تحميل رواية الأخطبوط بقلم أماني سيد pdf
بقلم أماني سيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عارفه يا نبويه انا نفسى اجوز ابنى لبنت مايكنش ليها حد يسأل عنها عايزه واحده تبقى زى الخاتم فى صباعى اقول يمين تبقى يمين شمال تبقى شمال عايزه واحده كده تبقى خدامه تحت رجليا وتسمع كلامى ومحدش يقولى انتى بتعملى ايه يا امنيه حياتى يا نبويه بس للاسف كل اللى رحنا اتقدمنا ليهم عنيهم تدب فيها رصاصه وقال ايه رافضيين يعيشوا معايا عايزين شقه منفصله ... وانا ابنى غلبان اخاف اجوزه واحده تضحك عليه لازم يقعد معايا عشان اخلى باله منه لحسن مراته تركب عليه وتدلدل واللى يقولك الحل يا عايده تديله ايه إيه ده انتى تع...
رواية الأخطبوط الفصل الأول 1 - بقلم أماني سيد
ـ عارفه يا نبويه انا نفسى اجوز ابنى لبنت مايكنش ليها حد يسأل عنها عايزه واحده تبقى زى الخاتم فى صباعى اقول يمين تبقى يمين شمال تبقى شمال
عايزه واحده كده تبقى خدامه تحت رجليا وتسمع كلامى ومحدش يقولى انتى بتعملى ايه
يا امنيه حياتى يا نبويه بس للاسف كل اللى رحنا اتقدمنا ليهم عنيهم تدب فيها رصاصه وقال ايه رافضيين يعيشوا معايا عايزين شقه منفصله ...
وانا ابنى غلبان اخاف اجوزه واحده تضحك عليه لازم يقعد معايا عشان اخلى باله منه لحسن مراته تركب عليه وتدلدل
ـ واللى يقولك الحل يا عايده تديله ايه
ـ إيه ده انتى تعرفى واحده بالمواصفات دى ومخبيه
ـ لأ بس اعرف ممكن تجبيها منين
ـ ماتنطقى يا وليه على طول اجبها منين دى وانا من بكره اجوزه
ـ المواضيع مابتتخدش قفش كده يا عايده واحده واحده عشان كل حاجه تمشى زى مانتى عايزه
بصى هتروحى دار ايتام موجود في محافظة البحيرة وقضى يوم كده هناك بحجه إنك عايزه تعملى خير
ـ واشمعنى الدار دى يا نبويه
ـ نبوية بخبث: "بصي يا عايدة، الدار دي فيها بنات زي الورد، بس الأهم إنهم مقطوعين من شجرة. يعني لا خالة تسأل ولا عم يفتش وراكي. هتروحي هناك وتفرزي بعينك.. تنقي اللي ملامحها هادية، اللي عينها مكسورة شوية، وتتقربي منها بالحنية في الأول.
أكلة حلوة من إيدك، كلمتين يثبتوها، هتحس إنك الأم اللي اتحرمت منها. وساعتها لو قولتلها ارمي نفسك في النار عشان خاطر "سي محمد" ابني، هترميها وهي مغمضة. والبنت من دول هتبقى شايفة إن قعدة البيت معاكي دي الجنة اللي كانت بتحلم بيها، ولا هتطلب شقة لوحدها ولا هتقول "لأ" ليكي أبدًا.
عايدة بلهفة: "يا بنت اللعيب يا نبوية! تصدقي فكرة؟ أهو هناك أضمن إن مفيش حد يقوّيها عليا، والبت تبقى تحت رجلى وتخدمنا برمش عينيها. بس تفتكري الإدارة هناك هتوافق بسهولة؟"
ـ "يا خيبة.. انتي هتدخلي بشنطة الخير في إيد،
وبالنوايا الحسنة في الإيد التانية وكام كلمه حلوه على كام وعد كده. ومحمد ابنك بشغله وحاله يشجع أي حد. إحنا بس نوقع البنت في حبك انتي الأول، والباقي كله مقدور عليه."
عايدة وعينيها بتلمع:
ـ أنا من بكره هحضر شنط الأكل وأسأل على عنوان الدار دي.. ده أنا هخليها خاتم في صباعي بجد، ومحمد يا عيني هيرتاح من وش النسوان اللي شايفين نفسهم اليومين دول.
ـ المهم انك قبل ما تروحى فى حته عرفى ابنك الاول انتى ناويه على ايه
ـ ومن امته محمد ليه كلمه انا هنا الكلمه كلمتى والشوره شورتى اروح الاول واختار البت واختبرها براحتى وبعدين ابقى أقول لمحمد
المهم عايزاكى تفضى انتى كمان وتيجى معايا
— نبوية وهي بتعدل طرحتها: "خلاص يا عايدة، اعتبريني معاكي من النجمة، أهو أكسب فيكي وفى ابنك ثواب، والواحد برضه يغير جو في البحيرة ونشوف العرايس اللي هناك."
عايدة وعينيها بتلمع بشر: "أيوه كدة يا نبوية، هو ده العشم.. أنا بقى هقوم دلوقتي أطلع اللحمة من الفريزر، وهبعت أجيب جوزين بط وفراخ بلدي، لازم الأكل يبقى يرم العضم، عشان اللي مابتعرفش تمسك السكينة وتوقفي قدام البوتاجاز من أولها كده تطلع بره حساباتي، أنا مش عايزة واحدة جاية تتمنظر بجمالها، أنا عايزة خدامه فى عقد زواج
أنا عايزة أشوفهم وهمّ غرقانين في الزفر والخضار، مش جاية أضايفهم أنا.. أنا رايحة أنقي اللي حمالة قسية وإيدها واخدة على الشقى."
بدأت عايدة فعلًا تلمّ الشنط، حطت فيها اللحمة لسه بدمها، والفراخ والبط بخيرهم، وشكاير الرز والخضار. كانت بتنقي الحاجة اللي "غلبتها" كتير؛ القلقاس اللي محتاج تقشير وتخريط، والبصل اللي ريحته بتفضح النفس، والبط اللي محتاج مجهود في التنظيف.
نبوية كانت واقفة تتفرج عليها وهي بتقول: "أيوه يا عايدة، زودي من القلقاس والسبانخ، الحاجات دي هي اللي بتبين الست اللي بتعرف تخدم البيت بجد، مش اللي آخرها تعمل مكرونة وبانية."
في صباح اليوم التالي..
الطريق لمحافظة البحيرة كان طويل، بس عايدة مكنتش حاسة بالوقت، كانت بترسم في خيالها صورة البنت اللي "عينها مكسورة" وهي واقفة قدام البوتاجاز بتنفذ أوامرها. أول ما العربية وقفت قدام باب دار الأيتام، عايدة عدلت العباية السمرة، ونزلت هي ونبوية وهما شايلين الشنط التقيلة بالعافية عشان يبانوا إنهم "أهل خير" وتعبانين في شيل الأمانة.
دخلوا لمديرة الدار، وعايدة رسمت على وشها ابتسامة حنينة أوي، وقالت بصوت واطي ومكسور:
ـ انا جايه من مصر مخصوص عشان ننول بركة البنات دول فى ناس حبايبنا هنا كلمونا كتير عنهم وعم ادبهم وانا بصراحه قاعده عند قرايبى وقولت اجى اقضى يوم هنا و بدل ما نجيب أكل جاهز ملهوش طعم، نجيب الخير ونطبخه هنا وسطيهم، يشموا ريحة الطبيخ البيتي ويحسوا إن ليهم أهل أنا ماليش بنات ونفسى فى بنت فقولت اجى هنا مع البنات دى .. بس أنا زي ما أنتي شايفة يا بنتي، صحتي على قدي ورجلي بتوجعني، فلو تسمحيلي بكام بنت من الكبار الشاطرين يساعدوني في المطبخ، أهم يتعلموا وأهم يسلوني."
المديرة رحبت بيهم جدًا وانخدعت في المنظر، وندت على ٥ بنات من كبار الدار، سنهم يترواح من ١٨ ل ١٩ سنه وقالتلهم: "ساعدوا الحاجة عايدة يا بنات، ده يوم خير."
عايدة أول ما دخلت المطبخ مع البنات هى و نبوية، بدات فى تقييم البنات ، حطت الشنط على الرخامة وقالت بلهجة فيها أمر مستتر ورا ضحكة صفرا:
"بصوا بقى يا حلوين، أنا مابحبش حد يمد إيده في الأكل غير لما يغسل إيده بالصابونة دي.. يلا يا شاطرة أنتي وهي، البط ده عايز يتنظف ويبقى قشطة، والقلقاس ده يتخرط مكعبات قد بعضها، والرز يتنقى بالواحدة.. أنا هقعد هنا أنا والست نبوية نشرف عليكم، ونساعدكم
قعدت عايدة على كرسي في ركن المطبخ، وطلعت سبحتها، بس عينيها مكنتش على السبحة.. عينيها كانت زي الرادار، بتراقب مين اللي مسكت السكينة بتمكن، ومين اللي وشها كشر من ريحة البصل، ومين اللي بدأت تشتغل من سكات وهي مطأطأة راسها.
نبوية مالت على ودن عايدة وقالتلها وشوشة: ـ
ـ شوفي البت اللي لابسة طرحة بيضا هناك دي يا عايدة، إيدها خفيفة في تنظيف البط وساكتة خالص، لا اشتكت من ريحة ولا رفعت عينها فيكي."
عايدة ضيقت عينيها وهي بتراقب البنت، وقالت ببرود:
ـ "لسه يا نبوية.. الاختبار لسه في أوله، لما نشوف نفسها في النفس والتحمير هيبقى إيه، واللاهم من ده كله.. هتستحمل لساني لما أعلق على شغلها ولا هتتذمر؟"
فضلت عايده قاعده وتفتح مواضيع مع البنات عن حياتهم وتربيتهم
ولاحظت إن فى بنت فيهم هاديه زيادة عن الباقى البنت اللى كانت بتنضف البط وبدأت عايده تركز معاها اكتر فى الاسئله والبت بتجاوبها على استيحاء
عايدة مالت بجسمها لقدام شوية وهي بتراقب "زينب" ومنزلتش عينها من عليها، البنت كانت شغالة في صمت رهيب، إيدها بتتحرك بمهارة في تنظيف البط وماسكة السكينة بخفة، وملامحها فيها هدوء غريب يريح الأعصاب.. جمالها هادي وبسيط، وعينيها فيها نظرة "انكسار" هي دي اللي عايدة بتدور عليها.
عايدة بصوت واطي لنبوية: "شايفة يا نبوية؟ البت دي لا بتبرطم ولا بتنفخ زي الباقيين، وشكلها كده مالهاش في اللت والعجن."
عايده همست لنبويه بصوت واطى
ـ عايزاكى تروحى تسالى عنها وتعرفى ايه قصتها
وانا هفضل هنا اتكلم معاها واتعرف عليها
عايدة عدلت طرحتها ورسمت على وشها ابتسامة حنية، وقامت من مكانها بالراحة وهي بتتسند على العصاية تمثيل، وراحت وقفت جنب زينب اللي كانت لسه بتنضف الخضار .
مدت عايدة إيدها وطبطبت على كتف زينب بحنان مصطنع وقالت بصوت هادي وواطي:
ـ بسم الله ما شاء الله عليكي يا بنتي.. إيدك فيها البركة، والله فكرتيني بنفسي وأنا قدك، كنت شاطرة وبحب اللمة والخدمة زيك كده.
زينب رفعت عينيها وبصت لعايدة بامتنان، وكأنها أول مرة تسمع كلمة حلوة من حد غريب
ـ تسلمي حضرتك ده من ذوقك والله.. أنا بس بحب الحاجة تطلع مظبوطة عشان اللي ياكل يدعي لنا."
عايدة لفت إيدها حوالين كتف زينب وكأنها خايفة عليها من الهوا: "يا حبيبتي يا بنتي.. والله قلبي انشرح لك من أول ما شوفتك. تعالي يا زينب، سيبي السكينة دي لحظة وارتاحي.. أنتي باين عليكي شايلة الهم من صغرك والدار هنا حملها تقيل."
نبوية كانت بتراقب المشهد من بعيد وهي بتضحك في سرها على تمثيل عايدة اللى لو مكنتش متفقه معاها كانت صدقتها
عايدة سحبت كرسي صغير وقعدت جنب زينب وهي لسه محاوطاها بإيدها، واتكلمت بصوت واطي كأنها بتوشوش سر:
ـ قوليلي يا زينب يا ضنايا.. أنتي كملتي علامك ولا الدار هنا اكتفوا بيكي في المطبخ؟"
زينب بابتسامة رقيقة ومرسومة بالخجل:
ـ لا حضرتك ، أنا الحمد لله أخدت دبلوم تجارة.. كان نفسي أكمل كلية بس النصيب، والدار هنا وقفوا جنبي لحد ما خلصت، ومن وقتها وأنا بساعدهم في كل حاجة؛ طبيخ، تنظيف، حتى حسابات المطبخ أنا اللي بمسكها."
عايدة لمعت عينيها أكتر وقالت في سرها
"يعني كمان بتعرف تحسب وتدبر؟ ده أنتي لقطة مكنتش أحلم بيها!".. وراحت قايلة بصوت مسموع:
ـ يا ما شاء الله.. متعلمة وشاطرة ومدبرة! طب وأنتي يا بنتي، عمرك ما فكرتي تخرجي بره الدار دي؟ يعني تشتغلي، أو... تفتحي بيت؟"
زينب وطت راسها في الأرض والكسوف غطا وشها: "أروح فين بس ؟ أنا ماليش بره الدار دي لا حيطة تداريني ولا سند يتشد بيه الضهر. الشغل صعب لبنت زيي ملهاش حد، والجواز... ده نصيب، ومحدش بيخبط على باب واحدة ملهاش أهل يسألوا عليها."
عايدة راحت ضاغطة على إيدها بحنية مزيفة
ـ يا هبلة! ده الأهل هما اللي بيعملوا المشاكل، إنما البنت اللي زي الورد زيك كده، بتبقى هي السند لنفسها وللي يتجوزها. أنتي عارفة يا زينب، أنا طول عمري بدعي ربنا يرزق ابني محمد ببنت 'قنوعة'، مش بتاعة مظاهر وكلام فارغ، بنت تحس بقيمة البيت وتحافظ عليه."
ـ ربنا يباركلك فيه حضرتك وتفرحى بيه
ـ بقولك ما كفايه كلمه حضرتك دى قوليلى يا ماما انا ماخلفتش بنات وهعتبرك بنتى
ضحكت زينب وحضنتها ظنت انها ممكن تكون لها سند
تفتكروا فعلاً عايده هتتقى ربنا فى زينب ولا هتوريها الع..ذاب ألوان ؟؟
وياترى ايه قصه نبويه والفكره دى جاتلها وليده اللحظه أم عن تجربه سابقه ؟؟
رواية الأخطبوط الفصل الثاني 2 - بقلم أماني سيد
في أفخم فيلا في المنطقة، كان الهدوء اللي فيها يسبق العاصفة.. جناح رحيم كان عبارة عن خلية نحل، بس نحل بيتحرك بحساب، مفيش نفس عالي، مفيش حركة غلط.
رحيم كان واقف في النص زي التمثال ، عينه مركزه في نقطه معينه ووشه مبيقولش أي حاجة، لكن حضوره كان كفيل يهز المكان. الخدم والمساعدين حواليه "على شعرة"، كل واحد عارف دوره بالمللي وكأنهم في عرض عسكري صامت:
اللي بيظبط لياقة البدله اللي متفصلة مخصوص عشان تليق بكتفه، واللي بيلمع الجزمة لدرجة إنك تشوف فيها صورتك.
واحد تاني بيقفل زراير القميص بحذر، والتالت بيلبسه الساعة "الروليكس" اللي دقاتها هي اللي بتمشي وقت السوق كله.
اللمسة الأخيرة: رشة البرفان اللي ريحتها "هيبة وغموض"، أول ما بتظهر بتعرف إن "الكبير" وصل.
ووراه بمسافة محسوبة، كانت واقفة المساعدة بتاعته، عينها في الآيباد وصوتها واطي وواضح وهي بترص له جدول اليوم:
"يا فندم، كل التقارير جاهزة على المكتب.. الاجتماع الساعة 10، والكل في انتظار إشارة من حضرتك."
رحيم ماردش، بس نظرة عينه في المراية كانت بتقول إن اليوم ده مش هيعدي بسلام، وإن اللي جاي تقيل.
أول ما رحيم اتحرك، السكون اللي كان في الجناح اتحول لحركة سريعة ومنتظمة وراه.. نزل السلم بخطوات ليها رنة بتعلن عن وصوله، والكل ماشي وراه "حرس ومساعدين" كأنهم جيش بيتحرك ورا القائد بتاعه.
قدام الفيلا، كانت العربية "المرسيدس السوداء" مستنياه، الباب اتفتح له في ثانية بوقار، ركب في الكنبة الورانية ببرود تام.. السكرتيرة أخدت مكانها جنب السواق، وعينها مابتفارقش ملفات الشغل، والكل اتحرك في موكب بيشق طريق القاهرة لغاية ما وصل لقلب الشركة.
رحيم مش مجرد اسم في السوق، ده إمبراطورية ماشية على الأرض:
مزرعة ومصنع الألبان: اللي منتجاتها مالية البيوت ومسيطرة على السوق، واللي بتمثل النفس اللي بيتنفسه السوق المصري في المجال ده.
القرية السياحية: تحفة معمارية على البحر، مخصصة بس للصفوة وللي يقدروا يدفعوا ثمن الرفاهية اللي رحيم راسمها بخياله.
مجموعة الشركات: أخطبوط ممدود في كل حتة، من عقارات لتجارة، وكل خيط فيهم مربوط بكلمة واحدة منه.
داخل غرفة الاجتماعات الرئيسية في "مجموعة شركات رحيم
عشرة من كبار المديرين والخبراء قاعدين، والكل عينيه في الورق اللي قدامه، مفيش حد بيجرؤ يرفع عينه في "رحيم" اللي قاعد في صدر التربيزة، ساند ظهره ببرود، وبيلعب بخاتم فضة في إيده، وعينه مركزة في الشاشة الكبيرة اللي معروض عليها تقارير الخسارة في قطاع الألبان الشهر ده.
