رآها منذ ساعات في فراشه. ماهذه المصيبة ؟ البارحة يقيم معها علاقة والآن ستشتغل معه. تبًّا لهكذا حظ. عليه ان يفهمها الوضع بعد حين. ابتسم كعادته ببرود ورحّب بهما ولم يرى رشا. اين هي الان. ربما غيرت رأيها. ولكن حين بدأ يتعرف رسميا على ضيوفه رنّ هاتفه لتعلمه سكريترته بوجودها. عليه ان يتعامل معها بجديّة. من تظن نفسها كي تأتي متأخرة في أول يوم لها. ولكن عندما دخلت تغيّر موقفه ، يعرفها. هذه رشا الخائفه شيء ما قد حصل لها. هل تعرّض لها احدهم ؟ مالذي جعلها ترتجف خوفا. لذلك كلّمها ببرود علّها تستيقظ من دوامة مخاوفها. آدم ابتسم لها، اذا يعرفها. وهذه المصيبة سالي . لا تعرفها من طريقة نظرتها فهم الحكاية . أعاد الملاحظة عن التأخير لأنه رأى توترها، عليها ان تعود لأرض الواقع " رشا حتتعبيني" هكذا تمتم لنفسه.لكن ما جعله يبذل جهدا مضاعفا هو تصرّفها حين فسّر لهم سير العمل . نظر لها ولاحظ نسق تنفسها. ستدخل ثانية في نوبة فزع. لذلك ركّز نظره عليها وشدّ على القلم المسكين كي لا يمدّ يده ليشدّ على يدها. و قد أحست به فقد نظرت اليه تتبع نسق تنفسه حتى هدأت ، نظراتها وأنفاسها المتسارعة ، لن تكون النتيجة جيدة. لذلك اتجه بالسؤال الى سالي، ليتحدّث في أي شيء عدى التركيز على وجودها امامه واحساس الاختناق الذي يعلو صدره. " انا حتهور.. خلاص اتحكم بنفسك " وسرعان ماعاد البرود سيّد الموقف. لكنها غبية ، كيف تنطق اسمه هكذا ثم تستدرك لتظيف " بيه" . " حتتعبيني معاكي " .
أخرجه من تركيزه صوت هاتفه ، الذي أعلن عن قدوم المحامي ايهاب مراد .
ماإن دخل ايهاب مراد حتى أحس بانتفاض رشا من مكانها. مابها الآن ؟ لما عادت نظرة الرعب الى عينيها. ايهاب لم ينظر لها بتاتا بل شغل نفسه بالتمتع يجمال سالي. فرجل في الثلاثين وأعزب تغريه الأناقة والجمال. إذا أنظرة الاعجاب هي ما أقلقتها؟ عليه ان ينقذ الموقف
" اقدملكو المحامي ايهاب مراد، هو كمان كان متمتع بالفرصه دي زيكو و بشطرتو قدر يكون في المنصب ده. في شركتنا ماعندناش عقدة السن، عايز تثبت نفسك رغم صغر سنّك ، نحنا بنشجعك. "
" أخجلتني يافندم، اهلين فيكو ، " مدّ يده ليسلم على آدم
" اهلا يافندم، انا ادم الوافي "
" تشرفنا " والتفت الى سالي بعينين مغازلتين ومدّ يده مسلّما
" سالي عبد السلام "
" تشرفنا" ، وشدّ على يدها لبضع ثواني
ثم تقدّم نحو رشا ومدّ يده .
لاحظ نبيل رجوعها الى الخلف جراء تقدّمه. ولاحظ نظرة الخوف في عينيها. ستبكي في اي لحظة وتنهار لذلك
" انا اسف ياجماعه ، بس عندي اجتماع دلوقت و حضارتكو حتروحو تكملو شغلكو مع استاذ ايهاب. "
نجح في جعل ايهاب يبتعد عن رشا ويلتفت اليه.
" تمام يافندم ، نحنا حنروح قسم الشؤون القانونية."
تقدّم ايهاب اولا ليتبعه نبيل ويقف محاذيا للباب يودّع ضيوفه.خرجت رشا أولا عليها أن تبتعد وتتنفس هواء نظيفا وعندما مرّت بجانب نبيل تكلّم بصوت خافت يسمعانه هما فقط " ماتخفيش" ثم بصوت عالٍ " تشرفت بمعرفتك انسه رشا"
رفعت رأسها و " فرصه سعيده " قالتها بصوت متهدج .
