تحميل رواية ابناء يعقوب بقلم ولاء رفعت علي pdf
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ ابناء يعقوب بقلم ولاء رفعت علي.
رواية ابناء يعقوب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ولاء رفعت علي
الفصل الحادي عشر
وحوش ضارية على هيئة بشر، لا يعرف الخير إلى دربها عنواناً، وأزهار قد ذبلت أوراقها وتناثرت بقاياها بعد أن تم اقتطافها فلم يعد لها في البستانِ مكانًا.
- أرفعها لفوق شوية عايز الكل يشوفها ويعرف إن المحل وفروعه بتوع جاسر الراوي وبس.
تلك الكلمات صاح بها جاسر الذي أمر رجاله بإزالة لافتة «يعقوب وأولاده» و تبديلها بأخرى باسم «مفروشات الجاسر»، انتهى العامل من تثبيت اللافتة وهبط من الدرج الخشبي فسأله:
- تمام كدا يا جاسر بيه؟
وقف جاسر يتأمل اللافتة واضعًا يديه على جانبي خصره يردد اسم المتجر بسعادة ثم قال:
- الله ينور يا رجالة، يلا بقى على شغلكم.
اقترب إليه عرفة بتوجس حتى يخبره أن ما يفعله خطأ ذريع:
- جاسر بيه، معلش إني بتدخل، بس نصيحة من واحد قد أبوك الله يرحمه وشغال في المحل من أيام الحاج عبدالعليم الراوي، المحل والسلسلة كلها معروفة بمفروشات "يعقوب وأولاده" والناس كلها بتيجي على الاسم لأنهم بياخدوا الحاجة من عندنا وهم مغمضين عينيهم.
نظر إليه جاسر بغضب قائلًا:
- المحل دا دلوقتي بقى بتاع مين يا أبو العريف؟
نظر إلى أسفل بغضب وأجاب على مضض:
- بتاعك يا ابني.
- أنا هعدي ليك كلمة يا ابني بمزاجي، بس انت الوحيد اللي مسموح ليك تقولها، عشان أنا هابقى جوز بنت أختك.
ألجمت الصدمة لسانه، فسأله جاسر ساخرًا:
- إيه كلت القطة لسانك؟
تمكن عرفة من التحدث أخيرًا فسأله بتعجب:
- وصية أبوك الله يرحمه كانت إنك هتتجوز أمنية ومريم هتتجوز...
قاطعه جاسر بنظرة تحذيرية:
- مريم هتتجوزني أنا، أبويا خلاص مات والحي أبقى من الميت، دا لو لسه كنت عايز تحافظ على أكل عيشك في المكان يا أبو أمنية.
ما قد سمعه عرفة للتو جعله كالمحاصر بين شقي الرحى، الأول يعلم أن مريم تحب يوسف ويوسف يحبها، كما يعلم أيضًا أن ابنته تحب جاسر، بينما الشق الأخر هو عمله في المتجر والذي عمل فيه منذ أن كان صغيرًا و أخذ من عمره أكثر من أربعين عامًا، فماذا عساه أن يفعل في ذلك المأزق؟
ـــــــــــــــــــ
يغفو في سُبات عميق بعد أن استسلم إلى النوم، جسده يرتجف، ربما لأنه غارقاً في كابوس موحش يجعله يهمهم بكلمات غير مفهومة حتى أستيقظ فجأة وهو يلتقط أنفاسه، انتفض عندما صدح رنين الجرس، فنهض ليرى من الزائر.
ظهر إليه شابًا في نفس مرحلته العمرية، نحيل القوام، عيناه دائرية تغطي نصف وجهه، شعر يوسف بالفرح حينما رأي صديقه:
- ماجد!
عانقه وربت عليه فقال ماجد له:
- أنا رحت لك على البيت قالوا ليا إنك مش موجود، ورحت لك على المحل قابلني هناك عم عرفة وهو اللي قالي إنك عايش هنا، أولًا البقاء لله، ثانياً ليه سيبت البيت وعشت لوحدك؟
عقب على سؤالين صديقه:
- والدوام لله، بالنسبة لسبب إن أنا قاعد هنا دا محتاج شرح طويل وأنا بصراحة مش قادر أو بحاول أنسى
ولج كليهما إلى الداخل ثم ذهبا إلى غرفة الضيوف، كما تفهم ماجد ما يدور في رأس صديقه فربت على كتفه وقال:
- ولا يهمك يا چو، أهم حاجة جيت أطمن عليك وأعزيك وفي نفس الوقت جيت أحكي ليك خبر ممكن يضايقك وخبر تاني بدعي من ربنا إنك توافق عليه.
عقد ما بين حاجبيه وسأله:
- الخبر اللي بيضايق هو إن إدارة الجامعة عينت تلات معيدين، اتنين منهم ولاد دكاترة والتالت من معارف عميد الكلية.
هز رأسه بسأم وعقب قائلًا:
- كان قلبي حاسس.
- كلها وسايط وبالمحسوبية يا صاحبي، يعني لو باباك الله يرحمه كان ملى جيوبهم بالهدايا والشيكات مش بعيد كانوا عينوك دكتور على طول.
أخذ كليهما يضحك، يا لها من كوميديا سوداء!
توقف يوسف عن الضحك فسأله:
- طيب وإيه اللي أنت عايزني أوافق عليه؟
أخبره صديقه بحماس:
- طبعًا بتسمع عن شركات التسويق والشحن زي أمازون وغيرها، إحنا عايزين نعمل شركة زى الشركات دي، أنا عملت دراسة جدوى وحددت المبلغ اللى عايزينه هتبقى شراكة بيني وبينك، ومعانا شريك تالت هيساهم معانا بالفلوس وأنا وانت باقي كل حاجة، إيه رأيك؟
أخذ يفكر قليلًا، كم تمنى أن يمتلك عملًا خاصًا به، وبالتالي لا يعتمد على أموال والده، فسأله:
- حلوة جداً الفكرة، لكن لازم تكون متفق مع شركات كتير اللى هانكون وسيط ما بينها وبين العملاء، ومحتاجين لمندوبين لتوصيل شحن كل منتج مطلوب، وفوق كل دا مكان للشركة نفسها.
أخبره ماجد:
- اطمن أنا عملت حساب لكل دا، مستني بس موافقتك وشراكتك معايا بالفلوس وبإداراتك لأنك شاطر قوي في الإدارة.
أومأ إليه ثم انتبه إلي شيء فسأله:
- ما قولتليش صح مين الشريك التالت؟
ابتسم بفخر وأجاب:
- الـ business woman أية فؤاد.
صاح بتعجب:
- أختك!
- آه يا سيدي هي، آية ما شاء الله بقت fashion designer و make up artist قد الدنيا، وكمان هتساعدنا في شحن وتسويق أدوات التجميل وكل الحاجات بتاعة البنات دي مكسبها حلو جداً.
هز رأسه بالموافقة وقال:
- يبقى على بركة الله.
ـــــــــــــــــ
نهضت رقية من جوار شقيقها تصيح برفض تام:
- مش موافقة.
كان جاسر يمسك بسيجارته وينفث دخانها، سألها بتعجب:
- ليه إن شاء الله؟ مش دا حمزة اللي كنتي هتموتي وأبوكي يوافق عليه؟ ولما أبوكي رفضه فضلتي قافلة على نفسك!
نظرت إليه باستفهام فأردف:
- ما تستغربيش، أنا آه ما ببقاش موجود بس دبة النملة بعرفها، وأنا جاي لك وبقولك أنا موافق على جوازكم، يعني المفروض تشكريني.
حدقت بامتعاض وإصرار قائلة بصياح:
- انت ما بتفهمش؟ قلت ليك مش عايزاه، وروح قوله كدا، ولا هتخاف منه اكمنك الدلدول بتاعه، أي حاجة يقولها لك تقول وراه آمين.
كان الصمت السائد أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة، وإذا بها تطلق صرخة دوى صداها في أرجاء المنزل، كان قد قبض على خصلاتها ويهزها بعنف حتى شعرت بأن شعرها سيقتلع في قبضته، يحذرها بصياح:
- أنا ساكت ليكي من بدري لحد ما سوقتي فيها ولسانك طول، جرى إيه هو أنا مش عارف ألمك! طيب إيه رأيك وربنا لهتتجوزيه والخميس الجاي هايكون كتب كتابكم.
ترك خصلاتها ودفعها على الأرض، فتحت والدتهما الباب تسألهما بقلق:
- إيه اللي بيحصل يا جاسر، بتمد إيدك على أختك ليه؟
أشاح بيده قائلًا:
- أهي عندك، ابقي اساليها.
تركهما وغادر الغرفة، دنت راوية من ابنتها فارتمت الأخرى بين ذراعيها وانفجرت في البكاء، فقالت بحزن وأسي:
- ربنا يهديك يا جاسر يا بني.
ــــــــــــــــــــ
عاد من الخارج للتو يحمل علي كاهليه ثقل جبل من الهموم، ألقى تحية السلام على أهله فردت زوجته التحية وكذلك مريم وسألته:
- خالو يوسف ما بيجيش المحل؟
أجاب بسأم وحزن نابع من قلبه:
- هيجي ازاي يا بنتي وأخوه منه لله خد كل حاجة؟
شهقت زوجته وسألته:
- أخد منه كل حاجة ازاي؟
أخذ يسرد لهما ما حدث في المتجر وعلم أن كل ممتلكات الحاج يعقوب أصبحت ملكًا لجاسر، ويوسف انتقل إلى شقة والدته التي تقع في أحد الأحياء الراقية، كما ترك له والده مبلغًا من المال لأنه كان يتوقع حدوث ذلك، وبعد أن انتهى من حديثه وقفت مريم وقالت:
- عن إذنك يا خالو، خدني عند يوسف ونطمن عليه.
لا يعلم ماذا يفعل، فهو محاصر بين طلب جاسر للزواج من ابنة شقيقته وما بين أن يترك عمله الذي يعول منه أسرته، وهو قد تجاوز منتصف عقده السادس يصعب عليه في هذا العمر أن يجد عملًا يتربح منه ما يكفي عائلته.
لذا قال لها مرغمًا:
- ما ينفعش يا مريم، يوسف دلوقتي ما بين حزنه على أبوه وما بين اللي عمله فيه أخوه، بلاش نروح له هنتفهم غلط، خصوصًا إنه يوم وفاة أبوه كان هيجي يتقدم لك، ممكن تسألي عليه في التليفون.
أخبرته بحزن:
- تليفونه مقفول.
- يبقى خلاص بلاش تفرضي نفسك عليه، هو لو عايزك هيسأل عليكي.
شعرت بالحزن ربما حديث خالها صحيح، لكن كيف هذا وقد اعترف يوسف إليها بحبه وطلب الزواج منها!
أومأت بسأم وقالت:
- أنا داخلة أنام تصبحوا على خير.
اقتربت هويدا من زوجها تسأله بصوت خافت:
- انت ليه قولت ليها كدا، هو فيه حاجة وانت مخبيها عليها؟
همس إليها ولوح بيده لتتبعه:
- تعالي في أوضتنا وأنا هحكي ليكي.
و بداخل غرفتهما بعد أن أخبر زوجته بطلب جاسر وتهديده في آن واحد، شهقت وضربت كفها على صدرها قائلة:
- يخربيته هو عايزك تغصب مريم عشان تتجوزه؟ وكمان بيساومك على أكل عيشك!
طأطأ رأسه إلى أسفل بقلة حيلة قائلًا:
- مش عارف يا هويدا أعمل إيه؟ أنا عارف مريم متعلقة بيوسف وعمرها ما هتوافق على أخوه.
عقبت هويدا على حديثه:
- يبقى ده السبب اللي خلاه اتخانق مع أبوه وقت ما قال له يتجوز أمنية بنتك، أتاريه حاطط عينه على مريم، يا حسرة عليكي يا بنتي وعلى بختك المايل.
رفع رأسه ورمقها بامتعاض:
- وطي صوتك للبنات يسمعوكي.
- هو دا كل اللي همك يا أبو محمود؟ دا بيقولك يا يتجوزها يا هيطردك من المحل، المحل اللي كبرتوا من أيام الحاج عبد العليم، وبعدين دا واحد غدر باللي من دمه ما بالك ممكن يعمل فينا إيه؟
تمعن في حديثها ووجد ما تقوله صحيحاً، فسألها بتردد من القرار الذي أُرغم أن يتخذه لكنه يريد أن يجد ما يؤيده حتى لا يشعر بالذنب نحو مريم ويوسف:
- يعني أعمل إيه يا هويدا؟ أنا محتار وعاجز.
- وهي دي فيها حيرة؟ ما هي واضحة زي الشمس قدام عينك، انت لو اتطردت من المحل مش هنلاقي ناكل ولا حتى تجوز مريم ليوسف ولا بنتك لصاحب نصيبها، دا غير إنك عديت الخمسة وخمسين سنة، فصعب تلاقي شغل كويس، يعني أخرك فرد أمن ومرتبه ميأكلش عيش حاف.
سألها مرة أخرى:
- طيب مين اللي هيقنع مريم إنها توافق عليه؟
ابتسمت بزهو وقالت:
- سيب عليَّ أنا المهمة دي، أنا همهد الأول وهقولها على اللي فيها وهي مش هترضى بقطع عيشك، دا انت خيرك عليها.
دمعة تساقطت من عين ابنتهما التي كانت تقف وتسترق السمع، لقد علمت لما كان جاسر يلاحق مريم في العزاء، ويبدو إنها ليست المرة الأولى، ولماذا يريدها إلى هذا الحد، والسؤال الأخير لما خبأت مريم أمر كهذا ولم تسرده إليها!
عادت مسرعة إلى الغرفة وجدت مريم تستند بظهرها على الحائط وتضم ركبتيها إلى صدرها وتستند عليهما بجبهتها وساعديها، وكأنها تبكي، ابتلعت أمنية لعابها قبل أن تجفلها بالسؤال الآتي:
- ليه ما قولتليش إن جاسر عايزك يا مريم؟
•
رواية ابناء يعقوب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ولاء رفعت علي
كيف أعود لك ومرارة أيّامي معك؟ لا زلت أشعر بها في فم عمري، صامد أمام أمواج حزني منك، فما تبقى من العمر لن يكفي لأن أنفقه زادًا في غيابك، أنت قد علّمتني كيف أحبك إلى الحد الذي نسيت به الدنيا وما حوته، بينما استكثرت سقيا قلبك على جفاف روحي، بل وتركت لي جرحًا لن يندمل مهما مر العمر.
توقفت للحظات مترددة أن تدخل إلى المتجر، لكن عليها أن تحسم هذا الأمر قبل أن يتم زواجها منه رغمًا عنها، كما سلب منها أعز ما تملك غصبًا واقتدارا.
