اكتفيتُ منكَ عشقًا
الفصل الثالث عشر:
"خــــــــــوف"
دقت الباب بخفة فأذنت لها خديجة التي كانت تذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا منتظرة وصولها على أحر من الجمر، لاحت اللهفة على وجهها واسرعت تجاه الباب تفتحه.
وجدتها أمامها فأتسعت بسمتها وقامت بجذبها داخل الغرفة مغلقة الباب من خلفها متحدثة بفرحة:
-تعالي يا حبيبتي، تعالي.
افترشت الفراش جوارها ورفعت يديها محاوطة كلتا يديها وعينيها تجوب على ملامحها:
-عايزاكي تكلمي معايا، عايزة اعرف عنك كل حاجة، عايزة اعرف بتحبي إيه بتكرهي إيه، ك
قاطعتها أفنان متمتمة بفضول زائف كي لا تثير شكوكها:
-قبل أي حاجة عايزة أعرف أنا ازاي بعدت عنكم، وبابا فين؟!
تلفظت الأخيرة بصعوبة منتظرة أجابتها بنفاذ صبر.
أما خديجة فـ ازدردت تلك الغصة مجيبة إياها بعد تفكير:
-أبوكي مات مات من زمان اووي، أما بقى اتخطفتي ازاي فممكن نأجل الموضوع ده على الأقل دلوقتي لأني مش حبة احكي دلوقتي.
بللت أفنان شفتيها مجيبة إياها بخنوع رغم ما ادراكها جيدًا أن سعد لا يزال حيًا:
-تمام اللي تشوفيه.
***********
«صباح اليوم التالي»
ظل يدوي صوت هاتفها بالغرفة، تأففت بضجر وهى تمد يدها تنتشل الهاتف من جوارها، أجابت على الهاتف بصوت ناعس:
-ألو
آتاها صوته مغمغم بمرح:
-ألو إيه بس يا شيخة قولي صباح الخير.
فتحت مقلتيها وأنتفضت جالسة على الفراش، نازعة الهاتف من على أذنيها تتأكد من هوية الصوت الذي تسمعه والذي يهاتفها باكرًا، خرج صوتها متحشرجًا مؤنبًا رغم ما يعتريها من سعادة طاغية.
-أنا مش قولتلك مش هينفع نكلم يا إياس، من فضلك متحطنيش في موقف محرج مع ماما.
إنشرح صدره من حديثها الذي يسعد أي شاب محله، وتحدث مخبرًا إياها بمواجهته لصابر أمس.
-وأنا ميرضنيش أحطك في موقف زي ده، وعشان أنا بحبك وعايزك ليا فاتحت جدي امبارح وأحب أقولك أنه وافق، يلا بقى ضبطيلي ميعاد مع والدتك عشان آجي اتقدم.
أتسعت عيناها وبدأ صدرها يعلو ويهبط بقوة شديدة، فأحلامها على وشك التحقق وستتزوج بشاب تعشقه، ثري وسوف يحقق لها ما تريد ويخرجها من هذا الفقر وذلك المنزل الذي أوشك على الأنحدار، دبدبت بقدميها أرضًا كابحة صراختها التي ترغب بالخروج عاليًا فخورة بما أنجزته وأيقاعها إياه في شباكها دون أدنى مجهود.
خرج صوتها عاديًا بعد مثابرة قائلة:
-بجد وافق، بسهولة كدة.
-وافق يا حبيبتي والله وافق، وقريب أوي هتبقي معايا وفي حضني.
تحدث بهيام، فحمحمت مزيفة خجلها متمتمة:
-أحترم نفسك ها متخلنيش أقفل في وشك.
قهقه عاليًا مدركًا خجلها، لايدرك أنه مصطنع:
-نفسي أشوف وشك دلوقتي أكيد خدودك أحمرت مش كدة
ولجت مهرة الغرفة مستمعة لحديثه الأخير مع رفيقتها، دنت منه وانتشلت منه الهاتف بغته، متحدثة مع تقى:
-أنتِ فين يا زفتة، بكلمك من امبارح مبترديش.
-كنت نايمة يا مهرة.
ردت تقى بحنق طفيف منزعجة من قطعها حديثها مع إياس، لم تنتبه مهرة لطريقتها بالحديث مباركة لها:
-فقرية من يومك، كنت بكلمك عشان أبلغك أنه جده وافق، بجد فرحانة أوي، ربنا يتمملكم على خير يارب.