ثم خرج ادم و ايهاب اللذان انهمكا في حديث لم يهتم نبيل لسماعه
" انسه سالي "
قالت بدلع " نعم يافندم "
" في المكتب شغل. والحياة الشخصية حاجه تانيه." قال كلامه وهو ينظر في عينيها ببروده المعتاد . لتقترب هي خطوة منه و تلعب بخصلة من شعرها " حاضر نبيل بيه ، تطلب حاجه تانيه ؟ "
" مع السلامه ". والتفت عائدا الى مكتبه . أما سالي فخرجت وأغلقت باب المكتب ورائها وابتسامة لا تمت للبراءة بصلة على محياها " اموت انا في التقيل " .
أما نبيل فقد عاد الى مكتبه . يحضّر ملفات عمله.
-------------------------------------------
تقدم الجميع نحو المصعد و تكلّم ايهاب " حنروح لقسم الشؤون القانونيه " . لكن رشا لم يعجبها الكلام. كيف لها ان ركب المصعد مع ادم وايهاب . مستحيل. فما العمل ؟ فكرت قليلا ثم
" انا حنزل بالدرج . "
التفت لها ايهاب " انسه رشا مش الاسنسير أسرع والا ايه "
لما يُحدّثها ؟ لما يتوجه لها بالكلام؟
" انا عندي .. عندي رهاب الاماكن المغلقه "
نظر لها آدم و ايهاب . أما سالي فلم تهتم .
" خلاص حصلينا في الدور التاني "
" اروح معاكي " عرض ادم ان يرافقها . لكنها ارتبكت ، لن تنزل الدرج معه. ابدا . " مافيش داعي، ماتتعبشي نفسك "
لم يرد ان يُحرجها أكثر فابتسم قائلا " نلتقي قريبا " بادلت ابتسامته بأخرى مقتضبة. وتوجهت نحو الدرج.
" هي ملها دي ؟ " تساءلت سالي بسخرية
" الرهاب ده موجود وفي ناس كتير بتعاني منو " هذا ادم كعادته يدافع عنها.
صعدوا المصعد ، ونزلوا الى الطابق الثاني. همّوا بالذهاب الا ان ادم توقف
" ورشا !"
التفت له ايهاب " حتحصلنا "
" حضرتك هي ماتعرفش المكان "
قالت سالي ضاحكة " وانت خايف عليها؟ "
تأفف ايهاب " خلاص ، بس مش حضيع وقتي تاني. المره الجايه تحصلنا من غير ده كلو "
هنا سمعوا خطوات رشا المسرعة " اسفه اتأخرت " كانت تقولها بصوت متقطع فقد ركضت حرفيا في الدرج . وضاق صدرها لوجود ايهاب و ادم امامها.
" خلاص ، بس ماتتكررش "
تقدموا بضع خطوات ثم في المكتب الثاني على اليمين ، توقف ايهاب موضحا " ده مكتبكو ، حتشتغلو مع بعض هنا. والمكتب الأولاني ده المكتب بتاعي . أي حاجه تشتغلوها حتبعتوهالي بالفاكس والا " والتفت الى سالي بنظرة جريئة " تجيبوها شخصي " بادلته سالي النظرة بأخرى تشبهها وابتسمت.
أحست رشا بشعور رهيب يغمرها. مادخلها ؟ لكن آي موقف من هذا النوع يرجع لها ذكريات سيئة . تذكرت ماقاله نبيل " ماتخفيش. " لن تخاف اذا.
هنا تقدم ايهاب مع سالي ليتخلف ادم بجانب رشا " كان ناقصهم اتنين لمون " وضحك .
اما رشا فاطمأنت ان ماشعرت به طبيعي فهاهو آدم يرفض الموقف امامه. لم تقم بأي حركة وانما تقدمت وتبعها ادم متمتما شيئا لن تسأله عنه.
وضّح لهم ايهاب طريقة العمل واشار لمكتب كل منهم. ثم مدّهم برزنامة العمل وأوقات الفراغ .