وأخيراً قد دخلت تبحث عنه فلم تجده، لاحظت الباب الذي يؤدي إلى الغرفة الملحقة مفتوحًا، عبرت من خلاله إلى الداخل، وجدته منهمكًا في تصليح هاتف، انتبه إليها فالتفت مبتسمًا وبترحاب قال لها:
- يا مرحب، أهلًا بعروستي.
حدقت إليه بازدراء من أعلى إلى أسفل ثم بصقت على الأرض، فأردف وما زالت الابتسامة على شفاه:
- مقبولة منك يا حب، على قلبي زي العسل.
استجمعت قواها لتخبره بشجاعة:
- ده نجوم السما أقرب لك زي ما أبويا الله يرحمه قال ليك، وأنا جيت عشان أقولك ابعد عن طريقي يا حمزة أحسن ليك.
ترك ما في يده ونهض مقتربًا منها فابتعدت إلى الوراء بتوجس، فابتسم لأنه يعلم برغم تلك الشجاعة الزائفة التي تظهرها إليه ما زالت تخاف منه فهذا ما يطمئنه إنها ما زالت تحت سيطرته ولن تحيد عنها أبدًا.
وإذا به يلقي عليها كلماته ذات التهديد الجلي ويدور حولها كالثعلب قائلًا:
- بصي بقى يا حب، هجيبها ليكي من الآخر، انتي لو فضلتي مُصرة على رفضك ليا، اللي حصل ما بينا هحكيه لأخوكي وخالتي والجيران والحارة كلها، عشان لو ما بقتيش ليا ما تبقيش لغيري، وخدي عندك فضيحتك اللي هتبقى بجلاجل وعلقة موت من جاسر أخوكي، وفي نظر الكل هتبقي مجرد واحدة لا مؤاخذة شمال.
صاحت بغضب عارم ورفعت يدها لتهوي بها على خده:
- انت سافل وحيوان و...
قاطعها ممسكاً بيدها بقوة، وفي لحظة تحولت ملامحه من الهدوء إلي الوحشية، ومن بين أسنانه التي يجز عليها أخبرها:
- أول وآخر مرة تحاولي تعمليها، لأنها لو اتكررت هاكسر لك إيدك، فكري شوية بالعقل هتلاقي جوازنا دا الصح.
نفض يدها ثم عاد إلى هدوئه مرة أخرى، ثم رفع يده ليمسكها من ذراعها فقامت بدفع يده وقالت:
- أنا بكرهك.
ألقتها عليه وغادرت سريعًا.
ــــــــــــــــــــ
داخل مبنى مكون من طابقين، يقف في البهو يتأمل المكان من حوله وصديقه يشير له نحو الغرف ويشرح له ماذا سيضع هنا وهناك ويخبره بكل خطوة سيتم تنفيذها.
وبرغم السعادة التي تبدو على ملامحه، لكنه يخبئ خلفها حزن مرير، تذكر أمر حبيبته التي لا يعلم عنها شيئًا، فقام بالاتصال بها، وكانت هي على الجانب الأخر تترك هاتفها على الوضع الصامت داخل حقيبة اليد خاصتها.
- نورت الشركة يا يوسف.
انتبه إلى هذا الصوت الأنثوي الناعم، فألتفت إليه وجد أمامه فتاة عشرينية، ذات ملامح رقيقة تنضح بأنوثة تجذب من ينظر إليها، ابتسم وتذكر إنه رآها من قبل لكن كانت أصغر من الوقت الحالي، سألها:
- آية أخت ماجد؟
أومأت إليه وقالت:
-ذاكرتك قوية ما شاء الله.
حك ذقنه مبتسمًا فأجاب:
- مش قوي، بصراحة خمنت كمان لما ماجد قالي إنك الشريك التالت لينا.
- يارب أكون شريك خفيف عليكم، وما تقلقوش بإذن الله مع الـ plan أنا حطاها في خلال شهر من بعد ما نبدأ شغل اسم الشركة هيسمع فى السوق.
وضع يديه في جيبي سرواله الجينز قائلًا:
- أنا واثق بإذن الله هنعمل حاجة جامدة، طالما ماشيين صح ومعانا كل الإمكانيات اللي تنجح أي مشروع.
حدقت إليه بنظرة مطولة ثم قالت:
- كفاية أنك معانا، دا حافز كبير للنجاح.
أشاح وجهه وتظاهر إنه لم ينتبه إلى ما بين حروف كلماتها من إعجاب صريح، فعقب بذكاء:
"إن شاء الله هيكون بينا إحنا التلاتة من أنجح المشاريع.
ـــــــــــــــــــ
تتمدد على مضجعها وتتذكر منذ يومين عندما ذهبت إلى هذا الشيطان وقامت بتوبيخه، حيث أخبرته أنها غير موافقة على الزواج منه، فقابل رفضها التام بالتهديد كالعادة.
وإذا بصوت طرقات عنيفة على الباب، جعلت عرفة الذي كان نائمًا يستيقظ بفزع، وزوجته خرجت من المرحاض تقول:
- دا مين اللي بيرزع على الباب دا، حاضر يا اللي بتخبط.
أشار إليها زوجها قائلًا:
- استني أنا هروح أفتح الباب.
فتح الباب فوجد رجلًا فارع الطول عريض المنكبين ذو ملامح حادة يسأله بصوته الأجش:
- دا بيت عرفة سيد الطوخي؟
أومأ إليه بالإيجاب وقال:
- أيوة أنا يا بيه، فيه حاجة؟
أخبره الضابط بحدة:
- متقدم فيك بلاغ سرقة فلوس من محل الجاسر للمفروشات اللي أنت بتشتغل فيه.
شهقت هويدا وقالت:
- يا لهوي، سرقة إيه يا باشا وربنا جوزي عمره ما يعمل كدا ولا يقبل الحرام.
رد الضابط وقال:
- يبقى يقول الكلام دا في القسم ونشوف مين الصادق هو ولا اللي مقدم فيه البلاغ والشهود اللي معاه.
وقفت مريم التي خرجت للتو من غرفتها ترى ما يحدث، ركضت إلى الضابط تخبره برجاء:
- يا حضرة الظابط خالي والله العظيم بريء، اللي اسمه جاسر عمل كدا عشان يتجوزني، أنا رفضته فعمل كدا في خالي عشان أوافق عليه.
عقد الضابط ما بين حاجبيه وقال:
- أنا مليش دعوة بالقصة دي كلها، أنا ليا شغلي وبس يا آنسة، خدوه على البوكس.
دخل رجال الشرطة وتم القبض عليه، فأخذت هويدا تصيح وتنوح على زوجها، وأخذت تردد:
- خالك هيضيع يا مريم، أبوس إيدك وافقي على جوازك من جاسر بدل ما نتشرد من غير خالك، أنقذي خالك بالله عليكي.
ــــــــــــــــــــ
ينفث دخان النرجيلة فأصابه نوبة من السعال فقام بالنداء على أحد العمال:
- تعالى يا بني غير لي الحجر دا بواحد جديد، حتى المعسل بقوا بيغشوا فيه، يا لهوي يا جدعان ما بقاش فيه ضمير ولا أمانة.
انتبه إلى هذه القادمة إليه تمسك حقيبتها بكلا يديها، تسير بانكسار، فما أصعب الاستسلام إلى العدو، ظهرت على شفاه ابتسامة فأخفاها على الفور.
- أنا موافقة.
أخبرته وهي تنظر إلى الأسفل، لا تريد أن يراها في حالة الضعف والانكسار هذه، ضحك بسخرية قائلاً:
- ومالك بتقوليها وانتي باصة في الأرض ليه زى ما يكون ماسك عليكي ذلة أو لوي دراعك مثلًا؟
لم تكترث إلى سخريته اللاذعة فأخبرته:
- بس بشرط تطلع خالي من القسم وتتنازل عن المحضر الأول.
ترك عصا النرجيلة ووقف ليقول بإصرار وحسم:
- لحظة التنازل عن المحضر هيكون معايا المأذون وهنكتب الكتاب ودا آخر كلام عندي.
حدقت إليه بازدراء وما عليها سوى الرضوخ والاستسلام، وبالفعل ذهب إلى قسم الشرطة وتنازل عن محضر السرقة المتهم بها خالها وكانت معه، فعندما رأت خالها فتحت ذراعيها واحتضنته قائلة:
- حقك عليَّ يا خالو، أنا السبب في البهدلة اللي حصلت لك.
ربت عليها وحدق إلى جاسر بامتعاض وقال:
- لا يا مريم مش انتي السبب، حقك عليَّ أنا مش عارف أحميكي من شياطين الأنس.
صاح جاسر بسخرية:
- اخلص يا عم الملاك، المأذون وراه ناس بعدينا عايزين يكتبوا.
ذهبوا إلى المتجر وتم هناك عقد القران وقلبها يذرف دمائه في تلك اللحظات الأشبه بالحكم عليها بالإعدام، سوف تعيش معه كالأموات.
أفاقت من شرودها ومن هذه اللحظة العصيبة على ترديد المأذون:
- بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما على خير إن شاء الله.
•
رواية ابناء يعقوب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ولاء رفعت علي
الفصل الثالث عشر༻
أن يطعنك أحدهم في ظهرك فهذا أمر طبيعي، ولكن أن تلتفت وتجده أقرب الناس إليك فهذه هي الكارثة.
بدأ يوسف وصديقه في إطلاق حملة إعلامية مكثفة للشركة التي أطلقوا عليها اسم «YMA» للتسويق و الشحن، كما لاقت صدى في عالم التسويق الإلكتروني.
وفي ذلك الحين أيضًا كان شقيقه يُعد لحفل زفافه على مريم وكذلك زفاف حمزة على رقية، ولم يرد جاسر أن يمر حدث زفافه دون أن يعلم ردة فعل شقيقه، عندما يعلم إنه سيتزوج من الفتاة التي أحبها وبذلك يكون قد سلب منه كل شيء.
وفي ظل يوم عمل شاق لدى يوسف، طرقت آية عليه الباب ثم فتحت وسألته:
- فاضي ولا مشغول؟
توقف عن الكتابة على لوحة المفاتيح المتصلة بالحاسوب، ابتسم وأشار إليها:
- اتفضلي، حتى لو مشغول هفضي نفسي.
ابتسمت أيضاً بخجل ثم قالت:
- تسلم، أنا حابة أخد رأيك في موضوع مهم بالنسبة ليا؟
أومأ إليها وقال:
- اتفضلي، أنا تحت أمرك.
- الأمر لله، الموضوع وما فيه أنا جالي عرض من شركة فرنسية مشهورة لأدوات التجميل، شافوا شغلي من على السوشيال ميديا وتواصلوا معايا، أنت إيه رأيك أسافر ولا لأ؟
أمعن التفكير في سؤالها وأدرك ما ورائه، يبدو ذلك واضحًا من نظراتها إليه والتي تنُم عن الإعجاب أو ربما الحب، بينما هو لا يملك قلبه، وكلما أراد أن يتواصل مع مريم لم يجد إجابة منها على اتصالاته، قام بمهاتفة خالها فقدم إليه أعذار غير مقنعة إطلاقًا، لذا قرر أنه سيذهب لرؤيتها.
انتبه إلى آية التي أخذت تناديه وكان شاردًا، اعتدل وأجاب:
- معلش يا آية، سرحت شوية، كنتي بتاخدي رأيي هتسافري ولا لأ، بصي اعملي اللي هتلاقيه في مصلحتك، يعني لو السفرية دي فيها نجاحك وإنك تحققي نفسك هناك يبقي ليه لأ؟
حدقت إليه بنظرة وكأنها تريده أن يمنعها أو يطلب أن لا تبتعد فسألته:
- يعني انت عايزني أسافر؟
تنهد واستند بساعديه على المكتب فألقى عليها بجوابه على سؤالها الحقيقي:
- أنا عايزك تشوفي مصلحتك، يمكن تلاقي فرصة أحسن، ما تعلقيش نفسك.
ازدردت ريقها وشعرت بالصدمة من إجابته التي أدركتها جيداً، نهضت ووضعت أمامه مجموعة من الأوراق قائلة:
- دي أوراق من البريد نسيت أديهالك من أول امبارح، عن إذنك.
وقبل أن تغادر أوقفها قائلًا:
- أنا مبسوط إنك بتعتبريني زي ماجد أخوكي.
أومأت إليه بابتسامة تخفي خلفها حزن عميق وانكسار، أشاحت وجهها سريعًا لمغادرة الغرفة حتى لا يرى عبراتها المترقرقة.
زفر بين كفيه وشعر بالذنب، لكنه قال لنفسه هذا أفضل لها.
وقعت عيناه على ظرف من بين الأوراق التي أمامه، يبدو إنها دعوة لحضور حفل زفاف، أمسكها ثم قام بفتح الظرف وأخرج الدعوة، إنه حفل زفاف شقيقه لكن اسم العروس مختصرًا في أول حرف من اسمها، لم ينشغل بهذا ووجد هناك دعوة أخرى مرفقة مدون بها اسم العريس «حمزة أمين الحلاج» والعروس «رقية يعقوب عبد العليم الراوي»، برغم حزنه مما فعله شقيقه معه لكنه يشعر بالسعادة من أجل شقيقته التي ستصبح عروس، أمسك بكلا الدعوتين وغادر الشركة لكي يستعد لحضور الحفل، لعله يرى مريم هناك، لقد عزم أنه سوف يشتري خاتًمًا سيقدمه إليها ويتفق مع خالها عن موعد زواجهما، يا له من مسكين ليس لديه علم بالمفاجأة لنقل بالأحرى الصدمة.
ــــــــــــــــ
بدأت مراسم الحفل ما بين رقص وغناء داخل قاعة كبيرة تضم الكثير من الحضور، توجد أريكتان، يجلس على أريكة حمزة الذي يتراقص مكانه وبجواره رقية ويبدو على وجهها الحزن، جاءت والدته لتعانقه وتهنئه، نظرت إلى ابنة شقيقتها بسخرية ثم دنت منها لتخبرها:
- أفردي وشك يا رقية، عايزة الناس تقول على ابني متجوزك غصب!
التزمت رقية الصمت واكتفت بنظرة سخط، وهناك في الأريكة المجاورة يجلس جاسر يصافح كل من يهنئه، ومريم بجواره شاردة نحو الفراغ، لا تصدق تلك اللحظات وكأنها في حلم بل كابوس صعب الاستيقاظ منه، أفاقت على ذراع جاسر المحاطة بخصرها ويخبرها بسخرية:
- عارفة يا مريوم، أنا محضر لك حتة مفاجأة هاتعجبك قوي.
رمقته بازدراء ثم انتبهت إلى ذلك القادم من باب القاعة، نهضت وهي تنظر نحوه لتتأكد من وجوده، رجفة أصابت جسدها عندما تلاقت عينيها بعينيه، ليشعر هو بصدمة بل طامة وقعت فوق رأسه وهو يراها عروس، ويرى هذا الذي ينظر إليه وفمه مبتسمًا بسعادة وانتصار، يخبره إنه سلب منه كل شيء، حقه في إرث والده والفتاة التي أحبها.
