اكتفيتُ منكَ عشقًا
الفصل السابع عشر:
"تـــــــوعــــــــد"
هوى قلبها بين قدميها وهى تعود خطوة للخلف محاولة الابتعاد عنه قدر المستطاع، وما كادت تسعد بنجاحها وابتعادها عنه حتى وجدته يقترب ملتصقًا بها مرة أخرى ينظر لها نظرة عميقة حملت بين طياتها الكثير من الحديث المبهم بالنسبة لها.
فلماذا لا تشعر بما يشعر به!!!
أكُتب العذاب عليه هو فقط!
فمن المفترض أنه عاشقًا لزوجته، إذن ما ماهية مشاعره تلك، لما يرغب بها إلى ذلك الحد، لما قلبه يحترق وكذلك جسده الرجولي....
يشتاق لرؤيتها ومشاجرتها و رؤية غضبها بعينيها الجميلة.
دفعته بقوة مبعدة إياه عنها، محاولة السيطرة على تلك الرجفة المسيطرة على جسدها خوفًا من اقترابه لها.
فأحتمالية قرب من سلبها أنوثتها عنوة منها، تجعلها تجن، وتجعل الدماء تفور لرأسها.
رمقته بكره واضح تزامنًا مع خروج صوتها المهزوز ارتعابًا:
-أنت بتقول إيه، وقفلت الباب لية!!!
أظاهر أنك فعلًا اتجننت والحركة اللي عملتها دي مش هتعدي بالساهل وهتدفع تمنها غالي أووو
كادت تكمل لولا اقترابه المفاجئ منها محاصرًا إياها بين الباب وجسده.
ازدادت نظرة الهلع بعيناها مراقبة وقوفه أمامها واقترابهم لذلك الحد المهُلك بالنسبة له..
بالنسبة لرجل يقف أمام إِمرأة لم يفارقه طيفها منذ ساعات طويلة حتى بأحلامه بات يراها..
أما بالنسبة لها فكانت تشعر بأنها تقف على حافة الهاوية وعلى وشك السقوط...
تأمل خوفها، ارتعابها، ورجفتها أمامه، لما يشعر أنها تهابه لسبب ما....
سبب يجهله، لكنه سيعلمه لا محال.
استجمعت شتاتها دافعة إياه بذراعيها المرتجفة، ثم فتحت باب المكتب مندفعة للخارج كأنها في سباق مع الرياح، حابسة عبراتها بعيناها بعدما هاجمتها ذكرى اليوم الذي فقدت به عذريتها على يد أحدهم ومن المحتمل أن يكون هو الفاعل.....
نزعت ملابس العمل عن جسدها منتشلة حقيبتها مغادرة المحل تحت أنظاره...
ركل باب المكتب بقدميه مغلقًا إياه حانقًا من نفسه ومن ضعفه أمامها غير مباليًا بنظرات العمال...
ثم سرعان ما تحرك صوب مكتبه مرة أخرى وقام بمهاتفة الطبيب الذي سيخبره بنتيجة التحليل راغبًا بأستعجاله، كي يتخلص منها في أسرع وقت فوجودها بات خطر مريبًا.....
**********
دق إياس على باب المنزل، فأستقبلته نادية بوجه واجم، فخرج صوته محرجًا:
-ممكن اتكلم مع حضرتك.
-أكيد يا بني والله لولا جدك والكلام اللي بينا كان زماني قفلت دماغي بالضبة والمفتاح، وقولتلك مفيش كلام بينا بعد ما بنتي اتهانت.
ردت نادية بتلك الكلمات وهى تشير له حتى يلج المنزل، استجاب لدعوتها ودخل مغلقًا الباب من خلفه بهدوء.
تقدمت أمامه صوب الصالون جالسة على الأريكة فجلس أمامها كالطفل محاولًا تبرير فعله والدته.
-عارف أنه من حق حضرتك تزعلي بس كمان متعاقبنيش على حاجة مليش ذنب فيها، أنا مش مسئول عن كلامها، ومقدرش أني اطاول عليها، بس أقدر اوقفها وأخليها تحترم تقى، صدقيني احترامها من احترامي، وأنا عارف قيمتها كويس أوووي واستحاله أسمح لحد يقلل منها أي كان مين، بس أرجوكي متحرمناش من بعض أنا مقدرش أعيش من غيرها.