رحيم بصوت واطي وواضح، صوته فيه رنة تخوف:
ـ "يعني إيه شركة 'الصافي' تاخد مننا 15% من حصة السوق في أسبوعين؟ يعني إيه المصنع بتاعهم يغرق المحافظات بمنتج سعره أقل، وإحنا قاعدين بنتفرج؟"
مدير التسويق بلع ريقه وبدأ يتكلم وصوته بيترعش:
ـ "يا فندم، هما بيضربوا في السعر، وبيعتمدوا على مواد حافظة رخيصة، إحنا جودتنا أعلى بكتير وده اللي مخلي سع..."
رحيم قاطعه بنظرة واحدة خلت الراجل يسكت فوراً:
ـ "الجودة دي كلمتي أنا.. السعر ده شغلك أنت. أنا مش ببيع لبن وزبادي، أنا ببيع 'اسم رحيم'. لما 'الصافي' يتجرأ ويحط منتجه جنب منتجي في الثلاجة، يبقى أنت قصرت في شغلك."
قام رحيم من مكانه بالراحة، واتمشى لحد الشباك وهو مدي ظهره للكل:
ـ "الصافي مش منافس.. الصافي ده 'غلطة' ولازم تتصلح. أنا عايز تقرير كامل عن الموردين بتوعهم قبل نهاية اليوم. كل مزرعة بيتعاملوا معاها، وكل مخزن بيوزعوا فيه. الصافي لو ملقاش لبن يورده للمصنع، مش هيلاقي منتج يبيعه."
واحد من المستشارين القانونيين اتكلم بحذر:
ـ "بس يا فندم، دي هتبقى حرب علنية، وممكن السوق يتأثر.."
رحيم لفت له بابتسامة باردة مفيهاش أي نوع من الرحمة:
ـ "أنا مش عايز حرب.. أنا عايز 'استحواذ'. الشركة دي تقع في خلال شهر، وتيجوا تمضوني على ورق شرائها بنص تمنها. اللي يقف قدام قطر رحيم، لازم يعرف إنه هيداس."
خبط بإيده خبطة خفيفة على التربيزة وكمل:
ـ "الاجتماع خلص.. قدامكم 24 ساعة، والخبر اللي يوصلي هو إن موردين 'الصافي' بقوا موردين عندنا، أو اعتذروا عن الشغل معاهم. اتفضلوا."
الكل قام في صمت وسرعة، وبدأوا يخرجوا وهما بيفكروا فى كلام رحيم وازاى ينفذوه ، ورحيم فضل واقف لوحده قدام الشباك، عينه على القاهرة كأنه بيملكها،
فى مكان تانى فى بيت عايده كانت قاعده مع ابنها
وبتحكيله تفاصيل زيارتها بدار الايتام
روحت انهارده مع خالتك عزيزه دار الايتام ولقيتلك عروسه انما ايه بنت ولا اجمل
ـ تانى موضوع العرايس دى مانتى عارفه اللى فيها من ساعه الحادثه اتجوزت كأنى ماتجوزتش
ـ عشان كده يا محمد روحت دار الايتام عشان اجبلك واحده غالبانه يتيمه مالهاش حد يسأل عليها ولا يقولك دخلت ولا مادخلتش ولا عاملتها حلو ولا وحش وفى نفس الوقت مش هتقدر تخرج سرك بره لانها هتخاف
ـ طيب افرضى عرفت اللى فيها واترسمت
ـ تترسم على إيه يا حسرة؟ ده أنا بقولك يتيمة، يعني مقطوعة من شجرة، لا ليها حيطة تداري فيها ولا ضهر تتسند عليه غيرك، دي لو عرفت اللي فيها هتحمد ربنا إنها لقت سقف يلمها وراجل يستر عليها.
ـ يا أمي البنات اليومين دول مابيعجبهمش العجب، واليتيمة دي بكرة تفتح عينها وتعرف إنها ناقصة حاجة وتذلني بيها.
ـ تذل مين يا واد؟ إنت ناسي إنك محمد ابن عايدة؟ وبعدين هي مين أصلاً عشان تتكلم؟ دي واحدة طالعة من دار، يعني لو سيبتها هترجع للشارع أو للخدمة في البيوت، إنما لما تدخل بيتك وتاكل لقمة نظيفة وتلبس وتتشخص، هتبوس إيدك وش وظهر إنك رضيت بيها، وساعتها لو عرفت حاجة هتكتم في قلبها وتدارى عليك عشان تخاف على اللقمة اللي بتاكلها.
ـ يعني إنتي شايفة إن ده الحل؟
ـ هو ده الستر يا حبيبي، نجيب واحدة تداري وتعيش، لا حد يجي يفتش وراك ولا خالة تسأل بنتها زعلانة ليه، نكسر عينها بجمايلنا ونضمن سكوتها للأبد، والعروسة زي القشطة وهتعجبك، وبكرة تقول أمي عرفت تختار
وافق محمد على كلام عايده والحديث جه على هواه أولا هيقطع السنه الناس وتانى حاجه اهى تخدم امه ولو كمل علاجه وبقى كويس يقدر بعدها يتجوز اللى تعجبه من غير ما حد يحاسبه
فى اليوم التالى قررت عايده انها تعدى يومين وتروح تانى للملجا والمره دى هتتكلم مع مدام حنان مديره الملجا
مدام حنان ست طيبه بتخاف على بنات الملجئ وبتعتبرهم زى بناتها وهما رينادوها بماما
"""""""********""""""*******"""""""*****
بعد يومين بالظبط، عايدة كانت واقفة قدام باب الملجأ ومعاها عزيزة تاني.. المرة دي عايدة جايبة معاها "شنط حلويات" وفاكهة كتير، كأنها داخلة على أهل بيتها.
دخلوا لمدام حنان المكتب، اللي أول ما شافتهم ابتسمت ابتسامة صافية وقامت ترحب بيهم:
ـ "أهلاً يا ست عايدة، نورتينا.. ده البنات لسه بيحكوا عن زيارتك اللي فاتت."
عايدة حطت الشنط على المكتب بتمثيل متقن:
ـ "والله يا مدام حنان، يا أم البنات كلهم، أنا اللي من يوم ما جيت والضحكة اللي شفتها في عيون البنات مش مفارقة خيالي.. قلت لازم أعدي أطمن عليهم وأجيب لهم حاجة حلوة."
مدام حنان عيونها لمعت بحنان: "ربنا يبارك فيكي يا حبيبتي، هما فعلاً محتاجين الكلمة الحلوة قبل أي حاجة.. البنات هنا غلابة وبنعتبرهم ولادنا اللي مخلفناهمش."
هنا عايدة سحبت الكرسي وقربت من مدام حنان، ووطت صوتها بنبرة فيها "ثقة" ومودة:
ـ "وعشان إنتي أمهم وبتخافي عليهم، أنا جيت لك النهاردة في موضوع يخص زينب.. أنا مش عارفة ليه البنت دي بالذات دخلت قلبي من أول نظرة، وحسيت إن ربنا باعتني ليها وهي مبعوتة لي.. أنا كنت بتمنى أخلف بنت تونسني في الكبر ، وقلت في نفسي: يا عايدة، مفيش أحسن من زينب تكون بنتي ومرات ابنى في نفس الوقت.
مدام حنان سكتت وبدأت ملامحها تبقى جد شوية:
ـ "جواز يا ست عايدة؟ زينب لسه صغيرة، وإحنا هنا بنخاف عليهم زي عنينا.. إنتي عارفة إنهم ملهمش ضهر غير ربنا وإحنا."
عايدة مسكت إيد مدام حنان بلهفة:
ـ "وعشان كدة جيتلك إنتي.. محمد ابني مهندس وسيد الرجالة، وعنده شقته، ومش عايز غير واحده تراعى ربنا فيه وتصون بيته .. هو عايز واحدة يسترها وتستره، وأنا عايزة بنت تبقالى بنت وانت ابقلها ام وتخافلى احفاد كتير ونعمل بيت وعزوه .. إحنا هنكون ضهرها يا مدام حنان، والبت هتعيش ملكة، لا حد هيسأل وراها ولا حد هيكسر بخاطرها.. ده أنا هحبها أكتر من محمد نفسه!"
عزيزة دخلت في الكلام بسرعة: "والله يا مدام حنان، عايدة دي قلبها أبيض، ومحمد ابنها ملوش في السهر ولا اللعب، راجل دغري وبتاع شغله.. فكري في مصلحة البنت، بدل ما تخرج للدنيا لوحدها."
مدام حنان بصت للفراغ لحظة، وبدأ الصراع يبان على وشها.. بين خوفها على "بنتها" وبين فرصة "فى زوج يصونها ويحميها " وحما تتقى رينا فيها
وفى نفس الوقت خايفه تكرر غلط حصل زمان
رفعت حنان عينها مره تانيه وبصت لعايده
ـ بصى يا حاجة عايده انا اهم حاجه عندى هى راحه البنات ومستقبلهم وفى الاول والاخر الرأى ليها بس قبل أى شئ إحنا لازم نسأل عنكم الاول ولو السمع خير مافيش مانع نحدد يوم ونكون موجودين والولد والبنت يتقابلوا ويتكلموا مع بعض
وافقت عايده وهى بتبسم على كلام حنان لانها عارفه انها مهما سالت محدش هيفيدها بحاجة لأن محدش يعرف عنهم غير انهم ناس عاديه وفى حالهم ومالهمش اختلاط بحد وبخصوص حادثة ابنها محدش يعرف ازاى اثرت عليه كل اللى يعرفوا انها حادثه وقام منها
ياترى زينب هتوافق على محمد وهيتجوزوا ولا للقدر رأى اخر ؟؟
نتابع الاحداث لانها هتبدأ فى مرحله التشويق
رواية الأخطبوط الفصل الثالث 3 - بقلم أماني سيد
بصت عايده لنبويه بصت انتصار وخبث لانها عارفه انهم لو جم سألوا محدش هيفيدهم وخلاص انها مقربه من انها تجوز ابنها لزينب وتاخدها معاها فى محافظه وبلد غير اللى عايشه فيهم مهما تعمل معاها لا هتلاقى قريب ولا حبيب يقف فى صفها
طلبت عايده من حنان انها تقابل زينب وتسلم عليهم
ـ ممكن طيب اقابل زينب أسأل عليها
قالت حنان بنبرة حازمة لكن هادئة:
— مفيش مانع يا ست عايدة، بس ياريت المقابلة تكون في حدود السلام والاطمئنان وبس.. يعني بلاش نفتح مواضيع ممكن تشوشر على البنت دلوقتي، لحد ما الأمور تترتب ونفهم الدنيا رايحة فين.
عايدة رسمت الابتسامة الصفرا وقالت بتمثيل متقن:
— يا خبر يا ست حنان! ده أنا زي أمها، وأخاف على زعلها قبل أي حد.. ده أنا بس وحشتني وقولت أملي عيني منها
أول ما حنان وافقت، زينب دخلت أوضة المقابلة والابتسامة مش مفارقة وشها.. كانت ماشية بسرعة، مصدقة إن فيه حد أخيراً افتكرها وجه يسأل عليها في غربتها دي.
زينب بلهفة وفرحة:
— طنط عايدة! طنط نبوية! مش مصدقة إنكم جيتوا وزرتوني.. نورتوا الدار والله.
عايدة قامت خدتها بالحضن وبتطبطب عليها بتمثيل:
— يا حبيبتي يا زينب، ده إنتي اللي منورة الدنيا كلها.. إزاي نهون عليكي نسيبك هنا لوحدك؟ ده إحنا بالنا مشغول بيكي ليل نهار.
قعدوا التلاتة، ونبوية كانت قاعدة بتبص لزينب بصات "تفحص" كأنها بتعاين بضاعة، وعايدة عمالة توزع ابتسامات يمين وشمال. وفجأة، نبوية راحت مطلعة موبايلها من الشنطة وقامت وقفت وهي بتقول بلؤم:
— طيب يا جماعة، كملوا كلامكم عقبال ما أرد على التليفون ده.. أصلهم بيرنوا عليا من الصبح بخصوص "البيت الجديد" اللي بنوضبه، ولازم أرد ضروري.
انسحبت نبوية وسابتهم، فمالت عايدة على زينب بوش الحنية المزيف وقالت لها:
عارفه يا زينب انا نفسى تكونى بنتى لانى من اول ما شوفتك وانا حسيت بحاجه بتشدنى ليكى تعرفى انى جيتلك مخصوص
ـ بجد يا طنط
ـ قوليلى يا ماما ... اه بجد ده انا قاعدت اتكلم مع ابنى عليكى كتير واحكيله عنك لدرجه انه بقى نفسه يشوفك من كتر كلامى عنك
زينب وشها بقى زي الدم، نزلت عينيها في الأرض وفضلت تفرك في إيديها بتوتر، مش عارفة ترد تقول إيه.. حست بإحراج رهيب، بس في نفس الوقت، فيه جزء جواها كان "عطشان" للاهتمام ده، لدرجة إنها مخدتش بالها من النوايا اللي ورا الكلام.
عايدة شافت سكوتها ده، فابتسمت ابتسامة عريضة وقربت منها أكتر، وهمست لها:
— تعرفي يا زينب.. أنا طلبتك من مدام حنان، وهي قالت لي بالحرف إنها هتسأل عننا الأول، ولو لقت كل حاجة تمام هي اللي هتكلمك وتعرض عليكي الموضوع.. يعني أنا جاية لك دغري أهو ومش مخبية عليكي حاجة.
زينب كانت بتسمع وهي مذهولة، ونفسها مكتوم من المفاجأة، فكملت عايدة بلؤم أكتر:
— أنا بصراحة كده يا بنتي، عايزة أجوزك ابني محمد، وهو وافق وبصم بالعشرة من كتر كلامي عنك.. بس ليا طلب بسيط خالص، أنا نفسي إنتي ومحمد تتجوزوا معايا في الشقة، نعيش سوا ونساعد بعض في شيل البيت، وتخلفي لي حتة عيل أشيله وأفرح بيه وهو بيكبر قدام عيني.. يملى عليا دنيتي.
عايدة مسكت إيد زينب وضغطت عليها بحنية مصطنعة وقالت لها:
— عشان كده يا زينب، لو إنتي ماعندكيش اعتراض، عايزاكي توافقي على جوازك من محمد، وأنا أوعدك إني هبقالك أم تانية، ومش هخليكي تحسي بغربة أبداً.
زينب في اللحظة دي حست إن الدنيا بتلف بيها.. من ناحية كلام عايدة فيه "الستر" اللي بتتمناه، ومن ناحية تانية حست بمسؤولية كبيرة وتردد، بس نظرة عايدة كانت محاصراها ومستنية منها رد فعل.
كملت عايده كلام
— بصي يا زينب.. مدام حنان نبهت عليا إني مأتكلمش معاكي في أي حاجة دلوقتي، عشان كده أنا مش عايزاها تعرف خالص إني فتحت معاكي السيرة دي، خلي سرنا في بير يا بنتي.
زينب رفعت راسها باستغراب والخوف بدأ يتسرب لقلبها:
— طب ليه يا ماما؟ مش حضرتك قلتي إنها موافقة؟
عايدة بابتسامة صفرا ضغطت على إيدها:
— يا حبيبتي هي موافقة، بس الأصول والروتين بتاع الدار بيخليهم يلفوا ويدوروا، وأنا مش عايزة عطلة.. أنا قولتلك دلوقتي عشان أديكي فرصة تفكري براحتك بعيد عن ضغطهم، وعشان لما هي تيجي تفتح معاكي الموضوع، تبقي عارفة راسك من رجلك وتردي بـ "آه" وإنتي مطمنة.. إحنا عايزين نخلص الإجراءات بسرعة ونخدك في حضننا، مش كفاية السنين اللي ضاعت من غير ما نكون سوا؟
في اللحظة دي، نبوية رجعت وهي بتراقب الباب بطرف عينها، وقالت بصوت مسموع عشان لو حد معدي:
— ها يا ست عايدة؟ مش يلا بينا بقى عشان نلحق نخلص مشاويرنا؟ البنت زينب شكلها تعبت مننا النهاردة.
عايدة قامت وقفت، ومالت على ودن زينب ووشوشتها بكلمة أخيرة كأنها "قفل" على عقلها:
— فكري يا زينب.. فكري في "محمد" وفي البيت اللي هيلمنا، وافتكري إنك لو حكيتي لمدام حنان دلوقتي ممكن تعقد الأمور وتقول البنت لسه مش جاهزة وتخليكي هنا سنة كمان.. والقرار في إيدك.
مشيت عايدة ونبوية، وسابوا زينب قاعدة مكانها، الحيرة واكلة قلبها
خرجت عايده مع نبويه وركبوا العربيه عشان يروحوا البيت
فى العربيه سألت نبويه عايده ليه حكت لزينب رغم تنبيه حنان ليها
ـ هموت واعرف ليه عرفتى البت دلوقتي
ـ ده اختبار ليها عشان اعرف اذا كانت هتمسك لسانها ولا لأ لو مسكت لسانها هتبقى دى اللى عليها العين إنما لو راحت كلمت حنان وعرفتها انى كلمتها يبقى البت دى ماتلزمنيش انا مش عايزه واحده تحصل حاجه فى البيت الاقى تانى يوم الشارع كله عارفها
ـ مش سهله انتى يا عايده
ـ مهما كان يا نبويه دى ناس احنا مانعرفش عنها حاجه مانعرفش اصلها ولا فصلها ومش أى واحده تدخل بيتنا كده وخلاص لازم اتاكد انها امينه وهتصون السر
سكتت كل واحده فيهم وبصوا للطريق ورجعت عايده بصت مره تانيه لنبويه بطرف عنيها وسالتها
ـ إلا صحيح يا نبويه اننى جبتى الفكرة دى منين اكيد مش وليده اللحظه يعنى
ـ هو انتى اكل وبحلقه
ـ لا بس عايزه اعرف الفكره دى جتلك إزاى وعرفتيها منين غير لو حاجه حصلت قدامك او شوفتى حد عملها قبل كده
سكتت نبوية وسرحت، وعينيها باصة للطريق بس هي مش شايفة الأسفلت، هي شايفة ذكرى من تلات سنين فاتت.. وقت ما كانت في البلد بتزور واحدة قريبتها وقاعدة معاها تقضي الإجازة.
