رحيم فضل باصص لزينب لحظات طويلة، لدرجة إنها حست إن قلبه بيتحرى صدق مشاعرها. اتنهد تنهيدة طويلة، وبدأ يتكلم بصوت خافت، نبرته فيها مزيج من القسوة والوجع:
ـ "الصافي ده مش مجرد منافس يا زينب.. الصافي ده كان واحد من أقرب الناس لأبويا، واحد كان بياكل من نفس الطبق اللي بناكل منه. سنين طويلة، والدي كان بيعتبره أخوه وشريكه في كل قرش بيدخل البيت. بس الطمع.. الطمع أعماه. الصافي غدر بأبويا في صفقة العمر، وسرقه في وضح النهار، وكان السبب المباشر في الإفلاس اللي جه على أبويا في آخر أيامه، والضغط النفسي اللي أدى لوفاته." رحيم سكت، وعروق إيده برزت من الغضب المكتوم وهو بيكمل:
ـ "لما مسكت الشركة، كان أول عهدي على نفسي إني أسترد كل مليم اتسرق، وأخلي الصافي يدوق نفس الكاس اللي دوقه لأبويا. وفعلًا، عملت شركه تانيه باسم جديد وخط انتاج باسم منتج جديد وده ساعدنى استحوذ على السوق و قدرت أوقع شركاتهم وأستحوذ على كل أصولهم، وكنت فاكر إني خلصت منه للأبد.. بس الظاهر إنه كان مستخبي، وجمع كل اللي فاضل له عشان يرجع يضربني كل مره ببقى جاهزله وشغله الشمال بيساعده إنه يرجع تانى
ـ "أنت عملت اللي عليك يا رحيم بيه.. وأبوك أكيد حاسس بيك وفخور بيك في مكانه. الغدر ده ذنب صاحبه، بس أنت.. أنت عديت كل ده وبقيت رحيم الهواري اللي الكل بيعمله ألف حساب." رحيم بص لها بذهول، كان مستني منها ردود فعل تانية، خوف، صدمة، أو حتى انسحاب، بس لقى فيها "دعم" غير مشروط. مد إيده وببطء شديد، لمس أطراف صوابعها اللي كانت ساندة على المكتب، في لمسة كانت بمثابة إعلان رسمي إنها دخلت "دائرته الخاصة".
ـ "عمر ما حد وقف جنبي في وجعي ده يا زينب.. الكل كان بيخاف، أو بيطمع." قاطعه رنين الموبايل تاني، وكانت مكالمة عمار. رحيم رد فوراً، وعمار صوته كان مليان حماس: ـ "لقيتهم يا رحيم! الموردين في الفندق، ومعاهم المستندات اللي بتثبت إن الصافي هو اللي موّل الصفقة، ومستنيين إشارة منك عشان يفتحوا الكلام! رحيم قام وقف، الابتسامة اختفت ورجعت له ملامح الصياد:
ـ "أنا جاي لك فوراً يا عمار.. جهز كل حاجة، الليلة دي نهاية الصافي في السوق." بص لزينب اللي كانت قايمة بتلم الصينية، وقال لها بصوت فيه حنان مفاجئ: ـ "تصبحي على خير يا زينب.. وما تقلقيش، كل شيء هيبقى تمام."
خرج رحيم من المكتب، والحرس كانوا مستنيينه برة. القصر سكن، وزينب طلعت أوضتها، بس عقلها مكنش سيباها.. هي حست إن رحيم بيحارب معارك تقيلة، وإنها بقيت جزء من حياته، ومن اللحظة دي، هي قررت إنها هتكون "الأمان" اللي محتاجه في وسط الحرب دي
رحيم نزل لعمار في الفندق، ودخل قاعة الاجتماعات بخطوات واثقة وهيبة خلت الموردين الأجانب يتسمروا في أماكنهم. مكنش محتاج يزعق ولا يهدد، نظراته بس كانت كفيلة إنها توصلهم إنهم قدام "الأخطبوط" الحقيقي اللي بيحرك السوق. **في الاجتماع:** رحيم قعد على رأس الطاولة، وبدأ يتكلم بإنجليزية بطلاقة وثبات، عرض عليهم صفقة ما تترفضش. رحيم عرض عليهم إنه يشتري "كل" كميات الألبان اللي كانوا ناويين يورّدوها للصافي،
بس بشرط: مفيش جرام واحد يروح للصافي، وكل الشحنات تتصدر لمصانع رحيم الهواري ومزارعه عشان يتم إعادة تعبئتها وتصديرها لدول تانية بربع الثمن وبجودة أعلى، وده هيضمن للموردين سوق أوسع وأرباح أضعاف اللي كانوا هياخدوها من الصافي.