نال حديثه إعجابها كثيرًا كما تغلغلها راحة كبيرة فزوج ابنتها المستقبلي يعشقها لأقصى درجة وعشقه يليح بعينه ويفضحه.
لانت ملامحها مبتسمة له مربتة على يديه معقبة على حديثه الصادق النابع من قلبه:
-وأنا مستحيل أقول لا لواحد شاري بنتي وعينه فضحاه، أسمع يا إياس أنا معنديش غير تقى دي اللي طلعت بيها من الدنيا فعلًا، هى اللي هونت عليا كل اللي شوفته، عوضتني غياب أبوها اللي مات وهى لسة عيلة صغيرة متعرفش حاجة في الدنيا.
صمتت قليلًا يتابع حديثها بتأثر، فأسترسلت مكملة:
-عايزاك توعدني أنك تسعدها ومتسبهاش لو حصل إيه، ومتسمحش لحد يزعلها.
وضع يديه على يداها الموضوعة على يديه الآخرى متحدث بصدق قاطعًا وعدًا سيكون عليه ألا يخالفه أو ينكسه:
-أوعدك أني هفضل أحبها، ومسبهاش لو حصل إيه، أوعدك أني مش هسمح لحد يضايقها وهبقى دايمًا في ظهرها.
تبسمت نادية رافعة يديه محتضنة وجهه بين كفها، فبادلها بسمتها قائلًا بمرح وعينيه تبحث عنها:
-طب إيه تقى مش هتنقي الشبكة بقى ولا إيه، والله هخلل منكم.
قهقهت نادية قائلة بأستنكار:
-يا واد هننزل تاني، خليها بكرة.
-بكرة إيه يا حماتي أنا جايب معايا واحد من المحل معاه التشكيلة، أنتِ لسة هتقوليلي بكرة.
***********
خرج من غرفة مكتبه لا يطيق البقاء بها، ولا يستطع إخراجها من رأسه، أستقل سيارته واندفع بها عالمًا واجهته وملجأه علة يزيح ما يجثو على صدره ويخنقه حد الموت....
وصل أسفل البناية وترجل من سيارته صافقًا الباب من خلفه، والجًا البناية صاعدًا بالمصعد ضاغطًا على زر الطابق المنشود.
توقف المصعد وخرج منه، متقدمًا من عيادة ابن عمه.
دخل العيادة المزدحمة قليلًا، فنهضت مساعدة أيهم مرحبة به:
-أهلًا أهلًا سليم بيه، بقالك كتير مجيتش العيادة.
أماء لها متحدث بجمود وعينيه تجوب على المرضى، مما جعلها تتساءل عما به:
-أيهم فاضلة كتير.
أماءت له بأسف مشيرة تجاه المرضى:
-زي ما حضرتك شايف، ممكن ت
كادت تنهي حديثها حتى وجدته يتحرك من مكانه مقتحمًا غرفة أيهم الذي كان يودع مريضه مخبرًا إياه بميعاد مجيئه القادم:
-إن شاء الله تجيني الاسبوع الجاي زي انهاردة عشان نكمل.
اماء له المريض شاكرًا إياه وهو يطالع سليم المقتحم للغرفة.
خرج المريض، فعقد أيهم ما بين حاجبيه بدهشة متعجبًا أمر صديقه الذي أغلق الباب على الفور مانعًا دخول أحد ملتفتًا إليه وعيناه تعكس حالته وما يشعر به من سوء.
-في إيه يا سليم، أنتَ كويس يا بني.
نفى سليم برأسه، مجيبًا بصدق وحيرة من نفسه كأنه لا يعلم ذاته:
-أنا مش كويس، في حاجات غريبة بتحصل معايا من امبارح، مش لاقيلها تفسير، مستغرب من نفسي، حاسس أني اتغيرت في يوم وليلة يا أيهم.