شافت وقتها بنت غلبانة، كانت يتيمة ووحيدة، والناس في البلد بيبصولها بصه عطف بس من بعيد لبعيد. كانت البنت دي بتشتغل في البيوت، تكنس وتمسح وراسها دايماً في الأرض، لا ليها صوت ولا ليها طلبات. قريبتها دي كانت ست قوية ومسيطرة، جابت البنت وجوزتها لابنها اللي كان "تعبان" ومحدش راضي بيه، بس البنت سكتت واستحملت وشالت البيت كله على كتافها، والأهم من ده كله إنها كانت "صندوق أسود".. مهما انضربت أو اتهانت، مكنش حد بره البيت بيعرف عنها حاجة، ولا عمر حد سمع لها حس.
نبوية وقتها بهرتها الفكرة، شافت إزاي "الكسر" بيخلق طاعة عمياء، وإزاي البنت اللي ملهاش ضهر بتبقى زي العجينة في إيد اللي يلمها.
نبوية فاقت من سرحانها ورجعت لعايدة اللي لسه مستنية الرد، وقالت بنبرة فيها فخر مكتوم:
— شوفتها بعيني يا عايدة.. شوفت واحدة كانت زي زينب كده، ملهاش حد، وقريبتي "كسرت سمها" من أول يوم بالجواز والخدمة، وبقت زي الخاتم في صباعها. البنت اللي ملهاش حد يسأل عليها، بتبقى أحسن خدامة وأطوع زوجة، لأنها عارفة إن مفيش باب تاني يتفتح لها لو انطردت.
احكيلى قصه البت دى نسلى نفسنا واحنا فى الطريق كده
( كان اوجاع الناس اصبحت للتسليه )
رواية الأخطبوط الفصل الرابع 4 - بقلم أماني سيد
اللى قلبه ضعيف مايقراش بارت انهارده 😓😓😓😓
انا حذرت اهو
البنت اللي ملهاش حد يسأل عليها، بتبقى أحسن خدامة وأطوع زوجة، لأنها عارفة إن مفيش باب تاني يتفتح لها لو انطردت.
عزه كانت بنت غلبانه اتربت فى ميتم اهلها ماتوا ومالهاش اعمام وخلنها ودوها ملجأ بعد موت أهلها
البت كبرت ووصلت ل ١٦ سنه كان ابن قربتى ده شغال فى نفس المحافظة اللى فيها الملجأ شافها حبها وفضل يرسم عليها الحب صدقته وفضلت معاه لحد ما تمت ١٨ سنه ولما جه يتجاوزها اهله كلهم رفضوا لكن هو صمم وهددهم أنه هيسيبلهم البيت ويمشى ...
تخت ضغطه اهلوا وافقوا ظاهريا بس من بينهم وبين بعض هما مش معترفين بالجوازه دى أصلا هما شايفين إن الممنوع مرغوب وكل اما هيرفضو هو هيتعلق بيها أكتر
المهم راحوا خطبوها والدار سألوا عليهم ومحدش قال عنهم حاجه وحشه
الدار وافقت وفعلاً البنت اتجوزت الولد وسافرت معاه البلد بتاعتهم
طبعاً ماهتموش بعفش جابوا ارخص حاجه لانهم جايبنها جوازه مؤقته
وقدام الدار فرشوا الشقه ووصلوا البنت وعملوا اللى عليهم
تانى يوم الصبح حماه البنت طلعتلها فى الصباحيه
فتحت "عزة" الباب وهي لسه بيجامه بسيطه ، ووشها كان منور بابتسامة خجولة، كانت فاكرة إن حماتها طالعة تبارك لها أو تطمن عليها زي ما بتسمع عن الأمهات. لكن الصدمة كانت في ملامح "الحما" اللي مكنش فيها ذرة ود.
دخلت الست الشقة من غير حتى ما تقول "صباح الخير"، وبدأت تمشي إيدها على العفش الرخيص وهي بتلوي بوزها باحتقار، وبصت لعزة من فوق لتحت وقالت بنبرة خالية من الرحمة:
ـ أهو البيت اللي كنتي بتحلمي بيه يا بت يا مقطوعة من شجرة.. بس خليكي عارفة، البيت ده ليه قوانين، وإنتي هنا مش ست بيت، إنتي هنا عشان تريحي ابني يومين لحد ما يفوق لنفسه، والحد ده ما يجي، إيدك ما تلمسش لقمة غير لما تشوفي طلبات البيت كله الأول.. يالا يا عروسة، اقلعي شيفوناتك دي وانزلي امسحي السلم من فوق لتحت، أصلنا مش جايبينك عشان تقعدي تحطي رجل على رجل!"
عزة وقفت مذهولة، دموعها اتجمدت في عينيها. كانت فاكرة إن الجواز هيحميها وهيعوضها عن عليتها اللى فقدتها
لكن للأسف الخذلان
الخذلان لما بييجي من المكان اللي كنا فاكرينه "الأمان"، بيبقى طعمه أمرّ من اليتم نفسه
عزة في اللحظة دي حست إن الحيطان اللي فرحت بيها وهي بتفرشها، بدأت تضيق عليها وتتحول لقفص.
عزة بلعت ريقها ودارت ملامح صدمتها ورا ابتسامة باهتة مليانة رجاء، وبصت لحماتها بكل طاعة
ـ حاضر يا ماما.. اللي تؤمري بيه هعمله، من عيني، السلم دلوقتى يبقى زي القشطة.
دخلت بسرعة جابت طرحتها ولمت فستانها، وبدأت تشتغل بهمة ونشاط وهي بتقول لنفسها: "هي أكيد لسه مش عارفاني، وواخدة على خاطرها عشان محمود صمم يتجوزني غصب عنهم.. بس لما تشوف شطارتي ونظافتي، وتلاقيني شايلة البيت كله على كتافي وما بقولش لأ، قلبها هيلين.. بكره تحبني وتعتبرني بنتها ، هي بس محتاجة وقت."
سعيد وقف يراقبها من بعيد وهو حاسس براحة إنها "ريحت دماغه" ومعملتش مشكلة مع أمه، وسابها ونزل يقعد مع أبوه وإخواته، وساب عزة في أول يوم ليها في البيت غرقانة في المية والمنظفات، بتمسح السلم وهي بتغني بصوت واطي ومنكسر أغنية حزينة كانت بتسمعها في الملجأ، وكأنها بتهون على نفسها التعب.
حماتها كانت واقفة في البلكونة بتبص عليها، وبدل ما قلبها يحن، بصت لجوزها وقالت بلؤم:
ـ أهو ده اللي كنت خايفة منه.. دي واخدة على الشقا، ولا كأنها عروسة في صباحيتها! دي باين عليها هتاكل الجو وتعمل فيها المظلومة عشان تقلب ابنك علينا.. بس على مين، ده أنا هخليها تلف حوالين نفسها لحد ما تقول حقي برقبتي
ـ عايزك تشيليها كل الحمل لحد ما تهزق وتدبل وابنك بنفسه يكر.هها او هى تطلب الطلاق
عزة كانت بتتعامل مع البيت كأنه معركة لازم تكسبها بالحب والتفاني. كانت فاكرة إنها كل ما بتزود في المجهود، كل ما بتقرب من قلب حماتها خطوة.
عزة بقت شعلة نشاط مابتطفيش، "سعيد" يدخل البيت يلاقي ريحة النظافة واصلة لآخر الشارع
نزلت شقه حماتها
شالت السجاد وغسلته، مسحت الخشب بملمع عملته بنفسها، وغسلت الحيطان لحد ما بقت بتبرق. حتى النحاس القديم اللي مركون فوق الدواليب نزلته ولمعته لحد ما رجع جديد.
دخلت المطبخ وعملت الأصناف اللي "سعيد" وأمه بيحبوها؛ المحشي اللي بياخد غلبة، والبط والرقاق.. وقفت طول النهار على عشان توفر اللقمة الحلوة ليهم
لما خلصت كل حاجة، ولقيت إن مفيش فتفوتة تراب في البيت، ومفيش معلقة مش في مكانها، وقفت قدام المراية ثواني، حاولت تعدل طرحتها وتمسح وشها اللي بقى شاحب وعرقان، وقالت لنفسها بابتاسة منكسرة: "أكيد النهاردة هترضى عني.. البيت بقى زي القصر، والأكل ريحته تجوع
. أكيد يا عزة لما تدخل وتشوف اللي عملتيه، هتقولي تسلم إيدك يا بنتي.. هي بس كانت بتختبر صبري."
أول ما سمعت صوت مفتاح "سعيد" في الباب، وشها نور، وحماتها دخلت وراها. عزة راحت عليهم بلهفة:
ـ حمد الله على السلامة يا ماما، حمد الله على السلامة يا سعيد.. ادخلوا شوفوا البيت، أنا عملت كل اللي طلبتيه وزيادة، والأكل سخن ومستنيكم."
سعيد دخل وبص للنظافة وقال
ـ تسلم إيدك يا عزة، البيت فعلاً يفتح النفس
عزة فرحت جداً وبصت لحماتها مستنية الرد، فحماتها بصت لسعيد واتكلمت ببرود
ـ "ما هو ده الطبيعي يا سعيد، ده الواجب اللي عليها، هي يعني هتعمل إيه غير كدة؟" ولفّت لعزة وقالت بنبرة فيها تعالي: "ماشي يا عزة، كويّس.. بس ادخلي اغسلي وشك وغيري لبسك ده قبل ما نقعد ناكل، مش عايزين ريحة الكلور تكتم نفسنا على الأكل .
عزة رغم الكلمة اللي قطمت فرحتها، لكنها ردت بادب
ـ حاضر يا ماما، ثواني وأكون جاهزة.
ودخلت أوضتها وهي بتقول لنفسها
ـ مش مهم.. المهم إنها قالت كويس، المرة الجاية هعمل أكتر، وأكيد بكرة هبقى في نظرها زي بنتها
عزة اتحولت بقت عاملة زي "النحلة" اللي مش بتعرف طعم الراحة، طاقتها كلها استنزفتها في البيت، وصحتها بدأت تروح وهي مكملتش ال ٢٠ سنه ، وكل ده عشان "سراب" فاكره كل اما تدى اكتر حماتها واهل جوزها يحبوها ويرضوا عنها اكتر وكل أما تكلمها حنان مديره الدار تطمن عليها
كانت عزه بطمنها أنها كويسه وبخير
ـ يا عزه انا قلبى واكلنى عليكى
ـ اطمنى يا ماما انا مرتاحه وسعيد بيعاملنى حلو
ـ طيب وأهل سعيد
سكتت عزه مش عارفه تجمل الكلام ازاى لانها ماتعدوتش على الكدب
ـ كويسين هما لسه ماتعودوش عليه كل مش بيعاملونى وحش
ـ عزه لو حصل حاجه او احتاجتى حاجه كلمينى فوراً احنا هنا أهلك
ـ حاضر يا ماما حنان ماتقلقيش عليه
قفلت عزه مع حنان التليفون وقعدت تعيط
الدموع اللي نزلت من عزة بعد المكالمة دي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع الوجع والقهر اللي شايلاه لوحدها. هي مش عايزة تقلق "ماما حنان" ولا عايزة تعترف لنفسها إن الحلم اللي حلمت بيه في الملجأ بيتحول لكابوس، لأن الاعتراف ده معناه إنها ترجع الملجأ تاني، وهي نفسها فى اسره وعيله حتى لو هتتعب فى الاول
في يوم، عزة كانت لسه مخلصة تنظيف البيت الكبير من فوق لتحت، وواقفة بتغسل إيدها بتعب، دخلت عليها حماتها وقالت لها ببرود
ـ بقولك إيه يا عزة هناء بنتي كلمتني، والمسكينة تعبانة في بيتها والعيال مطلعين عينها، والبيت عندها يضرب يقلب ومافيش حد بيساعدهت واختها مشغوله فى عيالها وجوزها .. البسي طرحتك وروحي ساعديها يومين، أهو تكسبي ثواب فيها ، وسعيد جوزك مش هيمانع."
عزة في الأول اتفاجئت، لكن بسرعة لمعت في دماغها فكرة تانية خالص، وبدأت تكلم نفسها بنية صافية: "أيوة.. دي فرصتي! أنا هروح عند بناتها وأشيلهم في عيني، ولما يشوفوا شطارتي ووقفتي معاهم في شدتهم، هيحبوني ويحكوا لأمهم عني بالخير.. وساعتها بس الست الكبيرة هتعرف إن مفيش حد بيخاف على مصلحة بناتها زيي، وأكيد قلبها هيحن وتعتبرني واحدة منهم."
بصت لحماتها بابتسامة واتكلمت بلهفه
"من عيني يا ماما، ده هناء غالية ومن ريحتك.. ثواني وهكون جاهزة، ومتقلقيش، هخلي لها بيتها زي الفل واريحها على الآخر
راحت عزة بيت بنت حماتها، وبدل ما تروح "ضيفة" بتساعد، راحت "خدامة" بمعنى الكلمه. بنت حماتها كانت بتقعد تحط رجل على رجل وتأمرها: "يا عزة اغسلي المواعين.. يا عزة غيري للعيال.. يا عزة اطبخي لجوزي عشان جاي من الشغل تعبان."
عزة كانت بتعمل كل ده وهي بتضحك في وشهم، كل ما يزودوا الحمل عليها، تزيد هي في العطاء، وهي حاطة في بالها إن "الطريق لقلب الحما بيمر برضا بناتها". مكنتش تعرف إن حماتها وبناتها في التليفون بيضحكوا عليها وبيقولوا: "دي مابتصدق تلاقي شغل، كأنها كانت محرومة من المسح والكنس في الملجأ
ردت امها بتريقه
ـ أو يمكن الشغل اللى بتشتغله ده كانت بتشتغله فى الملجأ اضعاف مضاعفه
مش يمكن يابت يكونوا بيودوها البيوت تخدم فيها ؟؟
ـ ممكن مش ممكن ليه ..
بقولك ايه يا ماما خلاص سبيها عايشه معانا اهى بتخدمنا وسعيد لو حب يتجوز بعد كده وذهق منها قاعديها معاكى تحت واحنا هنلاقى فين واحده زيها بتشتغل بضمير كده
دى لو جاتلى مره بس فى الأسبوع هتشيل عنى الهم
ـ أنا أصلاً مرتبة كدة، سعيد بكرة يمل منها، ونقعدها هي في عندى تحت ونجيب له ست ستها أهي منها تكون "خدّامة بلقمتها ، ومنها نكون عملنا فيها ثواب وبدل ما تترمي في الشارع
عزة بقت زي "المرسال" بين بيوت بنات حماتها، وكل بيت تدخله تسيب فيه قطعة من صحتها ومن روحها. خلصت عند "هناء" ومنها على "وفاء"، وبنفس الحماس والنية الصافية، قلبت الشقة التانية جنة. غسلت، وطبخت، ونظفت النجف، وشالت السجاد.. كانت بتشتغل وكأنها بتبني لنفسها مكان في قلوبهم.
وقفت عزة في نص صالة "وفاء" وهي بتسند ضهرها اللي مابقاش بيفرد بسهولة، بصت حواليها بفخر وهي شايفة كل حاجة بتلمع. وفاء دخلت وشافت المنظر، وبخباثة ابتسمت لها ابتسامة عريضة وقالت
"يا حلاوتك يا عزة! والله يا بنتي إنتي مفيش منك، ده البيت رجع جديد، أنا مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك."
الابتسامة دي كانت بالنسبة لعزة "كنز". نستها التعب، ونستها الوجع اللي في مفاصلها، ونستها إنها بقالها يومين مابتنامش غير ساعات قليلة. عزة كانت بتتعامل بقلبها، والكلمة الحلوة كانت هى اللى بتديها امل انهم يحبوها وبيبقوا عيلتها
ردت عزة بلهفة وهي بتمسح إيدها المبلولة في طرف جلبيتها
ـ ولا تشيلي هم يا وفاء، أنا اتفقت مع ماما إني هجيلك يوم في الأسبوع، ويوم عند هناء، .. أنا مش عايزة حاجة غير إني أشوفكم مرتاحين وراضيين عني.
في اللحظة دي، وفاء بصت لملامح عزة اللي دبلت وقارنتها بالبنت اللي شافتـها أول يوم فرحها؛ كانت وردة مفتحة، ودلوقتي بقت خيال مآتة من كتر الشغل والخدمة في بيوتهم. فجأة، وفاء حست بغصة في قلبها، وانكسرت عندها حدة اللؤم اللي أمها زرعتها فيها.
من غير مقدمات، وفاء قربت من عزة وأخدتها في حضنها بحب خالص وبندم حقيقي، وضمتها بقوة وكأنها بتعتذر لها عن كل مرة استغلوها فيها. عزة اتجمدت مكانها، دي كانت أول مرة حد من عيلة سعيد يلمسها بحنية مش بأمر.
عزة وقفت مذهولة من حضن وفاء، كأنها كانت عطشانة لحضن أم أو أخت بقالها سنين، ووفاء هي اللي فتحت لها طاقة الأمل دي.
وفاء شدت عزة من إيدها بحنية وقعدتها على الكرسي، وشالت من قدامها الجردل والمنظفات وهي بتقول بحزم ممزوج بالرحمة
ـ والله ما إنتي مادة إيدك في حاجة تانية النهاردة يا عزة.. كفاية كدة وزيادة، إنتي خليتي البيت زي القشطة."
ـ "يا وفاء بس ماما قالت
لكن وفاء قاطعتها وهي بتحط قدامها طبق أكل سخن وقالت
ـ مالكيش دعوه بماما أنا اللي بقولك اقعدي كلي يا عزه .. شوفي إيدك بقت عاملة إزاي! وشك مابقاش فيه نقطة دم، كلي لقمة تسند طولك.
وفاء قعدت جنبها وبدأت تأكلها بإيدها، وعزة كانت بتاكل وهي مش مصدقة، الدموع كانت بتنزل في طبقها من الفرحة إن في حد حس بيها وبوجعها. وفاء بدأت تتكلم معاها بلين
ـ احكيلي يا عزة، إنتي بتعملي في نفسك كدة ليه؟ وليه اى حاجه تتقالك تنفذيها من غير نقاش ؟
ـ أنا بس يا وفاء خايفة أرجع وحيدة تاني، خايفة ماما أو سعيد يزهقوا مني.. أنا ماليش حد يسأل عليا لو خرجت من الباب ده هرجع الملجأ تانى والبنات فى الملجأ مسيرهم يتجوزوا
انا عايزه أعمل عيله واخلف عيال كتير يبقوا اهلى وامك تحبنى وانتوا كمان انا بحاول اخليكم تحبونى عشان احقق حلمى ويبقالى عيله
وفاء قلبها اتوجع أكتر، وطبطبت على كفتها
ياترى وفاء هتعمل ايه وهيكون ليها دور ولا هتسكت عشان ماتجرحش عزه ؟؟
رواية الأخطبوط الفصل الخامس 5 - بقلم أماني سيد
من كتر الرسايل نزلتهولكم بدرى اهو ياكش الاقى تفاعل يرضينى زى مابرضيكوا
بينما كنتِ تحترقين لتُضيئي لهم عتمة بيوتهم، كانوا هم يتدفأون على نار حزنكِ، ويناقشون بدمٍ بارد.. ثمن "الخادمة" القادمة.
