تحميل رواية الأخطبوط بقلم أماني سيد pdf
بقلم أماني سيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عارفه يا نبويه انا نفسى اجوز ابنى لبنت مايكنش ليها حد يسأل عنها عايزه واحده تبقى زى الخاتم فى صباعى اقول يمين تبقى يمين شمال تبقى شمال عايزه واحده كده تبقى خدامه تحت رجليا وتسمع كلامى ومحدش يقولى انتى بتعملى ايه يا امنيه حياتى يا نبويه بس للاسف كل اللى رحنا اتقدمنا ليهم عنيهم تدب فيها رصاصه وقال ايه رافضيين يعيشوا معايا عايزين شقه منفصله ... وانا ابنى غلبان اخاف اجوزه واحده تضحك عليه لازم يقعد معايا عشان اخلى باله منه لحسن مراته تركب عليه وتدلدل واللى يقولك الحل يا عايده تديله ايه إيه ده انتى تع...
الفصل الحادي عشر
بعد يومين من زيارة رحيم، والشمس لسه بتشقشق على دار الأيتام، الهدوء قطعه صوت سرينة عربية "بوكس" ومعاها عربية تابعة للمجلس المحلي.
عزة كانت واقفة في الجنينة، بتعرج بسيط وهي بتسقي الزرع، قلبها انقبض أول ما شافتهم. خرجت حنان تجري وهي بتعدل طرحتها، وشها كان مخطوف.
— "مدام حنان؟ معاكي بلاغ إزالة فوري وإخلاء للدار خلال 24 ساعة. المبنى طالع له قرار إنه 'آيل للسقوط' ويمثل خطورة داهمة على الأرواح، خصوصاً بعد تصدع الحيطان بسبب أعمال الحفر اللي جنبكوا."
حنان (بصدمة وهي بتمسك الورقة وإيدها بتترعش):
— "إزالة إيه يا حضرة؟ الدار دي واقفة من سنين! وبعدين القرار ده طالع بناءً على إيه؟ إحنا مقدمين طلب ترميم من شهر ومحدش رد علينا!"
الموظف (وهو بيمشي):
— "والله يا ست الكل دي أوامر، والتقرير الهندسي بيقول إن الهز اللي حصل اثناء الحفر حوالين الدار خلّى التربة غير مستقرة. قدامك ل بكرة الصبح، وإلا الإخلاء هيبقى بالقوة الجبرية عشان نحمي الأطفال.
"عزة سحبت الورقة من إيد حنان وقرتها، عيونها كانت بتطلع شرار. بصت ناحية الجبل، شافت من بعيد عربية عمار السوداء واقفة، عمار ساند بضهره عليها وبصص لهم وهو بيدخن سيجاره بكل برود، وكأنه بيتفرج على مسرحية هو اللي كاتبها.
عزة (بصوت مخنوق من الغل):
— "شوفتي يا ست حنان؟ العسل اللي كان بيقدمه طلع مسموم فعلاً. هو اللي هز الأرض تحتنا باللودرات بتاعته، وهو اللي جابلنا قرار الإزالة عشان يرمينا في الشارع، ويجبرنا نروح 'الجنة' بتاعته بمزاجنا.. الراجل ده مبيسبش حاجة للصدفة، ده أخطبوط بجد!"
حنان قعدت على أقرب كرسي في الجنينة، والعيال بدأوا يتلموا حواليها وهما خايفين من شكل العساكر والورق. بصت لعزة وقالت بكسرة:
— "الفيلا يا عزة.. هو عارف إن معندناش مكان نروح فيه بالعيال دي في 24 ساعة. يا ننام في الشارع واللودر يهد المكان فوق عفشنا، يا نروح نقعد في حماه ونمضي على التنازل."