مازال يقف ويشاهد هذا من بعيد، أخرج من جيبه علبة الخاتم الذي كان سيقدمه إليها، دقات قلبه تسابق عقرب الثواني الذي يتحرك في ساعة يده، أمسك بقوة العلبة التي في قبضته، انتبه إلي عرفة القادم نحوه وعلى وجهه آلاف الاعتذارات، وعندما توقف أمامه أخبره:
- ما تزعلش يا يوسف، كل واحد بياخد نصيبه، وفي الأول والآخر دا أخوك.
هز رأسه مبتسمًا ولم يستطع منع هذه الدمعة التي انسدلت من عينه، وفي التو قام بمسحها فقال:
- عندك حق يا عم عرفة.
قرر أن يظهر صموده وقوته أمامهما، لذا بدلاً من أن يرحل ذهب إلي شقيقته أولًا وقام بتهنئتها وصافح حمزة الذي قال:
- عقبالك يا چو.
ثم نظر إلي جاسر الذي كان ينتظر ردة فعل شقيقه، يظن أنه سيعاركه أو يوبخه وتمنى أن يحدث ذلك حتى يجد سبباً للقيام بلكمه، لذا كور قبضته استعدادًا لهذا، وقد خيب الأخر ظنونه عندما مد يده إليه وقال:
- ألف مبروك يا جاسر.
رد بسخرية مبتسمًا:
- الله يبارك فيك يا يوسف، نورت الفرح.
حدق إلي مريم التي كانت تصرخ وتخبره بعينيها إنها مرغمة على ما يحدث، تخبره في صمت إنها ليست خائنة كما تقرأ في عينيه.
مد يده إليها وقام بتهنئتها بنظرة تنضح بلوم وعتاب:
- مبروك يا مريم.
رفعت يدها وكادت تبادله المصافحة، مد جاسر يده وأمسك يدها قائلًا:
- معلش يا يوسف، مراتي ما بتسلمش على أغراب، أصلي بغير عليها.
ثم أحاط خصرها بذراعه ليخبره أنها أصبحت ملكاً له، أومأ إليه ولم يعقب، ذهب حتى لا ينهار أمامهما، غادر بقلب مجروح يذرف الدماء بغزارة.
ــــــــــــــــــ
بعد انتهاء حفل الزفاف ذهب كل عروسين إلي منزل الزوجية الخاص بهما، دخلت رقية إلي الداخل فانتفضت عندما سمعت صوت إغلاق الباب، قام بخلع سترة حُلته قائلًا:
- نورتي شقتك يا روقه، إيه رأيك عاملك أحلى شغل ديكور وحركات ولسه لما ندخل أوضة النوم عامل فيها شغل عالي، هبهرك.
كاد يحملها على ذراعيه، فتركته واتجهت نحو رواق حيث تتفرع منه الغرف، فسألها:
- رايحة فين يا حب؟ دا أنا كنت لسه هشيلك، كدا ضيعت لي اللحظة اللي كنت بحلم بيها، مش مشكلة نعوضها في اللي جاي.
ذهب وراءها وقبل أن يقترب من الغرفة، أغلقت الباب فصاح:
- قفلتي الباب ليه؟
أجابت بحدة من الداخل:
- هغير هدومي.
ذهب إلى الردهة قائلًا بصوت خافت:
- لما ألف ليا سجارتين عقبال ما تخلص.
قام بإعداد سجائر ملفوفة محشوة بالتبغ وبمادة أخرى، أشعل سيجارة بالقداحة ثم نفث دخاناً كثيفاً في الهواء، ينظر نحو نقطة وهمية و يتحدث إلي نفسه داخل عقله:
- كدا الدنيا كلها ماشية زي ما أنا عايز، وهرجع حق أمي اللي نهبتوه يا ولاد يعقوب، ولسه لما أخلص منك يا جاسر، وأختك تحت سيطرتي.
مر أكثر من ساعة ونفث أكثر سيجارة، لم يسمع صوتاً لها فشعر بالقلق، ذهب إليها وحاول فتح الباب لكنه كان موصداً من الداخل.
- روقه؟ بت يا روقه أنتي نمتي ولا إيه؟ دي ليلتنا يا حب، يلا أفتحي وبلاش دلع.
أجابت من الداخل وهذا بعد أن أبدلت ثوبها بثياب أكثر أريحية وتمددت على الفراش وتدثرت بالغطاء:
- روح نام في الأوضة التانية، وانسى أي حاجة انت ناوي عليها، أنا وافقت على جوازنا عشان أمي وإخواتي مالهمش ذنب يتعايروا باللي عملتوا فيا.
أطلق قهقهة ثم قال:
- وانتي بقي فاكراني هتأثر بالهبل اللي قولتيه دا وهاسيبك!
انتفضت وقفزت من فوق الفراش بخوف، تبحث عن أي شيء تحتمي به، صاحت بشجاعة زائفة:
- المرة دي لو قربت مني هصوت وألم الجيران عليك وهعملك فضيحة في قلب العمارة.
ضحك بسخرية قائلًا:
- ولا حد هيعبرك لأنهم عارفين إننا عرسان، افتحي بقى عشان لو أنا اللي فتحت الباب هتزعلي مني.
صرخت برفض تام:
- مش فاتحة وهقولها ليك للمرة المليار، أنا بكرهك يا حمزة ولو راجل طلقني، لأن أنا مش طايقاك.
كانت تتوقع إنه سوف يدفع الباب بقوة جسده لكن رأت المقبض يتحرك بتؤدة وإذا بالباب ينفتح على مصراعيه، يقف ويرفع إليها مفتاح القفل وعلى محياه ابتسامة ذئب ضاري تمكن من حصار فريسته، ترجع هي إلى الوراء وتحتضن جسدها بذراعيها، تهز رأسها برفض وخوف:
- لا، ابعد عني، لا.
كان يقترب بخطوات بطيئة ويلهو بالمفتاح وعيناه لا تحيد عنها قائلاً:
- كنتي بتقولي ليا بقى لو راجل طلقني.
جز على شفته السفلي والابتسامة لا تفارق شفتيه وفي لحظة ألقى المفتاح وباغتها بصفعة قوية جعلتها ترتطم في الخزانة، لم يمهلها أن تستوعب ما فعله فجذبها من خصلاتها وصاح كالوحش الكاسر:
- أنا راجل غصب عنك وعن أهلك ومش هطلقك، لأنك بتاعتي.
فكان الحقد والغل يسيطران عليه، بصق حقده في صورة ستجثم طوال العمر على ذاكرتها، يكفي ما فعله سابقاً عندما أنحرف بها بعيداً عن حضن والدها، الذي مات من الحزن والقهر.
ـــــــــــــــــ
وفي منزل أخر ليس ببعيد، تجلس في زاوية تبكي وتنعي قلبها كلما تذكرت نظرة من أحبته إليها، أرادت أن تدافع عن نفسها باستماتة أمامه، لكن لا جدوى من ذلك، فهي الآن أصبحت زوجة شقيقه قانونًا فقط وهذا بعد إصرارها وقوتها التي أظهرتها أمام هذا الشيطان منذ قليل..
وقفت أمام المرآة تنظر إليه خلفها وهو يفك أزرار قميصه استدارت إليه تسأله بحدة:
- أنت بتعمل إيه؟
توقف وفتح ذراعيه فأجاب:
- زي ما انتي شايفة، بغير هدومي.
التقطت ثيابه الموضوعة على الفراش وألقت بها إلى خارج الغرفة، نظر إليها بتعجب ودهشة فداهمه ظنًا وهميًا وسرعان ما ابتسم بسعادة وبنظرة ماكرة قال لها:
- آه يا مجرمة، مش عايزاني أكمل لبسي.
أثارت حماقته غضبها فصاحت في وجهه:
- أنت يا مجنون يا بتستعبط يا إما غبي.
غر فاه ثم عقب:
- ليه الغلط طيب؟
- مفيش غير كدا عندي، مش قبلت على نفسك تتجوز واحدة قرفانة حتى تبص في وشك استحمل بقى.
رفع ذراعيه وأخذ يستنشق رائحته فقال:
- قرفانة مني ليه؟ ده أنا والله مستحمي وحاطط مزيل وراشش برفان جاي لي هدية من مزة روسية كنت متصاحب عليها في شرم.
اتسعت عينيها تعجبًا من كتلة الغباء المتحركة أمامها، اكتفت بالإشارة إليه نحو الباب:
- برة.
- إيه زعلتي عشان حكيت لك عن المزة؟ والله دا قبل ما أعرفك، وخلاص من النهاردة هاتوب على إيديكي ومش هعرف بنات ولا ستات تاني.
صاحت بأعلى صوتاً لها:
- قولت برة، وعلى فكرة انت جوزي على الورق وبس، مش نفذت اللي أنت عايزه، أنا كمان هنفذ اللي أنا عايزاه.
ابتسم بسخرية وعقب على حديثها:
- نعم يا حلوة! لو فاكرة الكلمتين دول هيهزوني يبقى ما تعرفيش جاسر الراوي، يعني اللي عايزه هو اللي هيحصل سواء بمزاجك أو غصب عنك.
قبض على ذراعها وأراد أن يأخذها غصبًا كما وسوس إليه زوج شقيقته، لا يعلم قوة مريم، حيث كانت تعلم بأن هذا سوف يحدث، مدت يدها إلي أسفل الوسادة وهي تقاومه، ثم استلت السكين التي خبأتها وأشهرتها في وجهه صارخة بتهديد:
- أقسم بالله العظيم لو قربت مني لهقتلك وأقتل نفسي.
انتفض وعاد إلي الوراء:
- يا بنت المجانين، نزلي السكينة للسلاح يطول.
- يا ريت عشان أخلص منك وأرتاح.
جز على شفته السفلي ثم قال:
- براحتك يا مريم، مسيرك توقعي تحت إيدي ومش هرحمك، بس افتكري كلامي.
غادر الغرفة وبعد ثوانٍ سمعت صوت غلق باب الشقة، تنفست الصعداء وألقت بالسكين على الفراش واستسلمت إلي أحزانها، انفجرت في البكاء لعلَّ الدموع تخرج ولو القليل مما تحمله في صدرها من عذاب و ألم.
•
رواية ابناء يعقوب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ولاء رفعت علي
الفصل الرابع عشر
أوهمتك برحيلي فراقبتك من بعيد، رأيتك بخير ولم تشتكِ الفقد، فقررتُ الرحيل لتبقى بخير أكثر.
بعد مرور أكثر من شهرين...
مازال الوضع كما كان عليه، كلما يريد الاقتراب منها تصرخ في وجهه وتهدده بقتله وقتل نفسها، وفي آخر محاولة قد لجأ إلى القوة والعنف معها لأخذ حقه الشرعي عنوة، استطاعت الإفلات من بين ذراعيه وركضت نحو النافذة المفتوحة تخبره بتهديد:
- أقسم بالله لو قربت مني لهرمي نفسي من الشباك وهيقولوا إنك اللي رمتني.
زفر بضيق وضجر قائلًا بنبرة تخلو من الصبر:
- خلاص يخرب بيتك، أبو الجواز وسنينه، كان يوم أسود لما أتجوزتك، هسيب ليكي البيت عشان ترتاحي.
غادر المنزل وذهب إلى أحد النوادي الليلية التي يتردد عليها دائمًا، فتقابل مع ابن خالته الذي يرتشف النبيذ من الكأس ويسأله:
- مالك يا ابن خالتي؟ حزين ومهموم ليه كد؟ دا أنت حتى عريس جديد.
لوح جاسر بيده ثم قال:
- بلا جواز بلا قرف، تصدق من يوم ما أتجوزنا وأنا مش عارف أقرب منها، كل ما أجي جمبها يا ترفع عليَّ السكينة وتهددني يا إما تجري وعايزة ترمي نفسها من البلكونة.
وسوس إليه باقتراح شيطاني كالعادة:
- خدها بالقوة، في الأول والأخر دي مراتك.
ارتشف من الكأس وأجاب:
- يا عم دي ممكن تخلص عليَّ بعدها.
قهقه حمزة وقال بسخرية:
- اعترف إنك جبان وخايف منها.
رمقه بازدراء قائلًا:
- ما تبطل هزارك السخيف دا يا عم الرذل، مش ناقصك على المسا.
- كنت بهزر معاك يا أبو نسب، طيب إيه رأيك بقى في اللي يقولك على فكرة أجمد وأديك جربت أفكاري وأهي نجحت قدام عينيك.
أطلق زفرة وقال بنفاذ صبر:
- أخلص واشجيني.
ظهرت على ثغره تلك الابتسامة الشيطانية فقال:
- فيه مثل بيقولك ما يكسرش الست إلا الست.
سأله بدون تمعن في الكلمات التي ذكرها إليه:
- أخونها قصدك؟ ما هي عارفة من يوم ما أتجوزنا إني كل يوم بسهر هنا وبروح مع بنات ليل، ولا فارق معاها، بالعكس بحس إنها مرتاحة بكدا.
لكزه في كتفه وأجاب:
- فتح مخك بقى، خيانة إيه اللي بتتكلم عنها دي؟ على أساس إنها بتموت فيك! أنا قصدي إنك تجيب لها ضرة.
ردد جاسر بتعجب:
- أتجوز عليها!
ـــــــــــــــــــ
في اليوم التالي...
تجلس على الأريكة أمام التلفاز وتقشر الخضروات داخل إناء متسع ومستدير، عاد زوجها من الخارج يحمل من الهموم أطنانًا على كاهليه المنهكين من فرط ما يحمله منذ وفاة الحاج يعقوب.
توقفت هويدا عن ما تفعله وسألته:
- مالك المرة دي يا أبو محمود؟ ليكون البت مريم اتطلقت من جوزها.
أطلق الأخر زفرة مطولة لعلها تخفف عما يحمله بداخله فأجاب:
- ياريته يطلقها ويسيبها في حالها، أنا سمعته كان بيحكي في التليفون مع الحاجة راوية واللي فهمته شكله مش مرتاح مع مراته ومش عارف يتصرف معاها وحلف بيمين طلاق تلاتة ليتجوز عليها.
عقبت زوجته بتهكم:
- يخرب بيته هو لحق يزهق منها وعايز يتجوز عليها كمان؟ يا عيني عليكي يا مريم، الظاهر بختك زي أمك الله يرحمها.
وهنا أراد أن يلقي عليها بالخبر الصاعق:
- تخيلي عايز يتجوز مين؟
ردت وهي تلوح بيدها بعدم اهتمام:
- هتلاقيها واحدة من الستات اللي ماشي معاهم.
أخبرها بهدوء يُحسد عليه:
- ده عايز يتجوز أمنية.
انتبهت جميع حواسها لاسيما سمعها، فسألته لتتأكد:
- أمنية مين بالظبط؟ قصدك أمنية بنتك؟!
