اكتفيتُ منكَ عشقًا
الفصل الثاني عشر:
"حــــــفــــــل الــجــزء الـــثــانــي "
سارت برفقة علياء حتى وصلا للمكان المنشود المتواجد به كلًا من مروان وشيرين يتبادلان به القبلات، واضعة يديها على قلبها تتمنى أن تكون كاذبة ولاترى صديقتها بذلك الوضع الفج المثير للأشمئزاز، فخيانته من السهل تقبلها، أما صديقتها لن تكون خيانتها وغدرها بها هينًا.
وصلا لوجهتهم فـ تسمرت ريم مكانها متوقفة عن الحراك؛ لا تصدق ما تراه متمنية أن تنشق الأرض وتبتلعها ولا توضع بذلك الموقف، هبطت العبرات من مقلتيها بغزارة وأزدادت خفقاتها وبدأ صدرها يعلو ويهبط.
نهش القلق قلب علياء وهى ترى عبراتها تتسابق على وجهها، فأقتربت منها هامسة لها بكلمات مطمئنة تحثها على المغادرة محاوطة كتفيها:
-خلينا نرجع، كفاية أنك عرفتي خيانتهم، ميستهلوش يبقوا في حياتك ودموعك تنزل عشانهم.
صكت ريم على أسنانها رافعة أناملها الصغيرة ماسحة عبراتها مستجمعة شتاتها الذي هدر منذ ثوانِ، نافضة ذراع علياء عنها مقتربة رويدًا رويدًا من منهم.
استعرى انتباه شيرين وجود أحدهم ورؤياه لهم، دفعت مروان بعيدًا عنها منتفضة بين يداه كمن لسعها أفعى، ثم جحظت عيناها بعدما تبين لها هوية الفتاة التي أمامهم مرددة أسمها بخفوت:
-ريم!!!!!!
أما مروان فدهش من فعلتها وابتعادها عنه، وسرعان ما أدرك وجود أحدهم، التفت ليرى من رآهم، فوجدها ريم وخلفها ببضعة خطوات تقف علياء.
رفع يديه مهندمًا خصلاته رامقًا ريم تارة وعلياء تارة أخرى ملتزمًا الصمت، أما شيرين فأسرعت بهندمة ملابسها وخصلاتها المبعثرة مقتربة منها محاولة الدفاع عن ذاتها بتلعثم جلى:
-ر..ر...ري..ريم أنتِ فاهمة غلط...أنا أنا كنت
اندفعت ريم تجاههم قاطعة المسافة بينهم، كذلك قطع حديث شيرين تلك الصفعة التي هوت على وجنتيها وذلك الصراخ الهستيري الذي أفزع مروان، شيرين، وعلياء.
-أنتي واحدة زبالة وخاينة بتكدبي ليه وتبرري إيه، ده أنا شيفاكم بعيني، ده أنا اترميت في حضنك اشتكيتلك منه، مكنش فيه غيرك بشكيله همي، أنتِ تعملي فيا كدة.
تجهمت ملامح مروان واقترب من ريم بغتة واضعًا يديه على فمها مانعًا صراخها فحتمًا إذا ظلت على صراخها ذلك ستقلب الحفل رأسًا على عقب.
ظلت تتلوى بين يديه محاولة الإفلات منه فقال بفحيح الأفاعي:
-اخرسي واكتمي صوتك ده، وبعدين متفتكريش نفسك أحسن منها، شيرين برقبتك على الأقل أول راجل في حياتها كان جوزها مش غلطة زيك، لا وعملالي فيها الخضرة الشريفة.
جحظت عين ريم وتوقف جسدها عن الحراك.
انزل مروان يديه وابتسامة عابثة خبيثة تزين وجهه سعيدًا برؤية الجزع على وجهها.
فارت الدماء لعروق علياء وهوت عبراتها وذكرى والدها تعاد أمام عيناها، واندفعت هاربة من مكانها تنوي الانتقام منه مما فعله بتلك المسكينة التي لم تفعل شيء سوى أنها أحبته و وثقت بصديقتها.
**********
-بتعمل إيه هنا يا سليم؟
تنفس سليم الصعداء، ثم رمقها بضيق مقتربًا مطوقًا ذراعيها بحنق وقسمات منفعلة:
-أنتِ اللي بتعملي إيه هنا، بتراقبيني ليه؟
-أنا مش براقبك يا سليم، بس لما اشوف جوزي بيتسحب من الحفلة ولما ادخل وراه واشوفه داخل اوضة واحدة تانية المفروض أعمل إيه، داخل أوضتها ليه يا سليم!؟
هتفت بتلك الكلمات بغضب وغيرة، صك على اسنانه و وضع الكيس داخل جيبه، ثم جذبها خلفه مغادرًا الغرفة بحذر شديد، مغلقًا الباب من خلفه مرة أخرى.
