تحميل رواية ابناء يعقوب بقلم ولاء رفعت علي pdf
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ ابناء يعقوب بقلم ولاء رفعت علي.
رواية ابناء يعقوب الفصل الأول 1 - بقلم ولاء رفعت علي
اهدٌ في كل شيء، في الناس والأرض وحتى في اختيار الزوجة، الزهد كان متأصلًا فيه، اعتزل كل وسواس يراوغه، دائمًا كان يفكر في نهايته، ما همه بالدنيا وما فيها.
١٩٩٣
في شارع الغورية الشهير داخل حي الجمالية، حيث المنازل الأثرية التي تحمل من عبق التاريخ وأصالة الماضي، وهنا في منتصف الشارع أمام متجر تعلوه لافتة مدون عليها «يعقوب وولده للمفروشات»
يعقوب عبد العليم الراوي، هذا الثلاثيني المكافح الذي جاء مع والده من محافظة الغربية إلى قاهرة المعز، وذلك بعد وفاة والدته، كان والده تاجر أقمشة ويمتلك متجرًا كبيرًا, المتجر شراكة بينه وبين شقيقه الذي توفى إثر حادث أليم، ومنذ ذلك الوقت تولى مسئولية زوجته السيدة كوثر وابنتيه الأولى تُدعى سعاد والأخرى راوية، عندما بلغ يعقوب أشده وأصبح في الحادي والعشرين من عمره قرر والده أن يزوجه من إحدى بنات عمه، بينما يعقوب كان يرفض مبدأ الزواج المبكر؛ لأنه لا يريد أن يشغله شيء أخر عن عمله، وبعد العديد من المحاولات والضغوط رضخ إلى أمر والده في النهاية وتزوج من ابنة عمه الصغرى (راوية)، فكانت أكثر جمالاً من شقيقتها، لكن الجمال لديها كان يقتصر على الشكل الخارجي فقط.
تم الزواج بالفعل وأنجبت ولدها جاسر، كما تزوجت شقيقتها سعاد من إحدى أصدقاء يعقوب ويدعي أمين الحلاج نسبة إلى إنه يمتلك متجر لصناعة المفروشات القطنية.
توفى الحاج عبد العليم وترك متجر الأقمشة في عهدة ابنه يعقوب، الذي قام بعد إعلان الوراثة بشراء نصيب شقيقة زوجته فأصبح المتجر بالكامل ملكاً له و لزوجته، أخذ يعمل بكل جهد و كد حتى زاد من نشاط المتجر فأصبح لبيع الأقمشة والمفروشات، وها هو الآن يقف أمام المتجر يشاهد بعض الرجال الذين يقبضون على ساقي العجل لمساعدة الجزار الذي يصيح بصوت جهوري ويضع السكين على نحر ذلك الحيوان، فسرعان ما قام بذبحه وسط تهليل الأطفال والنساء والرجال الذين يرددون عبارات التهنئة والمباركة:
- ألف مبروك يا حاج يعقوب.
ظهرت على ملامح يعقوب ابتسامة وقور وأجاب:
- الله يبارك فيكم، حاج مرة واحدة، يا رب اكتبها لنا.
تدخل أحدهم ومد يده بكوب من الشاي إلى يعقوب قائلاً:
- يا رب تكون مكتوبة لك السنة دي، وندراً عليَّ أدبح لك أنا عجل أكبر من ده.
لكزه في كتفه مازحًا:
- يا راجل يا بكاش، ده أنت لو دبحت أرنب ممكن يجرى لك حاجة.
حك الرجل فروة رأسه بحرج ثم ابتسم:
- مش بُخل مني، ما أنت عارف أم محمود واخدة كل قرش فى جيبي، عندها اعتقاد إني ممكن أتجوز عليها، أنا عارف مين اللى مدخل في دماغها الأفكار دي؟ مفيش غيرها الولية حماتي ربنا يهدها.
ضحك يعقوب وفي نفس الوقت كان يخرج من جيبه محفظته الجلدية، سحب مبلغًا من المال ومد يده إلى أحدهم:
- خد يا عرفة.
رفع عينيه حتى تكاد تخرج من محجريهما وهو يتأمل المبلغ، ثم رفع يده بامتنان وقال:
- تسلم لي يا معلم، مستورة والحمد لله، وبعدين لسه قابض منك من تلات أيام.
أخبره يعقوب:
- دول مش ليك، دول هتاخدهم وتوزع منهم مع كل طبق فتة ولحمة على كل فقير ومحتاج، فهمت يا عرفة؟
ابتسم بحرج وأومأ له قائلًا:
- أمرك يا معلم، ربنا يبارك لك ويعمر بيتك.
※ ※ ※
و في مكان تملؤه رائحة البخور الكثيفة، حيث الجدران المعلق عليها بقايا عظام رؤوس الحيوانات وجلود الماعز، تشعر بقشعريرة تسري في جميع أنحاء جسدك عندما تخطو قدمك في ذلك المنزل الملعون، فداخله تُمارس طقوس السحر والشعوذة وأمور الدجل التي تقوم بها الشيخة حسنات كما يناديها أهل الحارة.
تجلس أمام منضدة يعلوها إناء معدني يتوسطه جمرات مشتعلة ينبعث منها الدخان كلما ألقت عليها حبوب صغيرة حمراء اللون، تردد تلك الكلمة: "حي، حي"
وإذا بها تتوقف فجأة وتحدق إلى الجالسة أمامها ترتجف وجلاً، تسألها:
- قولي طلباتك يا راوية يا بنت كوثر.
ابتلعت الأخرى لعابها وبصوت يكاد يصل إلى سمع حسنات:
- أنا، أنا كنت عايزة حاجة تخليني أحمل تانى وجوزي ما يتجوزش عليَّ.
أخذت من جوارها كتاب قديم، قامت بفتحه وتناولت ريشة لإحدى الطيور، وضعتها في زجاجة داخلها سائل أحمر يشبه الدماء، أخرجت من بين طيات الكتاب ورقة بيضاء، ثم قامت بتدوين رموز وأحرف وأرقام بطريقة عشوائية وهي تردد بعض التعويذات بصوت خافت، وبعدما انتهت قامت بطي الورقة عدة مرات حتى أصبحت في حجم صغير على شكل مثلث، تناولت من جوارها على الجهة الأخرى صرة من القماش الأبيض، وضعت الورقة داخلها وعقدت الصرة بخيط رفيع، بعدما انتهت من عقدها مدت يدها بها إلى راوية التي أخذته بيد ترتعش بخوف، فألقت هذه الدجالة تعليماتها الاحتيالية:
- تحطي له العمل ده في أى حاجة بيحب يشربها.
- هو بيحب يشرب العرق سوس.
عقبت الأخرى:
- هو ده المطلوب، وانتي بتنقعي العرق سوس، حطي العمل يتنقع فيه، والأحسن يشربه قبل ما انتي فاهمة بقى.
ابتسمت راوية بخجل فأردفت الأخرى:
- يفوت شهر والتانى تكوني حبلى على طول.
- حقه لو ده حصل ليكي حلاوة كبيرة قوي.
رفعت شفتيها جانباً بسخرية من حديثها ثم قالت بعتاب:
- كنت شوفت منك أيام ما حملتي في المحروس ابنك.
خالج التوتر ملامحها وأجابت:
- ياه لسه فاكرة يا حسنات، ده من سبع سنين، وبعدين ما انتي لسه واخده مني من قبل ما أدخل أربعة تلاف جنيه، ربنا يعلم جايباهم ازاي.
رفعت الأخرى حاجبها الأيسر وتشدقت:
- أنا عمري ما بنسى شغلي أبداً يا راوية، وكله بتمنه.
نهضت وكأنها تذكرت شيئاً ما:
- شوفتي الكلام خدنا وزمان سي يعقوب راح على البيت، ولو ما لاقنيش مش هخلص من أسئلته، ولو عرف إني كنت عندك ممكن يطلقني فيها، عن إذنك.
أنهت حديثها بالاستئذان وذهبت من أمامها، كانت تتوجس خيفة أن تلك الكلمات التي تفوهت بها هذه المرأة تصل إلى زوجها الذي يمقت هؤلاء السحرة والدجالين، فعندما تأخرت في الإنجاب أكثر من عام لجأت لهذه العرافة لتصنع لها ما يعرف بالحجاب من أجل أن تنجب، فهي تخشى أن يتزوج زوجها من أخرى، لجأت إلى حيل الشيطان وخداعه الماكر فأنجبت نبتة فاسدة.
※※※
صدى رنين الجرس المزعج يدوى في أرجاء المنزل، تفوق عليه في الإزعاج صوت هذه السيدة ذات القد الممتلئ:
- أيوه يا اللي بترن الجرس، مالك متسربع على إيه؟
كان في كلا يديها غطاء الإناء والملعقة الكبيرة، تركتهما فوق الطاولة الرخامية وذهبت لكي تفتح الباب، ومع كل خطوة يهتز جسدها كالهلام.
- هو انت!
يمسك عرفة في يديه الكثير من الأكياس البلاستيكية، يتصبب العرق على جبينه يقول إليها بصوت يغلبه الإرهاق والتعب:
- شيلي عني يا وليه.
تناولت من يديه الأكياس وهي تحدق إليه بامتعاض وتهكم في آن واحد:
- هات يا أخويا، هات يا سبعي.
أخبرها دون أن يعقب على سخريتها المتواصلة منه:
- انجزي وخلصي الأكل عشان نلحق نوزع الأطباق، مش عايز أسمع كلمتين من المعلم.
سألته متجهة إلى المطبخ:
- وعلى كدا هينوبنا إيه من لحمة العجل دى؟
أطلق زفرة لعلها تخرج ما بداخله من ضيق وضجر من زوجته فأجاب:
- هناخد كيس لحمة وبس، الراجل دابح العجل عشان يوزعه كله لله مش لينا يا هويدا.
لم تعقب بل أخذت تتحدث بسخط وبصوت لا يسمعه أحداً سواها:
- قال يعنى إحنا مش غلابة؟
ألقت نظرة لتتأكد أن زوجها لم يرها، فأخذت أحد الأكياس المليئة باللحم، ثم فتحت مجمد الثلاجة ووضعت الكيس داخله، وإذا بها تنتفض من صوت صراخ يأتي من الشقة المقابلة.
- يا ساتر يا رب.
قالتها وركضت إلى الردهة، فرأت زوجها يشير إليها بيده قائلاً:
- خليكي عندك وكملي الأكل، أنا هروح أشوف إيه، ربنا يستر.
خرج وذهب ليطرق باب الشقة المقابلة منادياً:
- حاج حسين؟ يا آنسة رقية؟
فتحت الباب فتاة في بداية العشرينات، تبكي بخوف وهلع تخبره من بين بكائها:
- ألحقني يا أستاذ عرفة، بابا جيت أصحيه عشان أدي له الدوا ما بيقومش خالص ولا بينطق.
ولج عرفة إلى الداخل في الحال، واتجه إلى غرفة نوم جاره، أمسك بإحدى يديه يده وباليد الأخرى ربت على خده:
- يا حاج حسين؟
وضع أطراف أنامله لدى رسغه، ثم فعل هكذا لدى العرق النابض في عنقه، حيث قام بوضع أنامله ليتأكد من النبض، ساد الوجوم ملامح وجهه وأخذ يردد:
- لازم ننقله للمستشفى حالاً.
وفي داخل المستشفى التابع للحي، وقفت الفتاة أمام غرفة الفحص تبكي ويقف أمامها عرفة وزوجته.. التي قالت إليها بمواساة زائفة:
- اطمني يا رقية، أبوكي إن شاء الله هيقوم بالسلامة، ملوش لازمة تعيطي عليه ولا كأنه مات.
وكزها زوجها بمرفقه في ذراعها يوبخها بصوت خافت:
- يا ولية الملافظ سعد، هي البنت في إيه ولا إيه؟
خرج الطبيب فنهضت رقية بلهفة وقلق تسأله:
- بابا عامل إيه دلوقتي؟
أخبرها الطبيب ويبدو على وجهه التوتر والقلق:
- لازم ندخله العمليات حالًا، لأنه مصاب بجلطة في القلب.
قالت للطبيب برجاء:
- بالله عليك يا دكتور، أعمل له أي حاجة بس يقوم بالسلامة.
نظر الطبيب إليها بأسف قائلًا:
- ما هو لازم حضرتك تدفعي على الأقل نص فلوس العملية، والباقي بعد ما يخرج.
شحب وجهها وهي تنظر إلى محفظة نقودها، أخرجت منها كل ما تملك قائلة:
- كل اللي أملكه حوالي ألف جنية.
أخبرها الطبيب بحرج شديد:
- والله يا آنسة رقية لو كان بإيدى كنت وافقت، بس العملية تكلفتها حوالي عشرة تلاف جنيه، ونظام المستشفى هنا لازم تدفعي على الأقل ربع المبلغ تحت الحساب.
هنا تدخل عرفة وهو يخرج المال الذي أعطاه يعقوب إياه، أوقفته زوجته وسألته:
- إيه الفلوس دي؟
جذب ذراعه من قبضتها قائلاً:
- أوعى يا ولية دي فلوس المعلم، كنت هوزعها لله، وأهى جت في الوقت المناسب.
اقترب من الطبيب وأخبره:
- لو سمحت يا دكتور معايا حوالي تلات تلاف جنيه، ينفعوا دلوقتي عقبال ما نتصرف في الباقي؟
أجاب الطبيب وهو يشير له نحو أخر الرواق:
- ينفع طبعا،ً وباقي المبلغ بعد العملية على طول.
ألتفت إلى زوجته وأمرها قائلًا:
- بقولك إيه، خدي بالك منها عقبال ما أخطف رجلي وأروح للمعلم أجيب منه باقي الفلوس وراجع على طول.
أجابت على مضض:
- حاضر يا أخويا، أديني جمبها هروح فين يعني؟
قالت رقية إليه بامتنان:
- شكراً جدًا يا أستاذ عرفة، مش عارفة أرد جميلك دا ازاي، ربنا يقدرنى وبابا يقوم بالسلامة وهرد لك الفلوس.
- ما تقوليش كدا، الحاج حسين زى أبويا وفي الأول والآخر احنا جيران.
دفعته زوجته جانبًا وقالت:
- أيوه يا رقية يا ختي، ده حتى النبي وصى على سابع جار.
ونظرت إلى زوجها وأردفت:
- يلا يا عرفة روح عشان تلحق تجيب الفلوس.
※※※
ولج من باب منزله يتحمحم ويقول:
- السلام عليكم يا أهل الدار.
خرجت من الغرفة والقلق يسرى بداخلها خوفاً إنه ربما قد رآها عندما خرجت من منزل الشيخة حسنات العرافة، ازدردت ريقها ثم بادلته التحية:
- وعليكم السلام يا سى يعقوب، حمد لله على السلامة.
ركضت نحوه لتلتقط الوشاح الحريري الذي يلقيه على كتفه، جلس على الأريكة فجثت على ركبتيها أمامه لتخلع عنه حذائه الأسود، سألها بحدة:
- أُمال فين جاسر؟
- كانت أختي هنا الصبح، ومسك في حمزة ابنها خدوه معاهم.
نظر إليها بغضب وصاح بها:
- مش قولت ميت مرة ابنك ما يقعدش مع الواد ابن أختك ده تاني؟
- وماله ابن أختي إن شاء الله؟
قد مل من ذلك الحديث الذي يكرره إليها عندما تسأله، فأجاب بامتعاض:
- لأنه عيل متدلع وقليل الرباية، ودايمًا بيحرضه على المصايب، ولا نسيتي لما خلاه يفهمنا إنه بيروح المدرسة ولولا جواب الإنذار كان زمان ابنك مرفوض؟
نهضت ووقفت أمامه عاقدة ساعديها قائلة:
- ما خلاص يا يعقوب، مش كل مرة تقول نفس الكلام.
شعر بسأم من الحديث معها، يعلم خصالها السيئة، والتي أشهرها العناد والإصرار، أشار إليها بيده وقال:
- روحي يا راوية، حضري ليا الغدا ربنا يهديكي.
صدح رنين جرس منزله، فكادت تتجه نحو الباب فأوقفها:
- ادخلي أنتي جوه هاشوف أنا مين.
ظهر إليه عرفة ويبدو عليه العجلة من أمره، ألقى عليه التحية فبادله يعقوب ثم سأله:
- خير يا عرفة فيه إيه؟ اللحمة ما كفتش الناس؟
ابتلع ريقه وأخبره:
- بص يا معلم، عم حسين اللي حكيت لك عنه، اللي بيته وقع السنة اللي فاتت بسبب الزلزال وجه سكن في الشقة اللي قصادنا.
كان الأخر ينصت إليه عاقداً ما بين حاجبيه فسأله باهتمام:
- ماله؟
ألتقط أنفاسه ثم أجاب:
- تعب ودخل المستشفى والدكتور قال لينا لازم يعمل عملية، لأنه بعيد عنك جاله جلطة في القلب، والعملية تكلفتها عشرة تلاف جنيه، بنته الوحيدة معهاش غير ألف، فبصراحة أتصرفت عشان يدخلوه العمليات ودفعت التلات آلاف اللي المفروض أطلعهم لله.
عقب يعقوب وهو يفكر في الأمر بعناية:
- مش مشكلة أهو طلعوا لله برضو، انت كدا عايز باقي المبلغ، تعالي أقعد عقبال ما أدخل أجيب لك المبلغ.
ذهب إلى غرفته وفتح الخزانة، فتح درج خشبي صغير وتناول منه مبلغ من المال، وقبل أن يغلق الدرج لاحظ أن هناك نقص في النقود الموضوعة.
عاد إلى عرفة وقال له بصوت خافت:
- خد دول تسعة تلاف، ادفع باقي حق العملية والباقي إديه لبنته، مؤكد هيحتاجوا فلوس ولو في أي حاجة تعالى قولي.
رفع عرفة يده في وضع الدعاء:
- ربنا يبارك لك يا معلم ويرضيك ويرزقك من حيث لا تحتسب.
※※※
مع مرور كل دقيقة أصبح الانتظار لا يحتمل، تجلس رقية متكئة ومرفقيها أعلى فخذيها وكفيها على وجهها، تردد الكثير من الأدعية من أجل والدها، تتلو ما تحفظه من آيات القرآن الكريم، حتى وصل إلى سمعها صوت فتح باب غرفة العمليات، خرج الطبيب ويعتلي الوجوم ملامح وجهه، نهضت على الفور تسأله وقلبها على حافة الهاوية:
- خير يا دكتور؟ طمني على بابا.
نظر إلى أسفل بحزن وأسف قائلاً:
- البقاء لله.
•
رواية ابناء يعقوب الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء رفعت علي
صوت الشيخ محمد رفعت يدوى بين أرجاء المنزل، حيث تجلس النساء يرتدين الثياب السوداء، وأمام المنزل نُصبت السرادق، يأتي الرجال لتأدية واجب العزاء الذي قام بالإشراف عليه عرفة وبعض رجال الحارة، وقد أتى يعقوب فنهض عرفة ليرحب به ويعد له مقعد خاص:
- اتفضل يا معلم.
رفع يعقوب يده ليوقفه قائلًا:
- ما تتعبش نفسك يا عرفة، أنا جاى عشان أعزي الآنسة رقية، هي فين؟
أجاب وهَمَّ بالعودة إلى داخل البناء:
- ثواني هقول لأم محمود هخليها تنده لها من جوا، أصل الشقة عندها مليانة ستات كتير.
ذهب عرفة وأخبر زوجته بطلب يعقوب، فولجت إلى داخل منزل رقية التي حاولت أن تتماسك أمام الجميع، فمنذ أن أبلغها الطبيب بوفاة والدها لم تكف عن البكاء أبدًا، حتى لم يعد لديها قدرة على ذرف الدموع مرة أخرى، ربما أصاب الجفاف عينيها.
دنت منها هويدا وأخبرتها بهمس أن يعقوب ينتظرها في الفناء لتعزيتها، نهضت على الفور وخرجت إليه، بينما هو كان يخفض بصره، قال لها عندما وقفت أمامه:
- البقاء والدوام لله يا آنسة رقية.
سرعان ما اخترق سَمعه صوت أنثوي ناعم قد أرهقه الحزن:
- حياتك الباقية يا معلم يعقوب.
وبدون أن يشعر نظر إليها وظلت عيناه تتجول على ملامحها التي تتميز بالهدوء والسكينة، ربما لم تكن أكثر جمالاً من زوجته، لكن لديها شيء ينقص الأخرى بل أشياء كثيرة كان يتمنى أن يجدها في شريكة حياته، كالقبول والراحة، وكأن روحه وجدت ما تسكن إليه، تلك العيون التي ذبلت من فرط الدموع اهتزت إليها جدران فؤاده، ما هذا الشعور الغريب الذي داهمه من مجرد نظرة!
- يلا بينا يا معلم.
كان صوت عرفة وعندما أدركه يعقوب تحمحم قائلًا:
- لو محتاجة أي حاجة أنا تحت أمرك، احنا جيران وكلنا واحد.
أومأت إليه وأجابت:
- تسلم يا معلم.
قاطع تلك اللحظة دخول مجموعة من السيدات قد جاءوا من أجل تأدية واجب العزاء، فشعر بالحرج قائلًا:
- بالإذن.
※※※
- هو انتي فاكرة بقى العمل بتاع حسنات ده هيخليه ما يتجوزش عليكي؟
قالتها هذه السيدة النحيفة ذات الملامح الحادة وتمسك بين يديها صينية يعلوها كوبان من الشاي وتمدها أمام شقيقتها التي أخذت كوب، تسألها بقلق:
- قصدك إيه يا سعاد؟
جلست بجوارها وابتسمت كالحية حينما تزحف حول فريستها قائلة:
- جوزك الله أكبر عليه، حلو وصاحب أكبر محل مفروشات والفلوس في إيديه زى الرز، يعنى فيه الطمع؟
تناولت راوية رشفة من كوب الشاي وهي تفكر في الأمر مليًا، ثم عقبت برفض ونفي:
- لا يا سعاد، استحالة يعقوب يعمل كده، جوزي وأنا عارفاه أهم حاجة في حياته الشغل.
رفعت سعاد جانب ثغرها بتهكم:
- هاتفضلي هبلة طول عمرك، إذا كان شغله ده بالذات هو اللى تخافي منه، طول النهار ستات داخلة خارجة تشتري وجوزك لسانه حلو معاهم.
أفرغت الكوب وتركته على الصينية ويخالج ملامحها الخوف والقلق بعد أن ثار الشك بداخلها فسألت شقيقتها:
- طب والعمل؟ شوري عليَّ.
- هقولك بـ...
قاطعها طرق شديد على الباب، عقدت ما بين حاجبيها وهي تنظر نحو صوت الطرق:
- ده مين اللى بيرزع الباب كدا؟ لما أقوم أشوف مين.
فتحت الباب فظهر لها فتى يخبرها:
- ألحقي يا خالتو أم حمزة، جاسر فتح دماغ الواد على ابن المعلم جابر وهرب.