دنا منه أيهم مربتًا على كلتا ذراعيه، مشيرًا برأسه تجاه المقاعد:
-طيب أهدأ وتعال نقعد واحكيلي عشان اقدر افهم ونوصل لحل، بس بسرعة الله يخليك في عيانين برة.
جلس سليم قبالته متغاطيًا عن كلماته الأخيرة، ثم خرج صوته على الفور ملقى على مسامعه ما يحدث له معها:
-من امبارح وأنا مش مضبوط، الموضوع بدأ من لما كنا سهرانين مع مروان، مرة واحدة يا أيهم لقيتها بتتجسد قدامي، شايفها وسامع صوتها، بفتكر ملامحها وغضبها اللي علطول باين في عينيها، نظراتها ليا، فكرت يا ترى بتعمل إيه، يا ترى بتفكر فيا واقتحمت تفكيرها زي ما هى عملت، اتكلمت معاك حاولت اطردها واخرجها من دماغي بس مبتخرجش يا أيهم.
أنهى إلقاء كلماته، فأراح أيهم ظهره للخلف بأعين متسعة وحاجب مرفوع متاكدًا من هويتها لكنه أراد التأكد:
-هى مين يا سليم، أوعى تكون رو
قاطعه سليم مغمضًا عينيه بغل مؤكدًا ما يفكر به:
-هى يا أيهم، هى، وياريت الموضوع وقف لحد هنا..حتى لما روحت أول حاجة عملتها لما نزلت من العربية بصيت على شباك أوضتها كنت عايز اعرف صاحية ولا نايمة، شفت النور والع وعرفت أنها صاحية، ولما طلعنا وكل واحد راح على اوضته لقيت نفسي وقفت قدام باب اوضتها ونفس الأسئلة بتتردد في دماغي، وحتى لما نمت حلمت بيها يا أيهم، قتلتني في الحلم...مت على أيدها والغريب أني كنت مبسوط!!
عم صمت مريب بالغرفة، حرك خلالها أيهم رأسه في قلة حيلة وشعور بالخوف يتسلله لما قادم على رفيقه، ما لبث أن يتحدث حتى ابتلع حديثه مستمعًا لبقية حديث صديقه والذي كان يتحدث بألم لاح بعيناه وبأيماته:
-الصبح على الفطار فضلت افتكر الحلم واحاول افسره بس معرفتش، مش لاقيله تفسير ومش عارف لية حلمت بيها، ولما بسام اتكلم معاها كان هاين عليا أقوم اديله علقه ماخدهاش حمار في مطلع، وحتى لما روحنا المكتب فضلت اراقبها حابب اشوفها، حابب اتخانق معاها، اضايقت قفلت اللاب وحاولت اخرجها من دماغي بس مخرجتش، والموضوع وسع لما دخلت المكتب لقيت نفسي بقفل الباب علينا و
جحظت عين أيهم على آخرها مقاطعًا إياه مردفًا بحدة من أن يكون قد تهور معها وقام بفعل شيء أحمق:
-يخربيتك أوعى تكون اتهورت يا سليم وعملت حاجة كدة ولا كدة.
صرَّ سليم على أسنانه بغيظ قائلًا:
-لا متهورتش يا أيهم، بس ضعفت قدامها، ومتسالنيش أزاي، كل اللي اعرفه أني معرفتش اتحكم في نفسي.
-طب كمل حصل إيه!؟
صاح أيهم بفضول، فرد سليم وهو يدفن وجهه بين راحة يديه بيأس:
-محصلش حاجة خافت وزقتني وخرجت من المكتب، بس في حاجة غريبة فيها يا أيهم، بتخاف مني، كأنها تعرف حاجة عني مخوفاها، إيه هى معرفش!!
زفر أيهم بعدما قص سليم عليه ما حدث فصاح أيهم بصدق وخوفًا على صديقه:
-طيب اسمع مني بقى، قرب من مراتك وتفادى أي تعامل معاها يا سليم، روفان بقت خطر عليك وكل اللي أنت قولته ده ملهوش غير تفسير واحد بس أظن أنك عارفه.
رفع سليم عيناه يطالعه بنظرات متحدية، متحدث بعند وإنكار لمشاعره الجديدة كليًا
-لا مش عارفه ومش عايز اعرفه، أنا بحب أحلام وبس.
