.
-بس لحد خميس إبني و مافيش بعده . و محدش هيجي عندي أغلي منه.
سمر و قد توترت من نبرتها التي تحولت فجأة :
-ربنا يخليهولك !
-أمين . بس عشان إنتي زي بنتي زي ما قولتلك فهنصحك .. ثم أكملت و هي تنظر لها بحدة شديدة :
-إبعدي عن خميس . أحسنلك . مش هتنفعوا مع بعض . أديكي شوفتي بعينك خناقته مع أخوكي و أنا يا حبيبتي مش مستغنية عن إبني.
أومأت "سمر" و هي تقول بصعوبة بسبب الدموع المتحجرة بعيناها ترفض الخضوع :
-فهمت . ماتقلقيش يا طنط .. أنا مش عايزة أي حاجة من خميس . إنتي فهمتيني غلط.
نعيمة و هي تبتسم بسخرية :
-يا ريت أكون فهمت غلط.
إزدردت "سمر" ريقها الجاف أصلا و تمتمت :
-عن أذنك !
ثم مشت بسرعة من أمامها قبل حتي أن تسمع الرد ..
لتذهب بعد ذلك قرب الشاطئ حيث لا يوجد غيرها ، لتستسلم للإنهيار و البكاء هناك دون أن يراها أحد ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في مؤسسة ( البحيري للتسويق و التجارة) التابعة لـ"عثمان البحيري" ... تدخل "هالة" برفقة "مراد" و يصعدا معا لمكتب "عثمان"
تقف السكيرتيرة لدي ظهورهما ، و تلقي التحية برقة و بلباقة :
-صباح الخير يافندم . أي خدمة أقدر أقدمهالكوا !
مراد و هو يقطب بإستغراب :
-الله ! مش ده مكتب سمر بردو ؟!
السكرتيرة بإبتسامة :
-أيوه حضرتك بالظبط ده مكتب سمر.
-أومال هي فين طيب ؟
-سمر في إجازة مرضية بقالها يومين يافندم . لما ترجع إن شاء الله هتستلم مكانها تاني و أنا هبقي أرجع لمكاني.
أومأ "مراد" بتفهم ، ثم قال :
-طيب . من فضلك بقي بلغي عثمان بيه إننا عاوزين نقابله.
-طيب معلش بس ممكن تقولي إسم حضرتك ؟!
مراد بفتور :
-مراد . مراد أبو المجد و هالة البحيري.
أومأت السكرتيرة رأسها ، ثم رفعت سماعة الهاتف و إنتظرت لثوان ..
-ألو مستر عثمان ! .. في واحد قدامي هنا طالب يقابل حضرتك و معاه أنسة .. مراد أبو المجد و هالة البحيري .. حاضر . حاضر يافندم !
و أقفلت الخط ، ثم عاودت النظر إليهما قائلة :
-إتفضلوا مستر عثمان منتظركوا جوا.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كان "عثمان" يجلس منهمكا في عمله ، و كان يرتدي نظارته الطبية التي يتخذها فقط حين يشعر بالتعب أو الصداع ..
عندما دخل "مراد" و معه "هالة" ... قام ليستقبلهما ..
-أهلا أهلا . و أنا أقول الشركة نورت ليه ؟
مراد بغبطة ساخرة :
-يا لهوي يا صاحبي أول مرة تستقبلني بحرارة كده !
عثمان بنظرة جانبية :
-مش ليك ياخويا . الإستقبال الخصوصي ده لبنت عمي الجميلة .. و إقترب من "هالة" و صافحها و قبلها من وجنتيها ، ثم تساءل :
-يا تري بقي إيه سبب زيارتك ليا و لأول مرة في شركتي يا بنت عمي ؟
هالة و هي ترمقه بحب شديد :
-أولا وحشتني فقلت أجي أشوفك !
ضحك "عثمان" بخفة ، ثم طوق خصرها بذراعه و قال و هو يأخذها بإتجاه الصالون الأنيق بالمنتصف :
-يا حبيبتي و إنتي كمان وحشتيني و الله . طيب و ثانيا ؟
هالة و هي تجلس معه فوق الآريكة :
-ثانيا بقي في موضوع مهم كنت عايزة أتكلم معاك فيه.
عثمان رافعا حاجبيه بدهشة :
-موضوع مهم عايزة تكلميني فيه و جايبة معاكي مراد ! ده إللي هو إزاي ده ؟!
مراد و قد تلاشت إبتسامته :
-يا أخي حسن أخلاقك بقي . طب إنصفني قدام بنت عمك حتي !
عثمان بسأم :
-بس ياض.
-يا عثمان خليك معايا .. قالتها "هالة" و هي تدير وجهه بيدها ، ليرد "عثمان" بتركيز :
-معاكي أهو يا حبيبتي . خير ! إيه هو الموضوع ؟؟
هالة و قد جذبتها نظارته التي زادته وسامة :
-حلوة أوي النضارة دي عليك !
عثمان بإبتسامة و هو ينزع النظارة عن عينيه :
-شكرا يا حبيبتي . دي بلبسها في حالات معينة ماتقلقيش يعني نظري سليم لسا ماضعفش.
و ضحكا قليلا ..
لتتكلم "هالة" أخيرا :
-صالح يا عثمان.
عثمان بإستغراب :
-ماله صالح يا هالة !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في الخارج ... تجلس السكرتيرة علي مكتب "سمر" تعمل بجهد متواصل ، و لكنها تشعر بالملل
فقد إشتاقت لممارسة وظيفتها الأساسية و تلك الوظيفة سخيفة جدا من وجهة نظرها ، خاصةً و أن المدير متقلب المزاج بصورة مقيتة ..
-صباح الخير !
إنتبهت السكرتيرة للصوت ، فرفعت وجهها ..
لتبتسم بقوة و هي تصيح متفاجئة :
-سمر !
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم Shaimaa Gonna
تدخل "سمر" إلي غرفة مكتبه بوجه صارم متصلب ... صحيح أنها شكلت لنفسها درع حماية من الخارج ، لكنها كانت تعلم جيدا أنها أضعف المخلوقات من الداخل
جدار الثقة الذي شيدته واهيا ، بإمكانه أن ينهار بأي لحظة ، بينما هو القوي الذي يملك كل شيء ، و لا يتأثر بأي شيء
كان واقفا في إستقبالها و قد بدا مسترخيا إلي أبعد حد ، علي عكسها تماما ..
-أهلا أهلا . أهلا بيكي يا سمر ! .. هتف "عثمان" مرحبا ، ثم قال و هو يبتسم بشدة :
-تعالي . تعالي أقعدي معايا هنا.
و أشار إلي مقعد شاغر في الصالون الأنيق
لتمشي "سمر" ناحيته محاولة السير علي نهج إسلوبه البارد ..
مد لها يده بالمصافحة فرفضتها ، ليهز رأسه قائلا ببساطة :
-ماشي .. إتفضلي أقعدي طيب.
جلست "سمر" دون أن تنطق بحرف ، ليجلس "عثمان" هو الأخر قبالتها واضعا ساقا فوق ساق كعادته ..
إنتظر حتي تبدأ هي الحديث ، يريد أن يستمتع بإنتصاره كاملا عندما تتكلم هي أولا و تطلب منه بنفسها ما سبق و عرضه عليها !
و لكن ظل الصمت مخيم لأكثر من خمس دقائق ... و قد بدأ "عثمان" يشعر بالضجر من صمتها و يتآفف بضيق ظاهر ، بينما لم تستعجل نفسها إطلاقا و هي ترفع وجهها إليه .. ثم تقول أخيرا :
-ماكنتش فاكرة إنك شيطان للدرجة دي !
نطقت بغل ممزوج بالندم ، غل لشدة حقدها عليه ... و ندم لأنها تحامقت و صدقت طيبته الزائفة ..
-نعم ! قصدك إيه ؟ قالها "عثمان" بتساؤل رافعا حاجبيه .. ثم أكمل بحدة :
-إنتي جاية تهزأيني يا سمر ؟!
سمر بإبتسامة مريرة :
-العفو يا عثمان بيه . هو أنا أقدر ؟ ده حضرتك خيرك عليا أنا و أخواتي !
رمقها "عثمان" بنظرات مستغربة ، فتابعت "سمر" متجاهلة تعابير الإستفهام علي وجهه :
-مقدرش أزعلك . مقدرش أبدا .. أحسن تغضب عليا و تمنع العلاج عن أختي . دي حياتها في إيدك يبقي أزعلك إزاي بس ؟!
و هنا فهم "عثمان" ما ترمي إليه ..
فتنفس بعمق و هو يشيح بوجهه عنها ، ثم قال ببرود :
-إنتي إللي إضطريني أعمل كده.
سمر بغضب ممزوج بالإنفعال :
-إنت إللي مش بني آدم . إنت .. ماعندكش قلب ماعندكش رحـــــــــــمة . دي طفلة . مجرد طفلة مسكينة صغيرة لا حول ليها و لا قوة . ذنبها إيه ؟ عملتلك إيه عشان تمنع عنها العلاج ؟ عملتلك إيــــــــه ؟؟؟
نظر لها عثمان و قال بنفس البرود :
-بإيدك كل حاجة يا سمر . بإيدك تنقذي نفسك و تنقذي أختك و تضمنلها حياتها الجاية كمان . لو قبلتي عرضي هتكسبي مش هتخسري أبدا .. إنتي بس إللي مغمية عينك و مش عايزة تشوفي مصلحتك فين.
سمر بسخرية :
-و مصلحتي بقي معاك إنت ؟!
عثمان بثقة :
-طبعا . عندك شك في كده و لا إيه ؟ و لا مش مقدرة إمكانياتي كويس ؟
سمر بإبتسامة تهكمية :
-لأ طبعا إزاي .. ده كل الناس عارفين إمكانيات حضرتك كويس أوي . مافيش حاجة ممكن تقف قصادك . ده إنت عثمان بيه البحيري !
إشتدت عضلات فكيه و هو يداري ملامحه الغاضبة قبل أن تظهر علي وجهه ..
-يا ريت تبطلي الإسلوب ده في كلامك معايا .. قالها محذرا ، ثم أردف بإقتضاب و هو يشيح بوجهه ثانيةً :
-و دلوقتي أنا عايز أعرف قرارك النهائي . إتكلمي بسرعة من فضلك عشان أنا مش فاضيلك لسا ورايا حاجات أهم.
نظرت له بغضب و قد أحست بالإهانة ، فقامت فجأة دون أن تفه بكلمة و إستدارت لتغادر
لكنها وجدته يعترض طريقها فجأه ..
عثمان بحدة :
-إنتي رايحة فين ؟
سمر بغضب :
-إوعي من قدامي لو سمحت.
قبض "عثمان" علي رسغها بقوة و قال :
-طيب تعالي . تعالي أقعدي و هنتكلم بهدوء.
سمر و هي تحاول سحب يدها من قبضته الفولاذية :
-مافيش كلام بيني و بينك . إنت مش مستقوي بفلوسك و بتدوس عليا أنا و أختي إللي ملهاش ذنب في حاجة ؟ أنا ندمانة إني صدقتك . و إبقي عبيطة لو كررتها تاني .. سيبــــــني بــــــقي !
عثمان بصبر :
-طيب معلش . تعالي . تعالي نتفاهم . هنوصل لإتفاق ماتقلقيش .. تعالي بقي و لو ماتفقناش هسيبك تمشي . وعد.
رمقته بعدائية شديدة ، ثم قالت بحدة :
-سيب إيدي.
إمتثل "عثمان" لطلبها و ترك يدها و لكنه بقي متأهبا لأي ردة فعل قد تصدر عنها ..
بينما عادت "سمر" و جلست بمكانها علي مضض و هي تتحاشي النظر إليه
-تمام . ممكن بقي أسمع طلباتك ؟ لو كان ليكي طلبات ! .. قالها "عثمان" و هو يجلس قبالتها مرة أخري
-أنا ماليش طلبات .. ردت "سمر" بإقتضاب ، فإنفعل رغما عنه و قال :
-أومال إنتي جاية ليه ؟؟؟
نظرت له بصدمة ، فزم شفتاه بنفاذ صبر و قال :
-سمر . أنا واضح معاكي . من فضلك خليكي واضحة معايا إنتي كمان.
سمر ... بعد صمت :
-طيب . هكون واضحة .. أنا مش هعمل حاجة في الحرام.
عثمان بحدة :
-و أنا قولتلك أنا مش بتاع جواز . أنا جربت الجواز مرة و مش ناوي أعيد التجربة تاني علي الأقل دلوقتي.
سمر بإصرار :
-و أنا مستحيل أسلمك نفسي منغير جواز . لو هموت أنا و أختي .. مش هغضب ربنا و أخسر نفسي عشانك أو عشان فلوسك.
و كادت تقوم من أمامه مرة أخري ، ليمد يده بسرعة و يمسك بيدها يجمدها بمكانها ..
-أقعدي مكانك ! .. هتف بغضب ، ثم قال علي مضض :
-خلاص ... هتجوزك عرفي.
-إنت بتقول إيـ آاا ..
-هو ده إللي عندي .. قاطعها بحزم ، ثم قال بصرامة :
-إنتي عايزة جواز . تمام . بس هو ده الجواز إللي أنا أعرفه حاليا و مش هتكوني بتعملي حاجة في الحرام كمان . أظن كده أنا قدمت تنازلات جامدة .. الدور عليكي.
ضمت حاجبيها بتفكير ، تشعر بالحيرة ..
هل هذا يسمي زواجا ؟ هل ستكون آثمة إذا قبلت الزواج منه بهذه الطريقة ؟؟؟؟
إذا رفضت ستكون الخسائر جسيمة أيضا ، و أكبر الخسائر "ملك" .. لن تتحمل خسارتها أبدا
ربما تتحمل خسارة نفسها ، و لكن "ملك" ... مستحيل !!!
-ها قولتي إيه ؟؟؟ .. إنتبهت علي صوته ، لتتظر إليه بصمت
تململ "عثمان" بعصبية خفيفة و هو ينتظر ردها ، بينما حدقت فيه بتركيز ... ثم قالت :
-موافقة !
برقت في عيناه نظرة إنتصار خبأها بسرعة و قال برصانة :
-حلو .. كده نبقي متفقين . و أخيرا وصلنا لإتفاق .. ثم أكمل بجدية و هو يخرج هاتفهه من جيبه :
-أنا هكلم المحامي بتاعي دلوقتي عشان يجهزلنا العقد.
سمر و هي تزدرد ريقها بتوتر :
-دلوقتي ؟ قصدك الموضوع هيتم دلوقتي ؟!
-أه طبعا . هنتجوز إنهاردة.
-بسرعة أوي كده ؟ .. تمتمت "سمر" بخفوت ، إلا أنه سمعها و قال و هو يقلب بالهاتف :
-و إيه إللي يخلينا نستنا ؟ طالما إتفقنا و كله تمام . مافيش داعي للتأخير . أنا إستنيت بما فيه الكفاية.
و لم يتسني لها الكلام مجددا ..
إذ وضع الهاتف علي أذنه و إنتظر للحظات ، ثم بدأ بمكالمته ..
إستغرق بضعة دقائق ، تحدث خلالهم برسمية مع المحامي الخاص به
إتفقا علي كل شئ ، و أعطاه "عثمان" ميعادا بعد نصف ساعة ..
أقفل الخط ، ثم نظر إلي "سمر" و قال بحماسة :
-نص ساعة و المحامي هيكون هنا . يعني ممكن نقول كمان ساعة بالظبط و هتبقي مراتي.
إبتسمت "سمر" بسخرية من جملته الأخيرة و أشاحت عنه بوجهها ..
-إيه إنتي مش مبسوطة و لا إيه ؟! ..قالها "عثمان" بتساؤل ، لتقابله "سمر" بالصمت
-عموما سيبيها عليا . أنا هعرف أبسطك كويس أوي .. ثم أكمل بإبتسامة خبيثة :
-هنقضي أول ليلة سوا علي اليخت بتاعي . هلففك إسكندرية كلها إنهاردة.
و هنا نظرت "سمر" إليه و صاحت :
-إنهاردة ؟ لأ . لأ مش هاروح معاك لأي مكان إنهاردة !
عثمان بحدة :
-و ده ليه بقي ؟!
-إنت فاكر إني ممكن أقابلك بسهولة ؟ و أضافت بمقت :
-أنا ليا حدود في كل حاجة بعملها . و كمان عندي بيت و أخ مسؤولة عنه و مسؤول عني.
تنهد "عثمان" ثم قال بفتور :
-خلاص .. يبقي بكره . هستناكي بكره يا سمر !!!
...................................................................................
في السادسة مساءً ... تعود "سمر" إلي بيتها أخيرا
تفتح باب شقتها و تدخل ، لتري "فادي" يجوب الصالة ذهابا و إيابا
بدا أنه كان ينتظرها منذ وقت طويل ، و كعادته كان ثائر و قلق إلي أقصي حد ..
-كنتي فين يا سمر ؟ .. صاح "فادي" بتساؤل حين لمحها و هي تدخل من باب الشقة
بينما أغلقت "سمر" الباب و هي تتحاشي النظر إلي عيناه ، تخشي أن يعرف ما حدث لو طل في وجهها فقط
و لكن لا مفر ، يجب أن تواجهه ..
إستعادت رباطة جأشها و إلتفتت إليه ، ثم أجابت بإبتسامة بسيطة :
-إيه يا حبيبي مالك ؟ عصبي كده ليه بس ؟!
فادي بعصبية ممزوجة بالدهشة :
-بتسأليني عصبي كده ليه ؟ يعني أنا سايبك تعبانة و في السرير أجي ألاقيكي مش موجودة و بتصل بيكي مابترديش . عايزاني أبقي عامل إزاي !!!
سمر بلطف :
-طيب إهدا . ماحصلش حاجة و أنا كويسة قدامك أهو . كل الحكاية بس إني حسيت بخنقة فقلت أنزل إتمشي علي البحر شوية.
فادي بخشونة :
-و ماكنتيش بتردي علي موبايلك ليه ؟ إتصلت بيكي ميت مرة.
سمر ببراءة و هي تخرج هاتفهها من الحقيبة :
-ماسمعتوش و الله ! ما انت عارف الدوشة علي الكورنيش بتبقي عاملة إزاي.
و تظاهرت بتفحص الهاتف ، ثم قالت بأسف :
-آااه صحيح ! ده إنت إتصلت كتير أوي .. معلش يا حبيبي حقك عليا . بعد كده قبل ما أخرج أو أروح في أي حتة هبقي أتصل أقولك علطول.
أشاح "فادي" عنها و نظر في الجهة الأخري معبرا عن ضيقه ..
لتسرع هي و تقوم بالتمويه عن النقاش قائلة :
-بالمناسبة بقي و قبل ما أنسي .. أنا بكره هاروح أبات مع ملك في العيادة.
عاود "فادي" النظر إليها في الحال و قال بخوف :
-ليه ؟ هي مالها ؟ حصلها حاجة ؟؟؟
-لأ يا حبيبي إطمن هي كويسة . بس وحشتني أوي . مش متعودة تبعد عن حضني المدة دي كلها !
إبتسم "فادي" بحنان ، ثم إقترب من أخته و ربت علي كتفها برفق قائلا :
-إن شاء الله هتخف و هترجعلنا . أنا كمان وحشتني أوووي . لولا الإمتحانات بس كان زماني أنا إللي معاها كل يوم و لا كنت سيبتها أبدا.
سمر بإبتسامة حزينة :
-خلاص . هانت فاضل إسبوع . ربنا يعديه علي خير .. ثم قالت بإسلوبها الدبلوماسي :
-خلاص بقي أديك عرفت أهو أنا هبقي فين بكره . و ماتقلقش يا سيدي قبل ما أمشي هكون محضرالك غداك و عشاك و بإذن الله تاني يوم الصبح هتلاقيني رجعت.
فادي بإستغراب :
-طيب و شغلك ؟ هتبطلي تروحي و لا إيه ؟!
-لأ طبعا يا فادي هاروح . أنا كلمت عثمان بيه و إتفقنا هرجع كمان يومين كده.
أومأ "فادي" بتفهم ، ثم قال بإبتسامة :
-ماشي يا سمر . إبقي بوسيلي لوكا جامد بقي و إبقي إتصلي بيا كمان عشان تطمنيني عليكي و عليها.
سمر بإبتسامة مماثلة :
-حاضر يا حبيبي . و إنت كمان إبقي إتصل بيا لو إتزنقت في أي حاجة هنا . لو عوزت تعمل حاجة معينة يعني .. إبقي كلمني.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في سيارة "عثمان" ... يفتتح "مراد" حديثا معه أثناء القيادة
مراد بإبتسامة تهكمية :
-يعني عدوا اليومين بتوع الرهان يا خويا و محدش عارفلك حاجة ! ماقولتليش يعني عملت إيه ؟!
إلتوي ثغر "عثمان" بإبتسامة خبيثة و هو يجيبه و في نفس الوقت يركز علي الطريق أمامه :
-و الله شكلها زي ما قلت يا صاحبي.
مراد و قد تلاشت إبتسامته :
-مش فاهم قصدك إيه ؟ فشلت معاها يعني ؟!
عثمان بغموض :
-يعني .. تقريبا !
-يعني إيه تقريبا ؟ .. تساءل "مراد" بشئ من الإنفعال ، و تابع :
-قولي إيه إللي حصل.
عثمان بفتور :
-ماحصلش حاجة يا مراد . ماوصلناش لحاجة مع بعض لسا.
مراد بفضول :
-يعني كلمتها و لا لأ ؟!
تأفف "عثمان" بضيق و قال :
-يا أخي زهقتني . لو كان حصل حاجة كنت قولتلك إخرس بقي.
تنهد مراد بسرور حقيقي ، ثم قال :
-ماعندكش فكرة أنا فرحان فيك إزاي يا صاحبي . أول مرة تخسر رهان.
تجاهل"عثمان" عبارته تماما و إكتفي فقط برسم إبتسامة شيطانية غير مرئية علي فمه ..
-حقيقي فرحان فيك .. قالها "مراد" بمرح و هو يبتسم بشدة ، ليرد "عثمان" بسخرية :
-إفرح ياخويا .. مرة من نفسك !
و مرت بضعة دقائق أخري ... حتي وصلا إلي المشفي
صعدا سويا إلي جناح "صالح" ليطرق "عثمان" الباب و يلج أولا ..
كانت الممرضة بالداخل تعطي لـ"صالح" جرعة دوائه ، بينما هو يتمنع و يظهر لها إسلوبا عدائيا ، لكنها تعاملت معه بحزم حتي نجحت في مهمتها ..
-بــــــس . شفت حضرتك خلصنا بسرعة إزاي ؟ لازم تتعبني كل مرة و خلاص يعني ؟! .. قالت الممرضة بعتاب ، ليأتي "عثمان" من خلفها و هو يقول :
-إيه يا صلَّوحي ! لازم تتعب الـNurse معاك كل مرة ؟ مايصحش كده يا أخي عيب .. ثم أكمل مخاطبا الفتاة :
-إحنا آسفين أوي يا أنسة . بس هو صالح كده متعود علي الدلع من و هو صغير . إستحمليه معلش و سايسيه بالراحة هتلاقيه بقي علي أد إيدك زي البيبي بالظبط.
كانت لهجته مرحة ساخرة ، فحدجته الممرضة بإبتسامة صفراء قائلة :
-إممم لأ ماتقلقش يافندم . إحنا هنا موجودين عشان ندلع النزلا طبعا مش عشان نعالجهم .. ثم تجهمت فجأة و أردفت بصرامة :
-عن أذنكوا ورايا عيانين.
إشتدت عضلات فك "مراد" و هو يداري إبتسامة و يقاوم ضحكة كبيرة في نفس الوقت ، إلي أن خرجت الفتاة ..
إنفجر ضاحكا و هو يقول :
-يخرب عقلك يا عثمان . سحلت البت بكلمتين . آاااخ وحشتني أيام الشقاوة دي !
ضحك "عثمان" بخفة ، ثم إلتفت إلي "صالح" و قال :
-إيه يابن عمي ! أخبارك إيه ؟؟
-إيه إللي جابك يا عثمان ؟ .. قالها "صالح" بجفاء و هو ينظر أمامه مباشرةً متجنبا النظر نحو ضيفيه
تظاهر " عثمان" بعدم ملاحظة إسلوبه ، و قال بدهشة :
-إيه المقابلة البطالة دي ؟ المستشفي دي بهتت عليك و لا إيه ؟ ده بدل ما تقولي إتفضل ليك وشحة يابن عمي !
صمت "صالح" و لم يرد ..
فسحب "عثمان" كرسي و جلس بجواره ، ثم قال :
-إيه يابني .. مالك ؟
صمت أخر ، ليزفر "عثمان" بضجر قائلا :
-مش عايز تتعالج ليه يا صالح ؟ .. رد عليا ؟ مش عايز تتعالج ليه ؟ إيه إللي إنت عايز تثبته بالظبط ... ثم صرخ فيه :
-رددد عليــــــــــــــا !
-عايزني أقولك إيه ؟ .. صاح "صالح" بعصبية ، و تابع :
-عايزني أقولك إنك إنت السبب في إللي حصلي ؟ عايزني أقولك إني مش هعرف أقف علي رجليا تاني بسببك ؟ عايزني أقولك إن حياتي شبه إنتهت و حياتك إنت مكملة عادي ؟ .. ده إنت يا أخي ما سألتش فيا من يوم دخلت الهبابة دي . حتي زيارتك إللي فاتت . عملتها تقضية واجب و مشيت و من ساعتها ماشوفتكش . كأنك بتقولي إنت مش مهم أنا أهم منك . و صحيح عندك حق . ما حظك إنك إبن يحيى البحيري الوريث الكبير للعيلة و إللي بيتحكم في كل حاجة حتي في أخوه و ولاده . سافر يا رفعت . يسافر رفعت . خد هالة معاك و سيب صالح يا رفعت . ياخد هالة معاه و يسيب صالح . صالح ماينفعش لصفية دول ولاد عم و بس و بعد فيييين و فين يتكرم يحيى باشا و يوافق علي الخطوبة . بس أنا بقي إللي مابقتش عايز . أنا إللي فسخت الخطوبة قبل ما يعملها هو و لما هخرج من هنا مش هستني أبويا يشوف صرفة مع أخوه . أنا إللي هقفلكوا كلكوا . بس مش علي رجلي يابن عمي.
كان "عثمان" يستمع إليه بصدمة كبيرة ... حتي إنتهي ..
هب من مكانه فجأة و هو يقول بصرامة شديدة :
-أنا مقدر الحالة إللي إنت فيها . و رغم إنك زودتها شوية بس هعذرك .. إنت يعتبر مش في وعيك . عشان كده أنا هسيبك دلوقتي . و بعدين هبقي أجي أشوفك .. يكون عقلك إتردلك ساعتها.
ثم إستدار و غادر بخطوات ثابتة دون أن يضيف حرفا أخر
ليتبعه "مراد" الذي صـُدم بدوره من أقوال "صالح" و بدون أن يفه بكلمة هو أيضا ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل "بحيري" ... يقوم "رفعت" بجولة روتينية مارا بالطوابق و ما بينها
ليري زوجة أخيه تجلس بالشرفة الواسعة فوق الأرجوحة الساكنة ، بدت و كأنها شاردة في صفحة الليل الحالكة المرصعة بالنجوم المتلآلئة ..
إبتسم "رفعت" و مشي ناحيتها بحذر ، ثم جاء من خلفها و بدأ يدفع بالأرجوحة بصورة مفاجئة
شهقت "فريال" بذعر في بادئ الأمر ، لكنها نظرت ورائها و إكتشفت من الفاعل ..
-رفعت ! .. هتفت "فريال" و هي تبتسم برقتها المعهودة ، ليرد الأخير :
-مساء الخير يا فريال.
-مساء النور يا رفعت . إيه إنت خارج و لا إيه ؟!
رفعت و هو يعاين جمالها بإعجاب ظاهر :
-لا أبدا مش خارج . أنا كنت بتمشي في البيت بس . عادي .. ثم سألها :
-يحيى ماكلمكيش ؟
-كلمني من شوية.
-وصل بالسلامة يعني ؟!
-أه الحمدلله . و وصل للأوتيل كمان.
-كويس !
و أخذ يرمقها بنظرات مطولة غامضة ..
توترت "فريال" حين لاحظت هذا ، فقامت و هي تقول بإرتباك :
-طيب آا أنا هـ هطلع علي الأوضة . عن أذنك.
و تعثرت رغما عنها و هي تخطو بمحاذته ..
ليسرع هو و يسندها بذراعيه صائحا :
-حسبي يا فريال.
-آه . أنا آسفة ! .. قالتها "فريال" بحرج شديد و هي تحاول أن تتوازن بلا جدوي
بينما ضحك "رفعت" و قد كان يمسكها بإحكام ..
-طيب إصبري هسندك . إنتي كده إللي بتوقعي نفسك و هتوقعيني معاكي.
فريال بتوتر :
-آسفة يا رفعت.
و بعد لحظة كانت تقف معتدلة تماما ، بينما لا يزال يطوقها "رفعت" بذراعيه و يرفض إطلاق سراحها ..
حاولت "فريال" التصرف بشكل متحضر ، فإبتسمت بتكلف و هي تقول :
-رفعت ! فـ في حاجة ؟ .. يعني لو تمسح تعديني بس .. و لا إيه !!
غامت عيناه من شدة تحديقه فيها بتركيز قوي ، لكنه تكلم أخيرا ..
رفعت و هو يشدد قبضته حولها :
-فريال .. أنا بحبــــــــــــــــــك !
توسعت عيناها و جحظتا من الصدمة ..
لتتصرف بعنف بعد هذا فورا و تدفعه عنها بمنتهي القوة و هي تصيح :
-إنت بتقول إيـــــــه ؟ إنت مجنووووووون !!!
رفعت و هو يرمقها بغضب شديد :
-لأ أنا مش مجنون . أنا أخيرا بقولك الحقيقة . أنا بحبك يا فريال . بحبك و من زمان أوي من قبل ما تقابلي أخويا و تتجوزيه . هو . هو إللي خدك مني زي ما طول عمره بياخد مني كل حاجة . إنتي المفروض تكوني مراتي أنا . إنتي من حقي أنا . أنا يا فريال لازم تعرفي ده كويس.