أومأ إليها بحزن:
- للأسف يا هويدا أيوة.
نهضت وأطلقت صوتها الجهوري الغاضب:
- وانت ازاي تسكت له يا عرفة! هو أنا بنتي بايرة عشان تتجوز واحد لسه ماكملش شهرين جواز وفوق دا كله تتجوز على ضرة وضرتها تبقى بنت عمتها؟ إن كان اللي بيتكلم مجنون يبقى المستمع عاقل.
- يا ولية اهدي، فيه إيه؟ انتي شوفتيني وافقت؟ أنا نفسي عمري ما هوافق على حاجة زي كدا حتى لو فيها طردي من المحل المرة دي.
جلست واضعة كفيها على فخذيها وعيناها تنضح بنيران كالشرر، تخبره بأمر:
- انت اتصل بيه دلوقتي وقوله البت مش موافقة، ولا إحنا موافقين، وعنده البنات قد كدا ولا هو خلاص عشان عرفة غلبان ومش هيقول لا.
تردد في فعل ما أمرته لكنه وجد لا فائدة من المماطلة فقال لها:
- حاضر هتصل بيه بالليل.
صاحت بحسم:
- لا، دلوقت حالًا:
خرجت ابنته من غرفتها ووقفت أمامهما عاقدة ساعديها أمام صدرها، تنظر بتحدٍ وإصرار قائلة:
- أنا موافقة يا بابا.
ــــــــــــــــــ
اقترب رجل متوسط الطول يحمل دفترًا ورقيًا وحقيبة سوداء، تقدم منه أحد العمال وسأله:
- خير يا أستاذ؟
أجاب الرجل بجدية:
- أنا معايا إنذار من الضرايب وعايز أقابل صاحب سلسلة محلات الجاسر اللي كانت اسمها يعقوب وأولاده.
ظهر على ملامح العامل التوتر فأخبر الرجل:
- طيب استني هشوفه موجود جوا ولا لأ؟
كان جاسر يجلس خلف المكتب ويراسل إحدى الفتيات.
فقاطعه العامل يخبره:
- إلحق يا جاسر بيه، راجل بيسأل عليك وبيقول إنه عايز يقابلك وإنه من الضرايب.
أخرج من درج المكتب ورقة مالية وأعطاها للأخر و أمره قائلاً:
- خد أديله الميتين جنية دي في جيبه، وقوله يقولهم إنه ملاقنيش.
أجاب العامل:
- ده بيقول معاه إنذار يا بيه، يعني شكله مبلغ وقدره، والضرايب ممكن تيجي تحجز على المحل دا وباقي المحلات.
ضرب يده على سطح المكتب وصاح بغضب:
- أول وآخر مرة تتدخل يا حيوان في اللي ملكش فيه، أنا عارف أنا بعمل إيه، غور يلا اعمل اللي قولت لك عليه.
نظر العامل إلى الأسفل بحزن وقال:
- أمرك يا بيه.
ذهب فقال جاسر:
- وإيه حكاية الضرايب اللي ما بتخلصش دي كمان؟ دول بياخدوا أكتر من اللي بكسبه، منهم لله هم و مراتي اللي منكدة عليَّ في ساعة واحدة.
استدار بزاوية بالمقعد الجالس فوقه، فتح الخزنة وأخذ مبلغ من المال وقال:
- لما أروق على نفسي شوية، هروح أسهر مع البت سماح فرفشة، أهي تزيح عني الهم والنكد اللي عايش فيه من يوم ما أتجوزت البومة مريم.
ــــــــــــــــ
تجلس أمام التلفاز تشاهد أحد الأفلام الأجنبية الرومانسية وبها حكايات عن الحب والفراق، ظلت تتأمل ذلك المشهد وكان البطل قد رأى حبيبته برفقة رجل أخر في احتفال، جعلها تتذكر ذلك المشهد الذي لن تنساه قط، نظرة عيناه التي تلاقت بعينيها، وكم الاتهام الذي وجهه إليها من خلال تلك النظرة التي أخبرتها إنها قد أصبحت أمامه مجرد خائنة.
أخذت هاتفها من فوق المنضدة التي أمامها وترددت قبل أن تجري الاتصال عليه، كل ما تريده أن تدفع عنها اتهاماته لها وتخبره أن هذا الزواج كان رغمًا عنها.
قامت بالاتصال، تلقت رسالة صوتية مسجلة محتواها أن الرقم غير موجود بالخدمة، يبدو إنه أوقف الخدمة لهذا الرقم واستبدله بأخر، هل قرر استبدالها من حياته كما استبدل شريحة الاتصال؟
فقررت أن تتصل بخالها والذي أجاب عليها:
- أزيك يا مريم، عاملة إيه يا بنتي؟
- الحمد لله يا خالو، أنا بخير.
- دايماً يا بنتي.
- تسلم يا حبيبي، بقولك يا خالو عايزة أسألك بس يا ريت ما تفهمش سؤالي غلط، بس غصب عني والله.
أدرك خالها ماهية سؤالها قبل أن تتلفظ به فأخبرها بحزم:
- غلط يا مريم وأوعي تعملي كدا، انتي دلوقتي ست متجوزة، حتى لو ما بتحبيش جوزك بس لو سألتي على راجل تاني كان ما بينك وما بينه أي مشاعر دي تعتبر خيانة، وأنا ما ربتكيش على كدا أبداً، انتي بينضرب بيكي المثل في الأخلاق والأدب.
أجابت على مضض:
- حاضر يا خالو اطمن بالتأكيد ماكنتش هعمل كدا، كان مجرد سؤال مش أكتر.
- اوعي تكوني زعلتي يا بنتي؟
طيف ابتسامة لاح على ثغرها فقالت:
- وهزعل من إيه؟ مفيش حاجة، ابقى سلملي على أمنية وطنط، سلام.
أنهت المكالمة وعادت لمتابعة الفيلم، صدح رنين جرس المنزل فأمسكت بجهاز التحكم الخاص بالتلفاز وضغطت على زر كاتم الصوت ثم ذهبت لترى من الزائر، نظرت عبر فتحة الباب أولاً:
- مين؟
أجابت في الخارج:
- أفتحي يا مريم أنا خالتك راوية.
قامت بفتح الباب فألقت راوية التحية فرحبت بها مريم مشيرة إليها نحو الداخل:
- أتفضلي يا طنط، حضرتك تحبي تشربي إيه؟
- أنا مش جاية عشان أشرب، أنا عارفة إن ابني مش هنا وزمانه سهران في الكباريهات، وأنا اللي كنت بقول ربنا هداه واتجوز رجع أنيل من الأول، ليه سيباه يعمل كدا يا مريم؟
تعجبت من لوم هذه السيدة وكأنها لا تعلم طريقة زواج ابنها منها تحت التهديد والمساومة، جزت على أسنانها ثم قالت:
- أعتقد حضرتك مش واضحة لك الرؤية خالص، ابنك مين اللى ربنا هداه؟ ابنك يقول للشيطان قوم وأنا أقعد مكانك.
نظرت إليها والدة زوجها بلوم وعتاب:
- ما هو ده دورك يا بنتي، المفروض تخليه يتغير، أنا عارفة إنه فيه كل العبر، مش لو حبتيه وغيرتيه يمكن ينصلح حاله ويرجع الحقوق لأصحابها و يبقي كسبتي فيه ثواب.
قد فاض بها الأمر ولم يعد للصبر مكانًا، الكل يلقون عليها اللوم وكأنها هي الجانية وليست المجني عليها، صاحت بكل ما يجيش في صدرها:
- انتي أصلًا بتقولي إيه؟ ابنك اتهم خالي بقضية سرقة لفقها له عشان يساومني علي تنازله عن المحضر مقابل إنه يتجوزني، ووافقت غصب عني عشان الراجل اللي رباني وعمره ما خلاني محتاجة حاجة".
اقتربت خطوة وعيناها تنضح بالشرر وتلوح بيدها مردفة:
- ابنك اللي أكل ميراث أخوه ومليون في المية زَور في الأوراق، وعارف إن أنا وأخوه بنحب بعض و أتجوزني عشان يقهره مش عشان بيحبني، و انتي جاية تقولي لي حبيه! أنا بكرهه وكل يوم بكرهه أكتر وبدعي عليه، ومش هقولك غير حسبي الله و نعم الوكيل عشان معرفتيش تربي.
لم تكن راوية قادرة على الرد، تعلم أن مريم لديها كل حق في كل كلمة، و تذكرت ما تم تداوله بين أهل الحارة و هو أن ابنها يريد الزواج من ابنة خالها عرفة، لكن وجدت أن هذا لم يؤثر في مريم سواء علمت بذلك أم لا.
- حقك عليَّ يا مريم، ومعلش جيت أخدت من وقتك، عن إذنك.
قالتها وغادرت خالية الوفاض، تاركة مريم في بحر من الأحزان.
****
•
رواية ابناء يعقوب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ولاء رفعت علي
تجبرنا الحياة على خوض معارك نحن الطرف الأضعف فيها، ومع ذلك علينا الصمود حتى الرمق الأخير، فكيف لنا أن نحارب في معركة خاسرة مجهولة النتائج؟!
مرت أيام معدودة وتم زواج جاسر وأمنية في حفل عائلي، فكلا والديها رافضين هذه الزيجة التي ستأتي من خلفها الخلافات والمصائب كما أخبرتها والدتها، لكن كان إصرار ابنتها عجيباً، فهي تخوض معركة وتريد أن تنتصر فيها بشتى الطرق.
كانت مريم حينذاك تتصفح حسابها علي تطبيق التواصل الاجتماعي (الفيس بوك)، وقع أمامها اقتراح إرسال لطلب الصداقة، خفق قلبها حينما رأت الاسم بالإنجليزية وصورته داخل الشركة التي رأت إعلان لها من قبل، أخذت تتصفح حسابه وعلمت إنه شريك مالك لهذه الشركة، ضغطت على اسم الشركة وكان أزرق اللون فانفتحت الصفحة الخاصة بالشركة، في الأعلى خريطة للموقع الجغرافي وأسفله تفاصيل والعنوان، التقطت علي الفور صورة للصفحة والجزء الخاص بالعنوان.
وصل إلي سمعها صوت زغاريد يدوي صداها في الخارج، هذا الصوت ليس بغريب عنها، فهي تعلمه جيداً، أسرعت إلي باب الشقة وقامت بفتحه لتجد جاسر يرتدي حُلة سوداء وتمسك بساعده ابنة خالها التي ترتدي ثوب زفاف أبيض، حدقت إليها أمنية بنظرة لإغاظتها وقالت:
- معلش بقى يا مريم نسينا نعزمك على فرحي أنا وجاسر، أصل مفيش واحدة عاقلة هترضى تحضر فرح جوزها.
لم تشعر مريم بأي مشاعر سلبية نحو ابنة خالها، بل أسعدها أنها تزوجت من الرجل الذي أحبته وتمنت أن تكون زوجة له، فابتسمت وقالت لها نقيض ما كانت تتوقعه:
- ألف مبروك يا أمنية، أنا فرحت لك قوي.
جز جاسر على أسنانه بغيظ من ردة فعل مريم والتي تبدو أنها سعيدة بزواجه، عقبت هويدا بعدما تنفست الصعداء خوفاً أن تنشب معركة بين ابنتها وبين مريم:
- الله يبارك فيكي يا حبيبتي، طول عمرك عاقلة ما شاء الله عليكي.
نظرت مريم إليها وقالت:
- تسلمي يا مرات خالي، يعلم ربنا إن أنا بعتبر أمنية زي أختي وأكتر، والنهاردة فرحت لها جدًا.
ثم حدقت في جاسر وهي مازالت تبتسم قائلة بتمني:
- عقبال يا جاسر لما نتطلق.
أقسمت إنها ترى نيران من الجحيم تندلع داخل عينيه، وقبل أن يقترف فعل أحمق معها أمام زوجة خالها و ابنتها قالت:
- عن إذنكم هروح أنام، تصبحوا على خير.
أغلقت الباب قبل أن يفتك بها جاسر أمامهم، فصب غضبه علي والدة أمنية قائلًا:
- مش زغرطي يا حماتي ووصلتي بنتك لحد باب الشقة؟ يلا بقى انزلي لعمي عرفة تحت هتلاقيه بينادي عليكي.
نظرت إليه بامتعاض وقالت:
- مقبولة منك يا بني، أهم حاجة عايزاك تاخد بالك من بنتي.
صاح الأخر بنفاذ صبر:
- ما أنا واخد بالي منها اهو، ليه محسساني إن هاكلها، يلا بقى أتكلي علي الله.
لكزته أمنية وأخبرته بنهي:
- اتكلم مع أمي عدل يا جاسر"
تسحبت والدتها و هبطت علي الدرج، بينما جاسر لم يتحمل أكثر من ذلك فقبض علي عضد أمنية و دفعها أمامه:
"قدامي يا عروسة، وأنا هوريكِ هاتكلم ازاي.
و بعد قليل...
كانت نافذة غرفة النوم التي تتمدد فيها مريم مقابل نافذة غرفة النوم داخل الشقة المقابلة، دوي صوت صرخة ابنة خالها وأتبعه صوت جاسر يوبخها:
- اكتمي صوتك دا خالص.
أدركت ما يفعله معها فوضعت الوسادة على رأسها، لا تريد سماع أي شيء أخر، تذكرت ما ستفعله غداً، ابتسمت وظلت تفكر في الرجل الوحيد الذي امتلك قلبها وإنها سوف تراه غداً برغم خوفها من ردة فعله.
ــــــــــــــ
ترجلت من السيارة أمام مبنى الشركة وأخذت تتأمل البناء من خلف نظارتها الشمسية السوداء، دقات قلبها تخفق بقوة، عليها أن تتشبث بثباتها حتى لا تنهار أمامه، لديها يقين إنه سيلقي عليها أقسى الكلمات من لوم و عتاب.
دخلت إلي بهو الاستقبال فوجدت فتاة استقبلتها بابتسامة وسألتها بلباقة:
- اتفضلي يا فندم، أنا تحت أمرك.
بادلتها مريم الابتسامة وأخبرتها:
- أستاذ يوسف موجود؟
أومأت الفتاة إليها وقالت:
- آه يا فندم، أقوله مين؟
كان يوسف في غرفة المكتب يتابع طلبات العملاء على الحاسوب ويتواصل مع الشركات التي يشتري منها المنتجات المطلوبة.
طرقت الفتاة الباب، فقال:
-أدخل.
دخلت إليه وقالت:
- مستر يوسف، فيه واحدة عايزة تقابلك اسمها...