خرجت عزة من عند وفاء والدنيا مش سيعاها من الفرحه كانت ماشية في الشارع ورجليها مش شايلة جسمها من التعب، بس قلبها كان طاير وسابقها للبيت؛ لأول مرة تحس إن تعبها "له تمن"، وإن الحلم اللي كانت بتطارده بدأ يبقى حقيقه انهارده وفاء
فى بيت حماه عزه
كانت وفاء بتتكلم مع أمها على التليفون ، وبتحاول بضميرها اللي صحي تدافع عن عزة:
ـ بس يا ماما، البنت غلبانة بجد وتعبت معانا أوي، أنا شفت إيدها النهاردة والله قلبي وجعني.. دي بتضيع صحتها عشان ترضينا
ـ "قلبك وجعك؟ يا خايبة ده هما بتوع الملجأ كدة، يمثلوا عليكي الغلب والكسرة عشان ياكلوا بعقلك حلاوة.. بكره تشوفي لما تقوى شوكة وتتمكن، هتعمل فينا إيه. خليكي إنتي بس "حنينة" بزيادة لحد ما تلاقيها هي اللي بقت تأمر وتنهي .
عزة كانت ماشية في الطرقة وهي بتسند على الحيطة، الدنيا بتلف بيها وكأن الأرض بتميد تحت رجليها. نَفَسها كان بيطلع بطلوع الروح، وصدرها بيزيق من كتر المجهود اللي بذلته في بيوت بنات حماتها. كانت شايلة "شيل" أكبر من طاقتها بكتير، والمرة دي جسمها هو اللي قال "لأ".
قبل ما توصل للصالة وتشوف حد، وقفت في نص الطريق وحطت إيدها على قلبها اللي كان بيدق بسرعة مرعبة وكأنه عايز يخرج من بين ضلوعها. حست بنغزة حادة خلتها توطي بضهرها، وجع ملوش وصف، كأن روحها بتتسحب منها. حاولت تنطق، حاولت تنادي على حماتها بكلمة "يا ماما"، بس صوتها طلع مخنوق ورايح خالص.
في اللحظة دي، كانت وفاء على الخط مع أمها بتقولها: "البنت تعبت يا ماما وبجد قلبي وجعني عليها".. لكن عزة مكنتش سامعة، كانت غرقانة في وجعها هي، وجع قلبها اللي تعب من كتر "العطاء" من غير مقابل.
فجأة، النور انطفأ في عينيها، ورجليها مابقتش شايلاها.. اترمى جسمها الضعيف على الأرض بهبدة هزت الشقة كلها.
الحما خرجت تجري وهي مخضوضة: "ستر يا رب! في إيه؟"
أول ما شافتها واقعة وإيدها متشنجة على صدرها، صرخت بهلع: "يا لهوي! عزة! ردي عليا يا بنتي.. إلحقي يا وفاء البت وقعت من طولها وقلبها واقف!"
اتصلت ام سعيد بابنها اللى جه واخد عزه وراحوا للدكتور ودخلوا الطوارئ
فضل سعيد واقف بره ومعاه امه وجت عليهم وفاء عشان تطمن على عزه
خرج الدكتور عشان يطمنهم
الحالة حرجة، مجهود بدني فوق الطاقة مع ضعف عام وتوتر عصبي أثّر على صمامات القلب.. لازم إشاعات وتحاليل فورية."
وقفت امه بجبروت وكانت رافضه انه يدفعلها فلوس او يصرف عليها
بقولك إيه يا سعيد، متخليش المستشفيات الاستثمارية دي تاكل بعقلك حلاوة، تلاقيها بس "فرفة روح" من قلة الأكل أو شوية برد في عضمها، والبت دي أصلها من الملجأ يعني واخدة على الشقا، مش معقول تقع من يومين شغل.. دي بتدلع عشان تلم الشمل وتخليك تصرف اللي وراك واللي قدامك."
وفاء هنا لفت لأمها، وعينيها كانت بتطلع شرار، ولأول مرة صوتها يعلى عليها:
ـ "دلع إيه يا ماما؟ البنت ميتة بين إيدينا جوه! البنت إيديها وارمة من الكلور والمساحيق اللي كانت بتنظف بيها بيوتنا.. البنت كانت بتخدمنا بلقمتها وهي بتضحك عشان بس نرضى عنها، وإحنا كنا بنقطع في فروتها!"
سعيد بص لوفاء بذهول، وانه اتصدمت من رد فعل بنتها، بس وفاء مكملتش كلامها؛ الباب اتفتح والممرضة خرجت تجري وهي بتقول:
ـ "الحالة محتاجة نقل دم فوراً ونقص أكسجين حاد، فين أهلها يخلصوا الحساب عشان ندخلها الرعاية؟"
سعيد وقف محتار، يبص لورقة الحساب اللي فيها أرقام تسد النفس، ويبص لأمه اللي بتهز راسها بـ "لأ"، ويبص لوفاء اللي بدأت تفتح شنطتها وتطلع موبايلها وهي بتقول بمرارة:
ـ "لو إنت مش هتدفع يا سعيد، أنا هكلم جوزي يبعتلي فلوس دلوقت، وعزة مش هتموت بسبب بخلنا وقلبنا اللي بقى حجر."
ام سعيد شدت ابنها بعيد عن وفاء وبدأت تزن فى ودانه
اسمع يا سعيد، البت دي شكلها "معيوبة" من يومها، وأكيد كانت مريضة ومخبية في الملجأ وجت لبستها لنا.. أنت مش شجرة فلوس يا ابني عشان تضيع شقاك على واحدة ملهاش تصل وجسمها بايش. إحنا مش مجبرين نصرف دم قلبنا على مرض مش إحنا سببه
ـ بس يا أمي الدكتور بيقول ده من المجهود والضغط، وعزة طول الوقت شايله البيت وماشتكتش
ـ تشتكي إيه؟ دي ما صدقت تلاقي حد يسترها! بقولك إيه، اقطع عرق وسيح دمه.. البت دي بكرة تبقى عالة عليك، والقرشين اللي هتدفعهم في الإشاعات دي، أولى بيهم تتجوز ست ستها وتجيب لك عيال يملوا عليك البيت، بدل ما تقضي عمرك "تمرجي" لواحدة مريضة.. طلقها يا سعيد وارجعها مطرح ما جت، وهما في الملجأ يداووها بمعرفتهم
سعيد وقف ووشه مخطوف، ملامح أمه وكلامها بدأوا يتسربوا لعقله زي المخدر، وبدأ يبص لباب الرعاية المركزة مش كأنه مستني مراته تفوق، لكن كأنه بيبص لـ "حمل تقيل" عايز يخلص منه
قررت ام سعيد فى الوقت ده تقط.ع ع.رق وتسيح د..م قبل ما ابنها ينخ مره تانيه وتتصل هى بنفسها بحنان وتبلغها واستغلت انشغال وفاء بمكالمه جوزها عشان تخلص من عزه واتصلت بحنان
ـ أيوة يا ست حنان، أنا أم سعيد جوز عزة.. بقولك إيه، سعيد هيطلق عزخ . إحنا مش فاتحينها مستشفى ولا تكية! إنتو غشيتونا وبعتولنا واحدة مريضة بالقلب ومعيوبة، ومن ساعة ما دخلت بيتنا وهي من مستشفى لمستشفى ونايمة لا شغلة ولا مشغلة، وإحنا مش مجبرين نشيل شيلة غيرنا لما هى مريضه جوزتوها ليه من الأول
ـ مريضة إيه يا حاجّة؟ عزة بنتنا طول عمرها صحتها زي الفل
ـ "جرى لها اللي جرى لها، المهم إن ابني مش هيضيع مستقبله وفلوسه على واحدة داخلة بمرضها ومخبية علينا.. جهزي مكان عندك في الملجأ عشان أول ما تخرج من الرعاية -لو خرجت- سعيد هيوصلها لحد بابكم وورقتها في إيدها، وإياكِ تفتكري إننا هنصرف عليها مليم واحد بعد النهاردة."
حنان مديرة الملجأ أول ما سمعت كلام حماه عزه ، الدنيا دارت بيها، مكنتش مصدقة إن في بشر بالقسوة دي. اتصلت بسعيد وصوتها كان بيترعش من الغضب والحزن والقلق على عزخ
ـ سعيد، إنت فين؟ عزة في أنهي مستشفى؟ إزاي تعملوا فيها كدة وهي ملهاش حد غيركم؟"
سعيد رد عليها ببرود غريب، كأنه بيتخلص من حمل تقيل:
ـ "إحنا في مستشفى (...) يا ست حنان، وأنا عملت اللي عليا وزيادة.. تقدري تيجي تستلميها، عشان أنا مش فاضي، ورايا إجراءات تانية أهم."
سعيد قفل السكة، وبص لأبوه اللى وصل المستشفى وأمه اللي كانوا واقفين فوق راسه زي خياله، امه بلهفة وشماتة:
ـ "يلاه يا ابني، اقطع الشك باليقين وطلقها 'طلقة بائنة' عشان لا تعرف ترجع ولا تعرف تطالبنا بمليم.. إحنا يا دوب نلحق نخلص الورق قبل ما البت دي تفوق وتعمل لنا شوشرة.
أكد ابوه على كلام امه ومشى معاهم سعيد زى المعمى
وفاء وقفت قدام سعيد وهي ماسكة في هدومه وبتعيط بكسرة:
ـ "يا سعيد أبوس إيدك بلاش تعمل كدة، دي عزة! دي اللي شالتنا في عينيها، دي اللي كانت بتآكل اللقمة بعرقها وتعبها عشان ترضينا.. فكر في وقفتها معانا، فكر إن مالهاش حد غيرك."
سعيد زق إيدها بجمود غريب وكأن أمه "كتفته" بكلامها، ورد بصوت ناشف:
ـ "خلاص يا وفاء، اللي حصل حصل أنا مش هعيش عمري كله بخدم واحدة مريضة.. شوفي حياتك وسيبيني أشوف حياتي وخدى بعضك وروحى
سابها ومشى هو وأمه وأبوه، كأنهم خارجين من "فرح" مش من مستشفى فيها روح بتموت.
في اللحظة دي، وصل "محمود" جوز وفاء، وشاف مراته منهارة وحنان مديرة الملجأ واقفة بتبكي بعد ما وصلت ووفاء حكتلها اللى حصل
محمود راجل أصيل، أول ما عرف اللي حصل، بصلهم وطمنهم
ـ "امسحي دموعك يا وفاء، واهدى وبإذن الله هى هتبقى كويسه انا هتكفل بعلاجها وبكل حاجه عزة دلوقت أمانة في رقبتنا إحنا."
محمود وحنان بدأوا يتحركوا زي الخلية؛ محمود خلص إجراءات المستشفى ودفع الحساب من غير ما يتردد، وحنان وقفت مع الدكاترة تتابع الحالة. وفاء كانت بتبص لجوزها بامتنان، وبتبص لباب الرعاية وهي بتدعي إن عزة تفوق عشان تلاقي "العيلة الحقيقية" اللي بجد، مش الناس اللي باعوها بأرخص تمن.
بعد وقت طويل خرج الدكتور ووشه ماليان عرق
ياترى حصل ايه عزه
ماتت ولا قدروا ينقذوها ولو لسه عايشه ياترى رد فعلها ايه لما تعرف اللى حصل ولو ماتت هل ده هيأثر على موافقه حنان بجواز زينب من محمد ؟؟
وهل هيكون مصير زينب زى عزه ؟؟
ومين هو الاخطبوط ده وايه علاقته بالقصه ؟؟
رواية الأخطبوط الفصل السادس 6 - بقلم أماني سيد
البارت 🔥🔥🔥🔥
الدكتور خرج من أوضة الطوارئ وهو بينفخ بضيق، وشه كان باين عليه الزعل قبل الإرهاق. أول ما خرج، حنان جرت عليه وهي بتترعش، ووفاء ومحمود وقفوا مستنيين الكلمة اللي هتطمنهم أو توجعهم.
الدكتور بصوت عالي شوية وكأنه بيسمع الكل:
"يا جماعة، الحالة استقرت بالعافية.. البنت دي كانت بتموت حرفياً. اللي حصل ده مش مرض مفاجئ، ده نتيجة ضغط وإرهاق بدني فوق طاقة أي بشر! ضغط دمها كان عالي جداً مع نقص أكسجين، والقلب مكنش قادر يلاحق على المجهود اللي بتعمله وهي "صايمة" أو مابتأكلش كويس."
بصلهم الدكتور واتكلم بجديه
ـ البنت محتاجة راحة تامة، راحة جسدية ونفسية. أي مجهود تاني أو ضغط عصبي في الحالة دي معناه إننا بنحكم عليها بالموت. هي محتاجة رعاية وأكل ونوم، وقبل كل ده محتاجة راحه إحنا عملنا اللي علينا، والباقي على ربنا
.
بعد ما الدكتور مشى فضلت حنان و محمود ووفاء قدام أوضة الرعاية.. حنان قعدت على الكرسي بتعب، وبصت لوفاء نظرة طويلة، نظرة لوم وعتاب خلت وفاء تحني راسها في الأرض بكسرة.
ـ احكي لي يا وفاء.. إيه اللي وصل بنتي للحالة دي؟ عزة كانت بتروح لك وهي طايرة، كانت بتقول إنك أختها مش مجرد بنت حماتها. إيه اللي حصل ووصلها للحاله دى وليه اخوكى بيقولى إنه واخدها تعبانه
ـ والله يا مدام حنان أنا ندمانة، بس الندم مش هيرجع اللي انكسر. عزة كانت بتتهان كل يوم وإحنا ساكتين.. أمي وأخواتي كانوا بيعتبروها 'آلة' مش بني آدمة. كانت بتخلص شغل البيت عند ماما ونروح بيت أختي، ومن بيت أختي لبيتها .. مسح، وطبخ، وشيل تقيل، وكل ده من غير كلمه شكرا وأمي.. أمي كانت بتزن في ودن سعيد إنها معيوبة عشان تخلص منها وتجوزه واحدة من اختيارها.
ـ يعنى ايه معيوبه ؟؟ معيوبه عشان خاطر اتربت فى ملجأ ؟؟ وهى ذنبها ايه ده بدل ما تحنوا عليها وتعوضوها الايام اللى تعبتها ؟
طيب يا وفاء.. لحد هنا وكفاية أوي. عزة دخلت بيتكم أمانة، وانتوا ماكنتوش اد الامانه
حنان بصت لمحمود (جوز وفاء) وقالتله بحزم:
ـ يا أستاذ محمود، أنت راجل أصيل ومعدنك بان في الشدة.. أنا هاخد عزة معايا الملجأ أول ما تفوق وتتحسن شوية. مكانها هناك، وسط ناسها اللي بجد.
ومش هسكت على اللى جرالها ولا هسيب حقها يضيع أنا هدور على أكبر محامي في البلد.. سعيد فاكر إن مفيش حد وراها فاستقوى عليها وطلقها وهي بتموت، بس أنا هجيب لها حقها تالت ومتلت 'المؤخر'، و'المتعة'، وكل مليم صرفته من صحتها في بيوتكم، هيترد لها بالقانون. اللي يبيع الغالي بالرخيص، لازم يدفع الثمن غالي أوي."
بدأت عزة تفتح عينيها ببطء، الرؤية كانت لسه مشوشة، ريحة المستشفى بتفكرها بالوجع اللي حست بيه قبل ما تقع. لقت حنان قاعدة جنبها بتمسح على راسها بحنان، ووفاء واقفة الناحية التانية وعينيها منفوخة من كتر العياط.
عزة بصوت مهزوز وهمس بالعافية:
"أنا فين؟.. هو إيه اللي حصل؟"
حنان بابتسامة بتحاول تداري وراها قهرتها:
"حمد الله على سلامتك يا قلب ماما حنان.. إنتي تعبتي شوية يا بنتي، مجهود زيادة والضغط عِلي عليكي، بس الحمد لله ربنا نجاكي."
عزة سكتت لحظة، وعينها بدأت تدور في الأوضة بلهفة، وسألت السؤال اللي حنان كانت خايفة منه:
"سعيد فين يا ماما حنان؟ هو جه؟ أنا شفته وهو شايلني.. هو بره صح؟ خليه يدخل.. أنا عايزة أمشي معاه."
حنان اتخنق صوتها، وبصت لوفاء بكسرة، ومسكت إيد عزة وضغطت عليها براحة:
"ارتاحي بس دلوقتي يا عزة.. سعيد عارف إنك فوقتي، وهو جاي في الطريق.. بس الدكتور مانع الزيارة الكتير دلوقتي عشان قلبك. نامي وارتاحي يا بنتي، وكل حاجة هتبقى كويسة، أنا مش هسيبك تانى."
عزة بقلب لسه متعلق بأمل ضايع:
"يعني هو مش زعلان مني عشان تعبت؟ قوليله يا وفاء إني والله هقوم وأبقى كويسة وأرجع أنضفله الشقة.. أنا مش عايزة أعطله عن شغله."
وفاء مقدرتش تمسك نفسها، لفت وشها الناحية التانية وكتمت شهقتها، ورجعت بصت لعزة وهي بتحاول تبان طبيعية:
"ارتاحي يا عزة.. مفيش شغل ومفيش تعب تاني. أنا معاكي أهو، مش هتحرك من جنبك، وأي حاجة تعوزيها هتكون عندك. نامي يا حبيبتي عشان ترجعي بالسلامة."
عزة بدأت تغمض عينيها بتعب تحت تأثير المهدئات، وهي بتهمس باسم "سعيد" لحد ما راحت في النوم. حنان فضلت باصة لها بحزن، ولفت لوفاء وقالتلها بصوت واطي ومرارة:
"شايفة يا وفاء؟ شايفة البت لسه خايفة على مشاعره إزاي؟ وهي متعرفش إنه باعها وورقتها في إيدها. ربنا يستر لما تعرف الحقيقة.. قلبها المرة دي
مش هيتحمل
وفاء وهي بتمسح دموعها:
"أنا هفضل معاها يا ست حنان، مش هسيبها لحد ما تقف على رجليها.. ده أقل حاجة أعملها بعد اللي شافته مننا."