غطت فمها المفتوح بكفها ، و لم تنتظر لتسمع المزيد ..
ركضت من أمامه فورا و هربت إلي غرفتها
أقفلت الباب بالمفتاح و هي تشعر بقلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها من شدة خفقانه ، ثم تداعت فوق أقرب آريكة و هي تلهث بقوة
و كم تمنت لو كان ذلك مجرد حلم .. و لكن لا ، كان حقيقي و كلماته ما زالت تدوي بأذنيها بصخب و إلحاح شديد
بحق الله ، أي شيطان دفعه لقول هذا ؟؟؟
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
صباح يوم جديد ... إستيقظت "سمر" من نوم متقطع مليئ بالكوابيس و الأحلام المزعجة
أولا إنتهت من إعداد طعام اليوم كله لـ"فادي" ثم تناولت هي وجبة خفيفة ، و ليتها أكلت جيدا ..
شهيتها مفقودة تجاه كل شئ ، لا تفكر سوي في موعدها معه بعد قليل
ذهبت "سمر" لتغتسل ، ثم عادت إلي غرفتها و إرتدت ملابسها ..
لم تهتم بإختيار ثوب معين ، و لكنها حرصت ألا يكون مميز أو ملفت
لا تريده أن يغتر بنفسه و يعتقد أنها مسرورة بما حدث البارحة أو بما سيحدث اليوم ، يجب أن يدرك أنها مرغمة علي فعل هذا و أن الخيار لو كان متاحا لها لما رضخت لإرادته أبدا ..
إنتهت "سمر" من تجهيز نفسها ، و أخر شئ
فتحت حقيبتها و تأكدت من وجود ورقة الزواج الخاصة بها و التي مضت عليها بنفسها .. بكامل إرادتها و بدون أي ضغط منه تماما كما قال
إبتسمت بسخرية مريرة و هي تطوي الورقة بكفها ، لكنها عادت و دستها بمكانها مرة أخري
ثم أخذت نفسا عميقا و إستعدت للرحيل !!!!!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم Shaimaa Gonna
تحت نهار شتوي ساطع ... تخرج "سمر" من بيتها ، يداهمها خوف غريب من مواجهة الجمهور
تشعر أن كل من سينظر لها و هي تسير سيعرف بالحقيقة .. إلي أين هي ذاهبة ؟ ماذا فعلت ؟ و ماذا ستفعل ؟ .. الجميع سيدري بالجريمة التي إرتكبتها !!!
ضمت ياقتي ردائها الصوفي حول عنقها و هي تشعر بإرتجافة في جسدها بسبب التوتر لا البرد الذي يغلف الأجواء
و بينما هي تمر من أمام محل الجزارة ، سمعته ينادي بإسمها ..
-أنسة سمر !
إلتفتت "سمر" إلي الصوت المألوف ، لتجده "خميس" يبتسم و هو يهرول صوبها بسرعة ..
-إصباح الخير يا أنسة سمر .. قالها "خميس" بنيرة تزخر باللهفة و السرور
لترد "سمر" بصرامة ممزوجة بالجفاء :
-صباح الخير يا خميس . نعم عايز حاجة ؟؟
أجفل "خميس" و هو يجيبها بإرتباك واضح :
-آا لأ مـ مش عايز . أنا بس كنت حابب أتأسف علي إللي حصل بيني و بين الأستاذ فادي . أنا ماكنش قصدي أتعارك معاه و الله بـ آاا ..
-حصل خير يا خميس .. قاطعته "سمر" بجمود ، ثم قالت بإقتضاب :
-أنا لازم أمشي دلوقتي . عن إذنك.
خميس و هو يرمقها بحزن :
-إتفضلي !
مشت من أمامه مسرعة ، بينما وقف بمكانه يتابعها بعيناه في تخاذل حتي توارت تماما ..
-بردو مش هزهق يا سمر .. تمتم "خميس" لنفسه ، و أكمل بإصرار :
-أنا بحبك . طول عمري بحبك و محدش هيقدر ياخدك مني أبدا !
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... يستيقظ "مراد" من نومه و ينزل للأسفل فلا يجد أحد من أهل البيت و مائدة الفطور فارغة بصورة غير إعتيادية
يهز كتفاه بعدم إكتراث ، ثم يتجه إلي غرفة "عثمان" و يدخل دون أذن كعادته
ليجده في غرفة الثياب خاصته يقوم بإعداد حقيبة صغيرة بعد أن إنتهي من إرتداء ملابس عصرية جدا مؤلفة من كـِـنزة صوفية بيضاء ، و سروال من الچينز القاتم ، و حذاء جلدي ذو رقبة أسود اللون من العلامة التجارية Geox ..
أطلق "مراد" صفيرا عاليا و هو يقترب منه و يقول بدعابة :
-إيه الشياكة إللي علي الصبح دي يا جدعان ! أكيد مش ممكن تكون رايح الشركة باللبس الشبابي ده يا چان عصرك . أومال فين البدلة يا عم ؟ و إيه الشنطة دي ؟!
حدجه "عثمان" بنظرة جانبية و هو يقول :
-من الذوق و الأدب إنك تستآذن قبل ما تدخل علي حد أوضته . يا قليل الأدب.
مراد بسخرية :
-يابني أنا الأدب ده معداش من جمبي أصلا ! .. ثم سأله بفضول :
-المهم قولي . رايح فين كده و واخد معاك شنطة هدومك ؟!
عثمان بفتور :
-و إنت مالك يا مراد ؟ إنت مالك أنا رايح فين ! .. ثم أبعده من أمامه بيده و توجه نحو ركن الزينة الخاص به
-لا ياخويا مانا زنان و مش هاسيبك إلا أما تقولي علي فين العزم كده ؟
تآفف "عثمان" بضجر و هو يختار نظارة من مجموعة نظاراته الشمسية الفاخرة ، ثم قال بضيق شديد :
-طيب يا زنان هقولك بس بمزاجي .. هغيب يومين كده و راجع تاني إن شاء الله.
-مسافر يعني ؟!
عثمان و هو ينتقل لقسم العطور الثمينة :
-لأ مش مسافر . و كفاية عليك كده . ماتسألش تاني خلاص.
مراد بشك :
-شكلك رايح تعمل مصيبة ما يعلم بيها إلا ربنا.
ضحك "عثمان" و هو يأخذ من درج العطور قنينة الـJimmy Choo ، ثم قال و هو يرش منها بغزارة :
-بذمتك يا شيخ . ده شكل واحد رايح يعمل مصيبة ؟
-ما هي بتبدأ كده.
-و بعدين !
-و بعدين بضلم بعيد عنك.
إنفجر "عثمان" في الضحك أكثر و قال :
-لأ ماتقلقش ياخويا . مش هضلم . مش هضلم خآاالص .. ثم سأله بجدية :
-صحيح إنت كنت جاي عايز إيه ؟ في حاجة ؟ مش عوايدك تصحي بدري !
مراد بجدية مماثلة :
-أبدا كنت جاي أشوفك عامل إيه ! مانا سايبك إمبارح و إنت في حالة مش حلوة خالص . كلام صالح يضايق أنا عارف . و أنا شخصيا إتفاجئت بيه زيك بالظبط.
تنهد "عثمان" ثم إستدار ليواجهه و هو يقول بعدم إهتمام :
-أنا مش زعلان منه . هو معذور بردو إللي حصله مش قليل . و عموما أنا عارف إنه مايقصدش و هي فترة صعبة عليه و هتمر و في الأخر هيوافق يتعالج.
ثم إتجه نحو حقيبته الصغيرة قبل أن يفتتح "مراد" حديثا أخر و يؤخره عن ميعاده ..
حملها علي كتفه ، ثم قال بإبتسامة مفعمة بالحماسة الملتهبة :
-أوووك يا صاحبي ! بــــــــاي بقي و إلي اللقآااااااء.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في المركز الطبي الخاص حيث تتلقي "ملك" العلاج هناك ... تصل "سمر" و تمر علي مكتب الطبيب أولا
-أنا آسفة جدا علي التأخير .. قالتها "سمر" بإعتذار ، ثم سلمته مظروف ضخم و هي تكمل :
-إتفضل حضرتك . ده حساب الأيام إللي فاتت و معاه باقي حساب الأسبوع إللي فاضل.
الطبيب مبتسما بنفاق :
-أنا إللي آسف إذا تعبتك أو أزعجتك يا أنسة سمر . بس أكيد حضرتك عارفة دي حاجة غصب عني . الإمكانيات هنا مكلفة أووي و كل يوم ببعت أطلب من برا معدات جديدة و آدوية كمان.
سمر بإبتسامة مصطنعة :
-و لا يهمك يا دكتور . أنا فاهمة . و في الأخر ده حقك و لازم تاخده .. ثم إنتقلت للحديث عن أختها :
-و ملك عاملة إيه دلوقتي ؟ حالتها إزيها ؟!
-لا حضرتك الحمدلله . حالتها مستقرة أوي لحد دلوقتي و أحرزنا تقدم كبير معاها . بس أكيد علي أخر الإسبوع لما تنتهي جلسات العلاج هتتحسن أكتر و أكتر و يمكن تروح معاكي كمان.
تنهدت "سمر" براحة شديدة و قالت :
-الحمدلله . ربنا يكمل شفاها علي خير .. ثم أردفت بتساؤل :
-طيب أنا ممكن أشوفها ؟
الطبيب برحابة :
-أه طبعا ممكن . إتفضلي معايا .. و واكبها لغرفة الحضــَّانات المليئة بالعديد من الأطفال الذين يعانون مما تعاني منه "ملك"
دخلت "سمر" خلف الطبيب و راحت تبحث عن أختها
وجدتها أخيرا في المنتصف ، كانت راقدة في سريرها الصغير المغطي بغلاف زجاجي شفاف موصل ببعض الأنابيب البلاستيكية ..
-هي نايمة علطول ؟ .. تساءلت "سمر" و الدموع تترقرق بعينيها ، ليجيب الطبيب بنبرته الهادئة :
-لأ طبعا . بتصحي و بتاكل و بتشرب عادي جدا . بس الممرضة لسا مأكلاها و منضفاها عشان كده نامت.
نظرت "سمر" إلي وجه شقيقتها المستدير ، و تأملت بفرحة خديها البارزين المخضبين بالحمرة ..
و كم أرادت أن تحملها في هذه اللحظة و تضمها بقوة إلي صدرها ثم تبكي بعد ذلك ، و لكنها تماسكت و طردت شعور الوهن قبل أن يطغي عليها كليا و يجعلها تنهار
ليأتي صوت الطبيب في اللحظة المناسبة تماما :
-علي فكرة طلعلها سنتين من فوق . تعبتنا أوي الأيام إللي فاتت و ماكنتش بتنيم حد خااالص.
نظرت "سمر" له و هي تقول بإبتسامة حزينة :
-بجد ؟ .. أكيد نفسي أشوفهم . حبيبتي وحشتني أووي !
و هنا دق هاتفهها ..
لتتجهم فجأة و كأنه ناقوس الموت هو الذي يدق معلنا عن حلول موعد إعدامها ، أو بالأحري موعد إعدام براءتها ، شرفها ، مبادئها ، أخلاقها !!!
-ألو ! .. هكذا ردت "سمر" بصلابة شديدة ، ليأتيها صوته الكريه فورا :
-إيه يا بيبي ! فينك ؟ أنا واقف مستنيكي في المكان إللي إتفقنا عليه . إتأخرتي ليه ؟؟؟
سمر بإقتضاب :
-أنا جاية.
الأخير بضيق :
-قدامك أد إيه ؟
-عشر دقايق و هكون عندك.
-أوك . مستنيكي !
أغلقت "سمر" الخط و هي تشعر بالحريق ينشب في كل إنش من جسدها ..
ألقت نظرة أخيرة علي "ملك" و تمتمت بصوت منخفض للغاية لا يسمعه إلا هي :
-أنا بعمل كل ده عشانك . إنتي بالنسبة لي أهم حاجة في الدنيا . و مستعدة أفديكي بروحي يا حبيبتي !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بعد بضعة دقائق تجاوزت العشرة التي وعدته بهم ... كانت تستقل سيارة آجرة ، سارت بها في شوارع الإسكندرية الحية المضيئة
حتي توقفت عند إحدي الميادين الشهيرة بحسب تعليماتها ..
نظر إليها السائق من خلال المرآة الأمامية و هو يقول بصوته الخشن :
-وصلنا يا آنسة !
زمت "سمر" شفتيها بشئ من العصبية ، ثم فتحت حقيبتها و أخرجت الآجرة و أعطتها له
نزلت من السيارة و هي تتلفت حولها باحثة عنه ..
كانت تريد أن تعثر عليه بسرعة لتقي نفسها من نظرات المارة ، إذ خيل إليها أن الجميع يترصدها جيدا في إنتظار اللحظة الموعودة ليتم ضبطتها و هي ترتكب الجُرم المشهود !!!
و أخيرا لمحته ..
كان يجلس بسيارته المصفوفة علي جانب الطريق ، ما أن تأكد أنها رأته أخذ يلـوَّح لها بيده و هو يبتسم تلك الإبتسامة الشيطانية
مشت ناحيته و هي تقدم ساق و تؤخر الأخري ... جاهدت لتحظي ببعض الثقة ، و لكنها معدومة ..
الثقة معدومة في هذا الموقف الذي وضعت نفسها به ، لا يحق لها التصرف بكبرياء ، لا يحق لها إدعاء العفة أو الشرف ، لا يحق لها التمنع ، حتي لا يحق لها التراجع
لقد سارت بدرب لا عودة منه ..
مسار واحد فقط ، محفوف بالأشواك و الألغام .. إنها الآن تمشي علي الجمر و تدوس في الوحل بنفس الوقت
اليوم ستموت "سمر" البريئة العفيفة ، و ستولد أخري آثمة مهما فعلت ، لن تستطع محو خطاياها ..
-أخيرا وصلتي ! .. قالها "عثمان" عندما إستقلت "سمر" بجانبه في السيارة المكشوفة التي لا تتسع سوي لفردين
-إيه العربية إللي جايبها دي ؟ .. غمغمت "سمر" بحنق شديد و أكملت :
-فين عربيتك ؟ إزاي تيجي بعربية زي دي ؟ إنت متعمد تعمل كده يعني ؟!
عثمان بدهشة :
-إيه إيه إيه ! إهدي شوية . مالك بس ؟ إيه إللي مش عاجبك في العربية ؟؟؟
سمر بغضب :
-مكشوفة حضرتك . مكشوفة . إفرض حد شافني معاك ؟ هقول إيه ساعتها ؟!
إبتسم "عثمان" بخفة ، لتظهر أسنانه البيضاء ، ثم قال بعذوبة :
-سمر يا حبيبتي . Take it easy . ماتخافيش . أولا المكان ده بعيد جدا عن بيتك و عن منطقتك كلها . ثانيا دي مش أول مرة تركبي معايا في عربيتي . و فرضا لو صادف و حد من معارفك شافنا تقدري ساعتها تطلعي مليون حجة مش حكاية هي يعني . و يا ستي لو مضايقك أوي موضوع إنها مكشوفة و لا يهمك . هقفلهالك دلوقتي حاضر.
وضغط علي أحد الآزرار باللوحة المثبتة علي يمين عجلة القيادة ، لينطلق سقف السيارة تدريجيا و يحجب عنهما ضوء النهار ..
رمقته "سمر" ببغض شديد ، ثم أشاحت عنه بسرعة ، بينما إبتسم بإتساع أكبر و هو يشعر بالمرح حيال الوضع برمته
تنهد "عثمان" تنهيدة مطولة ، ثم شغل محرك السيارة و إنطلق عبر الحشود الكثيفة ..
إلي أن بدأ عدد السيارات و الناس يقل ، و بدا أنهما يقتربا من الحافة الغربية للمدينة بإتجاه البحر
أوقف "عثمان" السيارة عند مرسى المراكب و إلتفت إليها قائلا بأمر :
-إنزلي.
إنصاعت له دون أن تفه بحرف ، لينزل هو الأخر و يمشي ناحيتها
قبض علي معصمها برفق ، ثم سار بها علي إمتداد صف طويل من اليخوت البيضاء الراسية في ماء البحر الذي جعله النهار أزرق شفاف كالجواهر المشعشعة ..
توقف "عثمان" عند يخت معين ، بدا أكبر و أكثر جلالا من البقية ..
تركها جانبا و تقدم بضعة خطوات بعيدا عنها
نزع نظارته الشمسية و أخذ ينادي علي سائس اليخت ، ليظهر شاب هزيل في اللحظة التالية ، إبتسم تلقائيا حينما رأي "عثمان" و نزل من اليخت بسرعة و قفز أمامه برشاقة ..
ليصافحه "عثمان" بود قائلا :
-إزيك يا ناجي ؟ أخبارك إيه ؟
ناجي بإبتسامة واسعة :
-تمام يا عثمان باشا . أنا بخير بفضل سيادتك عليا .. ثم قال مفتخرا بنفسه :
-أنا جهزت كل حاجة و عملت كل إللي حضرتك أمرتني بيه إن شاء الله هتتبسط مني.
ربت "عثمان" علي كتفه بلطف و هو يقول :
-متشكر يا ناجي . أنا علطول مبسوط منك .. ثم أخرج بعض النقود من چزدانه و طواهم بيد "ناجي" مكملا :
-خد دول و مع السلامة إنت بقي . لما أرجع هبقي أكلمك تيجي تستلم مني.
إبتسم "ناجي" و هو يضع النقود بجيبه و يقول :
-ماشي يا باشا . أنا تحت أمرك في أي وقت.
و غادر ..
لينظر "عثمان" نحو "سمر" و يشير لها برأسه لتأتي
تقدمت صوبه ، فأمسك بيدها و ساعدها علي صعود درجات اليخت ، ثم ذهب ليحل عقدة الحبل الضخم عن رصيف المرسى و لحق بها بسرعة ..
يتكون اليخت من أربعة طوابق هرمية الشكل ... أول طابق به مصعد للتنقل و ثلاث حجرات للضيوف و حمام و قاعة داخلية تتضمن بنشات و مقاعد طولية مصنوعة من خشب السنديان المصقول
الطابق الثاني به حوض سباحة و صالة رياضية و غرفة بخار و بار كبير مزود بكافة و أفخر أنواع الخمور
و الطابق الثالث به جناح المالك مجهز بالكامل ، و غرفة للجلوس و قاعة خارجية تحتوي علي مشمسة كبيرة و شاشة تلفاز بلازما ، و يتميز هذا الطابق بنظام صوتي بصري يتحكم بالإضاءة و الستائر و المكيفات
أما الطابق الرابع فيتضمن المقصورة و غرف طاقم اليخت ..
صعدا معا إلي الطابق الرابع ، ليتركها "عثمان" و يتجه إلي غرفة التحكم
كانت تراقبه صامته فيما كان يجهز اليخت من أجل الرحيل ، لم تكن تري منه إلا ظهره العريض من خلال الشرفة المفتوحة ..
ليستدير إليها بعد قليل و يقول بإبتسامته الجذابة :
-يلا يا سمر . قاعدة عندك كده ليه ؟ إنزلي الدور إللي تحت ده علطول هتلاقي أوضة و كل إللي إنتي عايزاه . إتصرفي علي راحتك خالص و أنا هظبط شوية حاجات هنا وجايلك.
إبتلعت ريقها بصعوبة ، و غام كل شيء من حولها بسبب عنف صوت نبضات قلبها في أذنيها ، و لكنها و بشئ من الخوف و التردد إستمعت له و هبطت إلي الطابق الثالث ..
لم تكن مأخوذة أو مبهورة بجمال هذا المكان المذهل ، لو لم تكن في وضع كهذا حتما كانت ستسعد برؤية هكذا مناظر ..
و لكن لا .. هي مرتعبة ، فقط مرتعبة ، عقلها لا يعمل
الخوف وحده هو الشئ الوحيد الذي عرفته خلال تلك اللحظات ... و أخيرا وجدت صعوبة في التحرك من مكانها ، فظلت واقفة بلا حراك ، حتي آتي هو ..
-إيه ده إنتي لسا واقفة عندك ؟ .. قالها "عثمان" بدهشة كبيرة و هو يتجه نحوها
بينما ثبتت علي وضعها متحاشية النظر إليه ..
-إيه مالك ؟ .. تساءل بغرابة ، لترد بإرتباك :
-مـ مافيش . بس .. بتفرج علي المكان.
إبتسم عثمان و هو يقول بتفاخر :
-المكان فعلا عظيم . المهم يكون عجبك !
سمر بنفس الإرتباك :
-عجبني.
-ماعندكيش فكرة أنا عرفت أشتري اليخت ده إزاي . كنت في إطاليا السنة إللي فاتت و شفت صورته في كتالوج هناك كان غالي أوي بس عجبني و قررت لازم أشتريه . دفعت كتير جدا عشان أشحنه لحد هنا كمان . بس هو يستاهل بصراحة.
أومأت بشئ من العصبية لتجاري حديثه الكريه مثله تماما ، بينما تنهد و قال و هو يشير بسبابته إلي غرفة النوم :
-أوضة النوم إللي هناك دي يا سمر . إدخلي غيري هدوك إعملي أي حاجة عشان نلحق نتغدا سوا قبل ما الشمس تغيب . لسا في حاجات كتير هنعملها سوا.
عقدت حاجبيها و هي تقول بتوتر :
-هدوم إيه إللي هغيرها ؟ أنا ماجبتش معايا هدوم.
عثمان بضيق شديد :
-إنتي بتقولي إيه بس يا سمر ؟ إزاي ماتجبيش معاكي هدوم ؟ يعني هتفضلي كده طول اليوم ؟ إزااي ؟؟؟!!
-زي الناس ! .. قالتها "سمر" بإستهجان ، ليرفع حاجبه بدهشة
بينما تململت بضيق و هي تحاول أن تصوغ عبارتها الفائتة :
-مش مشكلة . أنا مش هكون مضايقة .. عادي.
صمت قصير .. ثم قال "عثمان" بغموض :
-طيب .. إذا كده بقي أنا إللي هغير هدومي . و خليكي إنتي هنا لحد ما أرجعلك . و لا تحبي تيجي معايا ؟
سمر بنفي قاطع :
-لأ ماحبش . إتفضل إنت . أنا هستناك هنا.
أومأ "عثمان" دون أن يتكلم ، ثم أخذ حقيبته متوجها صوب غرفة النوم ..
لكنه غافلها أثناء مروره البارد بمحاذاتها ، و إستدار فجأة قابضا علي خصرها
و بحركة سريعة من يده الماهرة ، حل عقدة حچابها عن رأسها
ليتحرر شعرها الحريري من عقاله ، و ينسدل كشلال أسود حول وجهها و علي طول ظهرها ..
-واااو ! ده شعرك بجد ؟ .. قالها "عثمان" بإنبهار شديد و هو يعبث بخصلاتها و يشبكهم بين أصابعه
لتصرخ "سمر" بقوة حين شدد قبضته علي شعرها من فرط حماسته ، بينما ضحك بقذارة ، ثم قال :
-أحب أوي العمليات الإستكشافية دي .. يا تري الدور علي إيه بعد كده ؟ هستكشف فيكي إيه تاني الليلة دي يا بيبي !
رمقته بتقزز و في نفس الوقت إنكمشت خائفة من إلتماع البريق الشيطاني بعينيه !!!
.............................................................................
علي متن اليخت الذي لم يقلع بعد ... تجلس "سمر" في غرفة النوم الفاخرة متيبسة ، لا تعرف كيف تتصرف
مع أنه ترك لها الغرفة منذ نصف ساعة لتحظي ببعض الخصوصية و تجهز نفسها علي الأقل بما إنها لم تأت بثياب إضافية لتبدل فيها طوال اليوم ..
لكنها مشلولة ، هذا أنسب تعبير لوصف حالتها الآن
عندما يتعلق الأمر به تجد نفسها عاجزة تماما .. عزلاء ، لا تملك ما تدافع به عن نفسها ، لا تستطيع التصرف أو التفكير
فقط كلمته هي التي تطغي علي كل شئ حتي تتحق مشيئته بالنهاية ، فهو يمسكها من اليد التي تؤلمها ..
-طيب و بعدين ؟ هعمل إيه دلوقتي ؟ .. تمتمت "سمر" لنفسها بحيرة شديدة ، ثم قامت من مكانها و أخذت تجوب المكان بنظرها بلا هدف معين
لتقع عيناها علي باب الحمام الموارب ..
مضت إليه بسرعة ... نظرت إلي الخارج عبر النوافذ الدائرية ، لكنها لم تري سوي البحر و السماء
قضي الأمر ، لقد أصبحت تحت رحمته و لا مفر منه أبدا ..
-مين ! .. صاحت "سمر" بذعر حين سمعت طرق علي باب الغرفة ، ليأتيها الرد ساخرا :
-مين إيه يا سمر ؟ هيكون مين يعني ! أنا عثمان.
سمر بتوتر :
-عايز إيه ؟
عثمان بضيق :
-خلصتي و لا لسا ؟ أنا قاعد لوحدي بقالي كتير و زهقت.
-أنا جاية !
تنهد "عثمان" بنفاذ صبر و قال :
-طيب . ما تتأخريش أنا مستنيكي.
و إختفي صوته
لتندفع موجة من الحرارة في جلدها من جديد ..
تنفست بعمق لمرتين ، ثم إتجهت نحو المرايا المتوضعة فوق الرف الطويل
بدا منظرها فوضوي للغاية ، إذ كان شعرها أشعث بسبب يده و أصابعه التي راحت تعبث فيه عندما كانت معه بالخارج ..
وجدت فرشاة الشعر أمامها ، فأمسكتها و أقحمتها بعنف بين لفائف شعرها و أخذت تسرحه حتي صار مرتبا و ناعما كعادته
غسلت وجهها الملتهب بالماء البارد ، فشعرت بإرتياح شديد يغمرها لتلقي المياه علي مؤخرة عنقها أيضا ..
إنتهت من هذا الغسل الجزئي ، ثم عادت إلي الغرفة مجددا
تناولت حچابها من فوق الفراش و لفته حول وجهها .. ثبتته جيدا ، ثم عدلت ثيابها المجعدة
و أخيرا إستعدت للخروج ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
ضاقت ذرعا بهذا ... طفح كيلها ، لقد تركته لأيام طويلة علي أمل أن يعود لصوابه و يعتذر منها و يطلبها للإتيان ليُصلح ما أفسده في فورة غضب
و لكنه لم يغعل ، حتي الآن لم يفعل .. و كأن حبه لها لا يعني شيئا ، و كأنه كان مجرد كذبه باتت طي النسيان !
و لكنها لن تقبل و لن تسمح بذلك أبدا ، فهذا ليس قراره وحده هي شريكته و نده في كل شئ مرتبط بهذه العلاقة ..
حسمت "صفية" أمرها و إستفاقت باكرا و ذهبت إلي المشفي ، عقدت العزم و بقوة علي إنهاء تلك المهزلة مهما كلف الأمر
لن ترحل من هنا إلا و هي مهزومة أو منتصرة ، إنما لن تنسحب أبدا ..
فتحت باب غرفته فجأة و دخلت دون أذن ، لينتفض "صالح" و هو يدير رأسه ليري من الذي إقتحم جناحه بهذا الشكل !!
-صفية ! .. هتف "صالح" ذاهلا
و لكن سرعان ما عاد التجهم إلي وجهه و هو يكمل بصلابة :
-إنتي إيه إللي جابك ؟ أنا مش قلت ماتجيش هنا تاني . مش قلت مش عايز أشوفك ؟!
وقفت "صفية" أمام سريره ، ثم قالت بجدية ممزوجة بالصرامة :
-لازم نتكلم يا صالح.
صالح واجما :
-مافيش كلام بينا يا صفية . كل حاجة إنتهت و إنتي عارفة كده كويس.
صفية بإنفعال :
-لأ ده بالنسبة لك كل حاجة إنتهت لكن بالنسبة لي لأ . لأ يا صالح . إنت مش من حقك تقرر مصير علاقتنا لوحدك أنا شريكتك في القرار و لما قرارك مايعجبنيش يبقي مش هيتنفذ سامع ؟؟؟
أشاح بوجهه عنها و هو يقول ببرود :
-أنا مابقتش عايزك يا صفية . إحنا فعلا ماننفعش لبعض زي ما أبوكي قال . هو رأيه كان صح . و أعتقد إنه إتأكد من كده أكتر بعد إللي حصلي.
-يعني ده كمان بقي رأيك يا صالح ؟ .. تساءلت "صفية" بوهن شديد ، و تابعت :
-إنت بجد عايز تسيبني ؟ .. عايز تسيبني بعد كل ده ؟ بعد كل السنين إللي عشناها سوا بنحب بعض ؟ عايز تسيبني بعد ما إرتبطنا رسمي و قدام الناس كلها ؟؟!!
عاود "صالح" النظر إليها ، ثم قال بسخرية :
-بس ماتقوليش بنحب بعض بس . أنا إللي كنت بحبك يا صفية و كنت عارف إنك مابتحبنيش . إنتي عمرك ما حسستيني إني موجود في حياتك أصلا . أنا بالنسبة لك كنت مجرد تحصيل حاصل كأنك كنتي بتقولي لنفسك إللي أعرفه أحسن من إللي ماعرفوش لحد ما يجي الشخص المناسب . كنت متأكد دايما إن هيجي عليكي يوم و هترميني بس أنا بقي فوقت قبل ما تعلميها و سبقتك يا صفية . كنت مغفل .. بس خلاص صحيت من غفلتي.
صفية بصدمة كبيرة :
-هي دي كانت فكرتك عني ؟ . إنت كنت فاكرني وخداك للمنظرة .. ثم صرخت بغضب :
-كنت فاكرني ممكن أبص لحد غيرك و أنا خطيبتك ؟؟؟
صالح بغضب مماثل :
-دي حقيقة مفروغ منها بالنسبة لي . لو ماكنش ده تفكيرك إنتي فأنا متأكد إنه تفكير أبوكي . عمره ما أخد موضوعنا بجدية و دايما بيتعامل معاه بعدم إهتمام كأنه واثق إننا مش هنكمل مع بعض و بردو كنت دايما بحاول أقنع نفسي بالعكس بس دلوقتي خلاص . إللي أنا بقيت فيه خلاني أستخدم عقلي و أشوف الحقيقة زي ما هي منغير كدب و لا تزويق.