قاطعتها مريم التي ودخلت للتو:
- أزيك يا يوسف؟
وبعد أن خرجت الفتاة وأغلقت الباب، جلست مريم أمام المكتب، ما زالت تحتفظ بجمالها وسحرها الذي لا يليق إلا بها، أنيقة وثيابها تنم عن ذوقها الرفيع، يبدو أن شقيقه يغدق عليها بأمواله التي سلبها منه، ضاحكة ساخرة اختتمت تلك الأفكار داخل رأسه.
خلعت النظارة الشمسية فنظر إليها بجدية وسألها:
- يا ترى إيه سبب الزيارة يا مدام مريم.
كانت وقع ذلك اللقب كالسكين التي اخترقت قلبها، وبدون تردد أنكرت بدفاع:
- أنا مش مدام يا يوسف.
أطلق زفرة غير مكترث إلى ما تخبره به، فسألها بأسلوب أكثر فظاظة:
- أُمال تبقي إيه يا مرات أخويا.
صاحت بنبرة على مشارف البكاء:
- والله العظيم ما كان بإيدي، أخوك هدد خالي يطردوا من المحل وعشان يضغط عليَّ أكتر اتهمه بالسرقة و جاب شهود تبعه يشهدوا زور وكان شرطه عشان يتنازل عن المحضر إنه يكتب عليَّ.
رفع إحدى حاجبيه بتهكم يخبرها:
- وانتي لو كنتي لجأتي ليا وقتها ماكنتش هعرف أجيب لخالك حقه وأخلي جاسر يلزم حدوده؟ بس الظاهر الموضوع كان على هواكي.
صرخت بنفي:
- ورحمة ماما أبداً والله ما حصل، انت ليه مش عايز تصدقني؟ أنا بقالي شهرين في عذاب، عايشة في تهديد، كل يوم بنام والسكينة تحت مخدتي عشان لو قرب مني، أنا محافظة على نفسي يا يوسف.
اهتز قلبه لما تفوهت به ولا يعلم ماذا يفعل، وكأنه مقيد بأغلال في قاع محيط مظلم، نهض من المقعد وذهب نحو النافذة مولياً إليها ظهره فسألها:
- وإيه المطلوب مني أعمله ليكي؟ عايزاني أروح لأخويا أقوله عن إذنك ممكن تطلق حبيبتي عشان أتجوزها أنا!
نهضت ووقفت خلفه وقالت:
- أنا فعلًا كل يوم بطلب منه الطلاق فبيسبني ويمشي أو بيمد إيده عليَّ، أنا عندي استعداد أروح حالًا لأي مكتب محامي وأرفع عليه قضية طلاق، بس عايزة أعرف أنت هتسامحني ونرجع لبعض ولا لأ؟
التفت إليها وكان بداخله ما زال يلقي عليها اللوم، فقرر أن يختبرها بإجابة على نقيض ما يريده فأجاب:
- لو قلت لك لأ؟
تراجعت خطوتين إلى الوراء وهي تحدق إليه بصدمة قائلة:
- بقولك إيه، أنا ولاهكمل معاه ولا هرجع لك، أنا بكره اليوم اللي دخلت فيه وسطكم يا ولاد يعقوب"
قالتها وركضت مغادرة المكان، بينما هو تسمر في مكانه حاول أن يستوعب نتيجة قوله لها وإجابتها التي جعلته يشعر بالندم، ذهب ليلحق بها منادياً:
- مريم؟، يا مريم؟"
انطلقت سيارة الأجرة التي كانت تنتظرها في الخارج، ظل واقفاً ينظر في إثرها و يديه خلف رأسه.
ـــــــــــــــــ
استيقظت على صوت رنين جرس المنزل، خرجت من الغرفة منهكة القوى، تشعر بدوار خفيف، كافحت هذا الشعور ولاسيما عندما رأت خالتها سعاد بعد أن فتح ابنها الباب لها.
- أنتم لسه نايمين لحد دلوقت! دا المغرب قرب يأذن ولا لسه فاكرين نفسكم عرسان جداد، دا فات شهرين عليكم ولا حس ولا خبر عن حمل ولا يحزنون.
أجاب حمزة بضجر:
- فيه إيه يا أمي على المسا، انتي جاية تطمني علينا ولا تقعدي تدينا محاضرات ورمي كلام زي كل مرة؟
رمقته والدته بامتعاض وازدراء:
- اخص، مراتك لحقت تغيرك من ناحية أمك، ما هو طبعًا هاتجيبه من برة؟ دي بنت راوية، أختي وأنا عارفها قوية، بتعرف تعمل اللي عايزاه وبتاخد اللي على كيفها زي زمان"
لم يفهم ابنها ما تقصده من وراء حديثها المبهم عن شقيقتها، فقال:
- مالها رقية بس عملت لك إيه؟ ما هي في حالها.
وضعت سعاد يدها على خصرها وقالت:
- ما هو المفروض تنزل تطمن على خالتها و تشوفني عايزة إيه وتيجي تساعدني، أُمال أنا جوزتك في الشقة اللي فوقي ليه؟
كانت رقية تقف في الرواق تستمع إلي ما تقوله خالتها مما جعل داخلها يستشيط غضبًا عندما أجاب زوجها على والدته:
- حاضر يا أمي أول ما تصحى كل يوم هخليها تنزلك تعملك كل اللي انتي عايزاه، مرضية يا حاجة؟
رفعت جانب فمها بسخرية، خرجت رقية من الرواق إليهما:
- أنت بتقرر على مزاجك ولا كأني الجارية اللي أشترتها أمك من سوق النخاسة، بقولك إيه يا خالتي أنا أتجوزت ابنك بعد ما عصرت على نفسي شوال لمون، فمش ناقصة شغل حموات بالله عليكي.
- شوف البت قليلة الرباية اللي بترد على خالتها ولا كأني عدوتها، ماله ابني يا بنت راوية؟
عقب ابنها ويحدق لزوجته بوعيد:
- سيبك منها يا أمي، شكلها حبت الضرب وما بتتكيفش غير لما بتاخد العلقة عشان تتظبط.
أجابت والدته:
- وكمان منكدة عليك حياتك يا حبيبي! مش كفاية إنك سترت عليها بدل ما كانت تبقى فضيحتها بجلاجل على كل لسان.
اتسعت عينيها وهي تنظر إلي زوجها فتهرب من النظر إليها، فأردفت والدته:
ما تستغربيش، ابني ما بيخبيش عني حاجة، وخدي بقى عندك أنا اللي قلت له يعمل فيكي كدا، عشان يكسرك ويكسر أبوكي، وأهو أبوكي مات بحسرته بعد ما عرف اللي حصل معاكي، بس ما يعرفش إنه غصب عنك، لا فهم إنه بمزاجك.
وفي لحظة كانت رقية تقبض على تلابيبه صارخة به:
- اللي بتقوله أمك دا صح؟، رد عليَّ؟ وقول إنها بتكدب عشان تغيظني، ساكت ليه؟
وعندما لم تجد منه ردًاً أو نفيًا، رفعت يدها وهوت بها على خده:
- آه يا ابن الـ..."
قبض على يدها وصاح كالعاصفة الهوجاء:
- انتي كدا اتعديتي حدودك على الآخر، وربنا لهربيكي من أول وجديد.
لم يكن لديها طاقة لتتحمل إهانة وضربًا مبرحًا فاستسلمت إلى الدوار الذي داهمها.
أسرع حمزة بالاتصال على الطبيب وجاء لفحصها، يخشى أن يصيبها مكروهًا يودي بحياتها، ظل منتظراً الطبيب الذي يفحصها بعد أن علق لها محلول مغذي واستيقظت من الإغماء.
خلع الطبيب السماعة فسألته سعاد بقلق:
-هي بخير يا دكتور؟
نظر إليها بوجوم ثم نظر إلى حمزة وأخبره:
- المدام بتتعرض لعنف جسدي ونفسي واضح عليها من آثار العنف اللي على جسمها ومن الصدمة النفسية اللي هي فيها.
تدخلت سعاد حتى تبعد الاتهام عن ولدها قائلة:
- عنف إيه بس يا دكتور؟ دي بنت أختي قبل ما تكون مرات ابني، وجوزها بيحبها، الموضوع وما فيه كانت نازلة تشتري حاجات من السوق وقعت على السلم فأغمى عليها.
رمقها الطبيب غير مصدق فسألها باستنكار:
آثار الضرب الموجودة على جسمها فيها القديم وفيها الجديد، هي على طول بتوقع من على السلم يا حاجة؟
- أصل يعني...
لم تجد ردًا مقنعًا فقال الطبيب:
- على العموم أنا هكتب لها على علاج تستمر عليه ومقويات عشان واضح جداً حالتها الصحية ضعيفة، ودا ما ينفعش لحالتها وغلط عليها وعلى الجنين، المدام حامل.
ــــــــــــــــ
تمكث في الغرفة منذ مجيئها، وجدت من يطرق باب الشقة، ذهبت لتفتح فوجدتها ابنة خالها:
- هاتسيبيني واقفة على الباب كدا كتير يا مريم؟
أشارت إليها مريم بالدخول فدخلت وهي تتأمل الأثاث والفرش:
- زي ما توقعت، عامل الحلو كله ليكي، وأنا بقى اللي اتجوزها عشان يغيظ بيها مراته.
زفرت مريم بضجر فسألتها:
- عايزة إيه يا أمنية؟ مش اتجوزتيه خلاص؟
التفتت إليها وأخبرتها بتعجرف:
- اتجوزته آه، بس أنا اللي المفروض أحق بيه في كل حاجة، هو يكون ملكي أنا من غير واحدة تانية تشاركني فيه، حتى لو كانت الواحدة دي انتي.
عقدت مريم ساعديها أمام صدرها وقالت:
- وأنا مستغنية عنه ومش عايزاه، وروحي اسأليه بنفسك، قولي له مريم طلبت منك الطلاق كام مرة وهو هيقولك، فبلاش بقي دور اللوم والعتاب لأني ماخطفتهوش منك وعلي يدك اللي حصل.
جزت أمنية على أسنانها بحنق وقالت:
- ماشي يا مريم، لو انتي فعلًا صادقة خليه يطلقك، أو خلي أبويا يرفع لك قضية طلاق عليه.
اقتربت منها ابنة عمتها ووضعت يديها على كتفيها قائلة بنبرة لكسب ودها واستعادة صداقتها من جديد:
- من غير ما تقولي ده اللي هيحصل، وأوعدك إنها هتكون آخر ليلة ليا هنا، بس بالله عليكي سامحيني وبلاش النظرة اللي بشوفها في عينيكي، كأني غدرت بيكي.
ابتسمت إليها أخيرًا وربتت على يدها الموضوعة على كتفها وقالت:
- أنا فعلًا كنت متضايقة منك قوي، وكنت خايفة لأكرهك بس ماقدرتش، هقولك على حاجة وتصدقيني، فرحتي امبارح كانت نقصاكي.
عانقتها مريم في الحال وربتت عليها بحنان وحب بين أخوة وأصدقاء تعاهدوا على الوفاء بينهما، لذا قررت أن تنفصل عن هذا الأحمق الذي يحاول أن يجعلها تخسر حبيبها وصديقة عمرها.
و بعد أن ذهبت أمنية إلى منزلها، سمعت مريم صوت الباب يُفتح بالمفتاح فعلمت إنه هو، وقفت تنتظره داخل الغرفة حتى تسمعها ابنة خالها وتتأكد من صدق حديثها.
دخل إلى الغرفة ورآها تقف وتنظر إليه ودون أي مقدمة في الحديث قالت:
- طلقني يا جاسر.
ابتسم بتهكم وقال:
- قديمة شوفي لك حاجة غيرها.
قررت استخدام لهجة أشد حدة ربما كلمات تهينه وتجرح كرامته لعله يفعل ما تريده:
- خلي عندك كرامة وطلقني لأني عمري ما هحبك ولا هكمل معاك، ولو ما طلقتنيش بمزاجك هرفع عليك قضية طلاق ولا أقولك هخلعك.
مرت لحظات قاطعها صرخة حادة خرجت من حنجرتها وهذا لأنه جذبها من خصلاتها وأخذ يصفعها:
- أنا عندي كرامة مش عند أهلك، ومش هطلقك ومن هنا ورايح هعملك زي الخدامة.
وكاد يضربها للمرة العاشرة تمكنت من دفعه عنها صارخة:
- ابعد عني يا مجنون.
جذبها من ذراعها قائلًا:
- أنا فعلًا مجنون وهطلع جناني كله عليكي يا بنت الـ... "
قامت بعضه من يده فتأوه بألم، فاستغلت تلك اللحظة وركضت إلي الباب، قامت بفتحه قبل أن يلحق بها، وجدت أمنية تحدق إليها بخوف وشفقة عليها، صرخت مريم إليها:
- كلمي خالي بسرعة.
أغلقت الباب خلفها وتشبثت بالمقبض حتى لا يمكنه فتح الباب، فأخبرتها أمنية:
- اهربي يا مريم، بابا لو جه هيخليكِ ترجعي لجاسر، أبويا وأنا عارفاه، ضعيف الشخصية.
الباب يهتز خلفها، تنظر إليه تارة وإلى ابنة خالها التي تحثها على الهرب تارة أخرى و صياح جاسر من الداخل كالوحش الكاسر جعلها تحسم قرارها فوجدت أنها لا تملك سوى الفرار.
يتبع....
•
رواية ابناء يعقوب الفصل السادس عشر 16 - بقلم ولاء رفعت علي
الفصل السادس عشر
ما أجمل لقاء الحبيب بعد طول فراق، وبعد سيل من الأشواق، إنها لحظة ترسم أحداثها في لوحة ربيع العمر، لحظة يزاد فيها نبض القلب، وتتجمد المشاعر من فرح القلوب، لحظة فيها من الوفاء ما يروي الأحاسيس.
لا تغيب عن ذهنه المنشغل بها، يلوم نفسه آلاف المرات بسبب تعامله معها بهذه الحدة، ربما جرح قلبه وكبريائه هما المسئولان لذلك يجب عليه في أقرب فرصة أن يصلح ما أفسده كليهما.
صدح رنين هاتفه، فرأى رقم العم عرفة الوحيد الذي أعطى له رقمه لكي يطمئن عليه من حين إلى آخر وكذلك يطمئن عن زوجة أبيه وأشقائه.
- ألو أزيك يا عم عرفة؟
أجاب عرفة بصوت أضناه الحزن:
- الحمد لله على كل حال، معلش لو اتصلت بيك، أنا عارف إنك مشغول ربنا يعينك، بس كان لازم أكلمك و أقولك إلحق شقى وتعب أبوك وتعبك طول السنين هيروح بسبب أخوك المستهتر،الضرايب بعتت إنذار وهو عمال يتهرب ويرشي المندوب عشان يقولهم مش موجود.
زفر ويشعر بالعجز فسأله:
- طيب دلوقتي المحلات باسم أخويا أنا هتصرف ازاي؟
أجاب عرفة:
- مصلحة الضرايب أهم حاجة عندهم الدفع وعشان دي سلسلة محلات هتبقي الغرامة كبيرة جدًا، فلو ليك سكة أو معرفة عند حد فيهم كلمهم وادفع المطلوب من غير غرامات أو حجز على المحلات لا قدر الله.
