اكتفيتُ منكَ عشقًا
الفصل الثامن:
"شـــــــك"
استقلت سيارتها الحمراء، وما لبثت أن تغلق الباب حتى وجدت يداه تعوق غلقها متمكسًا به بقبضته القوية، تحركت عيناه ببطء عليها مبتسمًا ابتسامة جانبية مردفًا بتفكير مصطنع:
-أنا شايف أنه نروح سوا مدام طريقنا واحد، ولا إيه.
أزعجتها نظراته الوقحة الجريئة، و التي رآتها من خلف نظراتها الشمسية السوداء مما جعل الدماء تفور بعروقها، عاضضة على شفتيها السفلى من الداخل مغمغمة بقوة قبل أن تسحب الباب من يديه بعنفوان أدهشة... كثيرًا.
-أنا شايفة أنك تروح لعربيتك أحسن.
أغلقت الباب، وأدارت محرك السيارة وسرعان ما تحركت بالسيارة بقوة؛ أصدرت ضجيجًا عاليًا مغادرة من البوابة المفتوحة على مصرعيها، فـ تبدلت ملامحه لأخرى حانقة، وظهرت عروقه المتشنجة في كلًا من جبينه وعنقه:
-زوديها أوووي.
ردد تلك الكلمات وهو يتحرك صوب سيارته مستقلًا إياها هو الآخر.
وبعد مرور بعض الوقت وصلت أمام الفرع الرئيسي والذي يكون أكبرهم وأكثرهم أقبالًا، هبطت من السيارة رافعة نظارتها الشمسية أعلى خصلاتها المنسابة ونظراتها مسلطة على المحل مبتسمة بحقد متقدمة نحو بوابة المحل.
كادت سعادتها أن تكمل لولا تناهي صوت إحدى السيارات خلفها، عقبهُ استماعها لصوته متحدثًا بهاتفه.
دفعت باب المحل وخطت للداخل بقدميها رامقة العاملين الذين يرتدون الملابس الخاصة بعملهم سواء كان مريلة مطبوعًا عليها اسم العائلة والشعار الخاص بهم أم قفاز بلاستيكيًا بأيديهم منشغلين بالزبائن التي عجزت عن معرفة عددهم لأزدحاهم وأنتظار دورهم، غير منتبهين لها.
كما لفت أنتباها الألوان البنية المتناسقة مع بعضها، وتغلل أنفها رائحة الحلوايات الشهية المصنوعة بأفضل الطرق والتى تكسبهم شهرتهم منذ سنوات.
لم يخرجها سوى صوته البغيض والذي تمتم بعملية ولهجة آمرة بالقرب من أذنيها:
-تعالي ورايا.
سرت رجفة ليست ببسيطة بجسدها أثر أنفاسة اللافحة لبشرتها، أزدردت ريقها بصعوبة وجبرت ذاتها على الأنصياع له في الوقت الحالي...
دفع باب غرفته والتي يقضي بها معظم وقته يدير من خلالها عمله ويراقب العاملين من كاميرات المراقبة من حين لآخر يتأكد من عدم حدوث أي مشاكل.
ولجت خلفه دافعة الباب هى الآخرى فوجدته قد جلس خلف المكتب يرمقها بنظرات نارية مسندًا ظهره بظهر مقعده مشيرًا لها يحثها على الأقتراب بسبابته:
-قربي، أنتِ لسة واقفة عندك.
أغمضت أهدابها الكثيفة لوهله متمتمة بكلمات مشجعة، تحث ذاتها على الأقتراب:
-متخافيش يا أفنان مش هيأكلك وأنتم مش لوحديكم يعني لو فكر يقرب منك او يلمسك صوتي ولمي عليه المحل.
فتحت عينيها مبتسمة له بسمة شاحبة مقتربة منه بخطوات بطيئة ثم جلست أمامه وهى تبادله نظراته، تأملها قليلًا ثم خرج صوته بجدية وعملية بحتة:
-هتقفي مع العمال وهتشتغلي معاهم، كلنا بنعمل كدة وبنحب نشارك اللي بيشتغلوا معانا.
اشاحت نظراتها بعيدًا عنه، وهزت رأسها بأستحسان قائلة:
-تمام، يبقى أفضل اقوم اشوف شغلي.
