استيقظت صباحا ، يوم جديد. بل تجربة جديدة. أخذت حماما علّها تبعد ارهاقا قد طاب له العيش في روحها. ثم توجّهت الى الخزانة. مالذي سترتديه؟ وكيف ستتصرف ؟ بدأت دقات قلبها تتسارع ، وضعت يدها على قلبها لتعيد لنفسها كلام نبيل " ماتخفيش ، انت بأمان" . تنفّست مطوّلا. كلماته تريحها. تكتسب الكلمات معنى آخر عندما يتفوّه بها هو. نظرت مطولا لخزانتها. إختارت سروالا من الجينز قميصا و جاكيت. مظهرها لائق ويوحي بالعمليّة و الجديّة. ماذا تفعل بشعرها؟ ذيل حصان سيفي بالغرض . وضعت القليل من المايك آب . عليها ان تخفي نفسها خلف قناع الجمال . نظرت لنفسها واطمأنت. لن تجلب الكثير من الانتباه. هذه هي خطتها. لن تسرف في لبسها ولا في تأنقها لكي لا تجلب انتباه أحد. أخيرا لبست كعبها العالي و حقيبة يدها و خطفت نظرة سريعة الى المرآة. ابتسمت لنفسها" مافيش داعي للخوف. رشا انت قويه وقادره على كده . ربنا يقدرني. " تنفست و خرجت من غرفتها متجهة نحو غرفة الطعام. عليها ان تبدأ يومها بنشاط وحيوية.
-------------------------------------------
كان يترشف قهوته المرّة حين تحوّلت دقات قلبه الى ايقاع معيّن يعكس صوت كعبها العالي. تبًا لها ولكعبها.! لم يرفع عينيه. تذكّر كيف ابتعدت عنه البارحة.
أما هي فتوقعت وجوده هناك. كيف يحافظ على ميعاد استيقاظه؟ كل شيء غريب مع نبيل. ترددت هل تلقي السلام ام لا . ولكن عندما رأته جالسا تذكرت ماصدمها البارحة. رعشة خفيفة زارتها. " خلاص ، سيطري على نفسك، كنا بنقول ايه؟ انت قويه. "
اقتربت من الطاوله و جلست " صباح الخير "
لن يكلّف نفسه رؤيتها. " صباح النور "
صمتا وأكملا فطورهما. من يقول انهما على اجتماع ببعضهما لاحقا وسيكون رئيسها في العمل . لما نبيل يتحكم بحياتها؟ زوجها، مصدر أمانها والان رئيس عملها ؟ والرجل الذي كان على علاقة بأخرى البارحة! نهرت نفسها ، لما تفكّر بهذا الأمر الآن ، هو حرّ في تصرفاته. ثم مالذي توقعته منه؟ أن يُخلص لها؟ ولماذا يُخلص لها ان كان لا يحبها. نفضت ملعقتها دون ادراك ، تفاعلها مع افكارها قد أخرجها من وعيها.
سمع صوت ارتطام الملعقة ليفاجئ بها تنظر له بغرابة . ماذا الآن ؟ مالذي فعله.؟
عندما أفاقت من شرودها ودوّامة افكارها ايقنت انها كانت تنظر له طوال الوقت وكأنها تصبّ جام غضبها عليه .
" خير؟ انتي بتبصيلي كده ليه ؟ "
" اه ! لا ! ولا حاجه "
تكلم بسخريته المعتاده " مش ظاهر يعني "
نظرت له باستهزاء وأكملت فطورها. لتسمعه يدفع الكرسي ويقف .
" نحنا لازم نتفق على كم حاجه كده ."
رفعت رأسها ، نبيل يفتتح موضوعا معها ؟ غريب ! " حاجة ايه ؟"
" من اليوم حتشتغلي في الشركه معايا، يعني انا مديرك هناك. "
" ايوا عارفه . مافيش داعي للكلام ده ، فاهمه الموضوع"
" انا غير في الشغل، الشغل اهم حاجه عندي ، يعني حتتعاملي زيّك زيّ زمايلك "
تمتمت في نفسها " يا راجل على اساس انت بتعاملني بطريقه تانيه "
" تعليقك ده مش في محلو "
شهقت ونظرت له ؟ كيف سمعها ؟ " لا ماقلتش حاجه "
" مش مهم. "
لماذا يقلل من شأنها؟ لماذا يظن انها ستعتمد عليه في كل شيء ؟ حسنا ستثبت العكس .