تنهد الأخر ثم قال:
- اطمن يا عم عرفة هروح لهم بكرة إن شاء الله وهشوف المبلغ كام وربنا يقدرني وأسدده ليهم.
- ربنا يعينك يا ابني، و يهدي لك أخوك.
و بعد تبادل السلام أنهى المكالمة فصدح رنين الهاتف الخاص بالشركة والاتصال على العملاء، أجاب بجدية يظن أن المتصل أحد العملاء:
- ألو.
أجابت بصوت باكٍ ومرتجف:
- إلحقني يا يوسف، أخوك نزل فيا ضرب وهربت منه، أنا في الشارع وخايفة أروح لخالي، وخالي ما بيقدرش يقف قصاده، أنا خايفة قوي.
سألها بلهفة وخوف عليها:
- قولي انتي فين كدا وأنا جايلك حالًا.
وبعد أن ذهب إلى المكان الذي وصفته له أخذها داخل سيارته ووصل أمام البناء الذي يمكث فيه، نظر إلى ملامحها وآثار أنامل شقيقه على خديها فقال لها:
- أنا آسف، يا ريتني ما كنت انشغلت عنك ولا سيبتك فريسة له.
نظرت إلى الأمام ولم تملك أي رد سوى الصمت، فأردف:
- ده مفتاح الشقة، تالت دور أول شقة على اليمين.
سألته على استحياء حتى لا يظن خطأ:
- هو أنت هتبات فين؟
أجاب وهو ينظر إلى الأمام، لا يتحمل رؤية وجهها في تلك الحالة المزرية:
- أنا هبات في الشركة وكمان أحسن كدا، عشان عندي شغل كتير لسه ما خلصتهوش.
ابتسمت بشفتيها المنتفختين من الضرب التي تلقته على يد شقيقه، فقالت:
- ربنا معاك، وآه صح نسيت أقولك ألف مبروك على الشركة، ربنا يبارك لك فيها.
عاد ببصره إليها وبادلها الابتسامة ثم أجاب:
- الله يبارك فيكي، هي شراكة ما بيني وما بين صاحبي اسمه ماجد وأخته آية، هاجي أعدي عليكي بكرة إن شاء الله، هاخدك في الشركة تتعرفي عليهم وهتحبيهم جدًا.
شعرت بغصة عندما سمعت اسم فتاة أخرى غيرها في حياته، لاحظ ملامحها التي تبدلت في لحظة من الفرح إلي الغيرة والحزن فأردف:
- على فكرة آية زي أختي بالظبط.
تنفست الصعداء لكنها تظاهرت بنقيض هذا قائلة:
- وأنا مسألتكش.
جز على فكه بحنق ثم أردفت:
- عن إذنك مضطرة أسيبك عايزة أطلع أنام، هبقي أكلمك أول ما هصحى، سلام.
ترجلت من السيارة تحت نظراته إليها، لوحت بيدها إليه ثم دخلت إلى البناء.
ــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي، ذهب إليها ينتظرها أسفل البناء ليعود معها إلى الشركة، وعندما وصل كليهما، قابل ماجد صديقه الذي سأله بمزاح:
- مش تعرفنا بالقمر اللي معاك؟
لكزه يوسف في كتفه وبتحذير قال له:
- اتلم، دي قريبتي.
كانت تخشى أن يخبره أنها زوجة شقيقه، يا لها من كلمة كريهة تمقتها بشدة وكأنها أبشع لقب، أجاب صديقه معتذرًاً:
- بعتذر أنا معرفش والله، كنت فاكر إنها عميلة.
رد يوسف وهو يشير نحوها:
- اسمها مريم.
مد ماجد يده ليصافحها قائلًا:
- أهلاً وسهلاً يا مريم الشركة نورت.
ابتسمت وأجابت:
- منورة بيكم، معلش ما بسلمش على رجالة.
كم أسعد يوسف هذا، فأشار إليها نحو صديقه:
- وده يبقى ماجد فؤاد صديقي طول أربع سنين الجامعة.
- هاي أزيكم يا شباب.
التفت ثلاثتهم إلى صاحبة الصوت الناعم، فأخبر يوسف مريم:
- ودي آية أخت ماجد والشريك التالت لينا.
وأشار لآية نحو مريم وأخبرها:
- مريم قريبتي.
لم تمد يدها لمصافحتها واكتفت بالنظر نحوها بشبه ابتسامة، بل تجاهلت وجودها بينهم، فقالت:
- يوسف عايزة أتكلم معاك خمس دقايق.
رد الأخر بعفوية:
- اتفضلي اتكلمي براحتك، مريم مش غريبة.
نظرت إليها من طرف عينيها وأخبرته:
- معلش الموضوع خاص.
- معلش يا مريم، خمس دقايق وراجع لك خليكي مكانك.
أخبرها يوسف بذلك فهزت رأسها بالموافقة، فذهب مع آية ووقفوا على بعد أمتار، لا تسمع حديثهما، لكنها على يقين أن هذه الآية تحبه كثيراً من خلال الغيرة الواضحة لديها وكذلك نظراتها إليه وهي تتحدث معه ، داهمها غصة في فؤادها عندما رأتهما معاً.
ولدى يوسف وآية...
- أنا خلاص هسافر بكرة وجيت عشان أسلم عليك.
كانت تخبره وكأنه وداعًا أكثر من كونه لقاء، فأجاب:
- ربنا يوفقك، وبتمنى ليكي حياة أحسن وحبيب يقدرك ويحبك.
حدقت بشبه ابتسامة ثم قالت:
- إن شاء الله.
ثم نظرت نحو مريم وسألته:
- حبيبتك؟
اكتفى بهز رأسه ولم يجرؤ البوح بالوضع الحالي بينهما حتى لا يعطي أملًا واهيًا لها، فأردفت:
- ربنا يسعدكم ويتمم لكم على خير.
وبالعودة إلى مريم التي تراقبهما، انتبهت إلى رنين هاتفها، وجدت المتصل ابنة خالها فأجابت وتخشى أن يكون قد أصابها مكروهًا على يد جاسر:
- ألو يا أمنية؟
انتبه يوسف إليها وهي تركض إلى الخارج، فذهب وترك آية قائلًا:
- معلش يا آية هروح أشوف مريم مالها.
لم يستطع اللحاق بها مثل المرة السابقة، ويخشى أن تعود إلى شقيقه مرة أخرى ويعتدي عليها بالضرب، لذلك استقل سيارته وانطلق خلف سيارة الأجرة التي هي بها.
ـــــــــــــ
ترجلت من السيارة أمام المستشفى ودخلت إلى ردهة الانتظار، فوجدت ابنة خالها في انتظارها وتبكي بشدة، سألتها بقلق وخوف:
- فيه إيه يا أمنية؟ خالو حصله حاجة؟
ارتمت بين ذراعيها وأجابت من بين دموعها الغزيرة كغيث الشتاء:
- ماما، ماما تعبت فجأة وجبناها على هنا، الدكتور بعد ما طلب تحاليل وأشعة اكتشف عندها كانسر في العضم.
رددت مريم بحزن وهي تربت على أمنية:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يشفيها ويعافيها، هي فين دلوقتي؟
أجابت وهي تشير نحو الرواق:
- لسه منقولة في أوضة هناك، سيبتها ترتاح وتنام حبة، الوجع كان صعب عليها قوي، الدكتور حقنها بمسكن و نامت من حوالي ساعة.
- مش تقولي إنك ماشية عشان جاية على هنا.
التفتت مريم إليه فأجابت:
- معلش يا يوسف، أصل أمنية كانت عمالة تعيط ومافهمتش منها غير إنها هنا في المستشفي.
- أنا قابلت عم عرفة برة بيشتري حاجات وراجع، ألف سلامة على طنط أم محمود يا أمنية.
أجابت وما زالت تبكي:
- ادعي ليها بالله عليك يا يوسف، أنا خايفة يحصلها حاجة، أنا بحب ماما قوي وماقدرش أعيش من غيرها.
قامت مريم بمعانقتها وقالت بمواساة:
- يا حبيبتي ربنا يديها الصحة ويبارك لك فيها، ادعي ليها وهي هتقوم بالسلامة.
اقتربت نحوهم ممرضة لتسألهم:
- مدام أمنية، والدتك صحيت وعمالة تقول هاتولي مريم.
- أنا مريم.
فأشارت إليها الممرضة:
- طيب تعالي معايا عشان هي عايزاكي.
وقبل أن تذهب أمسكت أمنية يدها وقالت لها:
- أنا عارفة إنها زعلتك كتير، بس بالله عليكي سامحيها، هي قلبها أبيض وبتحبك.
أومأت إليها وأجابت:
- اطمني يا أمنية أنا مسامحها من غير حاجة لأنها في مقام ماما الله يرحمها، وربتني زي ما ربتك بالظبط من غير ما تفرق في المعاملة.
وعند هويدا الممددة على المضجع المعدني الخاص بالمرضى، دخلت مريم فرأتها هويدا ورفعت يدها بصعوبة وهي تقول بصوت يكافح الخروج من بين شفتيها حيث هزمها المرض المفاجئ شر هزيمة:
- تعالي يا مريم، تعالي يا حبيبتي.
ذهبت إليها وجلست على مقعد مجاور لها، أمسكت بيدها بين كفيها وابتسمت لها قائلة:
- ألف سلامة عليكي يا ماما هويدا.
- ياه لسه فاكراها، لما كنتي صغيرة وبتقوليها ليا.
هزت رأسها بالإيجاب وأخبرتها بامتنان:
- أنا عمري ما أنسى الحلو اللي قدمتيه ليا، مهما كان مقابله مواقف سيئة، خلاص تقريباً نسيتها.
- بس أنا ما نستهاش، أنا فعلًا جيت عليكي كتير والمفروض كنت أخدت حقك من ابني لما كان بيتعدى حدوده معاكي، كنت خليت خالك يكملك تعليمك من غير ما تروحي تشتغلي وتتبهدلي، كنت وقفت لجاسر وماخلتهوش يتجوزك، أنا مكسوفة أطلب منك تسامحيني، دا أنا مش مسامحة نفسي على كل اللي عملته معاكي.
ما زالت مريم تبتسم لها، وتمسك بيدها تمسحها بحنان فأخبرتها بسعادة:
- أنا قولتها لأمنية وبكررها لحضرتك، أنا مسامحاكي من غير أي حاجة.
ودنت منها ثم طبعت قبلة فوق جبينها:
- ألف سلامة عليكي.
كم من قلوب نقية قُذفت بالوحل فجاء الغيث عليها بغزارة لتعود إلى نقائها مرة أخرى.
ـــــــــــــــ
و بعد ثلاثة أيام صرح الطبيب بخروج السيدة هويدا من المستشفى والمتابعة من حين إلى آخر و تذهب لأخذ جلسات العلاج الكيميائي.
ذهبت أمنية إلى المنزل فوجدته رأسًا على عقب وزجاجات خمر فارغة ملقاة على الأرض وأعقاب سجائر متناثرة فوق السجادة، حدقت نحو هذا المنظر الشنيع بازدراء قائلة:
- إيه القرف اللي هو عامله ده؟
ذهبت إلى غرفة النوم وجدته يتمدد على بطنه فوق المضجع، على الكمود جواره صينية عليها بقايا طعام من الوجبات الجاهزة، تركت مُتعلقاتها وحقيبة يدها جانبًا وأخذت ترتب هذه الفوضى حتى انتهت، داهمها الشعور بالتعب، ارتمت فوق الأريكة فانتفضت عندما رأته يقف أمامها يسألها بلهجة حادة:
- كنتي فين من ورايا؟ كنتي بتقابلي بنت عمتك السافلة اللي وربنا أول ما هشوفها هكسر عضمها عشان ما تقدرش تخطي برة باب الشقة تاني"
أثارت كلماته غضبها حيث لم تتقبل وعيده على صديقتها، فصاحت في وجهه:
- حرام عليك، ما تسيبها في حالها، هي مش عايزاك ولا بتقبلك ماسك فيها ليه؟
قبض على عضدها بأنامله التي انغرست بقوة في ذراعها فأطلقت صرخة بألم.
- انتي مالك، أنا أعمل اللي أنا عايزه وانتي تسمعي الكلام وتخرسي خالص، بدل ما اللي بعمله فيها اطلعوا عليكي، فاهمة و لا لاء؟
هزت رأسها بالإيجاب فنفض ذراعها واتجه نحو المرحاض ملقياً عليها أمره:
- حضري ليا حاجة أكلها عشان خارج.
استدار إليها وأخبرها لإغاظتها:
- رايح أسهر مع بنات عندك اعتراض؟
نظرت إليه بامتعاض واكتفت بالصمت وذهبت إلى المطبخ لتعد له الطعام.
وفي ساعة متأخرة من الليل، يجلس داخل الملهي الليلي يحتسي الخمر بشراهة، كلما يتذكر رفض مريم له شعر كم هو أحمق، لمَ يريد امتلاك أحد يمقته إلي هذا الحد؟ تذكر السبب الرئيسي والذي جعله يفعل هذا ألا وهو شقيقه، يشعر اتجاهه دائماً بالحقد والضغينة.
- إلحق بص كدا، مش ده جاسر الراوي اللي اتجوز مريم اللي كانت بتشتغل في محل أبوه؟
قالها أحد الشباب الجالسين بجواره فأجاب صاحبه:
- أيوه البت القمر عارفها، دا كمان تجوز بنت خالها اللي اسمه عرفة.
عقب الأخر بحقد وسخرية:
- دا يا بخته وخسارة فيه.
أخبره الأول وتعمد رفع صوته ليصل إلى سمع جاسر الذي يسترق السمع إلى حديثهما عنه:
- دا أنا عرفت من البت نهى إنه اتجوز اتنين عشان يعمل لنفسه قيمة على إنه راجل جامد ومفيش زيه، وهو أصلًا عيل أهبل وشكل مرتاته لتنين بيدولوا على قفاه.
نزل من فوق المقعد المرتفع بجوار البار، وقف أمامهما ويحثه الشيطان عن أن يقطع ألسنتهما.
- جرى إيه يا حلو منك له؟ عمال تلقحوا عليَّ بالكلام وأنا ساكت لكم، أنا أهبل يا ولاد الـ... "
أمسكه إحداهما من تلابيب قميصه:
- طيب ليه الغلط بقى؟روح يلا من هنا مراتك بتنده عليك.
وربت على خده بحدة، فباغته جاسر بلكمة وهو يصيح في وجهه:
- ملكش دعوة بأهل بيتي يا... "
وضع أحدهما يده على أثر الضربة، ثم تناول زجاجة خمر وقام بكسرها على طاولة البار الرخامية، فصرخت الفتيات وابتعدن وتوقف الشباب يشاهدون ما يحدث، فعل جاسر المثل وأشهر الزجاج المدبب نحو أحدهما قائلاً:
- لو راجل قرب ووريني نفسك.