-أقعدي لسة مخلصتش كلامي.
قالها بنبرة حازمة جعلتها تطالعة شرزًا جالسة مكانها ثانية، ثم استطرد حديثه مغمغمًا بمكر:
-استفدي إيه من اللي عمليته؟
انكمش جبينها وقالت بتهكم لا يعجبها لهجته العابثة، وعيناه التي تشع مكر وشر:
-استفدت إيه من إيه لمؤاخذة يعني، مش فاهمة تقصد إيه بكلامك ده!
نهض من مجلسة ودار حول مكتبه حتى وصل أمام المقعد المقابل لها فجلس عليه مثبتًا عينيه على وجهها:
-لا فاهمة وكويس أوي بلاش استعباط، وقوليلي استفدي إيه لما قولتي حكاية جوازي؟
عايزة توقعي بيني وبين جدي مثلًا.
طب ولو افترضنا أنك عايزة توقعي هتستفادي إيه لو خربتي العلاقة بينا.
التوى فمها ببسمة جانبية ساخرة وعينيها معلقة عليه لا تزيحها رغم ما يعتريها من مشاعر متخبطة لجلوسهم بمفردهم فقالت بقوة استجمعتها بصعوبة بالغة، محركة كتفيها ببراءة مزيفة:
-مش قادرة افهم انت جبت منين حكاية أني عايزة اوقع بينكم دي، ليه متقولش أني فعلا مكنتش اعرف أنك مخبي، لما بسام قالي افتكرت كله عارف فـ اتكلمت بحسن نيه لا أكتر ولا أقل.
علت ضحكاته الرجولية بالمكتب ناهضًا من مجلسة متجهًا تجاه مقعدة القاطن خلف المكتب جالسًا علية مرة أخرى، ملوحًا بذراعيه لها من بين ضحكاته يحثها على النهوض ومباشرة عملها الجديد.
-طب اتفضلي شوفي شغلك وهعتبر نفسي مصدقك رغم أن كلامك ميدخلش دماغ عيل صغير، فمبالك بقى دماغي .
نهضت راسمه الاسف على محياها متقدمة من الباب دون التفوه بحرف واحد ملتزمة الصمت، وضعت يديها على مقبض الباب وقبل أن تديره ألتفتت له برأسها فوجدته لا يزال يحدق بها:
-أنا عارفة أنت بتفكر كدة لية، ومين اللي مديك الفكرة دي عني، ونصيحة مني بلاش تسمع من مامي عشان متخسرش.
رددت الأخيرة بسخرية واضحة، ثم غادرت صافعة الباب من خلفها فتوقفت ضحكاته وحل مكانها عبوس شديد، ثم سرعان ما رفع يديه وأشغل شاشة المراقبة أمامه مراقبًا أفعالها...
**********
ولج إياس المحل فوجده غير مزدحم، القى التحية على ذلك الصبي الذي يقف معه يديران المحل سويًا وسرعان ما ارتسمت بسمة مشاكسة على ثغره وقرر أنتهاز تلك الفرصة محدثًا مهرة مستفسرًا عن معشوقته التي لا تفارق ذهنه، وضع الهاتف على أذنيه، فـ أجابته بـعد ثوانِ قليلة ببرود:
-نــــــعم!!!
ردد كلماتها بأستغراب، ثم سرعان ما هدر بمرح:
-نـعم!! إيه نعم دي يا بت، ومن أمتى بتكلمي كدة.
أجابته بضجر وهى تعقد ذراعيها أمام صدرها:
-من دلوقتي يا إياس.
ارتفع حاجبيه بمرح أكبر متمتم بجدية مصطنعه حاول بها تلطيف الأجواء:
-تصدقي أنك طلعتي بوق اومال فين أنت صاحبي وأنت وأنت...طلع كله هري مش كدة.
-والله احسبها زي ما تحسبها ومن هنا ورايح ملكش دعوة بيا، عشان أنت بجد صدمتني فيك امبارح كنت فكراك اخويا وصحبي فعلًا وهتعمل معايا زي ما بعمل معاك وبحاول اجمعك بـ تقى، بس ازاي لازم تديني كلمتين وتحسسني أني غلطت لما عبرت عن اعجابي بعاصم.
زفر بضجر من كلماتها الأخيرة والتي استفذته واثارت غضبه مذكرة إياه بفعلتها الحمقاء ليلة أمس.