" اظن نبيل بيه كلمكو عن العقد اللي حتمضوه. "
أومأ الجميع برأسهم ليكمل " فوق مكتب كل واحد فيكم العقد بتاعو . اقروه وامضوه وابعتوه فاكس للمكتب بتاعي. "
تكلم ادم و سالي في نفس الوقت " تمام يافندم "
نظر ايهاب مطولا لرشا. لأول مرة يراها ويمعن النظر فيها. وان كانت سالي تخطف الانظار باناقتها وجسدها وجمالها . فرشا تخطفه بشيء اخر لايدري ماهو لكنها جميلة جدا وصمتها يشجعه .لاحظ ابتعادها وصمتها . هذا التصرف لا يليق بمحام شركة تلتفّ حوله القروش الفتاكة كل يوم.
" انسه رشا .."
رفعت رأسها ونظرت له " نعم يافندم "
" المحامي بيتكلم . ده شغلنا اما انت صوتك مابيتسمعش. المحامي الشاطر بيثبت وجودو بكلامو وتصرفاتو انما انت يعني . اللي عايز اقولو تصرفاتك دي ماتصنعشي منك محاميه شاطره "
كلماته صفعات متتالية في كرامتها، لماذا يكلمها هكذا ؟ ألا يدرك ان الوقوف فقط في غرفة معه ومع ادم يستنزف كل طاقتها . ألا يدرك ان قناع الهدوء الذي تضعه يمتص منها قدرتها على فعل اي شيء؟ . هددت دموعها بالنزول لكنها منعتها ، أتت هنا لتثبت أنها تستطيع ان تكون محامية جيدة و انها قادرة على اثبات ذاتها . فقط لديها بعض المشاكل النفسية . لن تبكي ، لكن كلامه قاس جدا، لن تبكي ، لكن كلماته تتردد على مسامعها و كأنها خناجر تغرس في صدرها. تنفست الصعداء و رفعت رأسها ، لن تنظر اليه. فقط الى مابعده الى الفراغ فوق كتفيه
" المحامي الشاطر هو اللي يعرف امتى يتكلم . ويقدر يثبت وجودو بالعقود المظبوطه مش بالكلام والتصرفات " لا تدري من أين أتتها الشجاعه لكنها تكلمت .
كيف تجرأت هذه ال***** على الردّ عليه . لن يسمح لها بمواجهته " ورينا شطرتك ، وماتنسيش أنا مديرك المباشر واي موقف أو كلمه مني حيتحسب ضدك أو ليكي" نبرة التهديد لم تخفى عن احد . فايهاب ليس سهلا، وإهانته لن تمرّ سالمة . ونظراته المليئة بكل المشاعر السيئة مصوّبة نحو رشا تنبؤها بحتمية المواجهة . ارتعدت أوصالها منه وخافت من نظراته. وبدأت حالة الاختناق تعاودها. " انا في المكتب مستني العقود بتاعكم "
وخرج تاركا ورائه زوبعة من المشاعر
" انت إتجننتي ؟ إزاي تردي عليه كده ؟"
" خلاص يا سالي ، شفتي كلامو كان قاسي ازاي ؟"
" هو الصراحه كان عندو حق ، يعني هي فاهمه جايه ليه مش كده !"
" مايخصكيش ، اهتمي بشغلك "
" جرى ايه يا ادم اتعينت محامي عليها كمان والا ايه ؟"
" وانت دخلك ايه ؟ سمعيني سكاتك ، انا عندي شغل"
" احسن برضو "
كلّ هذا عنها وهي لم تتحرك. يناقشان حالتها أمامها وكأنها غير موجودة . مالأسوء من الغياب؟ "الحضور الغياب " كما يقول محمود درويش.
لن تستطيع التحمل أكثر عليها ان تتنفس وان تفرغ مافي داخلها. لكنها لا تعرف اين الحمام و ليس لها حق الخروج. سينتهي العمل قريبا. فقط بضع ساعات ،ستصبر . جلست في مكتبها وأخذت تتنفس بصعوبة لكن دون اصدار صوت. لاتدري كيف استدعت ذاكرتها صوت نبيل " ششش .. خلاص .. رشا .. مافيش حاجه " وبرويّة هدأت. وركزت نظرها على العقد أمامها. درسته جيدا . ثم أمضت عليه وبعثته لرئيسها المقررف.
حين انتهى دوام العمل، غادرت سالي اولا . لتترك رشا مع ادم.