*******&*********&********&******
فى مكتب رحيم فى الوقت الحالى
بعد ما الكل خرج وجري ينفذ الأوامر، رحيم فضل واقف مكانه. رنة تليفونه الخاص -اللي مش مع أي حد- قطعت سكون الأوضة. طلعه من جيبه وبص فيه ببرود، كانت السكرتيرة "ليلى" بتسأله عن تحركات بقية اليوم.
رحيم بصوت وهادي:
ـ ليلى.. لغي أي مواعيد تانية النهاردة. أنا عايز ملف 'الصافي' يكون على مكتبي في الفيلا بالليل.. وعايزك تسأليلي 'المصدر بتاعنا' في الوزارة، لو فيه أي ثغرة في تراخيص مصانعهم، مش عايزهم يتنفسوا."
قفل السكة من غير ما يستنى رد، ورجع يبص من الشباك. في اللحظة دي، دخل عليه "عمار"، دراعه اليمين وصديق عمره الوحيد اللي بيجرؤ يتكلم معاه من غير رسميات.
عمار بابتسامة خفيفة:
ـ برضه يا رحيم؟ هتاكل السوق كله لوحدك؟ الصافي غلبان يا صاحبي، ده لسه بيبدأ."
رحيم لفت له بحدة:
"السوق مبيعرفش غلابة يا عمار. اللي يسيب 'ثغرة' لغيره، يستاهل إنه يتداس. وبعدين أنا مش باكل السوق، أنا بنضفه من العشوائية. الشركة دي لو دخلت تحت إيدي، هتبقى حاجة تانية.. أنا مابحبش المنافسة، أنا بحب السيادة."
عمار بتنهيدة:
ـ السيادة ليها ثمن يا رحيم.. وأنت بقيت بتدفع الثمن ده من روحك. مابقتش بتعرف تنام من غير ما تخطط هتدوس على مين بكرة؟ السوق كبير ، والكل ممكن يعيش."
عمار سحب كرسي وقعد قدام رحيم، وربع إيده وهو بيبص لصاحبه بصه فيها عتاب وقلق. رحيم كان لسه باصص للشباك، وكأن "القاهرة" هي الحاجة الوحيدة اللي بتشغله.
عمار بهدوء:
ـ وبعدين يا رحيم؟ الشغل مش هيطير، والشركات مش هتموت لو أخدت نَفَس.. إنت لسه صغير، والحياة مش بس صفقات واستحواذ. مش ناوي تستقر بقى؟"
رحيم لف له بابتسامة باهتة ومريرة:
ـ أستقر؟ إنت ناسي يا عمار إني جربت 'الاستقرار' ده مرتين وفشلوا؟ أنا مش حمل تجارب تانية."
عمار اتنهد وكمل كلامه:
ـ المرة الأولى كانت صعبة، 'سارة' كانت رقيقة ومتحملتش طبعك ولا ضغط شغلك، وسفرها بعد الطلاق عشان تعالج نفسيتها كان وجع ليك وليها، أنا عارف.. والمرة التانية 'نيرمين'، أهو ربنا رزقك منها بـ 'آدم'.. الولد مالهوش ذنب يشوف أبوه كل أسبوعين "زيارة رسمية" وكأنه بيقابل مدير عام، مش أبوه اللي من دمه."
رحيم وشه اتخشب، وعروق إيده برزت وهو بيفتكر ابنه:
ـ آدم هو الحاجة الوحيدة الصح اللي عملتها، بس وجودي مع أمه كان هيخليه يطلع مشوه نفسياً. الخناقات والمقارنات وإنها عايزة 'رحيم' بتاع الحفلات والمظاهر مش 'رحيم' اللي بيبني إمبراطورية.. كان لازم ننفصل. أنا دلوقتي مرتاح كدة، قلبي مقفول عليه بترباس، ومفتاحه رميته في البحر."
عمار قام ووقف جنبه وطبطب على كتفه:
ـ. الترباس ده هيصدي يا صاحبي لو مفيش حد دخل ونضفه.. آدم محتاج يشوفك في بيتك، مش في فيلا باردة زي دي مفيش فيها غير صوت الخدم. فكر يا رحيم، العمر بيجري، والفلوس بتبني حيطان بس متبنيش 'ونس'."
رحيم بص لعمار نظرة طويلة، وسكت.. سكوته مكنش موافقة، لكنه كان "وجع" مكتوم. قطع اللحظة دي بصوته الحازم اللي رجع لمود الشغل:
ـ قفل على السيرة دي يا عمار.. آدم هشوفه الجمعة الجاية، وعايزك تجهز لي 'اليخت' عشان هخده يومين بعيد عن الدنيا دي كلها. دلوقتي قولي، وصلت لإيه في موضوع 'الصافي'؟"
( تفتكروا وا زى رحيم ده ازاى ممكن واحده تتعامل معاه )
تانى يوم فى المستشفى
النور كان مالي الأوضة، وعزة بدأت تفتح عينيها وتسترد وعيها الكامل. حنان كانت قاعدة جنبها، ملامحها كانت هادية بس فيها حزن مكتوم وقوة.. وفاء كانت واقفة بعيد شوية، وشها باهت وعينيها في الأرض.
عزة بصوت واهن بس أوضح من امبارح:
"ماما حنان.. هو سعيد لسه مجاش؟ إنتي قلتي لي امبارح إنه في الطريق.. هو حصل له حاجة؟"
حنان خدت نَفَس طويل، ومسكت إيد عزة بين إيديها الاتنين، وبصت لها بتركيز:
"بصي لي يا عزة.. بصي لي يا بنتي واسمعيني كويس. إنتي طول عمرك "بطلة" وشيلتي شيلة جبال، والوقت جه إنك تشيلي غمامة كدابة من على عينك."
عزة قلبها بدأ يدق بسرعة وخوف:
"في إيه يا ماما؟ سعيد ماله؟"
سعيد مش هييجي يا عزة.. سعيد باعك. باعك وإنتي في الرعاية بين إيدين ربنا. طلقك يا بنتي وساب المستشفى ومشي هو وأمه، وقال إنه مش فاتحها "تكية" ولا مستشفى، وإنه عايز واحدة "بصحتها تخدمهم " مش واحدة مريضة وتشيله الهم."
الصمت خيّم على الأوضة، عزة ملامحها اتجمدت ماظهرش عليها اى تعبير بس عينيها كانت بتتحرك في الأوضة وكأنها بتدور على نَفَس تهرب بيه من اللي سمعته.
عزة بذهول:
"طلقني؟ وانا بموت؟.. طب والعيشة اللي عشتها؟ طب والخدمة اللي خدمتها في بيوتهم؟ طب وإيدي اللي باشت من الكلور عشان أرضيهم؟ كل ده راح؟"
حنان ضغطت على إيدها بقوة:
"مراحش يا عزة.. ربنا شاله لك عشان يوريكي حقيقتهم. إنتي كنتي "شمعة" بتحرقي نفسك لناس مبيقدروش غير نفسهم. وفاء واقفة أهي واسأليها، أخوها مشي وهو بيقول إنه مش هيصرف عليكي مليم، وسابك لينا إحنا .
ياترى رد فعل عزه ايه وايه اللى هيحصل ومصيرها ايه ده البارت الجاى ؟؟
رواية الأخطبوط الفصل السابع 7 - بقلم أماني سيد
بارت طويل اهو
كُنتُ أحسَبُ أنَّ العطاءَ سياجٌ يحمي قلبي من اليتم، وأنَّ انحناءَ ظهري في خدمَتِهم سيُقيمُ لي في أرواحِهم مَقاماً. سكبْتُ سنواتي عِطراً في بيوتٍ لا تعرفُ سوى ريحِ الجُحود، وأحرقتُ فتيلَ صحتي لأُضيءَ عتَمةَ أيامِهم، فما زادَهم ضيائي إلا بَصيرةً بضعفي، وما زادَهم انحنائي إلا رغبةً في دهسي.
يا ويحَ قلبي الذي ظنَّ أنَّ الحُبَّ يُشترى بالمذلَّة، وأنَّ السكنَ يُبنى من جلودِ الصابرين! لقد نسيْتُ في زِحامِ طاعتِهم أنَّ لِنفسي عليَّ حقاً، وأنَّ الكرامةَ إذا أُريقتْ، لا يُرمِّمُها اعتذارٌ ولا يجبرها ندم. اليومَ أقفُ على أطلالِ روحي، ألملمُ ما تبقى مني، وأدركُ يقيناً أنَّ الذي لا يرى قيمتَك وأنتَ تُعطيهِ بصرَك، لن يراها ولو وهبْتَه عُمرَك. سأرحلُ عَنهم، لا حِقداً، بل استرداداً لِنفسي التي ضاعتْ بين "حاضرٍ" قتلتْني، و"سترٍ" كانَ هو القبر."
مشيت عزه مع حنان ورجعت دار الايتام مره تانيه
طفله مكملتش ال ٢٠ سنه لكن شافت اكبر من سنها
عزة كانت قاعدة في أوضتها الصغيرة في الملجأ، الأوضة اللي سابتها وهي فاكرة إنها رايحة "للجنة" وراجعة لها وهي حاسة إنها "جثة" بتمشي على الأرض. كانت سانده ضهرها على السرير، وعينيها باصة للشباك اللي بيدخل منه خيط نور ضعيف، وكأن النور ده هو الأمل اللي فاضل لها في الدنيا.
المكان كان هادي، بس جوه دماغ عزة كان فيه دوشة وصراخ مش بيبطل. كانت بتفتكر كل لحظة تعب، كل جردل مية شالته، كل كلمة "حاضر" قالتها وهي قلبها بيتقطع.
عزة في سرها:
"يااااه يا عزة.. بقى هو ده التمن؟ بقى كل اللي عملتيه عشان يبقالك عيلة، يخلص بكلمة 'طلقتك' وإنتي بين إيدين ربنا؟ كنتي فاكرة إن الحب بيتشري بالخدمة، وإن القلوب بتحن بكتر العطاء.. طلعتي غلبانة أوي يا بنتي."
بصت لإيديها اللي لسه آثار الكلور والمنظفات معلمة فيها، حاولت تقفل كف إيدها لقت صوابعها بتوجعها، فابتسمت بمرارة وقالت:
"حتى إيدي شاهدة عليا.. كنت بلمع بيوتهم، وهما كانوا بيطمسوا روحي. سعيد اللي كان بيقولي إنتي السند، باعني في أول محطة تعب.. وأمه اللي كنت بقولها يا ماما، طلعت هي اللي بتخطط لموتي."
في اللحظة دي، دخلت عليها "حنان" وهي شايلة صينية أكل صغيرة، وشافت نظرة الانكسار اللي في عيون عزة.
حنان بحنية:
— "ها يا عزة؟ سرحانة في إيه يا قلب ماما؟ كلي لقمة عشان تقدري تقفي على رجليكي، الدكتور أكد إن الراحة والأكل هما علاجك الوحيد دلوقتي."
عزة لفت وشها لحنان، والدموع بدأت تتجمع في عينيها تاني:
— "بفكر في اللي جاي يا ماما حنان.. أنا دلوقتي رجعت لنقطة الصفر، لا بيت، ولا زوج، ولا حتى صحة أقدر أشتغل بيها. أنا خايفة أكون حمل عليكي وعلى الدار، وخايفة أكتر من نظرة الشفقة اللي بشوفها في عيون اللي حواليا."
حنان قعدت جنبها وأخدت إيدها في حضنها:
— "نقطة الصفر دي هي اللي بتبني السطر الجديد يا عزة. والدار دي بيتك، وعمرك ما كنتي ولا هتكوني حمل.. ده إنتي البركة اللي فينا. وبعدين حقك مش هيضيع، محمود وجوز وفاء واقفين معانا، وقريب أوي سعيد وأهله هيعرفوا إن اليتيمة ليها رب أقوى من أي حد.
بعد ما حنان خلصت كلامها، عزة فضلت باصة للفراغ، الحروف كانت محبوسة في زورها، والوجع كان لسه طري. لفت وشها لحنان وبصت لها بصه فيها رجاء وكسرة ووجع، وقالت بصوت واهن:
ـ "ماما حنان.. أنا عارفة إنك خايفة عليا، وعارفة إن قلبك بيتقطع عشاني.. بس أبوس إيدك، سيبيني لوحدي شوية. محتاجة أسمع صوتي أنا، مش صوت الوجع ولا صوت الناس."
حنان كانت لسه هتعترض بلهفة الأم، بس عزة كملت وهي بتغمض عينيها:
ـ "محتاجة أراجع حساباتي يا ماما.. محتاجة أعرف أنا غلطت في حق نفسي فين قبل ما هما يغلطوا فيا. سيبيني أتصالح مع 'عزة' اللي هنتها بإيدي عشان أرضي ناس ميسووش. سيبيني يا أمي.. الأوضة دي هي المكان الوحيد اللي مش هضطر فيه ألبس وش السكوت ولا وش الرضا."
حنان اتنهدت بوجع، وطبطبت على إيدها وقامت بالراحة:
ـ "حاضر يا عزة.. هسيبك لراحتك، بس افتكري إنك مش لوحدك، وإني واقفة ورا الباب ده مستنية بس إشارة منك. ارتاحي يا بنتي، وربنا يبرد نار قلبك."
خرجت حنان وقفلت الباب وراها بهدوء، وفضلت عزة لوحدها في الأوضة.. الصمت كان تقيل، بس كان هو ده اللي محتاجاه عشان تبدأ تلملم شتات نفسها اللي اتوزع على بيوت بنات حماتها.
نهايه الفلاش باك
نبوية خلصت الحكاية لعايدة وهما في العربية، وعايدة عينيها بتلمع بالشر وتقول لنبوية:
ـ "يا بنت اللعيب! يعني البت عزة دي بعد ما اتهرت شغل وخدمه مكنتش بتفتحوبقها ولا بتشتكى ؟
ـ تخيلى اه
ـ مدام حنان لسه بتدافع عنها؟"
نبوية بخبث:
ـ "أيوة، بس إحنا بقى يا عايدة اتعلمنا الدرس. ، وإحنا هندخل لمدام حنان من مدخل 'الستر'. المهم يا عايدة، محمد ابنك لازم يمثل الحب قدام البت زينب في الأول، عشان لما تيجي بيتك، تكون هي اللي رامية نفسها في حضنك."
عايدة ضحكت ضحكة عالية رنت في العربية:
ـ "ماتخافيش، محمد ابني 'بيسمع الكلام'، والبت زينب دي شكلها عطشانة حنية.. أنا هرويها حنية لحد ما تمضي على بياض، وبعد الجواز.. القول قول عايدة!"
ـ طيب وعزه على كده عرفت تاخد حقها
ـ لحد دلوقتي لأ والقضيه لسه فى المحاكم
ضحكت عايدة باستهزاء وهي بتعدل طرحتها قدام مراية العربية، وقالت لنبوية ببرود:
ـ "قضايا إيه ومحاكم إيه يا نبوية! هي المحاكم بترجع صحة راحت ولا قلب انكسر؟ أهي البت غرقانة في وجعها، وسعيد أهو بكره يتجوز ويعيش حياته .. القانون ده للناس اللي ليهم ضهر، لكن اليتيمة مالهاش غير الصبر.
سكتت عايدة شوية، وعينيها لسه فيها لمعة الشر، وكملت:
ـ "بس تصدقي، حكاية عزة دي نبهتني لحاجة.. إحنا مش بس هنخلي زينب تحفظ السر، إحنا هنخليها هي اللي تترجانا عشان نستر عليها! المهم دلوقتي محمد.. لازم يلبس وش الحنيه ، ويحسسها إنه 'المنقذ' اللي هيخرجها من سور الملجأ ده للدنيا."
(في قلب إمبراطورية رحيم - مكتبه الفخم)
على الناحية التانية خالص، في عالم مفيهوش مكان للضعف ولا للغلابة، كان "رحيم" قاعد ورا مكتبه الأبنوس، الإضاءة كانت خافتة ومفيش صوت غير تكة الساعة الروليكس في إيده.. الساعة اللي بتمشي مع دقات قلبه اللي مبيعرفش الرحمة.
الباب خبط، ودخل "عمار" وهو شايل ملف لونه أحمر، وحطه قدام رحيم بوجوم.
رحيم من غير ما يرفع عينه:
ـ "خلصت؟"
عمار بتنهيدة:
ـ "موضوع 'الصافي' بقى في جيبك يا رحيم. الموردين اللي كانوا بيوردوا له اللبن، مضوا معانا النهاردة عقود احتكار لمدة 5 سنين.. الصافي دلوقتي معندوش 'نقطة لبن' واحدة يدخلها مصنعه. الحرب خلصت قبل ما تبدأ."
رحيم رفع عينه ببطء، وابتسامة باردة جداً اترسمت على وشه:
ـ "أنا قولتلك يا عمار.. أنا مابحاربش، أنا بستحوذ. الصافي ده كان مجرد 'دبانة' بتزن فوق الإمبراطورية، وكان لازم تتداس. ابعتله حد من طرفنا يعرض عليه يبيع المصنع 'خردة'.. أهو نكسب فيه ثواب بدل ما يفلس ويتحبس."
رحيم سحب نفس طويل من سيجاره، وطفاه ببرود في الطفاية الكريستال، وكأن فكرة "الصافي" خلاص بقت ماضي ومبقتش تشغل باله. بص لعمار اللي كان مستني أوامره الجديدة، وقال بنبرة قاطعة:
— "عمار.. موضوع 'الصافي' صفحة واتقفلت. اللي يشغلني دلوقتي هو المصنع الجديد اللي بنبنيه في (..)؛ الطاقة الإنتاجية بتاعته هتكون ضعف اللي عندنا، وده معناه إننا محتاجين 'مادة خام'.. محتاجين لبن مش بس كتير، ده لازم يكون تحت إيدينا من الألف للياء."
عمار بتركيز: "يعني إنت عايز تبني مزرعة مواشي ضخمة خاصة بينا؟"
رحيم قام وقف وفرد طوله بهيبة:
— "بالظبط.. مش عايز اعتمد على موردين تاني، ولا عايز حد يذلنا بلتر لبن واحد. أنا عايزك تسافر المحافظات القريبة، وتدور لي على 'أرض بكر'.. مساحة واسعة، جوها مناسب، وتكون بعيدة عن الزحمة بس قريبة من خطوط التوزيع. عايزك تلف القرى والنجوع يا عمار، وتجبلي الأرض اللي هبني عليها أكبر مزرعة ألبان في الشرق الأوسط."