ولج لغرفتهم دافعًا إياها على الفراش، صارخًا عليها بقوة:
-أنا مبحبش الشغل ده يا أحلام، لا أنت رايح فين ولا بتعمل إيه، أنا لو عايز أقولك هقولك من نفسي لكن شغل الستات ده أنا مبحبوش.
هَبتَّ بقوة واقفة أمامه صائحة بغيرة دافعة إياه بقبضتها الصغيرة بصدره دفعات متتالية جعلت غضبه يتكاظم:
-تحبه متحبوش مش موضوعنا، أنا عايزة أعرف إيه اللي بيحصل وكنت داخل أوضتها ليه!
ضم قبضته بقوة ونفرت عروق يديه قائلًا بنبرة قاتمة قبل أن يغادر تاركًا لها الغرفة بأكملها:
-أنا نازل والليلة دي بس تخلص وهيبقى لينا كلام تاني.
**********
تقدم صابر من بسام و روفان التي كانت منشغلة البال بما تفعله علياء وسبب ذهابها مع تلك الفتاة مجهولة الهوية بالنسبة لها، زفرت وكادت أن تلحق بهم لترى ما يحدث لكنها وجدت كلا من خديجة وصابر يقتربون منها.
طوقها صابر بذراعيه مقبلًا أعلى جبينها بحب قائلًا:
-مبسوطة يا روفان.
رمشت بعيناها مرتين قبل أن تجيبة بهدوء مزيف يناقض تمامًا نيرانها الحارقة، ألا يكفيها وقوف بسام جوراها ومحاولاته العابثة لكي تنسجم معه وذهاب علياء واختفائها.
-أكيد عايزني أبقى معاكم و وسطيكم ومبقاش مبسوطة.
دوى صوت بسام قائلًا بمرح موجههًا حديثه لجده:
-لا كدة أنا هغير و
قاطعه مجيء علياء بوجهها الشاحب متمتمة بأنفاس متسارعة والتوتر يطغي عليها:
-أفنان.
انعقد حاجبي أفنان وتحركت من مكانها بخفة واقفة جوارها والقلق يرافقها مغمغمة بقلق حقيقي ممسدة على وجهها الباهت:
-مالك يا علياء أنتِ كويسة.
رمقت علياء صابر وبسام وخديجة وملك المراقبان لها مندهشين من حالتها فكانت أقرب لمن رآت حيوان مفترس.
نفت محركة رأسها عدة مرات بأنفعال والدموع تتجمع بمقلتيها مرة أخرى قائلة:
-في مشكلة كبيرة وأنا خايفة تكبر.
تحرك صابر مقتربًا منها هو الأخر مستفسرًا عن تلك المشكلة التي تواجهها، محاولًا تهدئة روعها:
-أهدي يا بنتي بس وفهميني مشكلة إيه!؟
بللت شفتيها وشردت فيما رآته مقارنه إياه بذكرى والدتها، اسودت عيناها وخرج صوتها متأثرًا راغبة بالأيقاع بينه وبين حفيده الوقح.
-تعالوا ورايا .
غادروا رفقتها بينما التزمت ملك الطاولة غير مبالية بما يحدث.
*********
تشبتت بملابسها تصرخ عليها بصوت جهوري وجسد متشنج للغاية.
-قولتيله ليه، ده أنا آمنتك على سري، أزاي تعملي فيا كدة، بتغدري بيا يا شيرين، والله لوريكي يا زبالة، وديني ما هسكتلك هقتلك يا شيرين..هقتلك وهشرب من دمك.
فرّق مروان بينهم بعد تَوَعُّر كبير، محاولًا كتم صوتها كي تتوقف عن الصراخ وتلفت الأنظار تجاهم وتفضح فعلتهم الشنيعة متمتم من بين اسنانه بعدما دفعها مدافعًا عن شيرين.
-أنا اللي هشرب من دمك لو مسكتيش، وبعدين مالك محموقة أوي كدة لية، كل ده عشان قالتلي فاكراني مكنتش فاهم، لا أنا فاهم كويس أوي، ده أنا بنظرة واحدة بس لأي واحدة بعرف إذا كنت أول راجل في حياتها ولا كان في قبلي، وأنتِ أنا كشفك من زمان ومردتش ألمسك بمزاجي، يعني مش نصاحة منك يا روح أمك.