حنان (بصوت مهزوز ومليان حيرة):
— "أنا مش قادرة أفهم يا عزة.. هو الراجل ده بيلعب بينا ليه؟ لسه من يومين كان بيعرض فيلا وجهاز بنات وشهرية.. إيه اللي جاب المحليات وقرار الإزالة دلوقتي؟ تفتكري يكون سحب عرضه؟ تفتكري لما لقى منّي صدّ في الكلام، قرر يرمينا في الشارع ويخلص؟"
عزة (بصت لها بنظرة حادة، وقامت وقفت وهي بتسند على رجلها بوجع):
— "يسحب عرضه؟ يا ست حنان رحيم ده مبيسحبش حاجة.. رحيم ده 'أخطبوط'. الأخطار ده هو (الرجل التانية) للأخطبوط عشان يكتفنا بيها. هو مجاش يعرض علينا الجنة عشان سواد عيونا، هو جه يرمي الطعم.. ولما لقاكي بتفكري، شد الحبل عشان يخنقنا ويجبرنا نبلع الطعم وإحنا بنبوس إيده كمان."
حنان (بدموع):
— "بس ده قرار إزالة يا عزة! يعني لو مخرجناش، اللودر هيهد علينا بجد. معقول يكون مجهز كل ده من قبل ما يدخل مكتبنا؟"
عزة (بضحكة مريرة):
— "مجهز؟ ده أكيد كان ماضي قرار الإزالة وهو بيشرب القهوة معاكي! هو كان عارف إننا هنرفض أو هنتردد، فحب يورينا 'الوش التاني' بدري.. عشان لما نروحه دلوقتي نترجاه يفتح لنا الفيلا، يفتحلها لنا بشروطه هو
ـ بقولك ايه يا عزه انا هتصل بيه دلوقتي وافهم منه كل حاجه بدل الحيره دى
عزة (بمرارة):
— "كلميه يا ست حنان.. بس خليكي عارفة إنك بتكلمي الصياد اللي نصب الفخ. هو مستني الرنة دي بالثانية."
أخذت حنان نفساً عميقاً وضغطت على زر الاتصال.. لم يكمل الهاتف الرنة الثانية حتى جاء صوت رحيم، هادئاً، بارداً، وواثقاً لدرجة مرعبة.
حنان (بصوت تحاول جعله متماسكاً):
— "أظن حضرتك عارف اللي حصل يا رحيم بيه.. أنا بس بسأل، لسه كلامك ساري؟ ولا قرار الإزالة ده معناه إنك سحبت عرضك وعايز ترمينا في الشارع؟"
رحيم (بضحكة خفيفة مكتومة):
— "أنا مابرجعش في كلمتي يا ست حنان، أنا راجل بحترم جيراني. العرض ساري طبعاً.. والفيلا مفتوحة ومفروشة ومستنية العيال يملوها ضحك. أنا مش بس هسكنكم.. أنا هبعت لك عمار حالاً، ومعاه تيم عمال متخصص، ينقلوا لكم كل أساسياتكم وهدومكم في عربيات الشركة. إنتوا بس خدوا حاجتكم الشخصية، والباقي كله عليا."
حنان (بهمس):
— "واللودرات يا رحيم بيه؟"
رحيم: — "اللودرات مش هتتحرك ناحية السور طول ما إنتوا جوه.. أول ما عمار يبلغني إن آخر طفل ركب العربية ووصل الفيلا، وقتها بس الأرض هتاخد حقها عشان نبدأ مشروع المزرعة. قدامك ساعة وعمار هيكون عندك.. سلام يا جارتى
قفلت حنان الخط وبصت لعزة اللي كانت مربعة إيدها وعيونها زي الصقر.
حنان: — "بيقول الفيلا جاهزة.. وعمار جاي يساعدنا في النقل. الراجل ده قفل كل الأبواب، ومسابش لينا غير باب بيته."
عزة (بصوت ناشف): — "الفيلا دي مش بيت يا ست حنان.. دي 'قفص دهب'. وعمار اللي باعتينه يساعدنا ده، هو اللي هيقفل علينا الترباس. بس ماشي.. خلينا نروح 'الجنة' بتاعته، ونشوف آخرتها إيه
عمار وصل ومعاه أسطول عربيات نقل وعمال لابسين لبس شركة رحيم للمقاولات. كان بيتحرك في كل حتة، بيوجه العمال ويوصيهم على العفش كأنه بينقل ألماظ، وعينه مشقلقة على الباب، مستني "عزة" تخرج.