عمار وهو بيدون الملاحظات:
— "تمام يا رحيم، هبدأ من بكرة ألف في الأقاليم، وهشوف لك المساحات اللي تناسب طموحك.. بس إنت عارف، الأراضي دي بتحتاج 'نفس طويل' في التخليص والمفاوضات مع الأهالي."
رحيم ابتسم ابتسامة باهتة فيها ثقة مرعبة:
— "الفلوس بتطول النَفَس يا عمار، واللي مبيجيش بالرضا، بيجي بسلطة الاسم. المهم تلاقي المكان، والباقي سيبه عليا."
على الناحية التانية، عايدة كانت قاعدة في الصالة، وماسكة المسبحة في إيدها بتمثل التقوى، ومحمد ابنها قاعد قدامها وبصص في الأرض بملل.
عايدة بصوت واطي ومسموع:
— "سمعت اللي قولته يا محمد؟ البت زينب دي 'لقطة'.. يتيمة، غلبانة، ومالهاش ضهر. يعني الكلمة هتكون كلمتك، والشورى شورتي. إنت بس تلبس وش الحنية، وتسمعها كلمتين حلوين يثبتوها، وأنا هخلص كل حاجة مع الست حنان."
محمد بتنهيدة مكتومة:
— "يا أمي أنا وافقت خلاص، أهو عشان أخلص من وجع الدماغ وكلام الناس.. بس ياريت تطلع زي ما بتقولي، مش عايز واحدة تفتح بوقها بكلمة ولا تشتكي من عيشة ولا شغل."
عايدة ضحكت بخبث وطبطبت على رجله:
— "تشتكي؟ دي هتبوس إيدها وش وضهر إننا انتشلناها من الملجأ. الاسبوع الجاى هتروح معايا، تلبس أنضف ما عندك، وتحط البرفان اللي ريحته بتقلب المكان ده وتخليك 'جنتل' كدة.. البت عطشانة، وأول ما هتشوف اهتمامك توافق على طول
بينما كانت "عايدة" بترسم خططها في بلد تانية، و"رحيم" بيفكر في توسيع إمبراطوريته، كانت "زينب" في عالم تالت خالص.. عالم ملوش لون غير الوردي، عالم هي بطلته الوحيدة.
في ركنها المفضل بجنينة الملجأ، كانت زينب قاعدة، سانده ظهرها على جذع شجرة قديمة، وماسكة في إيدها طرحة خفيفة بتفرك فيها بكسوف والابتسامة مش مفارقة وشها. لأول مرة تحس إن الهوا اللي بتتنفسه له طعم، وإن الشمس مش بس طالعة عشان تنور الدنيا، دي طالعة عشان "تبشرها".
زينب في سرها وهي مغمضة عينيها:
"يااااه يا رب.. معقولة؟ معقولة السنين الصعبة دي كلها كان وراها الجبر ده؟ طنط عايدة.. قصدي 'ماما عايدة' زي ما قالت لي.. كلامها لسه بيرن في ودني. معقول فيه حد حبني من أول نظرة كدة؟ ونفسها أكون بنتها ومرات ابنها؟"
افتكرت كلمة عايدة عن ابنها "محمد" وإنه مهندس، وإنه وافق "يبصم بالعشرة" أول ما سمع عنها، فحست بقلبها بيدق بسرعة، وحرارة طلعت على وشها خلتها تخبي ملامحها بإيدها وهي بتضحك بصوت واطي.
"يا ترى شكلك إيه يا محمد؟ يا ترى طيب وحنين زي مامتك؟ مهندس.. يعني راجل متعلم ومثقف، وأكيد هيعرف قيمتي. ماما عايدة قالت لي إنه 'عايز يسترها وتستره'.. الجملة دي لوحدها خلتني أحس بأمان عمري ما دوقت طعمه. السكن.. البيت.. العيلة.. أخيراً يا زينب مش هتكوني 'رقم' في دار، هتكوني 'ست بيت' وليكي كلمة، وليكي حد يسأل عليكي لما تتأخري أو يتوحشك لما تغيبي."
وفجأة افتكرت تحذير عايدة ليها إنها متقولش لمدام حنان:
"هي طنط عايدة عندها حق.. الإجراءات والروتين بيعطلوا كل حاجة، وأنا مش عايزة أستنى يوم واحد تاني هنا. أنا عايزة أخرج للدنيا، عايزة يكون عندي شقة أرتبها بإيدي، وأطبخ لمحمد الأكل اللي بيحبه، وأشيل ولادي وأكبرهم في حضني."
زينب قامت وقفت وبدأت تمشي وسط الورد وهي حاسة إنها بتطير، مش شايفة من الصورة غير "النص الحلو".. مش شايفة إن الستر اللي عايدة بتتكلم عنه ممكن يكون "قبر"، ولا إن الحنية دي ممكن تكون "سم". هي بس شايفة باب الملجأ وهو بيتفتح عشان تخرج منه "عروسة" لبيت ميعرفش غير القسوة.
في اللحظة دي، كانت مدام حنان مراقباها من شباك مكتبها، وقلبها كان مقبوض من غير سبب واضح، كانت شايفة فرحة زينب وخايفة عليها من "فرحة البدايات" اللي دايماً بتخدع الغلابة.
مر أسبوع بحاله وحنان مابطلتش تفكير. كانت بتبعت ناس من طرفها، ناس ثقة "ينكشوا" ورا محمد وعايدة في منطقتهم. كانت بتدور على أي غلطة، أي سيرة وحشة، بس الغريب إن الكل أجمع إن محمد "في حاله"، مهندس ومالوش في القيل والقال، وأمه ست "في حالها" ومعاها قرشين شايلة بيهم ابنها.
حنان قعدت في مكتبها، بتراجع الكلام اللي وصلها، وبتقارن بين محمد وبين "سعيد" (جوز عزة).
حنان وهي بتكلم نفسها:
— "يا رب أكون باخد القرار الصح.. محمد وحيد، يعني مفيش بيت عيلة ولا دوشة سلايف ولا اخوات زي اللي دمروا عزة. وعايدة ست كبيره ومبسوطة وعندهم شقة تمليك، يعني زينب هتدخل 'ملكة' مش 'خدامة'. ومحمد مهندس ومستقبله حلو.. شكلها المرة دي يا زينب الدنيا هتضحك لك بجد."
خدت حنان نَفَس طويل وقررت تتوكل على الله. رفعت سماعة التليفون وطلبت عايدة، وأول ما الرنة فتحت:
— "أيوة يا ست عايدة.. أنا سألت واستخرت، ولو حابين تشرفونا بكرة ومعاكي محمد عشان يقعد مع زينب، إحنا مستنيينكم."
عايدة والضحكة كانت هتنط من التليفون:
— "يا ألف نهار أبيض يا ست حنان! ده يوم السعد.. بكرة نكون عندك في الميعاد، والبركة فيكي وفي ذوقك
زينب كانت عاملة زي الوردة اللي لسه فاتحة في الفجر. لبست أشيك حاجة عندها، ووشها كان بينور من كتر الفرحة. حنان دخلت عليها لقتها بتظبط الطرحة وإيديها بتترعش.
حنان بابتسامة:
— "اهدي يا زينب.. إنتي زي القمر، ومحمد أمه داعية له عشان نال الرقة دي كلها. اقعدي واتكلمي وشوفي قلبك هيقولك إيه، والراحة النفسية هي اللي بتحكم."
بره الملجأ، عربية عايدة وقفت، ونزل منها "محمد" بالقميص المكوي والبرفان اللي قالب الريحة.
عايدة بتوشوشه:
— "افرد ضهرك يا محمد.. البت دي 'لقطة' ومقطوعة من شجرة، يعني كلمتنا هي اللي هتمشي. إلبس وش الحنية، وقول لها الكلمتين اللي يثبتوها، مش عايزة غلطة."
محمد ببرود:
— "خلاص يا أمي، عرفت الدور.. هسمعها الكلمتين اللي يخلصوا الليلة دي."
قعدوا كلهم، وأول ما زينب دخلت بصينية العصير، عينها جت في عين محمد. شافت شاب وسيم ومرتب، وابتسامته "هادية" جداً.. مكنتش تعرف إنها "مرسومة".
حنان وعايدة انسحبوا عشان يسيبوهم يتكلموا. محمد قرب من زينب وقال بصوت ناعم:
— "بصي يا زينب.. أنا مش عايز أتكلم كتير، بس أنا بدور على 'السكن'. نفسي أرجع من شغلي ألاقي الوش البشوش والبيت الهادي.. أنا حاسس إنك إنتي اللي هتحافظي على بيتي وتملي عليا دنيتي."
زينب بفرحة مش سايعاها:
— "ده اللي بتمناه يا أستاذ محمد.. أنا ماليش طلبات غير إني أعيش مستورة وأعمل عيلة وتكون إنت وأهلك هما كل أماني."
في الوقت ده، كانت عربية عمار (دراع رحيم) راكنة على أطراف الملجأ. عمار كان بيصور الأرض اللي رحيم عايز يعمل فيها المزرعة، وشاف عايدة ومحمد وهما خارجين من الملجأ والضحكة مالية وشوشهم.
عمار في التليفون:
— "أيوة يا رحيم.. أنا قدام الأرض أهو. المنطقة حيوية جداً، وفيه ملجأ أيتام لازق في الأرض بالظبط، وشكله فيه حركة
الأرض دي لقطة للمزرعة والمصنع الجديد."
رحيم ببرود من مكتبه:
— "الملجأ ده يا عمار.. مالهوش مكان في الخريطة الجاية. خلص موضوع الأرض، وسيب موضوع الملجأ ده عليا.. أنا هعرف إزاي أخليه يختفي من غير شوشرة."
تفتكري "رحيم" هيهدم الملجأ فعلاً قبل ما جوازة زينب تتم؟ ولا "محمد" هيسبقه ويخرج بـ "الضحية الجديدة" لبيته؟
وهل رحيم فعلاً يملك القسوه اللى تخليه يهدم الملجأ ويشرد اللى فيه ولا هيكون عنده خطط تانيه ده اللى هنعرفوا في باقى الاحداث
رواية الأخطبوط الفصل الثامن 8 - بقلم أماني سيد
عزه ♥️ عمار
كنا نحسبُ أن البيوتَ أمان، وأن من نمنحُهم أبصارنا سيحفظون لنا ضياءَ الملامح.
لكننا نسينا أن بعضَ الأيادي التي تمتدُّ لتنتشلنا من بئر الوحدة، هي ذاتها الأيادي التي تحفرُ لنا قبوراً تحت مسمى 'الستر'.
يا قلبي.. لا تبعْ انكسارك لمن يرى فيك مجرد 'سكنٍ' مؤقت،
ولا تنحنِ لتلمع بيوتهم بينما هم يطمسون نور روحك.
الكرامةُ يا صاحبي ثوبٌ إذا اتسخَ بماء المذلة، لا يطهرُه اعتذار،
والذي لا يراكَ وأنت في قمة عطائك، لن يراكَ وأنت جثةٌ هامدة على أعتابِ جحوده.
ارحلْ.. ليس حِقداً، بل استرداداً لنفسٍ ضاعت في زحام 'حاضر وطيب'،
فالأرضُ واسعة، واللهُ لا ينسى من كان اليتمُ قدره، والكرامةُ اختياره."
مر الأسبوع وكأنه سنة على "زينب"، اللي كانت بتعد الساعات والدقائق وهي باصة للسما، بتدعي إن "محمد" يطلع هو الفارس اللي هيخطفها من وحدة الملجأ. أما في بيت "عايدة"، فكان التجهيز على قدم وساق، بس مش تجهيز فرحة، ده كان تجهيز لـ "فخ" محكم.
العربية وقفت قدام الباب، ونزل منها محمد وهو بيعدل ياقه القميص، ريحة برفانه كانت سابقة خطوته، وعايدة جنبه ماشية بفخر وكأنها جاية تشتري حتة أرض مش تخطب بنت.
حنان استقبلتهم بابتسامة هادية، بس عينيها كانت بتفحص كل تفصيلة في محمد، بتحاول تقرأ اللي ورا الوش المرسوم. دخلت زينب بصينية العصير، إيديها كانت بتترعش والخجل راسم وردتين على وشها. أول ما عينيها جت في عين محمد، لقت نظرة "هادية" وطيبة.. مكنتش تعرف إن النظرة دي "مدروسة" بالمللي قدام المراية.
حنان وعايدة سحبوهم وخرجوا الجنينة، وسابوا "العروسين" يتكلموا.
محمد (بصوت واطي وناعم):
— "بصي يا زينب.. أنا عارف إن القعدة دي بتبقى صعبة وموترة، بس أنا عايزك تطمني خالص. أنا مش جاي أدور على عروسة وخلاص، أنا جاي أدور على 'شريكه حياه '.. نفسي لما أرجع من شغلي وتعب الشغل، ألاقي الوش اللي يضحك لي، والبيت اللي أحس فيه إني ملك ومراتى ملكه
— "ده اللي بتمناه يا أستاذ محمد.. أنا ماليش طلبات والله، أنا بس نفسي في بيت يتقفل عليا، وأهل يحبوني وأحبهم. طنط عايدة شكرت لي فيك كتير، وأنا.. أنا ارتحت لكلامها
— "ماما دي أطيب قلب في الدنيا، بس هي كمان تعبت ونفسها ترتاح وتشوفني مستقر. وعشان كدة أنا مش عايز نضيع وقت في الخطوبة والرسميات.. أنا جاهز، والشقة جاهزة، ومستني بس موافقتك عشان نكتب الكتاب وننقل حياتنا لمرحلة تانية."
زينب من كتر الفرحة كانت هتعيط، حست إن بوابات الجنة اتفتحت لها.
— "تعرفي يا زينب.. أنا من أول ما شوفتك وأنا حاسس إن فيكي حاجة مختلفة. البنات اليومين دول طلباتهم مابتخلصش، وعايزين منظرة وفشخرة.. لكن أنا لمحت في عينيكي 'الأصل'. لمحت الست اللي هتشيلني في عينيها، وأنا والله يا زينب، هعوضك عن كل يوم مر شوفتيه في حياتك."
زينب (وشها بقى طماطم وبصت في الأرض):
— "ربنا يخليك يا أستاذ محمد.. أنا والله مش طماعة، أنا بس محتاجة الأمان. محتاجة أحس إن ليا ضهر أتسند عليه لما الدنيا تضيق بيا."
محمد (مسح على وشه بتمثيل متقن وكأنه متأثر):
— "الأمان ده كلمتي ووعدي ليكي. بس خليني أكون صريح معاكي في حاجة.. أنا وأمي روحنا في بعض، وهي اللي ربتني وكبرتني لحد ما بقيت مهندس قد الدنيا. هي عايزة تشوفنا مبسوطين، بس هي كمان نظامها 'شديد' شوية في البيت.. يعني بتحب النظام، وبتحب الست اللي تعرف قيمة اللقمة وتدبر بيتها
— "ماتقلقش يا محمد.. أنا اتعلمت في الدار كل حاجة، من أول الطبيخ لحد أصغر تفصيلة في البيت. أنا هخدم ماما عايدة بعيني، وهشيلها فوق راسي، دي كفاية إنها اختارتني وبقت هي الأم اللي كنت بحلم بيها."
— "عفارم عليكي يا زينب.. ده العشم برضه. وعشان كدة، أنا اتفقت مع ماما إننا مش هنعمل فرح وهيصة ومصاريف مالهاش لازمة. إحنا أولى بالفلوس دي نجهز بيها لعيالنا اللي جايين، ونعمل كتب كتاب في الضيق ونروح على شقتنا.. إيه رأيك؟"
زينب (سكتت لحظة، كان نفسها تلبس الفستان الأبيض وتفرح زي البنات، بس الخوف من ضياع الفرصة خلاها توافق):
— "اللي تشوفه صح يا محمد أنا معاك فيه.. المهم نكون مع بعض في بيت واحد."
في اللحظة دي، دخلت عايدة ومعاها حنان، وعايدة كانت بتراقب ملامح زينب
— "ها يا ولاد؟ شكل الوفاق حصل والقلوب اتفتحت لبعضها.. مبروك علينا يا ست حنان، البت زينب خلاص بقت تخصنا."
حنان (بقلب مقبوض بس بتحاول تبتسم):
— "على بركة الله.. بس يا ست عايدة، زينب بنتي، وأنا لازم أطمن على كل خطوة. والكتب كتاب مش هيتم إلا لما نخلص كل الإجراءات الرسمية هنا في الدار."
محمد (قام وقف وفرد طوله وبكل ثقة):
— "طبعاً يا مدام حنان، إحنا بتوع أصول.. وفى اقرب وقت كل حاجه تخلص ، ونخرج زينب لبيتها اللي هينور بوجودها."
خرج محمد وعايدة من الملجأ، وأول ما ركبوا العربية وقفلوا الأبواب، الوشوش اتغيرت تماماً.
عايدة (وهي بتعدل طرحتها قدام المراية):
— "برافو يا محمد.. ثبت البت بكلمتين 'الأمان والستر'. البت واقعة وشكلها هتسد معانا في المصلحة دي."
محمد (وهو بيدور العربية ببرود):
— "اهي وافقت على موضوع الفرح وكتب الكتاب السريع.. بس يا أمي، إنتي متأكدة إن الست حنان مش هتعمل لنا مشاكل في 'القائمة' والطلبات؟"
عايدة (بضحكة خبيثة):
— "قائمة إيه يا موكوس! البت مالهاش حد، والدار بتجهز بأساسيات..
على أطراف الملجأ، كانت العربية الجيب السوداء مركونة في حتة مدارية تحت شجرة ضخمة. "عمار" كان ساند ضهره على الكرسي، وماسك في إيده "تابلت" عليه خرائط مساحية، وعينيه مش مفارقة باب الملجأ. شاف محمد وعايدة وهما خارجين، وشاف الفرحة اللي كانت مرسومة على وش زينب وهي بتودعهم من بعيد، فابتسم بسخرية وطلع الموبايل وطلب "رحيم".