صاح الرجل قائلاً:
- أنا أرجل منك ووريني هتعمل إيه؟
بدأت المعركة بينهما وابتعد الذين يقفون للمشاهدة من حولهما، أتى رجال أمن الملهي من الخارج ليلحقوا بهما.
- أنت اللي جبته لنفسك.
قالها جاسر بعد أن تمكن من إيقاع الشاب على الأرض وهو غير مدرك لما يفعله لأنه يقع تحت تأثير الخمر، رفع يده لأعلى بنصف الزجاجة المدبب والحاد ثم وغزه بقوة في عنقه فأصابها بجرح قاطع وغائر أدى إلى قطع العرق النابض، أخذ ينتفض جسد هذا الشاب وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
•
رواية ابناء يعقوب الفصل السابع عشر 17 - بقلم ولاء رفعت علي
يتجمع العمال حول يوسف الذي وصل للتو، ما بين الترحاب وبين من يلقون عليه شكواهم من عدم أخذ رواتبهم منذ شهور نظير وعود شقيقه الواهية.
- نورت محلك يا أستاذ يوسف.
قالها أحدهم فأجاب ترحيبهم الحار بنبرة مليئة بالأمل والتفاؤل:
- ده منور بيكم يا رجالة، والمحل دا مش محلي ولا محل إخواتي، دا محلنا كلنا هو وباقي السلسلة، كل جدار شاهد على تعب وشقى سنين اتبنى بعرقكم ومجهودكم، مش عايزكم تقلقوا خالص أنا دفعت كل الضرايب بالغرامات اللي علينا كلها الحمد لله، مش ناقص غير حاجة واحدة وهي إنكم تاخدوا رواتبكم المتأخرة، وأنا بوعدكم هتاخدوها بعد ما أطلع على أساميكم واحد واحد ومين اللي اشتغل طول الشهر ومين اللي غاب، عشان كل واحد ياخد حقه بما يرضي الله، اتفقنا؟
تعالت الهمهمات وصاح من بينها:
- ربنا يبارك لك يا أستاذ يوسف، وإحنا معاك ومش محتاجة سؤال طبعًا اتفقنا.
ردد الآخرون أخر كلمة في صوت واحد، فأومأ إليهم قائلاً:
- تمام يا رجالة، يلا كل واحد يروح على شغله وعايز اتنين يشيلوا اليافطة اللي برة ويعلقوا اليافطة القديمة.
أجاب أحدهم أيضًا وكان رجلًا في منتصف العقد السابع:
- اعتبره حصل يا ابن الغاليين.
دخل عم عرفة من مدخل المتجر مهللاً:
- الله، الله هو دا الشغل ولا بلاش، نورت المحل يا ابن الغالي.
- تسلم يا عم عرفة، ألا قولي طنط أم محمود عاملة إيه دلوقتي؟
تنهد عرفة ثم أجاب:
- الحمد لله عل كل حال، بدأت جلسات الكيماوي ونسأل الله الشفا.
- بإذن الله، ربنا يشفيها.
قالها وأخذ ظرف من درج المكتب وضعه أمام العم عرفة الذي سأله:
- إيه دا يا بني؟
أخبره يوسف قائلًا:
- أنا عارف مصاريف العلاج غالية والدنيا مزنقة معاك، خد المبلغ دا و لو احتجت تاني أنا تحت أمرك، أنا برضو زي محمود ابنك.
لم يصدق حاله وشعر بالحرج:
- بس يا بني...
قاطعه بإصرار:
- مفيش بس، أنا لسه بقولك أنا زي ابنك وهو فيه أب بيتحرج من ابنه!
وقبل أن يرد عرفة بكلمة كان نداء وصياح السيدة راوية قد أفزع كليهما.
- إلحق أخوك يا يوسف، ابني ضاع خلاص.
وقف يوسف ثم ذهب إليها وسألها:
- فيه إيه يا ماما راوية، استهدي بالله وقولي لينا حصل إيه؟
توقفت عن البكاء والعويل لتجيب على حيرته:
- قبضوا على أخوك جاسر في جريمة قتل.
ردد يوسف بصدمة:
- قتل!
ـــــــــــــــــــــ
أطفأت الموقد بعدما انتهت من إعداد الطعام ولم تتحمل رائحته فما هي إلا أعراض الوحم، خرجت وكادت تعود إلى غرفتها حتى لا تجلس برفقته، فهي تتقبل المعيشة معه على مضض وخاصة بعد خبر حملها والذي كان شفيعًا لها حتى لا يعتدي عليها بالضرب مرة أخرى.
توقفت قبل أن تدلف إلى الداخل بعد أن وصل إلى سمعها صوت زوجها وهو يتحدث في الهاتف بصوت خافت، أخبرها حدسها إنه يتحدث مع امرأة لكن عندما اقتربت كانت الصاعقة!
يضع الهاتف على أذنه ويتحدث:
- انت متأكد إنه دفع كل فلوس الضرايب؟
أجاب أحدهم:
- والله زي ما بقولك يا باشا، وكمان هيقبض العمال، أنا أطقست وعرفت إنه صاحب أو شريك في شركة مشهورة الناس بتشتري منها حاجات عن طريق الأنترنت.
زفر بضيق وحنق فقال:
- هو الواد دا مش كنت خلصت منه، إيه اللي رجعه تاني؟ شكله مش هيجبها للبر وناوي على نهايته.
انتبه إلى تكرار نداء الرجل لاسمه:
- يا حمزة بيه، حمزة بيه؟
صاح بعد أن نفذ صبره:
- ما خلاص انت كمان، ارجع شغلك عشان ماحدش يشك فيك، ولو أي جديد حصل بلغني على طول.
- أمرك يا باشا.
أنهى المكالمة وقام بالاتصال على الفور وقال:
- ألو يا عشماوي، أنا حمزة الحلاج عايزك في مصلحة.
أجاب الأخر بصوته المخيف:
أؤمر يا بيه، عايزني أقتلك مين المرة دي؟
أخبره بلا تردد وبقلبٍ بارد:
- فيه واحد عايز أخلص منه هو وكل إخواته بأمهم.
سأله بتعجب:
- ياه يا باشا، للدرجة دي محروق منهم؟
أجاب حمزة بإصرار وحقد دفين:
- وأكتر وحياتك، أنا هبعت لك كل التفاصيل عنه في رسالة، هو اسمه يوسف يعقوب الراوي.
لم تتحمل سماع أكثر من ذلك، وقفت أمامه صارخة:
- الله يخرب بيتك، انت عايز تقتل أخويا!
رمقها زوجها بتحذير ثم قال للذي يتحدث معه:
- طيب اقفل انت دلوقتي يا عشماوي وهكلمك بعدين، مع السلامة.
أنهى المكالمة سريعًا وفي غضون لحظات، نهض وقبض على خصلاتها قائلًا:
- انتي إيه اللي موقفك وبيخليكي تتصنتي عليَّ يا بت؟
حدقت إليه بعدائية وأخبرته:
- إيه خوفت عشان كشفت حقيقتك القذرة؟ انت عايز مننا إيه أنا وإخواتي؟ عمال تأذي فينا ليه؟
ترك خصلاتها وأجاب:
- أيوة أنا بكرهكم من زمان وزمان قوي كمان، من وقت ما أبوكي أكل حق أمي وأبويا، أبويا اللي كان صاحبه وسابنا وفضل معلق أمي لا منها متجوزة ولا منها متطلقة، نفسي أفهم انتم أحسن مننا في إيه؟
تراجعت وهي تنظر نحوه بامتعاض غير مصدقة ما تسمعه:
- إيه دي كمية الغل والحقد والسواد اللي في قلبك دي يا أخي؟ انت لا يمكن تكون حمزة اللي حبيته زمان، دا أنت واحد مجرم وملهوش أمان، عشان كدا أنا لازم أبعد عنك ولا هقدر أكمل معاك.
لحق بها قبل أن تذهب يحذرها:
- رايحة فين يا حب؟ انتي فكراني عبيط وهسيبك بعد ما سمعتي المكالمة! انتي مش هتشوفي الشارع تاني وقبل كل دا هتعملي اللي هقولك عليه دلوقتي.
وأخذ مجموعة من الأوراق من فوق المائدة وأمسك بقلم فقال لها بأمر مشيراً نحو أسفل الورقة:
- اكتبي اسمك هنا، ده توكيل عام عن كل أملاكك لما يجي الدور على جاسر وأخلص منه هو كمان.
كان يقبض على كامل خصلاتها مما سبب إليها ألم مبرح فصرخت برفض:
- مش همضي واللي عندك أعمله.
- انتي اللي جيبتيه لنفسك.
أنهى كلمات وعيده الظالم وجذبها إلي غرفة النوم وفتح الخزانة فأتى من بين طيات ثيابه بمُدية وعاد بها إلى الخارج حيث الأوراق فوق المائدة، قام بتهديدها دون مزاح:
- عليا الطلاق لو ما مضيتي هكون شاقك نصين وهدفن جثتك في أي صحرا أو أولع فيها لحد ما تبقي رماد و ماحدش هايعرف عنك أي حاجة"
ابتلعت ريقها بخوف بل برعب ترتعد إليه أوصالها، ترى أمامها إبليس بل ما هو ألعن من أبليس في الشر، وجدت إنها قد وقعت ضحية بين يدي منتقم لن يتركها إذا لم تفعل ما أمرها به إلا وهي جثة هامدة كما هددها.
قامت بتوقيع اسمها عنوة وبعدما انتهت أخذ الأوراق و ذهب إلى غرفة النوم و فتح الخزانة و بداخلها خزنة ذات أرقام سرية، قام بفتحها و ألقى داخلها الأوراق وكل هذا بيد واحدة واليد الأخرى ما زال يقبض بها على خصلاتها بعنف.
أتاه اتصالاً فنظر إلى الرقم وقام برفض المكالمة، فألتفت إليها قائلًا:
- حظك إني ورايا مشوار هروح أخلصه على السريع وراجع لك، واعملي حسابك من هنا و رايح مفيش خروج نهائي، من الأخر هحبسك طول ما أنا مش موجود.
و بالفعل خرج وقام بوصد باب الشقة من الخارج بالمفتاح، أصابها حالة من الهلع لا سيما تعلم إنه سوف يتخلص من شقيقها ولم تستطع أن تتواصل معه لأن زوجها قد أخذ منها الهاتف حتى لا تخبر أحداً بما يحدث بينهما.
أخذت تفكر في طريقة للخروج فذهبت إلى المطبخ وتناولت من درج أدوات التصليح مفكاً و قامت بفك قفل الباب وأتلفته ثم لاذت بالفرار حتى تلحق بشقيقها.
ـــــــــــــــ
يقف العمال في صف أمام المكتب ويعطي يوسف لكل منهم راتبه والعم عرفة يسجل في الدفتر اسم من تم السداد له.
"الله يعمر بيتك يا أستاذ يوسف"
قالها العامل، وإذا بصوت شقيقته التي تركض نحوه بخوف وتبكي ، نهض قائلاً:
- معلش يا جماعة ارجعوا مكانكم دلوقت ولما أخلص هديكم فلوسكم.
أمسك يدها وذهب بعيداً، يحدق إليها بقلق يسألها:
- فيه إيه يا رقية؟
سردت له كل ما حدث منذ أن اعتدى عليها حمزة وإنه سبب في موت والدهما عندما أخبره بذلك، وما فعله بها طوال فترة الزواج حتى أحداث اليوم واعترافاته الصادمة.
و بعد أن انتهت من السرد قال لها يوسف:
- روحي شقتك وأنا هتصرف.
غرت فاها ولم تفهم شيء فأردف:
- ما تخافيش أنا هبقي معاكي بس هقولك في الطريق ازاي.
عادت إلى المنزل فوجدت الباب مغلق برغم خلعها للقفل قبل أن تهرب، دفعته بيدها فأنفتح و ولجت إلى الداخل، دقات قلبها كقرع الطبول، يديها ترتجف وهي تبحث عن زر الإضاءة في هذا الظلام الدامس، تمكنت أخيراً من تشغيل الضوء انتفضت بذعر عندما رأته يجلس في الردهة على الكرسي يضع ساق فوق الأخرى و ينفث دخان سيجارته التي أشعلها للتو، ابتسامة إبليس تزين ثغره فقال لها بهدوء الذي يسبق العاصفة:
- تعالي هنا.
تنظر له وقلبها يرتجف من نظراته الوحشية، تخشى أن لا تنجح الخطة ويتمكن منها فيريها ويلات العذاب على يديه مثل المرات السابقة بل أسوأ.
تفاجئ عندما وقفت تحدق إليه بتحدٍ يخلو من الخوف أو التردد قائلة:
- أنا مش خايفة منك وهتطلقني، والورق اللي مضيتني عليه بلوا واشرب ميته.
وقف ونفث الدخان من فمه ثم قال لها وهو يقترب منها:
- إيه اللي مقوي قلبك كدا يا بنت يعقوب؟ ولا دي لعبة جديدة؟ دا أنا كنت دفنتك في مكانك ولا انتي ولا إخواتك فيكم حد يقدر يمس شعرة مني.
اندفع الباب وصاح شقيقها، يحمل سلاحًا ناريًا يصوبه نحو حمزة:
- انت اللي مش هتعيش ثانية واحدة لو إيدك أتمدت تاني عليها.
نظر إلى ماجد وكان يحمل حبلًا متينًا، كاد حمزة يهرب فدفعته رقية ليتعثر فتمكن منه ماجد واستطاع يوسف السيطرة عليه، قام بتقيده في الكرسي.
وقف أمامه وسدد له لكمة في وجهه:
- دي عشان اللي عملته في رقية وانت عارف قصدي إيه.
- ودي عشان مد إيدك عليها وإهانتك ليها.
سدد له لكمة أخرى أقوى من سابقتها قائلًا:
- ودي بقى أبقى ابعتها للبلطجي اللي كنت بتتفق معاه على قتلي، وبالمناسبة حبايبي في القسم هيجوا لك دلوقت يخلوك تمضي على تعهد بعدم التعرض لأي حد فينا أنا وإخواتي حتى خالتك.
كان حمزة يحدق إليه بنظرة وحش مفترس فزمجر وقال من بين أسنانه:
- لو راجل فكني وأنا اللي هقتلك بنفسي.
ابتسم يوسف بسخرية ولم يعط إليه أدنى اهتمام وقال لشقيقته:
- روحي هاتي الخزنة اللي شايل فيها الورق.
ذهبت لإحضارها ثم وضعتها على الطاولة فسأله:
- الـ password إيه؟
صاح برفض تام:
- مش هقولك.
