كانت الليلة هي الأجمل، شعور بالراحة اعتراهما. كان نبيل يستمتع بتجربته الأولى مع النوم حين أحسّ بتحرّكها بجانبه. شدّها أكثر وتمتم وهو يقبّل رأسها ويمرر أنفاسه على شعرها " خليكي "
وكٱنها أخذت الإذن بذلك، لم تتحرك . أرادات ان تخلّد مابقي لهما من وقت. ان كانت ستغادره فلتغادره وهي مشبعة به. فلتغادره وقد أحست بدفئه و حنانه والأهم الأمان الذي يبثه نحوها.
لكن الى متى ستغالط نفسها ؟ الى متى ستستمد حنانه . سيحين الوقت الذي تغادره.
لذلك، أبعدت يده التي تحوطها وجذبت يدها من ياقة قميصه ثم ابتعدت مكرهة .
أما هو فقد ابدى اعتراضا بعدم تركها ثم تركها لاصرارها. جلست على حافة السرير والتفتت له. نبيل الذي امامها مختلف ، نبيل يبتسم فعلا. يبتسم لها. نظرت له باستغراب . لما يبتسم. .
" احم انا .."
" صباح النور "
لأول مرة يبدأ في القاء التحية لذلك ردّتها مترددة " صباح الخير "
ان استمرّت في النظر اليه وهو هكذا بتلك النظرات الجميلة في عينيه ستنسى لما أتت أصلا. لذلك نهضت وتقدمت قليلا ووقفت قبالته. أما هو فظلّ في مكانه يتابعها ونظرة الامتنان تعلو وجهه.
" احم ، انا جت هنا عشان.."
" مش مهم، الأهم انك جيتي "
هل هذا نبيل الذي تعرفه ؟ لا لا ليس هو. تمالكت نفسها وأخذت نفسا طويلا ثم تكلّمت
" انا جيت مبارح هنا عشان اقلك على قراري"
انتبه لها " سمعك "
" اسمعني للآخر أرجوك، أظن ان انت مديونلي بده"
" طيب "
" انا متشكره فعلا عل انت عملتو معايا. ومساعدتك ليا مش حنساها. "
مالذي تتكلّم عنه ومافائدة هذا الكلام الآن. أراد ان يقاطعها لكنها أشارت بيدها كي بصمت لذلك آثر السكوت ، لتكمل هي.
" عارفه احساس انك تعمل حاجه ضد ارادتك. ومرضاهش لاي حد. عشان كده ، أنا متفهمه موقفك مني. عارفه ان الجوازه دي كانت مفروضه عليك عشان كده بتحاول تتخلص مني باي طريقه" نهض من مكانه واقترب منها لتبتعد هي بضع خطوات ، مالذي تتحدث عنه ؟
" انتي بتتكلمي عن ايه؟ "
" عنّك وعن حياتك، انت عندك حق تكمّل حياتك مع اللي بتحبّها . وانا مش ممكن اوقف في وش سعادتك "
" برضو مش فاهم ، بتقصدي ايه ومين ؟"
" مافيش داعي نكدب ونخبي على بعض، خلينا صريحين للمره الأخيره"
أخيرة؟ نظر لها مستغربا . لقد بدأت كوابيسها تلعب بعقلها. ماللذي تتحدث عنه؟
" انت اخترت سالي لرحلة اسكندرية مش كده ؟"
" ايوا ، بعد نقاش وتف.،"
" لا ، ماكنشي في نقاش، الرحله دي كانت من حقي. وعقد الشريف ؟"
" نفس الحكايه ، انا وايهاب حكينا و تشاور...."
" حكيتو واتشاروتو ، ورشحني أنا مش آدم . العقد الرابح كان عقدي انا "
" وانتي عرفتي منين ؟" لن ينكر شيئا ، لقد طلبت ان يكونا صريحين مع بعضهما.
" مش مهم، المهم انك ظلمتني و حرمتني من حقي"
" ايهاب قلك مش كده ؟" سيحاسبه لاحقا. والآن هو وآدم في نفس الخانه. ألا يعرفان انها تخصه وليس من حق احد منهم ان يتدخّل بينهما؟
" برضو مش مهم ، المهم انك خيبت ظني وأملي."
" مش كده، كان في.."
" معلشي ، رغم انك عارف قد ايه انا تعبت عشان اثبت نفسي وقد ايه انا تعذبت عشان اوصل للمرحله دي من حياتي " نظر لها متفهما ، من يعرفها اكثر منه، من سهر يسمع صراخها منذ ان تزوجت أخيه. وحده يعرف مامرّت به. وحده يملك حق المعرفه. لكنها أكملت و قد نظرت في عينيه " بس عارف حاجه، رغم الظلم ده وتصرفاتك . انا عذراك .
