اكتفيتُ منكَ عشقًا
الفصل الثامن عشر:
"كـــــــابــــــــوس"
إِندَسَّ سليم غرفته متنهدًا بحرارة، متحركًا خطوتان صوب الفراش، ثم سرعان ما انتبه لخلو الحجرة من زوجته، عقد ما بين حاجبيه، وحرك رأسه يناظر باب دورة المياة ظنًا منه بأنها داخله مناديًا بأسمها:
-أحلام، أحلام.
لم يأتيه رد فعلم بأنها قد تكون كررت فعلتها وخرجت دون اذنه، فمن المؤكد أنها لاتتجول بالقصر فلا أحد يطيقها، ومنذ أن ولجت القصر لا تخرج من غرفتها.
أخرج هاتفه وجاء برقمها محدثًا إياها.
ثوان وأجابت عليه بصوت مهزوز:
-أيوة يا حبيبي.
أجابها بجمود وترقب:
-أنتِ فين يا أحلام!
ابتلعت ما بحلقها من توتر مجيبة إياه:
-عند ماما هكون فين يعني، اتصلت عليك قبل ما انزل بس
ما لبثت أن تكمل حتى جاءها صوته الصارخ عليها والحامل بين طياته الكثير من التوعد لها:
-تاني.. بتخرجي من غير اذني تاني يا أحلام، قدامك نص ساعة وتبقي قدامي هنا أنتِ سامعة.
قال الأخيرة بعصبية واضحة، كادت تجيبة بتلعثم وخوف لكنها وجدته يغلق الهاتف بوجهها.
ألقى الهاتف على الفراش متنفسًا بعمق والحنق يليح على قسماته...
دقتان متسارعتان على الباب جذبت انتباه، جعلته يبارح مكانه صوب الباب ويقم بفتحه بملامحة الماقطة المستنكرة من أفعال زوجته.
ازداد نقمة وهو يراها أمامه.... أمام باب غرفته.
تناظره بنظرات احتار في ماهيتها أهى كره... حقد... توعد.
كل ما يدركه جيدًا أنها غاضبة منه كالعادة....
لم تعطيه فرصه للمزيد من التساؤلات، مقتربة منه خطوتان، جمدت الكلمات على طرف لسانه، مصعوقًا من مبادرتها بالاقتراب لأول مرة..
صرَّت على أسنانها بعدما دنت منه وتغلغلته رائحة عطرها، متحدثة أمام وجهه بحديث لم يستطع فهم مغزاه فكان غامضًا بالنسبة له:
-بتلعب بيا مش كدة، فرحان وأنت شايفني حيرانة، وخدني تسلاية زي ما قولت، بتبعد شكوكي عنك، فاكر لما تسبلي الورقة وتقولي فيها أن سليم خرج برة دايرة الشك كدة هطمنلك وهخرجك، بس أنت غبي وأنا كدة بقيت متأكدة أنك أنت اللي بدور عليه، وخليك متأكد أني هدمرك يا سليم....
تقطيبة احتلت قسماته مستمعًا لكلماتها، لا يفقه أي شيء.
كادت تبارح مكانها عائدة لحجرتها فأوقفها عندما أحكم قبضته حول ذراعيها يمنعها من المغادرة مرددًا بكلمات مستنكرة:
-أنتِ بتقولي إيه أنا مش فاهم بتكلمي عن إي
كاد يكمل، لكن اوقفته تلك الصفعة التي هوت على وجنتيه من يدها الصغيرة، تلاها دفعة صغيرة من قبضتها في صدره متمتمة بأعين حمراء من شدة الغضب من فعلته التي يكررها للمرة الثالثة رغم تحذيراتها المتعددة:
-قولتلك متلمسنيش، ومن دلوقتي حسابك تقل معايا أوووووي وخليك عارف موتك هيبقى على ايدي، عشان مش هسيبك ورحمة أمي ما هسيبك.
أنهت إلقاء كلماتها مبارحة مكانها بتشنج وغيظ واضح.
خرج من صعقتهُ بصفعها إياه، لاحقًا بها ينوي عدم تركها إلا بعد أن يفهم ما يحدث وما معنى حديثها الغامض ذاك.