الموردين، بعد ما شافوا قوة رحيم في السوق وفهموا إنه هو اللي ماسك خيوط اللعبة، وافقوا فوراً وبدون أي تردد. رحيم سحب البساط من تحت رجول "الصافي" في دقايق، وخلّاه واقف قدام المينا من غير بضاعة، ومن غير موردين! **في نفس اللحظة.. داخل القصر:*
زينب كانت واقفة في جنينة القصر بتتمشى، وفجأة لمحت خيال حد بيتحرك ورا سور القصر من ناحية الجنينة الخلفية. قلبها دق بسرعة، وفكرت في كلام رحيم عن أعداءه. حاولت تطمن نفسها وتقول إن ده أكيد حد من الحرس، بس الخيال كان غريب ومريب. فجأة، لمحت موبايل مرمي على الأرض قريب منها، كأنه وقع منه وهو بيتحرك. زينب قربت منه بفضول وقلق، ولقت الموبايل بينور برسالة.. الرسالة كانت واضحة جداً، ومكتوب فيها
"الهدف في القصر حالياً.. رحيم غايب، والمكان متأمن غلط من الناحية الغربية.. ابدأ التنفيذ دلوقتي! زينب دمها جمد في عروقها.. "الهدف"؟ يعني مالك؟ الرسالة كانت صاعقة. جريت بسرعة ناحية القصر، وهي بتدور على أي حد من الحرس، بس لقيت إن المنطقة فعلاً شبه فاضية معنى كده ان فى حد فعلاً جوه القصر وبيحاول يخطف مالك رحيم كان بيوقع العقود مع الموردين وعمار جنبه، وفجأة الموبايل رن.. كان رقم "زينب". رحيم رد بلهفة وقلق لأول مرة:
ـ "زينب؟ في حاجة حصلت؟ صوت زينب كان بيترعش، وبصوت خافت جداً وكله رعب: ـ "رحيم.. أنا.. أنا لقيت رسالة.. فيه حد.. فيه حد عايز يدخل القصر، مكتوب فيها إن 'الهدف' موجود، وإنه لازم يبدأ دلوقتي.. أنا خايفة يا رحيم، خايفة على مالك! رحيم، في اللحظة دي، بركان غضبه انفجر، عيونه اسودت تماماً وبص لعمار بنظرة عرف فيها إنها "حرب".
ـ "اسمعيني يا زينب.. خدي مالك، وأي حد معاكي، وأدخلي الاوضه بتاعتك دلوقتي واقفلي الباب وماتفتحيش لأي حد مهما كان.. سامعاني؟ أنا دقايق وهكون عندك! رحيم قفل السكة، وخرج يجري ناحية العربية وكأنه صاروخ، وعمار وراه، والبوادي جاردز كلهم في حالة استنفار قصوى. زينب قلبها كان بيدق طبول في صدرها من الخوف، مالك كان بيسأل بطفولة: "في إيه يا زينب؟ ليه بنستخبى؟ " وهي بتحاول تكتم شهقاتها وتغطي بقه بإيدها،
وتهمس له: "اششش.. خليك ساكت يا حبيبي، إحنا بنلعب استغماية مع بابا، لازم نفضل ساكتين خالص". في اللحظة دي، صوت تكسير زجاج في الدور الأرضي خلى جسمها يترعش، وخطوات تقيلة وبنادق بتتحرك في الممرات.. رجال رحيم كانوا دخلوا القصر بمهارة فائقة، وبدأوا في تفتيش البيت وتأمين كل ركن، في الوقت اللي كانت فيه المجموعة المتسللة بتحاول توصل للجناح الغربي.
