الفصل 27 | من 29 فصل

الفصل 27

المشاهدات
6
كلمة
2,762
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي، الدار كانت مليانة بحركة ونشاط غير عادي. الأطفال صاحيين من بدري، لابسين أحسن هدوم عندهم، وصوت ضحكهم مالي المكان استعداداً لرحلة الملاهي اللي رحيم وعمار وعدوهم بيها. ​زينب نزلت السلم وهي لابس فستان رقيق بلون الكشمير الهادي، مبرز صفاء ملامحها، وأول ما شافتها حنان اتنهدت بابتسامة وفخر: ـ "بسم الله ما شاء الله يا بنتي.. ربنا يحميكي ويسعد أيامك." زينب ابتسمت بكسوف:

ـ "تسلمي لي يا ماما.. أنا حاسة إن بقالي كتير ما فرحتش من قلبي كدة." ​في نفس اللحظة، كانت عزة خارجة من أوضتها، لابس دريس رقيق جداً باللون الكحلي، ورجلها بقت أحسن كتير بفضل الله، الكسوف كان باين في مشيتها وهي بتفتكر كلام عمار ليها امبارح في المكتب وعهده ليها إنه هيكون أمانها وضهرها. ​برة الدار، صوت كلاكس العربيات أعلن عن وصول العربيات اللي هتنقلهم الملاهى

وقفت عربية رحيم وعربية عمار، والحرس نزلوا يفتحوا الأبواب بهيبة تليق بيهم. رحيم نزل بكامل وسامته وأناقته الكاجوال، نظارته الشمسية على عينه، ولمح زينب واقفة على الباب.. قلع النظارة ببطء، ونظرة عينه الغامقة والثابتة اتعلقت بوشها، نظرة مفيهاش كلام بس فيها كمية "تملك وأمان" خلت قلب زينب يدق بعنف، وابتسمت له بخجل حقيقي. ​مالك جِري من العربية على زينب وأخدها في حضنه: ـ "زينب! وحشتيني أوي.. يلا بينا الملاهي جاهزة!

​أما عمار.. فنزل من عربيته وعينه بتدور على "حاجة واحدة بس". أول ما لقط عزة واقفة، ملامحه الحادة والجدية اتمحت تماماً وحلت مكانها ابتسامة دافية ولهفة رجولية واضحة. قرب بخطواته الثابتة لحد ما وقف قصادها مباشرة، بص لعينيها المكسوفة وقال بصوته الصادق والواثق: ـ "صباح الخير يا عزة.. رجلك عاملة إيه النهاردة؟ إن شاء الله مفيش وجع؟ ​عزة وشها اتصبغ باللون الأحمر، ونزلت عينيها الأرض وهي بتفرك في إيدها بتوتر .

ـ "صباح النور يا عمار بيه.. الحمد لله، بقيت أحسن كتير ومبقتش أوجعني خالص." ​عمار قرب خطوة، وبصوت منخفض مسمعتوش غيرها قال بنبرة دافية تذوب الحديد: ـ "ياريت نشيل 'بيه' دي وإحنا برة الشغل.. قولي عمار بس. وبعدين، أنا قولتلك امبارح ايه والنهاردة أنا جاي عشان أشوف الضحكة دي منورة وشك. ​عزة حست إن ضربات قلبها بقت مسموعة، ورفعت عينها لثواني التقت بعينه اللي مليانة صدق وأمان، وهزت راسها بكسوف وخجل حرك كل مشاعر عمار تجاهها.

​في مدينة الملاهي الكبيرة ​المنظر كان أشبه بلوحة سينمائية مبهجة. الأجواء غرقانة في ضحك الأطفال ولعبهم، ورحيم وعمار حاجزين منطقة الألعاب بالكامل عشان الخصوصية والأمان. ​رحيم كان ماشي وجنبه زينب، ومالك ماسك في إيديهم هما الاثنين كأنهم عيلة حقيقية متكاملة. رحيم من وقت للتاني كان بيميل على مالك يضحك معاه، وعينه تروح لزينب.. يلمح نظرة الامتنان والفرحة الصافية في عيونها، يقرب منها خطوة ويقول بصوته الرخيم:

ـ "مبسوطة يا زينب؟ زينب رفعت عيونها وبصت له بنظرة مليانة تقدير حقيقي وقالت: ـ "فوق ما تتصور يا رحيم بيه.. أنا عمري ما شوفت الأطفال ومالك بالفرحة دي.. ربنا يخليك ليهم ويجازيك خير." رحيم بص لعيونها بتركيز وقال بحسم دافي: ـ "ويخليكي لينا يا زينب.. الفرحة دي مكانها الطبيعي في عيونك إنتي كمان.