عارف ليه؟ عشان كنت راجل بجد و ماقدرتش تخلف بالوعد اللي وعدتو لأخوك. "
" رشا، بتتكلمي عن ايه؟ وعد ايه، ؟"
" وعد انك تتجوزني. "
" وده دخلو ايه فموضوعنا ؟"
" كل حاجه. ماكنتش قادر تقلي امشي ، رغم انك بتتعذب بعيد عن حبيبتك و حريتك مسلوبه منك بالجواز ده. بس انا متفهمه. عارفه كويس احساس الخنقه اللي انت فيه ده "
" حبيبتي ؟ حريتي ؟ انا مخنوق؟"
" ايوا ، عارفه انك بتحبها وشفتها فحضنك. و انت مش قادر تكون معاها طول ماانت متجوزني. وعشان كده بتروحلها كل ليله . وعشان كده اخترتها هي عشان الرحله . عشان تكون معاها برحتك. "
بدأ الغضب يتملّكه. احساس السكينه الذي كان يملأ قلبه قد عوضه الغضب من كلامها . لم فهمت الموضوع هكذا .
" ماكنشي ده السبب "
" مش مهم، قلتلك أنا متفهمه موقفك. وعشان كده " تنفسّت مطولا. وبدأت شجاعتها تخونها. لكنها وصلت الى نقطة اللا رجوع. من حقه ان يعيش سعيدا حتى وان كانت سعادته مع أخرى تؤلمها. المهم ان يكون سعيدا. ومتى أصبحت تهتم بسعادته على حساب سعادتها. لا تدري ، ل تدري متى اهتمت ومتى اصبح نبيل يحتلّ هذه المكانة عندها . لم تستطع ان تتكلم وهي تنظر اليه ، ستفضحها عيناها في اي لحظة. طأطأت رأسها و أخرجت كلمات كالخناجر تمزقها في طريقها الى مسامع نبيل " عشان كده ، انا حديك حريتك "
"قصدك ايه؟ "
" حسيبك تتهنى مع اللي انت اخترتها مش اجبروك عليها . حمشي "
انقضّ عليها يمسك ذراعيها بكلتا يديها ويشدّ بقوّة " قلتي ايه ؟ مش سامع "
" حمشي، واعتبرني من النهارده حمل وانزاح على اكتافك"
شدّ قبضته أكثر وهو يحرّكها ، آلمها حتى ظهرت الدموع في عينيها . ولكنها لم ترفع رأسها، لم ترد مواجهته. لا ، ليس بعد .
" رشا ! قصدك ايه بتمشي؟ حتسيبيني ازاي كلامك معناته ايه؟ "
" نبيل " سكتت قليلا واكملت " طلقني "
تجمدت اوصاله، هل ماسمعه صحيح؟ ا هذه رشا تطلب الطلاق؟ لحظة، أيعقل أنه لم يسمع جيدا
" ايه ، قلتي ايه؟"
أعادت كلمتها بأكثر تردد ، فحتى هي قد شعرت بثقل الكلمه" طلقني "
نفض يديه وابتعد عنها خطوة الى الوراء دون ان يشيح بنظره عنها. فقط هذه الكلمة قد أشعرته بشيء جديد. شيء خطير.
وبصوت قاتل قال" مستحيل "
لم ترفع رأسها. ولكنها عرفت ان نبيل لن يوافق من أجل الوعد الذي قطعه . عليها ان تفهمه ان حسام لن يلومه . فقد ساعدها كما طلب منه والان حان وقت الحرية. الحرية المؤلمة.
" نبيل ، قلتلك ماعلش، حشام مش ممكن يلومك لو سيبتني، انت اخوه واكيد كان عايزك تبقى مرتاح "
" ومين قالك اني مش مرتاح؟ "
" عايز تبقى مع حبيبتك وانا عثره فطريقك "
تكلّم وهو يصرّ على اسنانه " بطلي تقولي حبيبتك" ورفع صوته حتى افزعها فانتفضت " سامعه ؟"
أخافها صوته وخرج صوتها مترددا رغما عنها " خليك صادق مع نفسك ، انت بتحبها ، واخترتها هي، وقلتلي بطلي تهتمي بس مش قادره، ومش عارفه ، واتكسرت لما شفتك بتبسها" التقطت انفاسها وأخفضت صوتها " بلاش تعذب نفسك ببعدك عنها . ارجعلها. "
تقدم منها في لمح البصر ووقف امامها حتى لامس رأسها المنحني صدره. صدره الذي كانت تفترشه منذ ساعات ، وصدره الذي تريد ان تفارقه.
