حبتين من المنوّم و لاشيء . فقط هذه المشاهد المتلاحقه تؤلمها. تؤلمها كثيرا. لم تتركها الذكرى ولم ترحمها كلماته. كانت دموعها تنزل بغزارة رغم نومها. حتى وهي في كوابيسها تبكي حقيقة. تتألم بحق. لما سمحت له بأذيتها ؟ اتهامه لها بعلاقة مع آدم جعلها تتصبب عرقا .
-------------------------------------------
كان متوجها لغرفته حائرا. أيكلّمها الآن أم غدا. لكن عليه أن يوضّح الأمر. ولماذا يبرر لها تصرفه؟ لقد نبهها قبلا أن لا تهتم . نبهها أن تفهم آي شيء بينهما بصفة خاطئة، يساعدها لأن عليه أن يُساعِدَها ، لا أكثر أو أقل . توقف عند باب حجرتها مترددا . أيطرقه؟ أم يترك الأمر للغد. حسنا، غدا سيحدثها قبل ان تذهب الى العمل. عليه أن يتأكد أن معرفتها لن تعطّل مشاغله. فأهم شيء هو العمل. أو هكذا أقنع نفسه.
تقدّم بضع خطوات ليسمع صراخها
" حرام عليك، أنا مش كده. " ثم تصمت لتتابع ببكاء مرير . " انتو بتتهموني ليه؟ أنا بنت كويسه ". وتزيد حدة صراخها وبكائها " ده ماكنشي ذنبي ، انا بنت محترمه "
لا داعي للشك، توقّع أن تعاودها الكوابيس .أراد أن يدخل لمواساتها. أراد أخذها بين ذراعيه يطمئنها ويطمئن نفسه. لكنه تذكر نفسه " انت بتقربها ليك"
حسم أمره ، ستهدؤ بعد قليل لن يتدخّل . ولماذا يشغل باله بها؟ اكمل طريقه. وقبل أن يفتح باب غرفته سمع صوت تحطم الزجاج.
لم يتردد ولم يتذكر كلامه بل ألقى حقيبته وانطلق فاتحا باب غرفتها بسرعة
" رشا"
كانت جالسة في فراشها تمسك يدها التي استقرّت فيها قطعة من الزجاج. ودموعها تتسابق في النزول.
لم ترفع رأسها رغم علمها بوجوده . لن تراه، يكفيها وجهه الذي كان يتهمها بعلاقة بآدم. كابوس استمر طويلا لم يتوقف الا حين تحركت في نومها لتسقط يدها على كأس الماء الموضوع بجانب سريرها. أيقظها الألم من ألم أشدّ حدّةٍ.
تقدّم بضع خطوات ليقف أمامها. " رشا انت كويسه؟"
تمالكت أعصابها وحاولت منع دموعها . ولكنها فشلت . تمتمت " مافيش حاجه"
" ايدك بتنزف " قالها وقد جلس على ركبتيه امامها . مدّ يده ليرى جرحها وماان لامست يدها حتى انتفضت رشا مبتعدة، ونهضت صارخة
" ماتلمسنيش"
وقف هو كعادته ببروده المعتاد "كنت بشوف الجرح اللي في ايدك"
" خلاص ، جرح بسيط. ماتشغلشي نفسك"
" مش باين ، ده بينزف "
" وبينزف ، مش هو بس اللي بينزف" فقلبها أيضا ينزف. لم يكن عليها أن تتكلم هكذا. صمتت .
" مين اللي كان بيتهمك " سألها بصوت رتيب .
بدأ الغضب يتملّكها، ألا يعرف من اتهمها
" ماعملتش حاجه عشان حد يتهمني "
" ايوا انت بنت كويسه ومحترمه ، سمعت ده "
انفجرت غاضبة ، " جيت هنا ليه ها؟ عشان تشمت وتتمسخر على البنت الضعيفة الخايفه ؟ لا يافندم ، وقت العرض خلّص" بدات ترتجف ، ليس بيدها حيلة.
" سمعت صوت التكسير "
" مافيش حاجه اتفضل"
" جرى ايه ؟؟" وتقدم ليقترب منها أكثر ، تراجعت بضع خطوات لتجد الباب وراءها.