عندما سمعت راوية ذلك شهقت وضربت بكفها على صدرها:
- ابني.
※※※
فتح باب منزله وولج إلى الداخل على وجهه علامات الغضب، يتجول ببصره باحثًا عن ابنه فصاح مناديًا:
- جاسر؟ جاسر؟
خرجت راوية إليه من الغرفة تحدق إليه بخوف:
- أيوه يا سي يعقوب، فيه حاجة؟
نظر إليها بضيق وغضب يسألها:
- ابنك فين؟
ابتلعت لعابها ثم أجابت:
- نايم.
عقد ما بين حاجبيه وأمرها بحزم وإصرار:
- ادخلي صحيه.
أدركت في الحال إنه قد علم بأمر ما أقترفه ابنه من الاعتداء على ابن أحد جيرانهم في الحارة، فسألته بتوجس:
- قولي بس الأول هو عمل إيه؟
كان سؤاله كافيًا لسبر أغواره فصاح في وجهها:
- اسمعي يا ولية اللي بقولك عليه، بدل ما أقسم بالله هدخل أنا بنفسي أصحيه.
هزت رأسها بالإيجاب قائلة:
- لا، قصدي هادخل أصحيه أنا.
دخلت إلى غرفة صغيرها لتوقظه، وبعد دقيقة خرجت وهو يقف بجوارها، يحدق إلى والده دون أدني خوف، أشار يعقوب بيده ليقف أمامه:
- تعالى أقف هنا.
أطلق الابن زفرة بضجر وفعل ما أمره به والده الذي سأله بهدوء يسبق العاصفة:
- أنت والواد حمزة ابن خالتك ضربتوا ليه الواد على ابن المعلم جابر؟
تدخلت زوجته بدفاع عن ابنها:
- فيه إيه يا يعقوب! دول شوية عيال بيلعبوا مع بعض.
أشار إليها محذراً إياها:
- اسكتي انتي خالص، عشان لسه حسابك بعدين.
ازدردت لعابها وتراجعت إلى الوراء بضع خطوات بخوف، بينما هو نظر إلى ابنه الذي لم ينطق بكلمة، ليصيح في وجهه مرة أخرى:
- ما تنطق ياض، ولا مش عايز تقولي إنك ضربته بعد ما حمزة سلطك عليه، عشان هددكم لما شافكم بتشربوا سجاير وخوفتوا ليجي يقولي؟
كانت تراقب ملامح وجهه الغاضبة والتي تنذر بأنه سوف يعنف ابنه، فكانت تخشى أن يصفعه فقالت:
- ابنك ضربه لأن الواد شتمه بأهله.
رفع عينيه نحوها بنظرة قاتلة وقال:
- بطلي تدافعي عنه في الغلط، ابنك مش أول مرة يعملها، لما هو لسه عيل صغير عنده ٨ سنين وبيشرب سجاير أُمال لما يبقى شاب هيشرب حشيش؟!
نظر إلى والده بعدائية يخبره بإصرار:
- أنا مش عيل، وأنا ضربته عشان كل ما يشوفنى أنا وحمزة بنعمل أى حاجة بيروح يفتن علينا.
- هو ما بيعملش كدا غير بعد ما بينصحك مرة واتنين، لكن ازاي تعمل الصح طول ما أنت متصاحب على حمزة ابن خالتك؟
هنا شعرت زوجته بالحنق فقالت:
- وماله ابن أختي يا يعقوب؟
- عيل قليل الأدب وأهله ما عرفوش يربوه وهو اللى بيفسد أخلاق ابنك.
لم تقف عن مجادلته فقالت:
- كل ده عشان شربوا سجاير، هما أجرموا يعني؟
انتفخت أوداجه من هذه المرأة الحمقاء، حاول أن يسيطر على غضبه حتى لا يلقى على مسامعها ما لا يرضيها:
- لأخر مرة بقولك ملكيش دعوة أنا بتكلم مع ابني وبحاسبه، وبطلي تدافعي عنه كل ما يعمل غلط.
عاد ببصره إلى صغيره وأمره بتحذير:
- إياك أشوفك ماشى مع ابن خالتك دا تاني، أخرك معاه تشوفه لما يجي هنا أولما انت تروح عندهم.
صاحت زوجته بسخط:
- انت عايزه يقاطع ابن أختي؟
نظر إليها بامتعاض قائلًا:
- أنا مقولتش كدا، وبعدين تعالي ليا هنا، انتي كنتي بتعملي إيه عند الولية اللي اسمها حسنات العرافة؟
أجابت بإنكار وأرادت قلب الأمر فوق رأسه فقالت:
- أنا مكنتش عندها، هو أنت بتراقبني ولا إيه؟
- مش محتاج أراقبك لأني واثق فيكي، حتى بالأمارة سايب قدامك الفلوس وما بسألكيش صرفتي إيه ولا على إيه، بس يا ريت تكوني قد الثقة دي وما تكونيش بتعملي حاجة من ورايا.
باغتها الشعور بالتوتر وعلمت إنه لاحظ نقص في النقود، وحتى لا تثير شكوكه حيالها قالت:
- أختي كانت محتاجة قرشين، سلفتها فلوس.
تنهد ثم قال:
- معنديش مشكلة، بس ياريت بعد كدا تبلغيني الأول.
أومأت إليه على مضض:
- حاضر.
- يلا روحي حضري لينا الغدا، وانت ياض بعد ما نخلص أكل وتغسل إيدك هاخدك معايا الجامع كل ما أروح أصلي، وهترجع تحفظ قرآن.
لم يعقب الصغير حتى لا يثير غضب والده و عاد إلى غرفته، و بمجرد أن دخلت راوية إلى المطبخ تنفست الصعداء، تخشي أن يعلم بأمر ذهابها إلى العرافة ويحدث ما لا يحمد عقباه.
※※※
(بعد مرور أكثر من ثلاثة أيام على موت العم حسين)
يجلس خلف المكتب، منهمكاً في عمله، يسجل أرقام الوارد و الصادر في الدفتر.
- سلام عليكم يا معلم يعقوب.
ذلك الصوت الأنثوي الذي يخترق قلبه قبل سمعه، توقف عن الكتابة ورفع وجهه ليرى البدر في تمامه يقف أمامه و ثيابها السوداء ووشاحها الأسود كسماء الليل الحالكة، مسح على شاربه الكث ثم تحمحم وقال:
- وعليكم السلام ورحمة الله، اتفضلي يا آنسة رقية تحت أمرك.
شبه ابتسامة بدت على ثغرها المرمري ثم أجابت:
- الأمر لله يا معلم، أنا كنت جاية أشكرك على وقفتك جنب أبويا الله يرحمه قبل ما يموت وبعدها والعزا اللي عملته له.
استند بساعديه على المكتب قائلاً:
- الحاج حسين الله يرحمه كان راجل طيب ويستاهل كل خير، واحنا في الأول والأخر جيران وواجب الجار على جاره لو التانى في ضيقة الأول يقف جنبه زى ما وصانا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام.
- عليه أفضل الصلاة والسلام.
هكذا أجابت ثم أخرجت من الحقيبة التي تمسكها بيدها ظرف أصفر اللون وضعته أمامه على المكتب و أردفت:
- دي الفلوس اللي اتبقت من فلوس العملية حوالي ألفين جنيه وفلوس العملية اللي اندفعت ربنا يقدرني وأسددها لحضرتك.
وضع يده على الظرف و أزاحه ليصبح أمامها وأخبرها:
- أنا مش هاخد حاجة وهعتبر نفسي ما سمعتش الكلام اللي قولتيه.
شعرت بالحرج من الأمر لكن زادها الحرج إصراراً فقالت:
- أنا طبعاً مش قصدي حاجة تضايقك، بس معلش يا معلم مش هقدر أقبل الفلوس، ولو كنت بشتغل كنت سددت لك العشر تلاف بتوع العملية.
أخذ يتأمل هذه الفتاة التي تمتلك إصراراً وعزة نفس لا تخلو من الكبرياء، لا ينكر أن إعجابه بها يزداد كل مرة أكثر عن الأخرى، تحمحم ثم قال بدهاء:
- أنا عندي حل أحسن، أنا محتاج هنا في المحل آنسة عشان فيه ستات بتيجى بتبقى محروجة تتعامل مع الصبيان اللي عندي، فأنا بعرض عليكي تشتغلي هنا وكل قبض هخصم منك جزء، وبكدا يبقى سددتي الفلوس و في نفس الوقت يبقى ليكي مصدر رزق تقدري تعيشي منه، ها قولتي إيه؟
شعرت بالسعادة العارمة كم حالفها الحظ بأن باب من أبواب الرزق فُتح إليها على مصراعيه، لكن هناك شعور آخر لا تعلم ما هو كما يخبرها حدسها كلما تنظر صوب عينيه ذات اللون البني القاتم والأهداب الكثيفة ونظرة تخترق القلب والروح، لذا دون أن تتحكم في لسانها أجابت على الفور:
"موافقة"
※※※
توقفت سيارة أجرة ذات اللون الأسود في الأبيض، ترجلت منها شابة في منتصف العشرينات، ترتدي ثوب فضفاض أسود اللون ووشاحاً مثلثاً، تنظر إلى البناء الذي ولدت فيه وعاشت طفولتها حتى انتهت من دراستها الجامعية وتزوجت من أحد زملائها، الذي أحبته رغم رفض والدها له قبل مماته وكذلك شقيقها الذي حذرها منه ومن إنه شخص سيئ الطباع، وبالرغم من ذلك تخطت كل الآراء وركضت خلف قلبها وألقت بنفسها داخل براثن رجل أذاقها الويل والمُر بجميع ألوانه، حتى فاض بها وتركته لتعود إلى منزل والدها والذي قد تزوج فيه شقيقها.
ضغطت على زر الجرس، فُتحَ إليها الباب فظهر لها الصغير ووصل إليها صوت والدته الجهوري تسأله بحدة كالعادة:
- مين يا واد يا محمود؟
سألها الصغير:
- انتي مين؟
وضعت يدها على رأسه وبطيف ابتسامة أخبرته:
- أنت نسيتني يا محمود، أنا عمتو ليلى.
خرجت والدته من المطبخ عندما لم يجب على سؤالها، رأت هذه الزائرة فسألتها بتعجب:
- ليلى!، ادخلي اتفضلي.
ولجت ليلى إلى الداخل وتجول عينيها المكان من حولها، توقفت لدى المقعد ثم جلست وفى يدها حقيبة ثياب صغيرة لم تغفل عن عيون هويدا التي قاتلها الفضول فسألتها:
- أنتم رجعتوا من ليبيا إمتى؟
أجابت باقتضاب:
- أنا اللي رجعت بس.
- جاية أجازة يعنى؟
سؤال آخر حتى يخيب ظنها وخوفها إنها تريد المكوث معهم.
- لا، أنـ...
قاطعها رنين الجرس فقالت الأخرى:
- أهو أخوكي جه، روح يا محمود افتح لأبوك.
ذهب الصغير وفعل كما أمرته والدته، دخل والده يحمل كيساً ورقياً مليء بالموز، اختطفه ابنه من يده وهلل بفرح:
- شوف الواد، بدل ما تسلم على أبوك يا ابن هويدا.
- عرفة؟
صاحت به زوجته وهي تزجره وتشير إليه بعينيها نحو هذه الجالسة ولا يراها سوى من الظهر، فألقى التحية:
- السلام عليكم.
استدارت برأسها ثم نهضت، نظرت إليه والندم يغمرها من أخمص قدميها حتى أعلى رأسها، تفوه وقلبه ينفطر عندما رآها في تلك الحالة المزرية فقال:
- حمد لله على السلامة يا ليلى.
※※※
نور الشمس يشبه ابتسامتها التي تأسر قلوب كل من ابتسمت إليه، تتجول هنا وهناك داخل المتجر، وعينيه تراقبها عن كثب، ضغط احد العمال على زر المذياع فأُطلقت تلك الكلمات مع أعذب الألحان بصوت كوكب الشرق
" رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا
علموني أندم على الماضي وجراحه
اللي شفته قبل ما تشوفك عينيه
عمر ضايع يحسبوه ازاي عليّ
انت عمري اللي ابتدى بنورك صباحه... "
قاطع تلك اللحظات الرومانسية الحالمة مجيء عرفة الذي كان على وجهه علامات الحزن حاملاً على كاهله هماً ثقيلاً، ألقى التحية على رب عمله فبادله الأخر التحية ثم سأله:
- مالك يا عرفة شايل هم الدنيا كدا ليه، حماتك كانت عندك؟
جلس على الكرسي أمام المكتب وأجاب بحزن دفين:
- ليلى أختي رجعت من السفر وحالها متبدل على الأخر، كانت زى البدر المنور بقت مطفية وفي عينيها نظرة حزن تقطع القلب.
سأله يعقوب باهتمام:
- لا حول و لا قوة إلا بالله، هي متخانقة مع جوزها؟
أجاب والشعور بالعجز يتملك من قواه:
- زى ما ساعدتك عارف سافرت معاه ليبيا بعد ما أتجوزوا من سنة، بيشتغلوا مع بعض في شركة واحدة، كانوا بيقبضوا وبتشيل قبضها معاه، لحد ما اشتغلت معاهم واحدة إيطالية، والست كانت عينيها منه وهو ما صدق، و يا حبيبتي لما شكت وواجهته اتخانق معاها وضربها لولا جيرانهم أنقذوها من إيديه كان ممكن يموتها، وولاد الحلال ساعدوها ترجع على هنا.
أطلق زفرة بقهر وحنق شديد فأردف:
- يا مين يدلني عليه كنت مسكته قطعته بسناني.
تنهد يعقوب وعاد بظهره إلى الوراء قائلاً:
- بص يا عرفة، أنا عارف كلامي ممكن يضايقك، بس هي عملت في نفسها كدا، اتجوزته برغم رفضكم ليه، و أبوك الله يرحمه ميت وهو زعلان عليها، باعتكم واشترته فشيء طبيعي هيعمل فيها اللي عايزه وهو واثق إنها هاتستحمله عشان بتحبه.
- أنا هخليها ترفع عليه قضية طلاق وأنا هاقف معاها.
سأله يعقوب بفطنة:
- وتفتكر هي هتوافق؟
رفع كتفيه ولا يعلم الإجابة فأردف يعقوب:
- سيبها هي بنفسها اللي تطلب الطلاق، وأراهنك عمرها ما هتقدر تبعد عنه أو تطلق منه.
- يبقى هي اللي اختارت زى زمان.
مال يعقوب بجذعه إلى الأمام وأخبره:
- تبقى غلطان، أختك دلوقتى في حالة تقدر تقنعها إن اختيارها كان غلط من الأول.
أومأ إليه بالموافقة ثم قال:
- ربنا يسهل.
نهض قائلاً:
- عن إذنك لما نشوف أكل عيشنا.
- استني يا عرفة، كنت عايز أخذ رأيك في حاجة.
أجاب بحفاوة:
- عينيا ليك يا معلم.
- تسلم، اقعد بس الأول.
جلس مرة أخرى، فأردف الأخر بصوت خافت إلى حد ما:
- إيه رأيك في الآنسة رقية؟
أجاب بعفوية:
- شهادتي فيها مجروحة، ما شاء الله عليها شاطرة جداً في شغلها والزباين مرتاحين قوي في التعامل معاها، هو فيه حاجة حصلت؟
حدق إليها يعقوب لثوان ثم عاد للنظر إلى غرفة وأخبره دون تردد:
- أنا عايز أتجوز رقية.
•
رواية ابناء يعقوب الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء رفعت علي
بعد مرور أربعين يوماً من وفاة الحاج حسين والد رقية، قام يعقوب بعقد قرانه عليها بعد أن قام بشراء منزل لها، وقام بإعداده من كل شيء، كما قام بشراء ثوب زفاف أبيض إليها لترتديه في حفل الزفاف، وها هي تجلس على يسار المأذون وهو على يمينه، يمسك يدها من أسفل المحرمة القطنية يردد خلف المأذون ما يمليه عليه، و قام عرفة ورجل أخر من المعارف بالشهادة على ذلك الزواج المبارك، وبعد انتهاء الإجراءات والمراسم اختتم المأذون بذلك الدعاء:
- بارك الله لكما وبارك عليكما، وجمع بينكما على خير إن شاء الله.
وبعد المباركات والتهنئة، أخذ يعقوب زوجته التي تشبه الأميرات في جمالهن وبهائهن ثم ذهب إلى المنزل الذي أعده لها، كان يحملها على ذراعيه وتتشبث به بخوف وخجل، ولج من الباب بعد أن قام بفتحه ثم دفعه بقدمه خلفه، سار بها حاملًا إياها حتى أنزلها على الفراش.
أحاط وجهها بين كفيه ونظر إليها بعشق وهيام، يلقي عليها كلماته بصوته الأجش:
- تعرفي يا رقية، أنتي أحسن حاجة حصلت لي في حياتي.
ابتسمت بخجل وهي تخفض بصرها إلى أسفل تارة ثم تنظر إليه لثوان تارة أخرى قائلة:
- أنا بقى اللي ربنا بيحبني إنه رزقني بيك يا يعقوب، هقولك على حاجة.
هز رأسه بلهفة لتردف:
- أول مرة شوفتك لما جيت تعزيني، حسيت وقتها بإحساس غريب قوي، شعور كدا ماقدرتش أوصفه ولا أحكم عليه غير لما جيت لك المحل، قولت معقولة يمكن دا الحب اللي بيقولوا عليه من أول نظرة، لحد ما طلبت منى الجواز من غير ما أفكر وافقت.
غمرها بين ذراعيه ليحتضنها بقوة قائلًا:
- أنا بقى اللي من أول ما شوفتك حسيت فيكي حاجة بتشدني، إحساس عمري ما حسيته مع أي واحدة.
ابتعدت قليلًا من بين ذراعيه فسألته باندفاع وفضول ليطمئن قلبها:
- يعني انت ما حبتش راوية بنت عمك برغم أنكم بقى لكم متجوزين عشر سنين؟
تنهد وكأنه سيخرج ما يجيش بصدره من مشاعر قد دُفنت منذ سنوات وجاءت هي لتُحييها من جديد.
- هتصدقيني لو قولت لك إن جوازي من بنت عمي ماكنش برغبتي.
ضحكت رغمًا عنها وسألته بمزاح:
- كان غصب عنك ولا إيه؟
ابتسم وقام بالضغط على خدها بإصبعيه ثم أجاب:
- أنا عمر ما حد يقدر يغصبني على حاجة، واللي عايزه بعمله، بس أحيانًا بنبقى قدام أمر واقع ملهوش بديل.
أحاطت عنقه بذراعيها تسأله بدلال وعشق يفيض من عينيها ذات لون العسل الذهبي:
- طيب وأنا وضعك إيه معايا؟ أمر واقع ولا اختيار؟
- طبعًا اختيار، وأجمل وأحلى اختيار.
أكد إجابته بمعانقتها وتقبيل وجهها بعشق ووله، يشعر وكأنه كالنسر الذي يحلق في السماء بعد أن ظفر بأنثاه التي تربعت على عرش قلبه المتيم بها من الوهلة الأولى.
※※※
كان يقرأ في الجريدة مرتديًا عويناته الطبية، ربما القراءة تجعله يتهرب من أسئلة زوجته الفضولية، بالطبع لا يريد أن يخبرها بزواج يعقوب في الوقت الحالي كما أوصاه يعقوب حتى لا يصل الخبر إلى زوجته راوية.
وقف الصغير أمام والده طالبًا منه:
- بابا، بابا.
أجاب عرفة دون أن يرفع بصره عن الجريدة:
- يا نعم؟
مد يده وأجاب:
- أنا عايز ٤٥ قرش أجيب إزازة ساقع.
أخبره والده:
- روح خد من أمك.
خرجت من المطبخ للتو تحمل صينية يعلوها كوبان من الشاي، تضعهما أعلى المنضدة قائلة:
- أمه شطبت خلاص، القرشين اللي أديتهم ليا خلصوا.
أخفض الجريدة ليوبخ زوجته ذات الصوت الجهوري الذي يشبه ضجيج السيارات المزعج، قائلًا بصوت خافت:
- وطي صوتك يا ولية، ليلى لو سمعتك ممكن تفهم غلط.
أشاحت بيدها دون اكتراث فقالت:
- ما تسمع، هى اللي معندهاش دم، من وقت ما جات واكلة شاربة قايمة نايمة، مش بيهون عليها تطلع من جيبها جنيه تديه للواد، ولا حتى بتساعدنى فى شغل البيت، لتكون فاكراها لوكاندة واحنا الخدامين بتوعها!
زجرها عرفة بنظرة غاضبة معقبًا على حديثها الحاقد:
- وانتي مالك بيها، دى قاعدة في بيت أبوها وأنا أخوها ومسئولة مني، هتبصي لها على اللقمة اللى بتاكلها! و بعدين ما انتي عارفة ظروفها.
رفعت هويدا ثغرها جانباً بتهكم وقالت:
- ظروف إيه؟ أنا لو مكانها كنت استحملت وقعدت على قلب جوزي لحد ما خدت فلوسي من عينيه، لكن هي يا فرحتي خسرت كل حاجة عشانه وفي الأخر اللهم لا شماتة، هو اللي باعها.
صاح بتحذير:
- هويدا!، كلمة كمان وهخليكي تقومي تلمي شنطة هدومك وتروحي على بيت أهلك.
نهضت وهي تحدق إليه بوعيد:
- بقى كدا يا عرفة، بتهددني، ماشي.
قالتها وذهبت، فرفع يده في وضع الدعاء وبصوت خافت قال:
- اللهم ارفع البلاء عنا أوهون علينا.
وفي الغرفة المغلقة، كانت تستمع إلى هذا الحوار من خلف الباب، ذرفت عيناها الدموع بعدما أدركت أنها غير مُرحب بها حتى في منزل والدها، لذلك حسمت أمرها، وبالفعل بعد مرور ساعات والجميع نيام أعدت نفسها للرحيل، فأخذت حقيبتها ثم تسحبت على أطراف قدميها حتى لا يسمعها أحد، لا تعلم أن زوجة شقيقها تراقبها من فتحة قفل الباب، وحينما غادرت المنزل وضعت هويدا يدها على صدرها وكأن همًا ثقيلًاً قد رحل عنها.
※※※
- أتفضلي يا سعيدة، عاملة إيه؟
تفوهت راوية بترحاب بعد أن فتحت الباب وقامت باستقبال سعيدة التي أجابت:
- الحمد لله يا ستي بخير.
لكزتها راوية بمزاح قائلة:
- بقى كدا من وقت ما اتجوزتي وما بقتيش تيجي حتى تطمني عليَّ، ولا الواد حمودة منعك تشتغلي في البيوت تاني؟
أومأت إليها سعيدة فأجابت:
- ربنا يبارك له المعلم يعقوب من بعد ما أتجوزنا وزود لحمودة المرتب، فقولت على إيه المرمطة ما دام مرتبه مكفينا وزيادة الحمد لله.