​وعلى الجانب الآخر.. كان عمار وعزة واقفين جنب لعبة من لعب الأطفال. عزة كانت بتضحك وهي متأثرة ببهجة المكان، وفجأة رجلها خانتها شوية من الوقفة، فجت تقع.. في ثانية، عمار كان الأسرع، مد إيده القوية وحاوط وسطها وثبتها بحنان وقوة، وبقت المسافة بينهم مفيش.. عزة اتسمرت في مكانها، وإيدها جت على صدره العريض عفوياً، وأنفاسهم اتلاقت. ​عمار بص في عيونها اللي مليانة رعب وكسوف، وقال بنبرة مليانة حب وتملك هادي:

ـ مش تحاسبى يا عزة.. المكان هنا زحمه ولو شيلتك الملاهى كلها هتتفرج علينا ​عزة حست إن الحواجز الحديدية اللي بنتها سنين انهارت بالكامل في اللحظة دي قدام رجولته وحمايته ليها.. بلعت ريقها ووشها أحمر جداً، وقالت بصوت خافت ورقيق: ـ "شكراً يا عمار.." الكلمة طلعت منها لأول مرة من غير "بيه"، وعمار ابتسم ابتسامة نصر وسعادة حقيقية، وسابها بالراحة وهو مالي عينه من ملامحها المكسوفة.

​وسط كل الفرحة والدفء ده، والكل متبادل النظرات اللي بتعلن عن ولادة حب وأمان جديد.. رحيم لمح من بعيد منصور (رئيس الحرس) واقف ورا الشجر، ووشه مقلوب وبيديله إشارة مستعجلة، كأن فيه مصيبة حصلت برة أسوار الملاهي! رحيم لمح إشارة منصور ، في ثانية ملامحه الدافية اللي كانت ظاهرة وهو بيضحك مع مالك وزينب اختفت، ورجعت الحِدة والقسوة لوشه كأنه قناع واتشال . بص لزينب نظرة سريعة يطمنها من غير ولا كلمة، وقال لمالك بصوت هادي:

ـ "خليك مع زينب يا بطل، هشوف حاجة في الشغل وجايلك علطول." تحرك رحيم بخطوات واسعة وسريعة ليها هيبة تخوف، وندى بصوته الرخيم الحاد على عمار. عمار لمح حركة رحيم، فانسحب بالراحة من جنب عزة وهو بيطمنها بنظرة عين دافية، ومشي ورا رحيم علطول. وقف رحيم وعمار في حتة متدارية ورا الشجر، وكان منصور رئيس الحرس واقف. رحيم بص له بعيون زي الصقر وقال بنبرة واضحة ومخيفة: ـ "في إيه يا منصور ؟

وإيه اللي يخليك تقلب وشك وتجيلي هنا وسط لعب العيال؟ انطق." منصور بلع ريقه وبص في الأرض: ـ "يا رحيم بيه خالد اتصل من شويه وبيبلغك من رجالتنا اللي بيراقبوا السوق ومينا الإسكندرية. شركة 'الصافي' رجعت تظهر في الصورة تاني! عمار عقد حواجبه بغضب وعصبية: ـ "الصافي؟ وإحنا قاطعين خبرهم والاستحواذ مخلص على كل شركاتهم ومخازنهم ؟ هما لحقوا يقوموا تاني منين؟ منصور كمل وخوفه بيزيد من نظرات رحيم اللي بتتحول لكتلة نار:

ـ "المرة دي مش نازلين يضربوا الأسعار في المحافظات زي زمان يا عمار بيه.. المرة دي اللعبة تقيلة ومستوردة. الصافي داخل السوق ، وواخدين موافقات وتسهيلات غريبة عشان يستوردوا شحنات ألبان ضخمة جداً من برة مصر، بأسعار رخيصة وبكميات تغرق السوق وتضرب إنتاج مزرعتنا ومصنعنا في مقتل!