-يعني ده أخر كلام عندك ؟ .. تساءلت "صفية" بغموض ، ليرد "صالح" بثبات :
-أيوه يا صفية . أنا سيبتك و إحنا دلوقتي مش أكتر من ولاد عم . ده أخر كلام عندي.
أومأت "صفية" رأسها ، ثم إستدارت و مشت بمنتهي الهدوء نحو النافذة الزجاجية ..
-رايحة فين يا صفية ؟ .. سألها "صالح" بقلق ، لتكمل هي سيرها غير مبالية به
-صفية رايحة فيـــن ؟؟ .. كرر "صالح" سؤاله ثانيةً ، فأجابته ببرود و هي تمد يديها و تفتح النافذة علي مصراعيها :
-إنت بتقول إن كل حاجة بينا إنتهت . و إني إنتهيت بالنسبة لك .. يبقي لازم إنتهي فعلا يا صالح !
و صعدت علي الكرسي لتعتلي السور الرخامي ..
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في الخارج ... يجلس "عثمان" في إنتظار "سمر" و هو يشعر بالملل الشديد
كان ممسكا بكأس من الڤودكا الممتزجة بعصير الفواكه ، أخذ يتجرعه بفتور و عيناه مثبتتان علي باب الغرفة ..
-أخيـــــرا خرجتي يا بيبي ! .. قالها "عثمان" لحظة خروج "سمر" من الغرفة ، ثم قام و إتجه صوبها و هو يكمل :
-طولتي أووي . كنتي بتعملي إيه كل ده ؟
سمر بإرتباك و هي تتجنب النظر إليه :
-كنت بغسل وشي.
عثمان بدهشة :
-كل ده و كنتي بتغسلي وشك بس ؟ ده أن إفتكرتك بتاخدي شاور ! .. و لفت نظره أنها وضعت الحچاب مرة أخري ، ليقول بدهشة أكبر :
-الله ! لبستي الإيشارب تاني ليه ؟!
سمر بشئ من الإرتباك :
-أنا مش متعودة أقلع الحجاب قدام حد غريب.
عثمان و هو يبتسم بخبث :
-بس أنا مابقتش غريب بالنسبة لك يا سمر . أنا جوزك و إنتي مراتي . و لا ناسية ؟
لم ترد
لتزداد إبتسامته إتساعا و هو يقوم بنزع حچابها مرة أخري ..
-أيووه كده .. تمتم "عثمان" و هو يتأمل شعرها الفاحم الطويل بإعجاب ، ثم تابع :
-شعرك جميل أوي يا سمر . إنتي جميلة .. جميلة أووي .. و جاء ليقبلها ، فأبعدت وجهها بسرعة و هي تقول بإرتباك شديد :
-أنا . أنا لسا . لسا مش مستعدة !
عثمان و هو يرفع حاجبه بسخرية :
-مش مستعدة لإيه ؟ هو أنا هديكي حقنة يا بيبي ؟ ده أنا هبوسك.
سمر بأعصاب تالفة :
-معلش . مش دلوقتي.
تنهد "عثمان" و قال :
-أووك . عشان خاطرك . نصبر شوية كمان .. ثم أكمل بنبرته الخبيثة :
-لسا قدامنا الليلة بحالها !
أجفلت "سمر" خائفة ، ليمسك هو برسغها و يشدها خلفه قائلا :
-طيب تعالي نطلع فوق عشان نتغدا سوا . تحبي تاكلي الأول و لا نطلع باليخت الأول ؟؟
سمر بخفوت :
-إللي إنت شايفه !
-يبقي نطلع باليخت الأول . الأكل في وسط البحر بيبقي أمتع.
و أخذها علي سطع اليخت ..
أجلسها علي طاولة كبيرة مستديرة الحواف ، و ذهب هو إلي غرفة القيادة
و بعد قليل سمعت "سمر" صوت هدير المحركات و شعرت باليخت و هو يتحرك في الماء ..
فيما أظهر "عثمان" مهارة واضحة في القيادة ، حيث أقلع بروية و حرفية شديدة في آن حتي تجاوز مياه المرسي ..
مضي مسرعا إلي الأمام ، و كان اليخت يندفع عبر الأمواج بينما إزداد شعور الخوف لدي "سمر" و لكنه كان خوف مختلف عن سابقه
فقد كانت تخشي السرعة التي يبحر بها و كانت تشعر بقليل من الدوار ، لكنها تماسكت و حاولت أن تركز علي أشياء أخري
نادها "عثمان" عندما إنطلق شرقا في البحر الواسع ، فقامت و ذهبت إليه ..
-تعالي يا سمر . تعالي بصي ! .. قالها "عثمان" بإبتسامة عريضة و هو يمسك بخصرها و يقربها منه ، لتضغط علي أسنانها بقوة و هي تحاول ألا تلتصق به قد إستطاعتها
-عمرك شوفتي كوبري ستانلي من تحت ؟ .. سألها "عثمان" و هو يشير لجسر الإسكندرية المشهور ، لتهز "سمر" رأسها نفيا و تقول :
-أنا عارفة الأماكن هنا و شوفتها من بعيد . بس عمري ما إتفسحت فيها.
عثمان بإستغراب :
-ليه كده ؟
سمر بإقتضاب :
-بابا الله يرحمه كان دايما مشغول و ماما طول عمرها بتخاف عليا و ماكنتش بخرج لوحدي . و هما الإتنين مالهمش في جو الفسح ده.
عثمان بتفهم :
-إممم فهمت . عموما و لا يهمك يا حبيبتي . أنا هاعوضك و هحققلك كل أحلامك .. ثم ألصق فمه بخدها يلثمه بعمق ، لتظهر علامات الأشمئزاز علي وجهها فورا و تجاهد و هي تحاول أن تداريها قبل أن يلاحظها
لكنه لاحظ شيئا أخر و قال بضيق شديد :
-بردو لابسة الإيشارب ؟ لبستيه تاني ليـــــه ؟؟؟
سمر بنبرة مستهجنة :
-ألبسه طبعا . إحنا مش لوحدنا دلوقتي و أي حد حوالينا ممكن يشوفني.
عثمان بنفاذ صبر :
-ماشي يا سمر . علي راحتك.
مضي بعض الوقت و هو يتجول بها في إنحاء المدينة كلها ، و قد مرا علي مناطق عديدة كلها يفوح فيها عبق التاريخ
كـخليج أبي قير و سيدي جابر و قصر المنتزه الذي كان في القديم أحد القصور الملكية الفاخرة
وصولا إلي الأحياء الراقية بصورة عالية جدا ، و منها حي زيزينا الساحر ، و حي جليم الذي نشأ و كبر فيه ..
-شوفي يا سمر .. صاح "عثمان" و هو يشير لها بسبابته نحو قصر ضخم يعد تحفة فنية فريدة ، ثم أكمل بتفاخر :
-ده قصر البحيري . ده بيتي.
و نظر لها ليري ردة فعلها ، لتبتسم "سمر" بخفة و هي تسخر منه بشدة في قرارة نفسها ..
مرت بضعة دقائق أخري ، راحت أنوار المدينة و البنايات الضخمة تتلاشي قليلا عندما أخذ "عثمان" يبتعد حتي توقف في منطقة بعيدة
و فجأة بات كل شئ هادئ و ساكن حولهما ، فقط أصوات الأمواج و حركة اليخت الخفيفة ..
-خلصنا لف ! .. قالها "عثمان" بإبتسامة ، و أردف :
-إيه رأيك ناكل بقي ؟ أنا موصي علي غدا هيعجبك أوي . هو أكيد برد بس لو حابة تسخنيه أنا ممكن أساعدك ماعنديش مانع.
سمر بتوتر :
-لأ . مش مهم . عادي أنا أصلا مش جعانة أوي.
-لا لا لا مافيش الكلام ده يا بيبي . هتاكلي معايا . يلآااا .. و جرها خلفه للخارج ، ليجلسا قبالة بعضهما علي الطاولة
و في الهواء الطلق ، أخذ "عثمان" يكشف عن الصحون المغطاة بالآواني الزجاجية
لتظهر أطباق كبيرة الحجم بها مختلف المأكولات البحرية بكافة أنواعها ..
-يلا كلي بقي .. قالها "عثمان" بضيق ، و أكمل :
-مابحبش آكل لوحدي !
أومأت برأسها موافقة
و أمسكت بالملعقة و كادت تقرب لها صحنا ، ليدق هاتفهها في هذه اللحظة ، فتخرجه من جيب ردائها الصوفي و تنظر لإسم المتصل ..
-مين بيتصل يا سمر ؟ .. سألها "عثمان" بفضول حين رآي علامات الذعر ترتسم علي وجهها
بينما وثبت من مكانها في الحال و ضغط زر الإجابة ، و ردت :
-أيوه يا فادي !
فادي بلطف :
-إيه يا حبيبتي . فينك دلوقتي ؟ وصلتي المستشفي ؟
سمر بإرتباك خفيف :
-أه يا حبيبي وصلت من بدري .. أومال أنت فين كده ؟!
-أنا في الجامعة . لسا الإمتحان فاضله ربع ساعة قاعد بقي براجع مع صحابي.
-ربنا يوفقك يا حبيبي و يجعلك الصعب سهل . إبقي طمني بقي لما تخرج.
فادي بحب :
-حاضر يا حبيبتي . إدعيلي إنتي بس و بوسيلي البت لوكا بوسة جامدة أوي عشان وحشاني.
-ماشي يا حبيبي .. ماشي .. يلا .. مع السلامة.
و حالما أغلقت الخط ، تطلعت إلي "عثمان" و صاحت :
-نزلني !
عثمان بإستنكار :
-نعم ؟ قولتي إيه ؟!
سمر بجدية :
-قلت نزلني . أنا عايزة أرجع دلوقتي رجعني حالا.
عثمان بحدة :
-أرجعك إيه هو لعب عيال ! إهدي كده يا سمر و أقعدي مكانك . أنا مش فاهم إنتي جرالك إيه فجأة !!
صرخت فيه :
-نزلنــــي !
قام "عثمان" من مكانه و هو يقول بغضب شديد :
-إهدي و وطي صوتك ده . في إيه ؟ حصل إيه لكل ده ؟؟؟
صرخت بقوة أكبر :
-نزلنـــــــــــــــــــــــي !
عثمان منفعلا :
-إنتي مجنونة أنزلك إزآاااي ! هو إحنا ماشيين عالكورنيش ؟ إحنا في عرض البحر !!
سمر بتهديد :
-لو مانزلتنيش هرمي نفسي في البحر.
عثمان بذهول :
-لأ إنتي إتجننتي فعلا .. ثم تحول فجأة و غمغم بحدة شديدة :
-أو بتلاعبيني . بس مانصحكيش . إنتي مش أدي يا سمر !
نظرت له بخوف ، لكنها قالت بتصميم :
-أنا عايزة أرجع . نبقي نتقابل مرة تانية بلاش إنهارد آا ..
-مافيش رجووع .. قاطعها بصرامة شديدة ، و تابع بغضب :
-إنتي عايزة ترجعي في كلامك ؟
سمر بتردد :
-لـ لأ . بس ..
-بس إيه ؟ أنا قولتلك إني مابحبش الغصب . و عمري ما هجبرك علي حاجة .. ثم أكمل بمكر :
-بس لو رجعتي في كلامك أنا هزعل . و زعلي وحش أووي يا سمر .. مش عايزك تجربيه.
صمتت "سمر" أمام تهديده الصريح ..
هو محق ، بإستطاعته فعل الكثير .. إذا لم يؤذيها هي فربما يفعلها مع أخيها أو أختها ، و هي لن تتحمل ذلك
لن تتحمل ذلك أبدا !!
-قولتي إيه ؟ .. تساءل "عثمان" بنبرة هادئة للغاية ..
-لسا عايزة ترجعي ؟ أنا تحت أمرك.
أغمضت عيناها بشدة و خرجت الإجابة من فمها تزخر بالقهر الشديد :
-لأ .. مش عايزة أرجع !
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل السادس عشر 16 - بقلم Shaimaa Gonna
تصرفت بجنون مطلق ... عندما وقفت علي السور الزلق بحذائها ذي الكعب العالٍٍ غير آبهة بنداء "صالح" المتواصل ، فقد وجدت متعة شديدة في ترويعه و إخافته
و كأنها ترد له ما فعله بها و لكن بطريقة أكثر قسوة ..
-إنزلــــــــــي يا مجنوووونة ! .. صاح "صالح" بعصبية للمرة العاشرة حتي الآن ، لتبتسم "صفية" بإستفزاز قائلة :
-مش هنزل يا صالح . إنت إللي حكمت عليا بكده . يبقي بتلومني و عايز تمنعني ليه ؟!
صالح و هو يزدرد ريقه بقلق :
-صافي من فضلك إنزلي . ماينفعش تهزري في حاجات زي دي . إنتي عارفة إحنا في الدور الكام ؟
أومأت "صفية" و هي تجيبه ببرود :
-أيوه عارفة . في الدور الـ20 !
صالح بإنفعال :
-يبقي بطلي جنان و إنزلي . إنزلي حالا . دلوقتي يا صافي.
صفية بعناد :
-لأ يا صالح . مش هنــــزل ريح نفسك . أنا قررت مصيري زي ما إنت قررت مصير علاقتنا بالظبط !
صالح بعصبية مفرطة :
-صفيـــــــــة بقولك إنزلــــي . إنزلــي دلوقتي ماتجننيش.
صفية بإبتسامة باردة :
-باي يا صالح !
و مدت ساقها للأمام ، ليصرخ "صالح" بقوة و هو يحاول النهوض من السرير :
-لأااااااااااااااااااا !
و بكل ما فيه من غضب و كره للعجز الذي أصابه ، تحرك بعنف
ليسقط من فوق السرير و هو يتآوه بآلم شديد ..
-صالــــــــــح ! .. صرخت "صفية" بهلع و هي تنزل عن السور و تركض ناحيته
ركعت علي ركبيتيها بجواره و رفعت رأسه عن الأرض قائلة بخوف :
-صالح حبيبي .. إنت كويس ؟ إنت كويس يا حبيبي ؟ رد عليا !
و إختنق صوتها فجأة حين ذرفت عيناها الدموع ، ليرد "صالح" بصوت متألم :
-إنتي مجنونة آااه . إيه إللي كنتي عايزة تعمليه ده ؟ حرآاام عليكي كنتي هتموتيني.
صفية بإبتسامة ممزوجة بدموعها :
-خفت عليا يا صلَّوحي ؟!
صالح بضيق :
-صلَّوحك إيه و هباب إيه بقي ؟ .. أنا كنت ناقص يا صفية ؟ جيتي تكملي عليا !
صفية بحزن شديد :
-أنا ماقدرتش أبعد عنك أكتر من كده . و كنت كل يوم بستناك تكلمني تقولي وحشتيني تعالي أنا آسف .. بس ماكنتش بتتصل يا صالح . فصممت أجي و أوضع حد للسخافات بتاعتك دي.
صالح بحدة :
-تقومي تعرضي نفسك للخطر ؟ إنتي إتهبلتي ؟!
صفية بغضب :
-كنت عايزني أعملك إيه يعني ؟ كنت عايزني أثبتلك إزاي إني بحبك بجد ؟ إنت ظلمتني و رفضت تسمعني . أول مرة أشوفك قاسي بالشكل ده !
صالح بسخرية :
-بتتكلمي عن القسوة ؟ و إللي إنتي كنتي فيه معايا ده كان إسمه إيه ؟ ده إنتي عمرك ما بليتي ريقي بكلمة حلوة.
صفية بتبرير يشوبه بعض الإرتباك :
-آا إنت . إنت عارف . عارف إن أنا بتكسف و آا ..
-بتتكسفي ! .. هتف بدهشة و تابع :
-ليه أنا كنت بقولك كلام أبيح ؟ ده أنا طول عمري كنت حريص في التعامل معاكي و إنتي دايما كان إسلوبك واحد . النشفـــــــــان . عمرك ما قولتيلي كلمة حلوة يا صفية.
صفية بإنزعاج :
-خلاص بقي يا صالح . إنسي . إنسي عشان خاطري . و أنا أوعدك إني هتغير و هاهتم بيك أكتر بكتير من الأول.
صالح بجدية :
-الإهتمام مابيطلبش يا صافي . الإهتمام لازم يكون نابع من جواكي و لازم تكوني حباني عشان تقدري تاخدي بالك كويس و إنتي بتتعاملي معايا . تعرفي إيه إللي يجرحني و إيه يزعلني منك بجد.
صفية بصدق و نبرة حزينة :
-أنا بحبك.
تنهد "صالح" بثقل ، و قال :
-و للآسف أنا كمان لسا بحبك !
-للآسف ! .. غمغمت "صفية" و هي تضربه بخفة علي صدره ، ليبتسم نصف إبتسامة و هو يقول :
-أه للآسف . بجد كان نفسي أكرهك أوي و أبطل أحبك .. بس إكتشفت إن الحكاية مش بالسهولة دي أبدا يا صافي.
إبتسمت "صفية" بسعادة شديدة ، ثم قالت و وجنتها تتوردان خجلا :
-و أنا إكتشفت إني مش بس بحبك . ده أنا طلعت بموت فيك و أنا مش واخدة بالي . كنت هتجنن بجد كنت هتجنن طول الأيام إللي إتخاصمنا فيها . لا كنت عارفة آكل و لا أشرب . حتي عنتر أهملته جدا و مابقتش أسأل فيه زي الأول.
صالح بضيق شديد :
-ياااادي عنتر و سنين عنتر . أقسم بالله حاسس إن نهايتي هتكون علي إيده في يوم.
صفية و هي تضحك برقة :
-بعد الشر عنك يا قلبي . ده أنا أضربه بالنار لو بس حاول يخربشك.
صالح بعدم تصديق :
-بجد ؟ بجد يا صافي ؟ ممكن تضحي بعنتر عشاني.
-أيوه يا حبييي . حد قالك إن عنتر ده يبقي عمرو إبن أختي ؟ ده مجرد حيوان بعطف عليه .. ثم قالت بجدية :
-المهم إن إنت سامحتني . مش كده يا صالح ؟!
صمت قصير ... ثم قال "صالح" بإبتسامة :
-مابعرفش أزعل منك أبدا.
صفية بإبتسامة حب :
-حبيبي يموووت فيك و الله . كده بقي أقدر أرجع أزورك كل يوم و إبقي معاك و إنت في جلسات العلاج.
تجهم "صالح" فجأة عندما جاءت علي ذكر العلاج ، لتكمل "صفية" بجدية ممزوجة باللطف :
-إنت أخدت وقت كتير أوي يا صالح . لازم تبدأ . عشان خاطري . بلاش تعاند . أنا واثقة و متأكدة إن ربنا هياخد بإيدك و هتتحسن و هترجع أحسن من الأول كمان.
-أنا مش عايز أتعلق بأي أمل يا صفية ! .. قالها "صالح" بلهجة حزينة للغاية ، و تابع :
-مش عايز أحلم بحاجة و أصحي في الأخر علي كابوس . أنا كده كويس.
صفية بإستنكار :
-إيه إللي إنت بتقوله ده ؟ كلامك ده ماينفعش علي فكرة و مش منطقي . ده إسمه إستسلام يا صالح و أنا مش هسمحلك تعمل كده .. ثم قالت بصرامة :
-إسمع . إنت هتتعالج و هتبقي كويس . و غصب عنك هكون فوق راسك ليل و نهار لحد ما تقف علي رجليك فاهم ؟
صالح بإبتسامة :
-فاهم.
و هنا دخل الطبيب ، ليجدهم علي هذا الوضع الغريب ..
-إيه ده يا صالح بيه ! حضرتك وصلت للأرض إزاي ؟؟؟؟
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في يخت "عثمان البحيري" ... تحديدا عند بنش البـار في الطابق الثاني
يدق هاتف "سمر" و هي تجلس مع "عثمان" في هذا المكان علي مضض ..
بينما يتآفف الأخير بضجر قائلا :
-و بعدين بقي في موبايلك ده ! من الصبح مابطلش رن !!
تجاهلته "سمر" و ردت بصوت هادئ :
-ألو يا فادي .. كويسة يا حبيبي .. أيوه . أيوه إتعشيت .. إنت أكلت و لا لسا ؟ .. هتلاقي الغدا في التلاجة عندك . في تاني رف علطول .. بالهنا و الشفا يا حبيبي .. إن شاء الله علي بكره الصبح .. لأ مش هتأخر .. هنفطر سوا بإذن الله .. ماشي يا حبيبي .. يلا تصبح علي خير.
-لازم تدي لأخوكي تقرير مفصل كل ساعة يعني ؟ .. تساءل "عثمان" بسخرية ، ثم شرب ما تبقي في كأسه دفعة واحدة
لتجيبه "سمر" و هي تشعر بالملل و الضيق الشديد من رفقته المنفرة :
-أخويا و بيطمن عليا . حاجة ماضايقنيش.
عثمان بحدة :
-بس تضايقني أنا . أنا مش عارفة أتكلم معاكي كلمتين علي بعض من ساعة ما جينا . إقفلي الموبايل ده من فضلك.
سمر بإستنكار :
-مش هينفع لو فادي إتصل و لاقاه مقفول هيقلق و ممكن يعمل أي حاجة.
عثمان بغيظ شديد :
-يعني هنفضل كده طول الليل ؟ كل عشر دقايق ألاقي موبايلك بيرن ! بالشكل ده اليوم كله هيروح علي مافيش.
سمر بتوتر :
-هـ هو خلاص مش . مش هيتكلم تاني . لازم ينام بدري عشان عنده إمتحان الصبح.
تنهد "عثمان" و قال :
-يا مسهل . أما نشوف ! .. ثم أردف و هو يصب لها كأسا :
-يلا بقي إشربي معايا بقالي كتير بتحايل عليكي . إشربي ماتخافيش مش هيحصلك حاجة.
سمر بحدة :
-قولتلك مش هشرب خمرة . مستحيل أدوقها حتي.
عثمان و هو يحاول إقناعها :
-يا بيبي ماتبقيش خوافة كده . و بعدين الكاس مليان عصير و أنا يدوب حطيتلك شوية ڤودكا صغيرين . يلا بقي إشربي . صدقيني طعمه هيعجبك أوي.
سمر برفض قاطع :
-لأاااااا.
عثمان بضيق :
-طيب بلاش ده . هحطلك ليكور . ده مشروب خفيف و مناسب ليكي أوي مش هتسكري و الله ماتخافيش.
و هم ليصب لها من هذا المشروب ، لتصيح بحدة شديدة :
-قلت مش هشرب خمـرة . مش هشـــــــــــــرب.
عثمان بنفاذ صبر :
-أووك .. براحتك يا سمر.
و أخذ الزجاجة ليملأ كأسه الفارغ و يشرب هو من دونها
لكنه لم يفرط في الشراب كثيرا حتي لا يثمل و تنتهي الليلة التي خطط لها قبل أن تبدأ ..
-أنا قولتلك قبل كده إني كنت متجوز صح ؟ .. قالها "عثمان" بتساؤل ، لترد "سمر" بإقتضاب :
-أيوه قولتلي.
عثمان و هو يلهو بكأسه :
-ممم .. بس لسا ماقولتلكيش أنا طلقتها ليه !
سمر و هي تهز كتفاها بعدم إكتراث :
-عادي . أنا مش مهتمة أعرف.
عثمان بإبتسامة خفيفة :
-بس أنا عايز أحكيلك.
صمتت "سمر" و لم ترد ..
ليبدأ "عثمان" روايته :
-چيچي .. چيچي الحداد . بنت الحسب و النسب . أبويا هو إللي إخترهالي . قالي أبوها عنده نفوذ و جوازي منها هيضيف لعيلتنا كتيــــــر .. سمعت كلامه و خطبتها . 6 شهور و أنا معاها . ماحستش إني بحبها و لا إن في قابلية إني ممكن أحبها حتي . هي حلوة و كل حاجة . لكن أنا كنت قافل منها مش عارف ليه . بس برغم كده كملت معاها و قلت مش مهم الحب و خليني راجل عملي أحسن .. بس إتفاجئت قبل فرحنا بإسبوع واحد إنها بتخوني . شوفتي جرأتها ؟ نامت في حضن عشيقها قبل فرحها بسبعتيام و كانت عايزة تنام في حضني أنا و هي فاكرة إنها إستغفلتني .. ثم قهقه فجأة ، و أكمل بإسلوبه الشيطاني :
-المشكلة إني إبن أبلسة أصلا و أنا عارف كده كويس عشان كده ماعرفتش تضحك عليا .. عارفة عملت فيها إيه يا سمر ؟
رمقته "سمر" بوجوم تام و قد إزداد رعبها إزاءه ، ليكمل هو بإبتسامته الشريرة عندما أطالت في صمتها :
-صورتها و هي في حضن حبيب القلب . عندي ليها حتة CD يساوي مبلغ و قدره لو حبيت أستندل معاها أوي و أبيعه لأي منافس من منافسين أبوها هيجبلي ثروة في ساعة زمن مافيش غيرها.
-و إنت بجد ممكن تعمل حاجة زي دي ؟ .. تساءلت "سمر" بذهول شديد
بينما زم "عثمان" شفتاه ، ثم قال بمكر :
-و الله كل شئ وارد . ممكن بنسبة 90% الـCD ده يطلع في يوم من الأيام !
سمر بعدم تصديق :
-بس دي كانت مراتك . و غير كده دي بنت .. معقول هتآذيها بالطريقة دي ؟؟؟
عثمان بسخرية :
-دي واحدة خاينة . تستاهل الموت . آذيتي ليها بحاجة زي دي هتبقي أقل واجب ممكن أعمله معاها .. ثم غير مجري الحديث و قال مبتسما بخبث :
-خلاص بقي كفايانا كلام لحد كده . تعالي نطلع أوضتنا . عايزك تعرفي إنك أول واحدة تحط رجليها في اليخت ده .. هو عزيز جدا عليا . عشان كده مش أي حد ممكن يدخله !
و قبض علي يدها بقوة ، لتنتفض و هي تنظر له بخوف ..
-إيه يا سمر ! خايفة ؟ .. سألها "عثمان" بمكر ، لترد بشئ التوتر :
-لأ . مش . مش خايفة !
-طب يلا . تعالي معايا.
و شدها خلفه إلي غرفة النوم في الطابق العلوي
أغلق الباب و إلتفت إليها ..
بينما وقفت "سمر" مسلفة إليه ظهرها .. أعصابها مشدودة تكاد تكون علي حافة الإنهيار ، و الغرفة شديدة الدفء بعكس الجو العاصف بالبرودة في الخارج
لم تسمعه و هو يقترب منها ، لكنها شعرت بيداه و هما تحطان علي وسطها ..
فأحست أن كل عصب في جسدها صار مثل سلك كهربائي حي
إرتجفت بقوة ، ليطوقها هو بذراعيه و يلصق ظهرها بصدره قائلا بصوت متمهل :
-سمر .. ماتخافيش يا حبيبتي .. إنتي في إيد أمينة !
و مست شفتاه رقبتها ، تحت أذنها تماما ..
دغدغت أنفاسه الحارة عنقها ، فتململت قليلا محاولة الفكاك منه ، ليتركها هو بحركة مفاجئة و هو يقول بصوته العميق :
-يلا بقي .. إقلعــــــــي !
ضربها الرعب عند نطقه بها ، فإبتلعت ريقها بصوت مرتفع و هي تنظر له بذعر شديد ..
-إيه مستنية إيه ؟
سمر بإرتباك و قد تسارع وجيب قلبها بسرعة مميتة :
-آا أنا . أنا .. لأ . لأ مش . مش هقدر !
و راحت تهز رأسها سلبا بلا توقف ، ليقترب منها بخطوة و يمسك بوجهها قائلا بهدو :
-إهدي . إهدي يا حبيبتي . أنا معاكي أهو واحدة واحدة .. مش مستعجل.
و أمسك بسحاب ردائها و أنزله ، ثم قال بخفوت :
-يلا . كملي إنتي بقي.
حاولت "سمر" بصعوبة ... و لكنها لم تستطع !!!
-لأ .. صرخت برفض
ليتنهد "عثمان" بصبر ، ثم يقول بإقتراح :
-طيب .. عندي فكرة . أنا هطفي النور . تمام . و مش هفتحه خاااالص .. و إنتي خدي راحتك علي الأخر . بس ما طوليش أوك ؟ عشان أنا بمل و أنا لوحدي . إتفقنا ؟!
أومأت "سمر" ببطء
فذهب هو و أطفأ نور الغرفة ... ليسألها بعد خمسة دقائق بالضبط :
-ها .. خلصتي خلاص ؟
سمر بنبرة مهزوزة :
-لـ لـ. آ. ـ..ـسا لسـ.ا !
و بعد ثلاث دقائق إضافية :
-هاااااه ! .. لم يصدر عنها صوت
فإلتوي ثغره بإبتسامته الشيطانية ، ليغدرها و يضئ النور فجأة ، فينكشف له كل شئ ..
و هنا صرخت "سمر" ملء حنجرتها و هي تقول :
-يا كدااااااااااااااااااب . يا حيوااااااااان كدبت علياااااا كدبت عليااااااااااااااااا.
و أصابها الجنون و هي تحاول أن تستر ما ظهر منها دون فائدة ، فحاولت أن تشد ملاءة السرير ، لكنه قبض علي ذراعيها و هو يقول بنعومة خبيثة :
-تؤ تؤ تؤ .. إوعي يا بيبي . إوعي تستخبي مني . إوووعـــــي !
ثم شدها برفق و حزم في آن نحو الفراش الأكثر عمقا !!!!!
..........................................................................
كانت الشمس حارة علي جلد ظهرها المكشوف فإيقظتها عند الصباح ... بل لعله قبل الظهر بقليل ، ليست متأكدة !
لكنها كانت متأكدة تماما من أشياء أخري ، مثلا كانت تعرف تماما أين هي ..
تلك الغرفة المتألقة بسريرها العريض الوثير مع شلال من ضوء الشمس اللامع يدخل من النافذة المفتوحة
لم تستطع أن تفتح عينها ..