زينب، بحركة سريعة ومجنونة من شدة الرعب، سحبت مالك ودخلوا الاتنين جوه الدولاب الضخم في أوضتها، وشدت الهدوم عليها عشان تتوارى تماماً، وغمضت عينيها وهي بتدعي ربنا إن رحيم يوصل قبل ما حد يوصل لهم.
دقائق زي الدهر عدت.. وفجأة، باب الأوضة اتفتح بعنف. رحيم دخل زي الإعصار، عيونه بتمسح المكان بتركيز قاتل، سلاحه في إيده، ومجرد ما شاف الأوضة هادية، ملامحه زادت حدة وقلق. بدأ يدور في كل حتة، تحت السرير، ورا الستائر، لحد ما وقف قدام الدولاب.. بص له لحظة، وقرب ببطء وحذر.. فتح درفة الدولاب بضربة واحدة، واتجمد في مكانه!
قدامه كانت زينب، وشها أبيض من الخوف ، عيونها مليانة دموع ورعب، حاضنة مالك بكل قوتها ومخبياه جوه حضنها، والهدوم اللي كانت بتداري بيها نفسها وقعت على كتافها بشكل عشوائي، رحيم، في لحظة واحدة، سلاحه نزل، وكمية الرعب اللي كان حاسس بيها على حياتهم تحولت لنظرة "ضعف وحماية" مفيش زيها. ركع قدام الدولاب، رمى سلاحه جنبه، ومد إيده يمسك وش زينب برقة غير معهودة: ـ "خلاص.. أنا جيت. مفيش حد هيلمسكم، أنا هنا يا زينب.. أنا هنا.
زينب بمجرد ما سمعت صوته، سابت نفسها للانهيار في حضنه، ومالك خرج من حضنها عشان ينط في حضن أبوه، ورحيم ضمهم الاتنين بقوة وكأنه بيحاول يدخلهم جواه عشان يحميهم من العالم كله. رحيم كان لسه حاضن زينب ومالك جوه الدولاب، أنفاسه بدأت تهدى تدريجياً وهو حاسس برعشة جسم زينب اللي بدأت تقل في حضنه. أخد نَفَس عميق، وبص في عيونها اللي لسه غرقانة دموع، وقال بصوت منخفض بس مليان حسم دافي:
ـ "خلاص يا زينب.. أنا جيت اطلعي مع مالك، عمار برة مع الحرس وهيأمنكم في الجناح التاني لحد ما افهم الناس دى دخلت ازاى زينب هزت راسها بقلة حيلة، وخرجت من الدولاب وهي ماسكة في إيد مالك اللي كان لسه مخضوض. رحيم قام وقف بكامل طوله وهيبته، الملامح الدافية اتمحت في ثانية، ورجع وش الصخر اللي السوق كله بيترعب منه. سحب سلاحه، وعمرّه بخطوات ثابتة ونزل السلم. في الصالون الكبير تحت..
المنظر كان مرعب. الجرحى من رجالة المتسللين مرميين على الأرض، ورجالة رحيم محاوطين المكان بالأسلحة. وفي النص، كان واقف "منصور" رئيس الحرس، وشه جايب ألوان وجسمه كله بيترعش، وعمار واقف قصاده وعيونه بتطلع نار. أول ما خطوات رحيم الرخيمة رنت على السلم، الصمت حل في المكان، والكل حبس أنفاسه. رحيم نزل، حط إيده في جيبه، وبص لمنصور بنظرة باردة ومميتة. قرب منه خطوة، وقام ماسك منصور من ياقته
كنت فين يا منصور وطول ما انا بره مأمنتش القصر ليه ـ منصور بلع ريقه بصعوبة، وعينيه كانت بتتحرك برعب بين نظرات رحيم المميتة وقبضة إيده اللي زي الحديد على ياقته. وصوته طلع مخنوق وبيتفصّد عرق: ـ "يا رحيم بيه.. والله العظيم أنا ما قصرت ولا سبت مكاني!
أنا كنت قاعد في غرفة المراقبة، وفجأة لمحت في الكاميرات حركة غريبة.. ناس بتتسحب وبتحاول تقطع السلك وتدخل من السور الخلفي للمظلة. في ثانية سحبت الرجالة وجرينا كلنا على هناك عشان نلحقهم قبل ما يخطوا خطوة واحدة جوه الجنينة.. مكنتش أعرف إنها ملعوبة! مكنتش أعرف إن دي مجرد حرك تشتيت، وإن المجموعة الأساسية والتقيلة كانت مستنية أول ما نسيب السور الغربي فاضي عشان يقتحموا من هنا!
