شدها اليه أكثر، لن يتركها فانتفاضها في يده ودموعها التي بللت قميصه يجعلانه يحسّ بشيء ما. سكنت في أحضانه تبكي وتشدّه أكثر كأنه سيتركها في أي لحظة. بقيت هكذا لوقت طويل. على نبيل أن يتدخل ، نعم يستمتع بقربها وحاجتها اليه ولكنها خائفه وعليها ان تعود الى رشدها. أبعدها قليلا عنه لتحرّك رآسها رافضة. تحتاجه الأن بالذات. تحتاجه هنا ، بين خوفها وبينها. يحميها بحضن من حنان خاص . لكنه يصر على ابعادها لما؟ استسلمت وابتعدت لتفاجأ به يحوّط وجهها بكفيه.
" رشا.. خلاص .. ماتخفيش"
وكأن كلماته جعلتها أسوأ لانها تذكرت ضعفها وخوفها. وعادت تبكي مجددا ، مغلقة عيناها و تتنفس بصعوبة . لن يتركها. قرّب جبنه وأراحه على جبهتها حتى تلامس أنفاهما
" ششش.. انا هنا"
" ماكنتش هناك. انا كنت خايفه"
" اهدي .. خلاص .. انت كويسه "
" لا مش كويسه.. الخوف مش راضي يسيبني"
" انا هنا .. خلاص .. تنفسي بهداوه.. بلاش عياط "
" ماقدرش .. "
وبدأت نوبة فزعها بالتفاقم ، لم تعد تتنفس جيدا .
" رشا.. ماتخفيش ، انا معاك "
ودّت لو تصدقه. ودت لو اطمأنت لكن كل شيء قد تراكم . كل شيء يتلاحق ، حتى حادثة الاغتصاب قد عادت تتصدر الذكريات . والان خوفها في الدرج قد عاد. ضاعت بين ذكرياتها ولم يبقى لها غير صوته الذي يربطها بالواقع ، ستخسر عقلها وبعده ستخسر حياتها. انفاسها لم تعد تكفي.
قرّب شفتيه إليها " انت عندي ، فحضني ، بلاش تخافي ، مش حسمح لأي حاجه تأذيكي ."
انفاسها التي لم تعد تكفي تعززت بانفاسه . وأخذت تتنفسه. رفعت يدها بضعف ووضعتها على صدره أين استقرت دقات قلبه التي كانت منتضمة ثم أصابها الجنون فجأة.
" انت هنا "
" ايوا ، جمبك "
" ماتسيبنيش ... نبيل أوعى تسيبني "
" انا هنا " لا يستطيع تقديم وعود لا يستطيع المحافظة عليها.
" هواء، عايزه اتنفس "
فهم ماتقصد، وقف ببطء دون ان يتركها، وقف حاضنا اياها وتوجها نحو الشرفة . جلسا على الكرسيّ ووضعت رأسها على كتفه ، وشبكت أصابعها بأصابعه . عليها ان تستمدّ قوتها منه. تنفست بانتظام ، تُدخل هواء الليل المنعش الى رئتيها ، لكن رائحته تعطّر النسيم العليل، رائحته لذيذة . أعجبتها.
" انا اتأخرت النهارده عشان ماقدرتش اخد الاسنسير. خفت يكون في حد معايا فيه . حد معايا في مكان صغير" وشدّت على يده كأنها تبث له خوفها وارتعابها من الفكرة. " ولما طلعت الدرج وكان فاضي سمعت صوت ورايا ." سكتت تطمءن نفسها، نبيل هنا لن يؤذيها أحد" خفت يكون في حد عايز ...أنا مش بايدي ، نبيل انت لازم تصدقني " قالتها وقد رفعت رأسها تنظر اليه " انا مش بايدي ، بخاف من اي صوت . انا فكرت في الحجات الوحشه ، بس في الاخر كان البواب بينظف. " ضحكت بسخرية ومرارة. " طلع البواب اتخيل ! خفت من البواب. "
" معلش ، دي كانت اول تجربه ليكي في الشغل. يعني طبيعي تحسي بده . حتعيشي المواقف دي كتير . دي شركه مش بيتك الآمن ."