-- ألا قولي لي يا بت يا سعيدة، مفيش أخبار جديدة؟ ولا حمودة ما بقاش يحكي ليكي حاجة زى زمان؟
شعرت سعيدة بالتوتر بعد أن أدركت سبب دعوة راوية إليها، فسألتها بتردد:
- حاجة! حاجة زى إيه يا ست راوية؟
أمسكت راوية بمحفظة نقودها وأخرجت ورقة من المال بفئة مائة جنية وأجابت:
- لو قولتي ليا هيبقى فيه ميت جنية تانية زيها.
ابتلعت لعابها وهي تنظر إلى الورقة المالية باستسلام فقالت:
- هقولك بس بالله عليكي كأن ما قولتلكيش حاجة
أطلقت راوية زفرة كدلالة على أن صبرها قد أوشك على النفاذ وقالت:
- انجزي يا سعيدة، ما أنتي عارفاني ومش أول مرة تحكي ليا.
هزت رأسها بنعم قائلة:
- حمودة عرف من واحد صاحبه إن المعلم يعقوب خده معاه عشان يشهد على العقد مع عم عرفة.
ضيقت راوية ما بين حاجبيها:
- عقد إيه ده؟ اخلصي قولي بسرعة.
كانت تنظر إلى الأسفل تارة وإليها تارة أخرى، ثم أخبرتها بتوجس:
- عقد جواز المعلم يعقوب على البنت اللي كانت بتشتغل عنده.
※※※
في المساء عاد من المتجر إلى منزله ليطمئن على صغيره وعلى زوجته الأولى التي وجدها تجلس في منتصف الأريكة، ترتدي جلباباً أسود اللون وكذلك الوشاح أيضاً أسود، علم على الفور بأن هناك كارثة في انتظاره فسألها:
- مالك قاعدة ولابسة أسود في أسود كدا ليه؟
حدقت نحوه بنظرة أخبرته ما تشعر به جيدًا فأجابت:
- لابسة أسود على بختي وحظي.
ضيق ما بين حاجبيه بامتعاض يسألها:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه بتقولي كدا؟
نهضت وتقدمت منه فتوقفت تلقي عليه سؤالها الذي فاجئه بقوة:
- أقولك حمد لله على السلامة؟ ولا أقولك مبروك يا عريس؟
هز رأسه بتفهم فعقب قائلًا:
- واضح جواسيسك اللي زقاهم عليَّ قاموا بالواجب، أيوه يا راوية أنا أتجوزت.
و في هدوء يسبق العاصفة أخبرته قبل أن تطلق العنان لثورة غضبها:
- البت اللي أتجوزتها دي تطلقها حالًا، يا أنا يا هي.
ظل ينظر في عينيها بصمت حتى أخبرها:
- مش هطلقها واللي عندك اعمليه، أنا الشرع محللي اتنين وتلاتة وأربعة، معملتش حاجة حرام.
قالها واتجه إلى غرفته فصاحت في وجهه:
- بس أنا مش موافقة.
استدار إليها وقال:
- موافقتك من عدمها مش هاتفرق، أنا استحملت منك كتير ولا فكراني نايم على ودني وماعرفش بتعملي إيه من ورايا، تحبي أقولك أنتي كنتي بتعملي إيه عند حسنات؟
- أيوه كنت بعملك عمل عشان ما تروحش تتجوز عليا وعشان أخلف منك تاني.
صاحت بتلك الكلمات فصاح هو أيضاً بغضب:
- أنتي تعرفي اللي عملتيه دا حرام وشرك بالله، يعنى فاكرة إن أعمال الدجالين والنصابين هتمنعني عن أي حاجة عايز أعملها؟! المفروض كنت طلقتك لأنك كدا ملكيش أمان، بس أنا عامل خاطر لصلة الدم اللي ما بينا.
غلبها البكاء رغمًا عنها، لتخبره من بين دموعها:
- أنا عمري ما أذيتك والأعمال دي عشان ما تبقاش لغيري.
- وأدينى أتجوزت.
كلماته كنصال آلاف من الخناجر تطعنها بقوة حتى خارت قواها ولا تريد شيئًا سوى الآتي:
- هتطلقها يا يعقوب.
أخبرها بتحدٍ وإصرار:
- مش هطلقها.
قالها وكاد يذهب فأوقفته تقبض بيدها على ذراعه:
- يبقى تطلقني أنا.
جذب ذراعه من قبضتها قائلًا:
- اقصري الشر يا راوية أحسن لك، طلاق مش هطلق.
أخبرته بتحدٍ:
- أنا هاسيب لك البيت وماشية.
وقف أمامها مباشرة، وبنظرة تهديد قال لها:
- لو سيبتي البيت مش هترجعي له تاني.
※※※
قامت راوية بتنفيذ ما أخبرته به، ومنذ ذلك الحين وهي تمكث لدى والدتها، مرت الأيام حتى أكتمل شهر كامل قد مضي، بينما هو كان ما بين المتجر والمنزل الجديد.
عاد من المتجر لتوه فقامت باستقباله بحفاوة وترحاب، تخلع له حذائه وتخبره:
- أنا النهاردة عاملة لك الأكلة اللي أنت بتحبها.
أمسك يدها وقام بتقبيل راحة كفها قائلًا:
- تسلم إيدك يا حبيبتي.
- يلا بقى أدخل غير هدومك واغسل إيديك قبل ما الأكل يبرد، وليك عندي مفاجأة بس بعد ما نتغدى.
وعلى المائدة كان يتناول طعامه شاردًا، فسألته زوجته لتطمئن عليه:
- مالك يا حبيبي فيه حاجة مزعلاك؟
ابتسم على مضض وهز رأسه بإنكار فأجاب:
- لا، ما فيش، شوية مشاكل في الشغل بس.
نهضت وجذبت الكرسي لتجعله ملاصق جواره فجلست وأحتضنت ذراعه.
- أنا مش عايزاك تشيل حمل هم أي حاجة أبداً طول ما أنا معاك.
نظر إليها مبتسماً وقال:
- ما انتي اللي مهونة عليَّ أي حاجة بتحصل، كفاية أبص بس في عيونك بحس إن أنا في الجنة.
ضحكت بدلال وقالت:
- هنبقى في الجنة بإذن الله والسبب هيكون اللي هنا.
أمسكت بيده ووضعتها على بطنها، عقد ما بين حاجبيه يحاول استيعاب ما تخبره به، سألها:
- هو انتي...
هزت رأسها وأكملت:
- أنا حامل يا يعقوب.
※※※
- خد يا بني أكياس اللحمة دي ووزعها على كل أهل الحارة.
قالها يعقوب فعقب عرفة:
- ربنا يزيدك من نعيمه يا معلم، وربنا يقوم الجماعة بالسلامة.
- يا رب يا عرفة، يا رب.
وبعدما انتهى من الدعاء وجد أمامه شيخًا كبيرًا في العمر، ألقى التحية عليه:
- السلام عليكم يا يعقوب يا بني.
شعر يعقوب بأن هناك أمرًا ما وقد أتى إليه هذا الرجل من أجله.
- وعليكم السلام يا عم سليمان، أتفضل.
ذهب كليهما وجلس كل منهما على كرسي مقابل إلى الأخر الذي يحدق إليه بعتاب ولوم قائلًاً:
- أنا جاى لك وزعلان منك جامد، ينفع اللي عملته مع راوية ده؟
أخبره يعقوب بتبرير ما قد فعله:
- أنا معملتش حاجة حرام.
عقب الأخر:
- بس كان لازم تقولها يا بني، وتسيبها تختار.
شعر بالضيق والضجر لذا قال له:
- بص يا عم سليمان، أنا عارف مقام راوية بنت أختك عندك غالي قوي، بس يعلم ربنا أنا براعي ربنا فيها ازاي و كل طلباتها مجابة، ومسألة جوازتي التانية دي محسوم أمرها، عايزة ترجع البيت أهلًا و سهلًا، أنا ما قولتلهاش تسيب البيت وتمشي برغم إن أنا محذرها لو سابته ما ترجعش، وصممت برضو تنفذ اللي في دماغها.
تنهد سليمان ووجد أن الأمر على وشك التعقيد، فشعر أن عليه أن يخبره بما يعلم إياه:
- هي دلوقتى مجروحة وحاسة إنك أهانت كرامتها بجوازك عليها من وراها، ولما أتمسكت بجوازك من التانية، شافت إنها ما بقاش ليها أي قيمة عندك، معلش يا بنى تعالى على نفسك المرة دي وروح خدها من بيت عمك، إن ماكنش عشانها، يبقى عشان خاطر اللي في بطنها.
※※※
انتفضت من مكانها وهي تهز رأسها برفض، ثم عقبت على ما أخبرته بها شقيقتها للتو:
- لا يا سعاد، ماقدرش ومستحيل أعمل حاجة زي كدا، انتي فاهمة اللي بتقوليه دا يبقي إيه؟ وإيه عقابه عند ربنا؟
نهضت الأخرى ثم جلست جوار شقيقتها، توسوس إليها كالشيطان، بل هي أقوى من الشيطان شراً، فهناك نوع أخر للشياطين أشد خطورة وعلى قدرٍ عالٍ من الشر وما هم سوى شياطين الإنس.
- اسمعي كلامي هاتكسبي قوي، لأنك لو ماعملتيش كدا هتورث معاكم انتي وابنك، انتي اللي أحق بكل حاجة، وما تجيش واحدة ما نعرفش أصلها منين تيجي تقش على الجاهز تعب وشقى جوزك وبتاعك انتي كمان زى ما هي قاسمة معاكي جوزك.
نظرت نحو الفراغ بشرود فكان وقع الكلمات على أذنها أقوى من السحر، بدأت ترضخ إلى الأمر فقالت:
- طيب افرض وافقت على اللي بتقوليه، أنا مش هعرف أتحرك من مكاني، من وقت ما يعقوب جه خدني من عند أمي وحالف عليَّ ما هخرج من باب البيت غير بإذنه.
ظهرت ابتسامة شيطانية على ثغر شقيقتها وقالت بثقة:
- سيبي عليَّ الموضوع دا، وفي خلال أسبوع هاتسمعي خبرها.
يتبع...
•
رواية ابناء يعقوب الفصل الرابع 4 - بقلم ولاء رفعت علي
الأوقات السعيدة لم تدم طويلاً، فيجب على المرء أن يُعد ذاته لتلقي الصدمات في أي وقت، مرت أيام بل شهور وكانت من أجمل أيام عمره الذي عاش خلالها أروع الذكريات التي ستُخلد في ذاكرته حتى الموت، لم يكن لديه علم من قبل عن المعنى الحقيقي للحب سوى بين يديها.
نظر في الساعة التي تحيط رسغه وصاح منادياً:
- يا رقية، يلا أتأخرنا.
خرجت من الغرفة بخُطى ثقيلة والسبب يعود إلى بطنها المنتفخ من الحمل:
- يلا أنا جاهزة، شوف منظري بقى شبه الكورة ببطني اللى بقت مترين قدام.
أطلق قهقهة وقال:
- والله زى القمر، بتحلوي بزيادة.
اقتربت منه وتعلقت في ذراعه قائلة:
- عشان شايلة حتة منك.
قام بطبع قبلة فوق جبينها ثم أحاط وجهها بكفيه وبنبرة عاشق متيم أخبرها:
- انتي اللي بقيتي حتة مني وأنا كمان حتة منك.
ابتسمت وكأن الشمس قد أشرقت بنورها الساطع، تخبره أيضًا:
- عارف لو النونو طلع ولد هاسميه يوسف، وبدعي ربنا إنه يكون نسخة منك، والكل يضرب بيه المثل في الأخلاق والجدعنة.
ازدادت ابتسامته ورقص قلبه طربًا فعقب:
- ولو بنت هسميها على اسمك، رقية يعقوب عبد العليم الراوي"
أمسكت بأطراف أناملها مقدمة قميصه تسأله بدلال مازحة:
- هتحبها أكتر منى؟
- حتة منك ومنى أكيد هحبها، لكن القلب كله ملكك انتي، انتي بنتي وبنت قلبي.
أخبرها بتلك الكلمات التي حُفرت على جدران مملكة العاشقين، أجابت عليه من أعماق فؤادها المتيم به:
- أنا بحبك قوي يا يعقوب"
احتضنها بقوة قائلاً:
- أنا تخطيت معاكي مرحلة العشق يا روح وحياة يعقوب، ربنا يبارك لي فيكي وما يحرمنيش منك أبداً.
وفي داخل السيارة يستمع إلى كلمات تتغنى بها كوكب الشرق، تلك الشارة التي تذكره بأول يوم عمل لها لديه:
"رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا.
علموني أندم على الماضي وجراحه
اللي شفته قبل ما تشوفك عينيه
عمر ضايع يحسبوه ازاي عليّ؟
انت عمري اللي ابتدى بنورك صباحه..."
يردد هذا المقطع وأنامل يده تتخلل أناملها، وكل فينة والأخرى يطبع قبلة على ظهر يدها.
لم تمر سوى دقائق، فالسعادة تُدَون بضع كلمات داخل معجم مليء بالحزن، بينما كان شارداً في عينيها، انتبهت هي إلى الشاحنة الكبيرة القادمة نحوهما، فصاحت بفزع:
- حاسب يا يعقوب.
انتفض بذعر وحاول أن يتفادى الاصطدام، يصيح بها بأمر:
- البسي حزام الأمان بسرعة.
كانت السيارة تتأرجح يميناً ويساراً، حاول التحكم في المكابح لكن لا تعمل، سألته بخوف ذريع:
- فيه إيه يا يعقوب؟
- الفرامل مش شغالة.
حوار قصير خلال ثواني معدودة انتهت بانحراف السيارة عن الطريق وانقلبت من الحافة، أخذت تتدحرج عدة مرات متتالية حتى استقرت على جانبها، كانت آخر ما رأت عيناه هي وتخبره بأنفاس متقطعة:
- خد.. بالك.. من يوسف.. يا.. يعقوب.
فقدت الوعي في الحال، وكان هو ليس أقل حال منها، لم يستوعب عقله ما حدث ففقد الوعي أيضًا.
و في وسط همهمات يكاد أن يسمعها، وأشعة الشمس تخترق ما بين أهدابه ، كان ثقل جفونه يجبره على الاستسلام إلى النوم، لكن قلبه أجبره على الإفاقة بعدما ذكره زوجته، حاول جاهدًا أن يفتح عينيه، فرأى الممرضة تضبط من وضع كيس المحلول فسألها بلسان ثقيل للغاية:
- رقية فين؟
ردد ذلك السؤال مراراً وإذا به ينهض فجأة، يتلفت من حوله مناديًا:
- رقية؟ يا رقية؟
أوقفته الممرضة لتخبره:
- حضرتك رايح فين؟ ما ينفعش تقوم.
لم يكترث إلى تحذيرها، فرأى إبرة المحلول المُغذي متصلة بيده، وذراعه الأخرى محاطة بالجبس ومرفوعة على حامل معلق حول عنقه وساعده يستند على صدره، رفع يده المنغرسة بها الإبرة وقام بجذبها بأنامل يده المصابة بصعوبة بالغة.
جاء الطبيب إليه ليوقفه عما يفعله:
- حضرتك رايح فين؟ انت لسه تعبان وفى جسمك إصابات.
دفعه يعقوب من أمامه بغضب:
- أوعى من وشي، فين مراتي؟
وكاد أن يخرج من باب الغرفة أوقفه حديث الطبيب، وكانت أقسى الكلمات التي سمعها طوال حياته:
- المدام اللي جابوها معاك دخلت العمليات، الدكاترة حاولوا ينقذوها هي والجنين، أنقذوا الجنين ودخلوه الحضانة لكن مع الأسف كانت هي إصابتها قوية وحصل لها نزيف في المخ، البقاء لله.
يقف الآن خلف الزجاج ويرى ولده الذي كُتب عليه أن يولد لطيمًا، استند يعقوب بيده على الزجاج ونظر إلى المولود بعينين تجمعت بداخلهما الدموع، فتساقطت أول دمعة وانزلقت على خده، يتذكر آخر لحظاته مع معشوقة فؤاده والتي لم يحب سواها، جاءت وذهبت في لحظات، وكأن عمره ينحصر في تلك الفترة فقط.
- أنا وانت يا بني بقينا زى بعض من غير أم، كانت حبيبتي ومراتي وأمي.
- حضرتك والد الطفل اللي والدته جات في حادثة؟
انتبه إلى سؤال الممرضة، ألتفت إليها وهز رأسه بالإيجاب، فسألته وفي يدها قلم وتقرير طبي:
- حضرتك هتسميه إيه؟
عاد ببصره إلى صغيرهِ وأجاب:
- يوسف يعقوب عبد العليم الراوي.
※※※
نتجاوز المحن والصعاب مع مرور الزمان، لكن هناك ما يترك ندبات فى القلوب لم يستطع الزمن أن يمحوها و تظل ذكرى ترافق المرء حتى تصعد الروح إلى الرفيق الأعلى.
بعد مرور واحد وعشرين عاماً...
تسير بين المارة تتلفت من حولها ثم توقفت وانعطفت إلى حارة متفرعة من الشارع، ولجت إلى داخل متجر لبيع قطع غيار الهواتف وتصليحها:
- حمزة؟ يا حمزة؟
تناديه ولم تجد ردًا منه، ترددت أن تعبر هذا الباب الذي يؤدي إلى غرفة ملحقة بالمتجر، وجدته منهمكاً في عمله ولم يرفع عينيه حتى للنظر إليها، نظرت إلى ملامحه التي تعشقها، فكان ذو بشرة أقرب إلى لون الحنطة، و فك عريض، أنف مدبب، وعيون ذات نظرة حادة، من ينظر إليه لن يشعر بالراحة أبدًا، بينما هي النظرة إلى عينيه بمثابة الهواء الذي تتنفسه وكأنه يأسرها بسحره الشيطاني.
- يعني انت هنا وبقالك يومين مش بترد على تليفونك كل ما أتصل عليك، نفسي أفهم أنا زعلتك فى إيه؟
أجاب باقتضاب وما زال لا ينظر إليها متعمداً ذلك:
- اسألي نفسك يا عروسة.
ضربت بكفها على جبهتها وهي تتذكر ما يرمى إليه، اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه:
- انت زعلان مني عشان العريس اللي اتقدم ليا!، أنا والله ما خرجت حتى من أوضتي ولا أعرف شكله إيه.
رفع وجهه وهو يحدق إليها بنظرته المسيطرة على حواسها وسألها بصوت أجش وغضب زائف:
- والواد ده شافك فين إن شاء الله عشان يعجب بيكي ويجى يتقدم لك؟
ابتعدت خطوة إلى الوراء وبتوجس أجابت:
- في فرح واحدة صاحبتي.
نهض كالوحش الكاسر، يقبض على ذراعها فصاح بغضبٍ بالغ:
- نعم!، انتي برضو روحتي فرح رضوى صاحبتك من ورايا؟
عضت على شفتيها السفلى فأجابت وهي ترفع يدها بدفاع عن وجهها:
- والله كانت ماما معايا، ويوسف وصلنا وفضل مستنينا وروحنا بعدها على طول، نص ساعة بس اللي قعدناها
زاد من قبضته على ذراعها وهو ينظر إليها بغضب وذلك ما يظهره إليها، لكن الحقيقة ما كانت سوى نظراته الأخرى ذات النوايا الخبيثة، يستمتع برؤيتها في تلك الحالة وكم يعشق سيطرته عليها، فبالرغم من تعليمات والدها الصارمة أن لا تتحدث معه أوتذهب للزيارة إلى خالتها لكن الممنوع مرغوب، وبالفعل نجح حمزة في السيطرة على عقلها وقلبها معاً، كل أوامره تنفذها دون جدال، كما يتقابل كليهما في السر دون علم من أحد.
أخبرها بنبرة كالفحيح محذرًا إياها:
- أول وأخر مرة تعمليها يا رقية، ولو حصلت والموضوع أتطور وأبوكِ جوزك حد غصب عنك، أقسم بالله لأقتله وأقتلك، انتي فاهمة؟
هزت رأسها في طاعة عمياء وأجابت:
- حاضر مش هتتكرر تاني، بس بالله عليك ما تزعلش منى.
نفض ذراعها من يده حينما رأى ضعفها الذي يمكنه من امتلاكها كالدمية بين يديه.
- ماشى هعديها لك المرة دي، واعملي حسابك بكرة هاجي أطلب إيدك من أبوكي، يا ريت ما يعملش زى المرة اللي فاتت ويتحجج بحاجات ملهاش تلاتين لازمة، لأنه لو رفض هحطه قدام الأمر الواقع.
سألته بقلق:
- هتعمل إيه؟
ظهرت على ثغره ابتسامة ذئب ماكر فأجاب:
- هتعرفى كل حاجة في وقتها.
ظلت تتبادل النظرات معه ولم تفهم ما يدور في فلك أفكاره، همت بالمغادرة وقالت:
- عن إذنك بقى أنا ماشية عشان ما أتأخرش، أنا كنت قايلة لأمي هنزل أشتري حاجة وطالعة، دا غير لو جاسر عرف إن أنا هنا عندك هيطين عيشتي.
كادت تتحرك نحو الباب فاعترض طريقها، حدقت إليه بتوتر:
- فيه إيه يا حمزة؟
- فيه إنك وحشاني قوي.
انتهى من إخبارها بذلك ثم جذبها بين ذراعيه ليقبلها عنوة، أخذت تتحرك بين يديه:
- بس يا حمزة، مش اتفقنا إننا مش هانعمل كدا تاني غير لما أكون حلالك!
- ما أنا بعتبرك مراتي قدام ربنا، دي مجرد تصبيرة بس لحد...
- حمزة؟
كان صوت رجولي أجش يناديه في الخارج، أخذت تصفع خدها وبصوت خافت:
- يا لهوي جاسر أخويا.
أشار إليها بيده وقال لها بهمس:
- خليكي هنا ما تتحركيش، ولا أقولك أخرجي من الباب اللي على السلم وأنا هشوفه عايز إيه وهشغله لحد ما تمشى.
خرج إلى صديق دربه، أجل لم ينفصل عن ابن خالته برغم محاولات والده التي انتهت بالفشل في النهاية، فكليهما وجهان لعملة واحدة، يفعل كل منهما ما يحلو له دون رادع، شرب خمور ومرافقة فتيات في دور البغاء، تدخين السجائر المخلوطة بالمخدرات، فالحرية لديهما دون حدود أو قيود.
- أهلًا، عاش من شافك، كنت مختفي فين يا صاحبي؟
أجاب جاسر بزهو وفخر من ارتكاب ذلك الذنب الكبير دون ندم:
- أبويا باعتني عشان أستلم له بضاعة من مينا بورسعيد، استلمتها وخليت الرجالة يودوها على المحل، وأنا بقى اتعرفت هناك على حتة بت أبوها مصري وأمها من روسيا.