خرجت عزة وهي شايلة شنطة صغيرة فيها حاجتها، كانت بتمشي وهي بتعرج بسيط، بس راسها كانت في السماء، وكأنها ملكة مكسورة الجناح بس لسه محتفظة بهيبتها.
عمار (قرب منها بلهفة وشوق):
— "هاتي عنك الشنطة دي يا عزة.. إنتي لسه تعبانة والجرح محتاج راحة، والعمال هيشيلوا كل حاجة، ارتاحي إنتي في العربية."
عزة ولا كأنها سمعت، ولا حتى بصت في وشه، كأن صوته ده مجرد وش في الهوا. عدت من جنبه ببرود يجمّد الدم، وراحت حطت شنطتها في ميكروباص الدار بنفسها، وركبت في آخر كرسى ووشها للشباك.
عمار مقدرش يسكت، راح وقف جنب شباك الميكروباص وقال بصوت واطي:
— "عزة.. أنا عارف إن الظروف صعبة، بس صدقيني الفيلا هناك أمان للعيال.. لو محتاجة أي حاجة في أوضتك قوليلي بس وأنا هرتبها لك."
عزة، وبكل منتهى القسوة، راحت سحبت ستارة الشباك في وشه، من غير ولا كلمة.
وقف عمار مكانه مذهول، مش قادر يصدق إن البنت اللي خاطر بحياته عشان يشد السم من جسمها، بتبص له دلوقتي كأنه هو "التعبان" اللي قرصها
بعد ما وصلوا الفيلا الفخمة اللي كانت في حتة مقطوعة وراقية، والعمال بدأوا ينزلوا العفش تحت إشراف حنان، عمار وقف مع حنان بعيد وهو مراقب عزة وهي بتدخل العيال الفيلا من غير ما تلتفت وراها.
— "ست حنان.. أنا مش فاهم عزة بتعمل معايا كدة ليه؟ أنا عملت كل اللي أقدر عليه عشان أحميها وأحمي الدار، وفي الآخر بتبص لي كأني عدوها اللدود!"
حنان شافت عمار واقف وشه جايب ألوان من صد عزة ليه، قربت منه وطبطبت على كتفه بحنان وقالت له:
— "معلش يا بشمهندس، حقك عليا أنا.. ماتاخدش على خاطرها، عزة اللي شافته مش قليل. تعالى ندخل نرتاح من هدة اليوم ده، وأنا هقعد معاك وأحكيلك كل حاجة من طقطق لسلام عليكم."
عمار هز راسه بقلة حيلة ودخل معاها الفيلا.. وأول ما حنان خطت رجليها جوه، اتسمرت مكانها. هي كانت متخيلة إن رحيم وعمار هيجيبوهم في مكان "أي كلام" يسكتوهم بيه، بس اللي شافته كان فوق الخيال.
الفيلا كانت قطعة من أوروبا؛ السجاد والفرش ريحتهم لسه جديدة وفخمة، النجف والاضاءة تخطف العين، والتكييفات شغال في كل ركن ومخلي الجو جنة بعيد عن حر الجبل.
حنان مشيت بشويش وهي مش مصدقة، دخلت أوض الأطفال لقتها مجهزة بالكامل، سراير جديدة بلوازمها، وحتى الهدوم واللعب مرصوصة بشكل يخلي أي طفل ينسى الدنيا وما فيها. طلعت بصت من الشباك على الجنينة، لقت منطقة ألعاب كاملة (مراجيح وزحاليق) وكأنها ملاهي صغيرة خاصة ليهم.
حنان (بصوت مهزوز):
— "إيه كل ده يا بشمهندس؟ إحنا كنا فاكرين إننا هنقعد في بيت، مش في قصر!"
عمار كان ماشي وراها والسكوت مالي وشه، بس حنان لما دخلت المطبخ شافت الصدمة الحقيقية. المطبخ مجهز بأحدث الأجهزة، ومن غير ما تفتح لقت "الخزين" مالي الرفوف (رز، مكرونة، زيت، معلبات).. وفتحت "الديب فريزر" الكبير لقت فيه كميات لحوم وفراخ وأسماك تكفيهم شهور، وكأن فيه جيش كان بيجهز للمكان ده قبل ما يوصلوا بكتير.