-أهو رجعنا للكلام اللي ملوش أي تلاتين لازمة ده من تاني، بقولك إيه فكك من الشويتين دول وبقولهالك تاني يا مهرة متفكريش تعملي كدة تاني لاقدامي ولا لوحدك عشان اللي قدامك ميفهمكيش غلط، ولو كررتيها تاني عندي استعداد ارنك علقة تقعدك في السرير، واحمدي ربنا أن أنا اللي شوفتك مش سليم، وبعدين هو أنتِ عايزاني اشوفك بتتغزلي في واحد و اقف اسقفلك، لا يا مهرة فوقي مفيش واحد يسمح بكدة، أحنا رجالة ودمنا حامي، واخوكي فعلا لو كان شافك مكنش هيسمي عليكي.
-بقى كدة!
قالتها بتذمر طفولي فأجابها دون تفكير:
-كدة ونص كمان
تأففت بقوة مردفة بغضب طفولي:
-أنت بتتصل ليه دلوقتي عايز إيه، ما أنت أكيد مش متصل كدة لله وللوطن.
-تصدقي بالله أنك مهزقة، وأنا غلطان أني كلمتك.
أغلق بوجهها مما جعلها تتسمر وتقف مدهوشة جاحظة عيناها لثوانِ:
-ده قفل في وشي.
**********
أزعجة رنين هاتفه الذي لايتوقف مضايقًا إياه وقت انشغاله بعمله...أو لهوه إذا صح القول، أودع تلك الزبونة بكلماته المغازلة والتي جعلت وجنتيها تتورد بخجل مشعرًا إياها بأنوثتها وجمالها.
كان شقيقة يرمقه من حين لاخر منزعجًا من أفعاله الذي إذا علم بها صابر سيكون عقابة عسيرًا....
غادر الزبائن من المحل فأقترب بسام من مروان الممسك بهاتفه يرى ذلك المُلح فـ قام بلكزة بكتفيه مغمغم بوجه مكفهر:
-أنت إيه مش ناوي تفرق بين وقت الشغل و وقت اللعب والسرمحة، جدك لو عرف اللي بتعمله مع الزباين هيبقى نهارك مش باينله ملامح.
طالعه مروان وتمتم بلهجة ساخرة قبل أن يغادر واقفًا بأحدى الزوايا البعيدة عن شقيقه حتى لا يستمع لحديثه:
-بقولك إيه فكك مني يا بسام وكبر دماغك.
وقف بسام يراقب أجابته على الهاتف فحرك رأسة بنفاذ صبر وعاد يباشر عمله.
أجاب مروان على هاتفه بقوة جعلت الخوف يتسلل لقلبها والدموع تتجمع بمقلتيها:
-إيه في إيه، زن زن زن أنتِ مبتفهميش، مدام مش برد عليكي يبقى مش عايز أرد يا بني آدمة.
أجابته بصوت ضعيف وقلب مفطور:
-أنا بقالي كام يوم بحاول اوصلك يا مروان ومش عارفة، أنتَ فين وحشتني أوي.
ابتسم بتهكم زادت آلمها وجعلت عبراتها تهبط لافحة بشرتها البيضاء مردفًا بقوة ونبرة ذات مغزى:
-وحشتك!
لا صدقتك بقولك إيه أنا مش بتاع حب ولاجواز وكلام فاضي، وعشان تبقى عارفة أنا بكلم غيرك كتير فمتفكريش نفسك حاجة ومش عشان اتكلمنا وخرجنا كام مرة يبقى بحبك وتفكري أنك هدبسيني فيكي، لا يا شاطرة مروان مبيعرفش يحب بيعرف يتسلى وبس ومنكرش أنك كنتِ تسلاية لذيدة، و رقمي ده متتصليش عليه تاني عشان خنقتيني وأنا مبحبش الستات الخنيقة.
ارتجفت شفتاها وقالت بتلعثم وترجي:
-يعني إيه يا مروان، يا مروان أنا بحبك ومش هق
قاطعها بقوة أخافتها:
-يعني بح يا حلوة وبلاش الاسطوانه دي اعمليها على واحد تاني مش عليا، ولما تحبي تصيعي متصعيش على واحد صايع، ورقمك هيتعمله بلوك.