أنتشل إياس الهاتف منها متمتم بغلاظة:
-خلاص باركتي يلا حلى عننا بقى، خلي عندك دم يا باردة.
ارتفع حاجبي مهرة قائلة بدهشة مزيفة مرحة:
-الله الله هو أنت هتتغير عليا بقى ولا إيه، لا متنساش أني لولايا مكنتش عرفت تقى، وهى كذلك يعني متفكروش أنتم الأتنين تبعدوني عنكم، والله قاعدة على قلبكم.
قلبت تقى عيناها بضيق مستمعة لمرحهم المعتاد والذي لم يكن في حسبانهم أنه يضايقها ويزيد من حنقها، أماءت برأسها عاهدة ذاتها على إبعاد مهرة عنهم وخاصة إياس.
**********
كانت تفترش الفراش بأعين باكية بعد أن قضت باقي ليلتها تبكي، مخرجة المشاعر السوداء الكامنة بها ولا تستطع الإفراج عنها دائمًا وما زاد حسرتها حديثها الطويل ليلة أمس مع خديجة وتلك الرسالة المجهولة.
دق الباب فنهضت من على الفراش بتكاسل وقبل أن تفتحه وقفت أمام المرآة تنظر لوجهها الذي يظهر عليه آثار البكاء، زفرت بيأس ودنت من الباب وقامت بفتحه، وجدت أمامها صابر مبتسمًا لها بأتساع، رمشت بأهدابها فلا ينقصها سواه بذلك الصباح، رسمت بسمة لم تصل لعيناها على قسماتها متمتمة بأحترام جلي مشيرة له بالدخول:
-أتفضل يا جدوووو
اتكأت على الحروف الأخيرة فالكلمات ثقيلة على لسانها، وكأنه يأبى قولها ومناديته بما لا يستحق.
ولج الحجرة متحدث بأستفسار ومرح بآن واحد، جالسًا على الأريكة المتواجدة بالحجرة:
-لقيتك منزلتيش قولت اطلعلك، إيه مش ناوية تنزلي الشغل انهاردة ولا إيه، سليم خرج من بدري، عايزاه يجي يشتكيلي منك تاني.
تبخرت ابتسامتها المزيفة وباتت ملامحها جامدة باردة كقالب الثلج، عاقدة ذراعيها أمام ذراعيها وهى تتحرك تجاهه، تاركة باب الغرفة مفتوحًا على مصرعيه:
-هو لحق أشتكالك! على العموم لو مش عايزني أنزل تاني عادي معنديش مشكلة، مبحبش أفرض نفسي على حد مش قابلني ولا طايقني.
قطب صابر ما بين حاجبيه، مجيبًا بحنان:
-ومين بس اللي قال كدة، وبعدين أنتِ حرة وتعملي اللي أنتِ عايزاه ومحدش ليه يقولك اعملي إيه ومتعمليش إيه، طول ما أنا عايش عايزك تعرفي أني في ظهرك ومحدش على وش الدنيا دي يقدر يأذيكي ولو بكلمة يا بنت الغالية.
نهض عن الأريكة واقفًا قبالتها رافعًا يديه ملامسًا وجهها الذي بات أكثر وجومًا كارهة لمسته لها، حتى صوته تبغضه، بينما أخرجت يده الآخرى من جيب بنطاله بطاقة شخصية.
-دي بطاقتك الجديدة يا روفان وانسي بطاقتك القديمة مبقاش ينفع تمشي بيها.
أزدردت غصتها ورفعت أناملها ملتقطة البطاقة منه ببطء شديد، طالعت البطاقة وسرعان ما كزت على أسنانها ونفرت عروق رقبتها وهى ترى اسم من حرمها من والدتها عنوة خلف اسمها المزيف.
ابتسمت بقهر ومرارة، رافعة رأسها شاكرة إياه بنبرة غامضة.
**********
فتحت باب الحجرة والجة إياها دون استئذان عقب تأكدها من رحيل صابر والذي رآته يخرج منها منذ ثوانِ، وقعت عيناها عليها جالسة في منتصف الفراش تطالع البطاقة بين يديها بأعين نارية.