ابتسم أيهم بتهكم وتمتم بأسف:
-أتمنى تكون فعلًا بتحب أحلام.
***********
«في سيارة أفنان»
إِنحدر الدمع من عيناها دون إِباء، باغضة رهبتها و ضعفها أمامه اليوم....
أين تلك الفتاة القوية التي وعدت ألا يعدلها شيء عن انتقامها...
ترى هل تبخرت وذهبت بعيدًا؟!
ماذا تفعل وكيف وصلت لتلك الحالة!
ضعفها ذلك يؤرقها وكثيرًا..
كانت تظن نفسها شامخة لن تخشى شيء خاصة أمامه...لكن حدث ما لم تتوقع...
هابت منه وارتجف بدنها وكيانها بأكمله، بل كادت تختنق من اقترابه المميت منها..
سمحت له بلمسها...
لمس يديها التي تقيد نارًا ملتهبًا حتى الآن، فلو كان الأمر بيدها لبترت موضع ملمسه.
خرجت صرخة مكتومة من بين شفتاها ضاربة مقود السيارة بقبضتها الصغيرة متوعدة له، فمن تلك اللحظة ستجعله يرى ما لم يحب، وتلك اليد التي لمسها ستحرقه وسيطلب منها العفو الذي لن يناله مطلقًا...
*********
-مش فاهمة!
سكرتيرة إيه، أنا سايبة الشغل ده من زمان يا مروان، ومعنديش نية ارجعله.
قالتها بترقب، فأجابها مخرجًا علبة سجائره منتشلًا أحدهم متمتم بأسلوبه الماكر:
-هترجعيله يا شيري، أنتِ أنسب واحدة للشغلانه، وأنا مش هلاقي واحدة اثق فيها زيك.
عقدت ذراعيها أمام صدرها مغمغمة:
-أنت ناوي على إيه بالضبط يا مروان.
نفث دخان سيجارته باستمتاع متمتم بسعادة:
-هتوقعي خطيب علياء.
*********
ترجلت أفنان من سيارتها والجة المنزل باحثة عنه فقابلها الخادم مخبرًا إياها تواجده بالحديقه الخلفية للمنزل، خرجت من الباب الخلفي المطل على الحديقة، فوجدت والدها يسقي الزرع والورود البيضاء الذي قام بزرعها بنفسه، اقتربت منه محتضنه إياه بقوة من الخلف مرددة بأشتياق:
-وحشتني أوووي يا بابا.
التفت يطالعها بلهفة ما أن وصله صوتها الدافئ، ابتعدت عنه سامحة له بأن يراها، ويملي عينه منها، فسرعان ما قام باحتضانها بحب مقبلًا أعلى جبهتها مغمغم بعتاب:
-وأنتِ كمان وحشتيني يا أفنان، وكل يوم أسال عاصم عنك.
ازدردت مرارتها مغمغمة باعتذار:
-عارفة أني مقصرة معاك، بس خلاص هانت وهنرجع نعيش مع بعض واحسن من الأول كمان.
مسد على وجهها بعذوبة مردفًا:
-أحنا كنا كويسين يا أفنان، أنا ميهمنيش غيرك أنتِ وعاصم، مدام أنتم حواليا وبخير أبقى أنا كمان بخير، أنتِ بتوحشيني يا بنتي، كل يوم اقول هتعدي عليك اصبر، طب هتتصل بس مبتتصليش ومبتجيش.
-عارفة يا بابا، بس أنا لو سمعت صوتك هضعف وأنا مش عايزة اضعف، أنا مش بحب الضعف، بس أنهاردة مفيش غيرك جه في بالي وحبيت اقضي اليوم معاك، ياترى تسمحلى بكدة.
ابتسم بخفة محتضنًا وجهها بيديه:
-أنتِ بتسألي يا أفنان، أنتِ مسموحلك بأي حاجة يا بنتي، ده عاصم في كفة وأنتِ في كفة تانية لوحدك.
**********
«في المساء»
كانت تذرع الحجرة ذهابًا وإيابًا، هاتفها بين يديها تطالعه من حين لآخر، تفكر به وبمحادثته.