حنان (بذهول وهي بتبص لعمار):
— "ده مسبش حاجة للصدفة.. الراجل ده مجهز كل ده إمتى؟ ده المطبخ فيه ملح وفلفل يا بشمهندس! إنتوا كنتوا عارفين إننا هنوافق ونيجي هنا، صح؟"
عمار سحب كرسي وقعد بتعب، وبص للأرض وقال بصدق:
— "رحيم بيه لما بيعوز حاجة بيجيبها يا ست حنان، وهو مبيحبش يظهر في صورة غير لما يكون مجهز كل حاجه هو معندوش عداوه معاكم قوليلي بقى.. عزة ليه شايفة إن كل ده فخ؟ وإيه حكاية 'سعيد' اللي خلت البنت دي قلبها حجر كدة؟"
حنان دخلت مكتبها الجديد وسابت الاولاد تتفرج على الفيلا ويتبسطوا بالالعاب الجديده
— "عزة يا بشمهندس كانت وردة مفتحة، لحد ما دخل حياتها سعيد.. كان بيمثل الحب والشهامة بالظبط زي ما إنت بتعمل دلوقتي.."
حنان بدأت تحكي وعينها بتلمع بالدموع، وصوتها كان واطي بس مسموع في هدوء الفيلا الفخمة:
— "إنت فاكر إنها كانت جوازة عادية يا بشمهندس؟ لا.. عزة دخلت بيت سعيد مش عشان تبقى ست بيت، دخلت عشان تبقى 'خدامة' بلقمتها.. خدامة لسعيد، ولأمه، ولإخواته البنات. كانت بتقوم قبل الفجر وتنام بعد نص الليل، شغل وذل وإهانة، وصابرة وبتقول أهو ستر."
عمار كان بيسمع وعروق إيده بدأت تبرز من الغضب، وحنان كملت بصوت مخنوق:
— "لحد ما في يوم، جسمها مِتحملش.. وقعت من طولها من كتر التعب والشقى، وبدل ما يشيلها ويوديها لدكتور، أو حتى يراعي إنها مراته.. سعيد رمى عليها اليمين وهى راقده فى غرفه الطوارئ قبل حتى ما يعرف ايه اللى صبها طلقهاعشان مبقاش ليها لازمة عنده وهي تعبانة.. شفت بقى الخسة وصلت لفين؟ شفت ليه هي بتترعب من أي حد بيمثل دور 'المنقذ'؟"
عمار نزل عليه الكلام كأنه صاعقة. الضيق اللي كان حاسس بيه اتحول لبركان غضب مكتوم. الكلمة وجعته في مقتله:
— "يعني الراجل ده استهلكها وهي بصحتها، ولما وقعت رماها في الشارع؟ وحقها يا ست حنان؟ السنين اللي ضاعت من عمرها في خدمتهم، والذل اللي شافته.. مخدتش منه حق ولا باطل؟"
حنان (بأسى):
— "ولا مليم يا بشمهندس.. خرجت من بيتهم بكسرة نفس، وجت لنا الدار وهي مش قادرة تبص في وش حد. وعشان كدة، هي لما شافتك بتمتص السم من رجلها وتجري بيها للمستشفى، بدل ما تحس بالجميل، خافت.. خافت لتكون بتعمل كدة عشان لما 'تخلص مصلحتك' ترميها الرمية اللي رماها سعيد."
عمار قام وقف وراح ناحية الشباك وهو بيضغط على سنانه بقوة
العمال خلصوا فرش ونقل، وصوت المكن والزحمة بدأ ينسحب من الفيلا واحدة واحدة، لحد ما المكان هدي تماماً ومبقاش فيه غير عمار وحنان في الصالة، والعيال نايمين من التعب في أوضهم الجديدة "المكيفة".