انكمشت ملامح أفنان أنزعاجًا منها أو من ذاتها لعدم أغلاقها الباب عقب خروج صابر بالمفتاح، فصاحت عليها:
-أنتِ ازاي تدخلي من غير ما تخبطي؟!
دنت منها أحلام واقفة أمامها تطالع ما بيدها ببرود، ثم عقبت على حديث أفنان قائلة:
-في حاجة مهمة لازم تعرفيها، بس الأول لازم تتعلمي تكلمي معايا ازاي، متنسيش أنك واخدة مكاني، والأوضة اللي أنتِ عايزاني استئذن قبل ما ادخلها دي تبقى اوضتي.
نهضت أفنان وأجابتها بأستحقار جلى، والكره يملؤ نبرتها الناعمة:
-لا يا حلوة، أحنا بينا اتفاق، وأنا الحمدلله نقذت اتفاقي معاكي ودخلتك العيلة، حتى سبب كرهك ليهم ولية مش حبة تعرفيهم أنك روفان مش عايزة أعرفه، ده لو طلعتي روفان فعلًا.
عصرت أحلام قبضتها ودنت برأسها منها هامسة أمام وجهها بفحيح الأفاعي:
-أنا روفان، عايزة تصدقي صدقي، مش عايزة تصدقي عادي ميهمنيش، وعلى فكرة سليم امبارح اتسحب من الحفلة وطلع أوضتك هنا وخد خصلة من شعرك الجميل ده، وهيعملك تحليل DNA، وهيعرف كل حاجة.
انسحبت الدماء من وجهها، شاعرة بتلك اللحظة تحديدًا أن نهايتها قد أوشكت، فهو يبغضها وإذا علم حقيقة الأمر سيفضحها أمام الجميع، وسينتهي آمرها، وانتقامها لامحال.
عادت أحلام برأسها وهى ترى معالم الذعر والخوف على وجهها، تبسم وجهها ورفعت يديها اليمنى مربته على ذراعيها قائلة بغرور:
-متخافيش أوي كدة، بقي معقول اسيبك تنكشفي، أنا حليت الموضوع وحطيت خصلة من شعري أنا ورميت بتاعتك، والنتيجة هتطلع ايجابي مع سليم وساعتها هتتأكدي أني روفان وأني واقفة معاكي مش ضدك.
ظلت جامدة لم تتغيير تعابيرها، فأتسعت ابتسامة أحلام وبارحت مكانها مغادرة الغرفة، وعقب مغادرتها تنفست بعمق مزيحة ما جثم على قلبها من خوف ومشاعر مستاءة متمتمة:
-لازم تستعجلي يا أفنان، لازم.
**********
-لابسة ورايحة على فين يا علياء؟
آتاها صوت ملك من خلفها ورآت انعكاسها بالمرآة، ألتفتت تطالعها قائلة:
-هكلم عاصم وهقابله، امبارح اتخنقنا بسبب لبسي وقال إيه مكشوف وعريان ولازم اغيره يا أما امشي معاه، وطبعا بأسلوب زي الزفت، كأني جديدة عليه.
تغيرت تعابير ملك المرتخية وصاحت بسخرية عاقدة ذراعيها أمام صدرها حانقة من تصرفات علياء:
-وأنتِ مضايقة عشان بيغير عليكي.
لم ينل أسلوب ملك إعجاب علياء، فرمقتها علياء بنظرة طويلة قبل أن تجيبها:
-لا يا ملك مش مضايقة عشان بيغير عليا، بس هو واخدني كدة ويتقبلني كدة، أنا معنديش استعداد اغير من نفسي، أنا حبة نفسي كدة.
-وهو بيغير عليكي وخطيبك وبكرة يبقى جوزك، ولازم تسمعي منه يا علياء، وامبارح كان لازم تسمعي منه ولازم تقدري غيرته عليكي، دي حاجة تفرحك مش تضايقك.
قالت ملك كلماتها بأنفعال، استدارت علياء وعادت تنظر للمرآة مهندمة خصلاتها المنسابة، مغيرة مجرى الحديث لا ترغب بالتعمق بتلك الأحاديث معها فمن الواضح أن كل واحدة ترى الأمر من منظروها الخاص.
-أنا هعدي على البيوتي انهاردة بعد ما اققابل عاصم، تحبي ابقى اعدي عليكي ونروح سوا.
نفت ملك برأسها مغادرة الغرفة متمتمة:
-لا مش حبة.