أغلق بوجهها الهاتف، فقذفت الهاتف على الأريكة صارخة بحزن جلب صديقتها التي تسكن رفقتها من الغرفة مقتربة منها بقلق:
-في إيه يا ريم؟
ارتمت بأحضانها باكية بأنهيار مغمغمة بكلمات متقطعة:
-سبني يا شيرين، سبني بعد ما حبيته، كان بيتسلى بيا هو كمان، ومبيردش عليا بقاله كام يوم ولما رد قالي أنه بيتسلى ومش بيعرف يحب وأنه كان بيكلم عليا بنات يا شيرين.
أخرجتها شيرين من أحضانها متمتمة:
-مش قولتلك يا ريم وحذرتك منه وأنه بتاع بنات أنتِ ازاي ساذجة كدة، ازاي كل مرة بيضحك عليكي.
ردت ببكاء:
-غصب عني يا شيرين انا بحبه اوي وافتكرته ممكن يكون حبني زي ما حبيته بس مع الأسف كنت غلطانه، منكرش أني كنت بسلي وقتي المرة دي بس غصب عني حبيته، حبيته أوي، أنا خايفة يكون عرف حاجة عشان كدة سابني.
انهت حديثها دافنة ذاتها بأحضانها فظلت صديقتها تربت على ظهرها محاولة تهدئتها
-هيعرف منين بس، هو مروان كدة وأنا قولتلك، فكك منه وانسيه كأنه مدخلش حياتك وليكي عندي سهرة انهاردة هتنسيكي اللي خلفوه.
**********
مكثت بغرفتها الجديدة بعدما ارشدتها الخادمة وأوصلتها حتى الباب حاملة حقيبتها المتوسطة الحجم تنفيذًا لأوامر "صابر"
سعدت بنجاحها و ولوجها العائلة، لكن لم يغيب عن بالها تلك النظرة التي رمقتها بها كوثر كأنها تتوعد لها وتخبرها بأنها لن ترى السعادة والراحة بذلك المنزل، ظلت تأتي ذهابًا وإيابًا بالغرفة بعدما حل الغضب محل السعادة، غاضبة من فعلته وتركه لها في ذلك الوقت، كيف له أن يتركها بمفردها بينهم، حتى لم يكلف نفسه ويودعه قبل ذهابه، بل رحل لاحقًا بـ أفنان تلك المخادعة.
تصاعد غضبها رامقة حقيبتها التي لم تفرغها بعد بنظرة سريعة لم تدم إلا ثوانٍ متذكرة نظرات خديجة، ثم التقطت هاتفها وقامت بمهاتفته لتصب عليه غضبها.
آتاها الرد سريعًا مجيبًا بلامبالاه وعينيه لاتفارق شاشة المراقبة التي أمامه يراقب كل ما تفعله وكيف أندمجت مع العمال الذين تهافوا عليها مرحبين بها بحرارة خاصة الفتيات المعجبات بها.
-أيوة.
هدرت به بعنف وقوة أزعجته:
-هو إيه اللي أيوة يا سليم، أنت أزاي تعمل كدة، أزاي تسبني لوحدي في أول يوم ليا في البيت، كان المفروض تفضل معايا يا سليم مش تسبني وتمشي.
مط شفتاه قائلًا بحنق ظهر على قسمات وجهه بوضوح:
-وطي صوتك يا أحلام وأنتِ بتكلمي معايا، ولا الهانم نسيت أنها بتكلم جوزها مش واحدة صاحبتها و
قاطعته بصياح غير مبالية بتحذرية الذي ألقاه على مسامعها للتو:
-لا منستش بس أنت اللي نسيت أنهم مش طيقني، ده أنت مشيت ومبصتش وراك ولا كأن في كلبة جبتها ورميتها ليهم.
لم يجيبها ظل يحدق بشاشة المراقبة يراقب وصول ذلك البغيض الذي تعرف عليه حديثًا يقف معاها وما زاد الأمر سوءًا هو جذبة لذراعيها يجبرها على الخروج معها:
-هكلمك بعدين.
أغلق بوجهها ناهضًا من مكانه مغادرًا ليرى ما يحدث بالخارج.