رحيم (رد بصوته الهادي الرخيم اللي فيه نبرة آمرة):
— "ها يا عمار.. طمني، الأرض طلعت زي ما قولت؟"
عمار (بتركيز وهو بيبص للمساحات اللي قدامه):
— "يا رحيم بيه، الأرض دي كنز.. مساحة بكر، وموقعها يخلي التوزيع للمحافظات اللي حوالينا أسرع من البرق. بس زي ما قولتلك، فيه 'شوكة' في نص الأرض.. ملجأ الأيتام."
رحيم (سكت لحظة، وسمع عمار صوت تكة الولاعة وهو بيولع سيجاره):
— "الشوكة بتتشال يا عمار.. الأرض دي لازم تبقى 'إمبراطورية الألبان' الجديدة. الملجأ ده مساحته قد إيه بالظبط؟"
عمار:
— "واخد مساحة مش قليلة،مساحه فيلا صغيره والمباني قديمة شوية بس مترممة. الملجأ ده فيه حركة، والست حنان اللي ماسكاه، سمعتها في المنطقة إنها 'ست بـ 100 راجل' ومبتفرطش في حق عيالها."
رحيم (بضحكة باردة فيها ثقة مرعبة):
— "100 راجل؟ تمام.. خليهم 101 بيا. اسمع يا عمار، مش عايزك تدخل من باب المواجهة دلوقتي. ابدأ اسحب الأراضي اللي حوالين الملجأ كلها، اشتري من الأهالي بأي تمن.. عايز الملجأ ده يبقى 'جزيرة' محاصرة بأملاكي من كل ناحية. والملجا ده وحنان دى سبهملى انا متحاولش حتى تكلمها او تيجى جمبها فاهم انا هعرف ازاى اخلص الموضوع ده
عمار (بتردد):
— "يعني نتبع سياسة 'النفس الطويل'؟"
رحيم (بصوت قاطع):
— "أنا معنديش وقت للنفس الطويل يا عمار بس انا عارف هعمل ايه كديس واعرف ازاى استغل اى حاجه قدامى
بعد ما عمار قفل مع رحيم، حس بضيق مش عارف سببه، ركن العربية ونزل يتمشى شوية حوالين سور الملجأ، كان بيحاول يشوف مداخل ومخارج الأرض بعينه بعيداً عن الورق والخرائط.
وصل عند حتة في السور، كانت المباني فيها واطية شوية ومطلة على الجنينة الجوانية، ووقف يعدل قميصه.. وفجأة، عينيه جت على "عزة".
كانت قاعدة على دكة خشب قديمة، سانده راسها على السور وبصة للسما بشرود، ملامحها كانت هادية بس باين عليها "وجع" سنين، وكأنها وردة دبلت قبل أوانها. عمار فضل واقف مكانه مش عارف يتحرك، جمالها الحزين خطف نظره، وخلاه ينسى هو كان جاي يعمل إيه أصلاً.
عزة حست بحد واقف، لفت وشها بسرعة وهي مخضوضة، ومسحت طرف عينيها بطرف طرحتها:
— "مين حضرتك؟ وعايز إيه من هنا؟"
عمار ارتبك لأول مرة في حياته، هو اللي بيواجه حيتان السوق، لقى نفسه مش عارف يجمع كلمتين قدام نظرة عينيها:
— "أنا.. أنا آسف جداً لو أزعجتك. أنا مهندس، وكنت بعاين الأراضي اللي حوالين الملجأ عشان مشروع جديد، وتُهت في المساحات شوية."
عزة قامت وقفت، ونفضت إيدها من تراب الدكة بحركة فيها كبرياء يوجع القلب، وقالت بنبرة حادة زي الموس:
— "الأرض اللي بره السور تقدر تعاينها براحتك، لكن هنا ده مكان خاص.. يا ريت تمشي قبل ما حد يشوفك ويفهم غلط."
عمار سحب نفس طويل، وبدل ما يمشي، سند كوعه على حرف السور الواطي وبص لها ببرود محترف، بس عينيه كانت بتلمع بفضول غريب:
— "الغلط الحقيقي هو إنك تكوني في السن ده وشايلة في عينيكي نبرة 'يأس' متوقعة الموت في أي لحظة. أنا مهندس يا آنسة، وعيني واخدة على كشف العيوب في الأساسات.. وإنتي أساسك محتاج ترميم."
عزة ضحكت ضحكة وجع، قصيرة ومكتومة:
— "أساسي؟ إنت جاي تتفلسف ولا جاي تشتري؟ لو جاي تشتري، فالدار دي ملهاش تمن، ولو جاي تتفلسف، فوفر كلامك.. اللي إيديه في المية الباردة مش زي اللي إيديه محروقة بنار 'حاضر وطيب' وخدمة ناس ميسووش."
عمار استغرب قوتها، وقرب وشّه منها شوية وبصوت واطي فيه بحّة جدية:
— "أنا عمار.. والناس اللي بتعرفني، بتخاف من نظرتي لأني مابشوفش غير الحقيقة. والحقيقة اللي أنا شايفها دلوقتي، إنك عاملة زي العمارة اللي صمدت قدام زلزال، بس خايفة من الهوا اللي جاي يوقعها. ليه؟ هو الستر بره السور ده مخيف للدرجة دي؟"
عزة قربت من السور هي كمان، وعينيها كانت بتلمع بالدموع اللي رافضة تنزل:
— "مخيف؟ كلمة مخيف دي قليلة. بره السور ده فيه ناس بتشوف اليتيمة 'لقمة' سهلة، وناس بتشوفها 'خدامة' بلقمتها، وناس بتشوفها 'ستر' لسر قذر.. بره السور ده يا بشمهندس، مفيش حد بيحب لله، كله بيحب للمصلحة. أنا جربت أكون 'سند' واتكسر ضهري، وجربت أكون 'عِطر' واتداس عليا بالرجلين.. فما تجيش إنت ببدلتك دي وتقولي أساسك محتاج ترميم."
عمار سكت خالص، حس إن الكلام لجمه.. حس إن البنت دي "كتاب مفتوح" بس حروفه مكتوبة بالدم.
عزة لفت وشها وسابته واقف، مشيت بخطوات سريعة ومنتظمة، ضهرها مفرود بوجع، وكأنها بتحاول تثبت للأرض قبل ما تثبت له إنها لسه واقفة على رجليها. مابصتش وراها ولا لفت براسها
عمار فضل مكانه.. إيده لسه ساندة على السور، وعينيه مثبتة على النقطة اللي اختفت عندها. الصمت اللي سابته عزة كان ألعن من كلامها، كان صمت بيصرخ في وشه ويقوله إن العالم اللي هو جاي منه بـ "بدلته وشياكته" مجرد قشرة قدام حقيقة الوجع اللي ساكن ورا السور ده.
عدت دقيقة.. اتنين.. وفجأة، موبايله رن في جيبه بـ "نغمة" خاصة، نغمة أوامر رحيم بيه.
الصوت ده كان كفيل يرجعه للواقع، نفض إيده من غبار السور وكأنه بينفض تأثير كلام عزة عنه. عدل ياقه قميصه بجمود، ورسم على وشه الملامح الرخامية اللي بيقابل بيها الدنيا.
عمار (بصوت واطي ونبرة خالية من أي مشاعر):
— "فوق يا عمار.. إنت هنا عشان 'أرض'، مش عشان 'حكاوي'. الأرواح دي ليها رب يحميها، لكن رحيم ملوش غيرك ينفذ له اللي هو عايزه."
طلع المنديل، مسح إيده ببرود، ولبس نضارته الشمسية اللي خبت أي لمعة تعاطف كانت في عينيه. ركب عربيته، ودور المحرك بصوت قوي هز هدوء المكان، وبص للملجأ في المراية وهو بيتحرك:
— "آسف يا آنسة عزة.. بس في عالم الأخطبوط، مفيش مكان للترميم.. فيه بس 'إزالة' وبنا من جديد."
الفصل التاسع
البارت التاسع
مر اسبوعين والعمال حوالين الدار كانوا شغالين زى خليه النحل بيسابقوا الزمن حنان حاولت تفهم ايه بيحصل لكن ماكنش حد بيفدها وده خلى القلق يزيد عندها
فضلت حنان واقفه قدام الشباك، ملامحها متشنجة وهي شايفة اللودرات بتهد في التل اللي قصاد الدار، التراب ملى الجو وكأنه غيامة سوداء بتهجم عليهم. دخلت عليها عزة وهي ماسكة كباية ينسون، إيدها كانت بتترعش حاجة بسيطة.
— "الوضع بره مريحش يا ست حنان.. العمال وشوشهم مقلوبة، والنهاردة الصبح شفت اتنين منهم بيجروا وهما بيصوتوا، بيقولوا الأرض 'بتطلع' تعابين وعقارب من كتر الحفر في حضن الجبل."
حنان لفت لها بضيق:
— "والبشمهندس بتاعهم ده مالهوش قلب؟ الأرض بتهيج وهما مكملين، وكأنهم بيحفروا في جثث مش في رمل!"
بره على السور، كان عمار واقف زي الصنم، لابس نضارته السوداء اللي بتعكس صورة البلدوزر وهو بيخبط في صخر الجبل. جاله "جمعة" الريس بتاع العمال، ووشه أصفر زي الليمونة:
— "يا بشمهندس عمار، أبوس إيدك وقف الشغل ساعة واحدة.. الأرض هنا مسكونة بصحيح، العقارب طالعة من الشقوق بحجم كف الإيد، والرجالة ركبها بتخبط في بعضها، الجبل ده مابيرحمش حد بيقرب منه."
عمار بصله ببرود، وطلع سيجارة ولعها وهو بيقول بنبرة خالية من أي رحمة:
— "اللي يخاف من العقرب يقعد فى البيت يا جمعة.. رحيم بيه بايع الدنيا وشاري الأرض دي، ولو طلعت عفريت من تحت الأرض، هتتفرم تحت عجل اللودر. وزع مصل السموم على الرجالة، واللي يتصاب يتعالج ويرجع مكانه.. إحنا هنا بنبني 'إمبراطورية'، مش بنعمل جنينة أطفال."
في اللحظة دي، وقفت عربية محمد وعايدة قدام باب الدار. عايدة نزلت وهي بتنفض التراب عن طرحتها بقرف وتأفف:
— "يا ساتر يا رب.. إيه الغبرة دي! الواحد بييجي هنا بيطلع بروحين."
محمد عدل جرافتته وبص على عمار والعمال بنظرة سريعة فيها "فهم" خفي، وكأنه عارف السر اللي ورا الهدد ده، ودخلوا لزينب اللي كانت مستنياهم ورا الباب بلهفة.
محمد قعد مع زينب في الصالون، وعينه كانت بتلمع بلمعة غريبة وهو بيقول لها:
— "شفتي يا زينب؟ الدنيا بره بتتهد عشان تتبني من جديد.. زي حياتنا بالظبط، بنهد الوحدة عشان نبني البيت اللي هيجمعنا. هانت ، كلها كام يوم ونكتب الكتاب، وأخدك من الدوشة دي كلها لمملكتك الهادية."
زينب كانت بتسمع كلامه وهي حاسة إنها في حلم، بس صرخة عامل بره شافت تعبان "طريشة" طالع من الرمل، خلت قلبها ينقبض فجأة.. حست إن "الستر" اللي محمد بيوعدها بيه، طعمه مر زي السم اللي بيطلع من حضن الجبل ده.
دخلت عايدة مكتب حنان، قعدت وفردت عبايتها بتكلف، ورسمت على وشها ابتسامة صفراء وهي بتهوي بكلماتها:
ـ يا ست حنان، إحنا أهل وأصول، والبت زينب دخلت قلبي وبقت زي نور عيني.. وعشان كدة أنا جاية أقولك إننا خير البر عاجله، إحنا عايزين نكتب الكتاب والدخلة كمان شهر بالظبط."
ـ شهر يا ست عايدة؟ ده البت لسه ملحقتش تستوعب، وبعدين إجراءات الدار والورق والتحريات بتاخد وقتها.. إيه الاستعجال ده؟"
ـ استعجال؟ يا حبيبتي ده 'خير البر عاجله '! وبعدين محمد جاله عقد شغل في الساحل، وعايز مراته معاه في بيته ومطرحه. إنتي يرضيكي الولد يسافر ويسيب مراته لسه في دار أيتام والناس تاكل وشنا؟"
ـ محدش هياكل وش حد، زينب في بيتها ومع أهلها هنا. أنا بس شايفة إن شهر قليل قوي عشان يفرشوا ويجهزوا.. والجهاز بتاع الدار لسه مجاش."
ـ "جهاز إيه وشوار إيه! البيت عندي كامل من مجاميعه، ومحمد مش عايز من البت غير شنطة هدومها.. إحنا بنشتري 'جوهرة' يا ست حنان مش بنشتري عفش . وبعدين، هو إنتي خايفة من إيه؟ ده محمد مهندس قد الدنيا، يعني الأمان كله. ووحيد يعمى مش هتلاقى سلفه تضايقها او اخت جوز تغير منها
ـ "مش خايفة، بس 'حريصة'. الجوازة اللي بتيجي سلق بيض دي بتقلقني. ليه متبقاش خطوبة شهرين تلاتة، البت تفهم طبعه وهو يفهم طبعها؟"
عايدة (قامت وقفت ولعبت على الوتر الحساس): "طبع إيه ونبع إيه! العيال ارتاحوا لبعض، والبت زينب كل ما تشوف محمد وشها ينور.. إنتي عايزة تقطعي فرحتها ليه؟ ولا هو أنتم في الدار هنا بتحبوا 'الحبسة' للعيال؟ البت يتيمة يا حنان، وكسرة خاطر اليتيم وعطلة حاله دي عند ربنا كبيرة.. ولا إنتي عايزة تشيلي ذنبها؟"
حنان (اتنهدت بضيق وهي حاسة بالضغط)
ـ يا ست عايدة متبدليش الكلام، أنا مصلحة البت عندي فوق كل شيء."
عايدة (بصوت ناعم ومسموم): "
ـ ومصلحتها في الستر والبيت المفتوح. محمد ابني لو ضاع من إيدها، مش هتلاقي زيه تاني.. مهندس، وابن ناس، وشقة ملك،وعربيه وهيشيلها في عينه. قولي مبروك وخلينا نخلص الإجراءات، ولا إنتي ليكي رأي تاني يزعلنا من بعض؟"
حنان سكتت، وبصت من الشباك على اللودرات اللي بتهد في الجبل بره، حست إن عايدة هي كمان "لودر" بس من نوع تاني، بتهد دفاعاتها عشان تاخد زينب لمنطقة مجهولة
اتنهدت حنان وادت عايده موافقه مبدايه هى مش عارفه ايه اللى بيحصل حواليها ومعندهاش سبب او مبرر للتاجيل
خرجت عايده ومشيت مع محمد وبدات تجهز ازاى تسيطر سيطره كامله على زينب
فى اليوم التانى شافت حنان عربيه عمار وقررت انها تروح تكلمه بنفسها عشان تعرف ايه اللى بيحصل بالظبطت
فتحت حنان باب الدار الحديدي وهي بتعدل طرحتها بعصبية، وعزة ماشية وراها بخطوات سريعة وقلب مقبوض، وكأنها بتحاول تكون "ضهر" لحنان في مواجهة المجهول اللي بره السور. الغبار كان مالي الجو وصوت المكن يصم الاذان.
حنان قربت من عمار اللي كان واقف مدي ضهره للباب، وبصوت جهوري قدرت تغلب بيه صوت اللودرات:
— "يا بشمهندس! يا بشمهندس أنت يا اللي واقف!"
عمار لف ببطء، نزل نضارته الشمسية شوية وبص لحنان ببرود، وعينه جت في عين عزة اللي كانت واقفة بصلابة ورا حنان، لمحة الارتباك اللي حصلت المرة اللي فاتت اختفت ورا قناع "المهندس المحترف".
حنان (بنفس مقطوع):
— "أنا مديرة الدار، الست حنان. ممكن أفهم إيه اللي بيحصل ده؟، فجأة اتقلبت خلية نحل وهدد.. والعمال بتوعك بيقولوا فيه بلاوي بتطلع من تحت الأرض، والدار هنا فيها أطفال ومسؤولية. أنت مين، وبتبنوا إيه بالظبط؟"
عمار (بابتسامة رسمية باردة):
— "أهلاً يا مدام حنان. مفيش داعي للقلق خالص، إحنا شركة مقاولات وبننفذ مشروع استثماري مرخص. مجرد استصلاح وتجهيز بنية تحتية للأراضي اللي حواليكم."
حنان (بشك):
— "استصلاح إيه يا بشمهندس والجبل بيتهد فوق دماغنا؟ ومين صاحب المشروع ده؟ أنا بقالي سنين هنا وعارفة إن الأرض دي ملكية عامة، إزاي فجأة بقت 'مشروع استثماري'؟"
عمار (وهو بيبص في ساعته بتجاهل متعمد):
— "والله يا مدام حنان، دي تفاصيل قانونية وإدارية تخص الملاك والجهات الرسمية، أنا هنا مجرد مهندس تنفيذ. يعني بسلم وبستلم خرسانة وطوب.. ماليش في ورق الملكية."
عزة (تدخلت وصوتها كان فيه نبرة حادة):
— "بس ليك في 'السموم' اللي بتهيجوها علينا يا بشمهندس. العمال بيقولوا إن التعابين والعقارب بدأت تظهر بسبب الحفر الغلط في حضن الجبل. إزاي بتقول مفيش داعي للقلق وأنت بتهدد سلامة المكان اللي ورانا ده؟"
عمار بص لعزة نظرة طويلة، حاول فيها يحافظ على جموده:
— لكل بنا 'أساسات'، والأساسات أوقات بتطلع شوية كراكيب قديمة من الأرض. إحنا واخدين احتياطاتنا، والموضوع كله كام يوم والأرض هتتساوى."وماتقلقيش بعتنا لمراكز مختصه هتيج. ترش المكان كله وتجرده خالص وهنأمن المكان اللى انتوا فيه كويس اوى
حنان (بإصرار):
— "أنا مش هسكت يا بشمهندس. أنا لازم أعرف مين اللي باعتكم، والملجأ ده مش هيتأذي طول ما أنا فيّ نفس."
عمار (رجع لبس نضارته وكأنه بيقفل الكلام):
— "يا ست حنان، نصيحة مني.. ركزي في إدارة الدار وفي ولادك، وسيبي البنا لأصحابه. الدنيا بره بتتغير، واللي مابيمشيش مع التغيير هو اللي بيتعب. عن إذنك، عندي شغل لازم يخلص قبل الليل."