" مستحيل اسيبك ، ومستحيل اطلقك "
إختنق صوتها بالبكاء "ارجوك بلاش تعذبني اكتر"
" مش بعذبك ، ومش حسيبك ، انت هنا ، مكانك هنا" هنا في البيت ام هنا قريبة من صدره ؟
بدأت ترتجف من قربه منها ومن كلامه ومن خوفها " ليه ؟ " رفعت رأسها لتنظر اليه بعينين غارقتين بالدمع وقلبها يبكي دما " ها! ليه ؟ عايزني افضل هنا عشان اشوفك معاها واسمعها تتكلم عنك واموت في مكاني ومش قادره اعمل حاجه ؟ "
مدّ يده يمسح دموعها ، لن يتحمّل دمعها ، دفعت صدره بقبضتها " نبيل ، انت بتعذبني ، وانا خلاص ، والنبي خلاص، انا ماعدتش حمل عذاب "
" ششش، ماتعيطيش ومش حسيبك "
" سيبني، ليه تسيبني اتعلق فيك اكتر و اتعب اكتر"
مسك رأسها بيديه الاثنتين وقرّب وجهه اليها حتى اختلطت انفاسهما " مش حسيبك، هنا مطرحك "
" عارفه انك سايبني هنا عشان زعلي يراضيك و تذلني اكتر "
انفجر صارخا ومازالت بين يديه " مايرضينيش، بيقتلني من جوا ، ايوا اناني واذيتك، بس قربك مني هو اللي مخليني اعرف اعيش . ايوا بستها. وقلتلك ماتهتميش ، وضعفت قدامك وخدتك لحضني . بس انت فكرتي اني ممكن .. اني ممكن اذيكي ، وانا اموت قبل ما اوصل افكر بده ، سامعه ؟ اموت . "
" قلت كده المرّه اللي فاتت ورجعت عذبتني تاني ، انا تعبت "
" ماتتعبيش مني، ماتسيبينيش ، " أخذها في حضنه كأنه يريد ادخالها في صدره. إعتصرها بين ذراعيه القويتين و هو يشدّها بقوّة " ماتسيبينيش، مش بعد اما رجعت بني آدم يحس و عايز يعيش ، تجي دلوقت وتسيبيني "
تكلّمت بين أحضانه " برضو حترجع لبرودك و كلامك ده هتنساه بمجرّد انك تسبني ، انت بتحس بس لما تكون معايا "
" كنت ، كنت اما المسك بحس، بس دلوقت بحس بكل حاجه حتى وانت قعده بتاكلي مع العبيط ده انا كنت بموت من جوا ، مش عايزك معاه، عايزك معايا .جمبي . هنا ، بين ايديا "
" خايفه اصدقك ارجع انجرح تاني "
ابعدها عنه قليلا ونظر في عينيها " انا نمت امبارح ، عارفه ده معناتو ايه؟ "
" وبتضحك عليا كمان "
" ابدا، انا من خمس سنين مابنمشي " تغيرت نظرتها للاستغراب " من خمس سنين وانا عايش ليل نهار . عمرك سألتي نفسك انا ليه بسمع صراخك على طول ، وليه بتلاقيني قبلك في الصبح؟ ، مابنمشي "
" وايه اللي اتغير ؟"
" انتي ! نمتي فحضني ودفيتي البرد الي كان جوا ، فغمضت عيني ونمت . ارتحت معاكي ، حتى جسمي ماعرفشي ان هو تعبان ولازم يرتاح غير لما خدك عندو وقرّبك ليه "
تبكي الآن نعم، لأن جزءا منها يريد تصديقه ، يريد تصديق كل حرف ممّا يقوله. لكنها تعذبت منه قبلا ، كيف تكون هذه المرّة مختلفة. كيف تثق بكلامه.
طأطأت رأسها ، ليخفض صوته ويتكلّم
" اذيتك ايوا ، كنت اناني ايوا ، بس ماتخديش عليا انسان ماكنشي يعرف يحس وفجأه لقى نفسو بيحن ويشتاق ويغير ويخاف و عايز.."
كلمته الأخيره حملت معان كثيرة ، فهمتها واحمرّت وجنتاها غصبا عنها.نبيل يريدها . يريدها امرأته ورغم ان الفكرة أفزعتها الا انها في جزء صغير منها ، قد أرضت كلماته أنوثتها.
" وهي ؟ "
" مافيش هي ! في وحده استغليتها عشان اهرب من االي صاير جوايا "
تنهدت بين يديه ، ودّت لو صدقته، ودّت لو صدقت كل كلمة قالها لكن ، مع نبيل كل شيء متوقع. هو من نبهها من الاقتراب منه ربما كان محقا فهو ادرى بنفسه. نبّهها مرارا ، لكنها غبية سقطت في فخه .
أحسّ بترددها رفع رأسها وأجبرها على النظر في عينيه "رشا بصيلي "
نظرت اليه خلف ستارة الدموع ،
" قولي انك مش حتسيبيني "
رغم ما أحسّته الآن وفي هذه اللحظة من صدق مشاعره لكنها كحمل اقترب من الذئب فذاب في تفاصيله. ولكن يبقى الذئب ذئبا. ولن تعطيه الفرصة ليعذبها ثانية . نظرت الى الفراغ وراءه "انا تعبت منك ، اسفه "
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!