" رشا "
رفعت رأسها لتنظر له ، نظرة القلق في عينيها
" ايوا "
" انت محاميه شاطره، ماتخليش حد يقنعك بعكس ده "
" متشكره جدا"
حتى وهو يخاطبها لا يقترب منها. لقد فهم تصرّفها . ولن يقترب منها أبدا ان لم تسمح له. اما هي رغم اقتناعها بأنه يأخذ حذره في معاملتها الا انها لاتطمئن له، شعور القلق يسيطر عليها.
يختفي هذا الشعور مع نبيل، فقط هو مختلف ، فقط هو مصدر الأمان والاطمئنان.
" مع السلامه ، اشوفك بكره "
" سلام "
وغادر ، لتلحق به بسرعة ، لن تبقى هنا مطولا وحدها. فالمكان يخيفها. في الدرج اتصلت بالسائق الذي ماان خرجت وجدته ينتظرها. ركبت السيارة وانطلقت . طلبت منه ان يأخذها الى المقبرة حيث يرقد أحبابها.
قرأت الفاتحة على روح الجميع وتوقفت مطولا عند قبر أمها مهما نكبر، وجود الأم ضروري .
بكت كثيرا ثم اتجهت لقبر حسام " انا لحد دلوقت بعاني من الحادثه دي. 4 سنين ولسا مكسوره ، بحاول اتصلح ومش قادره. " دعت له بالرحمة والمغفرة وعادت الي البيت.
استقبلتها كريمه بالأحضان
" ازاي كان اول يوم ليكي ؟"
" كويس ، "
" امال ليه شيفه عيونك معيطه "
" لا ابدا رحت قبر اهلي ، وقبر بابا مراد وحسام "
" الله يرحمهم يابنتي، مش قلتلك انسي "
"في حجات ماتتنسيش" ثم تداركت نفسها لتقول " أبدا رحت هناك أخبرهم اني اشتغلت ودي دموع فرح"
احتضنتها كريمه مطولا ، روحي غيري هدومك وثواني والعشا يبقى جاهز "
ان قالت لها انها لن تأكل ستستمر في الاصرار عليها.
" تمام، بس طلعيهولي لحد عندي، اصلي تعبت من الشغل " تعب نفسي
" حاضر اللي يريحك "
ماان تركتها حتى اسرعت الى غرفتها ودخلت الحمام تفرغ مافي معدتها. ثم أخذت حمامها. وعندما خرجت وجدت الأكل على الطاولة . أخذت القليل من العصير الموجود. واكتفت به. وجلست في الشرفة يداعب الهواء شعرها . تريد لهذا الهواء ان يوقظ روحها لذا وقفت وفتحت يديها أكثر. لا تدري لكم من الوقت وقفت هناك . ثم اخذت نفسها وارتمت على فراشها . أغمضت عينيها . ونامت.
-------------------------------------------
عاد الى البيت ، واتجه لغرفته ، أخذ حمامه وغير ثيابه ثم استلقى على فراشه. لم يضع سماعات الأذنين. في أي لحظة سيسمع صراخها. وعليه ان يساعدها. أخذ كتابا من جانب السرير. وبدأ يقرا في منتصف الكتاب ، بدأت نوبة صراخها . وضع الكتاب جانبا ثم توجه الى غرفتها.
فتح الباب لكنه لم يجدها على السرير. أين ذهبت ؟ مازال صراخها موجودا لكن المكان مظلم فقط تضيؤه النجوم .اتبع صوتها لركن من أركان الغرفة . وجدها هناك تجلس محتضنة ركبتيها وتبكي وتصرخ تارة وتارة اخرى تتمتم بكلمات مختلفة. اقترب منها بهدوء " رشا.." لكنها يبدو انها لاتسمعه اقترب اكثر وجلس على ركبتيه امامها ومدّ يده لتلامس شعرها ، " رشا .، خلاص "
رفعت رأسها ونفظت يده بخوف لتحمي نفسها. للمرّة الثانية تُبعده عنها؟ مابها. لقد ظنت أن الرجل في الدرج قد لحق بها وأمسكها . ولكن بعد أن نفظت يده ورفعت رأسها تبين لها من هو
" نبيل .." وارتمت حاضنة اياه. تفاجأ منها . هاهي تُبعده والان تعانقه ؟ عليه أن يضيف مجنونة للائحة أوصافها. رفع يديه يشدّها اليه أكثر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!