فقد كانت تعيسة و مكسورة فلم ترغب في زيادة الأمر .. ما كانت تسمع أي صوت غير صوت الأمواج في الخارج ، و صوت تنفسه الثقيل ، و صوت قلبها
بعد قليل وجدت أن التظاهر بالنوم ليس حلا جيدا للهروب من الواقع
يجب أن تستيقظ لترحل من هنا بسرعة ، لتعود إلي بيتها مجددا و تبتعد عنه ..
فتحت عيناها بتثاقل فكان أول ما شاهدته وجهه المشعر بلحيته الكستنائية
أطلقت شهقة مكتومة و هي تنظر له ، فرغم أنه كان نائم و قد بدا شكله مسالما تماما كالأطفال ، لكن مجرد رؤيته علي أي وضع أمر يبث الذعر فيها بقوة و خاصة بعد الليلة الماضية ..
إنزلقت بحذر من السرير ، لتجد قميصها القطني ملقي تحت رجليها تماما
أخذته و قامت بإرتدائه بسرعة ، ثم هربت إلي المرحاض الملحق بالغرفة ..
وقفت تحت رذاذ المياه الساخنة لتستحم و تزيل آثاره الكريهة من عليها
و لكنها كانت تعلم جيدا أنها لن تستطيع محو أي شئ فعله هو أو فعلته هي من داخلها مهما حاولت ..
إنتهت من حمامها ، و راحت تنظر إلي جسدها في المرآة الكبيرة
بالطبع كانت الهالات السوداء تحيط بعيناها ، و بخلاف هذا كانت شفتاها متورمتين قليلا ، و كانت المنطقة بين رقبتها و صدرها مزينة ببقع من اللون الأحمر و البنفسجي ..
-يانهارد إسود ! .. تمتمت "سمر" بخوف ممزوج بالتوتر الشديد و هي تتلمس تلك البقع بأناملها
ماذا لو شاهدها "فادي" ! .. ماذا ستقول له ؟ .. كيف ستبرر ظهور علامات كهذه ؟؟؟
هو ليس غبي بالتأكيد ، و إذا لمح شيئا كهذا لن تنطلي عليه أي كذبة تختلقها و سيعرف فورا السبب و ينكشف كل شئ
تنهدت "سمر" بضيق و هي تشد علي قبضتيها بقوة و تدعو في سرها ألا تزداد مصائبها أكثر من ذلك ، فإذا حدث شيئا أخر و لو صغيرا لن تتحمل أبدا .. ستنهار ..
إرتدت قميصها القطني مجددا و عادت إلي الغرفة
لتجده قد إستيقظ و يجلس مسترخيا في السرير يدخن سيكارته بفتور شديد
إرتعشت و هي ترمقه بنظرة جانبية و بحركة غريزية أحاطت كتفيها العاريين بذراعيها ، ثم إنطلقت لتنقب عن بقية ملابسها وسط كومة الثياب المتناثرة فوق الأرض ..
-صباح الخير يا سمر ! .. قالها "عثمان" بصوت ناعم ، لترد "سمر" بإقتضاب :
-صباح الخير.
كان صوتها متحشرجا بعض الشئ ، فسألها بقلق مصطنع :
-مالك يا حبيبتي ؟ إنتي تعبانة و لا إيه ؟ إوعي تكوني أخدتي برد !
حمحمت "سمر" لتنظف حنجرتها ، ثم قالت :
-أنا كويسة.
و باشرت بإرتداء ملابسها علي عجالة ، بينما أطفأ "عثمان" السيكارة ، ثم قام بتكاسل و توجه صوبها ببطء
لتدير له ظهرها بسرعة و هي تغمض عيناها بشدة متمنية ألا يضع يده عليها الآن
لا تريده أن يلمسها مجددا ..
لكن أملها قد خاب ، لأنه لمسها فعلا
أمسك بكتفيها ، و أقحم وجهه في شعرها المبتل الذي تفوح منه رائحة الصابون الفاخر ممتزجة برائحتها الطبيعية الطيبة ..
تنشق خليط العبير هذا بقوة ، ليشعر بالإنتشاء و يهمس في أذنها بعذوبة :
-ماعندكيش فكرة أنا إتبسطت أد إيه إمبارح ! .. إنتي تجنني يا سمر . بجد عمري ما حسيت كده مع أي واحدة قبلك .. إطلبي مني إللي إنتي عايزاه . أي حاجة نفسك فيها هعملهالك . إحلمي.
سمر بإزدراء :
-ليه ده كله ؟!
عثمان و هو يسير بكفاه صعودا و هبوطا علي كتفيها بهدوء و رقة :
-إنتي إدتيني متعة ماكنتش أحلم بيها و نستيني الدنيا بحالها . نسيت معاكي حاجات كتيييير أوي . إنتي بقيتي حاجة Especially بالنسبة لي خلاص و أنا عايز أكافئك.
سمر و هي تذكره بجمود :
-علي فكرة أنا ماعملتش أي حاجة . إنت إللي عملت كل حاجة.
ضحك "عثمان" بخفة ، ثم قال بخبث:
-أيوه عارف . بس ده مايمنعش إنك جامدة أووي بردو و تتاكلي من أي حتــــــــــة !
تنشجت "سمر" بعصبية و إلتفتت له و هي تقول بغضب شديد :
-بقولك إيه ! ماتكلمنيش بالإسلوب ده تاني سامع ؟ أنا مابحبش كده و مابحبش أسمع كلام زي ده . إوعي تقولي كده تاني.
عثمان بإبتسامة مرحة :
-إيه يا بيبي حصل إيه بس ؟ هو أنا قلت حاجة وحشة ؟ ده أنا بمدحك !
سمر بإنفعال :
-مش عايزاك تمدحني.
عثمان بضحك :
-طيب طيب . خلاص ماتضيقيش هبقي أخد بالي من كلامي بعد كده .. ثم قال بجدية :
-يلا بقي معايا علي المطبخ عشان نعمل الفطار سوا أحسن أنا ميـــــــت من الجوووع.
و أمسك بيدها ليخرجا معا ، لكنها شدتها منه بقوة و هي تقول :
-لأ مش هينفع . أنا لازم أرجع دلوقتي حالا . قلت لفادي إني هرجع بدري و هفطر معاه.
عثمان بإستنكار :
-ترجعي إيه ! إنتي فاكرة إننا هنرجع إنهاردة أصلا ؟ أنا عامل حسابي علي يومين !!
سمر بحدة :
-بس أنا مش عاملة حسابي و لازم أرجع بسرعة و إلا كل حاجة ممكن تتكشف.
عثمان بضيق :
-اففف بقي . كده ماينفعش خــــالص علي فكرة شوفي حل في قيودك دي أنا مابعرفش أصبر كتير.
لم ترد عليه ... فإستطرد بحنق :
-أوك هنرجع . بس إعملي حسابك المرة الجاية هتقضي معايا كام يوم مش بس يومين فاهمة ؟
حدجته بمقت شديد ، ثم إبتعدت عنه و أخذت تكمل إرتداء ملابسها
بينما زفر هو بنفاذ صبر و ذهب ليرتدي ملابسه هو الأخر علي مضض ...
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... أخذ "مراد" يختبر شاحن هاتفهه المرة تلو المرة دون فائدة ، فقد إنتهي عمره الإفتراضي و أصبح تالفا
يتآفف بضيق ، ثم لا يجد بديل سوي "عثمان" ..
حتما لديه شاحن مثل هذا و لا مشكلة إذا إستعاره حتي يشتري واحد جديد
خرج "مراد" من الغرفة المخصصة له ، ثم ذهب إلي غرفة "عثمان"
فتح الباب ليجد "هالة" بالداخل ..
كانت متكئة علي سرير إبن عمها و ممسكة بقميصه تحتضنه بحب و تتشمه بهيام
إنتفضت حين إقتحم "مراد" الغرفة فجأة و بسرعة رمت القميص من يدها و قامت و هي لا تعرف كيف تبرر وضعها !!!
-هالة ! .. هتف "مراد" بدهشة ، و تابع :
-إنتي بتعملي إيه هنا ؟
هالة بإرتباك شديد :
-آاا آا أنـ أنا كـ كنت بـ بدور علي عثمان . كنت عـ عايزاه في حاجة مهمة !
مراد بنبرة تشكك :
-عثمان مش هنا من إمبارح.
كانت تعلم هذا ، لكنها لا تجهل سبب غيابه ، فتساءلت :
-أومال هو فين طيب ؟
مراد و هو يهز كتفاه بخفة :
-ماعرفش . مارضيش يقولي بس قالي راجع بعد يومين.
أومأت "هالة" بتفهم ، ثم قالت بإبتسامة متوترة :
-أوك . أنا . أنا هروح علي أوضتي دلوقتي بقي و لما يرجع هبقي أشوفه !
و خرجت مسرعة ..
ليقطب "مراد" بإستغراب و يفكر بصوتٍ عالٍ :
-هو إيه إللي بيحصل ؟ .. هالة تيجي ليه لحد أوضة عثمان ؟ .. ماتكلموش في التليفون ليه مثلا ؟ و إتخضت ليه لما شافتني !!
ثم مط شفتاه بعدم إهتمام و مضي يبحث عما جاء من أجله ...
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
علي رصيف المرسى ... يقف "عثمان" و يسلم مفاتيح اليخت للسائس "ناجي" ثم يأخذ "سمر" و يذهبا إلي حيث ترك سيارته
إستقلا بجانب بعضهما ، ليقلع "عثمان" بروية في بادئ الأمر ، ثم يزيد السرعة لتبلغ الحد الغير مسموح به قانونيا ..
-ممكن تهدي السرعة شوية من فضلك ! .. غمغمت "سمر" و هي تنظر بهلع إلي الطريق و السيارات التي تجري من جانبهم في إتجاه معاكس
بينما رد "عثمان" بإبتسامة عريضة :
-بتخافي من السرعة يا سمر ؟ دي أمتع حاجة في الدنيا و بتدي ثقة في النفس أوي.
سمر بنبرة مرتعشة :
-لو سمحت هدي السرعة !
كان الهواء يصفق وجهها بمدي سرعة السيارة و كانت عيناها تحترقان ، لكن رغم ذلك أبقتهما متسعتين
بينما ضحك "عثمان" منها ، ثم إمتثل لرغبتها في الأخير و قلل من سرعة السيارة إلي حد مناسب جدا ..
-هاه ! . كده معقول ؟ .. سألها بنبرة ودية ، لتومئ دون كلام و هي تتنفس الصعداء
بعد ذلك راقبت الطريق جيدا و لما إقترب "عثمان" من المنطقة التي تسكن بها ، صاحت :
-بـــس .. نزلني هنا.
عثمان بإستغراب :
-بس لسا شوية علي بيتك !
-ماينفعش حد يشوفنا مع بعض .. ثم قالت بتهكم مرير :
-الناس منغير حاجة بتتكلم.
تنهد "عثمان" و قال بإستسلام :
-أووك . إللي تشوفيه.
و ركن علي جانب الطريق ..
مدت "سمر" يدها لتفتح باب السيارة ، ليستوقفها "عثمان" فجأة :
-إستني يا سمر !
إلتفتت له متسائلة :
-إيه ؟
أخرج بعض النقود من چزدانه و مد لها يده قائلا :
-خدي دول.
نظرت للنقود بيده ثم له و قالت :
-إيه دول ؟!
عثمان بسخرية :
-إنتي شايفة إيه ؟ فلوس يا حبيبتي هيكونوا إيه يعني !!
-بمناسبة إيه الفلوس دي ؟؟
-منغير مناسبة . و بعدين أكيد هتحتاجيهم.
سمر بإبتسامة إستخفاف :
-وفر فلوسك . أنا مش محتاجاهم . بس لو إخواتي إحتاجوا حاجة أكيد هطلب منك.
زم "عثمان" شفتاه ، ثم قال بنفاذ صبر :
-إزاي مش محتاجة فلوس ؟ إنتي مابتبصيش في المراية و لا إيه ؟ بقي ده منظر بنت ؟ خدي الفلوس و إنزلي إشتري هدوم لنفسك علي الأقل.
إبتلعت الإهانة بمرارة كبيرة ، لكنها نظرت له بغضب و قالت :
-أنا راضية عن منظري جدا و مش مضايقة و لازم تعرف كويس إني ماوطتش راسي ليك و وافقت أبيعلك نفسي غير عشان مصلحة إخواتي .. و أكملت بتحد :
-و عموما لو مش عاجبك إبعد عني أنا كده و هفضل طول عمري كده مش هتغير.
ثم نزلت من السيارة بسرعة تاركة إياه في حالة من الذهول و الغيظ الشديد ..
-مااااشي يا سمر .. غمغم من بين أسنانه المطبقة ، و أردف :
-و حياة أمي لأربيكي عشان تبقي تتحديني كويس بعد كده !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
مشت "سمر" في الشوارع مطأطأة رأسها ... كانت لديها رغبة شديدة في البكاء ، لكنها قاومت و تماسكت بإعجوبة
لا يكفيه أنه ذلها و كسرها و إستغل فقرها لرغباته القذرة ، إهانها قبل قليل أيضا و لم يهتم بمشاعرها ..
ليس عليه حرج كل حال .. هي المذنبة الأولي و الوحيدة في حق نفسها !
فتحت "سمر" باب شقتها ، لتجد "فادي" يرص أخر صحن من صحون الإفطار ..
-حبيبتي جيتي ؟ .. قالها "فادي" بإبتسامة ، لترد "سمر" بنفس الإبتسامة :
-أه جيت يا حبيبي .. ثم نظرت للطاولة و قالت بدهشة ممزوجة بالإعجاب :
-إيه ده مش معقول ! إنت إللي عملت الفطار ده و لا إيه ؟؟
أومأ "فادي" و هو يقول بحركة مسرحية :
-الشيف فادي تحت أمرك يا هانم . إتفضلي لو سمحتي.
سمر بضحك :
-أه يا مجنون . أول مرة تعملها وريني إللي حضرته !
و ذهبت عنده لتري الأصناف التي قام بإعدادها ..
-بطاطس و جبنة بالطماطم و جبنة منغير طماطم .. و إيه ده ؟؟؟
فادي بحذاقة :
-ده يا ستي إختراع جبته من علي النت . بيتزا بتتعمل من البيض.
سمر بإستنكار :
-إيه ياخويا ؟!!
أجفل "فادي" و هو يرد :
-في إيه يا سمر أنا نقلتها بالنص . بيقولك نفس تحضيرات البيتزا بس بدل العجينة بيض.
-بيض !!
-أه بس ماتقلقيش أنا إتوصيت أوي في البيض و كسرت يجي عشر بيضات مع بعض.
سمر و هي تنظر له بجزع :
-طيب ربنا يستر يا فادي . أنا هاكل معاك بس إدخل هتلنا من علي النت رقم الإسعاف بقي.
تلاشت إبتسامته ، ليقول بضيق :
-ده إنتي بجد بقيتي فصيلة . مافيش أي تشجيع خآاالص . ماكنش العشم و ربنا يا ريتني ما كنت تعبت نفسي.
سمر و هي تضحك بمرح :
-خلاص يا حبيبي . خلاص ماتزعلش شكرا و تسلم إيدك من قبل ما أدوق . أنا هدخل أغير هدومي أهو و هاجي أمسح الأطباق دي كلها مسح.
فادي بإبتسامة باهتة :
-ماشي ياختي سجديني بكلمتين .. ثم قال بجدية :
-قوليلي صحيح ملوكة عاملة إيه ؟ مابقتش كويسة ؟
سمر بشئ من التوتر :
-لأ يا حبيبي طبعا بقت كويسة الحمدلله عن الأول !
فادي بسرور :
-الحمدلله .. طيب الدكتور ماقالكيش ممكن تخرج إمتي ؟؟؟
-لسا قال هيشوف علي أخر الإسبوع .. ثم تهربت من أسئلته بسرعة غير ملحوظة :
-أكلك ريحته طالعة و أنا جعانة أووي.
فادي بغرور مصطنع :
-أومال إيه يابنتي إحنا بنلعب و لا إيه ؟ و لسا كمان لما تدوقي هتشكري فيا للصبح.
سمر و هي تضربه علي كتفه بخفة :
-ماشي ياخويا هنشوف . هدخل أغير هدومي بسرعة و راجعة.
و فرت إلي غرفتها متحججة بتبديل ملابسها .. علي الأقل ستختلي بنفسها عدة دقائق لتهدئ أعصابها تماما
لا يجب أن يلاحظ "فادي" أي شيء !!!!!!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل السابع عشر 17 - بقلم Shaimaa Gonna
في منزل "سمر" ... يجلس "فادي" علي طاولة الطعام في إنتظارها ، بينما تقف هي بالمطبخ تقوم بإعداد وجبة العشاء
-يلا بقي يا سيدي كُل و نضف معدتك من العك إللي عملتهولنا الصبح ! .. قالتها "سمر" و هي تضع علي الطاولة طبق المعجبنات اللذيذة
ليرد "فادي" بغيظ و هو يتنشق الرائحة الشهية المنبعثة من الأطباق :
-و لما العك إللي عملته ماعجبكيش ياختي كلتي معايا ليه ؟!
سمر بإبتسامة ساخرة :
-كلت عشان ماتزعلش يا حبيبي لكن ربنا يستر و أعرف أنام إنهاردة . حاسة إن هايجيلي تلبك معوي !
فادي بإبتسامة صفراء :
-بقيتي ظريفة أوووي يا حبيبتي .. ثم أعترف علي مضض :
-هو الأكل كان في شوية عك و فعلا تعبني شخصيا . بس أنا حاسس العشا ده في الشفاء العاجل بإذن الله.
سمر بضحك :
-قليت شيخ يا واد و لا إيه . كُل طيب . كُل قبل ما الأكل يبرد.
و جلسا الشقيقين قبالة بعضهما يتناولان الطعام بشهية كبيرة ..
-ماقولتليش عملت إيه في إمتحانك إنهاردة ؟ .. تساءلت "سمر" وسط الطعام ، ليجيب "فادي" من خلال مضغه المستمر :
-الحمدلله . كان كويس . صحيح في تكات بس ماشي حاله.
سمر بقلق :
-يعني هتعدي من المادة دي و لا إيه ؟!
فادي بثقة :
-ماتقلقيش يا سمر أنا كنت مذاكر كويس و طبيعي تيجي أسئلة غير مباشرة يعني.
-طيب حليت الأسئلة دي ؟؟؟
-طبعا يابنتي هو أنا مجنون هسيب حاجة ! .. ثم قطب بإستغراب و هو يسألها :
-سمر .. إنتي من الصبح لابسة الطرحة ليه ؟ من ساعة ما جيتي ماقلعتيهاش !!
سمر بشئ من الإرتباك :
-عادي . مش عشان حاجة يا فادي بس . حاسة إني ممكن أدخل علي دور برد فبلحق نفسي . ماتنساش إني نمت برا البيت إمبارح و أنا مش متعودة و كمان الدنيا برد أوي اليومين دول !
أومأ "فادي" بتفهم ، ثم قال بجدية :
-طيب يا حبيبتي خلي بالك من نفسك بقي و إبقي إقفلي شباك أوضتك كويس و إنتي نايمة . و لو عاوزة دوا أنزل أجبلك.
-لا لا يا حبيبي مافيش داعي أنا كويسة . أقعد إنت إستريح شوية بعد العشا عشان تعرف تذاكر بتركيز ساعتين كده و لا حاجة و بعدين تدخل تنام و إن شاء الله هبقي أصحيك الصبح بدري.
فادي مبتسما بسخرية :
-تصحيني الصبح بدري ؟ خلاص يا حبيبتي أنا بطلت أصحي بدري . إنهاردة كان أخر يوم في الإمتحانات !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل "بحيري" ... يشعر "عثمان" ببعض الخمول و الرغبة في الراحة بعد قضاء يوم شاق و ممتع في نفس الوقت بالنسبة له
يطلب إحضار وجبة العشاء إلي جناحه ، ثم يلج إلي حمامه الفاخر
ينزع ثيابه ، ثم ينزل في المغطس الساخن ( الچاكوزي ) و يجلس في إسترخاء و هدوء لمدة نصف ساعة
بعد ذلك يأخذ دوشا سريعا ، ثم يخرج و هو يرتدي ثوب الإستحمام السميك ..
-إيه ده ! إنت إيه إللي جابك هنا الساعة دي ؟ .. قالها "عثمان" بتساؤل و هو ينظر إلي "مراد" المدد علي السرير بأريحية شديدة
-أعملك إيه ياخويا ؟ .. تمتم "مراد" بصوت متمهل ، و أكمل :
-أحوالك مش متظبطة اليومين دول و بقيت غامض أوي . ده أنا مش عارف أتلم عليك خالص يا راجل !
عثمان بفتور وهو يجفف فورة رأسه بالمنشفة :
-غامض إيه و بتاع إيه بس ؟ بيتهئلك . بيتهئلك يا مراد.
-كنت فين إمبارح يا عثمان ؟ .. سأله "مراد" مباشرةً ، ليرد "عثمان" ببرود :
-حاجة ماتخصكش يا مراد و قولتلك قبل كده.
قام "مراد" من مكانه و مشي ناحيته و هو يقول بعدم إرتياح :
-أنا مش مطمنلك يا عثمان . حاسس إنك بدبر حاجة مش كويسة أبدا !
عثمان بنفس البرود :
-بردو حاجة ماتخصكش يا مراد . أنا حر يا أخي إنت من إمتي كنت واصي عليا ؟!
مراد بجدية :
-أنا صاحبك و طبيعي تهمني مصلحتك.
عثمان بضيق ممزوج بالحدة :
-أنا عارف مصلحتي كويس مش مستني حد يعرفني.
مراد ببطء و هو يضيق عينيه بتركيز :
-عثمان .. إنت . كنت مع سمر ؟!
تفاجأ من تخمينه الدقيق ، لكنه تظاهر بالبلاهة و هو يصيح بإستنكار :
-إيه ؟ بتقول إيه ؟ و أنا هشوف سمر فين برا الشركة ؟؟؟
-إنت حاططها في دماغك . ماتنكرش.
عثمان بضيق شديد :
-طيب مش بنكر . بس أنا ماكنتش معاها . قولتلك ماكلمتهاش في حاجة أساسا.
-خالص ؟
عثمان بنفاذ صبر :
-خالص يا مراد زهقتني يابني في إيه ؟ و مهتم أووي بالموضوع ده كده ليه أفهم يعني ؟؟؟
مراد بإبتسامة نصر :
-مهتم عشان قولتلك البت دي كويسة و ماشية عدل و إنك مش هتعرف تميلها .. و أكمل بخبث :
-و كمان مهتم عشان الرهان يا حلو . و لا إنت نسيت وعدك ؟
عثمان بإبتسامته الشيطانية :
-لأ مش ناسي . حتة عربية مش هتآثر معايا يا مراد .. بكره الصبح لما تنزل الجراچ عم جابر السايس هيسلمك المفتاح .. ثم قال و هو يدير عيناه معبرا عن ضيقه :
-و يلا بقي هويني عايز أتعشا و أنام ورايا شغل الصبح !
مراد بحزن مصطنع :
-بتطردني ؟ بتطردني يا صاحبي ؟ بقي دي أخرتها ؟!
-أه دي أخرتها و يلا بقي حل عنـــــــــي . كان يوم إسود يوم ما عزمت عليك تيجي تقعد هنا.
و أخذ يدفعه إلي الخارج وسط قهقهات "مراد" المرحة ..
-يا ساتر ! .. غمغم "عثمان" بإنزعاج شديد و هو يغلق الباب ، و لكن سرعان ما تبدل مزاجه ليقول بإبتسامة ماكرة :
-قال ماشية عدل قال ؟ هههههههه و قال مش هعرف أميلها ! هههههههههههههههههههه !!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كانت تقف في ركن مظلم بالرواق الطويل ... تنتظر بصبر نافذ لحظة خروج "مراد" من عنده
و بعد أكثر من نصف ساعة ، خرج أخيرا ..
إختبأت "هالة" جيدا حين مر إزاءها و حبست أنفاسها لزيادة الأمان
و لما تأكدت أنه ذهب إلي غرفته ، إنسلت بحذر من مكانها ثم مشت علي أطراف أصابعها متوجهة إلي غرفة "عثمان" ..
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
كاد يضع أول لقمة بفمه ، حين سمع طرق خافت علي باب غرفته ..
عثمان و قد تحول ضيقه إلي حنق شديد :
-و بعدين بقي في الليلة إللي مش فايتة دي ؟ مش مكتوبلي أتعشا يعني !!
و قام بغضب ، ثم ذهب ليفتح الباب ..
-هالة ! .. هتف بدهشة ، و تساءل :
-في حاجة يا هالة ؟
هالة بتوتر و نبرة خفيضة :
-ممكن أدخل ؟!
أجفل "عثمان" بإستغراب ، لكنه قال :
-إتفضلي !
و أفسح لها مجالا للدخول ، ثم أغلق الباب من خلفها ..
-خير يا هالة ؟ كنتي عايزة حاجة ؟؟
أخذت "هالة" نفسا عميق ، ثم إلتفتت له و رفعت عيناها ببطء حتي إلتقت بعينيه ..
-أنا بحبك ! .. رغما عنها ، خرجت منها هذه الكلمة بصدق و تلقائية شديدة
هو يعرف ذلك منذ فترة طويلة جدا ، و لكنه لا ينكر الصدمة و الإرتباك الذي إنتابه لحظة نطقها بهذا ..
حمحم "عثمان" ثم قال بثبات ممزوج باللطف :
-حبيبتي و أنا كمان بحبك . إنتي عارفة كده كويس.
هالة و قد إلتمعت عيناها بحب :
-بجد ؟ بجد يا عثمان بتحبني ؟؟؟
عثمان بإبتسامة خفيفة :
-أيوه طبعا . إنتي بنت عمي و بعدين زيك زي صافي بالظبط.
-صافي ! .. تمتمت "هالة" و قد تلاشت إبتسامتها تماما
عثمان بشئ من الإرتباك :
-أه يا حبيبتي . إنتي أصغر بنوتة في العيلة و أنا من زمان بعتبرك أختي الصغيرة . إنتي غالية عليا أووي يا هالة !
هالة بدموع :
-عثمان بقولك أنا بحبك . بحبك مش حب الاخوات لبعضهم . بحبك .. إنت حبيبي . عايزاك حبيبي مش أخويـ آا..
-هالة من فضلك .. قاطعها "عثمان" بحزم ، و أردف بجدية :
-أنا مقدر مشاعرك و صدقيني كنت أتمني لو ينفع . بس للآسف أنا مش مناسب ليكي خالص.
هالة بإندفاع :
-مين قالك كده ؟!
-إنتي عارفة أنا أكبر منك بأد إيه ؟ إنتي 19 سنة و أنا 30 .. الفرق بينا مش قليل . إنتي أختي الصغيرة زي ما قولتلك و بجد تستاهلي واحد أحسن مني.
هالة بآسي :
-بس أنا مش عايزة غيرك.
و سالت الدموع من عينيها بغزارة
ليعبس "عثمان" بضيق و يحاول إحتواء الموقف ..
إقترب منها و أمسك بكتفيها قائلا بهدوء :
-يا حبيبتي . Please ماتعيطيش . أنا ماحبش أزعلك طبعا بس الوضع فعلا صعب .. هالة صدقيني أنا مانفعكيـ ...
قاطعته بقبلة مفاجئة علي شفتاه ..
أبعدها "عثمان" و هو يقول بصدمة :
-إيه إللي عملتيه ده ؟ إنتي إتجننتي ؟!
هالة ببكاء حار :
-عثمان أنا بحبك .. بحبك أوووي . عشان خاطري إوعي تقولي ماينفعش إووعي ..
رمقها "عثمان" بتأثر ممزوج بالحيرة و قال :
-هالة لو سمحتي ماتصعبيش الوضع أكتر . مش هينفـ ..
قاطعته بقبلة أخري ..
بدأ يضعف أمامها و يتجاوب معها ، فهي "هالة" أولا و أخيرا ، الفتاة الجميلة الرقيقة و التي تملك سحرا خاص بها وحدها
لكنه بعد لحظات ، أبعدها عنه بعنف و قال بحدة :
-ماينفعـــــــــش . ماينفعش إللي بتعمليه ده . إنتي بنت عمي ماقدرش أعمل معاكي كده !
هالة و هي تزيد في البكاء :
-أنا عايزاك . مش هقدر أعيش منغيرك أنا سيبت هنا و سافرت مع بابي لما خطبت چيچي . ماكنتش قادرة أتقبل فكرة إنك تبقي لغيري . بس لو سيبتك المرة دي هموت . هموووت بجد يا عثمان .. إنت مش حاسس بيا ليه ؟ لو طلبت تتجوزني بابي مش هيقول حاجة صدقني هيوافق علطول . و أنا مش فارقة معايا حكاية السن دي . أنا هفضل طول عمري أحبك بنفس الدرجة و أكتر.
أعطاها "عثمان" ظهره و قال بصرامة شديدة :
-إطلعي برا يا هالة . من فضلك إطلعي برا و مش عايز أشوفك هنا تاني.
نظرت له بقهر و عيناها لا تكفان عن ذرف الدموع ، ثم توجهت نحو الباب و خرجت بسرعة من غرفته و هي لا ترى أمامها ..
بينما نظر "عثمان" إلي عشاؤه الذي بهت من الإنتظار ، ثم قال بحنق شديد :
-كأنهم حالفين إني ماتعشاش الليلة دي .. طب و ربنا ما أنا واكل !
و ذهب إلي فراشه لينام و يضع حدا لتلك الليلة العجيبة ...
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في غرفة "فريال" ... تتحدث مع زوجها في الهاتف منذ وقت طويل ، لا تريد أن تغلق معه أبدا و كلما ينتهي حديث تفتح أخر
مما أثار إستغراب "يحيى" و قلقه في نفس الوقت ..
-فريال ! في حاجة يا حبيبتي ؟ في مشكلة عندك .. قالها "يحيى" بتساؤل مرتاب ، لترد "فريال" بنبرة شبه ثابتة :
-مافيش حاجة يا يحيى . إنت بس وحشتني أووي.
يحيى بحب :
-و إنتي كمان وحشتيني جدا جدا جدا .. ثم قال بقلق :
-بس مش عارف حاسك مضايقة ليه ؟ لو حصل حاجة قوليلي !
تنهدت "فريال" بحرارة و حارت ماذا تقول له ؟!!