وجم وجه ريم منصته لحديثه الجارح، الواجز لقلبها المتألم، تساقطت عبراتها من عيناها فأغمضت جفونها بألم.
بينما استرسلت شيرين الخارجة من صدمتها للتو الحديث قائلة بقوة كأنها لم تفعل شيء، ولم تقم بخيانة صديقتها المقربة وطعنها بسكين بارد في ظهرها مع حبيبها السابق المنفصل عنها منذ بضعة أيام، ومن كانت تتلوع لتكملة بقية حياتها معه، منتظرة الوقت المناسب حتى تقص عليه ما حدث معها وكيف أخطأت في حق ذاتها وسلمت جسدها وكيانها بأكمله لشخص كانت تظنه أمينًا على حالها، لكنه غدر بها وتركها وحيدة حتى تواجهه نتيجة فعلتها بمفردها ناكسًا وعده لها بالزواج بها.
-أنا مخدتش مروان منك يا ريم، مروان معايا من قبل ما تتعرفي عليه، ومتنسيش أن أنا اللي عرفتك عليه، وهو حب يتسلى شوية إيه حرام؟
قالت الأخيرة رامقة إياها من أعلاها لأسفلها بسخرية، كاشفة عن أنيابها و وجهها الحقيقي، فهى لم تكن صديقة لها بل كانت تتوهم ذلك، فالصديقة لا تخون و لاتغدر بل تضحي من أجل صديقتها تفعل أي شيء لترى سعادتها.
اقترب مروان منها حتى وقف أمامها قائلًا من جانب فمه:
-قولتهالك وهقولهالك تاني، أنا عُمري ما حبيتك وأنتِ مكنتيش أكتر من تسلاية، ومش آسف على أي حاجة عملتها.
-وأنا آسف أني ساكتلك لحد دلوقتي.
عبس وجه مروان وتبخرت ابتسامته التي كانت تزين وجهه قبل أن يتناهى لمسمعه صوت صابر الحاد الغاضب من خلفه.
التفت سريعًا يرمق جده بصدمة، رامشًا بعينه عدة مرات، مبتلعًا لعابة بصعوبة شديدة، محاولًا اعصار ذهنه حتى يختلق كذبة ويخرج ذاته من تلك الورطة.
-أنا أنا.
فعل صابر فعلته المعتادة وهى ضرب عصاه أرضًا متمتم وهو يقترب منه:
-أنت تطلع برة بيتي أنت والأشكال الزبالة دي، يلا
قال كلماته القاسية مشيرًا تجاه شيرين فقط، يحثه على المغادرة رفقة تلك الفتاة التي يظهر عليها كبر عُمرها مخمنًا أنها بمنتصف الثلاثينات.
حاول مروان الحديث مدافعًا عن ذاته، أوقفه صابر بأعين محذرة ومحتدة:
-سمعت أنا قولت إيه ولا مسمعتش.
ابتسمت أفنان نصف ابتسامة سعيدة بما فعلته رفيقتها، لكزت علياء الواقفة لجوارها ترمق مروان وشيرين بكره، هامسة جوار أذنيها بسعادة فخورة بها:
-ضربة معلم.
لم يزل عبوسها أو نظرتها الكارهة مجيبة إياها:
-أنا معملتش حاجة هو اللي خاين ويستاهل أكتر من كدة.
أما بسام فلم يُصدم من شقيقه فهو يعلمه جيدًا ويعلم علاقاته النسائية المتعددة، خرج صوته مذعورًا على صابر:
-جدي أهدا لو سمحت مينفعش كدة ضغطك هيعلى والناس هتتفرج علينا وهتحصل فضيحة ومتنساش أنه في صحافة في الحفلة.
-يبقى تخليه يغور من وشي عشان مش طايق اشوفه، وياريت تفكره برضو بحته الصحافة دي وكان ممكن هما اللي يشوفوه ويصوروه واسم العيلة يتصدر الأخبار بفضيحة زي دي، يحمد ربنا أن علياء هى اللي شافته وجت قالتلي.
تحولت أنظار مروان تجاه علياء قاطمًا شفتيه بغل، بادلته نظراته بأخرى متحدية منتصرة عاقدة ذراعيها أمام ذراعيها رافعة أحدى حاجبيها مزيدة من حنقه.
اما صابر فأقترب من ريم التي تبكي بصمت مستمعة لتعنيفة القوي.
-تعالِ يا بنتي، تعالِ احكيلي اللي حصل والحيوان ده عملك إيه.