كادت تلج حجرتها فخرج صوته الحاد آمرًا إياها بالوقوف:
-استني عندك.
تَلَبث مكانها، ملتفته له بأعين تقدح بالشرار، فعقب على حديثها مغمغم بانفعال وصوت عالي ويديه تلوح بالهواء:
-أنا هتغاطى عن القلم عشان أنا مبرفعش أيدي على واحدة، بس عايز أفهم أنتِ تقصدي إيه بكلامك ده، و ورقة إيه وتسلاية إيه.
تقلصت ملامحها مستنكرة حديثه، واستمراره بتلك اللعبة التي كادت تجعلها تچن.
خرجت مهرة على أصواتهم، كذلك إياس وبسام الذين تسألوا عما يحدث، لم تبالي لوجودهم وأجابته دون أن تتحرك:
-في أني كشفتك، كنت فاكر نفسك ناصح، بس أحب اقولك لو أنت ناصح، فأنا أنصح منك ومن عشرة زيك.
تهكم وجهه وصاح بصوت جهوري جذب بقية العائلة، مقتربًا من وجهها صارخًا أمامه بكامل قوته بعدما نفرت عروقه دليلًا على حنقه مما يحدث:
-أيوووة بقى أنا عايز أعرف أنتِ أنصح مني في إيه، يلا اتكلمي، بلاش شغل الألغاز ده.
تبادل كلا من مهرة وإياس وبسام النظرات الحائرة، وحضر صابر من حجرته وخلفه كل من خديجة وكوثر وهناء وسامية القادمين من المطبخ بعدما كانوا يشرفون على الخدم لتحضير مائدة الطعام.
ضرب صابر بعصاه أرضًا مغمغم باستفهام:
-في إيه يا سليم، صوتك عالي لية أنت و روفان!
كاد سليم أن يجيبة ويخبره بعدم معرفته وجهله لسبب حنقها وصراخها بل وتطاولها عليه، لكنها سبقته صائحة بأسلوب فظ يروه للمرة الأولى:
-أنا هقولك في إيه، في أن البيه دخل أوضتي أنهاردة، لية بقى وازاي وأنا بقفلها معرفش، بس اللي اعرفه أني معدش ليا مكان هنا، مدام مش لاقيه الآمان في مكان المفروض أنه بيتي، يبقى الأحسن اخرج منه وادور على الأمان ده.
جحظت عين خديجة خوفًا من مفارقة ابنتها ثانية فأقتربت منها متحدثة بترجي ويديها تحاوطها:
-لا يا حبيبتي ده بيتك و سليم أ
قاطعها سليم صائحًا:
-أنتم بتقولوا إيه أنا مدخلتش أوض حد، هدخل اوضتها لية؟؟
حولت مهرة انظارها تجاه بسام المبتسم بخفة سعيدًا بشجارهم ذاك، لكن قطع سعادته تلك انتباهه لنظرات مهرة المصوبة له، فرفع حاجبيه لها محركًا رأسه بأستفهام.
كزت مهرة على أسنانها وظلت ملتزمة الصمت، أما أفنان فتحركت من مكانها والجة غرفتها تاركة الباب على مصراعيه والجميع يراقب ما تفعله، عدا خديجة وصابر الملاحقين لها يحاولون منعها مما تنوي فعله.
لم تهتم لحديثهم ساحبة حقيبتها وبدأت بلملمة أغراضها من الغرفة على عجل، ثم اغلقتها حاملة إياها وصاحت قبل أن تغادر..
-مع الأسف كنت فاكرة أنكم عيلتي بس مع الأسف كنت غلطانة، وهغلط اكتر لو فضلت قاعدة هنا، عن إذنكم.
خرجت من الغرفة رامقة إياه بكرهه فبادلها بنظرة باردة رغم ما يعتريه من مشاعر سوداء.
هبطت درجات الدرج ولا تزال خديجة تلحق بها وعبراتها تتساقط على وجهها بغزارة:
روفان حبيبتي، أنا آسفه بالنيابة عن أي حد ضايقك في البيت هنا، بس متسبنيش يا روفان أنا ما صدقت لقيتك يا بنتي.