عمار كان واقف باصص للسقف الفخم، وكأنه شايف خيالات عزة وهي بتخدم في بيت سعيد، شايفها وهي بتقع من طولها وشايف الرمية اللي اترمتها في الشارع. الضيق اللي في صدره وصل لمنتهاه
عمار خرج من الفيلا ودمه بيفلي، ركب عربيته ودورها وهو بيفكر في أول خيط يوصله لـ "سعيد". الكلام اللي حكته حنان عن ذل عزة ورميتها في الشارع كان بيتردد في ودنه زي الصرخة، وده خلاه ياخد قرار إنه مش هيرجع الموقع ولا هيقابل رحيم غير لما يعرف راس سعيد من رجله.
بدأ عمار يتحرك ويروح المنطقة اللي كانت عزة ساكنة فيها مع سعيد، منطقة شعبية البيوت فيها لزق في بعض
عمار نزل من عربيتة وبدأ يلف في الشوارع الجانبية للمنطقة اللي كان عايش فيها سعيد. مكنش عايز يواجه سعيد بس، كان عايز "يملى عينه" بالحقيقة من لسان الناس اللي شافوا الوجع بعينهم.
وقف قدام محل خضار صغير، ودردش مع راجل عجوز كان قاعد يبيع، وبكلمتين من بتوع المهندسين، جرّ لسان الراجل
— "يا حاج، أنا كنت بسأل على الأستاذ سعيد.. بيقولوا كان متجوز واحدة هنا اسمها عزة، هي لسه ساكنة معاه؟"
الراجل (هز راسه بحسرة وتفّ في الأرض):
— "عزة؟ يا ابني متفكرناش باللي جرى.. البنت دي كانت غلبانة ومقطوعة من شجرة، سعيد وأهله استلموها لحم ورموها عضم. دي كانت بتشيل البيت كله على كتافها، تخدم أمه وإخواته البنات اللي مبيحطوش إيدهم في مية، ولما تعبت ووقعت من طولها ومبقتش قادرة تقف على رجلها، طلقها في ساعتها ورمى لها هدومها في الشارع بالليل.. لا راعى ذمة ولا عشرة."
عمار (بضغط على سنانه):
— "وهو عايش حياته عادي كدة بعد اللي عمله؟"
الراجل:
— "عادي إيه يا ابني.. ده يا دوب طلقها ، وراح اتجوز واحدة قريبته ، ومعاها دلوقتي عيل منها
عمار ساب الراجل وهو حاسس بنار قايدة في صدره. فكرة إن سعيد "عايش حياته" ومخلف ومبسوط بفلوس عزة، وهي "مكسورة" في دار أيتام ومرعوبة من أي لمسة حنية، خلت عمار ياخد قرار ملوش رجعة.
ياترى عمار هيرجع حق عزه ازاى وهل ده هيأثر فى عزه لما تعرف إن حقها رجع
الفصل الثاني عشر
البارت الثانى عشر
عمار ركن عربيته بعيد شوية عن مدخل العمارة، وفضل قاعد، عينه مش مفارقة الباب، وسيجارة ورا التانية بتخلص في إيده وناره قايدة. "عزه مرميه فى ظار ايتام وبقى عندها فوبيا من كل الناس وواحد عايش حياته ولا على باله اللى رماها واتسبب فى اذاها
بعد فترة، الباب اتفتح، وخرج "سعيد" وشه منور بالضحكة، وماسك في إيده واحدة شابة، وفي إيدهم طفل صغير بيتنطط بينهم بكل براءة. المنظر ده كان بالنسبة لعمار زي البنزين اللى جه على النار ليه الظالم يعيش مبسوط والمظلوم يعيش فى الظلم
عمار قبض إيده على الدركسيون بقوة لدرجة إن عروقه كانت هتنفجر، وهو شايف "سعيد" بيطبطب على كتف مراته ويضحك مع ابنه، وكأن مفيش ست غلبانة كانت في يوم من الأيام "خدامة" تحت رجليهم واتهرست واتركنت على الرف.
نزل عمار من العربية وهو مش شايف قدامه، بس هدوءه كان مرعب راح ناحية القهوة اللي في وش البيت، سحب كرسي وقعد وعينه لسه مراقبة سعيد وهو بيركب ابنه ومراته العربيه وبيتحرك بيهم.