هل تقول له عما فعله أخيه ؟ هل تقول له أن حاول إنتهاك حرمة منزله ؟ هل تقول له أنه حاول خيانته أثناء غيبته ؟
لا بالطبع لن تقول ذلك أبدا ..
-حبيبي صدقني مافيش حاجة و الله ! .. تمتمت "فريال" بشئ من الضيق ، و أكملت :
-إنت وحشتني بس . أول مرة تبعد عني المدة دي كلها.
يحيى بضحك :
-مدة إيه يا فريال هو أنا لحقت ؟ دول كلهم كام يوم إللي سيبت فيهم البيت.
-إرجع بسرعة و خلاص . أنا مابعرفش أعيش من غيرك.
يحيى بحب شديد :
-حاضر يا عمري . أوعدك هعمل المستحيل و هقصر المدة عشان خاطر عيونك !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
صباح يوم جديد ... تعود "سمر" إلي مؤسسة ( البحيري للتسوية و التجارة ) رغم شعورها ببعض التعب و أنها في حاجة لفترة راحة إضافية
لكنها لم ترغب أن يلاحظ "فادي" أي شئ خاطئ فيها ، ففضلت الإتيان إلي هنا علي أن تبقي معه في المنزل طوال النهار و الليل بعد إنتهت إمتحاناته ..
يرن جرس مكتبها ، فتأخذ الملفات التي طلبها "عثمان" و تقوم و تذهب إلي مكتبه
تطرق الباب مرتين ، ثم تدخل و تمشي ناحيته بخطوات ثابتة ..
-إتفضل ! .. قالتها "سمر" و هي تضع الملفات أمامه علي سطح المكتب ، ليرفع "عثمان" حاجبيه بدهشة و يقول :
-بجد مش فاهمك ! .. قولتلك طول ما إحنا لوحدنا ماتعملنيش برسمية . خدي راحتك.
سمر بإزدراء و هي تتحاشي النظر إليه :
-هو أنا قلت حاجة غلط يعني ؟ إتفضل بقت كلمة وحشة و أنا ماعرفش ؟!
ضحك "عثمان" بخفة و رد :
-لأ يا سمر . إتفضل مابقتش كلمة وحشة و لا حاجة.
ثم فتح الملفات و أخذ بعض العقود منها ، لتتحول ملامحه إلي جدية و هو يقول :
-العقود دي متأخرة ليه ؟ ماجتليش قبل كده ليه ؟؟
سمر بجدية مماثلة :
-حضرتك ماكنتش فاضي الفترة إللي فاتت . كنت مشغول في الصفقة الألمانية و بعدين .. بترت عبارتها فجأة ، ثم تنفست بعمق و أكملت :
-و بعدين أنا خدت أجازة كام يوم و نجلاء مسكت مكاني و حضرتك كمان خدت من أول إمبارح أجازة . عشان كده العقود وصلتلك متأخر.
أومأ "عثمان" بتفهم ، ثم قال بصرامة :
-طيب بعد كده يا سمر أي عقود تطبعيها ترجعيهالي فورا ماتخليهاش عندك . أنا مابحبش شغلي يتأخر.
-حاضر.
أمسك "عثمان" بقلمه و نقش إمضته الأنيقة علي العقود ، ثم أغلق الملف عليهم ثانيةً و قال و هو يرجعه إلي "سمر" :
-تبعتي منهم نسخة للطرف التاني و تقوليلهم إننا جاهزين و تتابعي معاهم بنفسك لحد ما يتحدد ميعاد وصول البضاعة.
-حاجة تاني .. تساءلت "سمر" بلهجة فاترة ، ليومئ "عثمان" قائلا :
-أيوه . لحظة بس !
و فتح أحد أدراج المكتب و أخرج زجاجة تحوي كبسولات علاجية ..
-خدي ! .. قالها "عثمان" و هو يمد لها يده بالزجاجة ، لتقطب متسائلة بإستغراب :
-إيه دي ؟
عثمان بجدية :
-دي حبوب منع الحمل نسيت أديهملك و إحنا في اليخت . هتبتدي تاخديهم من المرة الجاية . خلي بالك بقي و إوعي تنسي مالكيش حجة أهو . لو جيتي في يوم تقوليلي أنا حامل هقولك و لا أعرفك.
شعرت "سمر" بغصة مريرة بحلقها ، فإبتلعت ريقها بصعوبة لترد عليه بسرعة ..
سمر بإنفعال ممزوج بالغضب :
-و إنت فاكرني هموت و أخلف منك ؟ إنت مش حاسس إني ضاغطة علي نفسي عشان أقدر أستمر في القرف ده معاك !
صر "عثمان" علي أسنانه بغضب شديد ، و قال ضاغطا علي الأحرف :
-منغير قلة أدب يا سمر . إحنا كده متفقين يبقي تاخدي مني من سكات و حسك عينك صوتك ده يعلا عليا تاني .. فاهمة ؟
رمقته بنظرات عنيفة جدا ، ثم إلتفتت و غادرت مكتبه دون أن تأخذ منه تلك العقاقير التي تكمل خطته الدقيقة ..
بل خطته القذرة التي أقحمت فيها نفسها بنفسها !!!
يمر إسبوع ... لم يطرأ فيه أي تغيير يذكر لدي أي فرد
حتي جاء يوم العلاج الأول ..
كانت لديه قوة كافية تجعله قادرا علي الإستلقاء هناك ، من غير حراك ، قادرا علي أن يستلقي حتي يتحمل هذا العذاب كله .. لحظة واحدة و جاء التغير الوحيد فجأة
بشكل غير معقول .. تضاعف الآلم
شبت النار فجأة في النصف الأسفل من جسده ، النصف الذي كان ميتا منذ الحادث
أحس عظاما مكسورة تتخبط تحت أصابع اللهب الكاوية و التي ما كانت سوي يدي طبيب العلاج الطبيعي المتمرس و الماهر في تخصصه ..
-آااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه . آااااااااااااااااااااااااه .. هكذا كان صراخ "صالح" يدوي عاليا ليتردد صداه عبر أركان المشفي بأكملها من أعلاها إلي أسفلها
بينما تأذت مشاعر "صفية" كثيرا لرؤيته يعاني بهذا القدر ، فإقتربت من السرير الذي كان يستلقي فوقه علي وجهه و تحدثت إلي الطبيب ..
صفية بنبرة مهزوزة :
-يا دكتور ! .. من فضلك بالراحة عليه . هو إيه إللي بيجراله بالظبط ؟؟؟
الطبيب و هو يستمر في عمله غير عابئ بصراخ "صالح" المتواصل :
-في أجزاء لسا حيوية في جسمه عشان كده بيتألم لحد ما المنطقة دي تتعالج صح و الكسور تلحم إن شاء الله الآلم ده هيقل تدريجيا.
-صآااااااااااافي ! .. إنتفضت "صفية" حين نادي عليها ، و ردت بسرعة :
-نعم . نعم يا حبيبي ؟
صالح بأنين حاد :
-إممممم خلي الزفت ده يبعد عني . مش قآاااادر كفآاااية كدآااااااااا.
صفية بدموع و هي تمسد علي شعره بحنان :
-معلش يا حبيبي . معلش إستحمل شوية كمان عشان خاطري.
ثم نظرت إلي الطبيب بإستعطاف ليخفف الآلم عن "صالح" قليلا
و لكن الحريق المستعر راح يمضي بلا نهاية بفضل إصرار الطبيب علي إتمام الجلسة كاملة مكتملة رغم أنف مريضه العدواني ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل "سمر" ... تعيش الأسرة الصغيرة حالة فرح و بهجة شديدة
فاليوم أخيرا عادت الصغيرة "ملك" معافاة و صحيحة تماما ..
-فادي ! إوعي هاتها . قولتلك 100 مرة ماتبوسهاش من بؤها .. قالتها "سمر" موبخة أخيها و هي تحاول إنتزاع "ملك" من بين ذراعيه
بينما ضحك "فادي" و هو يتمسك بالطفلة أكتر ، ثم قال :
-في إيه يا سمر ؟ دي أختي الصغيرة و غايبة عني بقالها كتير . وحشتني !
سمر بغضب :
-وحشتك ماشي بس ماتبوسهاش من بؤها ماتبوسهاش أصلا. الدكتور منبه علي كده إحنا مش ناقصين تتعب تاني.
فادي بضيق :
-هو أنا مرض يعني يا سمر ؟
تنهدت "سمر" و قالت بلطف :
-لأ يا حبيبي مش مرض . بس هي عندها المناعة ضعيفة و بتتأثر بأي حاجة ما إنت عارف.
-ماشي ياستي . مش هبوسها من بؤها تاني مش هبوسها خالص عشان خاطرك . حلو كده ؟
سمر بإبتسامة :
-حلو . إيوه إنت كده شطوور .. هاتها بقي !
-أمرك يا حبيبتي . إتفضليها أهيه .. و قبل أن يضع الصغيرة بين ذراعيها سرق من وجنتها المكتنزة قبلة عميقة ليغيظ شقيقته الكبري
و بالفعل إستشاطت "سمر" غضبا و هي تضربه علي كتفه بقوة :
-قولتلك ماتبوسهاش . ماتبوسهآااش مابتفهمش !!
قهقه "فادي" بمرح و هو يقول :
-أنا هنزل أجيبلها الدوا و اللبن بتاعها و بالمرة هشتري قالب كيك عشان نحتفل باليوم السعيد ده.
و ذهب "فادي" ..
لتنفرد "سمر" بشقيقتها أخيرا
لم تستطع رفع عيناها عنها .. فقد إفتقدتها كثيرا ، و قد كانت رائعة ، في أحسن صحة
كان جلدها الأبيض الرقيق يتوهج كأن فيه نورا ، و كان لون خديها ورديا علي خلفية ذلك النور
كان طول جسدها قد زاد قليلا ، و صارت أنحف بقليل ، أما خصلات شعرها فصارت أطول بميليمترات قليلة ..
لم تصدق "سمر" حتي الآن أنها شفيت و عادت إليها ، لقد كانت قاب قوسين أو أدني من الموت ، و لكن من يراها الآن لا يصدق ما كانت عليه قبل ثلاث أسابيع
كان التحسن واضح جدا ..
و لكن .. هذا كله بفضل من ؟؟؟
-أنا آسفة يا حبيبتي .. تمتمت "سمر" بحزن شديد و هي تضم أختها برفق ، و أكملت :
-ماكنش نفسي أعالجك بفلوسه . ماكنتش أتمني و لا حاجة من دي تحصل .. الظروف كلها كانت ضدي و الأبواب إتقفلت في وشي قبل حتي ما أدق عليها . بس أنا عملت كل ده عشانك . إنتي أغلي مني بالنسبة لي . إنتي بنتي مش أختي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... لم يري "رفعت" إبنته منذ عدة أيام و كلما سأل عنها يقولون بغرفتها ، حتي لم تعد تشاركهم وجبات الطعام
يقرر "رفعت" التحقق من الأمر بنفسه ، فيصعد إلي غرفتها ، لكنه يقابل زوجة أخيه في منتصف الدرج ..
-فريال إستني لو سمحتي ! .. قالها "يحيى" بسرعة حين إستدارت "فريال" لتهرب لما رأته
توقفت "فريال" بمكانها ، بينما إقترب منها و هو يقول بهدوء :
-إنتي بتتهربي مني ليه يا فريال ؟ بقالك إسبوع علي كده و حابسة نفسك في أوضـ آا ..
-رفعت ! .. صاحت "فريال" بحدة ، و تابعت :
-من فضلك تخلي بالك من كلامك . أنا مش بتهرب منك هتهرب منك ليه ؟ هو حصل حاجة بينا لا سمح الله ؟!
رفعت بخجل :
-أنا مش عارف أنا قلتلك الكلام ده إزاي ! بجد مش عارف . أنا آسف يا فريال.
إلتفتت له و قالت بجدية ممزوجة بالصرامة :
-أنا مش زعلانة منك يا رفعت . أنا عارفة طبعا إنك ماكنتش قاصد تقول كده و إلا ماكنتش سكت و كان زمان يحيى عنده خبر !
حمحم "رفعت" بتوتر ، لتكمل "فريال" بنفس الإسلوب :
-إنت أخو جوزي . يعني في مقام أخويا . و يحيى بيثق فيك ثقة مالهاش حدود عشان كده سايبلك كل حاجة و مسافر و هو مطمن .. بيته . شغله . ولاده . مراتــــــــه !
و شددت علي الكلمة الأخيرة ..
-طبعا . طبعا يا فريال .. تمتم "رفعت" بإرتباك ، و أردف :
-أنا هنا مكان أخويا فعلا . و كل إللي يخصه في رقبتي لحد ما يرجع بالسلامة إن شاء الله .. ثم قال بإقتضاب :
-عن أذنك . طالع أشوف هالة.
و فر من أمامها بسرعة حتي قبل أن يسمع الرد ..
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
في غرفة "هالة" ... كانت مستيقظة حين سمعت الطرق علي باب غرفتها
لكنها تظاهرت بالنوم و شدت الغطاء عليها أكثر ..
ليدخل "رفعت" عندما لا يسمع أذنا .. يجد الغرفة غارقة في ظلام دامس ، فيتجه صوب الشرفة العريضة
يزيح الستائر ، ليتسلل الضوء الذهبي و يملأ الغرفة
أغمضت "هالة" عيناها بإنزعاج ، و بعد لحظات شعرت بوالدها يجلس علي طرف السرير بجانبها ..
-هالة ! .. حبيبتي . هالة .. إيه النوم ده كله يابنتي . هآاالة .. أخذ "رفعت" يحاول إيقاظها و هو لا يعلم أنها مستيقظة بالفعل
بينما تململت "هالة" في فراشها و تمتمت أخيرا و هي تتصنع نبرة النوم :
-بابي !
رفعت بإبتسامة و هو يمسح علي شعرها:
-حبيبة بابي . إيه يا قمر . كل ده نوم ؟ و بعدين بقالي أد ماشوفتكيش ؟ غطسانة في أوضتك ليل و نهار ليه ؟؟؟
هالة بوجوم :
-هعمل إيه يعني ؟ مافيش حاجة أخرجلها.
رفعت بإستغراب :
-إيه النغمة الجديدة دي ؟ معقول هالة إللي بتتكلم ؟ ده مافيش حد أدك بيحب الفسح و الخروج !!
هالة بسخرية :
-كان زمان.
رفعت بدهشة :
-كان زمان ! إيه يابنتي مالك ؟ في حاجة حصلت ؟ حد هنا ضايقك ؟ حد عملك حاجة ؟؟؟
هالة بإبتسامة خالية من الروح :
-إطمن يا بابي . مافيش حاجة . أنا كويسة.
رفعت بشك :
-مش مصدقك ! .. و بعدين إنتي شكلك بقي عامل كده ليه ؟ و خسيتي أووي كده ليه ؟؟؟
هالة بضيق :
-قولتلك مافيش حاجة يا بابي . Please ماضايقنيش.
رفعت بعدم إقتناع :
-أوك . خلاص مش هضغط عليكي يا حبيبتي .. ثم تنهد و قال :
-طيب قومي . قومي و تعالي نخرج سوا . تعالي نروح نشوف صالح أو لو عايزة أفسحك !
هالة بكآبة :
-لأ مش عايزة . مرة تانية يا بابي . مش قادرة أخرج إنهاردة.
رفعت بنفاذ صبر :
-طيب قومي إنزلي إفطري إعملي أي حاجة بس إخرجي من أوضتك دي.
هالة بخفوت :
-حاضر.
تنفس "رفعت" بعمق و هو يرمقها بنظرات حائرة ، ثم قام و مشي صوب الباب .. لتستوقفه إبنته فجأة :
-بابي !
إلتفت لها "رفعت" متسائلا :
-نعم يا هالة ؟
صمت قصير .. ثم قالت "هالة" بثبات :
-هو أنا وحشة يا بابي ؟!
رفعت بدهشة :
-وحشة ؟ .. لأ طبعا . مين إللي قالك كده ؟؟؟
إزدردت ريقها بتوتر و قالت :
-محدش . بس . بس بسألك !
رفعت بجدية :
-إنتي أجمل بنوتة في الدنيا كلها يا حبيبتي .. ثم سألها للمرة الأخيرة :
-هالة .. إنتي كويسة ؟
هالة بإبتسامة شاحبة :
-كويسة يا بابي.
-Sure ?
-Sure !
ما زال غير مقتنع بأقوالها ، لكنه إستسلم و تركها و خرج في الأخير ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
إنتهت "سمر" من تحضير الغداء لشقيقها ، كما قامت بإعداد وجبات طعام لـ"ملك" تكفيها طوال اليوم
بدلت ملابسها ، ثم خرجت و سلمت أختها إلي "فادي" و هي تقول :
-أمسك يا فادي . أنا همشي بقي . خلي بالك من ملك لحد ما أجي.
فادي و هو يركز إهتمامه علي المباراة التي يتابعها علي التلفاز :
-ماشية متأخر إنهاردة يعني يا سمر !
سمر و هي تضبط الحچاب فوق رأسها :
-مش روحت أجيب ملك من المركز و عملت كذا حاجة مع بعض ! .. ثم قالت بعدم إهتمام :
-و بعدين عادي أنا واخدة إذن.
-طيب ماتتأخريش بقي عشان الإحتفال بتاع بليل . لو إتأخرتي هبدأ أنا و لوكا منغيرك.
ضحكت "سمر" بخفة و قالت :
-ماشي ياسيدي مش هتأخر هخلص شغلي بسرعة و هرجع .. ثم أكملت بتحذير :
-و إوعي تستغفلني و أنا مش موجودة و تقعد تبوس في ملك . هعرف !
أومأ "فادي" دون كلام و عيناه مصوبتان علي شاشة التلفاز ، لتنحني "سمر" و تطبع قبلة خفيفة علي شعر "ملك" ثم تأخذ حقيبتها و تغادر المنزل ..
تستقل سيارة آجرة من مقدمة الشارع الرئيسي .. تصل إلي مقر عملها خلال وقت قصير ، ثم تصعد إلي مكتبها المرفق بمكتب المدير ..
-إنتي فييييييييين يا سمر ؟ .. قالتها "نجلاء" و هي تهرول صوبها ، و أكملت بخوف :
-إتأخرتي كده ليه يابنتي ؟ مستر عثمان قالب عليكي الدنيا !
سمر ببراءة :
-أنا كنت مشغولة أوي إنهاردة يا نجلاء . نسيت أقوله إني هتأخر إنهاردة.
-ما هو إتصل بيكي و أنا كمان حاولت بس ماكنتيش بتردي.
تفقدت "سمر" هاتفهها الذي تعمدت ضبطه علي وضع الصامت ..
-آاااه فعلا ! .. هتفت "سمر" بدهشة مصطنعة ، و أردفت :
-ده الموبايل كان صامت و ماسمعتوش . و لو إن مش فاكرة إني كنت عملاه صامت !!
نجلاء بتوتر :
-طيب إدخليله . إدخليله دلوقتي حالا أحسن ده شايط عالأخر . أقسم بالله كنت خايفة يرفدني إنهاردة من كتر عصبيته.
إبتسمت "سمر" و هي تقول ببرود :
-حاضر . حاضر يا نجلاء .. هدخل !
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم Shaimaa Gonna
تدخل "سمر" إلي "عثمان" ... تقف أمام مكتبه في برودة أعصاب ، تتقصد التظاهر بهذا الشكل أمامه
فقد تمت الصفقة التي عقداها بالنسبة لها ، و هي لم تعد تبالي له بعد الآن ..
-صباح الخير يافندم ! .. حيته "سمر" بفتور ، و تابعت :
-نجلاء قالت إنك سألت عليا كتير . أنا آسفة إني إتأخرت إنهاردة بس كنت مضطرة . الصبح روحت أجيب أختي من المركز.
زمجر "عثمان" .. أطلق صوتا مفاجئا مرعبا .. و تجمع غضب أسود وجهه كما تتجمع السحب قبل العاصفة ..
-إنتي عارفة أنا كلمتك كام مرة من إمبارح للنهاردة ؟ .. سألها بنبرة هادئة تشي بحلول غضبه القريب
سمر ببراءة :
-موبايلي كان silent و ماسمعتوش !
عثمان بإستهجان :
-و الله ! و ده من إمتي إن شاء الله ؟ من إمتي بتصل بيكي و مابتسمعيش ؟!
سمر ببرود :
-أهو إللي حصل يافندم . أعمل إيه يعني ؟
في هذه اللحظة وثب "عثمان" من مكانه و مشي ناحيتها و الشرر يتطاير من عينيه ..
-إنتي بقالك إسبوع سايقة العوج ! .. قالها "عثمان" بحنق شديد و هو يقبض علي ذراعها و يلويه بقوة خلف ظهرها
سمر بألم :
-آااه آه آاه . إيه إللي بتعمله ده ؟ أنا عملتلك إيه سيب إيدي !
عثمان بغضب :
-إنتي بتلعبي بالنار يا سمر . و إوعي تكوني فاكراني مش واخد بالي من وش البرود إللي بترسميه قدامي ده بقالك كام يوم . أنا عارف كويس إنتي بتفكري في إيه ؟ بس أنا بقي مش هاسيبك بالسهولة دي . إللي بينا مش لعبة تقدري تنسحبي منها وقت ما تحبي . لأ . في قوانين و أنا بس إللي أقول إمتي تنسحبي أو إمتي تخلص اللعبة.
سمر متصنعة عدم الفهم :
-أنا مش فاهمة إنت بتتكلم عن إيه ! و أنا أصلا مابفكرش في حاجة أنا فعلا كنت مشغولة أوي إنهاردة و تليفوناتك غصب عني ما ردتش عليها .. ثم قالت بألم أشد :
-سيب إيدي بقي !
تركها "عثمان" بحركة غاضبة ، لتتآوه و هي تدلك مكان أصابعه الغليظة علي جلد معصمها ..
-كنتي بتعملي إيه طول الإسبوع إللي فات ؟ .. تساءل "عثمان" بخشونة ، لترد "سمر" بنبرة مهزوزة و هي تحاول السيطرة علي أعصابها :
-ماكنتش بعمل حاجة . كنت بشتغل ما إنت عارف.
عثمان بلهجة صارمة :
-برا الشغل . كنتي بتعملي إيه برا الشغل ؟
سمر بحيرة ممزوجة بإلإرتباك :
-ماكنتش بعمل حاجة !
عثمان بحدة :
-طالما كده . كنتي بتتهربي مني ليه ؟؟؟
سمر بضيق :
-ماكنتش بتهرب . فادي خلص إمتحاناته و قاعد في البيت . مقدرش أعمل أي حاجة تلفت نظره.
عثمان بإنفعال :
-أنا ماليش دعوة بالكلام ده . أنا وقت ما أعوزك لازم ألاقيكي . مشاكلك مع أخوكي تشوفلها حل منغير ما تزعجيني أنا.
سمر و قد تملك منها الغضب أخيرا :
-إنت مش من حقك تؤمرني و تكلمني بالطريقة دي . أنا مش جارية عندك يا عثمان بيه . أنا حره و مش مضطرة أقولك أمين علي أي حاجة تطلبها مني.
ضحك "عثمان" بسخرية و قال :
-مش تتأكدي من كلامك قبل ما تقوليه يا سمر ؟ إنتي مراتي . تبقي حره إزاي ؟ إنتي نسيتي الورقتين إللي كتبناهم سوا ؟
سمر و هي ترمقه بمقت :
-لأ مش ناسية . إنسي إزاي الكابوس إللي مابيفارقش أحلامي كل يوم ؟!!
عثمان بنفاذ صبر ممزوج بالحدة :
-أنا عايزك إنهاردة . بعد الشغل إستنيني برا ماتمشيش.
-لأ مش هينفع ! .. قالتها "سمر" برفض قاطع ، ليرد بغضب :
-ليـــــه ؟ مش هينفع ليه ؟ إنتي بقالك إسبوع بتقوليلي مش هينفع.
سمر بشئ من العصبية :
-قولتلك فادي قاعد في البيت . مقدرش أشوفك و لا أقابلك برا الشغل ممكن يحس بحاجة.
أمسك "عثمان" بكتفيها و حني رأسه إلي الأمام ، ثم قال بصرامة تامة :
-بكره . بكره بعد الشغل هتيجي معايا . تقوليلي بقي أخوكي جن أزرق مش هيهمني . إتصرفي و حلي مشاكلك كلها إنهاردة عشان بكره مش هقف أتناقش معاكي كده . بكره هتسمعي كلامي كله من سكات .. فاهمة يا بيبي ؟!
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عند "صالح" و "صفية" ... بعد إنتهاء الجلسة ، يتم نقل "صالح" إلي جناحه مجددا
يحملوه رجال التمريض و يضعونه علي سريره بحرص ، ثم يخرجون بعد أن شكرتهم "صفية" ..
-آاااااه آاااااه .. هكذا راح "صالح" يتآوه بخفوت ، لتجلس "صفية" بجواره علي حافة السرير ، و تربت علي شعره قائلة :
-سلامتك . سلامتك يا حبيبي !
صالح بحزن :
-لأ . لأ يا صافي أنا زعلان منك.
صفية بدهشة :
-ليه بس يا حبيبي ؟ أنا عملت إيه ؟!
-فضلت أترجاكي و أقولك إبعدي عني الدكتور إبن الـ---- ده و لا سألتي فيا.
صفية برقة :
-يا قلبي علي أد ما قدرت خليته يخفف عنك . هو كان لازم ينهي الجلسة كاملة يا صالح عشان تخف بسرعة يا حبيبي.
صالح و هو ينظر لها بضيق :
-أنا زهقت من المستشفي يا صافي . عشان خاطري إسألي الدكتور الحيوان ده لو ينفع أكمل العلاج في البيت !
صفية بإبتسامة :
-حاضر يا حبيبي . هسأله.
صالح و هو يهز رأسه بخيبة :
-و ربنا أنا إتحسدت.
ضحكت "صفية" و سألته بإستغراب :
-و مين يعني إللي هيحسدك يا صالح ؟
صالح بتبرم :
-كل الناس يا حبيبتي . أنتي مستقلية بخطيبك و لا إيه ؟ ده أنا صالح . يعني ماتكونيش فاكرة إن أخوكي لوحده يبقي دونچوان .. ثم قال بخبث ليغيظها :
-ده أنا البنات بتجري ورايا لحد دلوقتي و أنا علي وضعي و مش عارف أتحرك.
صفية بسخرية :
-لا يا راجل !
صالح بغرور :
-أومال إيه يا بنتي . ده أنا بفتح الـChatting عندي بلاقي الـInbox هينفجر من الرسايل . إللي تقولي سلامتك يا صالح و إللي تقولي وحشتني يا صالح و إللي تقولي هموت و أشوفك يا صالح.
صفية بغيظ و هي تلكمه علي كتفه :
-طب ما تتلم بقي يا صالح . بدل ما ألمك !
ضحك "صالح" بخفة و غمز لها قائلا :
-إنتي بتغيري يا صفصف ؟
صفية بصدمة :
-صفصف ! إيه صفصف دي ؟
-بدلعك يا حبيبتي.
صفية بغضب :
-لأ مادلعنيش كده . أنا صفية أو صافي لكن مش صفصف !
صالح بإبتسامة مرحة :
-أوك يا عمري . إنتي أصلا حياتي كلها أحلي حاجة في الدنيا بالنسبة لي بنات إيه دول إللي هبصلهم و إنتي جمبي ؟!
إبتسمت "صفية" بخجل و قالت :
-حبيبي يا صلَّوحي . ربنا يخليك و يقومك ليا بالسلامة يا رب.
صالح بحب :
-و يخليكي ليا يا قلب صلَّوحك.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في مكان أخر ... تحديدا بمطار العاصمة الإنجليزية ( لندن )
يقف "يحيى البحيري" أمام شباك ختم بطاقات السفر ، فيأتي شخص و يضع يده علي كتفه ..
يلتفت "يحيى" ليكتشف هويته ، ليجده "محمود أبو المجد" والد "مراد" و أحد أصدقاؤه القدامي
ينظر له "يحيى" و يقول بسرور :
-مش ممكن . محمود أبو المجد بحاله . إزيك يا رااجل عامل إيه ؟
محمود و هو يصافحه بحرارة :
-إزيك إنت يا يحيى ! أخبارك إيه ؟ و باقي العيلة إزيها ؟
يحيى بإبتسامة :
-كلنا كويسين الحمدلله .. ثم نظر إلي السيدة التي تأبطت ذراع زوجها و تقف مستمعة في هدوء ، و قال :
-إزيك يا مدام رباب ؟
رباب بإبتسامة رقيقة :
-الحمدلله كويسة . أنا كنت بقول لمحمود إننا لازم نكلمك من مدة عشان نشكرك.
يحيى بإستغراب :
-العفو . بس تشكروني علي إيه ؟!
-علي إستقبالك لمراد في بيتك من ساعة ما نزل لحد دلوقتي . هو كلمنا و قالنا إنكوا بتراعوه و بتعاملوه أحسن معاملة . بجد إحنا متشكرين أووي يا يحيى بيه.
يحيى بإبتسامة :
-لا شكر علي واجب يا مدام رباب و بعدين مافيش بينا شكر . محمود صاحبي قبل ما يكونوا ولادنا أصحاب و بعدين مراد ده زي عثمان إبني بالظبط.
محمود بإمتنان و هو يربت علي كتفه :
-طبعا . طبعا يا يحيى . ربنا يديم المحبة.
-أمين يا سيدي .. ثم قال بتخمين :
-إنتوا شكلكوا قررتوا تنزولوا أخيرا . صح و لا إيه ؟
محمود بإبتسامة :
-مش بالظبط . إحنا قولنا ننزل نشوف مراد عشان وحشنا أوي و بالمرة نزور مصر . بس هنرجع تاني .. إنت إللي كنت بتعمل إيه هنا و ماجتش تزورنا ليه ؟
-أنا ماكنتش فاضي و كان عندي شغل مهم أوي والله لسا مخلصه و روحت قاطع التذكرة علطول حتي مش قايل لحد إني راجع عاملها مفاجأة.
محمود بحماسة :
-إحنا كمان مش قايلين لمراد إننا راجعين . كانت فكرة رباب قالتلي يتفاجئ بينا أحسن.
