انتهى دوام العمل، اتجهت رشا الى بيتها، الى بيتهما.حسنا ليس بعد الآن. كانت نظرة التصميم تعلو محيّاها.
دخلت غرفتها، غيرت ملابسها، أخذت حماما مطولا ، هدأت به من روعها. قضّت ما يقارب الساعة تستمتع بالمياه الباردة تبعد عنها تعب النهار. ثم خرجت من الحمام، سرّحت شعرها و تركته يسقط ثائرا على كتفيها. ارتدت سروال جينز وقميص. توجهت نحو خزانتها. أخرجت منها حقيبة متوسطة جزئيا. وضعت بها بعض الملابس،بعض الأحذية. حقيبتها المفضلة، عطرها المفضل، بعض ادوات الزينه. والقليل من مستلزماتها. وقفت قليلا نظرت لها كمن يُعاين قائمة مشترياته. هنّأت نفسها انها لم تنسى شيئا. ثم أغلقتها. وحملتها لتضعها بجانب الباب.
نظرت الى الساعة، لم يبقى الا القليل ويعود نبيل الى البيت . لذلك حملت نفسها وذهبت الى غرفته.
ستنتظره هناك . اليوم، في هذه الليلة ستضع النقاط على الحروف.
اتّجهت الى غرفته وجلست على طرف سريره تنتظره. لقد أهان أنوثتها قبلا ، وقد أهان كرامتها. بل وقد خانها وهي زوجته أمام عينيها وطلب منها أن لا تهتم به وبتصرفاته. وجرحها وكسر قلبها ، ودائما تبحث عن عذر صغير تقنع به نفسها أن نبيل ضحية مثلها. يستحق المساعدة. لكن مافعله معها في العمل لا يُغتفر.أن يختار سالي لرحلة اسكندرية و أن يحطّم حلمها و فرصتها لاثبات نفسها وبالتالي ارجاع ثقتها بنفسها فهذا فعل شنيع. أن تصيبها خيبة أمل لانه أراد أن ينتقم منها بإذلالها. وأن يحرمها فرصة التفوق . فإلى هنا وكفى. لن تستحمل أكثر. لقد ظلمها .
كان تجاهل تميّز رشا النقطة التي أفاضت الكأس. ليست ضعيفة الى هذه الدرجة . لقد قطعت أشواطا في العمل على تقوية وتحسين حالتها النفسية. وهي الان بالفعل أقوى.
أفعال نبيل تدلّ على شيء واحد وربما هي تعذره. فقد تزوّج منها مرغما. أرغمه حسام على هذا الزواج ووجد نفسه في زواج يخنقه. له كامل الحق في اختيار شريكة حياته. ومن حقه ان يعيش سعيدا مع سالي. لن تقف في وجه سعادته. فمهما فعل معها ، لقد كان له النصيب الأسد في شفائها من صدمتها النفسية. لذلك هي تدين له بأن تطلق سراحه وتعفيه من زواج يكبّل حريته.
" هو ده القرار الصح. حطلع من حياتو ، هو معدشي مجبور يتحملني بعد النهارده. خليه يعيش حر مع حبيبتو. "
كانت نظراتها نظرات حزم واصرار.كانت عازمة متأكدة من قرارها. ولأول مرّة لم تكن خائفة من شيء. لم يخفها المجهول. ليست ضعيفة.
على هذه الأفكار جلست تنتظر قدوم نبيل لتعلمه بخيارها.
-------------------------------------------
بعد أن غادر شركته ركب السيارة ومضى في الطرقات لا وجهة محددة له. هذا الاحساس الذي يصاحبه ، أهو ندم؟ أم تأنيب ضمير ؟ أم الاثنين معا؟ ضرب على المقود بقوة المرّة تلو الأخرى. وأخذ يسرع بالسيارة .
بعد أن قضى جزءا طويلا من الليل يحوم حول الطرقات ، قرر العودة الى البيت.
عند وصوله، مرّ من أمام غرفتها، توقف للحظة. لا يسمع صوتا. ربما تجاوزت خوفها أخيرا أو ربما تخبئ صراخها لبعد قليل. أكمل طريقه نحو غرفته . فتح الباب ووضع حقيبته على المكتب ، هناك رآها . مستلقية على فراشها تحتضن نفسها.
" رشا، بتعملي ايه هنا" لم يعجبه حضورها. فوجودها في غرفته وعلى سريره يجعلانه يفقد أعصابه وتحكمه في نفسه قليلا . ولكن مالذي أتى بها الى هنا؟ لم يظن أنها ستطؤ غرفته بعد الذي حدث بينهما آخر مرّة. لكنها هنا ! هاهي أمامه ملاك مغطى وجهها بخصلات شعر تناديه كي يزيحها. خلع جاكيته وفتح أزرار قميصه قليلا وتوجّه نحو الحمام ، لكنه توقف في خطوته الأولى عندما سمع صوتا هامسا " حرام عليك " تجمد في مكانه ، أتخاطبه ؟ لكنها أكملت " أنا مش فاشله ، انا محاميه شاطره " وقت كوابيسها ، عاد أدراجه ووقف امام الفراش. لتتمتم رشا " بس انا فهمت " حتى في نومها ضهر شبح ابتسامة مكسورة على ثغرها " حسيبك تتهنى، من النهارده انت حر "
أتعنيه بهذا الكلام؟ تتركه ؟ أتهدد بتركه هو؟ في أحلامها ! جلس على السرير وتمدد بجانبها . أكملت رشا " حمشي خلاص ، " . كانت هذه اشارة له . مرر يده تحت رأسها و قربها حتى افترشت صدره . وحوطها بذراعيه " مستحيل اسيبك تمشي"
وكأنها سمعته تشبثت في ياقة قميصه ولامست أصابعها صدره العاري لتبعث فيه شعورا جميلا قد افتقده " بس انا تعبت " هكذا تكلّمت وأحس بثقل أنفاسها.
وجدت الراحة هناك على صدره. كما هو وجد راحة كان يبحث عنها سنينا بين أحضانها. مع بعضهما لم يكونا ناقصين. كانا شخصين طبيعين بمطالب صغيرة كالحق في الحب و العيش السعيد.
ولأول مرة منذ خمس سنين يُغلق نبيل عينيه لينام فعلا. لأول مرّة يستسلم جسده للنوم. كان حنانها ودفؤها بل وأنفاسها على صدره منوما أقوى من أدوية الأطباء. من قال ان الدواء يُعالج المرض. الناس يُعالجون بالحب. ونبيل الآن وهنا وجد علاجه. وجده في حضنها مستسلما لقربها . وجد مابحث عنه منذ زمن ، وجد مايعوّض فراغه الذي كان يمزّقه من الداخل. نورها أضاء عتمة قلبه وأعاد لروحه الحياة .
لذلك ناما معا وهي في أحضانه. حبيبين اكتملا ببعضهما.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!