" انا عندي طلب "
" ايوا ، ابتدينا ! عايزه ايه؟"
" مش عايزه حد يعرف ان انا .. انا " كيف تنطقها، لماذا هذه الكلمة بالذات تخنقها. احمرّ وجهها و لم تعرف كيف تكمل.
فهم ماتقصد فتكلم بسخرية ، فلتخجل كما تريد " قصدك ايه ؟ "
اه من بروده! لقد فهم ما تقصد لماذا يحرجها. سحبت القليل من الهواء " ان انا.. مم.. انا "
" مراتي ؟" سببت لها هذه الكلمة شعورا غريبا. ساع هذه الكلمه بالذات من عنده لخبطت مشاعرها. أومأت برأسها.
أكمل بصوت عادي " بعد اعلان جوازنا أكيد عرفو شكل مراتي واسمها "
" بس انا لبسي مختلف وماتوقعشي في حدّ انتبه ليا كفايه "
" اطمني انتبهو " واكمل بينه وبين نفسه " غصبن عنهم وعني "
" في صورة ما اذا مانتبهوش ، مافيش داعي يعرفو حاجه. "
" والسبب ؟"
" شخصي "
" لا وانت الصادقه ، السبب ؟"
" عايزه اعتمد على نفسي، واثبت اني قدره على ده. "
" وكونك مراتي حيعطل ده "
لماذا يصر على استعمال هذه الكلمة اللعينة " ايوا ، لو عرفو ان انا .. انا .. حتتغير معاملتهم ليا "
" خلاص، فهمت ، حتروحي ازاي "
" السواق ، زي ماكنت اروح الجامعه ،"
" طيب، سلام "
" سلام"
حسنا ، عليها ان تتعود ، وان تسيطر على نفسها لن تخاف . لن يحصل لها شيء . لن تخاف. " ربنا معايا ، واللي معاه ربنا مش مفروض يخاف "
أكملت فطورها. عليها ان تتحصن جيدا. وان تواجه مخاوفها. طلبت من كريمه ان تخبر السائق برحيلها. أعادت النظر الى حقيبتها، كل أوراقها موجودة . " مستعده ، ربنا يقدرني"
-----------------------------------------
وصل الى مكتبه. فتح ملفات المتربصين ، على الأقل عليه ان يحفظ أسمائهم . ليس الأمر صعب . فاسمها يعرفه جيدا. ولكن عليه ان يتبع طلبها ويظهر عدم معرفته بها. الاسم الآخر ، آدم الوافي . والفتاة الأخرى سالي عبد السلام . الأولى على الدفعة. الكفة ترجحها. فيها جميع المقومات لتنجح معه. لكن لم يعتد الأحكام المسبقة. فالآخران يستحقان ان يؤخذا بعين الاعتبار.
طرق على الباب
" اتفضل "
" صباح الخير ياافندم "
" صباح النور"
" ربع ساعه و حتجتمع مع المتربصين. "
" تمام "
" عايز الاجتماع هنا او في قاعة الاجتماعات ؟"
" خليه هنا "
" حاضر "
خرجت لتتركه ينهمك في أعماله.
-------------------------------------------
وصلت رشا الى الشركة، امام هذه البوابة الضخمة. تنفست الصعداء. عليها ان تظهر قوتها . لن تسمح لأحد بأن يقلل من شأنها. توكّلت على الله. ثم توجهت لمكتب الاستقبال لتدلّها على المكتب الذي ستقام به المقابلة.