أغمضت ريم عيناها بقوة كابحة دموعها وشهقاتها الراغبة بالخروج عاليًا، واندفعت من أمامه سريعًا متجهه تجاه البوابة حتى تغادر لا ترغب بالحديث بما حدث.
ارتطم جسدها بجسد رجولي فكادت أن تسقط أرضًا لاترى أمامها من عبراتها التي تصعب الرؤية أمامها،فلحق بها سليم و اسندها بذراعيه متمتم بقلق وهو يرى عبراتها تهوى على وجنتيها.
-أنتِ كويسة!
لم تجيبه تاركة إياه مندهش من وضعها، نظر تجاه المكان التي جاءت منه، فلمح روفان تقف وجوارها صديقتها، تقدم مقتربًا منهم هو الآخر ليرى ما يحدث.
-أنتَ لسة واقف امشي يا مروان قبل ما اتبرى منك، وأنتِ اطلعي برة مستنية إيه؟
جزت شيرين على أسنانها ورحلت هى الأخرى.
مرت من جوار سليم، فرمقها بنظرة متفحصة رافعًا حاجبيه وفضوله يزداد ليعلم ما يحدث هناك.
-يلا وراها مستني إيه، أجي اوصلك للباب.
فاض الكيل ورفع يديه ماسحًا على وجهه قائلًا بعصبية كاذبة كمحاولة منه لانتشال ذاته من ذلك الأمر:
-أنا معملتش حاجة، كنت بكلم مع شيرين عادي واللي وراك دي هى اللي كبرت الموضوع ومعرفش قالت إيه لـ ريم، صحيح أنتِ قولتيلها إيه عايز أعرف.
ارتفع حاجبي علياء مدركة ما يحاول فعله، فـ ردت بتهكم ولاذعة:
-قولتلها اللي حصل يا محترم، وبعدين مش عيب تبقى كبير كدة وكداب، ولو عايز تضبط كدبتك بلاش حته بتكلموا دي، مظنش انه المكان ده ينفع للكلام ولا إيه!
ابتسم بتهكم وقال بفظاظة لا تليق سوى بشخصيته الفجة الوقحة:
-والله أنتِ أدرى بقى إذا كان مناسب ولا ل
كاد يكمل كلماته الفجة فأوقفة صوت صابر الحاسم:
-بسام خد أخوك من وشي وخد منه مفاتيح العربية وحسابه يتوقف ولما يتعلم الأدب يبقى يرجع البيت وكل حاجة ترجعله، ده لو اتعلمه أصلًا.
-أهدا يا بابا وأنت يا مروان اسمع كلامك جدك.
صاحت خديجة بتلك الكلمات بعدما خرجت من صدمتها الكبيرة من فعله ابن أخيها، فصوتها كان لا يسعفها كانت تراقب ولا تستوعب.
جاء صوت سليم المتابع حديثًا لما يحدث متمتم باستفسار:
-في إيه هنا؟
جذبت روفان ذراع علياء بقوة بعدما رمقت مروان بنظرة متوعدة لتطاولة على رفيقتها، كارهة المكان بأكمله خاصة بعد مجيء سليم الذي رمقته بنظرة استحقار قبل مغادرتها.
تحدثت علياء والغضب يعتريها:
-شوفتي الحيوان كلمني ازاي، لا وبيكدب عيني عينك، أنا أكتر حاجة بكرهها هى الخيانة.
ظهر الأسف على وجه أفنان عالمة سبب ضيق رفيقتها، فأحتضنها بكلتا ذراعيها مقبلة إياها على وجنتيها قائلة:
-خلاص فكك منه ده عيل أهطل أصلًا، قوليلي صحيح لميتي حاجتك وحاجة ملك من الأوضة ولا لسة وهطلع الاقي الأوضة تضرب تقلب.
تنهدت علياء راسمة بسمة بسيطة مدركة ما تحاول صديقتها فعله فتجاوبت معها فحاولة اخراج تلك الذكريات من ذهنها:
-من بدري يختي من قبل ما ننزل الحفلة بكتير كمان، وحطيتهم في العربية يا ست المهووسة.
-أنا مهووسة يا علياء؟
-طبعا مهووسة مبتحبيش حد يستخدم حاجتك وبتحبي النظافة، يلا بقى هنقول إيه ربنا على المفتري.
لكزتها أفنان قائلة ببسمة:
-دة مش هوس دي نظافة المفروض كل واحد يستخدم حاجته الخاصة بيه.