رحيم فضل ساكت لثواني، وسكونه ده كان أرعب من زعيقه. عينيه اسودت تماماً وبدأ يلعب بخاتمه الفضة ببرود قاتل، والنفس اتقطع بين عمار وخالد وهم مستنيين زلزال الهواري. رحيم رفع عينه وبص لعمار وقال بصوت منخفض ومخيف: ـ "الصافي ملوش رجلين تقف في المينا لوحده يا عمار.. ولا ليه نفوذ يخليه يستورد بالكميات دي في الوقت ده بالذات. عمار جز على سنانه وعروق إيده برزت:

ـ يعني الشحنات دي نازلة مخصوص عشان تكسر اسم رحيم عشان يضرب شغلك في السوق؟ رحيم ابتسم ابتسامة باردة، مفيهاش أي نوع من الرحمة، الابتسامة اللي السوق كله بيترعب منها، وقال وهو بيلبس نظارته الشمسية تاني:

ـ "اللي هيدخل شحنة واحدة المينا ط هخليه يشربها تراب. عمار.. اقلبلي الدنيا وعايز ورق الشحنات دي والمستندات والجهة الأجنبية اللي بتورد لهم على مكتبي في المزرعة قبل ما نرجع من هنا. عمار.. مش عايز البنات يحسوا بأي حاجة، اليوم هيكمل والكل هيفرح، والحرب دي مكانها برة البوابة دي."

لف رحيم ورجع بخطواته الواثقة الثابتة لزينب ومالك، وأول ما قرب منهم ملامحه لانت ورجعت الضحكة الخفيفة لوشه عشان يداري الإعصار اللي جواه، وزينب بصت له بحيرة بس لقت في عينه أمان كفاية يخليها تسكت وماتسألش عن حاجة. أما عمار، فرجع لعزة وهو بيحاول يهدي أنفاسه، ووقف جنبها وبص لها بحنان وقال: ـ "كنا بنقول إيه بقى يا عزة؟ سيبك من الشغل وكله، المهم عندي إنك تكوني مبسوطة والضحكة دي ما تفارقش وشك."

عزة ابتسمت بكسوف داب معاه كل توتر، بس عيونها لقطت نظرة القلق المستخبية ورا عيون عمار الدافية. عزة لاحظت ملامح عمار اللى بتتغير كل شويه وحست إن فى حاجه او خبر ضايقهم ، فبصت له بنظرة هادية ودافية وقالت بنبرة فيها اهتمام حقيقي: ـ "عمار.. هو في حاجة حصلت؟ أنا حاسة إنك أول ما رجعت من واقفتك مع عنار والراجل التانى ده وشكلك متغير ، هو الشغل فيه مشكلة؟

عمار بص في عيونها، وحس إن صدقها وخوفها عليه بيخليه مش عايز يخبي عنها حاجة، بس في نفس الوقت مش عايز يقلقها. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: ـ "مفيش حاجة تقلقك يا عزة.. شوية حسابات وترتيبات في المينا بخصوص شحنات جديدة، ورحيم بيحب كل حاجة تمشي بالمسطرة، مفيش حاجة تانية." عزة سكتت لحظة، وبصت لرحيم من بعيد وهو واقف مع مالك وزينب، ورجعت بصت لعمار وقالت بتردد وكسوف: ـ "طب هو.. هو أنا ينفع أسألك سؤال؟

أنا من أول ما اشتغلت في المزرعة وشوفت علاقتك برحيم بيه، حاسة إنكم مش مجرد شركاء في الشغل.. علاقتكم فيها حاجة تانية، إيه علاقتك برحيم بالظبط؟ عمار اتنهد واخد نفس عميق، وملامحه رجعت لأيام زمان، بصلها وعيونه مليانة امتنان وتقدير لرحيم، وقرب خطوة وقال بنبرة طالعة من قلبه:

ـ "حكايتي مع رحيم حكاية طويلة يا عزة.. زمان، وأنا لسه شاب صغير في ثانوية عامة، بابا ومامته اتوفوا في حادثة كبيرة، والدنيا اسودت في عيني فجأة. لقيت نفسي لوحدي، ومحدش من أعمامي ولا خيلاني قبلوني في بيتهم، كل واحد كان بيبص لي على إني حمل تقيل ومش عايزين يشيلوا مسؤوليتي." عزة حطت إيدها على بوقها بتأثر، وعيونها لمعت بالدموع وهي بتسمع وجعه القديم، وعمار كمل:

ـ وقتها هما حبوا يخلصوا مني، فاقترحوا عليا أروح لابن عمهم اللي هو والد رحيم، قالولي روحله وهو ممكن يساعدك.. وأنا مكنتش فاهم حاجة أخدت نفسي وروحت، وللأسف لما وصلت هناك، لقيت إن أبو رحيم لسه متوفي هو كمان من كام يوم! الدنيا لفت بيا ومكنتش عارف أروح فين ولا أعمل إيه.. ووسط كسرتي دي، قابلني رحيم. سكت عمار لحظة وبص لرحيم بفخر وكمل:

ـ "رحيم وقتها كان لسه مستلم الشغل ومسؤولية وكان لسه بيدرس فى الكليه بس أول ما شافني وعرف حكايتي، قرر انه مايسبنيش قاعدت معاه واشتغلت معاه وعشت معاه فترة طويلة، كان ليا الأخ والأب والضهر اللي الدنيا كلها حرمتني منه. رحيم هو اللي عمل عمار اللي واقف قدامك دلوقتي يا عزة.. وعشان كده، رحيم عندي مش مجرد أخ، ده حتة من روحي، والراجل اللي مستعد أفديه بعمري."

عزة دموعها نزلت غصب عنها من كتر التأثر بكلامه، وحست إن احترامها وإعجابها بعمار ورحيم زاد أضعاف، وعرفت إن معدن الراجل اللي اختارها ده أنقى بكتير مما كانت تتخيل. عزة مسحت دموعها بسرعة وهي بتبص لعمار بنظرة كلها حنان وفخر، وقالت بصوت مأثر ودافي: ـ "ربنا يديمكم لبعض يا عمار.. رحيم بيه بجد راجل عظيم، وأنت تستاهل كل خير لأنك أصيل ومبتنساش الفضل."

عمار ابتسم لها ابتسامة دافية طمنتها، وحس إن كلامه معاها قرّب المسافات بينهم أكتر من الأول. على مغرب اليوم، الخروجة بدأت تخلص، والأطفال ركبوا الأتوبيسات مع ماما حنان وهما في قمة فرحتهم، بس الجو بين رحيم وعمار كان مشحون وجاد جداً. رحيم وقف جنب عربيته وقلع نظارته، وبص لعمار وقال بصوت حازم ومنخفض:

ـ "عمار.. إحنا مش هنبات في المزرعة. خالد جهز كل حاجة، وإحنا هنطلع على القاهرة حالا.. موضوع الصافي ده لازم يتلم من جشوره قبل ما البضاعة تتحرك من المينا." عمار هز راسه بقوة: ـ "معاك يا رحيم، أنا جهزت اللاب توب والملفات في العربية، ويلا بينا." رحيم لف وبص لزينب اللي كانت واقفة مع مالك، قرب منهم وقال بنبرة هادية بس سريعة: ـ "زينب، يلا عشان نرجع القصر.. عمار وأنا ورانا شغل مهم في القاهرة ولازم نتحرك."

زينب لقطت النبرة المشغولة في صوته وهزت راسها من غير نقاش: "حاضر يا رحيم بيه.

عدى كام يوم ورا بعض، والوضع في القصر كان غريب ومقلق.. رحيم وعمار مبيفارقوش مكتب القصر أو بيخرجوا من النجمة ومبيرجعوش إلا بعد نص الليل. رحيم بالذات كان متحول لكتلة من الصمت والغموض، مبيتكلمش مع حد تماماً، حتى ملامحه الجافة رجعت تاني، وبقى يدخل ويخرج وعينه مركزة في ورق وشاشات، لدرجة إنه مبيكلمش زينب ولا حتى بيبص ناحيتها، كأنه شايل جبل على كتافه.

زينب كانت قاعدة في المطبخ، حاطة إيدها على خدها وقلبها واكلها عليه.. هي مش متعودة منه على الجفاء ده بعد الدفء اللي شافته في الملاهي والملجأ. كانت نفسها تواسيه.. نفسها تقوله إنها حاسة بالتعب اللي جواه، بس الخوف والحدود اللي بينهم مخلياها مش عارفة تبتدئ منين. وفجأة قامت وقالت في سرها: لأ.. أنا مش هسيبه كدة، الراجل ده وقف جنبي ورد لي كرامتي، وأقل حاجة أعملها إني أقف جنبه في تعبه." سألت طباخه القصر بحذر:

ـ تعرفى هو رحيم بيه إيه أكتر أكلة بيحبها وممكن تفتح نفسه لما يكون زعلان أو مضغوط؟ عايدة ابتسمت لها وقالت: ـ "يا بنتي، رحيم بيه بيموت في 'طاجن العكاوي بالبصل' ويكون مشوح في السمن البلدي وداخل الفرن.. بس بقاله كتير مأكلوش من كتر المشغل. شمرت زينب كمامها وبدأت تشتغل بحب وشغف.. قشرت البصل الصغير، وظبطت البهارات، وحطت حتت اللحمة في الطاجن وقفلت عليه في الفرن لغاية ما ريحته قلبت القصر كله وصارت تفتح النفس.