كان حمزة يستمع إلى ابن خالته وعينيه تراقب الطريق ويرى رقية تسير بخطوات سريعة حتى اختفت عن مرمى بصره.
- آه يا ابن الذين، واتعرفت عليها ازاى دي؟
رفع جانب فمه بابتسامة وأجاب:
- بتشتغل فى الجمارك في الإدارة، أنت عارف بقى صاحبك لما بيلاقي حاجة حلوة ما بيعدهاش من تحت إيديه بالساهل، هزرت وضحكت معاها ولاغيتها لاقيتها جاية معايا سكة، طلع عندها شاليه في العجمي، سافرنا على هناك وقضينا أحلى يومين.
عقب حمزة على حديث صديقه:
- مين قدك يا عم، دا أنت جاسر الراوي اللى مفيش واحدة تقدر تقوله لا.
كم كان وقع هذا الإطراء على مسامعه يطربه ويجعله يستمتع بما سوف يرتكبه من معاصي وذنوب دون خوف من خالقه.
- أُمال إيه يا بني، مفيش بنت عرفتها إلا وكانت زى الخاتم في صباعي، شوفت بقى كنت هتنسيني اللي كنت جاي لك عشانه.
سأله حمزة باهتمام:
- خير يا صاحبي؟
- جيبت ليا الحاجة؟
ألقى حمزة نظرة إلى خارج المتجر ليتأكد من عدم مجيء أحدهم إلى هنا ثم أخرج من جيب بنطاله لفافة صغيرة من الورق الأحمر قائلاً:
- خد دى حتة بتلتمية جنيه أجمد من الصنف اللي قبله.
أخذها جاسر ورفعها أمام عينيه ذات النظرة الشيطانية المخيفة وقال:
- مش عارف من غير الكيف دا الواحد كان ممكن يقدر يعيش ازاى ولا أستحمل حتى أبويا؟
※※※
توقفت سيارة رمادية أمام المتجر الرئيسي لسلسلة متاجر يعقوب وأولاده، ترجل منها شاب يافع متوسط الطول وعريض المنكبين، ذو بشرة خمرية مثل والده، يمتلك ملامح والدته حيث يتميز بالوسامة ولون العيون كالعسل الذهبي يحيطها أهداب سوداء كثيفة، يهبط على جبينه بعض من خصلاته الفحمية المسترسلة.
استقبله عرفة الذي كان يقف أمام المتجر بحفاوة:
- نورت المحل يا ابن الغالي.
ابتسم إليه وأجاب:
- تسلم ليا يا عم عرفة.
ولج إلى الداخل متجهاً إلى مكتب والده، كان يجلس شارداً كعادته يبحر فى مخيلته مع التي سلبت قلبه ورحلت عن عالمه منذ واحد وعشرين عاماً، وما يعطيه بصيص من الأمل للاستمرار في العيش ما تركته له من ابن بار وصالح، اسم على مسمي حقًا، لا ينسى تلك الأيام عندما تركه إلى زوجة عرفة ريثما ينتهي من مراسم الدفن و تلقي العزاء، كانت تخبره دائمًا إنه طفل هادئ وذو طلة تجذب كل من يراه وكأنه محاط بهالة ملائكية جاذبة للمحبة، وعندما انتهت أيام العزاء أخذه إلى زوجته راوية التي وضعت مولودتها فقرر تسميتها على اسم زوجته الأخرى المتوفاة، تعجب على عدم تعليق أو اعتراض من ابنة عمه، ظن إنها تحملت ذلك الأمر من أجل حالته التي يرثي لها، كما طلب منها أن ترضع صغيره الذي رفض جميع أنواع الألبان الصناعية، وبالفعل نفذت راوية طلبه على مضض أو ربما شعور بالذنب أو لأمر أخر، فعندما حملته على ذراعيها نظرت إلى وجهه الملائكي وألقى خالقه محبته في قلبها، قامت بتربيته وكأنها تكفر عن ما فعلته به.
- السلام عليكم يا حاج يعقوب.
ألقى التحية على والده بمزاح ونظر إليه يعقوب مبتسمًا، فكان في انتظاره، رفع ذراعيه يسأله:
- عملت إيه يا غالى يا ابن الغالية؟
ارتمى بين ذراعيه وأخبره:
- نجحت بتقدير امتياز وسمعت أخبار حلوة من إدارة الكلية عن تعيين المعيدين واحتمال كبير أبقى معيد.
ربت والده على ظهره بفرح مُهللًا:
- ألف ألف مبروك، ربنا يوفقك يا بني ويعلي مراتبك كمان وكمان.
انسحب من بين ذراعي والده قائلًا:
- يا رب يا والدي، وبرضو هيفضل مكاني في المحل زى ما أنا.
وضع يعقوب يده على كتف ابنه فقال:
- المحل محلك يا ابني، وكل ما أملك بتاعك أنت وإخواتك، وواثق إن على إيديك هتبقى سلسلة المحلات وهيبقى ليها فروع في كل محافظة.
أومأ إليه وبثقة أخبره:
- اطمن يا بابا ومش بعيد يكون عندنا مصنع وبنصنع ونبيع فى نفس الوقت.
- إيدي على كتفك والفلوس جاهزة وانت بقيت خريج إقتصاد وعلوم سياسية قد الدنيا، وعلى رأى المثل "إدي العيش لخبازه.
عقب يوسف على حديث والده قائلًا:
- بإذن الله يا بابا.
- كدا فاضل حاجة واحدة بس.
نظر إليه باستفهام وسأله:
- حاجة إيه؟"
أجاب مبتسماً:
- العروسة.
•
رواية ابناء يعقوب الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء رفعت علي
كان هناك أيضًا مَنْ ينتظر الفرحة بترقب، تمسك بهاتفها وتنتظر مكالمة هاتفية، تقضم أظافرها بتوتر، فقالت لها ابنة خالها القريبة منها في العمر وصديقتها:
- إيه يا بنتي عمالة تاكلي في ضوافرك قربتي تاكلي صوابعك نفسها.
ألتفتت إليها بزاوية لتخبرها:
- خايفة قوي يا أمنية، نفسي أجيب تقدير عالي عشان أدخل الكلية اللي نفسي فيها.
أخبرتها أمنية بمزاح:
- ما تخافيش يا مريم بإذن الله هاتجيبي أعلى تقدير، ما هو مش بعد ما كنتي بتفضلي سهرانة لحد الفجر بتذاكري ومش بعرف أنام بسببك وفي الأخر كل دا يروح على الفاضي.
ابتسمت مريم فازدادت جمالًا، تلك التي تمتلك ملامح والدتها بالإضافة إلى قدها الممشوق، فالجمال نعمة ولدى البعض يصبح نقمة إذا أتى على رأس صاحبته بالمصائب والابتلاءات.
- ادعي ليا انتي بس من قلبك.
رفعت أمنية يدها في وضع الدعاء قائلة:
- يا رب يا مريم يا بنت عمتو ليلى تجيبي امتياز وتدخلي الكلية، وأنا يا رب خلاص رضيت بالدبلوم بس مش عايزة غير حاجة واحدة بس، إنه يكون جاسر الراوي يبقى من نصيبي، قولي آمين يا بت يا مريم.
كانت تضحك على صيغة دعاء ابنة خالها، هزت رأسها بسأم وقالت:
- آمين يا بنت خالي.
صدح رنين هاتفها الخلوي فانتفضت، أجابت على الاتصال بقلب يخفق بقوة ويد ترتجف من التوتر والقلق:
- ألو.
- ….
- أيوه أنا مريم هشام الوكيل.
- ….
اتسع ثغرها من الجانبين بابتسامة كادت تصل إلى أذنيها، نهضت أمنية من مكانها والتصقت بها ثم وضعت أذنها على الهاتف، بينما مريم كانت تكمل حديثها قائلة:
- حاضر، شكراً لحضرتك، الله يبارك فيك، سلام.
لمست علامة إنهاء المكالمة وأظهرت الحزن على ملامحها، رأتها أمنية في تلك الحالة فسألتها بقلق:
- هو قالك إيه؟
وإذا بها تصرخ بفرحٍ عارم:
- أنا نجحت يا أونا وبتقدير جيد جداً كمان.
احتضنتها أمنية بقوة:
- ألف مبروك يا حبيبتي، وعقبال العريس بقى، وعقبالي يا رب أكون حرم جاسر الراوي.
لكزتها مريم بمزاح في كتفها:
- يا بنتي أتقلي دا زمانه كل ما بيشوفك يعرف إنك هتموتي عليه.
أمسكت بكلتا يديها لتخبرها عن مشاعرها تجاه هذا الجاسر:
- بحبه يا مريم، بموت فيه، بحبه يا ناس.
انفتح الباب بغتةً ودخلت هويدا تحدق ابنتها بغضب تسألها:
- هو مين دا اللى بتحبيه يا مقصوفة الرقبة؟
اختبأت خلف ابنة عمتها وأجابت بإنكار:
- لا يا ماما، أنا كنت بقول أشكرك يا رب، أصل مريم نجحت وجابت جيد جداً وهتدخل الجامعة.
نظرت هويدا نحو مريم وكأن أمر نجاحها غير هام، وبدلًا من أن تهنئها أو تبادر بالمباركة إليها قالت:
- دبلوم ولا معهد ولا حتى الجامعة، كله محصل بعضه ومصاريف على الفاضي، في الأخر هتتجوزي.
شعرت أمنية بالحرج من حديث والدتها التي لم تكف عن إزعاج ابنة عمتها كلما تنجح أو تفعل شيئاً جيدًا تأتي هي وتلقي عليها كلمات تجعل من جبل صامد فتات صخور محطمة، لذا عقبت:
- الكلام دا يا أمي كان زمان، ومريم شاطرة وإن شاء الله هتبقى دكتورة في الجامعة.
اكتفت والدتها برفع جانب فمها بتهكم ثم أمرت كليهما:
- يلا يا هانم منك ليها ورانا غسيل وطبيخ وأبوكي بعد ساعة هيجي يتغدى.
※※※
أتي المساء بظلامه الذي يغلب على قلوب البعض، ونجوم سمائه تنير الدروب للبعض، وهناك من يقضي لياليه في ملذاته التي لا تأتي سوى بالخطايا.
يسجل رسالة صوتية إلى الفتاة التي يراسلها منذ أكثر من شهرين، يخبرها بالآتي:
- مش هتقولي ليا انتي مين برضو، دا أنا قايلك كل حاجة عني حتى ببعت لك رسايل بصوتي، مش واثقة فيا و لا إيه؟
أرسلت إليه صاحبة الحساب باسم «حبيبي حياتي» رسالة نصية عبر تطبيق الدردشة الشهير
- طبعًا واثقة فيك، بس بصراحة مش هقدر أكلمك ولا تشوفني، خليها تيجي بظروفها يا عالم يمكن تلاقيني قدامك في الحقيقة.
عقب بداخل عقله ونظراته التي تنضح بالشهوة:
- تعالي انتي بس وأنا هخليكي واثقة فيا على الأخر.
اندفع الباب على مصراعيه، فوجد والدته تضع يديها على جانبي خصرها توبخه:
- هى دي هاتفضل حياتك على طول؟ تشتغل يومين مع أبوك وعشرة تقعد في البيت، اللي قدك معاه عيال بقوا فى المدرسة، وانت كل ما نجيب لك سيرة الجواز أو أكلمك على عروسة تقعد تطلع حجج ومبررات ملهاش لازمة، كل ده عشان تعيش حياتك على كيفك.
ألقى هاتفه وأطلق زفرة بضجر فأردفت والدته:
- انفخ يا أخويا انفخ، أهو أخوك اللي أصغر منك بتسع سنين نجح في الكلية وهيتعين كمان في الجامعة وانت خليك كدا قاعد زى الولايا في البيت.
صاح بغضب ملوحًا بيده:
- هو احنا مش هنخلص من حكاية أخوك عمل وهبب دي؟ أروح أخلص لك عليه عشان ترتاحي؟
توقفت لوهلة حتى تستوعب الكلمة التي تفوه بها ابنها، فهي تعلم مدى كراهيته لشقيقه وذلك منذ أن جلبه والده إلى المنزل وهذا يعود إلى التفريق في المعاملة بينهما، فكان يعقوب كثيراً يطلق غضبه ويعاقبه كلما أخطأ و في نفس الوقت يحنو على صغيره ويفضله في المعاملة بل ووالدته كانت كذلك، تهتم كثيراً بيوسف الذي يطيعها دائماً بكل حب، في المقابل كان ابن رحمها يفعل العكس ويجلب لها المشكلات ويجلب لها توبيخ زوجها إليها بأنها لم تستطع تربيته، مما جعل الكيل يفيض بها ولم تعد تكترث إليه.
- أنا مش بكرهك في أخوك، بس بقولك كون زيه في الصح، أنت بقى اللي بتاخد نصايحي ليك على هواك.
نهض من على الفراش واقترب منها ليخبرها بنظرة أتت من قعر الجحيم:
- بس أنا بكرهه، وهفضل أكرهه لحد أخر يوم في عمري، تقدري تقولي عدوي اللدود، وأنا اللي بيبقى عدوي بمحيه من على وش الدنيا، احمدي ربنا إن أنا سايبه لحد دلوقت عايش، ويلا عن إذنك أنا عايز أنام.
قالها ودفعها بقليل من العنف إلى الخارج وأغلق الباب في وجهها، تركها في حالة صدمة، تقسم بخالقها أن من كان يحدثها للتو كان شيطاناً وليس ابنها!
※※※
ظلت جالسة في الغرفة من بعد الانتهاء من وجبة الغداء، وذلك بعد أن أخبرت خالها برغبتها لإكمال تعليمها و الذهاب إلى الجامعة، اكتفى بكلمة المباركة لها على مضض وبعدم اكتراث إلى الأمر، مما جعلها تشعر بالحزن بدلاً من الفرح.
شعرت بالملل والضجر من التمدد على الفراش والتقلب يميناً ويساراً دون أن تغفو، شعرت بالظمأ فنهضت لتذهب إلى المطبخ حيث يوجد البراد، دخلت وفتحت الخزانة الخاصة بالأكواب وجدت يد أخرى تسبقها لتمسك بالكوب ويد أخرى تحيط خصرها المنحوت بحميمية، على الفور استدارت ثم شهقت قائلة:
- محمود!
حدق إليها بنظرة ساخرة يشوبها نظرات أخرى تعلم إلى ماذا ستنتهي، مجيبًا:
- فيه إيه مالك أتخضيتي كدة ليه؟ دا أنا كنت بقولك مبروك.
ابتعدت إلى الوراء قليلًا ونظرت إليه بغضب تنهره:
- مش هتبطل حركاتك الزبالة دي يا أخي؟!
أجاب وهو يجول ببصره على جسدها بنظرة ذئب جائع يريد التهام فريسته بضراوة.
- تنكري إن الحركات دي كانت بتعجبك زمان؟ ما هي لو مش على هواكي كان زمانك قولتي لأبويا.
نظرت إليه بازدراء ولن تنسى هذا اليوم التي ذهبت لتخبر زوجة خالها عما يفعله بها ابنها، فوجدتها توبخها و تقوم بتهديدها إذا تفوهت بهذا الهراء إلى خالها، وذلك بإخبار خالها أنها هي من تراود ولدها عن نفسه، وأنها تدخل إلي داخل غرفته من دون علمهم، حولتها هذه المرأة -التي يرفع إليها إبليس القبعة- من دور الضحية إلى الجاني، وكم من مرة ترى خالها يذعن إلى أوامر زوجته أو ربما يخشى من إغضابها، فمن المؤكد إذا أخبرته عن أفعال ولده الدنيئة سوف يخذلها، لذا قررت الدفاع عن نفسها وأن تأخذ بثأرها من كل من يقترب منها.
أجابت على اتهامه الوضيع لها:
- ومين قالك إن أنا كنت ساكتة عشان اللي بتعمله كان على هوايا؟ بص فى إيدك وأنت هتعرف.
نظر إلى يده ليتمعن في ندبة جراء ما فعلته به عندما اقترب منها وأراد تقبيلها عنوة فاستلت سكيناً صغيراً و أصابت يده بجرح قطعي.
رفع وجهه وحدق إليها بغضب وقال:
- طيب المرة اللي فاتت ماكنش فيه حد في البيت وقدرتي تجري منى، لكن دلوقتي أي حركة هتصحي أبويا وأمي و منظرك هيبقى وحش لما كمان أقولهم إنك انتي اللي جيتي صحتينى.
اقترب أكثر منها حتى أصبح أمامها مباشرة، بينما هي تمكنت بفطنة أن تفتح درج الملاعق والسكاكين، سحبت السكين دون أن تصدر صوت وعيناها لا تحيد عن هذا الذئب، وفي لحظة كاد ينقض عليها فأشهرت السكين أمام وجهه، تهدده من بين أسنانها وبصوت خافت:
- أقسم بالله لو قربت مني لأقتلك المرة دي.
تراجع بضع خطوات إلى الخلف رافعاً يديه في وضع الدفاع وظهر الخوف على ملامحه.
- نزلي السكينة دي يا مجنونة.
- ابعد من قدامي وأنا هنزلها.
قرأت الغدر في عينيه وقدمه تتأهب للقفز نحوها قائلًا:
- انتي أصلًا جبانة ولا هتقدري تعملي حاجة.
وثب نحوها ليختطف من قبضتها السكين، لكنها باغتته بغرزها في كفه فتأوه وكتم تأوهه في الحال، شهقت بفزع فألقت السكين من يدها وركضت نحو غرفتها، وفي طريقها وصل إلى سمعها صوت زوجة خالها تتشدق بحنق:
- جامعة إيه اللي البرنسيسة بنت أختك عايزة تروحها، احنا ناقصين وجع قلب ومصاريف؟ مش تحمد ربنا إنك ربتها وكبرتها وعلمتها لحد ما خلصت المعهد؟
نهاها زوجها عن ما تتفوه به:
- أخرسي يا وليه ووطي حسك للبنت تسمعك، ولا عايزة تعملي معاها زي ما عملتي مع أمها زمان لحد ما طفشت من كلامك يا مفترية.
شهقت باعتراض قائلة:
- نعم! هو أنا ضربت أختك على إيدها ولا طردتها، هي اللي ما صدقت تمشي ورجعت على ليبيا تاني لما عرفت إن جوزها طلق الست الخواجاية، داست على كرامتها ورجعت له، لا وكمان راحت تخلف منه، ورجع لعادته تاني يضرب فيها لحد ما جاب لها اكتئاب وانتحرت.
لم تتحمل سماع أكثر من ذلك، وضعت يدها على فمها لتمنع صوت شهقاتها وهي تبكي، عادت إلى الغرفة وتمددت على الفراش ثم تدثرت بالغطاء بعدما شعرت بالقشعريرة وبالبرد الذي أصاب أطرافها.
※※※
أتى صباح يوم جديد وهنا في منزل عائلة الراوي، يتجمعون حول المائدة لتناول وجبة الإفطار، يترأس يعقوب المائدة وعلى يمينه زوجته وبجوارها ابنتها الشاردة في الصحن الذي أمامها، بينما على يساره يجلس يوسف و يتناول طعامه في صمت.
سأل يعقوب زوجته:
- هو المحروس ابنك لسه نايم لحد دلوقتي؟
أجابت بسأم من ولدها العاق هذا:
- ما أنت عارف بينام متأخر ويصحى الضهر.
انتهى من تناول الطعام، نفض يديه ثم قال:
- الحمد لله.
وأردف قائلًا:
- لما تخلص فطار جهز نفسك عشان هتيجي تقف في المحل.
أومأ إليه ابنه بطاعة:
- حاضر يا بابا.
نظر يعقوب نحو كرسي ابنه الأخر ليجده شاغرًا، نظر فى ساعة يده وقال:
- ابنك بقى عنده تلاتين سنة ولا أتجوز ولا بيعمل حاجة غير إنه مقضيها مع أصحابه وابن خالته الصايع الفاشل.
- أهو عندك جوا، أدخل صحيه وقوله الكلام دا، ويا ريته زي ابن خالته، على الأقل عنده محل موبايلات و شغال زى الفل.
قالتها راوية بينما ابنتها انتبهت عندما جاء كلا من والدها ووالدتها بذكر مَنْ تحب، نهضت و قالت:
"الحمد لله"
كادت تذهب فأوقفها والدها:
- استني هنا، اقعدي.
جلست ونظرت إليه بتوتر فسألته بتوجس:
- فيه حاجة يا بابا؟
حدق إليها بنظرة زادت من توترها فسألها:
- إيه حكايتك انتي كمان، كل ما يجي لك عريس ترفضيه من غير ما حتى تقعدي معاه، كانت حجتك الأول الدراسة والمعهد، دلوقتي بقالك سنتين مخلصة.
ابتلعت ريقها ثم أجابت:
- مش شايفة حد فيهم مناسب ليا.
نظر إليها بامتعاض وسألها بسخرية:
- لما مهندس ودكتور ومحاسب، مفيش حد فيهم مناسب ليكي أُمال إيه اللي يناسبك يا أستاذة رقية؟
ترددت في إجابتها، لأنها تعلم أن ما سوف تتفوه به سيثير غضب والدها، وبعد صمت دام لثوانٍ قالت:
- أنا مش عايزة جواز صالونات، مش مقتنعة بيه خالص.
عقد ما بين حاجبيه وتمعن فيما قالت، فتدخلت والدتها بتهكم:
- قصدها يعنى يا حاج إنها عايزة واحد يكون بيحبها وبتحبه، من الأخر يكونوا بيحبوا بعض.
صاح يعقوب بغضب:
- مفيش المسخرة والكلام الفارغ دا، الحب بيجى بعد الجواز.
فقالت باندفاع:
- اشمعنا حضرتك أتجوزت أم يوسف -الله يرحمها- على ماما؟ بالتأكيد عشان كنت بتحبها قبل ما تتجوزها.
حدقت إليها والدتها بنظرة نارية ثم قالت:
- أنا هروح أصب الشاي.
أراد يوسف أن يهدأ من الأجواء المشتعلة فتدخل قائلًا:
- معلش يا بابا رقية بالتأكيد مش قصدها حاجة من اللي حضرتك فهمته، هى زي أي بنت عايزة اللى تتجوزه تكون مقتنعة بيه أو فيه إعجاب متبادل.
نهض والده وكأن الحوار الذي دار للتو لم يكن، فقال:
- سيبك منها أنا فاهم اللى فى دماغها، لأنه لو طلع إحساسي صح؟ هيبقى على جثتي إن ده يحصل.
ثم نظر إليها بحدة وتحدٍ يخبرها أن زواجها من ابن خالتها من المستحيل أن يوافق عليه.
※※※
وفي منزل عرفة كانت الأجواء ملبدة بالغيوم وكأن هناك عاصفة قادمة، يتجمعون حول المائدة، سأل زوجته:
- فين محمود؟
ابتلعت ما بفمها وأجابت:
- راح شغله من بدري.