-طيب طالما كده بقي يبقي هنسافر مع بعض و هتيجوا معايا علي القصر هتبقوا في ضيافتي لحد ما تقرروا ترجعوا تاني إن شاء الله.
محمود بشئ من الخجل :
-إحنا مش عايزين نتقل عليكوا يا يحيى كفاية إبننا لحد دلوقتي . إحنا ممكن ننزل في أوتيل أو نأجر شقة أو حتي ڤيلا جمبكوا.
يحيى بإستياء :
-مش عيب تقول كده يا محمود ؟ أوتيل إيه إللي تنزل فيه و لا بيت إيه إللي تأجره ؟ ماتزعلنيش منك لو سمحت و إوعي تقول الكلام ده تاني.
-بس آا ..
-مابسش .. قاطعه "يحيى" بصرامة ، و أردف :
-هتقعدوا معانا في القصر طول مدة سفاركوا . خلاص إنتهي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل "سمر" ... تفتح باب الشقة عند دقات السادسة مساءً
كانت "ملك" مستيقظة ، رأتها جالسة علي الأرض و معها "فادي" ..
كانت تلعب بكومة صغيرة من المكعبات خاصتها و عندما شاهدت أختها قذفت بالمكعبات فأحدث قرقعة خافتة علي الأرض ، ثم أشارت إليها بحركة إستحواذية آمرة
لاحظ "فادي" وصول أخته هو الأخر ، فوثب علي قدميه للحال و هرول صوبها و هو يقول بإبتسامة عريضة :
-باركيلي يا سمر باركيلي !
سمر و قد إنفرجت أساريرها تلقائيا :
-مبروك يا حبيبي . إيه إللي حصل ؟؟؟
فادي بفرحة غامرة :
-أنا نجحــــــــت . نجحت يا سمر.
صرخت "سمر" من فرط سعادتها و قفزت محتضنة أخيها بشدة و هي تقول :
-مبرووووووووك . مبرووك يا حبيبي ألف مبروك يا فادي .. ثم نظرت له و سألته بإهتمام :
-المهم درجاتك و لا التقدير إيه ؟؟؟
فادي بضحك :
-إطمني يا سمر الدرجات كويسة و إحنا لسا في أول ترم أخر السنة هتشوفي التقدير إللي هيعجبك بإذن الله.
سمر بسعادة شديدة :
-إن شاء الله يا حبيبي.
في هذه اللحظة وصلت "ملك" عند قدمي شقيقتها و هي تحبو علي قوائمها ، فإنحنت "سمر" و رفعتها عن الأرض بسرعة ..
تبادلت معها إبتسامة واسعة ، ثم قالت و هي تقرص وجنتها بمنتهي اللطف :
-مش تقولي مبروك لأبيه فادي يا لوكا . ها ؟ قوليله مبروك يا حبيبتي.
-سمر كنت عايز أقولك حاجة كمان ! .. قالها "فادي" بجدية تامة و ما زالت البسمة تزين ثغره
إلتفتت له "سمر" متسائلة :
-خير يا فادي ؟
-إللي جابلي النتيجة يبقي دكتور عندنا في الكلية و كمان يبقي صاحب شركة بترول كبيرة أوي هنا في إسكندرية.
سمر بعدم فهم :
-طيب !
تنفس "فادي" بعمق ، ثم قال :
-هو إنهاردة عرض عليا شغل عنده.
سمر بجدية :
-شغل إزاي بس يا فادي ؟ هتعرف توفق بين شغلك و دراستك إزاي ؟!
-هو راجل كويس جدا و بيعزني يا سمر . فاهم وضعي و قالي طول الأجازة دي هشتغل و لما الدراسة تبدأ هقعد من الشغل و بعدين دي أخر سنة ليا و فاضل كام شهر و هتفرغ للشغل علطول.
سمر بتفكير :
-طيب . هو عرض كويس بصراحة .. ثم قالت بإبتسامة :
-إعمل إللي يريحك يا فادي . أنا واثقة في قراراتك.
فادي و هو يرد الإبتسامة :
-ربنا يخليكي ليا سمسمة إنتي و لوكا . إن شاء الله قريب وضعنا هيتحسن أوي و مش هخليكوا تحتاجوا لحاجة .. ثم صاح مستذكرا :
-صحيح يا سمر نسيت أقولك كمان . الدكتور ده هيجي يزورنا بكره . أنا عزمتو علي الغدا . لازم بقي تاخدي أجازة من شغلك عشان تطبخي . معلش لو بتقل عليكي يا حبيبتي.
سمر بلطف :
-لا يا حبيبي و لا يهمك . هو أنا عندي أغلي منك يعني !
و فجأة برزت صورته في ذهنها ..
يا للكارثة .. التي ستحل لو لم تذهب غدا إلي الشركة !!!
............................................................................
في هدأة الليل ... تجلس "فريال" بغرفتها نصف غافية علي الكرسي الهزاز
عندما إقتحمت وصيفتها جناحها فجأة و هي تهدل بصخب :
-فريآاال هآاانم . يحيى بيه وصل . يحيى بيه وصل !
إنتفضت "فريال" من غفوتها النصفية و وثبت قائمة في لمح البصر ..
-بتقولي إيه يا سعاد ؟ يحيى . يحيى جه بجد ؟؟؟
كانت "فريال" شديدة الإضطراب و الإنفعال ، كان صوتها مهزوزا فيه قدر كبير من الذهول و الفرح و الشك ... فمازال باكرا علي موعد عودة زوجها من السفر ..
أكدت الوصيفة بإبتسامة عريضة :
-يحيى بيه لسا واصل حالا يا هانم أنا أول ما شوفته تحت جريت علي حضرتك علطول عشان أبشرك.
فريال بسعادة مفرطة و هي تغطي فمها بكفيها :
-ميرسي يا سعاد . إنتي بجد تستاهلي مكافأة علي الخبر ده . ليكي عندي هدية.
و أسرعت نحو المشجب الخشبي حيث بعض ثيابها المعلقة هناك ، بينما قالت "سعاد" بإبتسامة خجلة :
-العفو يا هانم . أنا ماعملتش حاجة.
إلتقطت "فريال" روب محتشم منسوجا من الحرير الخالص و إرتدته فوق قميص نومها الغير محتشم و لم تنتظر ثانية أخري
طارت عبر الغرفة و هبطت إلي الأسفل بسرعة فائقة ..
-يحيــــــــــــــــــــــــــــى ! .. هتفت "فريال" عاليا و هي تركض صوب زوجها ، ليلتفت لها "يحيى" مبتسما و يفتح ذراعاه بحركة تلقائية
إرتمت "فريال" بقوة في حضنه
تكورت في صدره و دست رأسها تحت إبطه ، ثم همست بعاطفة ملتهبة :
-حبيبــــي .. حبيبي وحشتني أووي أووووي . يآاااااااااااااااااااااه . ده حضنك واحشني بشكل !
-إنتي كمان واحشاني جدا جدا يا حبيبتي .. تمتم "يحيى" بخفوت و هو يحتضنها بشدة ، لتستعر اللهفة في صدرها و تزيد إلتصاقا به و هي تتنهد بحرارة
بينما مال "يحيى" مبتعدا عن عناقها و هو يحمحم ثم يقول بنبرة رزينة مرتفعة إلي حد مناسب :
-مش هتسلمي علي ضيوفنا و لا إيه يا فريال هانم ؟
في هذه اللحظة إنقشعت الغمامة الوردية التي غلفت حواس "فريال" ..
لقد نست أنهما ليس وحدهما ، ثم أدركت أن طريقة إلتحامها بزوجها الآن ليست سلوكا مهذبا في وجود الآخرين
شعرت بالإحراج ، فإبتعدت نصف خطوة و هي تجوس بنظرها علي وجهي "محمود أبو المجد" و زوجته الأنيقة السيدة "رباب التميمي" ..
-آاا أهلا و سهلا ! .. قالتها "فريال" بقدر من التوتر ، ليرد الزوجين في نفس واحد و البسمة تعلو شفاههما :
-أهلا بيكي يا فريال هانم.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
بعد وقت قصير ... يصعد "يحيى" مع زوجته إلي الغرفة
ينصرف الخادم الذي نقل حقيبة السفر من الأسفل إلي هنا ، لتنفرد "فريال" أخيرا بزوجها ..
-إنت إزاي ماتقوليش إنك راجع إنهاردة .. قالتها "فريال" بغنج و هي تسند يديها علي صدر "يحيى"
ليرد الأخر بإبتسامة و هو يداعب خصلات شعرها اللولبية :
-حبيت أعملهالك مفاجأة . إيه ! كانت مفاجأة وحشة يعني ؟!
فريال برقة شديدة :
-دي أحلي مفاجأة يا قلبي.
و طوقت رقبته بذراعيها و هي تبتسم بحب ، ثم صاحت فجأة :
-و صحيح إيه إللي جاب محمود و رباب معاك ؟ و جبتهم هنا ليه ؟!
يحيى بصوته المخملي الجذاب :
-قابلتهم في المطار يا حبيبتي و كانوا علي نفس طيارتي فإقترحت عليهم يقعدوا عندنا هنا طول مدة سفرهم زي مراد إبنهم كده.
عبست "فريال" قائلة :
-هو بيتنا بقي آوتيل يا يحيى كل من هب و دب هيجي يقعد عندنا.
يحيى بضحك :
-إيه ده يا فريال هانم ! إيه التحولات الغريبة دي . ده إنتي طول عمرك كريمة إيه إللي حصل.
فريال و هي تمط شفتاها و تعكف حاجباها في شئ من الضيق :
-ماقولتش حاجة يا حبيبي . أنا قصدي بس إن بيتنا في أسرار و لازم يبقاله خصوصية . وجود ناس أغراب معانا حاجة مش لطيفة أوي و لا إنت إيه رأيك ؟
يحيى بتفكير :
-بس هما مش أغراب عننا يا فريال . إحنا نعرفهم . ماتنسيش إن محمود صاحبي من زمان أوي ! .. ثم قال بجدية :
-و بعدين إبنهم قاعد معانا بقاله أكتر من شهر ماشوفناش منه حاجة و مافيش سر من أسرار بيتنا طلع برا .. علي ما أعتقد.
تنهدت "فريال" و قالت بإستسلام :
-خلاص يا يحيى . إللي تشوفه !
يحيى بنعومة و هو يسير بأنامله ببطء علي خدها :
-لأ مش إللي أشوفه . إللي نشوفه يا حبيبتي . لو حاسة بقلق ناحيتهم خلاص . أنا مستعد أعتذرلهم و أخليهم يمشوا بكره الصبح.
فريال بإستنكار ممزوج بالحرج :
-يا خبر ! لأ . لأ يا يحيى ماينفعش طبعا . كده يبقي بنطردهم مايصحش لأ .. ثم أردفت بإبتسامة متكلفة :
-خلاص . أنا موافقة يقعدوا معانا . أمر لله بقي !
إبتسم "يحيى" بحب ، ثم قال :
-قلبك أبيض طول عمرك يا حياتي.
فريال و هي ترد له الإبتسامة :
-و إنت طول عمرك قلبي يا يحيى .. ثم قالت بتحذير :
-بس بعد كده ماتبقاش تتصرف من دماغك و تعزم أي حد زي ما عملت إنهاردة . لازم تاخد رأيي في حاجة زي دي الأول.
يحيى بأداء مسرحي :
-سمعا و طاعة يا سيدتي.
ضحكت "فريال" بدلال ، و من جديد إزدادت إقترابا منه ليلتحما ببعض مرة أخري
و لكن هذه المرة دون قلق أو خجل من أن يراهم أحد ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في نفس الوقت بالجهة الأخري ... يسمع "مراد" بخبر مجيئ والديه
يتفاجأ بهذا هو أيضا ، فينزل من غرفته بسرعة ليتأكد بنفسه ..
-بابا . ماما !! .. هتف "مراد" مبتسما بدهشة ، ثم أسرع إلي أحضان أبويه و ضمهما معا و هو يكمل بعدم تصديق :
-إنتوا جيتوا إزاي ؟ ليه ماقلتوش ؟ .. وحشتوني أووي.
ربتت "رباب" علي شعر إبنها قائلة :
-حبيبي يابني . إنت وحشتنا أكتر.
محمود بإبتسامة :
-إحنا قولنا نعملهالك مفاجأة و نطب عليك علي غفلة.
نظر "مراد" إلي والده و قال بحبور شديد :
-و أنا فعلا إتفاجئت . ماتتصوروش إنتوا كنتوا واحشني إزاي .. ثم تساءل بإهتمام عندما لمح الحقائب بجانبهم :
-بس إيه الشنط دي ؟ إنتوا لسا ماحجزتوش في آوتيل و لا إيه ؟!
محمود بجدية :
-لأ يا سيدي . يحيى أصر إننا ننزل عنده هنا لحد ما تنتهي رحلتنا و نرجع تاني.
مراد بإستغراب :
-أنكل يحيى ! هو وصل ؟
-أيوه . قابلناه صدفة في المطار و جينا سوا.
أومأ "مراد" بتفهم ، ثم قال بتردد :
-بس إنتوا هتستريحوا هنا ؟ مش هتبقوا مضايقين يعني ؟
محمود بدهشة :
-و إيه إللي هايضايقنا يابني ؟!
مراد و هو يهز كتفاه بخفة :
-يعني . البيت مش بيتنا و ممكن آا .. و صمت فجأة ، لا يعرف كيف يصوغ عبارته
لتندفع أمه و تقول بنزق ممزوج بالحدة :
-إنت بتقول كده ليه ؟ هو حد هنا ضايقك يعني ؟ حد عملك حاجة ؟ ما ترد آا ..
-إستني شوية يا رباب . قاطع "محمود" زوجته بصرامة دون أن يحيد بنظره عن إبنه ، و تابع :
-إسمع يا مراد . زي ما قولتلك يحيى هو إللي أصـــــر و ألــــــح كمان إننا نيجي هنا .. إحنا تمام هنقعد بس لو حسينا نفسنا مش مرتاحين أو حسينا حد من أهل البيت مش مرتاح لوجودنا هناخد بعضنا و هنمشي فورا . خطتنا ماكانتش الإقامة في قصر البحيري . إحنا كنا عاملين حسابنا ننزل في آوتيل و بعدين كنا هنأجر بيت أو شقة نقعد فيها الفترة إللي هنكون فيها هنا . يعني بالنسبة لنا مافيش مشكلة .. فهمت ؟
مراد بإبتسامة :
-فهمت يا بابا . و عموما حمدلله علي السلامة.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
صباح يوم جديد ... تستيقظ "سمر" علي صوت زقزقة العصافير
تنظر إلي ساعة التنبيه ، فتجدها السابعة و النصف صباحا
تزفر بضيق و تتمتم لنفسها : " هيعمل فيا إيه ده لو ماروحتش ؟ يادي المصيبة ! "
و قامت من فراشها و الكدر يغيم عليها كليا ..
تقابل "فادي" بالصالة ، كان يحمل "ملك" التي إستيقظت في وقت باكر كعادتها
بينما كانت تميل الصغيرة برأسها علي كتفه بلا حراك ، تراوغ غفوة راحت تثقل أهدابها الكثة بين الحين و الأخر ..
-صباح الخير يا فادي ! .. قالتها "سمر" بصوت متحشرج من تأثير النوم
إبتسم "فادي" و هو يرد :
-صباح النور يا سمسمة . إيه ! جاهزة ؟
سمر بوجه خالٍ من أي تعبير :
-أيوه يا فادي . هغسل وشي و هحضرلكوا الفطار و بعدين هبدأ في الغدا.
فادي بإمتنان :
-ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي . معلش لو هتعبك إنهاردة و أسف إني عطلتك عن شغلك.
سمر بإبتسامة باهتة :
-و لا يهمك يا حبيبي .. و أكملت بتساؤل :
-بس هو الدكتور بتاعك ده جاي الساعة كام ؟
-جاي علي الساعة 4 كده.
أومأت "سمر" قائلة :
-طيب . يدوب بقي .. شوية و الفطار يبقي جاهز !
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
تمر ساعات النهار بسرعة بالنسبة لـ"سمر" ... فقد قامت بإنجاز كبير ، حيث أعدت طعام الغداء الفاخر كله
طبخت أصناف عديدة و شهية في زمن قياسي ، ثم تنفست الصعداء أخيرا و ولجت إلي المرحاض ..
أخذت حماما سريعا ، ثم ذهبت إلي غرفتها
إرتدت ملابس نظيفة و أنيقة تلائم إستقبال الضيف ، و من جديد نظرت إلي ساعة هاتفهها .. أصبحت الرابعة إلا الثلث عصرا
و لكن غريب .. إنه لم يتصل و لا مرة حتي الآن !!
-سمر ! يلا تعالي دكتور أدهم قدامه عشر دقايق و يوصل.
و بعد عدة دقائق كانت "سمر" تقف بجانب أخيها عندما دق جرس الباب
يفتح "فادي" ليظهر الضيف المنتظر ..
كان رجلا في أوائل الثلاثينيات ، ذا وجه وسيم و إطلالة جذابة ، بدت عليه إمارات سعة العيش و الترف بصورة كبيرة ..
ألقي نظرة خاطفة نحو "سمر" ثم توجه إلي "فادي" بالقول ..
أدهم بإبتسامة خفيفة :
-مساء الخير يا فادي.
فادي و هو يصافحه بحرارة :
-أهلا مساء النور يا دكتور . نورتنا .. ثم إلتفت إلي أخته و قدمها له :
-سمر ده دكتور أدهم إللي حكيتلك عنه . دكتور أدهم دي سمر أختي.
صوب "أدهم" ناظريه إليها .. شملها بنظرة فاحصة و البسمة البسيطة تعلو ثغره ..
-إتشرفت بيكي يا أنسة يا سمر .. قالها "أدهم" بنبرة هادئة ، لتومئ "سمر" و هي ترد بإبتسامة :
-الشرف ليا يا دكتور.
و هنا ... دق هاتفهها ، لتري حروف إسمه تضئ الشاشة مع الرنين الصاخب المـُلح !!!!!
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم Shaimaa Gonna
إعتذرت "سمر" من أخيها و ذهبت لترد علي المكالمة ... ليأخذ "فادي" الضيف و يجلسه بالصالون المتواضع و هو يمطره بوابل من الإبتسامات و الكلمات المرحبة
ولجت "سمر" إلي غرفتها و أوصدت الباب خلفها
و قبل أن ينقطع الرنين المتواصل ضغطت زر الإجابة و ردت بصوت متوتر :
-ألو !
-أيوه يا سمر . إيه ما ردتيش بسرعة ليه ؟
كان صوت "عثمان" متوازنا .. فيه قدر من الثبات و الهدوء الذي بث فيها التوجس بصورة أكبر ..
-مـ معلش الموبايل كان بعيد عني .. هكذا أجابته "سمر" و هي تحاول ضبط الهزة في صوتها قدر أستطاعتها
عثمان بنبرته الخفيضة الهادئة :
-أووك . عموما أنا كنت بتصل أقولك Sorry هضطر أكنسل ميعادنا إنهارده بس أكيد هنتقابل بكره.
سمر بعدم تصديق و سرور في آن :
-ده بجد ! قصدي ليه كده ؟؟؟
عثمان بأسف :
-صحيت الصبح ياستي لاقيت أبويا رجع من السفر و إبن عمي كمان خرج من المستشفي و رجع علي البيت كل العيلة متجمعين بقي و محدش راضي يفرج عني إنهارده .. معلش يا حبيبتي . بكره هعوضك.
سمر بغبطة شديدة :
-و لا يهمك خد راحتك خآالص . قصدي ماتستعجلش . يعني هنروح من بعض فين !
صمت قصير .. ثم قال "عثمان" بشك :
-أومال إنتي فين كده يا بيبي ؟
إزدردت ريقها بتوتر و أجابت بإرتباك :
-آا أنـ أنا . أنا في البيت !
عثمان بدهشة :
-في البيت إزاي يعني ؟ لسا شوية علي ميعاد الإنصراف ! .. ثم قال بغضب :
-إنتي ماروحتيش الشركة إنهاردة ؟؟؟
سمر بإرتباك أشد :
-مـ ما . ما ما آا ..
-ما إيـــــه إتكلمي ! .. قاطعها بإنفعال و تابع :
-يعني لو ماكنتش إتصلت بيكي ماكنتش عرفت إنك طنشتيني و كسرتي كلامي ؟ إنت بتتحديني يا سمر ؟؟؟
تخيلت "سمر" أن نبرة صوته العنيفة تجاوزت سماعة الهاتف و صار بإمكان أخيها سماعه و هو في الخارج ..
-أرجوك وطي صوتك .. قالتها بخوف شديد و هي تنظر نحو الباب ، ليرد "عثمان" بإستنكار ممزوج بعصبيته :
-أوطي صوتي ! هو إنتي لسا شوفتي حاجة ؟ بس لما أشوفك يا سمر . هخليكي تفكري مليون مرة قبل ما تحاولي تكسريلي كلمة واحدة تاني.
سمر و قد تملك منها الرعب :
-هتعملي إيه يعني ؟ تهديد ده ؟!
عثمان بنبرة وعيد :
-أفضل تشوفي بنفسك .. ثم قال بصرامة :
-بكره الساعة 9 نتقابل في نفس المكان . إوعي تتأخري زي المرة إللي فاتت و جربي ماتجيش يا سمر . يا ويلك مني لو عملتيها .. سلام يا بيبي.
و أقفل الخط بوجهها ..
-يا نهار إسود ! .. تمتمت "سمر" بإنيهار ، و أكملت :
-هيعمل فيا إيه الحيوان ده ؟ .. مش ممكن يعمل حاجة . هيعمل إيه يعني ! . يا ربي أعمل إيه بس . أنا أعصابي إدمرت خلآاص !!
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
أنهي "عثمان" مكالمته و هو يغلي من الغضب ... ثم خرج من الشرفة و عاد إلي مجلس العائلة
حيث إحدي القاعات الفخمة التي يزيدها جمالا تلك النوافذ التي تمتد من الأرضية إلي السقف لتمنح للمشاهد إطلالة بانورامية آسرة ..
-يابني كنت فين ؟ مش تقعد معانا بقي ! .. قالها "يحيى" بإنزعاج ، و أردف بحدة :
-أنا قلت مافيش خروج إنهاردة.
عثمان بإبتسامة :
-أنا جيت أهو . كنت بعمل مكالمة بس.
و ذهب ليجلس بجوار أمه ..
-منوور البيت يابو الصلـــوووح . حمدلله علي السلامة .. قالها "عثمان" و هو يمد يده و يربت علي قدم "صالح"
إبتسم "صالح" و هو يثبت الكرسي المتنقل الذي يجلس فوقه ، ثم رد دعابة إبن عمه :
-الله يسلمك يابن عمي . هو البيت كان ناقصني عشان ينور يعني ؟ ما فيه ناس زي الفل أهو مش قاطعين عنه الكهربا ليل نهار.
ضحك الجميع إثر جملته ، و شارك "محمود أبو المجد" في الحديث المرح :
-طول عمرك دمك خفيف يا صالح . ربنا يشفيك يابني و يقومك بالسلامة.
صالح بإبتسامة :
-متشكر يا أنكل .. ثم تساءل بإهتمام :
-أومال هي فين هالة يا جماعة ؟!
أجابته "صفية" الجالسة بخفة علي يد مقعده المعدني :
-أنا طلعت أندهلها بس قالتلي تعبانة و مش هتقدر تنزل.
صالح بقلق :
-تعبانة إزاي يعني ؟ طيب أطلع شوفها يا بابا من فضلك !
تنهد "رفعت" بسأم ، و قال :
-ماتقلقش يابني . هي كويسة.
صالح بشئ من العصبية :
-و حضرتك عرفت منين كنت شوفتها يعني ؟!
رفعت بضيق :
-أختك حساسة أوي زي ما إنت عارف .. ثم أكمل و هو يحدج "عثمان" بنظرات ذات مغزي :
-أقل حاجة ممكن تضايقها أو تتعبها . بس هي بترجع و بتبقي كويسة . ماتقلقش عليها.
تظاهر "عثمان" بعدم ملاحظة عبارة عمه الإتهامية و واصل العبث بهاتفهه و هو لا يكف عن مغازلة أمه بنفس الوقت
بينما إستمر الحديث و الهرج من حوله ليمتلئ المكان بالدفء و الألفة الأسرية ..
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل "سمر" ... بعد الغداء ، تدخل إلي الصالون و هي تحمل طقم المشروبات
تقدم الشاي إلي "فادي" ثم القهوة المضبوطة إلي الضيف ..
-تسلم إيدك يا أنسة سمر ! .. قالها "أدهم" مبتسما و هو يتناول منها فنجان القهوة ، و تابع بثناء :
-الأكل كان حلو أوي . حقيقي من مدة مادوقتش أكل بيتي حلو كده.
سمر بإبتسامة و هي تجلس في كرسي مجاور لأخيها :
-ميرسي يا دكتور و بالهنا و الشفا . دي حاجات بسيطة.
أدهم بدهشة :
-كل ده و حاجات بسيطة ! بلاش تواضع . أكلك يجنن و الأصناف إللي عملتيها عجبتني أووي.
سمر و قد توردت وجنتاها خجلا :
-ميرسي علي المجاملة الرقيقة.
أدهم بإبتسامته الجذابة :
-مش بجامل علي فكرة . دي حقيقة .. و لا إنت إيه رأيك يا فادي ؟
فادي بإعتداد و فخر :
-و الله أنا من زمان معجب بأكلها و مش أنا لوحدي . كل معارفنا و جيرانا بيشكروا في نفسها في الأكل.
و هنا لاحظ "أدهم" خجلها المتزايد ، فقال بلبقاته المعهودة :
-أعتقد إن الأنسة سمر بتتكسف من المدح . طيب نغير الموضوع عشان خاطرها .. ثم مضي يكمل بجدية :
-شوف يا فادي . أنا تقريبا خلصت إجراءات تعيينك . مش هيبقي عليك بعد كده غير إنك تستلم شغلك.
فادي بحماسة :
-أنا جاهز يا دكتور من بكره لو أمكن.
-طبعا ممكن . خلاص بكره الصبح تطلع علي البحر الأحمر و تستلم مكانك هناك.
سمر بصدمة :
-بحر أحمر إيه ؟ إنت هتسافر يا فادي ؟؟؟
نظر "فادي" إليها و رد بشئ من الإرتباك :
-أيوه يا سمر . ما أنا نسيت أقولك إن شغلي هيكون في البحر الأحمر و بالتالي لازم أسافر.
سمر بغصة مريرة :
-هتسيبنا و تسافر ؟ طب مين إللي هياخد باله مني و من ملك ؟؟!
فادي بتأثر شديد :
-أنا مش هسيبكوا بمزاجي يا حبيبتي . هو الشغل كده طب هعمل إيه يعني !
و بدا عليه القلق من ردة فعل "أدهم" لتلاحظ "سمر" هذا و تقول بإستسلام :
-خلاص يا فادي . سافر .. ربنا يوفقك.
يتدخل "أدهم" بلطف :
-أنسة سمر ماتقلقيش . فادي مش هيغيب عليكوا كتير هما خمستيام إللي هيكون فيهم في البحر الأحمر و هيجي يقضي معاكوا نهاية الأسبوع !
أومأت "سمر" و هي تحاول رسم إبتسامة علي ثغرها
ليأتيها صوت بكاء "ملك" في اللحظة التالية ..
سمر بوجوم :
-عن إذنكوا . هروح أشوف ملك !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في الصباح التالي ... يودع "فادي" شقيقتاه
تقلبت "ملك" بين ذراعي أختها و مضت إلي أخيها فإحتضنها بين ذراعيه ..
همس من فوق رأسها :
-أشوف وشك بخير يا سمر !
أومأت "سمر" قائلة و الدموع تلمع بعيناها :
-أشوف وشك بخير يا فادي.
أوصاها من جديد. :
-خلي بالك من نفسك و من ملك.
سمر بخفوت :
-ماتقلقش.
-هبقي أكلمكوا كل يوم.
ثم لثم جبهة "ملك" و قبلها من وجنتيها و أعادها إلي "سمر" ثانيةً ..
رحل ... فأخذت "سمر" شقيقتها الصغيرة إلي الجارة "زينب" و ذهبت علي أساس إلي عملها ، و لكن كانت الوجهة مختلفة تماما
نصف ساعة و كانت في نفس المكان الذي تواعدا عنده في المرة السابقة ..
إنتظرت نصف ساعة إضافية حتي آتي
رأته و هو يوقف سيارته بصورة تدريجية ، إرتجفت مرتعبة حين إلتقت عيناها بعيناه
نظراته مخيفة .. رغم أنه كان يبتسم ، الله أعلم ماذا يضمر لها ..
-إركبي يا بيبي ! مستنية إيه ؟ .. قالها "عثمان" بنعومة ، ثم مد يده و فتح لها الباب لتستقل بجانبه
لبت دعوته بآلية ، لتسأله بتردد عندما إنطلق بالسيارة :
-هـ هو إ إحنا رايحين فين ؟
عثمان ببرود شديد :
-أنا خدت بالي المرة إللي فاتت إن اليخت عجبك . فقلت هخدك تاني بقي و نقضي سوا يومين حلوين وسط البحر .. عشان ماتعرفيش تهربي مني !
سمر بإنفعال :
-يومين إيه ! قولتلك ماينفعش أغيب عن البيت أكتر من ساعات الشغل.
عثمان بحدة :
-وطي صوتك . مش هكملك تاني في الموضوع ده .. ثم قال بصوت جازم :
-و بعدين قلت هتقضي معايا يومين يعني هتقضي معايا يومين.
-بس آا ..
-مابسش .. قاطعها بصرامة ، و تابع :
-سيادتك مراتي و أنا ليا حقوق عليكي و لما أقول كلمة ما تتردش أبدا فاهمة ؟
شدت علي أسنانها و راحت تلهث بقوة ... لا مفر ، إتضح ذلك في نبرة صوته ، في طريقة كلامه .. و يا ليته يكتفي بهذا
بعد قليل أوقف سيارته أمام إحدي البنايات الضخمة الحديثة ، ثم أدار لها وجهه و قال بأمر :
-إنزلي.