لحقت بها علياء مغمغمة:
-مش حبة لية، أنتِ هتفضلي حبسة نفسك في البيت كدة كتير، أنا زهقتلك والله.
دفعت ملك بجسدها على الأريكة محركة كتفيها بعفوية:
-وأنا مزهقتش.
زفرت علياء متحدثة بنفاذ صبر:
-براحتك يا ملك، على العموم مش هتأخر، وهرجع بدري.
اماءت لها ملك وغادرت علياء المنزل تنوي مقابلة عاصم ومعاتبته على ما فعله البارحة، أما ملك فشرد ذهنها بـ إسلام وتمتمت بخفوت:
-ياترى بتفكر فيا زي ما بفكر فيك يا إسلام، أنا لية مش قادرة انساك، لية مش عارفة اطلعك من قلبي، لية بس.
أغمضت عيناها للحظات، ثم نهضت من مكانها متجهه لدورة المياه حتى تتوضأ وتشكي حالها إلى ربها.
***********
أما هو فكان جليسًا بمنزله خاصه على فراشه بعدما نبت لحيته قليلًا وأصبح مدخنًا للسجائر، التي يلجأ لها بعض الشباب أثناء ضيقهم وحنقهم، ولجت والدته الغرفة وعينيها تجوب بحثًا عنه، اختنقت من عبق رائحة السجائر ولوحت بيديها أمام وجهها محاولة أبعاد الدخان عنها وهى تسعل بشدة، قائلة بأختناق مفترشة الفراش بجواره:
-إيه ده يا إسلام من أمتى وأنت بتشرب سجاير، وبعدين أنت هتفضل قاعدالي من الشغل كدة كتير، لا يا قلب أمك كدة مينفعش، وحالك كمان مبقاش عجبني يا ابن بطني.
أطفئ سيجارته بالمطفئة الصغيرة التي تجواره، وقال بسخرية من حاله، فلأول مرة يشعر بحماقته لاستماعه لوالدته، فهو لا يستطع العيش دونها، ومنذ أن فارقته وهو لا يفكر بسواها، كما قام بأخذ عطلة من العمل ليجلس بالمنزل:
-ولا عجبني أنا كمان يا ماما، أنا مش عارف اكمل من غيرها، حاسس أني مش قادر أتنفس، مش قادر انساها يا ماما، دي حب حياتي.
وصل غضبها لذروته، فنهضت مسرعة عن الفراش صارخة عليه:
-لا بقولك إيه يا إسلام البت دي تنساها وتطلعها من دماغك، أما بقى حته مش قادر تنساها دي فأنا عندي حل.
أزدرد ريقه متمتم بترقب:
-إيه هو؟
أجابته بفخر وأعتزاز بنفسها وبتفكيرها:
-هجوزك يا قلب أمك، واحدة تدلعك وتشخلعك وتنسيك همك وتملالي البيت عيال، وتنسيك كمان بنت الكلب دي.
زفر بضيق مشيحًا بوجهه عنها:
-مش هتجوز يا ماما ريحي نفسك.
ارتفع حاجبيها عاقدة ذراعيها أمام صدرها، وهى تهز إحدى قدميها بقوة، لاجئة لأسلوبها المتسلط والذي دائمًا ما يجعله يرضخ لها حتى لا يغضبها:
-لا هتجوز يا إسلام، وإلا والله لكون غضبانه عليك ليوم الدين، ها قولت إيه؟
أغمض عيناه لثوانِ مستغرقًا في التفكير، وبعد لحظات رفع رأسة مجيبًا إياها:
-حاضر يا ماما، حاضر هتجوز.
***********
طلت علياء من خلف الباب بعدما فتح لها الخادم، ابتسمت له بخفة قائلة:
-صباح الخير يا عم ناصر، عاصم مش هنا ولا إيه؟
بادلها ذلك الرجل البشوش ابتسامتها وقال بهدوء:
-لا مش هنا يا هانم نزل من بدري.
لوت فمها بأمتعاض، فأفسح لها حتى تمر مغمغم:
-فوزي بيه في أوضته، تحبي أديله خبر.
ولجت مغلقة الباب متحدثة باستفسار:
-هو فطر ياعم ناصر ولا لسة.
-من بدري يا هانم، وكنت لسة هدخله فنجان الشاي.