لم تبالي وخرجت من بوابة القصر فوجدت علياء التي وصلت للتو أمامها فصاحت روفان وهى تخرج لها مفاتيح سيارتها من حقيبتها:
-خدي عربيتك من هنا وحصليني.
************
داخل إحدى المنازل التي يحيطها حديقة واسعة، كانت تتلوى بين يديه رافضة التحرك معه، بعدما أخذها عنوة من ذلك الملهى.
-أنت واخدني على فين، أوعى.
صرخ عليها مغمغم بقوة ارهبتها:
-اهدي بقى، وبعدين معاكي فرهتيني يا شيخة.
هدأ روعها قليلًا وطالعته بجانب عيناها مراقبة فتحه لباب المنزل بعيناها الزائغة و وقفتها المترنحة، مشيرًا لها بيديه حتى تلج:
-اتفضلي ادخلي.
ترنحت قليلًا وهى تنظر داخل منزل، متمتمة من بين ضحكاتها التي خرجت دون إرداتها:
-مش قولتلك هتتغرغر بيا، كدبت أنا بقى!!
أغمض محمود عيناه زافرًا بقوة قائلًا:
-يا ستي اطمني لا ناوي اتغرغر بيكي ولا حاجة، أنا بس عايزك تفوقي بدل ما أنتِ مش شايفة قدامك من القرف اللي شرباه ده.
كادت أن تسقط أرضًا لاتحملها قدماها، لولا يداه التي تلقتها مسندًا إياها، والجًا بها داخل المنزل.
استسلمت له كالقطة الوديعه، مريحة رأسها على صدره، لاحت بسمة بسيطة على وجهه لفعلتها التلقائية العفوية.
أغلق الباب وقذف المفتاح على الطاولة الصغيرة ولا يزال يسندها بيديه، حتى دنا من الأريكة مجلسًا إياها بهدوء وحنان وهو يشير لها تجاه دورة المياة:
-الحمام اهو ادخلي اغسلي وشك كدة و فوقي عقبال ما اعملك فنجان قهوة يصحصحك تمام.
أومأت برأسها بموافقة محركة رأسها عدة مرات متتالية، ابتسم على هيئتها الطفولية البحتة، وبارح مكانه متجهه للمطبخ حتى يعد لها فنجان من القهوة ويستطع الحديث معها ويفهم ذلك السبب الذي اوصل إِمرأة جميلة مثلها لتلك الحالة المزرية.
اختفى عن أنظارها، فرفعت أناملها واضعة إياها على جبينها تشعر بصداع طفيف، ثم حاولت النهوض عدة مرات متتالية، لكن محاولاتها باءت بالفشل، مما جعلها تستسلم للنوم الذي جفاها وتمدد بجسدها على الأريكة ذاهبة بسبات عميق.
وبعد مرور بعض الوقت.
خرج من المطبخ وبين يداه فنجان القهوة، ثم سرعان ما توقفت قدماه عن الحركة وهو يراها تنام على الأريكة.
تحرك مجددًا و وضع فنجان القهوة على الطاولة الزجاجية، متجههًا صوب غرفة النوم ليأتي بغطاء ويقوم بتغطية جسدها.
خلع حذائها ودثرها أسفل الغطاء، ثم جلس على المقعد المجوار لها متأملًا إياها أثناء نومها متسائلًا عن اسمها الذي لم يعرفه بعد.
*********
«داخل سيارة أفنان»
انتشلت هاتفها الذي يرن بإلحاح مجيبة بإنفعال على رفيقتها التي تسير خلفها بسيارتها.
-في إيه يا علياء زن زن زن، عايزة إيه؟
-هو إيه اللي عايزة إيه يا باردة، مش تفهميني إيه اللي بيحصل، وسبتي البيت لية، أنتِ اتراجعتي ولا إيه.
صاحت علياء مستفسرة عما حدث حتى تترك أفنان المنزل وترحل بحقيبتها، ردت عليها أفنان بصرامة وهى تضرب مقود السيارة موضحة لها سبب فعلتها ومغادرتها المنزل:
-لا متراجعتش، بس عرفت مين هو يا علياء خلاص كل حاجة بانت!