" مافيش حاجه ، ماتقربش "
" وماقربشي ليه؟ انت شايفه حالتك؟"
" عارفاها كويس ، بنت خايفه ومرعوبه و مش يايدها تكون طبيعية"
"سيبيني اساعدك"
" مش عايزه، ابعد عني "
لم يكترث لها، بل احساسه يوجهه. يسيطر عليه شيء لطالما حاول الابتعاد عنه. اقترب أكثر ووضع يده على وجنتها، ابعدت وجهها ، وقالت بصوت باكي
" ماتلمسنيش"
" ليه؟ "
دفعته بيدها، " ماتلمسنيش ، ابعد عني "
يدها التي تدفعه ، استقرت في يده، وجذبها الى صدره. تحركت مطالبة بتحريرها. لكنه شدّ عليها أكثر . يطمئنها ويطمئن نفسه.
" شششش رشا "
" خلاص جاي ليه؟"
"عايز اطمن عليكي"
"مش عايزه ابعد عني ". اختلطت دموعها بدقات قلبها المجنونه
" ششش، خلاص انا هنا دلوقت "
" مش عايزه. سيبني وارجعلها"
وابعدته بقوة وتجاوزته وقد غلبتها دموعها. لم يكن عليها ان تتكلم هكذا
" ارجع لمين "
" للي شفتها بحضنك الصبح ، للي كنت بتب.. " واختنق صوتها.
إذا هذا سبب غضبها وثورتها " للي كنت ببوسها . لا مش حروحلها النهارده" هكذا ببساطة يتكلّم.
ألم يعتصر قلبها ، وجرح أقوى من أن تحتمله . ٱهكذا يردّ عليها؟ ألا يحاول تبرير موقفه، أي شيء فليختلق كذبة . أي كذبة يداوي بها كرامتها. لكنه هكذا ، يجرح ولا يداوي، بدأت ترتجف ودموعها تنزل حارقة تترك أثرا ملتهبا ورائها.
رأى نظرتها. نظرة الإنكسار والوجع في عينيها. هذه النظرة التي سببت له ألما في رأسه مجددا. " اطلع برا، " لقد اكتفت من بروده وعدم اكتراثه. ألم رهيب يسيطر عليها.
انطلق تجاهها بسرعة البرق ، وشدّ ذراعيها بيديه وقال وهو ينظر في عينيها
" مش مفروض تهتمي ،" ثم عاد الى نبرة البرود القاتل " قلتلك ماتفهميش اللي بنا غلط."
نظرت له مطولا ، تساقطت دموعها وهو ينظر لها ، لا يعكس داخله شيء. أَلَمْ يحن الوقت لتفهم رشا أنه لا يهتم بها. هاهو يخبرها بذلك بنفسه للمرة الثالثه. هي فقط تهوى تعذيب ذاتها.
رفعت يدها بضعف و مسحت دموع عينيها بكفها و نظرت له بانكسار " آسفه مش حتتكرر "
تعتذر لأنها اهتمت به ، تعتذر لان كلماته تهينها تعتذر لانها ظنّت شيئا ، وبعض الظن اثم.
تركها ودفعها بقوّة لتصطدم بالحائط ورائها. ولكن الألم الجسدي كان لا شيئا مقابل ألم قلبها. ومال القلب المجنون ؟ لما يتعلق بالمستحيل ؟ لما يهوى جلد ذاته؟ طأطأت رأسها تبكي وتلعن حظها. لما يتألم من كلام نبيل. ولما يقتلها منظر تقبيله لفتاة أخرى .
أما هو فوقف موليا ظهره يتنفس بسرعة ، وكأنه يتصارع مع الموت ، يأخذ أنفاسا أخيرة ،
" اللي بتعمليه ده بيأذيكي ، قلتلك من زمان . انا ماعرفش اهتم.افهميها بقى مابهتمش. "
"لا يا نبيل انت تعرف تهتم،تعرف تهتم بس مش بيا " قالتها بصوت عال ليسمعها، والأهم لتسمعها هي. عليها أن تسمعها كي تصدّقها أخيرا. عليها أن تسمعها كي تعمل بها.
الدرس الثاني : لايجب ان تهتم بنبيل بتاتا ، فنبيل لا يعرف كيف يهتم ولكنه لا يعرف معنى الاهتمام بها هي ، ولا يعرف كيف يحمي مشاعرها هي. بل يتفنن في اهانتها وجرحها. لكن سالي . سالي يدرك كيف يهتم بها ، سالي يقبلها بشغف..