رحيم فضل باصص في عين منصور لثواني، وعينيه الصقرية كانت بتقرأ كل ملامح في وشه عشان يتأكد لو كان خاين ولا مغفل وتم استغلاله. ساب ياقته بنفضة قوية رمته لورا خطوتين، وطلع منديل من جيبه يمسح إيده ببرود قاتل وهو بيتكلم بصوت هادي مرعب: ـ "يعني اتلعب بيك يا منصور.. يعني الصافى بعتلك شوية عيال يشتتوك في السور الخلفي، وأنت زي المغفل أخدت قوتك كلها وسبتلي زينب ومالك في وش المدفع؟
ـ "سامحني يا رحيم بيه.. الغلطة دي برقبتي، أنا عمري ما خنتك ولا عمري أبيع لقمة العيش اللي أكلتها في بيتك.. الصافي والكلاب اللي معاه هما اللي خططوا لده، وكانوا عارفين إن دمي حامي ومستحيل أشوف حد بيقرب من السور وأسكت." عمار قرب من رحيم وجز على سنانه بعصبية:
ـ "كلامه مظبوط يا رحيم.. الرجالة اللي برة مسكوا المجموعتين، المجموعة اللي عند السور الخلفي مكنش معاهم غير أسلحة خفيفة للتمويه، أما اللي دخلوا القصر هنا دول اللي كانوا جايين للتنفيذ.. اللعبة متخططة على مستوى عالي والهدف كان كسر ضهرك بمالك." رحيم لف ضهره ليهم، وبص من الشباك الإزاز الكبير للجنينة، ملامحه كانت خالية من أي رحمة، الابتسامة الباردة ظهرت على وشه وهو بيلعب بخاتمه الفضة:
ـ "الصافي بيلعب بآخر كارت في إيده يا عمار.. لما لقى الموردين طاروا من إيده وشحنته بقت تراب، حب يحرق قلبي. منصور.. هتقوم تقف على رجلك، وتاخد الرجالة وتلفلي القصر ده شبر شبر، وتزود الحراسة تلات أضعاف، ولو نملة هزت السلك برة، هحاسبك برقبتك." منصور قام بسرعة وهو بيمسح وشه وعينيه لمعت بامتنان: ـ "رقبتي سدادة يا رحيم بيه.. مش هنام لحد ما القصر يبقى حصن." رحيم التفت لعمار وقال بنبرة حاسمة:
ـ "خدهم على المخازن يا عمار.. الكلاب اللي اتمسكت جوه القصر دي، مش عايزهم يشوفوا الشمس لحد ما ينطقوا بكل اسم وكل خيط واصل للصافي وللأخطبوط.. الحرب خلاص بقت عيني عينك، واللي هيقرب من عيلتي هنهيه من على وش الأرض." عمار هز راسه بقوة وسحب الرجالة وبدأوا ينقلوا المصابين برة القصر . رحيم أخد نَفَس عميق، وعدل قميصه، وطلع السلم تاني بخطوات هادية.. أزمة الصافي بدأت تتوغل في بيته، ولازم من هنا ورايح يأمن كل خطوة.
دخل رحيم اوضه مالك و قفل الباب وراه بالراحة، كأنه بيقفل على العالم كله برة. خطواته الثابتة الهادية لحد ما وقف قدام السرير. عيونه الغامقة، اللي كانت من دقائق بتطلع نار وتحكم بالموت، لانت تماماً واتملت بنظرة دافية وصافية وهو بيبص لزينب.
زينب كانت ساندة ضهرها على السرير، ومالك الصغير نايم في حضنها، راسه على رجليها ونفسه هادي ومنتظم بعد الرعب اللي عاشه. أول ما رحيم قرب، زينب رفعت عيونها الواسعة اللي لسه فيها أثر الدموع، وبصت له بنظرة ممتزجة بالخوف والراحة الحقيقية.. الراحة اللي مابتشعرش بيها إلا وهو موجود.