***********
إنتهز أيهم وجودها بمفردها على الطاولة، دنا منها واقفًا قبالتها والبسمة تزين وجهه الوسيم.
حمحم حتى تنتبه له لشرودها بنقطة ما، مندهشًا من شرودها الدائم وحالتها السيئة، انتبهت له ناظرة له بعيناه لثوانِ، ثوانِ تمنى أن تدوم طويلًا حتى يظل ينظر بعيناها المليئة بـ الأسى والتعاسة، متمنيًا أزالتهم وادخال البهجة لقلبها ولعيناها الجميلة، رمق حجابها البسيط الذي يغطي خصلاتها فكم تبدو بريئة وطفولية لا تشبه صديقاتها بشيء.
حدقته بنظرات محتقنة لأقتحامه خلوتها ببحر ذكرياتها مع طليقها، قائلة بأستفسار وعينيها تتجنب النظر بعيناه:
-أيوة حضرتك في حاجة؟!
عبس وجهه من سؤالها اللاذع، ولأول مرة شعر بعجزه عن الحديث، لا يعلم ما الذي يفعله جوارها، لما لا يستطيع ابعاد عيناه عنها رغم يقينه أنها من المحتمل أن تكون على ذمة آخر.
رفع يديه ومسح بها على وجهه بقوة جامحة، فعادت مرة آخرى تلقي سؤالها على مسامعة:
-حضرتك في حاجة؟
ازدرد لعابه وأخفض عيناه يرمق يديها اليسرى الخالية من دبلة الزواج، طرد كل شيء من رأسه الآن وحاول بكامل قوته استجماع ذاته وبعد ثوانِ نجح في محاولته وبدأ لسانه يتفوه بسؤاله الذي يتوق لمعرفة اجابته:
-أنتِ متج
ما لبث أن ينهي جملته حتى جاء صوت روفان من خلفه موجهه حديثها إلى ملك مرسلة له رسالة باطنة كانت تدرك أن مغزاها سيوصل له لا محال.
-طبعا يا ملك هتباتي مع علياء أنهاردة مدام إسلام مسافر، مينفعش تقعدي في الشقة لوحدك لحد ما جوزك يخلص شغله ويرجع.
صُعقت ملك من حديثها التي لم تفهم مغزاه، كذلك علياء التي سرعان ما تفهمت ما يحدث وكيف نجح حديثها في أحباط أيهم الذي تبدلت ملامحه للوجوم والآسف فكل ما كان يتمناه أن يحصل عليها وتبات ملكًا له.
أما الآن فتيقن من صدق حديث سليم وأكدت روفان أن زواجها مستمر، عاد يهاجمه ذلك السؤال مرة أخرى ولما لا ترتدي دبلتها، لما يديها خالية، أغمض عيناه لوهله معنفًا ذاته، فأسترسلت روفان حديثها الماكر متمتمة:
-إيه ده أيهم أ
كادت تكمل لولا رحيله على الفور من أمامهم كمن رآى أفعى ففر هاربًا من أمامها، اتسعت ابتسامة أفنان سعيده بفعلتها، فصاحت ملك بتساؤل:
-إيه اللي قولتيه ده يا أفنان!
حركت أفنان كتفيها مجيبة إياها وهى تتبادل النظرات مع علياء:
-كان لازم اعمل كدة، أنتِ مش شايفة بيبصلك ازاي، أنا مش هسمح أنك تتأذي بسببي يا ملك، بذات أني لسة معرفش مين فيهم المجرم اللي آذاني، وأيهم كان لازم نوقفه ونعرفه حدوده، لازم يفضل فاكرك متجوزة.
إلتوى فم علياء بسخرية وقالت:
-وتفتكري لو هو المجرم وملك متجوزة هيفرق معاه، صدقيني ولا هيفرق.
شردت روفان بحديث صديقتها التي تعلمه جيدًا متذكرة ما حدث لوالدتها على يد سعد.
أما ملك فكانت تشعر بالأمتنان لصديقتها التي انقذتها منه ومنعته من استكمال سؤاله الذي لم تكن تعلم بما ستجيب عليه، خاصة أنها تعلم بنظراته التي يرمقها بها منذ أن رآها لأول مرة.
*********
ولجا المنزل بعد إنتهاء الحفل، ومعرفتهم بفعله مروان بعد إنتهاء الحفل منتبهين لغيابه، فقص عليهم بسام ما حدث بينه وبين صابر، وكيف قام الجد بطرده من المنزل، غضبت والدته و والده من أفعاله وقرروا عدم الحديث معه حتى يستعيد عقله.