رمقته بإستغراب ، لكنها إنصاعت له
ترجلت من السيارة و مشت ناحيته ... أمسك بيدها و جرها خلفه ، ليجتازا معا ممر حجري
تبعته و قلبها يرتجف بين أضلاعها ، تري أين يتوجه بها ؟ ما ذا سيفعل لها ؟؟؟
إزدادت حيرتها حين ولج بها إلي ذلك المكان ..
الإضاءة شديدة هنا و لاشك أنها مزعجة قليلا ، لكنها إستطاعت أن تري و تكتشف المكان بوضوح ..
الحركة المستمرة ، الموسيقي المنبعثة من السماعات المعلقة بالسقف ، الملصقات النسائية الخاصة بالموضة و الإطلالات العصرية تزين الجدران ، المكان نفسه يكاد يعج بالنساء !!!
-كوافير ! .. تمتمت "سمر" بإستغراب شديد ، ثم إلتفتت له بسرعة
وجدته يرمقها بنظراته الشيطانية و أصابعه الغليظة ما زالت تحاوط رسغها بإحكام ..
-إحنا إيه إللي جابنا هنا ؟! .. تساءلت بجدية ، ليرد "عثمان" ببراءة :
-جينا عشانك يا بيبي . زي ما إنتي شايفة ده كوافير أعتقد إنه مكان مش ملائم للرجالة . و لا إيه ؟
سمر بتوجس :
-و أنا هعمل إيه هنا ؟
عثمان بخبث :
-هتعملي كل حاجة . الناس إللي هنا هيظبطوكي علي الأخر . صدقيني هتخرجي من هنا واحدة تانية خآالص.
جلل وجهها رعب حقيقي ، لترد برفض :
-بس أنا مش عايزة !
عثمان بلهجة خفيضة مهدئة :
-سمر . Relax يا حبيبتي . هما مش هيعملولك حاجة . الحكاية بسيطة أووي . إنتي محسساني إنك عمرك ما دخلتي مكان زي ده . إيه يا بيبي هو أنا جايبك فين يعني ؟ ده أكبر Beauty center في إسكندرية .. ثم قال بنعومة :
-و بعدين إنتي مرات عثمان البحيري . حتي لو في السر لازم تبقي أجمل و أشيك ست في البلد كلها.
و هنا جاءت إحدي العاملات ، لتتساءل بنبرة رسمية رقيقة :
-صباح الخير يافندم ! تحت أمرك ؟ أي خدمة أقدر أقدمهالكوا ؟!
عثمان بجدية :
-أه لو سمحتي . في حجز بإسم سمر حفظي.
العاملة :
-فعلا يافندم و ميعادها بعد عشر دقايق بالظبط.
عثمان بإبتسامة و هو يشير إلي "سمر" :
-هي دي . مدام سمر حفظي !!!
............................................................
كانت تلك هي المرحلة الأكثر صعوبة ... عندما أصرت مشرفة الفريق علي رغبتها و أرغمت "سمر" علي نزع كافة ملابسها
في غرفة الـSpa ذات الحرارة العالية ..
تأخذ "سمر" حماما سريعا قبل بدء الجلسة ، و ذلك لتنظيف و تطهير الجلد لمنع نمو البكتريا في جو كهذا تتوفر فيه الحرارة و الرطوبة في آن
حرصت المشرفة علي وجوب تناول "سمر" لكمية كبيرة من الماء و العصائر لأن غرفة الـSpa تسبب التعرق بشكل كبير للغاية و بالتالي هناك إحتمال للجفاف و إنخفاض ضغط الدم
تبدأ الجلسة .. لتضع المشرفة لها قناع الوجه بنفسها بعد غسيله و تطهيره بالمستحضرات الفاخرة
بينما تقوم فتاة ثانية متمرسة بعمل حمام زيت جوز الهند لتغذية شعر "سمر" و نعومته و لمعانه
و فتاة أخري تضع قدميها في سائل اللبن و العسل و تواصل عمل التدليك لتخرج القدم بعد ذلك نقية كالرخام المصقول
الخطوة التالية ، تجلس "سمر" في مغطس حار للغاية تحملت السخونة بإعجوبة في حين أخذت بعض الفتيات يضعن لها أقنعة تجميلية و يعالجن و يلمعن كل جزء في جسمها ..
و بعد مرور نصف ساعة تضمنت تلك الأعمال الشاقة كلها ، تخرج "سمر" أخيرا من هذه الغرفة و هي تتنفس الصعداء ..
كانت ركبتاها ترتجفان من التعب حين باشرت بإرتدت ملابسها مرة أخري لتأخذها المشرفة إلي المرحلة الأخيرة ، حيث قسم التصفيف و التجميل
تدخل "سمر" إلي الصالون الفخم ، تجلس بإحدي المقاعد ليلتف حولها فريق كامل من الفتيات
تابعت ما يفعلنه لها
فواحدة تهتم بأظافر يديها و ثانية بأظافر رجليها ، و ثالثة تهتم بوجهها تقوم بترطيبه قبل وضع مستحضرات التجميل عليه
و فجأة تشعر "سمر" بالذعر حين رأت تلك التي حملت مقص بيدها و إعتزمت الإقتراب من شعرها ..
-إيه ده رايحة فين إنتي ؟ .. قالتها "سمر" بعدائية شديدة و هي تصدها عنها ، لترد الفتاة بصوت تغلفه البراءة :
-هقص شعرك يا مدام !
سمر بإستنكار :
-تقصي شعر مين ؟ أنا مش هقص شعري يا شاطرة.
الفتاة بلهجة مهذبة :
-يا مدام دي أوامر عثمان بيه هو مأكد علي الطلب ده أكتر من أي حاجة تانية.
سمر بإنفعال :
-قلت مش هقص شعري.
و هنا آتت المشرفة و قد إجتذبتها نبرة "سمر" المرتفعة ..
المشرفة بلباقتها المعهودة :
-في مشكلة يافندم ؟ حد هنا ضايق حضرتك ؟؟
نظرت "سمر" إليها و قالت بحدة :
-الأنسة دي عايزة تقصلي شعري قولتلها مش هقصه و بردو مصممة !!
المشرفة بإبتسامة هادئة :
-يا مدام دي أوامر عثمان بيه.
سمر و قد إنتابها الغضب بصورة كبيرة :
-يعني إيه أوامر عثمان بيه ؟ أنآااااااا مـــــش هقـــــــص شعـــــــــــــري !
إبتسمت الأخيرة و لم ترد عليها ، بل أخرجت هاتفهها و أجرت مكالمة أمامها ..
-ألو ! .. Sorry يا عثمان بيه بس في مشكلة هنا و محتاجين حضرتك .. مدام سمر مش موافقة علي قص الشعر .. مش سامحة لحد يقرب منها .. أوك . إتفضل حضرتك . معاك أهيه !
و ناولت الهاتف إلي "سمر" ..
-ألو ! .. ردت "سمر" بنبرة جامدة ، ليأتيها صوته البارد :
-إيه يا بيبي ! عاملة مشاكل ليه ؟
سمر بحدة :
-أنا مش هقص شعري.
عثمان بهدوء تام و كأنه يخاطب طفلة :
-هتقصيه يا حبيبتي . إنتي مش متخيلة شكلك هيبقي حلو إزاي بعد ما تقصيه .. و أكمل بصوت مستثار :
-ده غير إني بصراحة هموووت و أشوفك بالشعر القصير هتبقي جآاااامدة.
كادت "سمر" أن تجادله بعنف ليقاطعها هو بسرعة ..
عثمان بصرامة شديدة :
-بقولك إيه ! إنتي تسمعي الكلام أحسنلك . أنا مش فاضي للعب العيال ده . إنجزي بسرعة و ماطعتليش الناس و بعدين أنا كمان قربت أزهق و أنا قاعد مستنيكي برا . خلصي يا سمر و خلي يومك يعدي.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في مكان أخر ... تحديدا ڤيلا "رشاد الحداد"
يدق هاتف "چيچي" أثناء جلوسها مع خطيبها و حبيبها الذي تسبب في إنفصالها عن زوجها و بليلة الزفاف
تستأذن منه لترد علي الإتصال ، تقوم و تمشي بعيدا عنه قليلا ، ثم تجيب ..
چيچي و هي تتغنج بصوتها :
-ألوو ! .. نانسي هاي . إزيك يا حبيبتي ؟
نانسي و قد بدت الحماسة في صوتها بدرجة كبيرة :
-سيبك مني دلوقتي يا چيچي . عارفة أنا فين و شايفة قدامي مين حالا ؟!
چيچي بضيق :
-نانسي بليز لو عندك حاجة مهمة قوليها Now أنا مش فاضية لتفاهتك و لا فاضية أنم معاكي يا روحي.
ضحكت "نانسي" برقة و قالت بخبث :
-بس دي نميمة هتعجبك أووي . أنا دلوقتي قاعدة في الكوافير بجرب قصة شعر جديدة . بس تخيلي مين قاعد قدامي !
چيچي بنفاذ صبر :
-ميــــن يا نانسي إخلصي ؟
نانسي بنفس النبرة الخبيثة :
-عـثــمــــــــــــــــان البحيري يا قلبي.
تجهمت "چيچي" عند ذكر إسمه و إنقبض قلبها بخوف ، لكنها تمالكت نفسها و ردت بسخرية :
-عثمان قاعد قدامك في الكوافير ؟ و علي كده بقي بيصبغ و لا بيعمل Make_Up ؟؟
نانسي بجدية :
-لأ يا حبيبتي ده قاعد في الريسبشن مستني واحدة جوا في قسم المحجبات.
چيچي بدهشة :
-محجبات ! عثمان بقي بيعرف محجبات ؟!!!
-أه و الله زي ما بقولك كده دخلت معاه قدامي . أنا كمان ماصدقتش نفسي في الأول .. ثم قالت بضحك :
-شكلك عقدتيه يا چيچي و بيطلعه علي البنات كلها حتي المحجبات.
چيچي بفضول :
-ماتعرفيش هي مين ؟؟؟
-لأ ماعرفش . بس ..
چيچي بإستغراب :
-بس إيه ؟!
-مش عارفة لبسها غريب أوووي.
-غريب إزاي يعني !!
تنهدت "نانسي" بحيرة و قالت :
-مش عارفة ! بصي هي حلوة بس باين عليها غلبانة.
-يعني إيه غلبانة ؟!
-غلبانة يعني شكلها مش من مستواه خآاالص.
چيچي بصدمة :
-لأ ماتقوليش ! .. قصدك إنها بنت عادية ؟ فقيرة يعني و كده ؟؟؟
-باينها كده يا چيچي .. ثم عادت لتقول بخبث :
-مش قولتلك شكلك عقدتيه ! أهو مابقاش بيميز و إتسعر علي كل البنات هههههههههه.
چيچي بإبتسامة شماتة :
-بس كده حالته بقت Hopeless case ( ميؤوس منها ) أوووي .. ثم شاركت صديقتها الضحك و قالت بشر :
-عموما بالهنا و الشفا يا عثمان !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في قصر آل"بحيري" ... مرت ثلث ساعة حتي الأن و ما زال "صالح" يباشر ممارسة إحدي التمارين الشاقة مستخدما تلك الآلة الرياضية التي جاءت إلي غرفته بأمر من الطبيب
لم يسمح له الطبيب بأي نوع من الإستراحة نهائيا ، ليس قبل مرور النصف ساعة التي وضعها كحد أقصي ..
-يا دكتووور كفآاااية . مش قآاااادر ! .. قالها "صالح" و هو يهبط و ينهض بجسده مستعينا بالذراعين المرفقين بالآلة المعدنية
الطبيب بعناد :
-قلت لأ . لسا قدامك عشر دقايق علي أول Break.
صالح بغيظ :
-عشر عفاريت يركبوك يابن الـ آا ..
-صـــــالح ! .. قاطعته "صفية" قبل أن يكمل كلمته البذيئة ، و أردفت :
-الدكتور عايز مصلحتك يا حبيبي . كل ما العلاج بقي مستمر و صح هتخف بسرعة.
في هذه اللحظة كان "مراد" يمر قرب الغرفة ، فلمح "صالح" و هو يتريض و ملامحه تشير إلي نفاذ صبره و إمتعاضه ..
-عـآااااااش يا وحش .. هتف "مراد" بمرح و هو يلج إلي الغرفة
نظر له "صالح" بطرف عينه و قال بسأم :
-بلا وحش بلا جحش بقي . سيبني في حالي الله يكرمك.
مراد بضحك :
-إجمد يا أبو الصلوح مش كده . دي حاجة بسيطة يا راجل !
-بسيطة ! .. صاح "صالح" بإستنكار ، و أكمل بسخرية و هو يلهث من الجهد الذي يبذله :
-تعالي ياخويا إتمرن مكاني نص ساعة و بعدين قولي بسيطة.
-ياسيدي ربنا يقويك و يشفيك .. ثم سأل "صفية" :
-صافي ماتعرفيش عثمان فين ؟
صفية و هي تهز رأسها سلبا :
-لا و الله يا مراد ماعرفش !
مراد بتعجب :
-مش عارف أنا أخوكي ده بيغطس فين كل شوية ؟!!
-تلاقيه في الشغل !
مراد بجدية :
-لأ مارحش الشركة . أنا لسا سائل عليه هناك.
-طيب لو عايزه في حاجة مهمة كلمه علي الموبايل.
مراد بإبتسامة تهكمية :
-مابيردش . ما ده بقي يبقي أخوكي . لما يعوز يختفي مابيسبش وراه أثر.
و هنا أعلن الطبيب أخيرا :
-خلاص يا صالح بيه . معاد الـBreak وجب !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
علي رصيف المرسى ... تمشي "سمر" بجانب "عثمان" مطرقة الرأس
تستحي من رفع وجهها الملون ببراعة و بمختلف أنواع آدوات التجميل المفتخرة ، وجهها الذي صار مبهر الجمال لا يتناسب البتة مع ثيابها الرثة ..
يقبض "عثمان" علي يدها اليمني ، بينما تحمل هي في الأخري كيسا قاتم اللون يحوي الجزء الذي تم قصه من شعرها
فقد أصرت أن تلملمه بنفسها و تأخذه معها
جعلها "عثمان" تصعد أولا إلي اليخت و بقي قليلا ليخاطب السائس "ناجي" ..
-الحاجة وصلت يا ناجي ؟ .. تساءل "عثمان" بصوته المخملي ، ليومئ "ناجي" قائلا :
-من بدري يا باشا و أنا أخدت الشنط و حطتها في الأوضة زي ما حضرتك أمرت.
عثمان بإبتسامة :
-شكرا يا ناجي.
-العفو يا عثمان بيه أنا تحت أمرك.
أعطاه "عثمان" بعض النقود كالمرة السابقة و أصرفه ، ثم إتجه إلي اليخت ليلحق بـ"سمر" ..
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
وحدها داخل قاعة المرحاض الملحق بغرفة النوم الفخمة ... تجثو علي ركبتيها فوق الرخام البارد
تبكي بحرقة و هي تفتح ذلك الكيس و تجمع بكلتا قبضتيها بقايا خصلات شعرها المتساقطة ، ثم ترفعهم إلي وجهها الملطخ بالكحل الأسود و الذي راح يمتزج بطبقات مساحيق الزينة السميكة
مسحت وجهها بالخصيلات الفاحمة ببطء و هي لا تزال تذرف دموع القهر بلا إنقطاع
حتي شعرت بظله ينطرح فوقها
رفعت إليه بصرها المشوش ، لتجده يقف فاردا قامته الشامخة ، و يطالعها ببرود متناهي ..
-ليـــــــــــــه ؟ .. تساءلت بصوت مبحوح مجروح ، و تابعت :
-ليه تعمل فيا كده ؟ ليه تخليهم يقصوه ؟ .. حرام عليك !
لوي فمه بإبتسامته الشيطانية ، و رد ببساطة :
-مزاجي طلب كده يا حبيبتي . حبيت أشوفك بالشعر القصير زي ما شفتك بالشعر الطويل . يعني ! .. قلت نغير شوية أحسن أزهق منك و إحنا يدوب لسا ماكملناش شهر مع بعض.
رمقته بنظرات كارهة و الدموع تتراقص بعيناها ، ثم قالت بإنفعال :
-بس إنت مش من حقك تعمل فيا كده .. إحنا ماتفقناش علي حاجات زي كده.
-بفلوسـي ! صاح "عثمان" بخشونة ... ثم أكمل بنعومة :
-إنتي بتاخدي مقابل كل حاجة يا بيبي . و طالما بدفع يبقي من حقي أعمل فيكي إللي يعجبني.
أثار غضبها بكلماته المهينة ، فإصطبغ كل شئ أمامها باللون الأحمر ..
قامت من مكانها و وقفت قبالته مباشرةً و زمجرت :
-قولتلك قبل كده أنا مش جارية عندك و لو حبيت أسيبك هاسيبك مصلحتي معاك خلصت خلاص و مابقتش عايزة منك حاجة.
عثمان بإبتسامة مستفزة :
-بس أنا مش حابب أسيبك يا سمر . لسا ماخدتش منك كل إللي أنا عايزه ده إحنا يدوب كنا مع بعض مرة واحدة !
أعادت "سمر" جملتها التهديدية بغضب أشد :
-لو حبيت أسيبك هاسيبك.
ضحك "عثمان" بسخرية و قال :
-و أنا مش هفارقك بالسهولة دي و فجأة هتلاقي الموضوع إتعرف و أخوكي عرف بجوازنا و مش بس أخوكي المعارف و الجيران و .. و إنتي عارفة بقي . أظن إنتي بتخافي علي سمعتك و سمعة إخواتك ! صح يا بيبي ؟
هزت رأسها و هي تقول بمقت ممزوج بالإزدراء :
-إنت شيطان . و أنا إللي ورطت نفسي معاك . الله يلعن الساعة إللي شوفتك فيها . يا ريتني ما شوفتك يا ريتنـ ..
-خلاص بقي ! .. قاطعها بحزم و هو يغلق فمها بكفه ، و أمسك بيديها الإثنتين و حبسهما في إحدي يديه ، ثم قال بهدوء :
-إنتي إللي مصعبة كل حاجة علي نفسك . قولتلك حاولي تاخدي الأمور ببساطة . أنا دايما بحاول أكون لطيف معاكي . بس كالعادة إنتي إللي بتستفزيني.
تقلصت معدتها و إمتلأت عيناها بالدموع أكثر و هي تنظر إلي عينيه الثاقبتين
تنهد "عثمان" و يده التي كانت علي فمها إنخفضت إلي ذقنها ..
-إحنا جايين ننبسط سوا يا سمر . حاولي تنسي وضعنا شوية و فكري في نفسك . صدقيني و سيبيلي نفسك خالص .. مش هخليكي تنسي وضعنا و بس . هخليكي تنسي إسمك كمان.
سمر بلهجة مفعمة بالنفور :
-أنا بكرهك !
عثمان و قد عادت البسمة الشيطانية تزين ثغره :
-خلاص بقي . أنا كده عملت إللي عليا و إنتي إللي دماغك ناشفة.
دفعها إلي الحائط و إمتدت يداه كقبضتين من الحديد و أطبقتا علي معصميها و رفعتهما إلي مافوق رأسها ..
أشاحت بوجهها عن وجهه حين إقترب منها إلي حد الإلتصاق ، بينما تمتم و فمه يحتك بأذنها :
-بوظتي مكياچك بالدموع دي يا بيبي . بس عارفة ؟ إنتي أساسا حلوة منغير كل ده .. و أكمل و شفتاه تداعبان عنقها في كل إتجاه :
-في مفاجأة عشانك برا . إنتي أكيد ماخدتيش بالك منها لما دخلتي الأوضة .. تعالي نشوفها مع بعض !
سمر بصوت مهزوز :
-مش عايزة منك حاجة.
رفع "عثمان" رأسه و نظر لها ..
-بطلي كآبة بقي .. غمغم بضيق ، و تابع بحزم :
-إغسلي وشك يلا و حصليني علي برا . مستنيكي ماتتأخريش !
يتبـــــع ...
رواية عزلاء أمام سطوة ماله ج ١.....للكاتبه الرائعه مريم غريب الفصل العشرون 20 - بقلم Shaimaa Gonna
تخرج "سمر" من المرحاض بعد أن قامت بغسل وجهها و قد نجحت في إزالة آثار البكاء عنه ... لكنها لم تستطع أبدا طرد شعور البؤس و المرارة المهيمن عليها
كان "عثمان" يقف أمام الخزانة و قد أعطاها ظهره ، بينما صدر عن حذائها أصوات أنبأته بحضورها
إستدار لها باسما ..
-خلصتي أخيرا يا حبيبتي ؟ تعالي . تعالي أوريكي حاجة !
مشت "سمر" صوبه بخطوات وئيدة ، في حين مد "عثمان" يده داخل الخزانة و إلتفت إليها بعد لحظات و هو يحمل علبة كبيرة مغطاة بالمخمل الأسود ..
-أولا أنا بعتذر إن حاجة زي دي جت متأخر ! .. قالها "عثمان" بإبتسامته الجذابة الآسرة ، و تابع :
-دي هدية مني ليكي . كان المفروض أقدمهالك أول ما جينا هنا المرة إللي فاتت . لكن للآسف نسيت . طول ما أنا معاكي بنسي كل حاجة يا سمر . و ده إللي عاجبني في علاقتنا.
إبتسمت بإستهزاء ، فتنهد "عثمان" بضيق و فتح العلبة ليخرج عقدا من الماس المرصع باللؤلؤ و الزمرد ذا بريق يخطف الأبصار ، مع قرطين مماثلين و خاتم و سوار ..
-الطقم عليه توقيع Damas ! .. تمتم "عثمان" بتفاخر و أردف :
-كل قطعة منه نادرة ماتلاقيهاش بسهولة لا هنا و لا حتي في البلد إللي إتصنع فيها . دفعت فيه مبلغ كبير جدا .. بس مش خسارة فيكي.
سمر بإزدراء شديد :
-قولتلك مش عايزة منك حاجة.
رد "عثمان" بصوت هادئ عميق :
-هديتي ماينفعش تترد يا بيبي . و بعدين إنتي مش فاهمة . الطقم كأنه معمول عشانك . تعالي نجربه عليكي عشان تتأكدي بنفسك !
لامست أصابعه الدافئة رقبتها و هو يضع لها العقد ثم يعلق القرطين بأذنيها ، بعد ذلك جرها إلي المرآة كي يريها المجوهرات التي زينت صدرها و أذنيها ..
لم تكن "سمر" تتخيل أن يستطيع رجل ما أن يقودها كما يفعل هذا الرجل الآن ... زوجها الذي لا تعرف إذا كان زواجهما حق يعترف به أم باطل !!!
-إنتي جميلة أووي يا سمر .. همس "عثمان" من بين لفائف شعرها ، و أكمل و هو ينظر إلي إنعاكسها بالمرآة :
-أجمل من كل المجوهرات إللي في الدنيا دي . كنت فاكر إن هديتي هتزود جمالك .. لكن العكس إللي حصل . جمالك هو إللي كسب.
أبعدت "سمر" يده عن عنقها ببطء و قالت بإرتباك :
-شـ شكرا . بس أنا مش هينفع أقبل الهدية دي.
عثمان بحنق :
-ليه مش هينفع ؟
إلتفتت "سمر" له و أجابت بتوتر :
-عشان هي غالية زي ما إنت قلت و لو حد شافها عليا الموضوع ممكن يتكشف.
تآفف "عثمان" بنفاذ صبر ، ثم قال بحدة و هو يضع يديه علي كتفيها :
-الهدية مش هترجع سامعة ؟ هتاخديها و مايهمنيش لو حد شافها عليكي . في مليون حجة ممكن تخلقيها.
كادت "سمر" أن تجادله فقاطعها بصرامة :
-خلآااص إنتهي .. و أكمل بلطف مفاجئ :
-خلاص بقي عشان تشوفي المفاجأة التانية !
و أشار لها بإصبعه نحو ركن منفرد بأخر الغرفة ، لتري "سمر عشرات العلب البيضاء الكبيرة مطبوعة عليها العلامات التجارية باللون الذهبي و شريط بنفس اللون أيضا علي كلا منها ..
-أنا ماعرفش مقاسك في اللبس ! .. قالها "عثمان" بجدية و هو يحك طرف ذقنه بأنامله ، و تابع :
-بس إنتي جسمك قريب من جسم صافي أختي فإعتمدت علي كده و دخلت عملتلك Shopping من علي النت . إخترتلك حاجات هتعجبك أوي و كمان مانستش الجزم طبعا بعد ما شوفت مقاس جزمتك المرة إللي فاتت طلبت الـOrder كله علطول.
سمر بشئ من الحدة :
-بس أنا محجبة.
عثمان بسخرية :
-طب ما أنا عارف إنتي جبتي جديد يعني ؟ .. و لما أدرك قصدها صاح :
-آااااه فهمتك . ماتقلقيش كل الهدوم خاصة بالمحجبات أكيد حاجة زي دي مش هتفوتني و أكيد مانستش إنك محجبة يعني .. ثم مد وجهه للأمام و قال بخبث :
-بس في حاجات تانية مش تبع المحجبات خآاالص إشترتهالك بردو !
أجفلت "سمر" بتوتر ، فضحك و سحبها من يدها في إتجاه السرير ، حيث ربضت حقيبة عملاقة أشبه بحقائب السفر ..
-الشنطة دي بقي فيها هدوم عشاني أنا ! .. قالها "عثمان" مبتسما بمكر ، ثم أكمل و هو يلمس شفتها السفلي بإصبعه :
-الشنطة دي الوحيدة إللي هتفضل هنا . ما إللي جواها ماينفعش تلبسيه في مكان تاني . ماينفعش حد يشوفك لابسة كده .. غيري !
إنتفضت "سمر" و إبعدت نفسها عنه و هي تقول بحدة :
-أنا أصلا مش عايزة أي حاجة . مش هاخد الحاجات دي.
عثمان بثقة :
-هتاخديهم يا حبيبتي . أنا محدش يقولي لأ.
سمر بتحد سافر :
-طب أنا بقولك لأ . و مش هاخد حاجة.
قهقه "عثمان" عاليا و قال :
-يا جآااامد . أحب الجرأة بردو .. طيب هنحل المشكلة دي بعدين بس دلوقتي تعالي نتغدا سوا أحسن أنا جوعت خالص و الأكل كمان زمانه برد برا زي المرة إللي فاتت . تعالي يلا !
و مد لها يده ..
ترددت "سمر" للحظات ، ثم أعطته يدها ... فسحبها بقوة و ضمها إلي صدره بلطف مدمدما :
-يومين يا سمر . هتكوني فيهم ملكي لوحدي تمآااااماً !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
الثانية ظهرا ... عند كلية { الفنون الجميلة }
تقف "هالة" وحدها حائرة ، لا تعرف أين تتوجه بالضبط
و فجأة تشعر بشخص ينقر بخفة علي كتفها ، فإلتفتت بسرعة ..
-مراد ! .. هتفت "هالة" بإستغراب و هي تري "مراد" يقف أمامها و هنا في هذا المكان
مراد بإبتسامة :
-إزيك يا هالة ؟
هالة بحذر :
-الحمدلله . إنت بتعمل إيه هنا ؟!
-أنا جاي عشانك.
هالة بدهشة :
-جاي عشاني !!
-أيووه . ما أنا أصلي كنت جمب أنكل رفعت لما كلمتيه و قولتيله إنك محتاسة هنا و مش عارفة تعملي حاجة فهو بقي كلفني بالمهمة دي.
-مهمة إيه ؟
-مهمة البحث معاكي. إنتي مش كنتي جاية تدوري علي الكتب و الجداول بتاعتك ؟
-أيوه !
مراد بإبتسامة عريضة :
-أنا بقي جاي عشان أكون المرشد بتاعك.
هالة بتفهم :
-ممم . طيب إنت هتعرف يعني ؟ قصدي إنت عارف الكلية هنا عارف هنروح فين ؟ أصلها كبيرة أووي !
مراد بغرور زائف :
-يابنتي أنا بعون الله جن أعرف كل حاجة و بالذات إسكندرية أعرفها شبر شبر.
هالة بإبتسامة ساخرة :
-طيب أما نشوف . وديني بقي دلوقتي مكتب الشئون.
حمحم "مراد" بتوتر و قال :
-أوك هوديكي . بس تعالي نسأل البنت إللي هناك دي شكلها دارسة الكلية كويس.
هالة بضحك :
-و إنت عرفت منين ؟؟
مراد بحذاقة :
-إيه إللي عرفت منين ! ده أنا ليا نظرة ثاقبة بعرف بيها إللي قدامي علطول.
ضحكت "هالة" منه أكثر ، ليبتسم "مراد" لرؤيتها هكذا و يقول :
-طب ما إنتي حلوة أهو يا هالة . أومال كنتي مكتئبة ليه اليومين إللي فاتوا ؟؟
تجهمت "هالة" فجأة ، فأجفل "مراد" قائلا :
-أنا آسف . ماكنش قصدي ..
تنفست "هالة" بعمق ، ثم قالت بإبتسامة هادئة :
-و لا يهمك يا مراد . ممكن بقي نروح نشوف إللي ورانا ؟!
مراد بخجل :
-لما إتأكد إنك مش زعلانة الأول !
هالة بلطف :
-و أنا هزعل ليه ؟ إنت ماقولتش حاجة تزعل أنا فعلا كنت مكتئبة شوية . إنت عارف بقي الدنيا بقالها فترة ملخبطة معانا . حادثة صالح و تعبه و سفرنا من باريس لهنا و الجامعة حاجات كتيييير مش مترتبة.
تنهد "مراد" براحة و قال :
-تمام . طيب يلا بينا بقي ياستي نشوفلك الكتب و الجداول !
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في منزل الجارة "زينـــــب" ... يلج "صابر" إلي الشقة
فيجد زوجته تجلس بالصالة و علي فخذيها ترقد "ملك" مستسلمة للنوم ..
-إيه ده يا وليـه ! تآااني ؟ تاني المفعوصة دي مقعداها عندنا ؟ أنا مش قلت ماتجيش هنا تاني ؟؟؟
هكذا ملأ "صابر" البيت صياحا ، لترد زوجته بحدة و هي تحافظ علي نبرة صوتها المنخفضة :
-وطي صوتك يا راجل البت هتصحي !