رحيم مقالش ولا كلمة في الأول. قعد على طرف السرير بالراحة عشان مالك مايصحاش، ومد إيده الطويلة، وبأطراف صوابعه مسح دمعة هربت من عين زينب على خدها. اللمسة دي كانت دافية لدرجة خلت زينب تغمض عينيها وتستسلم لأمانه. رحيم اتكلم بصوته الرخيم، بس النبرة المرة دي كانت واطية وحنونة جداً: ـ "لسه بتترعشي يا زينب؟ أنا مش قولتلك طول ما أنا فوق الأرض محدش يقدر يمس شعرة منك؟ زينب فتحت عينيها وبصت له، وصوتها طلع ناعم وخافت:
ـ "مبقتش خايفة يا رحيم بيه.. طول ما أنت هنا، أنا حاسة إن الدنيا كلها متأمنة. أنا بس.. خفت على مالك.. وخفت عليك أنت كمان لما عرفت إن الصافي بيحاربك في كل حتة." كلمة "وخفت عليك أنت كمان" نزلت على قلب رحيم زي البلسم. الراجل الصخر، الأخطبوط اللي الكل بيخاف من جبروته، لقى البنت الرقيقة دي بتخاف عليه هو! رحيم قرب منها أكتر، لدرجة إن أنفاسهم حست ببعضها، وبص في عيونها بلمعة تملك وعشق حقيقي مابقاش قادر يداريه:
ـ "أنا مفيش حاجة تكسرني في الدنيا دي يا زينب.. إلا إن حاجة تمسك أنتِ والواد ده. من النهاردة، مفيش 'رحيم بيه' وإحنا لوحدنا.. أنا رحيم بس، الأمان اللي هتعيشي فيه طول عمرك." زينب وشها اتصبغ باللون الأحمر والدموية رجعت لخدودها بالكامل، نزلت عينيها بكسوف وهي بتفرك في غطا السرير، فلقيت إيد رحيم القوية والمحملة بالدفء بتغطي إيدها الصغيرة وتشدد عليها كأنه بيثبت ملكيته ليها ولأيامها الجاية.
رحيم عدل قعدته، ونام على السرير جنبهم بكامل أناقته، وسحب مالك بالراحة لصدوره، وفي نفس الوقت مد دراعه التاني وطوق بيه كتف زينب، وقربها منه لحد ما راسها بقت ساندة على كتفه العريض. زينب في الأول اتسمرت من الكسوف، بس أول ما شمت ريحة عِطره النفاذ وحست بدقات قلبه القوية والمنتظمة تحت راسها، سابت نفسها تماماً وحطت إيدها على صدره، وكأنها لقت الملاذ والأمان اللي كانت بتدور عليه طول حياتها.
رحيم دفن وشه في حجابها، وأخد نَفَس عميق وهو بيقفل عينيه، ولأول مرة من سنين طويلة، يحس إن جبل الهموم اللي على كتافه اتمحى، وإن الإعصار اللي جواه هدي تماماً.. نام رحيم الهواري وهو حاضن دنيته كلها، ومستعد يهد العالم عشان الضحكة والهدوء ده يفضلوا في بيته.
زينب فتحت عينيها ببطء مع أول خيوط شمس الصبح وهي بتتحرك على سرير الجناح. في أول ثواني، كانت لسه مشحونة ببقايا كابوس امبارح، بس أول ما استوعبت هي فين ومع مين، قلبها دق بعنف والدموية هربت لوشها بالكامل.
لقت نفسها لسه ساندة راسها على صدر رحيم، وإيده القوية محاوطاها بحنان وتملك، ومالك نايم في النص بسلام كأنهم عيلة حقيقية. حست بإحراج رهيب، وحاولت تتحرك بالراحة جداً وتسحب نفسها وتعدل قعدتها عشان تقوم من غير ما تصحيه، وقلبها عمال يدق من الكسوف لخوفها من إنه يصحى ويلمح الحرج في عيونها.