اتسعت عين علياء وصاحت بصدمة:
-نعم عرفتيه ازاي وامتي، قولي بسرعة هو مين!
-شكوكي كانت في محلها وهو سليم يا علياء، انهاردة لما روحت لقيت رسالة تالته والمرة دي بقى بيقولي أن سليم طلع اوضتي ليلة الحفلة وقريب هيكشفني وانه هيخرجه برة دايرة الشك ومفضلش غير الأربعة الباقيين، والمفروض بقى أنا زي الهبلة اصدق اللعبة الوسخة دي، بس على مين هو سليم وعايز يلعب بيا، عجبه حيرتي وخوفي اللي شافهم، عايزني اديلة الآمان.
قالت الأخيرة وصرخة قهر تخرج من بين شفتاها،قلقت صديقتها، التي صاحت بصدق محاولة تهدأتها:
-فين دليلك يا أفنان، كل دي برضو شكوك، مش دليل، احنا عايزين دليل ملموس أنه هو، مش عشان الرسالة قالتلك تخرجي سليم، تفتكري أنه هو وبيلعب بيكي، افرضي فعلا مطلعش سليم، هتعملي إيه، استعجلتي وتفكيرك غلط يا أفنان والمرة دي أنتِ غلطتي واتهورتي وتهورك ده مش في مصلحتك نهائي.
***********
أغلق الباب عليه من الداخل بعدما رحلت من المنزل لا تستمع أذنيه لصوت صابر الذي يأتي من الخارج ساخطًا من أفعاله التي جعلتها تترك المنزل وترحل منه، وبعدما أنهى صراخه ولم يجد فائدة من صراخه ذاك، رحل هو الأخر لاحقًا بأبنته التي وجدها تجلس على درجات الدرج، فلم يكن منه سوى أنه قام بتهدأتها وقطعه وعد بأنه سيعيدها المنزل من جديد.
غادر البقية و ولج إياس لغرفته فبقى كلا من مهرة وبسام، فحاول بسام اللحاق بجده لكن منعته مهرة التي اقتربت منه والغضب يليح على وجهها:
-مبسوط كدة حضرتك؟!
حرك كتفيه مجيبًا إياها ببسمة سمجة:
-هنبسط ليه إن شاء الله!
أجابته بتهكم وسخرية:
-ليه، يمكن عشان شوفت حضرتك وأنت خارج من أوضة روفان انهاردة.
اختفت ابتسامته ثم أجابها بعد ثوان ببسمة واسعة مزيفة لم تصل لعيناه:
-أنا مدخلتش اوض حد، ريحي نفسك، ومتبقيش حمقية كدة.
-هو إيه اللي مدخلتش أوض حد، أنا شوفتك بعيني دي انهاردة وأنت خارج تتسحب من اوضتها وبتقفل الباب تاني وراك..
صرَّ على أسنانه وقال قبل أن يغادر من امامها:
-اظاهر أنك محتاجة تعملي نظاره، نظرك بقى ضعيف للأسف.
وعلى الطرف الآخر، كانت كلماتها ترن بأذنيه خاصة وعدها بقتله، وقسمها برحمة والدتها مما جعل الشكوك تتغلغله كثيرًا، مدركًا بأن هناك من ٱذاها وأوصلها لتلك الحالة بل ويتلاعب بهل، لكن ما لم يتأكد منه بعد هو إذا كانت ابنة عمته حقًا أم أنها مجرد لعبة.
حاولت أحلام المرتجفة مما سيفعله معها فتح الباب، فلم يفتح معها، فطرقت على الباب تزامنا مع خروج صوتها المندهش من غلقه الباب..
-سليم، سليم أنت قافل الباب لية!!
مسح على وجهه وبارح مكانه واقترب من الباب وقام بفتحه، تبسم وجهها بخفة وكادت تتحدث بدلال كمحاوله منها لتبرير فعلتها، لكنه صدمها برد فعله، عندما مر من جوارها دون التفوه بحرف واحد، تاركًا الغرفة، بل المنزل أكمله...