اتسعت ابتسامتها وقالت ببسمة متسعة وطريقة طفولية:
-طب عنك أنت بقى، انا هدخلهوله.
دقت بخفة على الباب، فأذن فوزي قائلًا:
-ادخل يا ناصر.
فتحت الباب وطلت برأسها قائلة بمرح:
-طب وبالنسبالي ينفع ادخل ولا الف وارجع.
تهلل وجهه فوزي وأشار لها للدخول على الفور متمتم بسعادة طاغية برؤيتها فقد اشتاق لها:
-أهلًا بخطيبة ابني، تعالِ يا علياء.
دنت منه حاملة فنجان الشاي واضعة إياه بجواره، ثم قالت بتفحص لصحته:
-اش اش يا حمايا العزيز، ده اللي يشوفك يفتكرك اخو عاصم و أفنان مش ابوهم.
ضحك بخفوت مرددًا:
-يا بت بطلي بكش، وقوليلي إيه اللي جايبك على ملا وشك كدة، أكيد مش جاية تشوفيني.
ابتسمت له فدائمًا ما يشعر بها، تحبه لحنانه وطيبته الزائدة، رفعت يديها وربتت على يديه قائلة بصدق:
-كنت جاية اشوف عاصم قولت يمكن الحقه قبل ما ينزل الشركة، بس اظاهر مليش نصيب الحقه، وهضطر اروحله الشركة.
-في حاجة حصلت ولا إيه!؟
مطت شفتيها وتهربت بعيناها منه متمتمة:
-بصراحة آه.
-طب يلا قومي روحيله وحلوا اموركم يا علياء، أنا مبحبكوش زعلانين من بعض.
*********
"بعد مرور بعض الوقت"
فتحت باب مكتبه دون استئذان، فرفع رأسه المنكبة على الأوراق أمامه، يطالع من اقتحم مكتبه دون طرقه،
هدأت قسمات وجهه الوسيم وارتخت مطالعًا معشوقته، جز على أسنانه وعاد ينظر في الورق مرة أخرى متمتم بأسلوب جاد منتبهًا على اقترابها منه و وقوفها قبالته:
-مين أذن لك تدخلي، أنا أذنتلك.
رفعت علياء إحدى حاجبيها ساخرة من حديثه، متكأة على طرف المكتب بكلتا يديها قائلة بأسلوب مماثل له:
-مش مستنية أذنك عشان ادخل يا عاصم، أنا عايزة أعرف إيه اللي أنت عملته ده، ولية العصبية دي كلها من لبسي، اللي مش جديد عليك.
رفع عيناه عن الورق ملتقطًا سماعه الهاتف واضعًا على أذنيه، آمرًا السكرتيرة بالولوج لمكتبه.
-تعاليلي.
قطبت علياء حاجبيها بعدم فهم، ثم سرعان ما تناهى لمسامعها ذلك الطرق على الباب، صاحبة دخول السكرتيرة.
أقتربت هدير من مكتبه متمتمة بتوتر، منتبهه لتعابيره الحانقة، فمن المؤكد أنها فعلت فعلة حمقاء اكتشفها وسينهرها عليها، تبادلت النظرات السريعة مع علياء، فخرج صوت عاصم الذي اراح ظهره على مقعده مغمغم بحدة ومقط:
-أنتِ لزمتك إيه هنا؟
لم تفهم هدير مقصده على النقيض تماما بعلياء التي تيقنت أنه سيصب جام غضبه الآن على تلك الفتاة المسكينة، فخرج صوت هدير مهزوزًا قائلة:
-مش فاهمة حضرتك يا عاصم بيه، أنا عملت إيه ض
كادت تكمل لولا صياحه الذي جعل اجسادهم تنتفض برهبة، ضاربًا على الطاولة امامه بقبضته ناهضًا بعنفوان عن مقعده:
-يعني لما ابقى قايلك محدش يدخل، والقي بعديها المكتب سداح مداح، تقدري تقوليلي دخلت ازاي، أنتِ قاعدة تهببي إيه برة.
قال الأخيرة مشيرًا على علياء المصدومة من عصبيته المفرطة، فصاحت علياء مجيبة عليه مدافعة عن هدير التي بدت كالطفل المعاقب أمامه مطرقة رأسها للأسفل.