"خارج المحل"
كان يحاول أخذها معه متمتم بأصرار:
-أمشي يا أفنان بقولك، اللعبة دي مش هتكملي فيها، كفاية اوي لحد كدة يلا.
حررت ذراعيها من قبضته متمتمة من بين أسنانها:
-يا عاصم متبوظش كل اللي عملته ومتنشفش دماغك كدة، يعني أنا غلطانة أني قولتلك أني اشتغلت هنا.
ردد بصوت جهوري منفعل من وجودها مع سليم ألا يكفي أنه يمكث معها بذات المنزل؟!
-لا يا أفنان هنشف دماغي وبعدين هو أنتِ كمان مكنتيش عايزة تقوليلي، يلا هتروحي معايا.
-تمشي معاك فين ؟
هو الأخ نسي أنها مش أخوته وأنها دلوقتي بقت مع أهلها يعني أنت ملكش حكم عليها!!
تحدث سليم بنبرة ساخطة من خلفهم، فألتفت كلا منهم يرمقونة، ازدردت أفنان ريقها بتوتر خوفًا من أن يفضح عاصم آمرها فـ قالت بكلمات ذات مغزى تفهمها عاصم الذي تخرج النيران من رأسة جيدًا لكنها كانت كاللغز بالنسبة لـ سليم:
-عاصم امشي وهبقى أكلمك، أنا دلوقتي عندي شغل أول ما هخلص هكلمك.
أحتار عاصم وضم قبضته بغل، فأرادت أفنان طمئنته عليها، رفعت يديها مربته على ذراعيه ضاغطة على عضلاته تحثه على الرحيل دون أن يلاحظ سليم.
رمق سليم يداها بنظرات غامضة، وسرعان ما اندفع عاصم من أمامهم مستقلًا سيارته مضطرًا، ثم تحرك بها بسرعة وقوة أصدرت صوت، ظلت تراقبة حتى غاب عن عيناها، ثم تنهدت ونظرت للواقف جوارها فوجدته يحدق بها مما جعل جسدها يجفل، بللت شفتيها وتجاهلته وهى تمر بجواره عائدها لعملها ثانية، أما هو فتسلله الشد وظلت تلك اللحظة التي رفعت يديها بها وربتت على ذراعيه تلامسه تتكرر أمام عيناه، فـ صور شيطانه له بأن هناك شئ ما بينهم وربـما قصة حب متبادلة.
**********
خرجت من المطبخ حاملة بين يديها صينية مملوءة بالأطعمة، تحركت بها ناحية غرفة ملك، فتحت الباب دون طرقه فكادت أن تيقظها لولا رؤيتها لها مستيقظة تطالع شاشة هاتفها والعبرات تهبط من عيناها وهى تشاهد صورهم التي تجمعهم سويًا تتمني عودة تلك الأيام ثانية، انتبهت لها ملك بعدما استفاقت من شرودها؛ فرفعت يديها وكفكفت عبراتها راسمة بسمة شاحبة على وجهها:
-تعالِ يا علياء.
أويت إليها مبتسمة لها بسمة واسعة محاولة عدم التطرق لأسباب بكائها التي تدركها جيدًا، ثم وضعت الصينية على قدميها
-الحلو صاحي؟
كنت فكراكي نايمة وقولت يا بت يا علياء قومي حضريلها فطار ملوكي يخليها تأكل وتقزقز صوابعها بعديها.
إلتوى ثغرها ببسمة ساخرة متهكمة من حالها ومما وصلت إليه مغمغمة رافضة تناول الطعام مبعدة الصينية المحملة للطعام عنها:
-مش قادرة يا علياء، غير أني مش بفطر الصبح.