صعد سيارته وتحرك بها لا يعلم وجهته..فقط يرغب بالانفراد بذاته والتفكير بحديثها عله يوصل لشيء....
************
«في صباح يوم جديد»
نهض من نومه مفزوعًا واضعًا يديه على قلبه، أنفاسه عالية، العرق يتصبب من جبينه، بل من جسده بأكمله، ازدرد ريقه وعينيه تجوب حجرة المكتب العائدة لجده، مغمضًا عينيه بقوة لا يتذكر تفاصيل ذلك الكابوس الذي ظنه حلم مسبقًا، لكنه في الحقيقة لم يكن سوى كابوووس بالنسبة له...افزعه وايقظه فحلم أمس بات كابوس اليوم...
فهو يُقتل به بدم بارد على يدها، لكن تلك المرة لم تطعنه مرة واحدة، بل ظلت تكرر فعلتها وغرز السكين بقلبه عدة مرات دون أن تتوقف، وخلفهم شخص مجهول يتابعهم لا يرى ملامحة....
نهض من على الأريكة، لا يعلم ما يحدث ولما تكرر هذا الأمر معه ومن هذا الشخص المتابع لموته..
خرج من الغرفة قاصدًا غرفته، ولج الحجرة فوقعت عينه على أحلام التي تغط في نوم عميق، حمد ربه في سره، وتحرك والجًا المرحاض حتى يتحمم ......
*********
تململت في نومها، فكادت تتقلب ظنًا منها بأنها في فراشها لكنها كادت أن تقع من على الأريكة، فلحقت ذاتها وانتفضت جالسة على الأريكة عندما وجدته يجلس أمامها يطالعها بنظرات غريبة وهو يرتشف من فنجان قهوته الذي يشربه في هذا الوقت كل صباح وعينيه معلقه بها وبسمه صغيرة تزين وجهه الرجولي...
ابتلعت ما بحلقها الجاف وتحدثت بصوتها المتحشرج أثر نومها طويلًا وجسدها يرتجف خوفًا من ذلك الرجل الغريب بل تواجدها في منزل من المؤكد أنه عائد له ويملكه، غير متذكرة ما حدث أمس:
-أنت مين؟ وأنا بعمل إيه هنا...
ترك الفنجان من يده واضعًا إياه أمامه، مجيبًا إياها بهدوء رغم تلك النيران التي تتأجج بصدره، فمنذ ساعات طويلة وهو يجلس مكانه يتأملها بعدما جفاه النوم بسببها....
-متخافيش، أنتِ في بيتي، شوفتك امبارح في البار وخدتك معايا على هنا، مكنش ينفع اسيبك شكلك مش شكل المكان، وأنا متأكد أن في سبب مخليكي تروحي الأماكن دي ...أنتِ مين واسمك إيه، وإيه حكايتك بضبط، بتحاولي تنسي إيه.
لاح الحزن بعينها ورفعت يديها مبعدة خصلاتها المتناثرة على وجهها وبشرتها السمراء، ثم وصلت يديها إلى الغطاء الذي وضعه عليها ورفعته عن جسدها، ناهضة من مكانها، قائلة بهدوء وتلعثم من نظراته:
-أنا لازم امشي....
بحثت عن حذائها فوجدته جوار الأريكة التقطته وارتدته على عجلة وعينيه تتابعها لا تحيد عنها.
أنهت ما تفعله وأولت ظهرها له وتحركت صوب الباب فكادت تغادر لولا أن لحق بها مطوقًا ذراعيها بهدوء متحدثًا بحنان دفين، غير راغبًا بأثارة الخوف في نفسها:
-استني، أنا عايز اعرف حكايتك..
التفتت له تطالعه بأعين بائسة كارهه تلك الحياة، قائلة بمرارة علقت بحلقها:
-أنا مليش حكاية، وحتى لو ليا مش حبة احكيها..
كادت أن تغادر فأوقفها سؤاله مرددًا:
-طيب اسمك إيه!؟
توقفت ثوان مكانها، ثم سرعان ما رحلت غير مبالية بسؤاله الذي طرحة.....