على الساعة 11 بالليل، سمعت صوت رنة خطواته المعلنة عن وصوله. دخل رحيم القصر، قالع الجاكيت والكرافت مفكوكه ، وعيونه فيها كمية إرهاق غريبة. مشي ناحية المكتب من غير ما يبص حواليه. زينب بلعت ريقها، وقلبها كان بيدق بعنف.. أخدت صينية رقيقة عليها طاجن العكاوي السخن، ورغيفين عيش بلدي سخنين، وقربت من باب المكتب.. الباب كان موارب، وشافته قاعد ورا المكتب حاطط إيده على راسه ومغمض عينه بتعب. دقت الباب بخفة، فرؤوف رحيم عينه وبص

لها بملامح حادة وإرهاق: ـ "زينب؟ في حاجة؟ مالك جراله حاجة؟ زينب دخلت بخطوات بطيئة وحطت الصينية على طرف المكتب، وبصت في عيونه بنظرة دافية ومليانة رقة ومواساة، وقالت بصوت مخنوق من التوتر:

ـ "لأ.. مالك نايم وزي الفل يا رحيم بيه.. بس.. بس أنا شوفت حضرتك بقالك كام يوم مبتأكلش وراجع تعبان، فعملتلك الأكلة اللي بتحبها.. طاجن عكاوي. أنا.. أنا نفسي بس ترتاح وتآكل لقمة دافية انا عارفه انك تعبان فى الشغل وانا مش هعرف اساعدك ولا ختى اقولك نصيحه وفى نفس الوقت متضايقه وانا شيفاك كده حاسه أن فى حاجة ومش قادره اساعدك زى ماكنت بتساعدنى وده مخلينى حاسه بالذنب جوايا .

رحيم اتسمر في مكانه، وبص للطاجن السخن وبعدين رفع عينه وبص لوش زينب الصافي اللي باين فيه الخوف عليه والرغبة الصادقة في إنها تشيل عنه.. النظرة دي لمست حتة جوة قلب رحيم الهواري مفيش مخلوق عرف يوصل لها قبل كده!

رحيم اتسمر في مكانه لثواني، عينه راحت على طاجن العكاوي السخن اللي ريحته مالت الأوضة، ورجع بص لوش زينب المتردد. وفجأة.. الملامح الصخرية والقسوة اللي كانت مغطية وشه دابت، واتسمت على شفايفه ابتسامة هادية ودافية، ابتسامة حقيقية طالعة من قلبه لأول مرة من سنين.

رحيم الهواري الراجل اللي بيملك السوق، وعنده النفوذ والفلوس وكل حاجة يتمنّاها أي حد في الدنيا، كان عنده نقص في حاجة واحدة بس.. "الحنية". الحنية الصافية اللي من غير مقابل، واللي زينب بتقدمهاله هي ومالك من يوم ما دخلت القصر. الجفا اللي عاش فيهم طول عمره، وسط صراعات السوق والناس اللي بتقرب منه عشان مصلحة أو خوف، خلوه يفرّق بين الحنية الحقيقية اللي بجد زي بتاعت زينب، وبين المشاعر المصطنعة والتمثيل اللي شبع منه.

رحيم سحب نَفَس عميق وقام من ورا مكتبه، وقرب من التربيزة الصغيرة اللي حطت عليها الصينية. بص لزينب ونبرة صوته الرخيمة رجعت هادية ودافية جداً: ـ "طاجن عكاوي وعملتيه بنفسك يا زينب؟ ده أنتِ كدة بتثبتي إنك عايزة تتعبي نفسك بجد عشان تفتحي نفسي. زينب وشها احمر وضربات قلبها زادت لما شافته ابتسم وقرب منها، فركت إيدها بكسوف وقالت بصوت واطي:

ـ تعبك راحة يا رحيم بيه.. أنا بس شوفت الوجع والإرهاق في عينك بقالك كام يوم، ومكنتش عارفة أعمل إيه يريحك.. يارب بس يعجبك." رحيم قعد على الكرسي وقرب الصينية، وبص لها بلمعة تملك وحب حقيقي كانت مستخبية ورا تعبه: ـ "هيعجبني طالما طالع من إيدك.. اقعدي يا زينب، مش هآكل لوحدي." زينب اتفاجأت وبصت له بذهول: ـ "أنا؟ لأ طبعاً يا رحيم بيه.. أنا أكلت مع مالك والحمد لله، اتفضل أنت بألف هنا."