صابر بإنفعال :
-ما تصحي و لا تتأندل . مش كفاية مخلياني سايب لأخواتها الشقة بالغصب كمان جايبهالي شقتي و مقعداها في وشي !!
و هنا تململت الطفلة بقلق ، فأسرعت "زينب" و ربتت عليها بحنو حتي إستكانت مرة أخري
قامت و مددتها علي الآريكة ، ثم توجهت صوب زوجها و زمجرت :
-إتهد شوية يا صابر و إنكتم . أوعاك تكون فاكرني نايمة علي وداني و ماعرفش إن عينك كانت من سمر . أنا عارفة كل حاجة ياخويا بس بسكت بمزاجي و كمان حبيت أسيبك تجرب و كنت بتمني تروح تقولها عشان تفضحك وسط الحتة و أخوها كان عملها و جاب أجلك.
جحظت عيناه بصدمة لمعرفة زوجته بهذا الأمر ، فقد كان سر لم يبوح به لأي مخلوق ..
صابر بحدة ممزوجة بالإرتباك :
-آاا آ إنتي إتخبلتي في نفوخك يا وليه ؟ سمر إيه دي إللي هبوصلهـ آا ..
-قولتلك إنكتم يا صابر ! .. قاطعته "زينب" بصرامة ، و تابعت :
-أنا واخدة بالي من كل حاجة . و لعلمك أنا غصبت عليك تسيب البت هي إخواتها في البيت عشان أنا واثقة فيها . واثقة من تربيتها و أخلاقها لكن إنت ماعنديش ذرة ثقة فيك.
صابر بإستهجان :
-ماشي ياختي . عموما أنا هسيبك تطمعيهم فيكي بزيادة . بشوقك ما الملك ملكك . البيت بتاعك و الضرر كله هينعاد عليكي.
-عليك نووووووور . أديك قولتها أهو . الملك ملكي . يعني أخرج منها إنت يا صابر و مالكش دعوة بالناس إللي بدخلهم بيتي.
صابر بغيظ :
-ماشي يا زينب . علي راحتك خآاالص .. ثم سألها و هو ينظر نحو "ملك" بضيق :
-طيب و بسلامتها قاعدة عندنا لحد إمتي ؟
زينب بنفاذ صبر :
-لحد ما أختها ترجع.
صابر و هو يقلدها بتهكم :
-و أختها راجعة إمتي ؟
زينب بجدية :
-هي لسا قافلة معايا و قالتلي هتغيب يومين.
صابر بدهشة :
-هتغيب يومين فين يا وليه ؟!
-عند واحدة صاحبتها في الشغل تعبت فجأة و هتروح تقعد معاها في بيتها عشان تاخد بالها منها أصلها وحدانية و مالهاش حد.
صابر بضحكة ساخرة :
-صاحبتها بردو يا زينب ؟
زينب بتعجب :
-في إيه يا راجل مالك ؟!
صابر بحنق شديد :
-ماليش ياختي . الحكاية و ما فيها بس إن الهانم الكبيرة أخت الهانم الصغيرة سايبالك الجمل بما حمل و دايرة علي حل شعرها و الغضنفر أخوها سافر و لا علي باله إحنا بس إللي قاعدين شايلين الطين هنا.
زينب بغضب :
-لم لسانك يا صابر الكلام ده ماينفعش و حرام.
صابر و هو يشيح بيده في حركة عصبية :
-بلا حرام بلا حلال بقي . إنتي براحتك إعملي إللي إنتي عايزاه.
و مشي من أمامها ..
بينما ظلت هي بمكانها تفكر في كلماته و إشارات الإستفهام تملأ رأسها ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في يخت "عثمان البحيـري" ... بناءً علي رغبته ، قامت "سمر" بإعداد وجبة العشاء و إنتهت من تحضير الطاولة
ليصر عليها بعد ذلك بأن تدخل إلي الغرفة و تبدل ملابسها و ترتدي شيئا من تلك الحقيبة السرية ..
رفضت طلبه لكنه لم يسمح لها بالإعتراض مرة أخري و أجبرها ، حيث أخذ يزجها زجا نحو الغرفة و قد أعطاها مهلة لا تقل عن عشرة دقائق لتكون جاهزة و إلا سيدخل هو و يفعلها بنفسها
سارت "سمر" متعثرة صوب الحقيبة المفخخة ، خالت و كأنها ستنفجر بوجهها في أي لحظة !
كانت فيها حقيبة آدوات زينة صغيرة ، و كانت فيها الكثير من قطع الملابس الوردية ..
إستبدت الصدمة بـ"سمر" و هي تبحث بين كدسات الثياب المرتبة بعناية ، كانت هناك كمية فظيعة من المخرمات و التـُل الشفاف و الساتان اللامع بين يديها
كلها ملابس داخلية ... داخلية جدا ، عليها بطاقات فرنسية
لا يوجد بينهم شئ محتشم علي الإطلاق ، هل يمكن أن ترتدي ذلك حقا ؟ .. لا مستحيل !!
في هذه اللحظة سمعت طرق علي باب الغرفة ثم سمعت صوته ينذرها يتحذير :
-هآاا يا بيبي ! خلصتي و لا لسا ؟؟؟
سمر بإرتباك :
-لـ لسا !
-مش محتاجة مساعدة ؟!
سمر بإسراع :
-لأ شكرا.
بدا صوته نافذ الصبر و هو يقول :
-أووك . يلا بقي إطلعي بسرعة . مش قادر أصبر أكتر من كده !
و سمعت صوت خطواته تبتعد قليلا عن الغرفة ..
إزدردت ريقها بتوتر و هي تعيد نظراتها إلي محتويات الحقيبة ثانيةً
أخذت تقلب الثياب محاولة إيجاد شئ مناسب ، محتشم و لو قليلا ... و لكن دون فائدة !!!
إستقرت في الأخير علي هذا الثوب ..
وقفت أمام المرآة لتراه بعد أن لبسته
ناعم بلون النبيذ ، من التـُل الشفاف بطول الكاحل و بحمالتين رفعيتين ، له فتحة تصل لمنتصف الصدر و فتحة أخري مثلثية تكشف عن ظهرها كله
إرتدت أسفله ألبستها الداخلية لتتداري مناطقها ..
-يا نهار إسود ! .. تمتمت "سمر" بذعر و هي ترتجف كعصفور مبتل
-معقول يشوفني بالشكل ده ؟ .. لأ . إيه إللي أنا فيه ده ؟ أي حاجة يقولها لازم أنفذها ؟ .. ما هو إشتراني بقي . أفتح بؤي ليه و أقول لأ !!
-كل ده بتعملي إيه ؟؟؟ .. صاح "عثمان" و هو يقتحم الغرفة فجأة
شهقت "سمر" بفزع و إلتفتت له ، بينما تسمر بمكانه يحدجها بنظرات جريئة ..
نظرات جائعة ، مشتعلة .. إرتعدت "سمر" و هي تتلفت حولها باحثة عن أي شئ تسطر به نفسها
وقعت عيناها علي الروب الحريري الأبيض فإنطلقت لتأخذه من فوق الفراش ، لكنه سبقها و قبض علي رسغيها ..
-بتعملي إيه ؟ .. قالها "عثمان" بصوت هامس ، ثم لف ذراعه حول خصرها و شدها لتلتصق به
سمر و قد زادت رجفتها و أثرت علي صوتها :
-الهدوم دي ماتنفعش خالص . أنا مش متعودة عليها !
عثمان بلهجة مستثارة و هو يقبل أسفل خدها ثم عنقها :
-بسيطة . إتعودي يا حبيبتي .. إنتي مش متخيلة منظرك . يجنن إزاي ؟!
عرفت أن الآن لا مفر منه ، عندما ينظر إليها بهذه الطريقة ، عندما يتصرف علي هذا النحو ، فهو قد فقد السيطرة علي نفسه تماما ..
إستسلمت لمصيرها كالعادة ، توقفت عن الحركة ، و أغمضت عيناها بشدة لكي لا تراه أبدا
في اللحظة التالية شعرت بشفتاه تلتقيان بشفتاها بنهم لا يخلو من العنف ..
شعرت أيضا بغضبه عندما لاحظ برودها ، بينما أمسك بمؤخرة رأسها بإحدي يديه و أمسك كتفيها بالثانية و إستمرت مداعباته في سعي يائس لإيقاظ أحاسيسها
و لكن دون جدوي ، لوح جليد غير قابل للذوبان في مواجهة ألسنة لهب حارقة ..
-إنتي مـــالك ؟ .. غمغم "عثمان" بغيظ ، ففتحت "سمر" عيناها و نظرت إليه
سمر بدهشة و أنفاسها تتلاحق بشدة و كأنها فرغت من سباق طويل للتو :
-مش فاهمة !!
عثمان بحنق :
-متخشبة كده ليه ؟ فكي نفسك شوية . محسساني إني غاصبك !
سمر بحيرة و إرتباك شديدين :
-أعمل إيه يعني ؟!
عثمان بنفاذ صبر :
-إعملي زيي.
و هم بالإقتراب منها مجددا ، لكنها أشاحت بوجهها تلقائيا ، فبرزت أوردته و هدر بغضب و هو يهزها بعنف :
-إنتي كده بتزهقيني . المرة إللي فاتت كان ليكي عذر عشان كانت أول مرة . لكن المرة دي لازم تظبطي نفسك . أنا بعملك كل إللي إنتي عايزاه و لو طلبتي حاجة أنا مستعد أنفذهالك من واجبك بقي إنك تريحيني و تسمعي كلامي . فكك من جو الضحية ده ماتعشيش الدور و كفاية كده.
سمر و قد إنتقلت لها عدوى غضبه :
-إنت ماتكلمنيش بالإسلوب ده . أنا عملتلك إيه ؟ و بعدين ما أنا قدامك أهو . شفتني فتحت بؤي و لا قولتلك حاجة ؟!
ضغط علي فكيه بقوة و قال :
-سمر . إنتي هنا عشاني . عشان أنا أكون مبسوط . لما تعكريلي مزاجي بقي هزعل . و قولتلك زعلي وحش !
-طيب و تزعل ليه أصلا ؟ خلينا نسيب بعض أحسن و محدش فينا يزعل من التاني.
عثمان بإستهزاء :
-أسيبك بسهولة كده ؟ إنتي ليه يا حبيبتي مش عايزة تصدقي إنك عجباني و عجباني أووي كمان . أنا بضمنلك إنك هتفضلي معايا فترة طويلة جدا .. ماتقلقيش مش هسيبك . ده أنا بعدت أخوكي مخصوص عشان الجو يروقلنا و ماتفضليش كل شوية متكدرة و خايفة منه.
سمر بصدمة :
-بعدت أخويا ؟!!
إبتسم "عثمان" تلك الإبتسامة الشيطانية و أجاب :
-أه . ما أنا عملت تحرياتي عنك و عن أخوكي من فترة و عرفت عنكوا كل حاجة . و دكتور أدهم . أنا إللي بعته و أنا إللي أمرته يشغل أخوكي في شركته و يسفره البحر الأحمر في أخر الدنيا عشان تفضيلي خالص و نبقي مع بعض مدة أكبر .. شوفتي بقي أنا بحبك أد إيه ؟
تجمدت نظراتها المعلقة بعيناه و دموعها راحت تنهمر في صمت ... و فجأة تخلصت من ذراعيه لا تدري كيف ، و لكنها خرجت من الغرفة و أسرعت بجنون إلي الخارج ..
أرادت أن تهرب منه إلي مكان ، أي مكان لا يستطيع فيه الوصول إليها
وجدت نفسها وسط الهواء الطلق علي سطح اليخت ، السياج المعدنية شكلت حاجز منيعا يسد منافذ الهرب أمامها ..
ألقت نظرة مذعورة خلفها ، لتجده يسرع في خطاه ليصل إليها و في ضوء الليل الحالك بدا وجهه شيطانيا مخيفا
إبتلعت ريقها بصعوبة ، يائس غريب دفعها للفرار منه ، فأسدلت الستار علي عقلها و إعتلت السياج و ألقت بنفسها في ماء البحر ..
و فجأة كانت بين الأمواج المرتفعة ، تطلق صرخة قبل أن تشعر بموجة هائلة تغطيها و تسحبها إلي القاع
منتصف فصل الشتاء و في أجواء الساحل كــــــــــارثة !
أصابتها برودة الماء بصدمة بدأت تفقدها الوعي أكثر من ذلك القدر الذي ملأ رئتيها حد الإختناق
لكن صوتا هادرا شوشته مويجات البحر قليلا سمعته يتردد في أذنيها :
-ســـــمـــــــــــــــــــــر . ســـــمـــــــــــــــــــــر . ســـــمـــــــــــــــــــــر !!!
و عندما فتحت عيناها فيما بعد ، رأت المياه و هي تتساقط من شعره الداكن علي وجهها ..
-إنتي مجنونة صح ؟ .. قالها "عثمان" لاهثا و أنفاسه تصفق وجهها بقوة ، ثم أكمل و هو يدفن وجهه في عنقها :
-كنتي هتموتينا إحنا الإتنين . أعمل فيكي إيه دلوقتي ؟؟!!
سعلت "سمر" قليلا و قد أفرغت كل المياه من رئيتها بمساعدة "عثمان" ... بينما قام هو و حملها إلي الداخل ، لترتجف بين ذراعيه و أسنانها تصطك بقوة ..
ولج بها إلي الحجرة و وضعها في الفراش ، ثم ركع أمامها منقطع الإنفاس ..
عثمان بصوت مبحوح و هو يرتعش بدوره :
-دي أول القصيدة كُفر يا سمر . الليلة باظت !
.................................................................
في قصر آل"بحيري" ... تجر "فريال" عربة الطعام في إتجاه السرير ، ثم تجلس علي الحافة بجانب "يحيى"
تميل نحوه و تهمس و شفتاها تحتك بأذنه :
-يحيى . حبيبي .. يحيــــي . يلا بقي قوم بقينا الضهر .. قوم جبتلك الفطار لحد هنا !
يتململ "يحيى" محاربا نعاسه ، ثم يفتح عيناه بتثاقل ..
-إحنا صباحنا أبيض و لا إيه ؟ .. قالها "يحيى" بإبتسامة و هو يقوم و يتكئ علي مرفقه
فريال و هي ترد له الإبتسامة :
-صباح الفل يا حبيبي . يلا قوم عشان تفطر.
يحيى بدهشة و هو ينظر إلي صحون الطعام :
-كمان جايبالي الفطار لحد السرير !
فريال بإبتسامة رقيقة :
-طبعا يا قلبي هو أنا عندي أغلي منك ؟!
يشدها "يحيى" صوبه و يطبع قبلة خفيفة علي شفتها ، ثم يقول :
-ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي . طيب يادوب بقي أفطر بسرعة و أقوم ألبس عشان أروح أبص بصة علي الشركة من يوم ما رجعت من السفر ماعتبتهاش.
فريال بإستنكار :
-شركة إيه يا حبيبي ؟ قولتلك مافيش نزول من هنا.
يحيى بضيق :
-يا فريال مش كده . فكي الحصار ده من عليا أبوس إيدك أنا من ساعة ما وصلت ماخرجتش برا الأوضة كده الشغل هيتعطل و بيتنا هيتخرب.
فريال بإستياء شديد :
-بقي كده يا يحيى ! يعني قصدك إني حبساك غصب عنك ؟ طيب . ماشي . قوم بقي أعمل إللي إنت عايزه.
و كادت أن تقوم من جانبه ، ليقبض علي رسغها بقوة و يرجعها إلي مكانها و هو يقول بلطف ممزوج بالإرتباك :
-حبيبتي يا ريري إنتي زعلتي ؟ أنا ماقصدش أزعلك يا حبيبتي !
فريال بإقتضاب :
-خلاص يا يحيى قولتلك قوم أعمل إللي إنت عايزه أنا مش هقرب منك و لا هضايقك تاني.
يحيى بإسراع و هو يقترب منها ليضمها إلي صدره :
-لأ . أنا مش قصدي أزعلك و الله . يا حبيبتي أنا بضحك معاكي يعني أنا هبقي عايز أخرج في حتة و أسيبك بردو ؟ بس إنتي عارفة إني غايب بقالي فترة و أكيد ورايا شغل متلتل.
تنهدت "فريال" و قالت بهدوء :
-أوك . خلاص يا يحيى.
يحيى بحذر :
-خلاص إيه ؟!
-خلاص مش زعلانة منك.
يحيى و هو يداعب خصلات شعرها :
-و أنا أصلا مقدرش علي زعل حبيبتي . طيب إنتي عارفة بقي إني عاملك مفاجأة ؟
برقت عيناها بحماسة ، فإبتعدت عنه قليلا لتسأله بتلهف :
-مفاجأة إيه يا يحيى مفاجأة إيه ؟؟؟
يحيى بإبتسامة :
-عايزاني أقولك عليها دلوقتي ؟ كده مش هتبقي مفاجأة !
فريال و قد تلاشت إبتسامتها لتقول بغنج و دلال و هي تطوق عنقه بذراعيها :
-أخس عليك يعني هتسيب عقلي يودي و يجيب مع نفسه كده ؟ قول بقي أحسن هزعل منك بجد.
-لأ لأ خلاص هقولك .. صمت قصير ، ثم أعلن "يحيى" :
-الآتيليه إللي كان نفسك فيه !
شهقت "فريال" بعدم تصديق ، ليضحك "يحيى" ثم يمد يده و يفتح درج الطاولة بجانبه ليخرج مفتاحا ذهبيا و يلوح به أمام عينيها المدهوشتين ..
-و أدي المفتاح يا ستي .. قالها "يحيى" بإبتسامة ، و أكمل و هو يربت علي خدها بلطف :
-أكبر آتيليه في إسكندرية كلها عشان فريال هانم . هو أينعم لسا مش جاهز فاضله شوية رتوش كده . بس إنتي كنتي فاكراني نسيت ؟ ده حلمك من زمان . مستحيل أنساه . بس كنت مستني الوقت المناسب عشان أنفذهولك علي أرض الواقع . حاجة مدهشة يا حبيبتي تليق بيكي فعلا.
تراقصت دموع الفرح بعيناها ، فقطعت المسافة القصيرة بينهما و إحتضتنه بشدة ..
فريال بإمتنان و سعادة :
-شكراا . شكرا بجد . إنت أحلي حاجة حصلتلي في حياتي كلها . بحــبــــــــــــــــــــــــــــك يا يحيى . ربنا مايحرمني منك أبدا أبدا أبدا.
يحيى بحب :
-و لا يحرمني منك إنتي كمان يا حبيبتي.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في يخت "عثمان البحيري" ... تستيقظ "سمر" في ساعة متأخرة من النهار و لكنها لا تجد "عثمان" بالجناح كله
لم تبالي بهذا فمن المؤكد أنه قريب منها ، لعله ذهب ليتفقد شيئا ما أو ليتنزه قليلا علي متن يخته الفخم الرائع بعد أن خاب أمله في الليلة الماضية ..
قامت "سمر" من السرير و هي تشعر بدوار شديد
وضعت كفها علي جبتها لتفزعها حرارتها المرتفعة ، بالطبع لابد من هذا
مياه البحر كانت قاسية كالرصاص ، لتدعو الله بألا تصاب بوعكة ثقيلة تجبرها علي المكوث بالفراش لفترة ..
و أخيرا قررت أن تستحم
لعل الماء الفاتر ينعشها و يفصلها قليلا عن الواقع بأفكاره المؤرقة ..
ملأت المغطس ، و وضعت فيه كمية من صابون الحمام الوردي اللون ، ثم إنزلقت بجسدها حتي وصلت الرغوة و الفقاقيع إلي طرف ذقنها
و هنا حاولت أن تريح جسدها و أعصابها
و لكنه كالعادة يحول بينها و بين أي نوع من الإسترخاء و راحة البال ..
-سـمــر ! .. إنتي فين ؟ إنتي في الحمام يا حبيبتي ؟ .. هكذا سمعته ينادي عليها من الخارج بصوت ملحا و مرحا في آن
قامت من مكانها فجأة ، أرادت أن تسرع إلي باب الحمام و توصده
لكنها سمعت صوت خطواته تقترب كثيرا ، فعادت لتخفي جسدها في الماء ..
-مابترديش عليا ليه يا حبيبتي ؟! .. و مع الصوت ظهر "عثمان" عند عتبة الباب
-هو القمر بيطلع الصبح و لا إيه ؟ .. قالها "عثمان" و هو يبتسم بشدة ، و تابع و هو يمشي ناحيتها :
-إيه الجمال و الحلاوة دي يا سمر ؟ ماكنتش أعرف إن شكلك بيبقي حلو أوي كده و إنتي بتاخدي شاور !
تخضبت وجنتاها بالدم ، و قالت بإرتباك :
-شوية و هخلص . لو محتاج الحمام إستني برا دقيقتين بس و هطلع.
عثمان بإبتسامة :
-خدي راحتك يا حبيبتي أنا مش محتاج أي حاجة .. حاليا بس !
تجاهلت جملته الإيحائية الأخيرة ، و قالت :
-شكلك كويس !
عثمان بإستغراب :
-شكلي كويس إزاي يعني ؟!
-يعني . كنت فكراك أخدت برد بسبب إللي حصل إمبارح . أصلي حاسة إني داخلة علي دور برد !
ضحك "عثمان" و قال :
-إنتي شكلك بتؤري عليا يا سمر . عموما ماتقلقيش أنا صحتي زي الفل مابتآثرش بأي حاجة رغم أن ڤولتك كان عالي أوي إمبارح و فجأة إتجننتي و بوظتي الليلة إللي كنت راسم عليها . كل ده عشان قولتلك إن أنا إللي سفرت أخوكي ؟
سمر و قد إنتابها الغضب مجددا :
-من فضلك ماتجبليش السيرة دي تاني . مش كل شوية لازم تخليني إتأكد إنك إنسان جبار و مش سهل.
عثمان و هو يضحك بقوة :
-جبار ! مش للدرجة دي يا سمر أنا بردو غلبان و عندي نقط ضعف و الله.
سمر بسخرية :
-إنت عندك نقط ضعف ؟
عثمان بتفكير :
-في الحقيقة هما مش نقط .. هما نقطتين !
رمقته بغرابة ، فضحك و هبط بجسده جالسا أمامها علي حافة المغطس ..
-أول نقطة الهوس بالجمال .. قالها "عثمان" و هو يتأمل وجهها و كتفيها العاريين ، و أكمل :
-بضعف جدا قدام الجمال . من صغري و أنا كده . كنت لما أشوف أي واحدة جميلة أروح علطول أقولها إنتي جميلة .. أنا بعرف أقدر الجمال كويس أوي يا سمر.
أجفلت بتوتر ، ليضيف بصوت ناعم :
-النقطة التانية بقي . أمي .. بحب أمي أووي . تقدري تقولي إنها الست الوحيدة إللي ممكن تكون جوا قلبي . تعرفي إنك بتفكريني بيها ؟ حقيقي . و عنيها ملونة زيك !
و إزداد معدل الشغف في نظراته و هو يتأملها أكثر ، بينما إنزلقت أكثر في الماء كي تخفي جسدها من عينيه و هي تشعر بالخجل الشديد ..
-ممكن تطلع برا دلوقتي ؟ .. قالتها "سمر" بتوتر و وجهها يشع نارا ، ليضحك "عثمان" بمرح و يرد :
-ليه كده بس يا بيبي ؟ عايزاني أطلع برا ليه ؟ ده بدل ما تعزمي عليا و توسعيلي مكان جنبك ؟ ده أنتي طلعتي بخيلة أوي . مع إني صحيت قبلك و حضرتلك الفطار بنفسي برا . يعني لحد دلوقتي أنا أحسن منك و كريم جدا معاكي.
و رمقها بنظرات خبيثة ، فإنفعلت رغما عنها لسوء أخلاقه معها ، و صرخت فيه :
-قولتلك ميت مرة مابحبش الطريقة دي و قولتلك بردو ماتكلمنيش بالإسلوب ده . إنت مش جايبني من الشارع . بطل قلة أدب !
-أنا قليل الأدب ؟ .. سألها بهدوء شديد و هو يشير بأصبعه إلي نفسه ، ثم إبتسم تلك الإبتسامة الشيطانية و قال :
-طب أنا هوريكي قلة الأدب علي أصولها !
و مد يده داخل المغطس ، ليخرج بعد لحظات بالسدادة المطاطية
إتسعت عيناها بذعر عندما لاحظت منسوب المياه يقل ، و جسدها علي وشك أن يُـكشف له ..
تخشبت بمكانها غير مصدقة و إرتجف فمها بقوة ، عجزت عن التصرف ، لا تدري ماذا تفعل ، و هل يحق لها أن تفعل ؟ أو أن تعترض حتي ؟ .. هي ملكه طالما يروق له ذلك !!
إنهمرت الدموع من عيناها حين إختفت المياه تماما و بقت بعض الفقافيع الخفيفة تداري القليل من أجزاء جسدها
ظلت ترتجف فقط كورقة خريف آيلة للسقوط ، البرودة شديدة بالإضافة لشعور الذل و المهانة ، كمية مشاعر كثيرة متضاربة أخرستها و أخضعتها أمامه في هذه اللحظة ..
-يانهآاار أبيض ! ليه ده كله يا حبيبتي ؟ .. قالها "عثمان" بدهشة حقيقية ، و تابع بخبث :
-زعلانة أوووي كده ليه ؟ ما أنا شوفت كل حاجة قبل كده !
لم ترد و أطبقت جفناها بشدة ، لا تريد رؤيته
لكنها سمعته يواصل كلامه بحدة مصطنعة :
-و عموما إنتي تستاهلي أصلا . علي الليلة إللي ضربتيهالي إمبارح . دلوقتي لازم أخد تاري منك بقي.
و شعرت به و هو يحملها من مكانها ، ثم يقول بلهجة مفعمة بالحماسة الملتهبة :
-تعالي يا حبيبتي . الدنيا برد هنا عليكي . أوضتنا أدفى !
و أخذها إلي الغرفة بسرعة ، و هو يعتزم بجدية تامة تعويض أحداث الليلة الفائتة ...
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في مكان أخر ... تحديدا في شقة راقية بحي شرق الإسكندرية
تتمدد "چيچي" علي هذا السرير الواسع بجوار خطيبها ..
تلقي برأسها علي صدره العاري و تقول بصوت هامس :
-سيف . سيفو .. نفسي في آيس كريم ڤانيليا !
سيف بإستغراب و هو يمسح علي شعرها الحريري :
-آيس كريم ڤانيليا ؟ إشمعنا آيس كريم ڤانيليا يا چيچي ؟!
چيچي بغنج :
-مش عارفة ! بس نفسي رايحاله يا بيبي.
سيف بضحك :
-إوعي تكوني حامل يا حبيبتي . لسا فاضل شهرين علي ما تخلص العدة بتاعتك !
چيچي و هي تلكزه في كتفه :
-إف بقي . قولتلك قبل كده ماتحاولش تفكرني بالزفت ده . عايزاه أنساه خآالص يا سيف و مش عايزة أي حد يفكرني بيه.
-أد كده يا چيچي بتكرهيه ؟
چيچي بغل شديد :
-بكرهه جدا . ده بني آدم Abnormal [ مش طبيعي ] و حيوان . أول واحد أخاف منه في حياتي .. ثم قالت بخوف :
-و إللي مخوفني منه أكتر إنه لسا محتفظ بالـCD بتاعي أنا و إنت . يا عالم ممكن يعمل بيه إيه ؟!
سيف بإستهزاء :
-هيعمل إيه يعني ؟ و لا هيقدر يعمل حاجة.
چيچي بسخرية :
-سيف بليز تسكت . إنت أصلك ماتعرفش عثمان البحيري كويس . ده شيطان . زي التعبان فعلا . جلده ناعم بس لما يلدع سمه يموت و مالوش علاج.
سيف بضيق :
-إنتي مش شايفة إنك بتبالغي شوية يا حبيبتي ؟
چيچي بجدية :
-لأ . Never يا حبيبي مش ببالغ . بس أنا مش هفضل طول عمري عايشة في رعب بسببه .. لازم آمن نفسي منه.
سيف بإهتمام :
-هتعملي إيه ؟؟؟
إبتسمت "چيچي" و هي تقول بشر :
-هعمل حاجات كتييييير . هو صحيح معاه الورق كله .. بس أنا بقي معايا الـJoker !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
في الصباح التالي ... ترتدي "سمر" ملابسها و هي تشعر بالتعب و الإنهاك الشديد
يأتي "عثمان" و هو يراها ، ليقول بإستغراب :
-بتعملي إيه يا بيبي ؟
سمر بنبرة متداخلة الأحرف :
-زي ما إنت شايف . بلبس عشان أمشي . إحنا وصلنا للمرسى و لا لسا ؟
يقترب "عثمان" منها و هو يقول بإبتسامة :
-تمشي إيه بس يا حبيبتي ؟ أنا مش قولتلك إني بعدت أخوكي مخصوص عشان تفضيلي و تقضي معايا وقت أطول ؟ خلينا يومين كمان !
سمر بعصبية منهكة :
-لو سمحت ماضايقنيش أكتر من كده . أنا عايزة أرجع لازم إرجع بيتي دلوقتي.
لاحظ "عثمان" شحوب وجهها و إصفراره
فعقد حاجبيه و هو يحدق فيها بتركيز ، ثم قال بجدية :
-مالك يا سمر ؟ إنتي كويسة ؟!
تمتمت بضيق يغلفه التعب :
-أنا كويسة و هبقي كويسة أكتر لما إمشي من هنا و أرجع بيتي.
مد "عثمان" يده و تحسس جبينها ..
-يانهار إسود ! .. صاح "عثمان" بذعر ، و أكمل :
-إنتي سخنة مولعة . من أمتي ؟ و ماقولتليش ليه ؟
عبست "سمر" و هي تتذكر طوال الليلة الماضية كانت تعاني أعراض الحمى و ترتجف بصمت ، بينما ينام هو بجوارها مستغرقا في عالم أخر ..
-أنا كويسة مافياش حاجة .. قالتها "سمر" بضيق أشد و تابعت :
-روحني بقي.
عثمان بجدية :
-أروحك إيه ؟ أنا هاوديكي للدكتور.
سمر بإنفعال :
-مـش عـايزة أروح لدكاترة عايـزة أروح بـيــتــــــــي !
يتبــــــــع ...