**********
«داخل مكتب عاصم»
طرقت على الباب بخفة بعدما ظلت بالخارج وقت طويل منتظرة دورها فالعديد من الفتيات تقدموا لتلك الوظيفة، أذن لها عاصم بالدخول متحدث بعملية بحته شاعرًا بالأرهاق بعد كل تلك المقابلات لاختيار مساعدة له، فحتى الأن لم تنل أي منهم رضاه بسبب ملابسهم التي لا تليق بالعمل بل تليق بالحفلات الليلية:
-أتفضل.
فتحت الباب وطلت بجسدها المغطي بملابسها المحتشمة التي لا تشبه ملابسها الفاضحة التي ترتديها في الليل برفقة أصدقائها خاصة مروان، محتضنة الملف الخاص بها والذي يحتوي على معلوماتها بأكملها.
رفع عاصم عينيه يطالعها معجبًا بملابسها المحتشمة، ثم سرعان ما أشار لها حتى تقترب...
-اتفضلي وقفة عندك لية!
سحبت نفسًا عميقًا مقتربة منه وهى تقدم ساق وتأخر الٱخرى، بعدما تملكها الخوف خاصة إذا علم عاصم هدفها الحقيقي..
تقدمت منه واضعة الملف أمامه، رمقها بنظرة سريعة، ثم رفع يديه وبدأ بتفحص ملفها أمرًا إياها بالجلوس، ليبدأ حديثه معها الذي جعلها تدرك أن فعلتها تلك لن تمر مرور الكرام، داعية الله ألا يتم قبولها بتلك الوظيفة حتى ينتهي الأمر بأكمله.......
وبعد مرور عدة دقائق، خرج صوت عاصم متمتم بجدية :
-تمام لحد دلوقتي أنتِ انسب واحدة للوظيفة، تقدري تبدأي شغل من بكرة...
**********
خرجت مهرة من حجرتها على أتم استعداد للذهاب إلى جامعتها، في ذات الوقت خرج سليم من حجرته مغلقًا الباب بهدوء، ابتسمت له وقالت بخفوت:
-صباح الخير يا سليم..
أجابها بأقتضاب قبل أن يهبط درجات الدرج بسرعة البرق:
-صباح النور.
تنهدت حزنًا عليه، مفكرة فيما عليه فعله، فلا يجب عليها أخباره بأن من ولج حجرة روفان كان بسام، وألا قام شجار بين الأثنين لن ينتهي بسهولة، عضت على شفتيها بتفكير، ثم سرعان ما تمتمت بينها وبين نفسها:
-أنا لازم أعرف روفان باللي حصل واللي أنا شوفته، أيوة لازم..
هبطت هى الأخرى ناوية الذهاب لها اليوم..
دنت من حجرة جدها حتى تعلم منه مكانها فمن المؤكد أنه يعلم من المحامي..
سمح لها صابر بالولوج، فأطلت ببسمتها المعتادة مقبلة جبينه منتبهه للحزن البادي على قسماته، فتعلقت به كالطفل الصغير وصاحت:
-مبحبش اشوفك زعلان يا جدو، أنا هخلص محاضراتي، وهروح لروفان ومش هرجع غير بيها هى فاكرة سليم اللي دخل اوضتها، بس انا امبارح شوفت بسام وهو خارج، سليم معملش حاجة يا جدو، أن
كادت تكمل فقطعها متمتم بدهشة وحاجب منعقد:
-بسام..أنتِ متأكدة يا مهرة.
-ٱه والله وهكدب لية، انت بس اديني العنوان اللي قاعدة فيه وأنا هروحلها...
تنهد بتوعد مجيبًا إياها:
-هى قاعدة عند صاحبتها يا مهرة، روحيلها وأنا هأخد خديجة وهنروحلها انهاردة، أنا بس سايبها تهدأ بس مستحيل أسيبها تبات برة بيتها ليلة كمان، والكلام اللي قولتيه ده عايزك تقوليهولها هى وبس، سليم مش لازم يعرف ولا أي حد غيرنا، وبسام أنا هتصرف معاه وهخليه يعتذرلها ونشوف البيه كان داخل يهبب ايه....
___يتبع___
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!