رحيم مسك رغيف العيش السخن وقطع منه حتة، وبص لها بنظرة حازمة بس كلها دِفء: ـ "أنا مباخدش رأيك برضه يا زينب.. قولي بسم الله واقعدي، اللقمة مش هتنزل في زوري وأنتِ واقفة بتتفرجي عليا."

زينب لقت نفسها بتسلم لأمره للمرة التانية بابتسامة مكسوفة، وسحبت الكرسي وقعدت قصاده. وبدأ رحيم يأكل بشهية مظهرتش عليه من يوم ما بدأت أزمة الصافي، وكان كل شوية يبص لها ويطمنها بعينه، كأنه بيقولها إن كل الحمل اللي على كتافه بدأ يخف بمجرد وجودها جنبه وحنيتها اللي داوت روحه. وسط اللحظة الدافية دي، موبايل رحيم رن على المكتب.. وكان المتصل عمار رحيم ساب اللقمة من إيده، وملامحه رجعت جادة في ثانية وهو بيسحب الموبايل ويرد:

ـ "إيه يا عمار؟ وصلتوا لإيه في المينا؟ صوت عمار جه من الناحية التانية وهو بينهج وفيه نبرة قلق: ـ "رحيم.. الشحنة الأولى بتاعة الصافي نزلت فعلاً، والرجالة بتوعنا بيقولوا انهم مأمنين المخازن هناك بشكل مش طبيعي بس الخبر الحلو أنى قدرت اوصل للموردين دول رحيم أول ما سمع الكلمة دي، عينه لمعت بنظرة الصقر اللي لقط فريسته، وقام وقف من على الكرسي بكامل هيبته، وصوته الرخيم رجع فيه الحسم المرعب:

ـ "الله ينور عليك يا عمار.. هو ده الشغل. اسمعني، مش عايز الموردين دول يغيبوا عن عينك ثانية واحدة. تواصل معاهم فوراً وافتح معاهم خط كلام، الموردين دول انا عايز أتواصل معاهم بنفسى عمار رد بحماس: "حاضر يا رحيم، هحدد معاد معاهم واكلمك تانى قفل رحيم السكة وحط الموبايل على المكتب وهو بياخد نَفَس عميق، وعروق إيده برزت وهو مستني مكالمة الموردين عشان يقطع ان الصافى يقومله اومه تانيه .

كل ده وزينب قاعدة مكانها، عينيها عمالة تروح وتيجي عليه بذهول وقلق. الكلام اللي سمعته خطف دقات قلبها؛ شحنات، ومينا، وموردين، واسم "الصافي" اللي اتكرر كذا مرة في المكالمة وصوت رحيم اللي كان يرعب. أخدت نَفَس طويل، ولأول مرة يغلبها الفضول وتبلغ من الشجاعة إنها تتخطى حدود الصمت معاه. بصت لرحيم وهي مفركة إيديها بتوتر وقالت بصوت خافت وناعم:

ـ "رحيم بيه.. أنا.. أنا أسفة لو بتدخل في اللي ماليش فيه.. بس أنا من كتر خوفي عليك وقلقي من الأيام اللي فاتت دي، نفسي أفهم.. مين 'الصافي' ده؟ وإيه اللي بيحصل بالظبط ومخليك أنت وعمار بيه مضغوطين للدرجة دي؟ رحيم لف ببطء وبص لزينب، وعينه الثابتة الغامقة اتعلقت بملامح وشها ...

النظرة القاسية اللي كانت في عينه من ثواني هديت تماماً لما شاف نظرة الفضول والخوف الصادق في عيونها. قرب خطوة وقعد قصادها تاني، وسكت لحظة كأنه بيرتب كلامه؛ لأنه مكنش متعود يحكي شغله لحد، بس مع زينب.. حنيتها وخوفها عليه خلوه يحس إن من حقها تطمن وتعرف مين اللي بيهدد أمان البيت اللي هي فيه. ياترى مين الصافى ده ؟؟؟؟ وليه رحيم بيكر... هه اوى كده

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...