بس حركتها الخفيفة دي كانت كفيلة تصحي صقر الهواري اللي نومه خفيف بطبعه. رحيم فتح عينيه الغامقة ببطء، وبص لوشها المحمر وعيونها المربكة اللي مش عارفة تروح فين من الخوف والكسوف. رحيم ابتسم ابتسامة هادية ودافية جداً، الابتسامة الصافية اللي مبيطلعهاش إلا ليها، وعدل قعدته ونزل إيده بالراحة وهو بيبص لها بنظرة كلها احتواء، وقال بصوته الرخيم الدافي: ـ "صباح الخير يا زينب.. شكلك لسه صاحيه ؟
أنا ماحبتش أسيبكم بالليل لوحدكم.. خفت حد فيكم يصحى مفزوع من اللي حصل امبارح. زينب بلعت ريقها ونزلت عينيها الأرض، بس كلامه لمس قلبها وداوى كل الإحراج اللي كانت حاسة بيه، وحلت مكانه موجة دفا وطمأنينة خلتها ترفع عينيها وتبص له بامتنان حقيقي. زينب رفعت عينيها وبصت له بنظرة مليانة رقة وقالت بصوت هادي: ـ "صباح النور يا رحيم.. تسلم وتعيش، وجودك بجد كان أكبر أمان لينا، لولاك مكنتش عارفة كان إيه اللي ممكن يحصل."
رحيم ابتسم وطبطب على كتفها بحنان، وقام وقف بكل هيبته وهو بيستعد ليومه الجديد. نزل السلم ودخل مكتبه، ومقعدش كتير لحد ما وصل عمار ومعاه أخبار قلبت الموازين بالكامل. عمار دخل والضحكة مالية وشه، وحط اللاب توب والملفات قدام رحيم وقال بحماس: ـ "يا رحيم، اللعبة انتهت خلاص! الضربة اللي عملتها مع الموردين في المينا خلت شركة الصافي تنهار بالكامل وتعلن إفلاسها في كام ساعة!
السوق كله قفل في وشه، وبسبب الشحنات اللي وقفت دي، البنوك حركت قضايا القروض اللي عليه، وبقى مديون بأرقام خيالية هيصعب عليه دفعها أبداً." رحيم سحب نَفَس عميق وظهرت الابتسامة الباردة على وشه وهو بيلعب بخاتمه الفضة: ـ "والأهم من القروض يا عمار؟ عمار ضحك وقال:
ـ "الأهم إن البوليس دلوقتي بيطارده في كل حتة بتهمة النصب والتهرب من الديون والشغل الشمال، يعني الصافي خلاص انتهى وما بقاش ليه رجل في السوق ولا برة السوق، وهيقضي بقية عمره هربان من السجن! رحيم اتنهد بارتياح حقيقي، وحس إن تار أبوه رجع كامل والشر اللي كان بيهدد بيته اتمحى للأبد. بص لعمار وقال بامتنان: ـ "تسلم إيدك يا صاحبي.. لولا وقفتك جنبي مكنتش الصفقة دي كملت."
عمار ملامحه اتغيرت وبقت هادية، وظهرت في عينه لمعة فرحة مستقرة، وقال بنبرة صادقة: ـ "بما إن المعركة خلصت يا رحيم، وكلاب الصافي بقوا في إيد الشرطة.. أنا جه الوقت اللي أفكر فيه في نفسي وفي الأمان اللي بدور عليه." رحيم ابتسم بفهم: ـ "قصدك عزة؟ عمار هز راسه بقوة: ـ "أيوة.. أنا راجع المزرعة حالا، وهطلب عزة للجواز رسمي من ست حنان.. مش عايز أضيع وقت تاني." رحيم طبطب على كتفه بفخر:
ـ "توكل على الله يا عمار، وأنا معاك وضهرك كالعادة." في مساء اليوم التالي، استقبلت ماما حنان عمار في مكتب الدار بترحاب حار، وعمار مأكّدش وقت ودخل في الموضوع علطول، وطلب إيد عزة رسمي بكلمات طالعة من أعماق قلبه، ووعدها إنه هيكون ضهرها وأمانها ويعوضها عن كل اللي شافته. ماما حنان نادت على عزة، اللي دخلت ووشها زي الطماطم من الكسوف، باصة في الأرض وبتفرك في إيدها. عمار بص لها بنظرة دافية ومطمئنة وقال بصوته الصادق:
ـ "أنا شاري ومستني كلمتك يا عزة.. وعايزك معايا في المزرعة نبني حياتنا سوا." عزة رفعت عينيها لثواني، لقت في عيون عمار كل الأمان والصدق اللي حرمتها منه الأيام، هزت راسها ببطء بابتسامة خجولة أعلنت فيها موافقتها، والزغاريد ملأت أرجاء الدار وفرحة الأطفال هزت المكان.