عمار سابهم ومشي ناحية الجبل بكل برود، وحنان وقفت مكانها وهي حاسة إنها بتخبط في حيطة سد. لفت لعزة وقالت بصوت واطي فيه قلق حقيقي:
— "الجدع ده مش سهل يا عزة.. وكلامه وراه 'حد' تقيل قوي. أنا قلبي واكلني إن الدار بقت في نص مصلحة كبيرة، وزينب في نص مصلحة تانية، وإحنا مش عارفين رأسنا من رجلينا."
عزة فضلت باصة لضهر عمار وهو بيبعد،
بغل وحزن، وحنان بدأت تتحرك ناحية باب الدار وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم من ضيقها. وفجأة، وسط الرمل الناعم اللي هج من الحفر، عزة حست بـ "سيخ نار" اتمكن من رجلها.. وجع مش طبيعي، خلى الدنيا تلف بيها وصوتها يخرج في صرخة شقت هدوء المكان:
ـ ااااه الحقونى
عمار، اللي كان لسه ممشي، جسمه اتنفض وكأن الصرخة دي لمست سلك عريان في قلبه. لف بسرعة البرق، وشاف عزة وهي بتقع على الأرض وماسكة رجلها بوجع هستيري.
جري عليها بقلب واكل صدره، وفي اللحظة اللي وصل فيها، لمح خيال "طريشة" صغيرة لونها من لون الرمل، كانت لسه بتتسحب بعيد عن رجل عزة. عمار من غير تفكير، ومن غير ما يستنى يدوّر على حجر أو عصاية، قلع جزمته التقيلة ونزل بيها بكل قوته على راس التعبان، فضِل يضرب فيه بغل وكأنه بينتقم
رمى الجزمة من إيده وارتمى على الأرض جنب عزة، اللي كان وشها بدأ يصفر وعرقها يسيل.
كان قاعد على الأرض قصادها، عينيه متركزة على مكان سنون التعبان في كاحلها بس كل حواسه معاها. مسك كعب رجلها بكفوفه اللي فيها خشونة الأيام بس لمستها كانت أرق من الحرير، كأنه بيمسك حتة إزاز خايف تتكسر. وبدون تردد، ميل براسه وحط شفايفه على ساقها عند مكان الجرح، وبدأ يسحب السم بكل قوته، كأنه بيمتص الوجع اللي بيجري في عروقها ويفتديه بنفسه.
بعد كل مرة، كان بيمسح طرف بقه بظهر إيده وعينيه متركزة في عينيها بنظرة ثابتة، لحد ما رفع عينيه ببطء في المرة الأخيرة والسكوت مالي المكان.. نظرة كان فيها ألف كلمة متقالتش؛ كأنه بيبصملها بالفعل ده إنه سندها، وإن الخطاوي اللي تعبت من شيل الهموم -وحتى الموت اللي قرب منها- هو اللي هيصده عنها، عشان تمشي من بعد النهاردة على حرير."
جريت حنان عليها وهى بتصوت وبعدها عمار شالها وركبها العربيه وجريت حنان وراهم
العربية طارت زي السهم، وعمار كان دايس بنزين لآخر نفس، عينه مش بتفارق المراية، بيبص على وش عزة اللي بقى لونه أبيض زي الورقة وهي نايمة ورا، وحنان جنبها بتبكي وتدعي بصوت مكتوم ومنهار.
صمت عمار كان مرعب، إيده اللي قابضة على الدريكسيون كانت بترتعش لأول مرة في حياته. وصلوا المستشفى في دقايق، وشالها تاني بين إيديه وهو بيصرخ في الممرضين: "ألحقونا بسرعة.. أي حد يلحقنا!"
بعد لحظات من التوتر والرعب في أوضة الطوارئ، خرج الدكتور وطمنهم إن "المصل" لحقها في الوقت المناسب وأنها عدت مرحلة الخطر. دخل عمار الأوضة بعد ما العاصفة هديت، كانت الإضاءة خافتة وعزة بدأت تفتح عينيها ببطء وبتسترد وعيها.
قرب من السرير، وقعد على طرف الكرسي اللي جنبها.. مكنش فيه أي أثر للمهندس القاسي اللي جاي يهد الجبال؛ كان فيه بس راجل مغلوب قدام نظرة عينين ذبلانة وتعبانة
الفصل العاشر
افتكرت عزه لمسة شفايف عمار على رجلها !
حست برجفة سريعة مشيت في جسمها كله، وجع رجلها اتنسى قدام إحساس تملّكها في اللحظة دي.. افتكرت إزاي كان ماسك رجلها بكفوفه الخشنة بس بحنان غريب، وكأنه بيمسك جوهرة خايف تتهشم، افتكرت إزاي كان بيمتص السم بقوة، كأنه عايز ياخد الموت نفسه منها ويفتديها بيه. عيونها دمعت وهي بتفتكر نظرته الأخيرة ليها قبل ما يسيبها ويخرج، النظرة اللي كانت مليانة كلام كتير قوي، كلام كان أبلغ من أي قصة حب اتقالت.
افتكرت كمان لما شالها بين إيديه، حست بأمان مكنتش حاساه طول عمرها، حست إنها بقت عيلة صغيرة في حضنه، افتكرت إزاي كان بيجري بيها وهو بيصرخ في الكل يوسعوا له السكة، كأنه بيسابق الزمن عشانها.. افتكرت خوفه الحقيقي عليها، الخوف اللي كسر كل الحواجز اللي بينهم.
عزة غمضت عينيها تاني، بس المرة دي عشان تعيش اللحظات دي تاني في خيالها، تحس بدفء جسمه وهو شالها، وبلمسة شفايفه على رجلها.. حست إن فيه حاجة اتغيرت جواها، حاجة كانت ميتة وصحيت من جديد.. حست إن عمار مكنش بس مهندس باعتينه عشان يهد الجبال، كان سندها وضهرها في وقت الشدة، كان الراجل اللي ضحى بحياته عشانها.. حست إنها بدأت تلمح "القلب الطيب" ورا "القناع الجليدي" اللي هو لابسها طول الوقت.. حست بملامحه بتتشكل بشكل مختلف
في اللحظة دي، دخلت حنان الغرفة، وشافت عزة وهي نايمة ومبتسمة ابتسامة باهتة، قالت بصوت هادي:
— "حمد الله على سلامتك يا عزة.. البشمهندس عمار لسه خارج، كان قلقان عليكي قوي."
عزة فتحت عينيها تاني، وبصت لحنان بنظرة غريبة، نظرة كان فيها ألف سؤال وسؤال، بس مكنش فيه غير إجابة واحدة في قلبها..
فجأة، انقبضت ملامح عزة وكأن تياراً كهربائياً ضرب قلبها، تلاشت الابتسامة الباهتة وحلت محلها نظرة رعب باردة.. وكأن ذكرى "سعيد" هجمت عليها مثل ذئب جائع لينتشلها من لحظة الأمان المزيفة.
استعادت عزة أنفاسها بصعوبة، وصورة عمار وهو يمتص السم من جسدها تداخلت مع صورة قديمة لسعيد.. سعيد الذي كان بارعاً أيضاً في تمثيل دور "المنقذ"، الذي دخل حياتها بكلام معسول ونظرات كانت توهمها بالستر، حتى تمكن من خنق روحها وكسرها.
غمغمت عزة في سرها بمرارة:
"كلهم زي بعض.. بيبدأوا بالحنية والشهامة، لحد ما نقع في الفخ، وبعدها بيظهر الوش الحقيقي. سعيد كمان كان بيمثل إنه بيخاف على الهوا اللي بتنفسه.. وفي الآخر كان هو اللي كتم نَفَسي."
حست بـ "قرف" من نفسها لأنها سمحت لقلبها يدق ثواني لمجرد لمسة، وبدأت تشك في كل حاجة.. ليه عمار عمل كدة؟ هل ده جزء من خطة "الشركة" عشان يسيطروا على الدار؟ هل هو ومحمد وجهين لعملة واحدة؟ واحد بيضحك على زينب بالجواز، والتاني بيحاول يثبت بطولته قدامها عشان يسكتها عن اللي بيحصل في الجبل؟
حنان لاحظت التحول المفاجئ في وش عزة، وسألتها بقلق:
— "مالك يا عزة؟ رجلك وجعتك تاني؟ أنده للدكتور؟"
عزة بصت لها بعيون مليانة حزن وغل، وقالت بصوت ناشف:
— "لا يا ست حنان.. مفيش دكتور بيعالج الوجع ده. أنا بس افتكرت إن التعبان اللي قرصني في الجبل أرحم بكتير من "تعابين" تانية لبست وش بني آدمين ودخلت حياتنا زمان. البشمهندس ده لازم نبعد عنه، كلامه وفعله وراهم غرض.. والجميل اللي عمله ده أنا هردهوله، بس مش عايزة أشوف وشه هنا تاني."
حنان استغربت من الهجوم المفاجئ، بس سكتت لأنها عارفة "جرح" عزة القديم وقديش هو غاير.
بره في الممر، كان عمار لسه واقف، ساند راسه على الحيطة.. مكنش عارف إن "البطولة" اللي عملها، صحت في قلب عزة "شيطان" قديم اسمه الشك، وإن معركته الجاية مش هتكون مع صخر الجبل، لكن مع ذكريات راجل تاني دمر ثقة عزة في جنس الرجال كله.
في الناحية تانية، كان رحيم قاعد في مكتبه وصوت الموسيقى الكلاسيك الهادية مغطي على أي دوشة. رفع رحيم موبايله ورد ببرود:
— "إيه يا عمار؟ طمني.. اللودرات هدت قد إيه من التل النهاردة؟"
عمار (بصوت مكتوم وفيه نهجة وتوتر):
— "اللودرات وقفت يا رحيم بيه.. أنا في المستشفى."
رحيم (عدل قعدته على الكرسي الجلد الفخم، وعينه لمعت بشك):
— "مستشفى؟ جرى لك حاجة؟"
عمار:
— "أنا كويس، بس الأرض طلعت سمومها علينا.. فيه ست من الدار اللي جنبنا قرصتها "طريشة" وهي واقفة قدام بابها، والموضوع قلب قلبة وحشة والعمال خايفين يكملوا. يا رحيم بيه، الجبل ده فيه بلاوي، ولو مبعتش طقم تطهير متخصص وفريق رش يقلب المنطقة النهاردة، بكرة الصبح هتلاقي المحافظة والنيابة واقفين فوق راسنا بسبب بلاغ من الدار.. والأطفال هناك مسؤولية مش هتعرف تسكتها بفلوس."
رحيم سكت، وبدأ يحرك صباعه على طرف المكتب الأبنوس، وصوته نزل لدرجة مرعبة من الهدوء:
— "إنت بتتصل بيا من المستشفى عشان تقولي "نوقف" يا عمار؟ إنت عارف الساعة في المشروع ده بتكلفني كام؟ وبعدين من إمتى وإنت قلبك رهيف قوي كدة على جيرانك؟"
عمار (بيحاول يلم الدور):
— "مش رهيف يا جناب الباشا، أنا بحمي رقبتنا. البت اللي اتصابت دي لو جرى لها حاجة، الدنيا هتتقلب، والدار دي عين الدولة عليها. خلينا نطهّر المكان ونرش سموم تموت أي حاجة بتزحف، عشان الرجالة تشتغل وهي مطمنة وعشان الدار تسكت."
رحيم (بابتسامة باردة وهو بيبص من ورا الزجاج الفخم لمكتبه على أضواء المدينة):
— "تمام.. فى تيم تطهير جايلك فى الطريق كلمتهم ومظبط معاهم كل حاجه فريق كامل متخصص في إبادة الزواحف، ومعاهم تصاريحهم عشان يدخلوا حتى جوه جنينة الدار لو لزم الأمر. بس اسمع يا عمار.. ملمحش وشك في المستشفى دقيقة زيادة. تخلص المكالمة، تغسل إيدك، وترجع تقف فوق راس اللودرات. الأرض دي ملكي، واللي فيها ملكي، ومحدش يوقفني.. مفهوم؟"
عمار قفل السكة وهو بيشتم في سِره، بص بصه أخيرة على باب أوضة عزة، ومسح وشه بتعب، ونزل جري عشان يسبق فريق الرش ويوصل لموقع "المعركة" من تاني.
مرّ يومين، وعزة خرجت من المستشفى ورجعت الدار، بس رجوعها مكنش زي خروجها؛ كانت ماشية بتعرج بسيط بس قلبها كان شايل حمل أتقل من رجلها. وفي وسط الغبرة وصوت المكن اللي مبيسكتش، وقفت عربية سودة فخمة، من النوع اللي يخلي العمال يسيبوا اللي في إيدهم ويبلموا.
نزل السواق وفتح الباب، ونزل رحيم.. هيبة، شياكة، ونضارة سودة مخبية عينين مابتشوفش غير مصلحتها. وقف يعدل جاكيت بدلته الغالية وسط التراب، وكأنه ملك داخل مملكته. عمار أول ما شافه، ساب اللودرات وراح عليه
— "رحيم بيه ! نورت الموقع يا باشا..
رحيم (بصوت هادي زي هدوء المقابر):
- انا جيت عشان اقابل مدام حنان بخصوص الارض افتكر كده بقالنا شهر بنساوى الارض واتساوت فاضل مكان الدار دى وانا جاى عشان اخرجهم منها
حنان كانت واقفة ورا السور،وبتراقب المنظر، وشكت انه ممكن يكون ده صاحب الارض الجديد هيبته ولمت العمال حواليه خلتها تتوقه انه مالك الارض
انتهى رحيم من الكلام مع العمال واخد رحيم ودخل الدار واستقبلته حنان فى مكتبها
حنان (بصوت عالي ومن غير خوف):
— "أهلاً يا بشمهندس عمار.. ومين الضيف؟ صاحب الارض اللي بره ده؟"
رحيم نزل نضارته ببطء، وبص لحنان نظرة "تفحص" كأنه بيشوف هي تسوى كام، وقال بابتسامة صفرا:
— "أنا رحيم.. صاحب الأرض اللي هتبني مستقبل المنطقة دي. جيت بنفسي أتطمن على الآنسة اللي التعبان قرصها.. يرضيني برضه إن جيراني يبقوا بخير."
عزة كانت واقفة بتبصله بغل، ملامحه فكرتها بـ "سعيد" بس على أنضف وأخطر بكتير
بدأت حنان الكلام معاه والدخول فى الموضوع على طول
ـ بس الدار دى مش للبيع يا رحيم بيه والملجا ده مش هيتهد واللى فيه يتشردوا
— "بس يا ست حنان، الدار دي شكلها تعبان قوي.. الحيطان دي مش حمل الهز اللي حواليها. حرام تظلمي العيال معاكي في مكان ممكن يقع في أي لحظة. إيه رأيك لو فكرنا في "حل" يرضي الكل؟ نشتري راحة بالكم بمبلغ محترم، وتنقلي العيال لمكان أنضف؟"
حنان (ردت عليه بحدة):
— "الدار مش للبيع يا رحيم بيه، والحيطان دي شايلة أرواح مش شايلة طوب. لو خايف على راحتنا، ابعد لودراتك عننا، وإحنا هنبقى زي الفل."
رحيم سحب نفس طويل، وطلع دخان سيجاره ببطء وهو بيبص لحنان بنظرة فيها "ثقة" تقلق.. شبك صوابعه قدامه على المكتب وقال بصوت ناعم زي الحرير:
— "يا ست حنان، أنا مابحبش العند اللي ملوش لازمة، وخسارة الست العاقلة زيك تضيع فرصة عمرها وعمر العيال دي عشان شوية طوب مشقق. أنا مش بس جاي أخرجكم.. أنا جاي أنقلكم جنة."
حنان سكتت وبصت له بتركيز، كمل رحيم وهو بيميل بجسمه لقدام:
— "أنا اشتريت البيت اللي في أول الطريق، البيت اللي الكل بيقول عليه 'فيلا '
جنينة واسعة، غرف متهوية، ومباني زي الحديد، وأكبر من الدار دي مرتين. البيت ده جاهز من مجاميعه، يدوب تنقلي هدوم العيال وتروحوا هناك.. وده مش عرض، ده قرار هيتنفذ خلال أسبوع، عشان الدار دي لازم تتهد، ومكانها هيتساوي بالأرض."
عزة كانت واقفة بعيد، عيونها بتلمع بغضب، بس كلام رحيم اللي جاي خلاها تتسمر مكانها:
— "ومش بس كدة.. أنا هخصص مبلغ شهري للدار، رقم يخلي العيال دي تاكل وتشرب وتلبس أحسن لبس.. وأي بنت من بناتك هنا توصل لسن الجواز، 'شوارها' وجهازها كله من الإبرة للصاروخ عليا أنا شخصياً.. هجوزهم جوازات تشرف، وكأنهم بناتي."
ومش بس كده هوفر ليهم كمان فرص عمل جوه المزرعه اللى هتتبنى هنا المزرعه هتكون كبيره فوق ما خيالك يصورلك ومش هتتبنى فى حته الارض اللى انتى شيفاها دى بس لا دى هتاخد الجبل اللى قدامك واللى وراه ده كله
حنان حست إن الأرض بتلف بيها.. العرض مغري لدرجة تخوف، ومصالح البنات اللي شايلة همهم بدأت ترفرف قدام عينها. بصت لعزة اللي وشها كان باهت، وقالت بصوت مهزوز:
— "واللي بيقدم كل ده يا رحيم بيه.. بيبقى عايز إيه في المقابل؟ مفيش حد بيرمي دهب في الأرض لله وللوطن."
رحيم لبس نضارته السودة تانى وقام وقف بكل هيبته:
— مافيش مقابل ' يا ست حنان.. تنقلي في هدوء، وتنسي إن كان فيه هنا دار، قدامك 48 ساعة تفكري، بس خليكي فاكرة الهدم هيبدأ الأسبوع الجاي، يا تخرجي بكرامتك للفيلا الجديدة، يا تخرجي واللودر فوق راسك. سلام يا.. جارتي العزيزة."
حنان بصت من الشباك على العيال وهم بيلعبوا في الجنينة، وقالت بكسرة:
— "والجهاز يا عزة؟ والبنات اللي مش لاقيين ياكلوا؟ والحيطان اللي هتقع علينا؟ الراجل ده حط السم في العسل.. وعارف إننا محتاجين العسل ده عشان نعيش."
تفتكروا حنان هتوافق
وانتوا لو مكان حنان هتعملوا ايه هتوافقوا ولا هتعاندوا ؟؟