كاد الجميع يتحركون لغرفهم لكن أوقفهم صوت إياس جاذبًا أنظارهم تجاهه متبادل النظرات السريعة الخاطفة مع ابنه عمه التي تعلم ما الذي سيجعل صابر ثائرًا كالثور، فهمست في سرها لاعنه غباء إياس الذي جعله يتحدث بذاك الظرف.
-يخربيت غبائك يا إياس، يعني شايفة متعصب من مروان اسكت، بس ازاي لازم تزيد الطين بلة.
صدح صوته مرددًا تلك الكلمات:
-عايز أكلم معاكم في موضوع مهم.
أستدار صابر رامقًا إياه بجانب عيناه متمتم بأنهاك:
-بعدين يا إياس مش دلوقتي.
قال الأخيرة مستكملًا سيره تجاه غرفته، فجاء صوت إياس مرة أخرى أكثر إصرارًا:
-لا دلوقتي، أنا استنيت كتير وبما أنكم كلكم موجودين، فـ أنا عايز أقولكم أني عايز أتجوز.
صُعق الجميع من حديثه فلكزته مهرة قائلة من بين أسنانها بغيظ وحنق، مشيرة له بعيناها تحثة على ألتزام الصمت:
-خلاص يا إياس بيقولك بعدين، يبقى بعدين.
ألتفت صابر يحدق به قاطبًا حاجبيه بأستفسار:
-عايز تجوز!؟
-أيوة عايز أتجوز تقى صاحبة مهرة، وأظن أن كلنا عرفينها وعارفين أخلاقها.
غضبت سامية من رغبته وتصميمة للزواج من تلك الفتاة الفقيرة، دنت منه هى الأخرى صارخة عليه أمام الجميع.
-تقى مين اللي عايز تجوزها، أنا مش موافقة ومش هى دي اللي تستاهل تبقى مراتك ودخلها وسطينا، أنا متأكدة أنها طمعانه فيك، طبعا هى كانت تحلم أنك تبصلها.
حدقت بها مهرة بحنق لتقليلها من شأن صديقتها واتهامها إياها بالطمع، أما إياس رمقها شرزًا فمن المفترض أن تقف بجواره فهو بالنهاية ولدها، كيف تعارضه أمام الجميع وتشجع جده على الرفض، خرج صوته حاسمًا:
-وتقى مش طمعانة، هى البني آدمة اللي تستاهل تدخل وسطينا، وأنا مش هتجوز غيرها، أنتم المفروض تحترموا رغبتي، واختياري لشريكة حياتي.
رفعت كوثر كلتا حاجبيها وقالت ساخرة رامقة أحلام بأستخفاف:
-أنا حاسة أني عشت المشهد ده قبل كدة بس دلوقتي الأدوار اتعكست وبدل سليم بقى إياس.
حدقها سليم بنظرات كانت كالسهام، وكذلك أحلام فارت الدماء لرأسها وتمنت صفعها على فمها، أما إياس لم يبالي بحديثها، تجاهلها تمامًا مقتربًا من صابر تحت أنظار أفنان المراقبة للأوضاع مقررة قلب الطاولة على كوثر وسامية وتساهم بأدخال تلك الفتاة العائلة.
-جدي أنا مش عايز غير موافقتك، صدقني تقى مفيش منها أتنين ومش ذنبها أنها أتولدت مستواها المادي أقل مننا، محدش بيختار المستوى اللي بيعيش فيه، ده شيء إجباري.
تقدمت مهرة من إياس واقفة أمام صابر مؤيدة حديث إياس:
-أيوة يا جدو، غير أنها صاحبتي وإياس بيحبها عشان خاطري توافق.
ظل يلتزم الصمت يطالع الأثنان بهدوء ظنوا أنه ما قبل العاصفة، أقترب محمد والد إياس من والده وتحدث موجههًا حديثه لابنه موافقًا على حديث زوجته:
-سامية معاها حق يا إياس، تقى مش مناسبة.
ابتسم سليم بتهكم متحدثًا بأسلوب فج:
-أنت مجنون يا إياس عايز تجوز واحدة عادية ومش عايزهم يعلقولك حبل المشنقة، ده حتى عيبه في حقهم لو معملوش كدة.
رمقته سامية بحنق وصاحت بأنفعال:
-بلاش تريقة وقلة أدب يا سليم.
كاد يجيبها فسبقه أيهم واجم الوجه مدافعًا عن شقيقه وعن عشقه لتلك الفتاة:
-سليم معاه حق يا ماما، إياس مأجرمش لما حب، وبعدين أنتم يهمكوا إيه غير سعادته، سيبوه يتجوز اللي قلبه يختارها، والجو اللي أنتم عايشين فيه ده بقى قديم أوي.