لاحظ غياب مريم فسأل ابنته:
- مريم ما جتش تفطر ليه؟
وقبل أن تجيب خرجت مريم من الغرفة متجهة نحو خالها، مرتدية ثوب محتشم وتطلق خصلاتها على ظهرها، تمسك حقيبة يد، وقفت في مقابل المائدة، فسألها:
- لابسة كدا ورايحة على فين؟
أجابت بجدية وإصرار:
- أنا نازلة أدور على شغل.
ظهر على ملامحه الدهشة فسألها بتعجب:
- شغل! هو أنا قصرت معاكي فى حاجة يا مريم؟
هزت رأسها بالنفي وقالت:
- لا يا خالو، بس أنا عايزة أشتغل عشان مصاريف الكلية هتبقى كتير، وكفاية عليك اللي عملته معايا من وقت ما أخدتني عندك وربتني.
تبادل النظر مع زوجته، رمقها بعتاب وتأكد أن حديثهما وصل إلى ابنة شقيقته، عليه أن يصلح ما أفسدته زوجته حتى لا يخسر الأخرى كما خسر شقيقته للأبد، تنهد وألتفت إلى مريم قائلًا:
- ليه بتقولي كدا يا بنتي، أنا زى باباكي وواجب عليَّ أكبرك وأعلمك لحد ما أسلمك لعريسك، والشقة دى ليكي فيها ورث أمك الله يرحمها.
لا تريد أن تخوض مناقشة قد برمت أمرها من قبل:
- أنا طلبي واضح جداً، كل اللي أنا طلباه عايزة أشتغل، وأظن أنا خلاص ما بقتش صغيرة، وما تقلقش عليَّ، أنا بعرف أحافظ على نفسي قوي من أي حد يسمح لنفسه يتطاول عليَّ، أو حتى يجى جمبي.
نظرت إلى هويدا التي تهربت من النظر إليها، فقالت هويدا:
- وماله يا حبيبتي، الشغل مش عيب، سيبها يا عرفة تعمل اللي يريحها، مريم جدعة وشاطرة.
عقبت أمنية بعد ما جال في ذهنها فكرة لتتمكن من رؤية مَنْ يسلب قلبها:
- آه صح يا بابا مش الحاج يعقوب عنده كذا فرع وبالتأكيد بيبقى عايز بنات تشتغل عنده، ما تقوله على مريم وأنا كمان، وأنا واثقة إنه مش هيرفض لحضرتك طلب.
عقب والدها على حديثها:
- الحاج يعقوب ما بيشغلش عنده بنات، والسبب إنه مش عايز مشكلات خصوصًا إن جاسر ابنه ما بيسبش أي واحدة بتيجى تشتغل عندهم في حالها.
علقت والدتها على طلبها بامتعاض:
- شغل إيه يا بت اللي عايزة تنزليه دا، وإن شاء الله لما انتي ومريم تنزلوا الشغل مين اللي هيساعدني فى شغل البيت؟ ولا أنا الخدامة اللي جابها لكم أبوكي.
امتعضت ملامحها بحزن فقال لها والدها:
- أمك عندها حق يا أمنية، كفاية واحدة فيكم تشتغل.
التفت إلى مريم ونهض ليردف:
- وانتي يا مريم معلش، ادخلي غيري هدومك وأنا النهاردة بإذن الله هكلم الحاج عليكي ما تقلقيش، أهو على الأقل هتبقي قدام عيني.
※※※
- عمال تلف وتدور في الكلام ليه يا عرفة، كلم مريم وخليها تيجي، أنا هلاقي فين حد شاطر زيها و أمين يمسك الحسابات عندي؟
كان حديث يعقوب قد أثلج صدر عرفة، الذي شعر بالفرح فسأله ليتأكد:
- يعني يا حاج انت موافق تشتغل عندك بجد؟
ضحك من بطء استيعاب عرفة وقال:
- مالك يا عرفة؟ دا أنت بتسمع أحسن مني، ما أنا لسه قايلك هاتها تشتغل تمسك حسابات المحل، وأهي فرصة يوسف موجود يفهمها الشغل ماشي ازاي.
- ربنا يبارك لنا فيك يا حاج يعقوب وتفرح بيهم وهما عرسان وتشوف أحفادك يا رب.
عقب يعقوب بسرور:
"يا رب"
وكان يحدق نحو ابنه بنظرة تخفي أمرًا يريد حدوثه منذ سنوات، وها قد جاء الآن الوقت المناسب.
•
رواية ابناء يعقوب الفصل السادس 6 - بقلم ولاء رفعت علي
ما أشبه اليوم بالأمس، تتلاقى قلوب جمعها القدر لتكمل وصال قد انقطع منذ سنوات، عشق جديد سوف يولد في ذلك المكان الذي كان شاهدًا على قصة عشق لقلب ما زال يعيش على ذكراها.
-علي الراديو ده يا بني، خلينا نسمع الست بمزاج.
قالها يعقوب وأخذ يردد كلمات الأغنية:
"رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا..."
جلس عرفة أمام المكتب مبتسمًا:
- الله عليك يا حاج وأنت مزاجك رايق، بتفكرني ب ٢٢ سنة فاتوا.
كان ينظر نحو ابنه الذي يقف بجوار مريم الجالسة أمام شاشة الحاسوب
- تخيل بقى يا عرفة لما الأيام دي ترجع تاني.
عقد عرفة ما بين حاجبيه فسأله مستفسراً:
- ناوي تتجوز تاني يا حاج؟
أطلق الأخر قهقهة وأجاب:
- جواز تاني إيه؟ هو احنا هناخد زمانا وزمن غيرنا؟ وبعدين مفيش واحدة تقدر تملي مكان أم يوسف الله يرحمها.
- الله يرحمها، كانت أميرة وطيبة، ربنا يبارك لك في يوسف.
هكذا عقب عرفة ونظر نحو مريم و يوسف الذي كان يشير لها نحو شاشة الحاسوب، كان على مقربة شديدة منها، اخترقت رائحة عطره الزكية حاسة الشم لديها.
- بعد ما تخلصي حسابات الـ sheet تقومي دايسة save as من هنا عشان تقدري تحفظيه جوا الفولدر الخاص بالشهر، تمام؟
لم تجب عليه فكانت شاردة حتى انتبهت على ندائه إليها:
- آنسة مريم، آنسة مريم؟
نظرت إليه بحرج وقالت معتذرة:
- معلش، أصلي سرحت شوية.
حدق إليها مبتسمًا وأخبرها:
- شغل الحسابات مافيهوش سرحان، غلطة صغيرة من غير قصد هتبوظ الحسابات كلها، وخدي بالك الحاج ما بيرحمش، أنا ابنه أهو لو عملت غلطة أو قصرت في شغلي بيعلقني على باب المحل، أو يعملني تمثال ويعرض عليه الفوطة والبشكير.
أطلقت ضحكاتها رغمًا عنها:
- كفاية بالله عليك، بطني وجعتني من كتر الضحك.
ضبط ياقة قميصه بزهو وقال بمزاح:
- انتي لسه شوفتي حاجة؟ عايزة الكوميديا اللي على حق أقعدي مع أبويا مش هتقدري تفصلي من الضحك.
ابتسمت ثم عقبت:
- دا على كدا هذا الشبل من ذاك الأسد.
حك ذقنه قائلًا:
- الشبل كبر خلاص وبقى أسد، ولا انتي شايفة إيه؟
أخذ ينظر في عينيها فشعرت بالتوتر مرة أخرى وقرأ ذلك من ملامح وجهها، فأخبرها:
- دلوقتي الـ break أو على رأي الحاج ما بيقول (الفسحة).
ابتسمت وسألته:
- بتتكلم بجد؟
لم تستطع كتم ضحكاتها فأطلقتها مرة أخرى، فسألها:
- تحبي أطلب ليكي دليڤري ولا تيجي تاكلي معايا؟
تلقت طلبه بصدمة، هل يطلب منها أن تذهب برفقته؟
تركها تفكر فذهب إلى خالها عرفة وطلب منه إنه يريد تناول الطعام برفقتها في مكان عام ولن يتأخرا، وافق عرفة على مضض، بينما يعقوب كان يتراقص قلبه وهو يرى ابنه بدأ يقترب من الهدف الذي يتمناه له.
وفي الخارج كان يفتح إليها باب سيارته وهي تولج إلى الداخل، وعلى بُعد عدة أمتار يقف شقيقه مع أحد أصدقاء السوء الذي أشار إليه وسأله:
- الحق يا جاسر، مش اللي هناك ده الواد يوسف أخوك؟
لم يكترث إلى ما يشير إليه صديقه، فأشار إليه محذرًا إياه:
- أول وآخر مرة تقول كلمة أخوك دي، أنا مليش غير أخت واحدة.
ضحك الأخر وعقب:
- ليك حق طبعًا تغير منه، ما هو خارج من المحل مع بطل.
التفت إلى صوب ما ينظر إليه صديقه، فرأى شقيقه يقود السيارة وبجواره فتاة سبحان من أبدع في خلقها، ضيق عينيه بوعيد لن يأتي سوى بالشر.
ــــــــ
الشر كالنيران إذا لم تجد شيئًا تحرقه فإنها تحرق صاحبها.
صاحت سعاد برفض وإصرار نحو أمر تعلم نهايته:
- قولت لا يعني لا، مالقتش غير بنت يعقوب الراوي وعايز تتجوزها!
سألها بتعجب:
- مش المفروض بنت يعقوب الراوي دي تبقى بنت أختك برضو؟! يعني المفروض تكوني موافقة؟
جلست على الأريكة وأخبرته:
- أفهم يا أبو مخ تخين، أنا وانت عارفين اللي فيها، أبوها يطيق العمى ولا يطيقك، شايفك على طول انت اللي فسدت ابنه الكبير، وحتى خالتك ما بقتش طايقاني من وقت ما...
صمتت قبل أن تسرد ما تم دفنه بين طيات النسيان، وبدا ذلك على ملامحها وعينيها التي تنضح بالقلق والخوف من شبح الماضي، لم يغفل ابنها عن ذلك لذا سألها:
- مالك سكتي ليه يامه؟،ما تقولي فيه إيه؟ ما لها خالتي كمان؟
نهضت وهمت بالذهاب فأجابت حتى لا يسألها مرة أخرى ويكشف السر القديم:
- حضر نفسك بالليل عشان هاخدك ونروح عند خالتك، و أتمني يكون جوزها غير فكرته عنك وربنا يستر.
اتسع ثغره بابتسامة ثم قال بوعيد وصوت خافت نحو نقطة وهمية:
- اطمني يا أمي، حتى لو هو ماوافقش أنا هخليه يوافق.
ـــــــــــــ
حل المساء فأسدل الليل ستائره المظلمة على أنحاء المعمورة، بينما في منزل الحاج يعقوب هناك من تنتظر قدوم حبيبها ليتقدم لخطبتها، لكن تخشى ذلك اللقاء الذي حتمًا سينتهي بنشوب حرب ضروس لا تعلم مدى نتائجها، أو ما سيترتب عليها من أمور ربما ستؤول إلى نهاية ستدفع هي ثمنها.
- ما تقعديلك يا بنتي على جمب، بدل ما انتي رايحة جاية، جاية رايحة لما دوختيني معاكِ.
قالتها والدتها التي تجلس أمام التلفاز، وعندما تمعنت النظر إلى ابنتها، ضيقت عينيها فسألتها:
- انتي لابسة ليه كدا إن شاء الله ورايحة على فين؟
ازدردت لعابها بتوتر بالغ، اقتربت من والدتها لتخبرها بصوت خافت:
- بصراحة كنت عملاها لكم مفاجأة، وخصوصاً لبابا لما يجي من المحل.
حدقت إليها والدتها باستفهام:
- مفاجأة إيه؟ ولا تكون مصيبة وفي الأخر أنا اللي هاشيلها فوق دماغي، ما أنا عارفاكي انتي وجاسر أخوكي، تعملوا المصيبة وأنا اللي أخد التهزيق من أبوكم.
كانت على وشك أن تخبرها لكن قاطعها رنين جرس المنزل، ارتجفت وهي تنظر بخوف، تركتها والدتها و ذهبت لتفتح الباب ففوجئت بحمزة يقف أمامها ويحمل على يديه علبة شيكولاتة وتقف خلفه شقيقتها
- سلام عليكم يا خالتي.
التفت إلى ابنتها تحدق إليها بوعيد فنظرت الأخرى إلى الأسفل، قالت شقيقتها:
- جرى إيه يا راوية هتسيبنا واقفين على الباب كدا كتير؟
عادت ببصرها إليهما فأشارت نحو الداخل لديها:
- يا أهلًا و سهلًا، اتفضلوا.
ولج كلا من حمزة ووالدته إلى الداخل خلف خالته حتى غرفة استقبال الضيوف.
- اتفضلوا.
كانت رقية تنظر إلى حمزة بابتسامة تلاشت عندما سألت والدتها:
- خير يا حمزة، ما كلمتنيش يعني قبل ما تيجوا؟ ولا حتى أمك رفعت سماعة التليفون وقالت أنكم جايين.
نظر إلى رقية أولًا ثم إلى خالته وأجاب:
- والله يا خالتي حبينا بس...
قاطعته والدته وهي تنظر إلى شقيقتها بامتعاض:
- فيه إيه يا راوية؟ هو احنا أغراب يا ختي عشان نتصل ونستأذن قبل ما نيجي؟ ولا خلاص ما بقيناش قد المقام؟
رمق والدته بتحذير ثم عقب موضحاً إلى خالته:
- أمي بالتأكيد ما تقصدش حاجة يا خالتي، ومعلش إن احنا جينا لكم فجأة، أُمال فين عمي؟
صدح رنين الجرس مرة أخرى فانتفضت رقية وقالت والدتها:
- عمك اللى بيرن الجرس دا، عن إذنكم لما أقوم أفتح له.
وألقت نظرة إلى ابنتها التي أطلقت ساقيها إلى غرفتها، بينما راوية فتحت الباب واستقبلت زوجها:
- اتفضل يا حاج.
اقتربت منه وهمست إليه لتخبره بزيارة شقيقتها وابنها، نظر نحو غرفة الضيوف فسألها:
- أُمال رقية فين؟
- أول ما سمعت صوت الجرس جريت على أوضتها.
هز رأسه و في رأسه يعقد العزم على أمر لابد من وضع حداً نهائياً له، فأخبر زوجته:
- خليها جوا لحد ما أقولك أندهي عليها.
سألتها بتوجس، تخشى حدوث نشوب حرب على وشك أن تشتعل بعد قليل:
- هو أنت ناوي على إيه بالظبط؟
بحزم كان يحدق نحوها ثم قال:
- اعملي اللي أنا بقولك عليه وانتي ساكتة.
أومأت له بطاعة قائلة:
- أمرك يا حاج.
ذهب إلى غرفة الضيوف وألقى التحية فرددتها سعاد وابنها الذي نهض مبتسماً ومد يده إلى يعقوب:
- أزيك يا عمي؟
تجاهل يعقوب مصافحته بل وأشار إليه بامتعاض بأن يجلس، رفعت سعاد زاوية فمها بتهكم على ما تراه من عدم ترحيب، كما كانت تتوقع وتخبر ابنها قبل المجيء إلى هنا.
وضع حمزة يده جانبه وهو يجز على أسنانه، لكن ما زال محتفظاً بتلك الابتسامة التي يخبئ خلفها وجه إبليس الرجيم.
- معلش يا عمي إن احنا جايين من غير ميعاد، بس في الأول والآخر احنا أهل، ومفيش ما بينا الرسميات دي.
باغته يعقوب بسؤال أجفله:
- من غير رغي كتير، اتفضل قول الكلمتين اللي جاي تقولهم.
ابتلع تلك المعاملة الجافة على مضض، فكل شيء يهون من أجل الوصول إلى هدفه الذي خطط إليه منذ سنوات.
اعتدل في جلسته وبدأ يخبره:
- مبدأياً كدا يا عمي أنا الحمد لله ربنا فتحها عليَّ وعندي محل لبيع وتصليح الموبايلات وبكسب منه حلو، وعندي شقتي بدأت أجهز فيها.
تحمحم ليردف:
- فأنا يا عمي يشرفني إن أطلب منك إيد بنتك رقية.
ساد الصمت قليلًا حتى قاطعه صوت يعقوب الرخيم:
- وأنا ما يشرفنيش إن أجوزك بنتي.
اتسعت أعين والدة حمزة والصدمة غزت ملامحها، لم يقل ابنها حالًا عنها، لكنه ظل يكبت غضبه إلى الرمق الأخير، فسأله ببراءة التمساح عندما يتربص إلى أعدائه:
- ليه حضرتك بتقول كدا؟ مش من يوم ما أبويا مات وانت في مقام أبويا وأنا زي ابنك؟
رفع يعقوب حاجبه وهو يرمق حمزة بنظرة يخبره أن تمثيله الوداعة والبراءة لن يجعله ينخدع فيه، لذا أجاب:
- أولاً انت مش ابني، وأولادي جاسر ويوسف ورقية، مفيش واحد فيهم بتاع حشيش ولا بتاع ستات، ولا غشاش يروح يشتري الموبايلات المستعملة ويصلحها ويرجعها كأنها جديدة ويرجع يبيعها للناس على إنها لسه بالكرتونة.
ابتلع تلك الإهانة بشق الأنفس، فقال:
- أنا كنت بعمل كدا فعلاً، بس بطلت وبقيت ماشي سليم.
- بس الأساس فاسد.
قالها يعقوب بصوت مرتفع أجفل من بالغرفة، وكانت زوجته تعلم ما سوف يحدث، لذلك كانت تقف في الخارج وتستمع.
نهض حمزة وفاض به الكيل فأخبره بتحدٍ:
- بس أنا بحب بنتك وعايز أتجوزها.
نهض يعقوب وحدق إليه بغضب قائلاً:
- وأنا مش موافق.
رد بتحدٍ مرة أخرى:
- بس هي موافقة وبتحبني وعايزاني.
نهضت سعاد واقتربت من ابنها تمسكه من ساعده:
- يلا يا حمزة، قالك مش موافق يلا نمشي.
اقترب يعقوب نحو ابنها ووقف أمامه مباشرة مبتسمًا بدهاء فصاح إلى زوجته:
- راوية أندهي على بنتك وخليها تيجي.
أطاعت أمره، بينما هو ما زال يحدق إليه بنفس الابتسامة مردفاً:
- أنا بنتي بتعمل اللي بقولها عليه، حتى هتسمع وتشوف بنفسك.
رفع حمزة جانب فمه مبتسماً بسخرية ثم التفت إلى التي ولجت للتو إلى الغرفة تنظر بخجل ووجل إلى أسفل قائلة:
- نعم يا بابا.
وضع يديه خلف ظهرها وأخبرها:
- البيه ابن خالتك جاى يطلب إيدك مني وأنا رفضت وقلت له أسبابي، مش مصدقني لما قلت له عمرك ما هتعملي حاجة أنا مش موافق عليها.
رفعت وجهها ونظرت إلى والدها بتوجس وهي تخبره برغبتها:
- بس أنا يا بابا بحب حمزة ومش هتجوز غيره.
حاول أن يهدأ من روعه حتى لا ينفعل ويغضب عليها، فقال:
- ابقي أتجوزيه بس لما أبقى أموت.
و نظر إلى حمزة ووالدته فقال لهما دون تردد:
- شرفتم يا حضرات.
صاحت سعاد بغضب:
- انت بتطردنا من بيتك يا يعقوب؟
ولجت راوية لتهدأ من نيران الأجواء المشتعلة قائلة:
- معلش يا ختي حقك عليَّ، الحاج ما يقصدش.
عقب ابن شقيقتها وهو ينظر إلى يعقوب بعدائية ووعيد قائلاً:
- لا يقصد يا خالتي، ويكون في علمكم كلكم رقية هتبقى مراتي غصب عن أي حد.
أشار إليه زوج خالته إلى الخارج:
- اطلع برة.
وضعت رقية كفها على فمها ثم توسلت إلى والدها:
- أرجوك يا بابا إديله فرصة بـ...
صاح بصوت جعلها انتفضت بفزع:
- اخرسي خالص وخشي جوا أوضتك.
بينما حمزة قبل أن يغادر، صاح بتحدٍ:
- أنا ماشي، بس أفتكر كلامي كويس، بنتك مش هتبقى لحد غيري وهيحصل على حياة عينك يا يعقوب يا راوي.
ــــــــــــــــ
ما أجمل البدايات التي تجعلك تحلق بمخيلتك إلى الآفاق، و لمَ لا؟ فبدون الخيال لا وجود للواقع، وها هي تتمدد على السرير شاردة في أحداث اليوم، انتبهت لفتح الباب واطمئن قلبها حين ولجت ابنة خالها، تحمل إناء زجاجي مليء بالذرة المقلية وتسألها:
- اللى شاغل عقلك يا ست مريم؟
نهضت بجذعها وابتسمت ثم أخبرتها بخجل:
- عادى يعني، هو لازم عشان سرحانة يبقى بفكر في حد؟
هزت الأخرى رأسها وقالت:
- ما هو مفيش تفسير غير كدا وخصوصاً بعد ما عرفت إن اللي كان مقضي معاكي اليوم كله يوسف الراوي.
غمزت بعينها، فضربت الحمرة وجنتي مريم، فأردفت أمنية:
- للدرجة دي سيرته بتخلي خدودك يحمروا كدا؟ إيه الصنارة لحقت تغمز؟
أشاحت وجهها جانباً وأجابت:
- بس بقي يا سوسة، ولنفترض هو فين وأنا فين، اللي زيه يوم ما يحب ويتجوز هاتكون واحدة من مستواه الاجتماعي والعلمي، ده أنا عرفت كمان إنه هايتعين معيد في الجامعة.
جلست أمنية بجوارها وابتلعت ما بفمها ثم قالت:
- عارفة إحساسي المرهف بيقولي إن يوسف دا هيحبك وهيطلبك للجواز على طول، لأن كنت بسمع بابا دايماً بيتكلم عليه إنه دوغري وبيحب يعمل كل حاجة بالأصول، إحنا البنات بنسمي النوع دا بـ good boy، النوع دا يليق معاكي جداً، لكن أنا بقى مش عايزة غير جاسر الـ bad boy حقي.
لم تتمالك مريم نفسها أكثر من ذلك فأطلقت ضحكاتها ثم عقبت:
- والله العظيم انتي مشكلة، يا رب يهديه ليكي ويحبك زى ما بتحبيه.
صاحت برفض تام:
- لا، أنا عايزاه كدا، هو عاجبني كدا، تغيره هيبقى على إيدي أنا، عشان يبقى أول مرة أعمل في حياتي إنجاز.
ضربت كفها في كفها الأخر فسألتها:
- طيب افرضي طلع بيحب واحدة تانية، هاتعملي إيه؟
أمسكت بهاتفها وأجابت:
- عيب عليكي، أنا خليته أتعلق وتقريباً ما بقاش يحب حد غيري.