تعلّمت درسها بالطريقة الصعبة، لا تعلّمته بالطريقة المؤلمة. تعلّمته بالطريقة القاتلة.
لم يلتفت لها ، فلتظن كما تريد. فلتظن انه يهتم بالجميع الا هي، هكذا سيحميها من نفسه. نفسه التي لا تفهم نفسها أمامها.
خرج من الغرفة تاركا اياها جالسة على الأرض تبكي. أرادت أن تعيش ، ولكن اختارت الشخص الخطأ كي يساعدها. مهما أصرّ أنه يريد مساعدتها. نبيل لا يهتم الا بنفسه وحبيبته. حبيبته التي تعمل معها .
" أوعي، أوعي تفكري فيه بالشكل ده. خلاص يا عبيطه . "
ثم تحاملت على نفسها لتقف . وقفت وتقدمت لترى انعكاس صورتها. فتاة بأعين مرهقة من الدموع والخوف والوجع. وجنتين قد خطت عليهما سيول من الدموع. حملقت بنفسها قليلا
" طبعا مش حيهتم بيكي، انت مكسوره و على طول خايفه و متخبيه ورا أي حاجه. ولانك كده ، مافيكيش حاجه حلوه ، ضعيفه و مرعوبه . حيهتم بيكي ليه؟ ". قارنت نفسها بسالي. قارنت نفسها حتى أحست برغبة عارمة في البكاء . بكاء على حالها. لما هي هكذا ؟ لما تعيش هذا الخوف ، لما تعيش كابوسا كل ليلة. أرادت لو لمرّة أن تستبدل الأماكن مع سالي. ودّت لو تنسى أنها مكسورة ومشوهة من الداخل. ودت لو نبيل .." خلاص. اللي بتعمليه ده مايصحش، واللي بتفكري فيه مستحيل. يوم ما يختار حيختارها هي. بلاش تخلي نفسك فمواقف انت مش قدها. "
طأطأت رأسها وانطلقت الى الحمام. الحلّ لكل هذا : الله. الله سيسمعها وسيخفف عنها . أخذت حمامها توضأت ثم صلّت. لم تدري كم سجدة ولكنها بثّت ما في مكنونها الى خالقها.
وبعد صلاة مطولة ، اتّجهت الى فراشها. فقط حينها تذكرت أن يدها تحتاج الى عناية . طببتها و أغلقت عينيها . بعد صلاتها أحست براحة . وقبل أن تنام . دعت الله أن يريح قلبها.
-------------------------------------------
صباحا، أفاقت بوجع في رأسها. لكنها قد عايشت الوجع وأصبح رفيق دربها. حضّرت نفسها . ثم نزلت.
كان هناك كعادته. يتناول فطوره بوجومه المعتاد. لن تلقي التحية ولن تكلّمه. جلست وأخذت تأكل فطورها. لن تفكّر في ماقاله. عليها أن تعتمد على نفسها.
" بخصوص اللي صار امبارح"
لم ترفع رأسها وأجابته " مش عايزه اتكلّم في الموضوع"
" وانا حتكلم فيه وحتسمعيني"
" دي مش الشركه، ماتقدرشي تؤمرني بحاجه"
" اقدر . انت ناسيه أنا مين ؟"
وكيف لها أن تنسى . أيطالبها بالاستماع اليه لأنه زوجها. لما لم يطالب نفسه بعدم خيانتها لأنها زوجته؟
" مش ناسيه،" قالتها بوجع العالم.
" مش عايزك تتعرضي لسالي أو تكلميها بخصوص اللي شفتيه"
لا لا. أكيد نبيل يمزح. أيحاول أن يحمي سالي ؟ هذا مايفعله. يهينها هي ليحمي سالي. ! .
لن يهينها أكثر ، رفعت رأسها ونظرت له . تصنعت القوة. " اطمن حضرتك، الشركه شركتك وانت المدير ، تعمل اللي انت عايزو" نظرت وراءه الى الفراغ " وانا المفروض ماهتمش" . ثم حملت نفسها وغادرت. عليها أن توقظ نفسها من حلم ظنت فيه أن نبيل وحش يعود من أجلها انسانا يحميها ويطمئنها.
توجهت الى عملها. ستحاول أن تبدو طبيعية أمام سالي، سالي التي ظفرت باهتمام و حماية نبيل.
أما هو ، فقد أكمل شرب قهوته كأن شيئا لم يكن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!