-دخلت زي ما بدخل كل مرة يا عاصم، هدير مغلطتش واظن اني متعودة ادخل من غير ما تبلغك، لو عايز تتعصب، اتعصب عليا انا، هدير ملهاش ذنب، وأنا فعلًا غلطت لما فكرت اجيلك من البداية ونحل المشكلة اللي بينا.
رددت الأخيرة مغادرة حجرته، تاركة إياه بمفرده رفقة هدير التي لا تزال على وضعها.
عقب خروجها اطاح بكل شيء على مكتبه بيديه الفولاذية صارخًا على هدير طاردًا آياها من عملها لسمحها بولوج علياء:
-غوري من وشي أنتي مطرودة يلا.
**********
-حاول تطلعهالي بسرعة مستعجل عليها.
قال سليم تلك الكلمات، فأجاب عليه الطبيب وهو يؤما برأسه
-أول ما النتيجة تطلع هكلمك علطول.
أماء له سليم مودعًا آياه مغادرًا المختبر، فصدح صوته هاتفه، اخرجه من هاتفه فوجدها والدته، أجابها على الفور و وصله صوتها مرددة:
-ها يا سليم عملت إيه؟
-اللي اتفقنا عليه، وخلاص هنعرف أفنان هانم نصابة ولا بنت عمتي فعلا.
*********
وقفت بسيارتها أمام البناية التي تقطن بها، وما كادت أن تتحرك والجة البناية، حتى شهقت بفزع مسقطة مفاتيح السيارة من يديها، عندما وجدته أمامها ظهر فجاءة، غير مدركة من أين جاء، وكيف علم عنوانها.
أنحنى ملتقط لها المفاتيح، ثم اعتدل سريعًا مغمغم بسخرية:
-اصم الله عليكي من الخضة يا قلبي.
ازدردت ريقها وصاحت عليه بتلعثم:
-وجع في قلبك يا بعيد، أنتَ، أنتَ بتعمل إيه هنا، وعرفت عنواني منين؟
-هو عنوانك صعب أووي كدة!
على العموم أنا جاي عشان حاجة واحدة بس.
قطبت جبينها عاقدة ذراعيها أمام صدرها مرددة بتهكم وسخرية لاذعة، رامقة إياه من أعلاه لأسفله:
-أحب اعرف الحاجة اللي خلتك تجيلي لحد البيت.
ابتسم لها بأستفزاز، رافعًا المفاتيح الخاصة بها المتواجدة بين يديه حتى الآن، ثم استطرد:
-مفتاح عربيتك، ما أنتِ عارفة عربيتي اتسحبت مني بسببك، ولحد ما ترجعلي، عربيتك هتقوم بالواجب.
اتسعت عيناها من وقاحته وقالت بهدوء مايسبق العاصفة، ماددة يديها أمامها:
-هات المفاتيح ويلا يا شاطر من هنا، عربية مين اللي تاخدها أنت عبيط يالا.
-يا بت يا بت لمي لسانك ده، مش عايز اقل ادبي عليكي، أنا اساسا نسيوا يربوني ومشمتش ريحة الترباية فمتخليهاش تطلع عليكي، غير أني أصلًا مش طايقك من ساعة اللي عملتيه، وكتعويض ليا، وعشان اسامحك هاخد عربيتك.
قال الأخيرة مزيحًا إياها من أمامه مستقلًا سيارتها،جالسًا بالمقعد الخاص بالسائق ثم سرعان ما أخفض زجاج النافذة مغمغم بتحدي:
-صحيح بدل ما تفتني عليا زي العيال الصغيرة، دوري ورا خطيبك، أكيد هتلاقية بيلعب بديله من وراكي، مش معقول يبقى معاه بومة زيك وميخنهاش.
أنهى كلماته غامزًا لها بفظاظة، وشعور بالأنتصار يعتريه وهو يرى وقع كلماته على وجهها الذي تحول للون الأحمر من شدة الغضب مفكرة بحديثه، ثم سرعان ما استوعبت حديثه فصاحت عليه مما جعله يدير السيارة ويندفع من أمامها:
-أنا بومة يا معفن، وبعدين فاكرة زبالة وعينه زايغة زيك.
عاد بسيارة للخلف واقفًا أمامها مغمغم بمكر وعبث:
-مستعد أزقلك واحدة عليه ونشوف ساعتها عينه زايغة ولا لا، فكري فيها وابقى ردي عليا سلام يا لولو.
__يتبع__
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!