عقدت الأخرى ما بين حاجبيها، فسألتها:
- ازاي؟
فتحت شاشة هاتفها وأجابت:
- هوريكي حاجة بس بيني وبينك.
أومأت إليها مريم وقالت:
- اطمني سرك جمب إخواته جوا البير.
ضحكت ومدت يدها بهاتفها أمام أعين مريم وقالت:
- ده الأكونت بتاع جاسر الراوي، بقالنا شهور بنكلم بعض، وكمان بيبعت لى فويس بصوته، مش قادرة أقولك لما بسمع صوته بيحصلي إيه؟
سألتها الأخرى:
- طيب هو عارف انتي مين؟
نظرت إلى أسفل بحزن وقالت:
- لا، أنا بكلمه من أكونت غير بتاعي وباسم غير اسمي، أنا عارفة دا غلط، بس قلت يمكن يحبني ويتعلق بيا و بعدين أقوله الحقيقة.
- انتي بتضحكي على نفسك يا أمنية، هو فيه واحد عاقل هيحب واحدة ولا شافها ولا يعرفها ولا حتى يعرف اسمها الحقيقي من على الفيس؟! انتي بتشتغليه ولا بتشتغلي نفسك؟
نهضت من جوارها والحيرة تأكل قلبها:
- ما أنا خايفة أكلمه باسمي الحقيقي ويعرف أنا مين، وأمي وأبويا وأخويا لو عرفوا ممكن يدبحوني.
نهضت مريم و وقفت بجوارها لتخبرها:
- والله اللي أنا شايفاه إنك لازم تكوني صريحة مع نفسك قبل ما تكوني صريحة معاه، مش يمكن هو كمان بيحبك وخايف يكلمك وتحصل مشكلة ما بينه وبين خالي؟
نظرت إلى نقطة وهمية تسألها:
- تفتكري؟
وضعت يدها على كتف صديقتها وابنة خالها ثم قالت:
- كل شيء جايز.
ــــــــــــ
بداخل غرفة مليئة برائحة السجائر وزجاجات خمر متناثرة في الأرجاء، ثياب مبعثرة وملقاة بشكل عشوائي على الأرض، وصوت أنفاس ترتفع وتنخفض، كان متمدد بجانب فتاة، يلتقط أنفاسه وقطرات العرق تنتشر على جبينه فقام بتجفيفها بيده، مد يده نحو الكمود المجاور له والتقط علبة السجائر والقداحة، فأشعل سيجاراً وسحب نفساً عميقاً ثم نفثه من أنفه و فمه.
تذكر أمر يحيره منذ فترة، وهي صاحبة الحساب المجهول، أخذ هاتفه ليرى هل أرسلت إليه شيئاً أم لا، وقرر أن يتلاعب بها كما تفعل حتى يعلم بهويتها الحقيقية.
قام بتسجيل رسالة صوتية محتواها كالآتي:
- مساء الخير ولا نقول صباح الخير، عاملة إيه؟ وحشاني، على فكرة اكتشفت إن بقيت متعلق بيكي وتقريباً حبيتك، يا ريت أكون أعرفك وأشوفك، من الأخر أنا بحبك.
ضغط إرسال، وبعد إرسال الرسالة أعطاه الهاتف الإنذار الأخير بانخفاض بطارية الشحن، ثم أُغلق الهاتف تماماً.
- مين يا بيبي اللى بتبعت لها فويس دى؟
سألته الفتاة التي توسدت صدره العاري، فأجاب بسخرية:
- دي واحدة شكلها من البنات اللي كنت أعرفهم وبتشتغلني.
- طيب ما تعملها بلوك.
نفث الدخان باستمتاع وقال:
- لما أعرف هي مين الأول، وبعدها هعرفها مين هو جاسر الراوي ومصيرها زى مصير أي واحدة وقعت في طريقي.
انتهي من حديثه و نفث دخان سيجاره في الهواء
•
رواية ابناء يعقوب الفصل السابع 7 - بقلم ولاء رفعت علي
تمر الأيام بالفرح والحزن، قلوب تعلقت وقلوب يجافيها النوم، وهناك قلوب قد نما بداخلها الحب وبدأ يترعرع، وتلك الكلمات الأخيرة وصفاً كافياً لحالة مريم، التي انجذبت إلى يوسف رغمًا عنها وكذلك هو، لكن كليهما يحتفظ بهذا الحب سرًا داخل قلبه.
وصلت اليوم باكرًا حيث لا يوجد سوى خالها والعمال، كان العمال يقومون بترتيب البضائع حتى يفرغون مكان للبضائع الجديدة التي ذهب يعقوب وابنه يوسف لجلبها من ميناء بورسعيد.
جلست تتابع عملها على الحاسوب كما تفعل كل يوم، تنظر في الشاشة بتركيز حتى لا تخطئ في تسجيل الحسابات، إذا بها تنتفض، حيث وجدت يد وضعت فوق يدها، التفتت برأسها ونظرت إلى صاحب اليد ذات القبضة القوية.
- أستاذ جاسر لو سمحت ألتزم حدودك.
أخذ يضحك حتى توقف عن الضحك وقال:
- حلوة قوي أستاذ جاسر منك، وبعدين إيه ألتزم حدودك دي! انتي هنا بتشتغلي عندي وأي واحدة بتيجي تشتغل هنا بيبقى هدفها جاسر الراوي.
استطاعت إفلات يدها من تحت قبضته وعقبت على حديثه بتهكم:
- إيه كمية النرجسية اللي انت عايش فيها دي، غير إن أصلًا مش بشتغل عندك، أنا اللي شغلني الحاج يعقوب اللي لما يرجع...
دنا منها وأحاطها بذراعيه على الكرسي حيث يستند بكل يد على كل مسند مقاطعاً إياها:
- إيه هتشتكي له وتقولي ابنك حط إيده على إيدي؟
حدقت إليه بازدراء وقالت:
- لا، هقوله ربي ابنك اللي واخد في نفسه مقلب وفاكر كل البنات هتجنن عليه.
اقترب بوجهه من وجهها وهي تتراجع إلى الوراء، كانت تخشى أن يقترف شيئاً أحمق، شعرت بأنفاسه الحارة كالهواء في عز ظهيرة يوم في منتصف موسم الصيف:
- ما انتي لما هتقربي مني هتحبيني.
رمقت إليه بتحدٍ قائلة:
- ده من عاشر المستحيلات، وعلى فكرة أنا مرتبطة.
سألها مبتسمًا بتهكم:
- مرتبطة بأخويا يوسف؟
أجفلها بهذا السؤال وكانت نظراته تترقب إجابتها على أحر من الجمر، وعيناه تشتعلان من الحقد و الغضب، صاح بها:
- ما تردي.
ابتلعت لعابها بخوفٍ فأجابت على مضض:
- لا، مرتبطة بواحد تاني.
نظراته المخيفة جعلتها تكذب، وتخشى أن يُخبر شقيقه بذلك وسوف تكون في موقف لا تُحسد عليه، ظل يتبادلان النظرات حتى جاء عرفة للتو يخبره:
- كل اللي في المخزن خليت العمال يخرجوه ويرصوه على الأرفف، أي أوامر تانية يا جاسر؟
استدار إليه وكأنه وجد أخيرًا من يصب فوقه غضبه، صاح:
- اسمي جاسر بيه، مش منبه عليك مليون مرة تناديني باللقب دا.
نهضت مريم ووقفت أمامه وصاحت به:
- هو انت مين أصلًا عشان عمال تتكبر على اللي أكبر منك سنًا؟
جذبها من عضدها بقوة وأخبرها من بين أسنانه:
- وانتي مالك، هتعرفيني أتعامل مع اللي شغالين عندي ازاي؟
توسل عرفة إليه:
- عشان خاطري يا جاسر بيه، سيبها هي بالتأكيد ما تقصدش حاجة.
التفت إليه مرة أخرى ووبخه:
- وانت عمال تتحامي ليها كانت من باقي عيلتك؟
- لأنه يبقى خالي.
ـــــــــــــــــ
صوت مياه البحر وأصوات الطيور كافية لعمل أجمل الألحان تطرب السمع، ينصت إليها يعقوب باستمتاع ويخبر ابنه الذي يجلس أمامه حول المنضدة:
- عارف يا يوسف يا بني، المكان ده جينا فيه أنا وأمك الله يرحمها، كان قبل ما نتجوز، عمري ما كنت أتصور إنها تسيبني بسرعة قوي كدا.
كان يستمع إلى والده بسعادة فسأله:
- معقولة يا بابا كنت بتحب ماما الله يرحمها قوي كدا؟
تنهد والده ثم نظر إلى مياه البحر وأجاب:
- كنت وما زالت، دا حبها بيزيد في قلبي كل يوم، رقية دي كانت جنة الدنيا اللي ربنا رزقني بيها، كنت بشوفها ملاك عايش في وسطنا.
- تعرف يا بابا، من كتر كلامك عليها، حسيت إني كنت عايش معاها، أنا بتمنى أن ربنا يرزقني بزوجة زيها بالظبط.
وحينما أخبره والده بذلك، أطلق يوسف زفرة بأريحية، اقتصر طريق طويل من الشرح والحديث حول الموضوع الذي يريد أن يحدثه عنه.
- أنت كدا وفرت عليَّ اللي عايز أقوله ليك.
عقد ما بين حاجبيه وسأله:
- حضرتك تقصد إيه؟
أجاب يعقوب ويتمنى من داخله أن يصدق حدسه:
- مش أنت لسه بتقول نفسك تتجوز واحدة زى أمك الله يرحمها، أنا بقى بقولك موجودة بس مش زيها بالظبط لكن فيها منها كتير، هادية ومحترمة وبنت أصول، ظروف حياتكم تشبه بعض.
باغته بسؤاله:
- حضرتك قصدك على مريم؟
رفع حاجبه بدهشة من فطنة ابنه فقال إليه:
- وهي فيه غيرها، أديك أتعاملت معاها وتقريباً تعرف عنها كل حاجة، حتى كمان بتحب العلام زيك و مجتهدة، بتشتغل عشان تكمل تعليمها، تلاقيها مش عايزة تحمل خالها فوق طاقته، ويا عالم مراته الحرباية قالت لها كلمتين مش تمام، من الأخر البنت دى عجباني قوي وبتمناها ليك، أنت إيه رأيك؟
أجاب الأخر:
- مش لما أعرف رأيها هي الأول؟
ضحك والده ثم أخبره:
- اطمن هي بتحبك ويمكن أكتر، اسالني أنا، من نظرة واحدة بعرف اللي قدامي دا قلبه مشغول ولا لأ.
أومأ إلى والده وقال:
- ماشي يا بابا لما نرجع بإذن الله هبقى أكلمها ولو طلعت زى ما حضرتك بتقول يبقى نروح أنا وانت وماما راوية نطلب إيديها.
ربت يعقوب على يد ابنه بحنان قائلًا:
- ربنا يكتب لك كل خير يا غالي يا ابن الغالية.
ـــــــــــــــــ
انتهت من عملها للتو فسألت خالها:
- خالو أنا خلصت شغلي، أنت مروح معايا؟
كان عرفة يمسك بدفتر ويدون علامة أمام كل نوع بضاعة بعدما يتأكد من ترتيبها على الرفوف، أجاب:
- لا، أنا قدامي ساعة، عقبال ما أخلص، روحي انتي يا حبيبتي.
غادرت المتجر وسارت على اليمين حتى خرجت إلى الشارع الرئيسي ومن ثم منه إلى شارع هادئ يؤدي إلى الشارع الذي يوجد فيه منزل خالها.
شعرت بخطوات تسير خلفها بتؤدة فتوقفت فجأة والتفتت فلم تجد أحداً، وإذا بهرة تقفز من نافذة منزل مهجور جعلتها تنتفض بذعر، رددت بعض الأذكار واستدارت لتسير إلى الاتجاه الصحيح، وفي خلال برهة جذبتها قبضة قوية ودفعتها إلى داخل المنزل المهجور، كادت تصرخ لكن ذلك الذي يلتصق بجسدها المصطدم بالجدار المتصدع قام بتكميم فاها وأخبرها بتحذير:
- لو صرختي أو عملتي أي حاجة، عارفة دي؟
رفع أمام عينيها مُدية، اتسعت عينيها بذعر فابتسم بسعادة من خوفها الذي يشعره بلذة، أردف تحذيره إليها:
- دى هقوم قاطع بيها رقبتك الجميلة لحد ما أفصل ليكي راسك عن جسمك.
وهبط ببصره نحو مفاتنها التي يجسدها الثوب الأحمر القاني الذي ترتديه.
- أنا هاشيل إيدي ونتكلم مع بعض بالعقل، أصلك بصراحة دخلتي مزاجي قوي وعجبتيني، لا، و طلع عمي عرفة خالك يعني زيتنا في دقيقنا.
كانت تتحدث من أسفل يده ولم يفهم من همهماتها حرفًا واحدًا، فأبعد يده وسألها:
- كنتي بتقولي إيه يا قمر؟
- كنت بقول أنك لو آخر راجل في العالم عمري حتى ما هبص ليك، واللي في دماغك دا تنساه خالص، لأنك مش الراجل اللي أتمناه.
قالتها وأخذت تدفعه عنها في صدره، فأمسك برسغها وسألها بغضب:
- جرى إيه يا بت؟ أنت اللي زيك يتمنوا بس أعدي من قدامهم.
حاولت جذب يدها وقالت:
- وأنا مش زيهم، ممكن تبعد عني بقى وتسيبني في حالي.
أخذ يتجول ببصره على أنحاء وجهها ومن ثم جسدها، أعاد المدية إلى جيب بنطاله الخلفي فقال لها:
- طيب ما تيجي نتجوز عرفي وأوعدك هخليكي تعيشي ملكة.
حدقت إليه بسخرية وسألته:
- أنت بجد مصدق نفسك ولا بتستعبط؟ جاسر يا راوي انت اللى زيك المفروض يروح يتعالج ولا يروح يتوب لربنا عن القرف اللي انت عايش فيه، والله بستغرب ازاى انت ابن الحاج يعقوب ولا حتى أخو يوسف.
وعندما ذكرت اسم شقيقه جذبها من خصلاتها:
- شايفاني مجنون يا بنت الـ...، وربنا لأكسر عينك وهخليكي تبوسي إيدي عشان أرحمك.
كاد ينقض عليها ليقبلها عنوة فقامت بركله بكل قوتها ما بين ساقيه، تألم بشدة وصرخ مبتعداً عنها، استغلت ألمه وتمكنت من الفرار، أخذت تركض حتى وصلت أمام البناء توقفت لتلتقط أنفاسها، ألقت نظرة خلفها فلم تجده، حمدت ربها إنها استطاعت الفرار منه، عادت بالنظر أمامها فشهقت عندما رأت ابن خالها فسألها:
- فيه إيه شوفتي عفريت؟
حدقت إليه بازدراء وأجابت:
- تصدق بالله العفريت عندي أرحم بكتير.
تصنع الوداعة والبراءة فقال:
- الله يسامحك، وأنا اللي كنت مستنيكي عشان أقولك إن أنا مسافر بكرة رايح شغل في الغردقة، هقعد هناك شهرين وهنزل أجازة عشر أيام، هتوحشيني يا مريومة.
افترقت شفتيها بابتسامة صفراء وأخبرته:
- ما تشوفش وحش.
نظر إليها بعتاب:
- بدل ما تقولي ليا أنت كمان هتوحشني يا ابن خالي؟ مش كفاية عورتيني بالسكينة وعديتهالك وأمي لما سألتني قولت لها دي إصابة عمل.
رفعت سبابتها أمام وجهه قائلة:
- عارف يا محمود، أنا لولا صلة الدم اللي ما بينا ولولا خالي كان زماني بدل ما رشقت السكينة في إيدك كنت رشقتها في قلبك وخلصت منك، يلا غور من قدامي.
ولجت إلى داخل البناء وتركته ينظر في إثرها بتعجب قائلًا:
- ماشي يا مريم كلها شهرين وراجع ليكي يا بنت عمتي.
ــــــــــــــ
ما أقسى العشق حينما تتحداه الظروف، فكم من شخص أراد أن تكتمل قصة حبه و أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، لتخط النهاية قبل بدايتها.
تزرع الأرض ذهابًا وإيابًا وتمسك بهاتفها تجري اتصالها المائة ولم يرد، فكان ذلك الحال قد مر عليه أكثر من يومين، كاد التفكير يقتلها تود رؤيته ووالدها قد أقسم أن لا تخطو قدميها خارج المنزل، انتبهت إلى حركة والدتها في الخارج وهي تخبرها بصوت جهوري:
- رقية؟
خرجت من غرفتها وأجابت:
- نعم.
- نعم الله عليكي يا قلب أمك، أنا نازلة السوق، أبوكي أتصل وقال هيجوا هو ويوسف على آخر النهار، وأخوكي جاسر اللي هيشلني عن قريب بقاله يومين بايت برة، بالتأكيد ما صدق أبوه مش هنا، هتلاقيه بايت عند أصحابه الصايعين زيه، ويا ريت ما أنزلش من هنا تقومي متصلة بابن خالتك اللي ما جالناش من وراه غير وجع القلب.
أومأت لها بمكر وقالت:
- حاضر يا ماما، أنا أصلًا مش بكلمه من وقتها.
- يا ريت ما تكونيش بتضحكي عليَّ، يلا خدي بالك من نفسك واقفلي الباب ورايا.
غادرت والدتها المنزل بينما هي عادت إلى غرفتها وكادت تجلس على الفراش وتمسك هاتفها، ثم تراجعت عندما سمعت رنين جرس المنزل، زفرت بضجر وقالت:
- شكلها نسيت حاجة كالعادة، حاضر يا ماما.
خرجت وقامت بفتح الباب:
- انتي نسيتـ...
شهقت عندما رأته يقف أمامها:
- انت ازاي طلعت هنا وأمي لسه نازلة؟
دفعها برفق نحو الداخل ودخل ثم أغلق الباب وأوصده بالقفل ذو المزلاج المعدني
صاحت رقية:
- انت بتعمل إيه، يلا أمشي، أمي لو رجعت وشافتنا هتبقى مصيبة وهيبقى فيها موتي لو جاسر رجع دلوقتي.
اقترب منها وجذبها من يدها وأحاط بها بذراعيه وقال:
- صوتك العالي دا اللي هيفضحنا، اطمني خالتي أنا حافظها، قدامها ساعة ولا اتنين عقبال ما تشتري من السوق، وجاسر لسه مكلمه وقافل معاه، بايت عند واحد صاحبه وهيجى بالليل، وأبوكي و يوسف في بورسعيد زى ما جاسر قال لي وقدامهم لبليل عقبال ما يرجعوا.
حاولت التملص من بين يديه لتبتعد عنه:
- يعني عايز إيه برضو؟ خلاص اللي ما بينا أنتهى وأبويا جاب لك النهاية.
جذبها بقوة إلى صدره وأخبرها بإصرار ينضح من عينيه:
- اللي بينا لسه موجود، وأبوكي دا كلامه على نفسه مش عليَّ، انتي بتاعتي برضاه ولا غصب عنه وعن أى حد.
حاولت التخلص من بين ذراعيه قائلة:
- عايزني أقف قدام أبويا ولا أتجوزك غصب عنه؟
سار بها نحو غرفتها ويخبرها في طريقه:
قدامك حلين الأول نهرب سوا على أي بلد بعيدة ونتجوز.
استطاعت أن تفلت من بين ذراعيه ودفعته من أمامه وقالت:
- مستحيل، وإيه اللي يجبرني أعيش هربانة وكمان أبيع أهلي؟ أنا بحبك ما نكرش، بس ممكن نصبر لحد ما أبويا يصلح فكرته عنك ويوافق عليك في الأخر.
ظل يحدق إليها بنظرة دبت الرعب في أوصالها، أمسكت بتلابيب ثوبها وهي تتراجع خطوة خطوة إلى الوراء، تسأله بتوجس:
- حمزة هو انت شارب حاجة؟
يقترب منها خطوة خطوة قائلاً:
- أبوكي اللي اضطرني أعمل كدا، يمكن لما يتحط قدام الأمر الواقع يوافق وغصب عنه.
ازدردت ريقها بخوف ووضعت يدها على مقبض باب غرفتها:
- حمزة، انسى خالص على اللي أنت ناوي عليه، أنا كنت غلطانة لما كنت بسيبك تتجاوز حدودك معايا بحجة إننا بنحب بعض وهنتجوز وإن أنا مراتك قدام ربنا، أهو آخرة الحرام أبويا مش راضي وأمي وأمك خسروا بعض.
- الحرام فعلًا اللي أبوكي بيعمله معايا، ومفيش غير الحل دا عشان نكون مع بعض.
قالها وفي عينيه وعيد كالنيران التي تحرق كل ما يقابلها، اعتدى عليها ولم يرحم توسلاتها لكى يتركها وكأنها حق ملكية له ويجب أن يأخذه بالقوة، أو ربما هذه بداية المخطط الذي يُعد له منذ زمن.
•
رواية ابناء يعقوب الفصل الثامن 8 - بقلم ولاء رفعت علي
التهاون والتمادي في الخطأ تحت جملة قد ألفها مَنْ يريد أن يحلل (الزنا) تحت عبارة «علاقة غير كاملة»، لا يعلمون أن ذلك الأمر في أغلب الأحيان لم ينتهِ سوي بكارثة، وهذا ما حدث لرقية، عندما تركته يتجاوز حده المسموح به معها، فعلم كم هي ضعيفة أمامه ومن السهل السيطرة عليها، كما لن تستطع التفوه بحرفٍ من هذا الأمر إلى عائلتها خوفاً من العاقبة التي ستقع فوق رأسها.
تجلس في زاوية تبكي بقهر وألم، تمسك بثوبها الممزق، بينما هو قد نهض بثقل، لم يتحمل بكائها لذا صاح بها بضجر:
- ما خلاص يا حب، عياطك مالهوش فايدة.
التفت إليه وحدقت إليه بازدراء وأخذت تردد من نبع قلبها:
- أنا بكرهك، بكرهك.
جلس بجوارها وكاد يمد يده ليضعها على ظهرها:
- ما هو كان لازم ده يحصل عـ...
قاطعته صارخة ونهضت من جواره وجسدها ينتفض:
- ما تلمسنيش، ولو كنت فاكر بعملتك دي إننا هنتجوز، فأنا بقولك لا وألف لا.
نهض من جوارها قائلاً:
- أنا مش هاخد على كلامك لأن عاذرك ومقدر الحالة اللي انتي فيها.
انحنى بجذعه نحوها وحدق صوب عينيها بنظرة شيطان لعين فأردف:
- بصي جمبك وهتعرفي إنه خلاص كلمة لا دى جات متأخر قوي قوي يا روقا، أستأذنك بقى قبل ما خالتي تيجي، سلام يا حب.