حملت علياء الصينية و وضعتها على قدميها مرة أخرى مردفة بأصرار جلي:
-مفيش حاجة اسمها مش بتفطري، من دلوقتي هتفطري وبعدين ده اسمه فطار بالنسبالك أنتِ لكن بالنسبة الناس الطبيعية اللي بتصحى بدري زي حالاتي المفروض يبقى اسمه غدا دي الساعه اتنين الظهر، واعملي حسابك من هنا ورايح هصحيكي معايا بدري وهنفطر سوا ماهو مش معقول تبقي عايشة معايا وكل واحدة بتفطر لوحدها، مش كفاية عايشة لوحدي؟
رفعت ملك عيناها تطالعها حزينة على حال صديقتها فهى أيضًا عانت كثيرًا خاصة مع أبيها الراكض خلف النساء دائمًا وانفصلت عنه هى و والدتها بعدما علمت بخيانته لها مع أعز وأقرب صديقه لها، فـ دائمًا كانت على يقين بخيانته لها لكنها صمتت من أجل ابنتها لكن خيانته مع رفيقتها لم تتحملها وغادرت منزل الزوجية وذلك الزوج الخائن الراكض خلف شهواته وراغباته، مكثا بهذا المنزل بمفردهم وظلا هكذا رغم محاولات والدها الكثيرة لأعادة زوجته وابنته لكنها ابت الرجوع إليه، وبعد فترة توفت والدتها لتظل وحيدة بهذا المنزل تصرف على ذاتها من رصيدها البنكي التي فتحته لها والدتها الثرية وبعد فترة قررت استثمارهم، وطوال تلك الفترة لم يهون عليها ما حدث لها بحياتها سوى رفيقاتها وعاصم العاشق لها والذي أجبرها على عشقه لما فعله لها من مواقف رجولية وعدم تخليه عنها، ورغم اعتراضه على مكوثها مقترحًا البقاء بمنزلهم وسيغادر هو إلا أنها رفضت وأصرت على قرارها مقررة عدم العودة لذلك الرجل والأعتماد على ذاتها، فأضطر الخضوع لقرارها.
-لسة مبكلميش با
أسودت عين علياء ونهضت بعنف عن الفراش قائلة بصياح وأنفعال:
-متجبيش سيرته قدامي يا ملك.
-طيب طيب أهدي أنا آسفة، طب قوليلي أنتِ مبتشتغليش.
رددت ملك كلماتها بترجي محاول تهدئتها، ثم حولت مسار الحديث لتشغلها بشئ آخر عدا التفكير بأبيها.
أغمضت علياء جفونها تهدأ أنفاسها المتضاربة، ثم فتحت عيناها مجيبة إياها بهدوء مزيف:
-في مشروع بيوتي سنتر أفنان داخلة شريكة فيه معايا، وخلاص قربنا نخلص توضيب فيه وأنتِ طبعا هتشتغلي معانا.
كادت ملك تفتح فوها معترضة على حديثها تخبرها بأنها لا تفقه بتلك الأمور شئ فـ سبقتها علياء مرددة بحسم قبل أن تخرج من الغرفة.
-مش عايزة أقبل أي اعتراض وأنا وأفنان هنفهمك تعملي إيه ودلوقتي افطري عقبال ما أغير هدومي واكلم أفنان ونخرج سو نغير جو.
**********
-أنا ماشية
قالتها أفنان وهى تحيد بصرها عنه على أتم استعداد للمغادرة، لا تنتظر موافقته فهى ستفعل ما تشاء حتى إذا رفض رحيلها باكرًا، أنهت كلماتها الجافة التي القتها على مسامعه، متحركة بقدميها خطوتين، كادت أن تخطي الثالثة فـ وصل إليها صوته الغليظ:
-مش هتمشي، أحنا مش بنمشي دلوقتي ودي مش زريبة عشان تمشي بمزاجك، هنا فيه نظام.
رمشت بعيناها عدة مرات، ثم ألتفتت تحدقه بنظرات ساحقة وكل ما تفكر به بتلك اللحظة وتتمناه بقوة هو أطاحته ومرغ عجرفته وأسلوبه الفظ أرضًا خاصة بعد رؤيتها لتلك الابتسامه الجانبية على وجهه، أقتربت تلك الخطوتين وخرج صوتها ساخرًا فظًا لا يقل عنه شئ:
-النظام ده تمشية على أي حد إن شاء الله تمشية على نفسك بس متمشيهوش عليا، أنا هنا زي زيك وأه عشان تبقى عارف أنا بعمل اللي في دماغي وبس ومبمشيش بدماغ حد.
ظل يحافظ على ابتسامته حتى غادرت صافعة الباب من خلفها، تبخرت ابتسامته وحل محلها نظرات وحشية جحيمية مغلقًا شاشة الحاسوب الخاص به، وشعور بالكره تجاهها يتكاظم بقلبه رويدًا رويدًا.
__يتبع__
بقلمي فاطمة محمد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!