" الدور الرابع. فيكي تاخدي الأسنسير، وبعدين السكريتيره هناك حتخدك "
" تمام، متشكره "
" اهلين"
تركتها وتقدمت خطوات. وقفت امام باب المصعد. وترددت . ماذا لو شاركها احدهم المصعد. رجل في مكان ضيق. بدأت أنفاسها تتقطع. لن تركب المصعد. الدرج هو الحل. من قال ان الطرق القديمة لم تعد نافعة. توجهت الى الدرج وبدأت رحلة الصعود. عليها ان تسرع قليلا فالدرج يكاد يكون منعزلا و لايُستعمل دائما. ماذا لو قابلها أحد هنا؟
" رشا خلاص، مش كل حاجه ترعبك " توكلت على الله وبدأت رحلة الصعود الى الطابق الرابع.
حين وصلت نظرت الى ساعتها لتجدها التاسعة وعشر دقائق. عليها ان تحسب الدرج وتخرج مبكرا منن المنزل. تقدمت نحو السكريتيرة التي نظرت لها باستهزاء و تعالي . لن تهتم الان ، فهي في حالة فزع. ظنت انها رأت شخصا يلاحقها في الدرج. بينما لم يكن الا عامل النظافة.
تلعثمت وقالت بارتباك" صباح النور "
" صباح النور ، حضرتك ملخبطه في الدور، شؤون الموظفين في الدور الثاني "
" لا انا.. انا هنا من الجامعه. مجموعة المتربصين "
" حضرتك متأخره ، أصحابك دخلو من من بدري "
" اسفه ، مش بايدي "
" حكلم المدير ، "
" ليه ؟ " لما تخبر المدير بتأخرها.
" صحصحي كده ، اجتماعكم حيكون مع المدير . حكلمو اعلمو بحضورك" بينما تكلمت السكريتيرة في الهاتف. تسارعت دقات قلب رشا.
" تمام كده، فيكي تدخلي "
ترددت كثيرا. وحاولت ان تتنفس . ولكن فزعها وخوفها لا يتركانها. طرقت الباب بوجوم . لأنها ارادت ان تعود ادراجها .
اتاها صوته يسمح لها بالدخول . ففتحت الباب وتحركت بصعوبة بالغة. رأسها مطأطأ ، ووجهها قد سُحب منه لونه. دون ان ترفعه، خرجت كلماتها خائفة مرتعشة مثلها
" اسفه على التأخير "
" وده اللي كنت بتكلّم عنو. نحنا شركه محترمه والموظفين اللي فيها دقيقين فمعاملتهم. التأخير مش مسموح تحت أي ظرف "
وكأنه لم يُهنها بما يكفي، نبرة صوته الباردة زادت الطين بلّة.
وبصوت مختنق " اسفه حضرتك، مش حتتكرر تاني"
" خلاص، اتفضلي عشان نبدى اجتماعنا "
تقدمت بخطوات ثقيلة. هنا فقط رفعت رأسها. لتنظر مباشرة اليه، اما هو فكان ينظر الى الحاسوب أمامه. غير مهتم بوجودها. قبالته على اليمين يجلس آدم زميلها في كامل اناقته، ابتسم لها بشوق بالغ. وعلى اليسار جلست زميلاها الأخرى. لا تعرفها . اما الفتاة فقد رمقتها بازدراء ملحوظ وعادت تنظر الى نبيل، عفوا، الى مديرها. عليها ان تتعود على الاشارة اليه حتى في نفسها كمديرها والا ستناديه باسمه كعادتها. اين تجلس؟ ليس بجانب ادم مؤكد . تقدمت بجانب الفتاة وجلست بجانبها وهي ترتعش.
بصوت عادي " عرفينا بنفسك يا انسه "
" رشا.. رشا حسين" سخرية القدر ، اليس اسمه يرافق اسمها.