نظرت له وهو يتحدث. صوته ليس باردا كما في المكتب . ولكنه ليس حنونا أيضا. بل صوت مطمئن. ذاك الذي حين تسمعه تحس بطمأنينة وراحة. آه منه ، أنفاسه والآن صوته ! من هذا ؟
" أول مره ديما صعبه ، بس حتتعودي . "
" حتعود اكيد، حتعود على الاحساس بالخوف "
" انت مش طلبتي اني اساعدك ؟"
لازال يتذكر اتفاقهما ؟ اهذا شيء جيد ؟ طبعا.
" انتي كمان لازم تساعدي نفسك. حاولي تواجهي ماتخفيش. مش ممكن حاجه تحصلك وانا موجود"
لم يكن عليه أن يقولها هكذا، الآن ستظن شيئا ، ستظن انه يهتم. ومالضرر ان اهتم ؟ لايستطيع الاهتمام بأحد. لايعرف كيف يهتم. سيزيد مأساتها.
" رشا .. واجهي مخاوفك، قوي نفسك ، ثواني في المكتب وكانت نوبة الفزع حتجيلك تاني ."
" عرفت ازاي ؟ انت ماكنتش باصصلي اصلا"
" كنت باصص ليكو كلكو عشان المقابله"
لاتعرف لما قالتها و لكن لسانها نطق قبل ان يمنعه عقلها " انا اطمنت ييك في المكتب. نظرة عيونك خلتني ارجع احساس الامان اللي ضاع." عليها ان تصمت الان." ماتفهميش الموضوع غلط، ماكنشي مقبول انك تتسببي بلخبطه فالشركه. "
ألجمتها إجابته ، مالذي يقصده؟ أساعدها من أجل سمعته وشركته ؟ لما إذا ؟ لما تظن أنه ساعدها أصلا لأنه يهتم ؟ لما جزء صغير دفين داخلها أراد له ان يساعدها لأنه يهتم بها ؟ لقد اهانها.
وقفت بسرعة ، واتجهت الى حافة الشرفة ، تهرب من الدموع الى النجوم، توليه ظهرها ليس عليه أن يرى نظرة الانكسار في عينيها. لما آلمها كلامه ؟ لن تجيب عن هذا السؤال.
" آسفه ان كنت أزعجتك . خلاص ، مافيش داعي تشوف اللخبطه دي. أسفه مره تانيه. ححاول اوطي صوتي المره الجايه . خلاص هي اساسا كم ساعه والكوابيس بتروح لحالها. ماتتعبش نفسك. "
والتفتت لتتركه ، لن تقبل مواساته مرّة أخرى. آلمها كلامه. آلمها لدرجة شعورها بالغثيان والغضب من ضعفها ومن حالتها ومن حياتها ومن عدم اهتمامه. تجاوزته بخطوات حين أحست بيديه يتسلللان الى خصرها ويرجعها الى الوراء لتصطدم بصدره. وشدّها إليه. قاومته، لم يتبقى الكثير لتدخل في نوبة بكاء . بكاء الفتاة المجروحه . حاولت التخلص منه لكنه في كل مرة يحكم قبضته أكثر . وهمس في أذنه " ششششش...خلاص .. اهدي "
وكأنه قد ضغط على زرّ التشغيل ، بدأت دموعها تتساقط حتى ان بعض القطرات قد وصلت الى ذراعيه اللذان يحوطانها
" مااعرفش اهتم ..." هذا ماقاله. لما قال لها هذا؟ لما يبرر لها تصرّفه ؟ لا يعرف .
أما هي فتوقفت عن التحرّك وكأن كلمته قد .. لا تعرف الفعل المناسب. لكنها تعرف أن عدم اهتمامه ليس الا وليد الفراغ الذي يسكنه. لم يتركها ، بل بقي محتضنا اياها من الخلف. يطمئنها ويطمئن نفسه . وبعد لحظات تركها ، وتجاوزها ببضع خطوات ليتكلّم موليا لها ظهره
" لو عايزه تسيبي الشركه ، ده قرارك "
لن تتراجع ستثبت نفسها . ستثبت أنها أقوى .