أشار يوسف إلى ماجد صديقه والذي اقترب من حمزة وأخرج جهاز صاعق، قام بتشغيله فأصدر أزيزاً، صاح حمزة بخوف:
- ١٥٣٨٩٩.
ضغط يوسف على الأرقام وفتح الخزانة فأخذ الأوراق، أخرج قداحة من جيبه وقام بحرقها قائلًا:
- كدا مفيش توكيلات.
نهض وأخرج من جيبه وصل ورقي وقلماً، فقال له بأمر:
- أمضي هنا.
نظر بتوجس وسأله:
- إيه ده؟
أجاب يوسف:
- ده وصل أمانة عشان لو حبيت تلعب بديلك تاني.
تردد في الإمضاء فنظر يوسف إلى صديقه:
- ماجد.
- همضي، همضي خلاص.
خط توقيعه بصعوبة بسبب قيود يده، فقال يوسف:
- كدا تمام، ناقص حاجة أخيرة، طلقها.
صاح بسخط:
- مش هطلقها وكمان حامل مني.
أخبره يوسف:
- كدا كدا هتطلقها، وابنك ولا بنتك هيبقوا في عيننا ولو عايز تشوفه تنور في شقة الحاج يعقوب غير كد ملكش حاجة عندنا.
جز على أسنانه بحقد وحنق فقال لزوجته على مضض:
- انتي طالق.
ـــــــــــــــــ
وبداخل قسم الشرطة يجلس في مكتب الضابط برفقة شقيقته ينتظرا شقيقهما الأكبر، فُتحَ الباب وظهر أمامهما، وقف يوسف ونظر إليه، لا يعلم ماذا يفعل، هل يعانقه أم يصفعه أم يتركه ويذهب.
- طبعًا انت جاي عشان تشمت فيا؟
نهضت رقية وتقدمت منه لتخبره:
- لا يا جاسر، يوسف أنضف وأعلى من إنه يعمل حاجة زي دي، أخوك جاي عشان ينقذك من المصيبة اللي ورطت نفسك فيها برغم اللي انت عملته فيه.
تدخل يوسف وعينيه لا تحيد عن شقيقه:
- سيبيه يا رقية، طول عمره سيئ الظن خصوصًا من ناحيتي كأني كنت عدوه، وأنا عمري ما أذيته ولا ضايقته، لكن هو رمى نفسه للشيطان ابن خالته اللي عمال يوسوس له من واحنا لسه عيال إن أنا أحسن منه وأبويا وماما راوية بيحبوني أكتر منه.
عقب جاسر قائلًا:
- مش دا فعلًا اللي كان بيحصل؟
- لو بيحصل فعشان كانوا بيحاولوا يعوضوني عن أمي اللي ماتت قبل ما أشوفها، غير كدا مفيش أي داعي يخليك تكرهني إلا إذا انت عايز كدا من جواك.
تدخلت رقية في تلك اللحظة وقالت:
- أو ابن خالته اللي زرع في مخه الأفكار السودا دي، زي مصايب كتير، وعيشته اللي حرام في حرام، انت تعرف اللي كان عامل في وشك إنه أخوك وحبيبك عمل إيه في أختك وانت ولا داري بأي حاجة؟
استطردت حديثها بسرد كل ما حدث معها على يد حمزة، وكان جاسر يستمع لها غير مصدق حدوث ذلك دون علمه ومن وراء ظهره، وبعدما انتهت من سردها عقب يوسف:
- أنا مش جاي أعاتبك في القديم يا جاسر، أنا جاي وعايز أفتح صفحة جديدة مع بعض، كلنا بنغلط وبنتوب لكن ما نكررش الغلط، أنا اللي بيني وبينك مش دم أبوك وبس، أنت أخويا الكبير اللي بحبه وبحترمه مهما حصل، أخويا اللي لو حصلي حاجة هتسند عليه، صديقي اللي أحكي له وأفضفض له لما تضيق بيا الدنيا، كلمة أخ معناها كبير قوي مش هيحس بقيمتها غير اللي مالهوش أخوات.
امسكت رقية يد جاسر وأخبرته:
- إحنا بنحبك يا جاسر وعايزينك تبقي كبيرنا من بعد أبونا الله يرحمه، وتبعد عن كل حاجة حرام عشان ربنا يبارك لك، عارف يوسف لسه مكلم محامي كبير هيمسك لك القضية ولما عرف التفاصيل قال لينا دا قتل دفاع عن النفس دا غير إنك كنت كمان سكران.
نظر جاسر إلى شقيقه بندم يشعر به منذ أيام فسأله:
- وبرغم اللي عملته معاك جاي تقف جمبي؟
اقترب منه وأجاب:
- عشان أنت أخويا.
فتح جاسر ذراعيه فارتمى يوسف بينهما في عناق أخوي لن يتزعزع مرة أخرى، لاسيما بعد أن ابتعد جاسر عنه وأخبره:
- انت فعلًا طلعت أحسن مني في حاجات كتير، وأوعدك هصلح أي حاجة انكسرت ما بينا أولهم هطلق مريم، وتاني حاجة هرجع لك حقك في ورث أبونا، ويا رب ربنا يسامحني على أي حرام عملته، وانت كمان يا يوسف يا ريت تسامحني.
- من غير ما تطلبها أنا مسامحك يا جاسر.
•
رواية ابناء يعقوب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ولاء رفعت علي
عندما تبتهج الوجوه بلقاء من لهم الوجدان يَسُر، تكفي الابتسامة في التعبير عن ما يُزخر القلب من غلا وحب لهم، وفي بعض الأوقات تسبق الابتسامات دمعة الفرح لترقص على خد كاد أن يجف ويذبل من طول الفراق، وتصطدم الأجساد بعضها ببعض لتولد حرارة الشوق، وتتلامس كفوف الأيدي لتعبر عن مشاعر الروح.
قام جاسر بطلاق مريم غيابياً قبل جلسة النطق بالحكم، عن مدي سعادتها عندما استلمت من المُحضِر وثيقة الطلاق، فكانت كالطير الأسير الذي أُطلق سراحه فأطلق جناحيه في سماء الحرية.
لن يقطع يوسف الوصال بينهما، فكل حين وأخر يطمئن عليها وعلى أحوالها ريثما تنتهي شهور العدة الثلاث لديها ويتم ما يريده كليهما.
واليوم في قاعة المحكمة يقف جاسر خلف القضبان في توتر وقلق وخوف، لكن تكفي نظرات شقيقه إليه تُشد من آزره، وعندما نادى الحاجب بصوت اهتزت إليه جدران القاعة:
- محكمة.
خرج القاضي والمستشارون ليسرد أوسطهم صيغة مقدمة النطق بالحكم بالصيغة المُعتادة والتي اختتمت بالحكم النهائي
- لقد أقرت المحكمة ببراءة جاسر يعقوب عبد العليم الراوي، رُفعت الجلسة.
أطلقت راوية الزغاريد التي دوي صداها في الأرجاء، وبعد انتهاء الإجراءات الروتينية، خرج جاسر ليجد والدته وأشقاءه في انتظاره وبينهما أمنية، التي كانت لا تترك أي زيارة إلا وتذهب لتطمئن عليه وتعد له الطعام.
- حمد لله على السلامة يا جاسر.
ابتسم لها بنظرة لأول مرة تراها، ربما هذا حب جاء بعد صبر طال أمره، أجاب قائلاً:
- الله يسلمك يا أمنية، ربنا ما يحرمني منك ولا من وقفتك معايا، اتحملتيني وصبرتي عليَّ كتير.
أخبرته بنبرة تفيض من ينبوع فؤادها العاشق إليه:
- عشان بحبك، واللي بيحب حد بيستحمله لحد ما يتغير للأحسن.
عانقها وربت عليها بحب وود:
- ربنا يقدرني وأسعدك.
ابتعدت عن صدره وحدقت إلى عينيه لتبوح له بأسرارها:
- أنا عندي ليك سرين، الأول هو أنا البنت اللي كانت بتكلمك على الفيس بوك وكانت هتقابلك بس محصلش نصيب.
غر فاهه بتعجب:
- هو انتي؟!
هزت رأسها بنعم وقالت:
- بصراحة كنت وما زالت بحبك من زمان.
سألها بفضول الهر:
- ويا ترى إيه السر التاني؟
اقتربت من أذنه بشفتيها وهمست إليه:
- أنا حامل.
ـــــــــــــــــــــ
- ناولني كاس كمان يا بني.
قالها حمزة الذي يرتشف الخمر إلى حد الثمالة، كلما يفكر أنه تم إيقاعه في شر أعماله على يد أبناء يعقوب، فيشعر بالقهر والمرارة، لذا قرر أن يخوض الانتقام بنفسه دون اللجوء إلى المجرمين، أخرج من جيبه الخلفي سلاحًا ناريًا قد اشتراه منذ يومين بعد قراره الأحمق، وهو التخلص منهم وسيبدأ بيوسف.
جاء إليه رجل همس إليه بشيء ما فنهض على الفور وغادر الملهي، استقل السيارة المستأجرة وانطلق بها نحو مقر الشركة حيث موعد خروج يوسف منها في هذا التوقيت، لكن كان للقدر رأي آخر، فأثناء سيره في الطريق الرئيسي المؤدي إلى الشركة قاطعته شاحنة خرجت من تقاطع لم ينتبه إليه، ولأنه ثملًا عجز عن تفادي التصادم، وفي غضون ثواني كانت سيارته رأسًا على عقب بعد أن تدحرجت بالقرب من مزلقان قطار قادم من على بُعد وضجيج صفيره جعله ينتبه إليه، اتسعت عينيه وهو يصيح رعبًا والقطار يدهس سيارته وهو بداخلها.
وصل خبر هذه الحادثة البشعة إلى سعاد والدته فأطلقت صرخاتها للعنان، واللحظة الأكثر صعوبة عندما ذهبت لرؤية جثمانه، لم ترَ سوى أشلاء وبقايا جثة وكأنه ألقي به داخل مفرمة.
فأصبحت قعيدة على كرسي متحرك بعد أن أصابها شلل نصفي، تتوقف أمام قبر ابنها تخبره بما قامت بخفيه منذ واحد وعشرين عاماً:
- سامحني يا بني، اللي أنا عملته زمان في رقية مرات يعقوب أديني حصدته أضعاف، انفطر قلبي عليك وبقيت عاجزة عشان أتعذب باقي عمري وأتحرمت منك زي ما حرمت ابنها منها.
ــــــــــــــــــــ
بعد مرور ثلاثة أشهر...
فرقعات ملونة تنطلق في السماء وأصوات طبول و مزامير تُعزف من الفرقة التي تتقدم العروسين، يرددون أغاني من الفلكلور الشعبي لحفل الزفاف وذلك في حضور العائلة والأصدقاء، عائلة عم عرفة زوجته التي أصبحت هزيلة من تلقي العلاج الكيميائي، وبجوارهما ابنتهما أمنية وبطنها منتفخة قليلًا تصفق وتردد الأغاني برفقة زوجها الجالس جوارها ومحاوط لجذعها بذراعه، كما أتى محمود ابن العم عرفة وذهب لتهنئة ابنة عمته وزوجها، ابتسمت مريم إليه و تذكرت عند عودته من السفر تحدث معها وطلب أن تسامحه لما كان يقترفه معها وكم شعر بالندم الشديد.
أتى أيضاً ماجد وقام بتهنئة صديقه وألتقط مع العروسين الكثير من الصور، قامت السيدة راوية باحتضانه و التربيت على ظهره، كم هي تشعر بالسعادة من أجله.
وختام تلك الليلة الرائعة هو أن اجتمع العاشقان من جديد و قلوب سقاها الحب من الوريد، وعاد الوصال بين الأخوة والأحباب كما كان يعقوب يُريد.
ـــــــــــــــ
و بعد عدة شهور أخرى، وضعت أمنية مولودها وأسماه جاسر على اسم شقيق يوسف، كما وضعت رقية مولودها والذي أسمته يعقوب وتمنت أن يصبح مثل والدها يتميز بدماثة الخُلق.
بينما يوسف ومريم، اليوم ينتظرها أمام بوابة الجامعة، خرجت فوجدته ينتظرها متكأ على مقدمة السيارة يبتسم إليها من خلف نظارته الشمسية سألها:
-طمنيني سيدة الأعمال بتاعتنا عملت إيه؟
تعلقت في ذراعه وأخبرته بفخر:
-امتياز طبعاً.
- مبروك يا حبيبة قلبي، أنا بقى محضر لك مفاجأة هتعجبك قوي، مش كنتي عايزة تعرفي بقالي شهرين كنت ببات كتير برة ليه؟
رفعت أحد حاجبيها وأجابت بمزاح:
- يا ريت وأحسن لك عشان أنا لو صدقت الشكوك اللي جوايا مش هيحصل كويس.
ضحك من عشقها وغيرتها الجنونية فقال:
- لا اطمني، قدامي يلا اركبي وهتعرفي كل حاجة لما نوصل.
ترددت في إخباره لكن لم تستطع أن تخبئ هذا الخبر الذي علمت صباح هذا اليوم:
- يوسف؟
أجاب وهو يقود سيارته:
- قلبي.
- أنا حامل.
توقف فجأة وكاد كليهما يرتطم في الزجاج الأمامي، سألها بسعادة عارمة:
- بتتكلمي بجد؟
هزت رأسها بالإيجاب:
- لسه كنت عاملة اختبار الصبح وقولت أقولك مع خبر النتيجة.
أمسك يدها وقام بتقبيل باطن كفها:
- ألف مبروك ليا وليكي ويطلع ذرية صالحة وبارة بينا.
وبعد قطع مسافة من الطريق ليست ببعيدة، دخل بالسيارة في منطقة صناعية، توقف أمام مبنى يحوطه سياج مرتفع، يقف حارسان على بوابته، كلاهما يرحب به:
"نورت يا يوسف بيه، جاسر بيه وعم عرفة في انتظار حضراتكم جوا.
عبرا البوابة فارتفع التصفيق والصفير من العمال وعلى رأسهم العم عرفة، جميعهم في انتظار تلك اللحظة، اقترب جاسر الذي يرتدي ثيابًا رسمية من شقيقه قائلاً:
- الناس اتحمصت في الشمس عشان مستنينك يا يوسف بيه، كل ده تأخير!
رفع يده بدفاع مازحاً:
- الحمد لله أنا نازل من بدري، مريم هي اللي أخرتني كالعادة.
حدقت مريم إليه بوعيد فضحك، وها قد جاءت اللحظة المنتظرة، تقدم رجل يحمل وسادة من المخمل الأحمر يعلوها مقص، أخذ جاسر المقص وعاونه شقيقه في قطع الشريط الحريري ثم إزاحة الستار عن لافتة كبيرة علي مقدمة المبني الكبير مدون عليها
مصنع أبناء "يعقوب لصناعة المنسوجات القطنية"
.
يتبع روايات جديده وحصريه اضغط هنا
•