ولما لا ما الذي ستخسره إذا حادثته!
إذن فلتخطو تلك الخطوة وتبدأ بالحديث معه، فهو شخص جديد تقابلة للمرة الأولي وتشعر برغبة عارمة حتى تتعرف عليه أكثر فـ أكثر.
رفعت هاتفها وكادت أن تحدثه لولا استماعها لتلك الدقات على الباب، انكمش وجهها غضبًا وهرولت تجاه مكتبها الصغير القابع بالغرفة جالسة أمامه حتى توهم الوالج بأنشغالها بالاستذكار واضعه الهاتف أمامها وبجوار كُتبها:
-اتفضل.
ولج الغرفة وعيناه تبحث عنها، التقطتها عيناه واقترب منها ببسمته المرحه متمتم:
-أنا أكيد دخلت اوضة غلط، فين يا مهرة يا بت.
كبحت بسمتها مدركة سخريته منها لظنه بأنها تستذكر:
-دمك ثقيل وأوووي كمان.
رفع يديه مبعثرًا خصلاتها مستفزًا إياها قائلًا:
-يا مصيبتي وأووي كمان، طب يلا بقى عشان ابقى تقيل بحق.
صاحت عليه وهى تبعد يديه مرددة:
-أووووف امتى تجوز واخلص منك، يارب ارحمني منه بقى وخده.
-يخربيت أمك بتدعي عليا وأنا لسة مدخلتش دنيا، والله خسارة فيكي الهدية اللي جبتهالك.
أجابها بجدية وصدمة زائفة، فردت بسعادة:
-هدية.
-آه وخسارة فيكي ومفيش عن إذنك ها.
كاد أن يغادر فلحقته مرددة بأسلوب مرح:
-استني يا ولا هات الهدية وبعدين انكشح.
التفت يطالعها مرددًا كلماتها بدهشة:
-انكشح!!!
-اه انكشح وبعدين الهدية بمناسبة إيه؟
قالتها مستفسرة، فرد بصدق وجدية جديدة عليها مخرجًا علبة صغيرة:
-بمناسبة أنك جدعة و وقفتي جمبي، وبسببك لقيت البني آدمة اللي بدور عليها، الهدية دي اقل حاجة اقدر اقدمهالك، بس ليكي عندي أنك تلقيني جمبك في أي وقت و زي ما وقفتي جمبي هقف جمبك طول العمر يا مهرة.
انهى حديثة فاتحًا راحة يديها المغلقة واضعًا الهدية مغادرًا الحجرة.
أما هى فسعدت كثيرًا من كلماته، فمن لا يرغب بشخص يقف بجواره طوال العُمر.
فتحت هديته البسيطة والتي عبارة عن خاتم من الذهب الأبيض نال اعجابها كثيرًا.
ارتدته بأصبعها بسعادة لم تدم، حيث قطع تلك الفرحة رنين هاتفها الذي ارتفع بالغرفة برقم غريب غير مدون.
-ألو.
-طب اقسم بالله أحلى ألو سمعتها في حياتي.
صدح صوته متمتم بكذب محاولًا سرقة لُبها بغزله الصريح، توردت وجنتيها وظلت ثوان تفكر اتجيب على حديثه أم تغلق معه.
وبالنهاية قررت مجاراته بالحديث والتعرف عليه، غير مدركة بأن مجيء إياس الغرفة كانت إشارة من -الله عز وجل- حتى لا تحادثه.
*********
ولج محمود ذلك الملهى، وعيناه تبحث عن ضالته الذي وجدها قابعة في ذات المكان أمام البار بحال لم يكن أفضل من الأمس.
ساقته قدماه تجاهها حتى بات جوارها، جالسًا دون استئذان.
رمقته بعيناها الزائغة التائهة لا تعلم هويته، وسبب جلوسه جوارها!
ترنحت بجلستها أثر الكحول الذي تشربه والذي يفوح رائحته منها.
خرج صوتها مهزوزًا متقطعًا بعدما ارتشفت ما بقى بالكأس المتواجد بيدها:
-إنت م ين مين ه هو أنا أع أعرفك.