" عايزه أحقق حلمي،،"
" تمام.. تحقيق حلمك ليه شرط بسيط ، اتحكمي فنفسك وماتضعفيش. "
" بتتكلم وكأن بايدي اتخلص من الخوف ده"
" ايوا بايدك. افهمي حاجه واحده بس. مش كل حد تشوفيه عايز ياذيكي. ومش كل بني ادم يبصلك عايز ياخد منك حاجه. حاولي تبطلي التفكير ده. اتعاملي مع العالم زي مابيتعاملو معاك. خوفك حيعطّلك و يخليكي عاجزه قصاد اي حاله. "
" ححاول ، ححاول . "
" مش بس كلام ، واجهي مخاوفك ماتخليهاش تسيطر عليكي . "
" أواجهها ازاي ؟ مش عارفه ابتدي منين والا منين ؟"
" اركبي الاسنسير، كل يوم حاجه بسيطه "
" اه، لا لا ماقدرش "
" حساعدك "
تذكّرت اهانته، وعدم اهتمامه" ماتتعبش نفسك "
" مابتعبشي نفسي بحاجه، انا وعدتك اساعدك . " صمت قليلا ثم أكمل " كلامي بارد وبيوجع، " ضحك بسخرية " عارف ده كويس ، بس انتي مش مفروض تهتمي اساسا عشان تنوجعي ، فهمتي ؟ "
فهمت جيدا. فلتعد الفكرة على نفسها وتفهمها جيّدا : لم يكن على كلام نبيل أن يؤلمها. لأنها لم يكن عليها أن تهتم له أصلا. خلاصة القول والدرس الأول في تعاملها مع نبيل : عليها أن لا تهتم برأيه وبالتالي أن لا تتوقع منه شيئا.
فهمت الدرس . " فهمت ، اطمن. "
"تمام، لو حسيتي بنوبة الفزع دي في الشركه. حاولي تسيطري على نفسك. فكري في كلامي ان مافيش داعي للخوف وكل حاجه كويسه"
ماهذا ! أحقا يطلب منها أن تتذكر كلامه؟ فليذهب الى الجحيم، ألا يُدرك أنها تعتمد على صوته وكلماته ولمسته ووجوده منذ مدّة طويلة. وهو الان فقط الان يقترح هذا. .
" فكري فكلامي كويس، عايزه تحققي حلمك، اتحكمي فخوفك، تصبحي على خير "
" وانت من أهلو"
تركها وخرج عائدا الى غرفته.
ارتمت على فراشها ، ووضعت رأسها على وسادتها. " خلاص، انا لازم انسى الخوف والضعف، من بكره ححاول ، ححاول مالجألوش، ححاول أواجه خوفي. " نظرت الى الشرفة مطولا اين كانت في أحضانه منذ قليل " بلاش رشا، بلاش اللي انت بتعمليه ، مش هيهتم ، و ليه يهتم بيكي أصلا ! انت وصيّة أخوه انو يساعدك و اديه بيساعدك . ماتتأمليش كتير، بلاش وجع القلب . خليه يساعدك ومتتأمليش كتير . الأمل بيوجع في الآخر و بيكسر القلب. " تنهدت بألم وأغمضت عينيها . تحيطها رائحته وبقايا حضنه على جسدها.
غدا يوم جديد، ستحاول مافي وسعها. ستسيطر على نفسها. لن تسمح لنبيل أو غيره بإهانتها لضعفها، لقد عاشت الأسوء ، ولن تسمح للخوف بإضعافها. ليست مكسورة . ليست مكسورة " انا مش مكسوره ، انا كويسه"
-------------------------------------------
دخل غرفته وتوجه الى حمامه البارد. فقط المياه الباردة ستعيده الى رشده. مالذي فعله؟ ومالفائدة من إيذائها بكلامه " قلتلها ماتقربش، السم اللي جوا ده حيإذيها. لازم تتعلم تعتمد على نفسها. ضروري تبطل تعلقها بيا بالشكل ده. حتفهم مساعدتي ليها غلط "
" ما انت اللي بتساعدها واتقربها ليك"
" لا مش ممكن تقرب ، حأذيها . ماعرفش اهتم بيها وماعرفش اتعامل معاها ، حتتوجع اكتر "
" ابعد عنها. والا خليها تبعد عنك " ....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!