-وأنا كمان شايفة كدة.
قالت أفنان تلك الكلمات مشاركة إياهم بالحديث مما زاد من غضب سامية واشتعلت عيناها مراقبة تقدمها من صابر الذي انتبه لها ومن الواضح أهتمامه بحديثها.
وقفت جواره قائلة بهدوء مشيرة تجاه إياس المتعجب من تدخلها بل ودفاعها عنها.
-سيبه يجوزها، كل واحد حر في قراراته، وبعدين أنا مش شيفاه صغير ويقدر يختار كويس شريكة حياته مش مستني حد فيكم يختارله، ولو هنفترض أنها فعلا طمعانة فـ أنا شايفة أنها هتبقى تجربة هيستفاد منها، كل بني آدم لازم يتحمل نتيجة أفعاله واختياراته سواء بقى كانت صح ولا غلط، وبعدين أحنا كلنا بنغلط لية، مش عشان نتعلم برضو ولا إيه.
ازدردت خديجة ريقها ورفعت عيناها فتقابلت مع عين والدها الذي رمقها في ذات الوقت، فأخفضت عيناها هربًا منه.
أجابتها سامية على الفور صارخة عليها:
-وده جواز مش تجربة، أنتِ بتكلمي أزاي، وبدافعي عن إيه كلامك كله غلط أصلا، وبعدين أنتِ مالك أصلًا ده ابني و
قاطعها صابر محذرًا إياها من نبرتها التي علت كثيرًا وتطاولها على حفيدته الغالية:
-سامية وطي صوتك ده، واتكلمي كويس مع روفان، ده ابن عمها ومن حقها تكلم وكلامها بقى دخل دماغي، ولا هتستنيه هو كمان يتجوز في السر، أنا مش هسمح بالمسخرة دي تاني، وأنت يا إياس حر بس زي ما قالت روفان هتتحمل نتيجة اختيارك.
اتسعت عين إياس وقال بترقب
-يعني أنت موافق؟
تنهد صابر طويلًا قبل أن يؤما برأسه مؤكدًا موافقته على تلك الزيجة:
-أيوة موافق.
رحل عقب أنهاء حديثه والجًا غرفته وعين ابنته تراقبه بألم، أما إياس فكاد يرفرف من السعادة كذلك مهرة التي سعدت له ولصديقتها، أقترب إياس من أفنان متمتم بسعادة:
-أنا مش عارف أقولك إيه، بجد ممنون ليكي.
ابتسمت له بأقتضاب قائلة:
-أنا معملتش حاجة، تصبحوا على خير.
رمقها سليم بجانب عيناه متفحصًا فستانها الكاشف عن ذراعيها ورقبتها، ضيق عيناه متذكرًا وقوفها جوار بسام طيلة الحفل، فحول أنظاره تجاه بسام فوجده يستعد لصعود غرفته وبسمه غريبة على وجهه مهنئًا إياس مثلما فعل أيهم ومهرة وأعمامه، بينما غضبت سامية وكوثر وهناء من قرار صابر و رضوخة لتلك الزيجة التي لا تناسبهم.
لحقت خديجة بها منادية اسمها تحت أنظارهم:
-روفان.
ألتفتت تطالعها فصاحت بلهفة متناسية ما شعرت به منذ قليل:
-مش هنسهر سوا نكلم، حبة أتكلم معاكي.
ابتسمت لها أفنان بتكلف قائلة بحنق خفي:
-حاضر هغير هدومي وهاجي لحضرتك الأوضة.
*********
إِنْدَسَّ سليم غرفته بعد ما حدث بالأسفل وقدرة روفان على إقناع صابر، دفعت أحلام الباب بقوة وصرامة وهى تغلقه حتى تسترعى انتباهه؛ فكان لها ما أرادت.
إستدار برأسه يرمقها بنظرات قارصة جامدة، بينما دنت هى منه بحذر عاقدة ذراعيها أمام صدرها، متلفظة بغيرة جارفة:
-برضو مش هتقولي كنت بتعمل إيه في أوضتها يا سليم.
-وأنتِ برضو مش هتبطلي تسألي، لو كنت عايز أجاوبك وأريحك كنت قولتلك من أول مرة، وتاني مرة متزنيش كتير، عشان مبحبش الزن، المرة دي هعديهالك بس تاني مرة متكررش فاهمة.