ومرت الأيام بسرعة، وتمت كتب الكتاب والزفاف في حفل دافي وجميل حضره رحيم وزينب ومالك، وانتقلت عزة عشان تعيش مع عمار في بيته الجميل جوه المزرعة، وبقت هي اللي مسؤولة عن حسابات المزرعة وحياته وقلبه، وعاشوا في دفا وأمان حقيقي بعد كل العواصف اللي مرت بيهم. يوم فرحهم عربيتهم وقفت قدام فيلا المزرعة، . عمار نزل من العربية بهيبته المعتادة، لابس بدلته السوداء الأنيقة اللي مبرزة طوله وعرضه، ولف بسرعة فتح الباب لعزة.
عزة كانت قاعدة جوه والكسوف والتوتر عمالين ياكلوا فيها، فستانها الأبيض الرقيق مطرز ببساطة ونعومة ومبرز ملامحها الخجولة الصافية. عمار مد إيده القوية لها بابتسامة دافية طيرت نص التوتر اللي جواها، عزة حطت إيدها الصغيرة في إيده ونزلت بالراحة وهي لسه بتعرج بسيط ومكسوفة من مشيتها، بس عمار مكدبش خبر.. في ثانية شالها بين إيديه بحنان وقوة داب معاهم كل توتر الحضور والناس. عزة شهقت بخضة وهمست وهي دافنة وشها في صدره:
ـ "عمار.. ينفع كده؟ نزلني بالراحة أرجوك المزرعة كلها بتتفرج! عمار ضحك بصوته الرجولي القوي وهو داخل بيها البوابة الكبيرة: ـ "المزرعة مزرعتي، واللي واقفة في حضني دي مراتي وست بيتي خلاص.. من النهاردة مفيش خوف ولا فيه حواجز يا عزة."
دخل عمار الفيلا ونزلها بالراحة في الصالون الواسع المليان بالهدوء والروائح الدافية. عزة وقفت وهي بتعدل فستانها ووعينيها بتدور في المكان بذهول وإعجاب من شياكة البيت ونظامه، عمار قرب منها من وراها، قلع جاكيت البدلة ورماه على الكرسي، وفك أول زرارين من قميصه ووقف قصادها بالظبط، وعينيه الحادة والجدية اتمحت تماماً وحلت مكانها نظرة عشق حقيقي طالعة من أعماق قلبه.
مد إيده بالراحة ورفع وشها المكسوف لحد ما عيونها التقت بعيونه، وقال بنبرة صادقة هزت كيانها: ـ "مبروك عليا أنتِ يا عزة.. مبروك عودة الروح لبيت عمار. زمان لما جيت لرحيم وأنا مكسور ووحيد، كنت فاكر إن الدنيا مش هتصالحني أبداً، بس ربنا كان شايل لي الفرحة الكبيرة في عيونك أنتِ. من النهاردة، الحسابات القديمة كلها اتقفلت.. المزرعة دي، والبيت ده، وروحي دي.. كلهم ملكك."
عزة دموع الفرحة لمعت في عينيها غصب عنها، ولأول مرة تحس إن حواجز الحديد اللي بنتها سنين طوال انهارت بالكامل قدام رجولته وحمايته الصادقة. بلعت ريقها، ورفعت إيدها عفوياً حطتها على صدره العريض وقالت بصوت خافت ورقيق ماليان حب: ـ "الله يبارك فيك يا عمار.. أنا اللي عمري ما كنت أتخيل إن ربنا هيعوضني براجل زيك، يصونني ويخليني أحس بقيمتي وكرامتي. ربنا يخليك ليا ويديمك ضهري وأماني."
عمار ابتسم ابتسامة نصر وسعادة حقيقية مالي عينه من ملامحها، وطبع بوسة دافية على جبينها، وأخدها في حضنه بقوة وكأنه بيقفل عليها من العالم كله . التاسع والعشرين والاخير من هنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!