أرسل إليها قبلة في الهواء وتركها كالحطام المندثر وفؤادها يذرف الدماء على حالها الذي يرثى له.
ــــــــــــــــ
ترجل من السيارة أمام متجره فاستقبله العمال وعلى رأسهم العم عرفة بحفاوة:
- حمد لله على السلامة يا حاج يعقوب أنت والأستاذ يوسف.
رد يعقوب:
- الله يسلمك يا عرفة.
- الله يسلمك يا عم عرفة.
كان يوسف الذي اتبع والده إلى الداخل وخلفهما عرفة، فقال يعقوب إليه:
خلي الرجالة ياخدوا بالهم من البضاعة ويرصوها كويس.
- أمرك يا حاج.
نظر يعقوب من حوله يبحث عن شيء ما، فسأله:
- أُمال فين جاسر؟
لم يعلم عرفة ماذا سيخبره، ويخشى أن يقول له أن جاسر لم يأتِ منذ يومين وهو من يباشر العمل بنفسه وذلك تجنباً لشر جاسر.
- والله يا حاج...
قاطعه دخول جاسر الذي وصل للتو:
- حمد لله على السلامة يا أبو جاسر.
قالها وهو ينظر إلى شقيقه ليخبره إنه يقصد ما تعمد قول ذلك، أشاح يوسف وجهه ونظر إلى والده قائلًا:
- أنا هروح أشوف مريم عملت إيه في حسابات آخر يومين.
فأخبره عرفة:
- معلش يا يوسف، مريم مشيت بدري عشان كانت تعبانة شوية، ماكنتش عايزة تمشي فقولت لها تروح و ترتاح.
رد يوسف والقلق ينضح من عينيه:
- أنا هكلمها أطمن عليها.
عقب جاسر بسخرية:
- يا حنين.
حدق إليه يوسف بغضب قائلًا:
- خلي تعليقاتك السخيفة دي لنفسك.
- خلاص انت وهو، هتتخانقوا قدامي وفي محل أكل عيشنا؟
رد يوسف معتذراً:
- آسف يا بابا.
بينما جاسر اكتفى بالتحديق نحو شقيقه بعدائية لم تتغير منذ أن كانا في مرحلة الطفولة.
أشار إليهما والدهما نحو المقاعد أمام المكتب:
- اتفضلوا أقعدوا عشان عايزكم فى موضوع مهم.
كاد عرفة أن يذهب قائلًا:
- عن إذنكم يا جماعة.
أوقفه يعقوب وأشار إليه نحو مقعد شاغر وأمره:
- اقعد يا عرفة عشان عايزك أنت كمان في نفس الموضوع.
جلس الثلاثة وأنصتوا إلى يعقوب:
- دلوقتي يوسف خلص الجامعة والشغل الحمد لله موجود هنا وهيتعين بإذن الله معيد في الكلية، وجاسر كان نفسي يكمل تعليمه بس هو اكتفى بالدبلوم اللي خده بالعافية.
أطلق جاسر زفرة ثم نهض قائلًا:
- بما إن فيها تلقيح كلام يبقى بلاها قعدة.
صاح والده بأمر:
- اقعد مكانك، لما أخلص كلامي ابقى قوم.
جلس جاسر على مضض، فأردف يعقوب قائلًا:
- أنا عايز أفرح بيكم وأشوف أحفادي قبل ما أقابل رب كريم.
ردد كلا من يوسف وعرفة:
- بعد الشر عليك يا بابا.
- بعد الشر عليك يا حاج.
عقب يعقوب:
- الموت عمره ما كان شر، دا قدر ومكتوب علينا كلنا، نيجي للموضوع المهم، بصراحة كدا يا عرفة أنا عايز مريم ليوسف.
ابتسم يوسف بسعادة، فأردف والده:
- وأمنية بنتك لجاسر ابني.
نهض جاسر بغضب قائلًا:
- وحضرتك بتقرر بالنيابة عني من غير ما تسألني؟ طب إيه رأيك أنا مش موافق ولا أقولك على حاجة أحسن، خلي يوسف ابنك حبيبك يتجوز لتنين.
ألقي تلك الكلمات وذهب غير مكترث إلى نداء والده الذي شعر بالحرج من عرفة فقال:
- حقك عليَّ يا عرفة، ابني دا من يومه وهو تاعبني وكل ما أقوله على أي حاجة يعمل العكس، ما تاخدش على كلامه، وبإذن الله زى ما قولت ليك، وبكرة بإذن الله هنيجي ليكم نقرأ الفاتحة ونشرب الساقع.
- طبعاً يا حاج تيجي تشرف البيت بيتكم، وليا الشرف ولادك ياخدوا بناتي، بس أتمنى ما يكونش جاسر مغصوب إنه يتجوز بنتي، حضرتك ما تقبلهاش على رقية بنتك.
هز الأخر رأسه وقال:
- طبعاً لا، ما أقبلش بكدا ولا على بنتك ولا على بنتي، زى ما قولت ليك مجرد إنه بيعاندني وبإذن الله كله هيتم على خير.
نظر إلى يوسف و أمره قائلًا:
- روح ورا أخوك واتكلم معاه وخليه يعقل.
نهض يوسف وقال بدون أن يسمع والده:
- يعقل مين بس يا حاج! دا لو طال يولع فيا مش هيتردد ولا لحظة، قال أعقله قال!
ـــــــــــــــــــــ
وقف جاسر بجانب سيارته ينفث سيجاره المشتعل، ينصت إلى وساوس شيطانه بتمعن، شيطانه الذي يسلطه على شقيقه، ويجعل كراهيته نحو والده تزداد، لم يشعر بشقيقه الذي اقترب منه ويسأله:
- ممكن أعرف سبب واحد يخليك كارهني قوي كدا؟ دا أنا لو كنت عدوك بجد كنت هتعاملني أحسن من كدا.
حدق إليه جاسر بازدراء وأجاب:
- طيب ما أنت عارف أهو بتسأل ليه؟
عقد ساعديه أمام صدره وأخبره:
- بسأل عن السبب، لأن كل ما أقعد مع نفسي بقول هو أنا عملت ليك إيه؟ ربنا يعلم أنا بحبك أنت ورقية قد إيه، وبخاف عليكم، بابا لما كان بيعاقبك واحنا صغيرين كنت باجي أواسيك وببقى عايز أحضنك و أطبطب عليك، ماكنتش بلاقي منك غير الجفا والقسوة ونظرة كراهية عمرها ما اتغيرت.
ألقى سيجارته على الأرض ودهسها بحذائه وقال:
- وهفضل أكرهك لحد آخر يوم في عمري، عايز تعرف ليه؟ لأنك من يوم ما دخلت حياتنا وانت واخد كل حاجة، الحب والاهتمام، بينضرب بيك المثل في كل حاجة حلوة، وأنا الشرير اللي بيجيبوا سيرته عبرة.
هز رأسه بسأم وكأنه يرجع الذكريات السيئة داخل رأسه فأردف:
حتى أمي انت المفضل عندها رغم إنك ابن ضرتها، دا غير على طول بتقارني بيك كأنك ملاك نازل من السما وأنا الشيطان الملعون، لا وكمان لما أبوك يقرر يجوزنا احنا لتنين يخلي الحلوة ليك والوحشة ليا، ها، تحب تعرف إيه تاني؟
- ياه يا جاسر، دا انت شايل مني على الأخر، بس أحب أعرفك في الأول والأخر احنا إخوات ويا ريت تراجع نفسك قبل فوات الأوان، احنا ملناش غير بعض، أنا وانت ولاد يعقوب.
لم يجد جاسر رداً بل رمقه بوعيد وذهب من أمامه قبل أن ينفذ به ما يمليه عليه شيطانه اللعين.
ــــــــــــــــــ
تتجمع عائلة عرفة حول المائدة، تستند هويدا بمرفقها أعلى المنضدة وتضع يدها على وجنتها بحزن، انتبه إليها زوجها فسألها بسخرية:
- مين اللي ربنا يبارك له ومزعلك يا أم محمود؟
نظرت إليه وعقدت ما بين حاجبيها وقالت:
- أنت بتدعي لمين يا راجل؟، ومين دا اللي يقدر يزعلني؟
تحمحم وأجاب بتوتر وإنكار:
- أبداً يا حبيبتي، أنا كنت بدعي ليكي، بقول ربنا يبارك لك وبقولك زعلانة ليه.
تنهدت ثم أجابت:
- الواد محمود من وقت ما سافر والبيت تحسه فاضي.
ابتلع ما في فمه وعقب قائلًا:
- دول شهرين وراجع أُمال بقى بنتك ومريم لما يتجوزوا ويبعدوا عنك هتعملي إيه؟
هنا انتبهت أمنية التي كانت داخل المطبخ تُعد الشاي، فخرجت تسترق السمع، بينما أجابت والدتها بسعادة:
- يا نهار أبيض، أفرح لهم طبعًا، بس ربنا يقويك ويعينك على جهازهم.
اقترب منها وأخبرها بصوت خافت:
- هقولك على حاجة بس ما تقوليش للبنات ولا لأي حد غير لما يجوا بكرة.
سألته باستفهام:
- هم مين اللي جايين؟
- يا ولية وطي حسك، الحاج يعقوب لما رجع جمع ولاده لتنين وأنا معاهم ، وقال إنه عايز مريم ليوسف و جاسر لأمنية.
صاحت بسعادة غير مصدقة:
- قول والله العظيم؟
لكزها في كتفها وقال بحنق:
- تصدقي بالله أنا أستاهل ضرب الجزمة إني بحكي معاكي.
- معلش حقك عليَّ، من فرحتي.
نظر نحو الفراغ وأخبرها:
- أنا قلقان قوي، أصل لما قال لجاسر إنه هياخد أمنية الواد قام زي اللى لدغته عقربة وقال مش موافق.
شهقت هويدا وضربت كفها على صدرها قائلة:
- ليه إن شاء الله ما لها بنتي؟ دا هو اللي يحمد ربنا إنها هترضى بيه، كفاية سمعته اللي سبقاه بتاع البنات أبو سيجارة وكاس، يا عيني عليكي يا بنتي، رضينا بالهم والهم مش راضي بينا.
- طيب بقولك عشان تعملي حسابك هم جايين بالليل بكرة، أبقي اعملي حاجة تشرفنا قدام الحاج وولاده.
رفعت زاوية فمها جانباً ثم قالت بسخرية:
- حاضر يا أخويا، وعلى رأي المثل "جت الحزينة تفرح مالقتلهاش مطرح".
عادت أمنية إلى المطبخ بعد أن استمعت إلى حوار والديها وعلمت برفض جاسر لها، تجمعت العبرات في عينيها، أخرجت الهاتف من جيبها ثم قامت بإرسال رسالة إليه عبر تطبيق الدردشة من حسابها الزائف كان محتواها:
- لو عايز تعرف أنا مين، قابلني في شارع بكرة الصبح.
بينما هو كان يغط في النوم وهاتفه على الكمود فارغ من الشحن.
يتبع...
•
رواية ابناء يعقوب الفصل التاسع 9 - بقلم ولاء رفعت علي
كانت تائهة في درب مظلم وكان كضوء القمر الذي أنار لها الطريق وتسير إلى فؤاده، وكما هو قانون الحياة المتعارف عليه، قليلًا من الفرح يقابله كثيرًا من الحزن.
في مطعم مطل على نهر النيل، منظر خلاب حيث مياه النهر الجارية والأبنية الشاهقة في الجهة الأخرى، نسمات الهواء العليل تداعب خصلاتها المتناثرة على خديها، بينما هو يتأملها, فما أجملها من لوحة قد رسمها الخالق العظيم.
قاطع تلك اللحظات قدوم النادل الذي توقف بجوار المنضدة، يمسك صينية يعلوها كأسين من العصير الطازج، وضع كل كأس أمام كل منهما على حده، وسأله:
- أي طلبات تاني يا فندم؟
أجاب يوسف بلباقة:
- تسلم.
ذهب النادل، فتحمحم يوسف قبل أن يتحدث ويسألها:
- إيه رأيك في المكان؟
ابتسمت والخجل يغزو ملامحها وخديها يتخضبان باللون الوردي فأجابت:
- حلو المنظر جدًا، مية النيل والخضرة على ضفافه والجو حلو قوي النهاردة.
استند بمرفقيه على حافة المنضدة وأخبرها بأعذب الكلمات:
- وأحلى ما في المكان انتي.
نظرت إلى أسفل بخجل وتوتر، رفعت وجهها تتناول كوب الماء، ابتسم من خجلها الجلي فقال:
- أنا والله ما بعاكس، أنا لما ببقى شايف حاجة جميلة بوصفها من قلبي.
و كأن الهرة قضمت لسانها أو ربما توقفت الكلمات على أعتاب حلقها، فكتم ضحكاته وأردف:
- بصراحة يا مريم ومن غير لف ودوران، من ساعة ما شوفتك وأنا حسيت بحاجة بتشدني ليكي، ممكن دا اللي بيقولوا عليه الحب من أول نظرة، لكن كنت بكدب نفسي ولاقيت الإحساس بيزيد جوايا يوم ورا التاني، أتمنى إن يكون إحساسي وصلك.
أنصتت إلى كلماته وكان لها الأثر القوي، فقلبها خفق بقوة وسرت رجفة في خلايا جسدها، استطاعت أخيرًا تلملم شتاتها فعقبت:
- كل كلمة قولتها بتعبر عني بالظبط.
تهربت من نظراته ونظرت نحو مياه النهر ثم استطردت:
- يعني كل حاجة انت حسيتها أنا كمان حسيت بيها، واحتفظت بإحساسي لنفسي عشان مش عايزة أعيش في وهم.
تعجب من ذكرها لآخر كلمة فسألها:
- ليه بتقولي وهم؟
التفتت لتنظر إليه فأجابت:
- فيه فرق واضح ما بينا، أنت يوسف ابن الحاج يعقوب الراوي، وأنا بنت أخت عم عرفة اللي بيشتغل عند والدك ومجرد موظفة.
مد يده ووضعها على يدها قائلًا:
- الكلام اللي بتقوليه دا كان زمان، أيام فيلم رد قلبي، دلوقتي مفيش أي فرق و اللي عايز يوصل بيوصل لما يجتهد ويعافر.
سحبت يدها بخجل وقالت:
- يعني لو حبينا واتعلقنا ببعض أخرتها إيه؟ وهل الحاج يعقوب هيوافق يجوز ابنه لبنت أخت الراجل اللي بيشتغل عنده؟
لم يستطع كتم ضحكاته تلك المرة فأثار غضبها:
- هو أنا قلت إيه بيضحك يا أستاذ يوسف؟
توقف عن الضحك فأجاب بجدية:
- أصل الحاج يعقوب بنفسه كلم عم عرفة امبارح وقرر بإذن الله بكرة نيجي عندكم نقرأ الفاتحة.
فتحت فاها وكأن على رأسها الطير، فأردف:
- أنا من الآخر بحبك جدًا وبدعي ربنا تكوني من نصيبي، تتجوزيني يا مريم؟
ـــــــــــــــــــــ
يقف مع العمال ويشير إليهم نحو الرفوف الشاغرة:
- حط العلب دي هنا والتانية على الرفوف اللي هناك.
أومأ إليه العامل وقال:
- أمرك يا حاج.
انتبه إلى هذا القادم إليه فباغت الغضب ملامحه، سأله:
- أنت إيه اللي جابك هنا؟
ابتسم حمزة بدهاء وأجاب:
- حد يستقبل جوز بنته كدا برضو يا عمي؟
صاح يعقوب ولوح بيده إليه:
- أنت بتخرف بتقول إيه ياض؟! مش قولت ليك خلاص سيرة وفضيناها؟
اقترب منه وبصوت هادئ أخبره:
- طيب يا حاج تعالى نتفاهم بالعقل عشان انت اللي محتاج ليا.
وقد داهم الشك قلب يعقوب فقال:
- والله لو هتجيب لبنتي وزنها دهب برضو مش موافق وأديك سمعتها بنفسك عمرها ما هتعصاني لأنها عارفة وواثقة إن ببقى عايز مصلحتها وبخاف عليها من أي أذى.
نظر إليه عن كثب مع ذكر أخر كلمة، ابتلع الأخر الإهانة قائلًا:
- طيب يا عمي، اللي أنا جاي لك فيه ما ينفعش أقوله ليك قدام العمال.
كان صبر يعقوب قد أوشك على النفاد، فأطلق زفرة وأشار إليه نحو المكتب على مضض قائلًا:
- أخلص.
جلس بكل ثقة وهو في وضع المنتصر وعلى وشك أن يربح أول جولة.
- طبعاً انت لسه على موقفك مني ورافض جوازي من بنتك.
رمقه يعقوب بامتعاض وأخبره بسخرية:
- والله كلك مفهومية.
اعتدل في جلسته ووضع ساق فوق الأخرى بزهو وأفاض بما سيضع رأس يعقوب الراوي في الوحل:
- طب إيه رأيك بنتك ما ينفعش تتجوز حد غيري لأنها مراتي.
- الله يطولك يا روح.
رددها بعدما أطلق زفرة لعلها تنفث ولو القليل من غضبه الذي لو أطلقه على هذا الأحمق لم يتركه حياً، ثم أردف:
- ياريت ربع الثقة اللي انت فيها دي يا أخي، وبعدين إيه مراتك دي يا ابن سعاد، اتلم أحسن لك، واللى عمال تلف وتدور عشانه، نجوم السما أقرب لك منه.
جز حمزة على أسنانه وقرر أن يتخلى عن حديثه المبهم ليلقي عليه مباشرة الآتي:
- هجيبهالك من الأخر يا يعقوب يا راوي، أنا نمت مع بنتك.
هب يعقوب كالعاصفة صائحًا:
- بتقول إيه يا كلب؟
نهض ووقف يجيب بكل جدية لا تحمل مزاح:
- زى ما سمعت ولو مش مصدقني، خدها عند أي دكتورة نسا هتقولك إنها مش بنت وما تخافش أنا كدا كدا هاستر عليها وهتجوزها، يعني المفروض تشكرني.
تجمع العمال على صياح يعقوب فصرخ بهم:
- واقفين بتهببوا إيه؟ كله يطلع برة.
خرج الجميع فجلس على المقعد ووضع يده على موضع قلبه، يرمق حمزة بنظرة قاتلة وأمره بصوت يكاد يكون مسموعًا:
- اطلع.. اطلع بره يا..
خارت قواه وأصابته حشرجة في حنجرته ثم فقد الوعي في الحال.
ــــــــــــــ
عاد يوسف من الخارج بعد أن أوصل مريم إلى منزل خالها لتعد نفسها إلى زيارة المساء كما أخبرها.
ولج ويردد كلمات إحدى الأغاني وقلبه يرقص طربًاً، وجد زوجة أبيه تجلس على الأريكة وتسند وجنتها على كفها، ذهب إليها وجلس بجوارها يسألها:
- مالك يا ماما راوية، قاعدة حزينة وحاطة إيدك على خدك كدا ليه؟
أجابت بحزن دفين:
- أختك من يوم ما رجعت انت وأبوك من السفر قافلة على نفسها ومش عايزة تخرج، حالها مش عاجبني من وقت ما أبوك رفض حمزة.
سألها بتعجب:
- هو حمزة عايز يتجوزها!
- جه هو وأختي وانت و أخوك مش موجودين لأنه عارف إنه هيترفض، وأبوك رفضه، فحمزة شد معاه راح أبوك طرده.
تمكث رقية داخل غرفتها في حالة من الضياع، تائهة ما بين أفكارها السوداء، كلما تتذكر ما فعله معها هذا الوغد حمزة تبكي بشدة وتصفع خديها بحسرة وقهر، حتى أصابها اليأس وقررت أن تتخلص من حياتها بدلًا من أن يفعل بها والدها أو شقيقيها ذلك.
فتحت درج المكتب وأخرجت القاطع الحاد، رفعت يدها وظلت تنظر إلى رسغها تارة و إلى القاطع تارة أخرى، أغمضت عينيها ورفعت القاطع إلى أعلى، وقبل أن تفعلها طُرق باب غرفتها فانتفضت وألقت ما بيدها، قلبها يخفق بقوة حتى سمعت صوت شقيقها:
- افتحي يا رقية أنا يوسف.
ظلت تلتقط أنفاسها ثم ألقت القاطع داخل الدرج وأغلقته وذهبت لتفتح الباب بوجه شاحب لاحظه جيداً شقيقها.
- مال القمر قافل على نفسه الأوضة وتقلان علينا ليه؟
ذهبت لتجلس على طرف الفراش فكانت منهكة القوى، أجابت بصوت خافت:
- تعبانة شوية.
تذكر حديث والدتها فسألها:
- تعبانة ولا زعلانة عشان بابا رفض حمزة؟
وعلى ذكر اسم هذا الذئب الوضيع اتسعت عينيها وقالت باستنكار:
- لا، مش ده السبب بقولك تعبانة يا يوسف، إيه الغريب في إن الواحد يكون تعبان؟
نبرتها التي أصبحت قوية جعلته يتعجب من ردها المبالغ، فقال لها:
- طيب قومي غيري هدومك وتعالي أوديكي للدكتور.
نهضت وبغضب قالت:
- يوسف ممكن تسيبني فى حالي، أنا هرتاح كدا، اعتبروني مش عايشة معاكم.
وعندما رأى رفضها للحديث أو إبداء السبب الحقيقي وغضبها غير المفهوم - قرر أن يتركها لبعض الوقت ثم سيطمئن عليها لاحقًا، فقال لها:
- براحتك، أنا كنت جاى أطمن عليكي مش أكتر.
ولت إليه ظهرها حتى لا يرى الدموع التي تجمعت في عينيها، وقبل أن يغادر الغرفة صدح رنين هاتفه باتصال من عرفة فأجاب:
- ألو يا عم عرفة.
أخبره الأخر:
- إلحق يا يوسف الحاج تعب ووقع من طوله فجأة وخدناه على المستشفي.
ـــــــــــــ
تنتظر عائلة يعقوب أمام الغرفة التي يتم إسعافه داخلها، ينظر الطبيب إلى شاشة الجهاز الطبي ويتابع مستوى الضغط والأكسجين في الدم وضربات القلب، دوى صفير يعلن وقوف القلب عن العمل فصاح الطبيب إلى الممرضة:
- الجهاز بسرعة.
أعطته جهاز الصدمات الكهربائية، أخذ الطبيب يضع الجهاز على صدر يعقوب فينتفض جسده بلا استجابة، كأنه لا يريد الاستيقاظ أبدًا، فما أخبره به هذا الشيطان حمزة جعل قلبه لم يتحمل تلك الصدمة التي هبطت على رأسه كالصاعقة التي تودي بحياة من تهبط عليه.
ما زال الصفير مستمرًا، وفي الخارج ينتظر كل من يوسف وراوية وعرفة ومريم، ويقف أمامهم جاسر وحمزة الذي تصنع البراءة كالحمل الوديع.
كانت راوية تردد:
- يا رب قومه بالسلامة مالناش غيره، يا رب اشفيه وعافيه من أي تعب.