نفى برأسه مجيبًا إياها بصراحة وعينيه تجوب على كل إنش بها بدءًا من خصلاتها الململة بعشوائية ورغم ذلك تعطيها مظهرًا خلابًا بعثرت به مشاعره، كذلك وجهها الخالي من الزينه وبشرتها السمراء اللامعة.
-لا متعرفنيش بس.
كاد يكمل جملته فقاطعته صارخة عليه من وسط ضحكاتها العالية:
-عرفتك.....أنت فاكرني واحدة شمال وجاي عايز تتعرف وبعدين تقولي يلا نطلع على الشقه وتتغرغر بيا مش كدة، بس ده بعينك، أنا مش النوعية دي، ولو عايز واحدة كدة، المكان مليان تقدر تختار، يلا يلا قوم من هنا عايزة اقعد لوحدى.
تبسم وجهه على حديثها، ونفى برأسه:
-لا فهمتيني غلط، أنا مش عايز اغرغر بيكي ولا حاجة، أنا شوفتك امبارح ومش هكدب لفتي نظري، شكلك مش شكل المكان، أنتِ هنا لية، بتحاولي تنسي إيه.
ارتخت ملامحها وسرعان ما تجمعت الدموع بعيناها ناهضة من مكانها بترنح، فحاول مساعدتها لكنها ابت متعلقه برقبته هامسة جوار أذنيه:
-بحاول انسى اللي مش بيتنسي.
انهت كلماتها مبتعدة عنه وضحكاتها المتألمة تخرج من بين فوها.
لم يعجبه حالتها وشعر بوجع يتغلغله، فنهض من مكانه بعنفوان واخرج بعض النقود واضعًا إياها أمامها على البار جاذبًا إياها معه غير مباليًا بتذمرها وصياحها عليه، بل وقبضتها الصغيرة الضاربة إياه موضع قلبه.
*********
عاد للمنزل بعد محاولات عدة لإبعادها عن ذهنه، متذكرًا كيف شعر براحة عندما لم يجدها قد عادت المحل.
تنهد متحركًا صوب الدرج فأوقفه صوت خديجة من خلفه:
-رجعت يا سليم.
استدار يحدق بها مبتسمًا لها بحب:
-أيوة، عايزة حاجة منى.
دنت منه مغمغمة بنفي:
-لا يا حبيبي، بس كنت هسألك على روفان، هى مجتش معاك.
أغمض عيناه عند استماعه اسمها لاعنًا إياها، فكلما حاول الإنشغال بشيء آخر سواها، تلاحقه، كأنها لعنة وحلت عليه.
كاد يجيب خديجة وينفي مجيئها معه، بل و يخبرها بأنها حتى الآن لا تقبل استقلال سيارته، فمنعه صوت الباب الذي فُتح وظهورها من خلفه مجيبة خديجة ببسمة وثقة لا تمت بصلة لتلك الفتاة التي كانت بين يداه اليوم.
-أنا جيت، وسمعت اسمي كمان.
ابتعدت خديجة عنه مقتربة من ابنتها مقبلة كلتا وجنتيها، فأستغل ما يحدث مختطفًا نظرة سريعة لها، ثم غادر صاعدًا غرفته هاربًا من سحرها.
أما هى وعقب رحيله، استئذنت خديجة حتى تصعد وتبدل ملابسها.
صعدت هى الآخرى وفتحت باب غرفتها بالمفتاح القابع بحقيبتها، ولجت الحجرة واغلقت الباب واضاءت الأنوار وما كادت تتحرك حتى اغمضت عينيها ساببة بفظاظة فها هو يُعيد وضع الرسائل لها.
انحنت والتقطت الورقة بنفاذ صبر وفتحتها وبدأت قرأتها بخفوت:
«سليم دخل اوضتك ليلة الحفلة وقريب أوووي هيكشفك، وعشان صعبتي عليا يا حرام وهتخرجي من هنا قفاكي يقمر عيش، فأنا هسهلك الموضوع وبخرجلك سليم من دايرة الشك، ودلوقتي قدامك مروان، بسام، أيهم، إياس، أنا بقى مين فيهم، اظن كدة بقت أسهل ولا إيه»
___يتبع___
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!