رد عليها بفتور وقسوة خالعًا جاكت بدلته قاذفًا إياه على الفراش.
زادت وتيرة تنفسها مراقبة دخوله دورة المياة، وصل لأذنيها صوت المياة فأستغلت غيابه وخلعت حذائها عن قدميها وهرولت تجاه الفراش، انتشلت الجاكت الخاص به وبدأت تبحث بجيوبه؛ أخرجت من أحدهما ذلك الكيس الذي يحوي على خصلاتها، جحظت عيناها ولم تبقى بذلك الوضع كثيرًا، فأغلاقه المياه جعلها تدرك أن آمرها من المحتمل أن يفضح، عادت كل شيء لموضعه، مبتعدة عن الفراش واقفة أمام المرآة.
خرج من دورة المياة مبدلًا ثيابه لأخرى أكثر راحة، تجاهلها تمامًا ودنا من الفراش ملتقطًا الجاكت الخاص به وقام بوضعه بخزانته مغلقًا عليه،ثم تمدد على الفراش بجسده وتدثر أسفل الغطاء.
راقبت نومه على الفراش من خلال صورته المنعكسة في المرآة، زفرت بقوة وأسرعت بأخذ ملابس لها متجهه صوب المرحاض.
بعد دقائق قليلة خرجت من المرحاض وأغلقت الأضاءة وتمددت جواره وارتكزت عيناها على الخزانة.
**********
-بقى أنا أطرد والعربية تتسحب مني ويوقفلي حسابي بسبب بت زي دي، وديني ما هسكتلها مش أنا اللي يتلعب معايا.
تفوه مروان بحنق وصرامة وهو يتحرك بالمنزل كالثور الهائج، متوعدًا لعلياء.
مضت شيرين تجاهه واقفة أمامه قائلة بنعومة كأن شيء لم يحدث:
-خلاص يا مروان اللي حصل حصل، العصبية مش هتفيدك بحاجة، وأكيد هترجع تاني ده جدك برضو وأكيد مش هتهون عليه ويفضل طردك من البيت كدة، كلها بس كام يوم وهتلاقيهم بيكلموك وبيقولولك أرجع، أهدأ بقى يا حبيبي، وبعدين أنت المفروض تفرح كدة هنقضي وقت مع بعض أكتر.
َكّف عن الحركة، بينما هى تبسمت ورفعت يديها محاوطة عنقه بدلال وغنج محاولة التأثير عليه حتى لا يرفض طلبها، فأسترسلت حديثها متمتة:
-أنا مردتش أروح عشان ريم أكيد مش هتسكت أنت عارف أنه بيتها، وده اللي خلاني آجي على هنا، هضطر أقعد هنا فترة عقبال ما أشوف بيت وأنقل عليه، وبكرة هروح أجيب حاجتي من الشقة، عندك مانع أني أقعد معاك هنا يا ميرو.
أزاح يديها بزهق وملل مغادرًا من أمامها قاصدًا المرحاض وهو يردف بلامبالاة:
-أعملي اللي تعمليه يا شيرين، إن شاء الله تقعدي على طول.
أغلق باب المرحاض بقوة، فأنشرح وجهها عن بسمة واسعة سعيدة بأقامتها معه، بينما على الطرف الآخر، وقف آمام المرآه بملامحة العابسة الواجمة، ظل ثوانِ يطالع أنعكاسه، ثم فتح صنوبر المياة ضاممًا كلتا يديه أسفله يلتقط المياة الجارية قاذفًا إياها على وجهه لتتبعثر بعض نقاط المياه على ملابسه وقميصه الأبيض، كرر قذف وجهه بالماء عدة مرات لعلها تطفئ النيران التي أضرمت داخل جنبات صدره الثائر.
*********
صعدت غرفتها وأطبقت الباب من خلفها، منيرة الأضواء، خالعة حذائها من قدميها، خلعت قدم واحدة وما لبثت أن تخلع الآخرى حتى جذبت عيناه تلك الورقة المطوية، أغلقت عيناها لوهله تستجمع شتاتها، ثم بدأت تزلف تجاهها ملتقطة إياها وبداخلها تسخر مما توصلت إليه، فأجواء الرسائل المجهولة لم تراه سوى في الأفلام وها هى تتعايشه الآن.
فتحت الورقة وقرأت محتواها بصوت هامس وأعين تقدح بالغضب:
"كنتِ زي القمر وكنت هموت وأخطفك من وسط الناس، بس ملحوقة يا أفنان، وكل حاجة في وقتها حلوة"
___يتبع___
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!