خرج الطبيب وملامح الأسف والحزن على وجهه، ركض جميعهم نحوه يسألونه:
- خير يا دكتور؟
أخبرهم قائلًا:
- واضح إن الحاج يعقوب مريض قلب وماكنش متابع أو بياخد علاج، والتعب النفسي زى الصدمة خلت عضلة القلب وقفت تمامًا عن العمل، فيؤسفني أقولكم: البقاء لله.
دخل يوسف في نوبة بكاء وكذلك راوية التي تبكي بصراخ فاحتضنها جاسر وأبعدها من أمام الغرفة، بينما رقية أخذت تردد:
- لا يا بابا، ما تموتش وانت زعلان مني، أنا السبب، أنا السبب.
احتضنتها مريم وأخذت تربت عليها، فاقترب حمزة منها وقال محذرًا إياها بصوت خافت للغاية حتى لا تسمعه مريم:
- لسه شوفتي حاجة؟ ابقي خلي كلمة لا تنفعك، وبرضو هتجوزك.
رفعت وجهها ونظرت إليه بصدمة غير مصدقة ما أخبرها به للتو، هل أخبر والدها على فعلته الشنعاء بها؟ لذا لم يتحمل واستسلم إلى الموت، يعني ذلك إنه توفى غاضبًا عليها، لم يتقبل عقلها التفكير في هذا الأمر، شعرت بالخدر يسري في كل خلايا جسدها فسرعان استسلمت و فقدت الوعي في الحال.
•
رواية ابناء يعقوب الفصل العاشر 10 - بقلم ولاء رفعت علي
أبي يا من غرّست حُبّ الله في فؤادي، ورسّخت عقيدة التوحيد في أعماقي، يا من كنت لي أُمًا في الحنان، و معلمًا في الأخلاق، وأخًا في النصح والإرشاد، نصائحك نورٌ أسير عليه في حياتي، وابتسامتك ثلجٌ يُطفئ خوفي وألمي، بحر قلبي الواسع أنت، وموج عقلي الدافئ أنت، وبياض قلبك بدرٌ في سماء نفسي، ومهما وصفتك فلن أستطع أن أكمل، ليس تهاوناً، ولكن شيء أعمق من ذلك.
في سُرداق العزاء يقف كل من عرفة وحمزة وجاسر لاستقبال من أتوا للتعزية، وكذلك يوسف الذي يكبت دموعه عنوة، يشعر بآلاف من نصال السيوف تهوى على قلبه بلا شفقة، فقد كان والده بالنسبة له هو الأخ والصديق، رفيقه الذي لا يفارقه، فماذا عساه أن يفعل بدونه؟ فهو لأول مرة يشعر بمعني كلمة يتيم.
ربت عرفة على كتف يوسف وقال إليه:
- شد حيلك يا ابني انت وأخوك البركة من بعده.
نظر إليه يوسف بعينين شديدتي الحمرة من فرط البكاء على والده منذ الأمس وقد أضناه الحزن قائلًا:
- أبويا مات يا عم عرفة، ماتت كل حاجة حلوة في حياتي، مات سندي وضهري.
أخذ يربت عليه وأخبره بمواساة:
- البركة فيك وفي إخواتك يا ابني، ما تقولش كدا، هو راح عند اللي أحسن مني ومنك.
ردد يوسف ودموعه تتساقط على وجنتيه:
- ونعم بالله، ربنا يرحمه ويغفر له ويصبرني على فراقه.
لكزه شقيقه بعنف في عضده، يوبخه من بين أسنانه:
- ما تنشف ياض وبلاش حركات الستات اللي أنت فيها دي، عايز الناس يقولوا يعقوب مخلف عيال فرافير؟
رمقه عرفة بامتعاض وبعتاب قال له:
- اعذره يا جاسر، مهما كان دا أبوه، ومن حقه يعيط، مش عيب تخرج مشاعرك.
نظر جاسر نحوه بازدراء وتفوه بسخرية:
- لا وانت الصادق، هو بيعيط لأنه مش هيلاقي الصدر الحنين اللي كان بيدلعه، وكأنه ابنه الحيلة.
ردد عرفة بحزن لأنه يعلم قسوة وجفاء قلب جاسر:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يهديكم على بعض يا ابني.
صاح جاسر بغضب:
- ربنا يهديني إيه يا راجل يا خرفان؟ أنت شايفني مجنون قدامك؟
تدخل حمزة وأمسك جاسر قائلًا:
- خلاص يا جاسر، الناس عمالة تبص عليكم وما ينفعش اللي بتعملوه دا.
عقب عرفة على إهانة جاسر له:
- الله يسامحك يا ابني.
- وأنا مش ابنك، من هنا ورايح لازم تعرف حدودك معايا، اسمي جاسر بيه.
ألقي تلك الكلمات بحدة فهمس حمزة إليه:
- اهدى بقى مش وقته، لما يخلص العزا ابقى هزقه براحتك.
ــــــــــــــــــ
وفي الأعلى في منزل يعقوب حيث تجلس النساء، تجلس راوية بحزن وتقوم السيدات بمواساتها، شقيقتها تجلس في صمت وهويدا تربت على كتفها:
- ربنا يلهمك الصبر من بعده يا أم جاسر.
كلا من مريم وأمنية يمسكان صينية تعلوها فناجين القهوة يقدمونها إلى السيدات، بينما رقية كانت تتمدد على مضجعها في غرفتها تحت تأثير المهدئ حيث أصيبت بصدمة نفسية.
صعد جاسر إلى المنزل فرأى مريم تسير نحو المطبخ فألقى نظرة حتى لا يراه أحد من الحاضرين، ثم لحق بها ولم ينتبه إلى أمنية التي رأته يتسحب خلف ابنة عمتها، تذكرت عندما ذهبت صباح الأمس لمقابلته في الموعد والمكان التي ذكرته له في الرسالة لكنه لم يقرأها لذلك لم يأتِ.
- الأسود عليكي هياكل منك حتة.
شهقت بفزع واستدارت لتجده يقف خلفها مباشرة، تتشبث بالصينية لتجعلها حائل بينهما أو ربما درعًا يحميها قائلة بحدة:
- أنت مش المفروض واقف تحت مع الرجالة، طالع تتسحب زى الحرامية وبتعمل إيه في وسط النسوان؟
ابتسم قائلًا:
- بتغيري عليَّ يا مريوم؟
رمقته بامتعاض وقالت بسخرية حادة:
- أغير عليك ليه؟ أوعى تكون فاكر الحركات اللي بتعملها دي تدخل دماغي، أنا أصلًا مش شايفاك راجل.
جذب شعرها في قبضته بقوة وألتصق بها فأخبرها بنبرة كالفحيح:
- أنا راجل غصب عنك وعن أهلك يا بت.
كادت تبكي برغم قوتها أمامه، توسلت إليه:
- سيب شعري يا جاسر.
ظل ينظر إليها بحدة وبنظرة أخرى حتى أطلق زفرة لفحت وجهها ثم ترك شعرها وقال لها بوعيد:
- ماشي، هتروحي مني فين؟ كلها أيام وهتقعي تحت إيدي.
كانت أمنية ترى وتسمع كل ما حدث بصدمة، الرجل الذي أحبته رفض عرض الزواج منها الذي فرضه عليه والده، ورأت أن مريم هي السبب الجلي لرفضه.
ــــــــــــــــــــ
بعد مرور أيام العزاء الثلاثة، حان ميعاد إعلام الوراثة، اتصل المحامي المسئول عن الشئون القانونية الخاصة بمتاجر يعقوب وأولاده، طلب من أفراد العائلة أن يجتمعوا جميعًا، فكان هذا الاجتماع داخل منزل يعقوب.
أمسك المحامي بمجموعة من الأوراق وبدأ الحديث قائلًا:
- الحاج يعقوب الله يرحمه كان بيملك بيت من أربع أدوار وخمس محلات لبيع المفروشات، الحاجة راوية نصيبها التمن في كل الممتلكات، إما بالنسبة لأبناء الحاج، فجاء في القرآن الكريم في سورة النساء الآية رقم١١ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ و...
قاطعه جاسر بعدما انتفخت أوداجه قائلاً:
- ما خلاص يا حضرة الأڤوكاتو، كل اللي بتقوله دا أصلًا ولا ليه أي لازمة، لأن الحاج الله يرحمه كان عملي توكيل عام قبل ما يموت بشهر، وكل ممتلكاته بعتها لنفسي.
نهض يوسف غير مصدق وعقب على هذه المهزلة:
- ازاي؟! بابا عمره ما كان بيعمل توكيل لأي حد فينا.
نظر المحامي إلى جاسر بجدية وقام بسؤاله:
- عذرًا في السؤال يا جاسر بيه، فين إثبات حضرتك؟
أخذ من فوق المنضدة ملفًا ورقيًا ومد يده به إليه قائلًا:
- كنت عامل حسابي.
أخذ المحامي الملف وألقى نظرة على محتوى التوكيل، ضبط وضع نظارته ثم قال:
- التوكيل سليم مية فى المية، وعليه إمضة وبصمة الحاج، وده بنسميه فى القانون توكيل للبيع للنفس أو للغير، يعني ممكن بالتوكيل ده يبيع لنفسه كل الممتلكات وتبقى باسمه ودا اللي واضح في الأوراق المرفقة للتوكيل، وممكن برضو يبيعها لأي حد.
عقل يوسف لم يكن قادراً على استيعاب ما يحدث، كيف لوالده أن يفعل هذا وهو أكثر ما يعلم نوايا جاسر الخبيثة؟
- مستحيل بابا يعمل كدا، والتوكيل دا بالتأكيد مزور.
صاح بها يوسف غاضبًا، فأجاب شقيقه بصوت جهوري:
- قصدك إن أنا نصاب ومزور؟ عيب يا يوسف دا أنا أخوك الكبير.
كانت رقية تتابع في صمت، فهي كالجماد الساكن، وعندما شعرت راوية أن الجدال سيحتدم بين الشقيقين صرخت قائلة:
- أبوكم لسه معداش على وفاته غير تلات أيام وأنتم بتتخانقوا على الورث؟!
سألها باستنكار لما يحدث:
- يعني عاجبك يا ماما راوية اللي ابنك بيعمله؟
عقب جاسر بسخرية وهو ينظر إلى يوسف بتشفي وانتصار:
- ماما راوية! أمك اللي أبوك اتجوزها على أمي ماتت وهى بتولدك، واللي خلاك عايش في وسطنا وبيربطنا بيك خلاص مات، واللي كنت منتظره في إعلام الوراثة خلاص بح، كل حاجة بقت باسمي، وحق أمي وأختي محفوظ عندي، يعني من الآخر مالكش حاجة هنا غير حبة الهدوم بتوعك تاخدهم وتتكل على الله.
الظلم والقهر من أشد الأفعال سوءًا وأكثرها إيلاماً للبشر، فلا يوجد فعل أسوأ من سلب إنساناً حقاً من حقوقه، ولا بد من الوقوف في وجه كل من ينتهج الظلم والقهر على الآخرين، فماذا يفعل الأخ إذا كان هذا الظالم أخيه؟
ازدرد يوسف غصة كمُر العلقم، أومأ إليهم وهو يهم بالرحيل من هذا البيت الذي أصبح كالكهف الموحش منذ أن رحل والده إلى بارئه، فقال إلى شقيقه:
- أنا عمري ما أذيتك وكنت على طول بدور ليك على سبب واحد تكرهني عشانه، لو عشان أنا ابن الست اللي أتجوزها أبويا على مامتك ده مش سبب مقنع أبداً، الموضوع أكبر من كدا ودلوقتي فهمته، أنت ما بتحبنيش عشان أنا عقدة حياتك على طول، شايفني أحسن منك في كل حاجة لأنك إنسان حقود وأناني ونرجسي.
- شوفوا الباشا بيشتم أخوه اللي أكبر منه بتسع سنين وفى بيته كمان!
كان صياح جاسر والذي أجاب عليه شقيقه بسأم من هذا الجاهل:
- أنا مش بشتمك يا أخويا يا كبير، دي صفاتك وعيوبك، عموماً أنا همشي وهسيبك تعيش وتتهنى في حق غيرك، والدنيا دوارة النهاردة ليك وبكرة عليك، وافتكر كويس يوم ما الدنيا كلها تبقى ضدك أنا هابقى أول إيد تتمد ليك مش عشانك، عشان أبونا الله يرحمه، سلام عليكم.
غادر على الفور، فنهضت راوية التي انفجرت في البكاء وقامت بالنداء:
- استنى يا يوسف، استنى يا بني بس نتفاهم.
أوقفها ابنها وقبض على رسغها يمنعها بنظرة لأول مرة يحدقها بها، وكأن الشيطان بذاته يقف أمامها مما دب الرعب في أوصالها.
- ابنك هو أنا وبس، دا لو عايزاه يفضل عايش.
اخترقت كلماته روحها وأصابتها بالرعب تجاهه، إلى هذا الحد أنجبت شيطاناً رجيمًا!
جذبت يدها من قبضته وحدقت نحوه وكأنها ترى مسخاً قائلة:
- كنت بكدب نفسي من زمان ودلوقتي اتأكدت إنك خلفة شيطان، وإن ربنا كان بيعاقبني بابن زيك، يا خسارة يا ابن يعقوب.
وقبل أن تذهب من أمامه بصقت على الأرض وعادت إلى غرفتها، نهضت ابنتها وكانت تنظر إلى شقيقها بازدراء فسألها بسخرية:
- مش عايزة انتي كمان تقولي حاجة؟
أجابت بحزن واستياء:
- أنا مشفقة عليك وصعبان عليَّ، ربنا سلط عليك اللي ألعن من الشيطان، سلط عليك نفسك اللي هتخسرك كل حاجة.
عادت هي أيضًا إلى غرفتها، وأصبح هو بمفرده مع المحامي التي زينت ثغره ابتسامة ثعلب ماكر قائلًا:
- معلش دا تأثير الصدمة بس عليهم، بكرة لما ياخدوا حقهم هينسوا نفسهم.
مشهد سابق...
في أول يوم بعد وفاة الحاج يعقوب، جلس جاسر أمام مكتب المحامي ووضع أمامه حقيبة داخلها مبلغ مالي:
- دول اتنين مليون جنيه، عشان تخلي التوكيل موثق، ولو رفع يوسف قضية عليَّ والتوكيل اتقدم للنيابة يلاقوه سليم مية في المية.
أومأ إليه المحامي مبتسمًا ثم نظر إلى التوكيل فسأله:
- دى فعلًا بصمة الحاج وإمضته؟
حدق إليه جاسر بدهاء وأخبره عن خدعته:
- لما عرفت إن أبويا تعب وراح المستشفي لاقيت إن دا أنسب وقت أبصمه على التوكيل، ولما الدكتور قال لنا إنه مات ولو حبينا نبص عليه بصة قبل ما يتغسل ويتكفن، استغليت الفرصة ومسكت صباع البصمة ومن الحبر على ورقة التوكيل على طول والإمضة سهلة، وأهو كله بالحب والفلوس بتمشي كل حاجة.
خلع المحامي نظارته ووضعها أمامه فوق الأوراق ليخبره:
- اعتبره اتعمل وبتاريخ قديم من شهر كمان، وعشان تضمن إن أخوك ما ياخدش ولا مليم هيبقى توكيل ببيع للنفس، بس بشرط.
هز جاسر رأسه بسعادة وأجاب:
-عينيا ليك يا متر، أؤمر.
كالضبع الذي يأكل ما تبقى من السبع، أجاب بدهاء:
- هاخد محل من فروع السلسلة واتنين ميلون جنيه غير دول.
وأشار إليه بعينيه نحو حقيبة النقود، وبدون أن يتردد أجاب:
- موافق، بس يوسف ابن رقية ما يطولش ولا مليم.
ــــــــــــــــــ
يا أبتاه ماذا أفعل بعد رحيلك من الحياة، يا أبتاه أنت ظهري ومن ألجأ إليه من أذى الناس ووحشية الحياة؟
يجثو على ركبتيه أمام قبر والده وجواره قبر والدته، دموعه تتساقط كالغيث الذي هطل على صحراء قاحلة يرويها بأحزانه:
- ليه سيبتني يا يعقوب، ليه خلتني مكروه من أقرب الناس ليا؟ فاكر لما كنت بتحكي ليا قصة سيدنا يوسف، أنا دلوقتي عرفت ليه كنت على طول بتحكيها، وليه على طول بتحذرني من غدر اللي مني، وإن مآمنش ولا أثق في حد، لأننا في زمن مفيهوش أمان.
صمت محاولًا أن يكف عن البكاء لكن لا فائدة، شعر بيد حنونة تربت على كتفه فألتفت إلى صاحبها الذي قال إليه:
- ادعيله يا ابني، هو في دار الحق واحنا في دار الباطل.
عاد بالنظر إلى القبر وعقب قائلاً:
- الدنيا دي وحشة قوي يا عم عرفة.
ربت مرة أخرى على كتفه بمواساة فقال:
- وحد الله هو خلقنا في الدنيا دي عشان نعبده ونسعى ونجتهد للفوز بنعيم الآخرة، جنة ولا فيها ظلم ولا جبروت ولا حقد.
حدق إليه بحزن مرير وأخبره:
- أنا عايز أروح لأبويا وأمي.
تنهد عرفة وحاول أن يتماسك أمامه لمؤازرته:
- يا ابني ما تقولش كدا، ربنا يبارك في عمرك وشبابك، دا انت لسه ابن الـ 22 سنة، وانت فاكر الموت سهل، دا عالم تاني، لازم نكون عاملين حسابنا قبل ما نتنقل له، لحظة الحساب اللي معظمنا غافل عنها وبيجروا ورا الفلوس وهمهم كله ياكلوا إيه ويلبسوا ازاي، هوب تلاقي عمرك كله راح على دنيا فانية مش هناخد منها غير العمل الصالح.
سأله بقهر وقلب مفطور:
- طيب والمظلوم في الدنيا هيقدر يعمل اللي عليه ازاي في وسط الظلم والقسوة من أقرب الناس؟
أدرك عرفة ما قد تداول على الألسنة وهو أن كل ممتلكات يعقوب الراوي أصبحت ملكًا لابنه جاسر، فأجاب:
- ما تزعلش دا يا بخت اللي بات مظلوم، ربك بالمرصاد لكل ظالم، يسيبه يعيث فساد هنا وهناك وكل ما يزيد ظلمه يزيد عقابه، لو ماكنش في الدنيا يبقى يا ويله في الآخرة، هيشرف جنب إبليس على نفس الشواية اللي هيولعوا فيها، والولية حماتي معاهم.
ظهر طيف ابتسامة على وجه يوسف فلكزه عرفة وأردف:
- أيوة كدا اضحك وارمي تكالك على المولي عز وجل، هو حسبك ووكيلك.
ردد يوسف:
- وكلت أمري لله.
- شوفت بقى أتلهيت ونسيت أنا كنت جاي لك عشان إيه".
أخرج من جيبه ظرفًا أبيض وقال:
- الظرف دا الحاج الله يرحمه سابه أمانة عندي أديهولك من بعده، ودا الوقت المناسب، فيه فيزا ادخار باسمك شايلك فيها فلوس، ومفتاح شقة كان أتجوز فيها والدتك وكتبها باسمها ولما توفت خلاها زي ما هي وكان بيبعت حد ينضفها كل شهر.
أخذ الظرف وتأمل محتوياته فابتسم قائلاً:
- وكأنه كان عارف إيه اللي ممكن يحصل.
وضع عرفة يده على كتف يوسف وأخبره:
- انت قدامك لسه العمر وتحقق كل أحلامك، وبالتأكيد باباك هيحس بيك وهيفرح جدًا.
هز رأسه وقال:
- بإذن الله.
ـــــــــــــــ
يجلس خلف مكتب والده وينفث من فمه وأنفه دخان النرجيلة، يضع ساق فوق الأخرى أعلى المكتب بعنجهية، دخل ابن خالته مبتسمًا بسعادة وصاح مهللًا:
- ألف مبروك عليك يا ابن خالتي، هو دا الكلام، عشان تعرف لما العبد لله بينصحك بحاجة ببقى عايز مصلحتك في الآخر.
نفث دخانًا كثيفًا ثم قال بزهو:
- عارف ياض يا حمزة فيه فرق ما بين النصيحة والتخطيط، أنا اللي خططت ونفذت، ومش قادر أعبر لك أنا مبسوط قد إيه لما شوفت قهرة يوسف ابن رقية وكل حاجة ضاعت منه وكمان وأنا بطرده من البيت، كدا مش ناقص غير حاجة واحدة بس دي لو تمت يبقى كدا أنا برنس.
سأله حمزة بفضول يريد معرفة ما يدور في رأس هذا الأحمق حتى لا يفسد مخططه:
- وإيه الحاجة دي يا صاحبي؟
أنزل قدميه على الأرض واعتدل جالسًا يمسك بياقة قميصه يضبطها قائلًا بثقة:
- أتجوز مريم.
صاح الأخر بتعجب يسأله:
- مريم قريبة عم عرفة؟
هز رأسه بالإيجاب وأجاب:
- آه هي.
فعقب قائلًا:
- بس اللي عرفته منك إن أبوك كان عايزها ليوسف، وبالتأكيد هي عينيها منه.
ضرب سطح المكتب بيده وصاح محذرًا إياه:
- مريم دي تخصني أنا وبس، ولو مش موافقة أنا هخلي خالها يوافق بالعافية.
ابتسم حمزة بدهاء وبفحيح أفعى سامة أخبره:
- طيب واللي يقولك على خطة تخليها هي اللي تجيلك لحد عندك، وتبوس إيدك كمان عشان ترحم خالها ومقابل كدا تتجوزها.
- قول وليك الحلاوة.
حدق إليه بنظرة قناص صائد للفرص فقال:
- حلاوتي هي جوازي من أختك.
وقبل أن يبدي جاسر رفضه أردف حمزة:
- أختك محتاجة واحد يحافظ عليها وما يكونش طمعان فيها وتكون انت عارفه وواثق فيه، وانت حافظني وعارفني من واحنا لسه عيال.
ضحك جاسر وعقب قائلًا:
- ما هي المصيبة إن أنا عارفك، بس عندك حق أهو انت أولى من الغريب اللي ماعرفش ممكن يعمل فيها إيه، وأهو يبقي فرحي أنا ومريم وفرحك انت وأختي في نفس الوقت.
- الله عليك يا صاحبي، دا كدا انت برنس وعمهم كلهم.
رد جاسر بمزاح:
- وانت دماغك ولا إبليس بذات نفسه يا جدع، يلا قولي على الخطة الجهنمية اللي هتجيب مريم لحد عندي.
أجاب حمزة وداخل عينيه ألسنة لهب من الجحيم:
- بص يا برنس....
أخذ يملي عليه ما يفعله، فكان تحالفهما معاً أقل ما يوصف به أنه تحالف الأبالسة.
•