" اتشرفنا ، نحنا كنا بنتعرف قبل ما حضرتك تشرفينا. "
" اسفه حضرتك مش حتتكرر "
" من مصلحتك ماتتكررش" أعادت النظر الى أصابعها التي تفركهم بتوتر بالغ. وحسدت الفتاة بجانبها على برودها. وعلى ثقتها. فكيف تنظر لنبيل بهذه الطريقة. لا يهمها. ستركّز على عملها. أخرجها من شرودها صوته
" شركتنا بتتشرف انها تمنحكم الفرصه دي. ومتوقعين منكم تشتغلو بأمانه و جديّة
تكلمت الفتاة " طبعا ياافندم، نحنا كمان ممتنين جدا للفرصه دي. "
" المهم، انا حبيت أرحب بيكم بنفسي، واعرفكم ان حيكون بينا عقد، يعني خلال تواجدكو بينا مافيش حاجه خاصه بالشركه تطلع برّا"
" تمام ياافندم " صوت آدم مختلف هذه المرّه تكسوه الجديّة التامة. في المرة الاخيرة عندما حدثها كان صوته مكسوا بطبقة من الحنان .
" تعاملكم حيكون مع رئيس قسم الشؤون القانونية المحامي ايهاب مراد. اللي حيلتحق بينا كمان شوية. حتشتغلو فقاعه واحده و كل حد ليه مكتبو . اي حاجه حتشتغلوها هتكون تحت المراقبه وعلى اساس مرددكو حنقرر مين حينظم لشركتنا. "
تهللت اسارير ادم والفتاة اما رشا فكانت تحلل كلام مديرها ستقضي معضم وقتها مع ادم تحت اشراف السيد ايهاب مراد . هل للأمور أن تسوء أكثر؟ لكنها طمنت نفسها. فآدم يفهمها و تصرفاته تدلّ انه لن يضايقها. ورئيسها المباشر ، حسنا من المؤكد انه رجل عجوز والا لما تقلّد منصبا مهما اذا لا داعي للخوف. لاكنه يبقى في نهاية الأمر رجلا وسيؤذيها. بدأت دقات قلبها تتسارع. وأنفاسها تتقطع . ليس مجددا ، ليس مجددا
" يا رب ، انا كويسه ، مافيش حاجه، انا بأمان، " رفعت نظرها لتنظر اليه. مصدر أمانها. وجدته ينظر لها بصورة عادية ويمسك القلم بين يديه بقوة . ركّزت على تنفّسه. كان يأخذ نفسا منتظما مرتاحا. فقلّدته. تذكرت كلامه " انا هنا ، ماتخفيش " بدأت تتنفس بروية. . . قبل ان ينظر هو للفتاة بجانبها ويبتسم قائلا " انسه سالي مش كده! "
" ايوا ياافندم "
" انت الأولى على الدفعة، وتقريرك مبهر جدًا "
فرحت سالي و أجابته بصوت أنثوي " متشكره ياافندم "
" يسعدنا نتعامل معاكي "
" وانا كمان ، ده شرف ليا نبيل بيه". شيء خاطئ في طريقة نطقها لاسمه. أو هكذا أحست رشا ، ولكن يبقى السؤال : ومادخلها ؟ . الجواب " وانت مهتمه ليه؟ خليك فالمصيبه السوده اللي انتي فيها.
" أستاذ آدم، انت كمان حتكون اضافه كويسه لشركتنا و سمعت حجات كويسه من الدكاتره بتوعك . "
" متشكر جدا يافندم ، حكون عند حسن ظن حضرتك"
حان دورها ، " انسه رشا ، الدكاتره بتوعك فخورين بقدرتك على التعامل مع القضايا بطريقه مبتكره، وبعيد عن التمشي التقليدي المعروف. أظن ده حيكون عنصر مهم فأدائك"
هل هذا نبيل الذي يشكرها ؟ هل كان فعلا يشيد بقدرتها ؟
" مرسي نبيل.. " لعنت نفسها " بيه ، متشكره لحضرتك" عليها ان تسكت و قد ودّت لو تأخذ كعبها العالي لتضرب نفسها به.
-------------------------------------------
حين أخبرته السكريتيرة بحضور المتدربين ، حضّر نفسه للقائها. لكن ما لم يتحضر له هو ان يرى هذه الفتاة امامه. بفستان اسود فوق الركبة بقليل وشعر مائل للصفرة و عينان خضروان. لا ينكر جمالها واناقتها. لكن ما صدمه انه يعرفها. تردد لحظة قبل ان يتذكر اين رآها . طبعا ، منذ ساعات في فراشه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!