عمار نادى على القهوجي
— "بقولك يا أبن عمى .. مش ده الأستاذ سعيد اللي ساكن في البيت ده؟ أصل كان ليا شغل معاه وتاه مني."
القهوجي (وهو بينفض الفوطة):
— "أيوه يا بيه، هو ده.. الأستاذ سعيد ودى مراته وابنه
— "اسمك إيه يا بطل؟"
القهوجي:
— "اسمى شادي يا بيه.. نؤمر بحاجة تانية؟"
عمار (سحب نفس طويل من سيجارته):
— "تسلم يا شادي.. كنت عايز أسألك، الأستاذ سعيد اللي لسه خارج ده، راجل مخلص في شغله وكلامه؟ أصل كان بيعرض عليا شغل توريدات وكنت عايز أتطمن."
شادي أول ما سمع سيرة "سعيد" و"شغل"، ملامحه اتغيرت خالص، وبص حواليه يتأكد إن مفيش حد سامعه، وقرب من عمار وهو بيوشوشه بمرارة:
شادي:
— "بقولك إيه يا بشمهندس.. نصيحة لوجه الله، ابعد عن الراجل ده. سعيد ده 'تعبان' وبيلدغ.. ده نصب عليا أنا شخصياً في جمعية كانت بـ 5 آلاف جنيه، وخد الفلوس وضرب عليها، ولما جيت أطالبه قعد يلف ويدور ويقولي أصل والدي تعبان وأصل مراته (عزة) هي اللي خدت الفلوس وهربت.. وهو أصلاً كان راميها في الشارع وواخد حقها!"
عمار ضغط على سنانه لدرجة إن شادي خاف من نظرة عينه، وسأله بحدة:
— "يعني هو قالك إن عزة هي اللي سرقته؟"
شادي (بتف في الأرض):
— "ده مبيسيبش حد إلا لما ينهبه يا بيه! ده حتى العفش اللي في شقته ده، الناس كلها عارفة إنه بتاع مراته الغلبانة اللي طلقها، ولما اتجوز قريبته 'هند' اتجوزها على فرش مراته القديمه
عمار بص لشادي القهوجي نظرة خلت شادي يحس إن طاقة فرج اتفتحت له، بس وراها رعب مش فاهمه.
عمار: — "بقولك إيه يا شادي.. سيب اللي في إيدك ده وتعالى معايا في المشوار ده دقيقتين، والرزق اللي هتطلعه في يومك هتاخده في ساعة."
شادي تردد ثانية، بس هيبة عمار وعربيته خلته يرمي الفوطة لزميله ويركب جنبه وهو مبهور بريحة العربية والجلد. عمار مشي بالعربية لحد ما وصلوا لمكان هادي ومقطوع بعيد عن الزحمة، وركن وبص لشادي بجمود.
ـ عايز تجيب حقك من سعيد يا شادي؟"
شادي (وعينه بتلمع بالغل):
- يا ريت يا باشا! ده أكل شقايا ودم قلبي، والواحد مش عارف ياخد منه حق ولا باطل."
عمار (بصوت ): —
"يبقى تسمع كلامي وتنفذ اللي هقولك عليه بالحرف.. سعيد ده أغلى حاجة عنده ابنه وهو ده اللي هيرجع لنا حقوقنا كلها."
شادي (وشه اتخطف ورجع لورا): — "إيه يا باشا؟ لا.. عيال لا! أنا آخد حقي منه هو، لكن الواد ملوش ذنب، دي تودي في داهية!"
عمار طلع رزمة فلوس من جيبه، وعدّ منها مبلغ (نص فلوس الجمعية) وحطها في إيد شادي اللي ارتعشت أول ما لمست الفلوس.
عمار: — "دي عربون، وبقية حقك هتاخده وزيادة لما نخلص. أنا مش هأذي الواد يا شادي.. أنا أبوه كسر قلب واحدة غلبانة وضيع حياتها، وأنا بس هقرصه قرصة تخليه يرجع الحق لأصحابه وهو راكع. الواد هيفضل معايا أمان، وتلات ايام بالظبط والواد ده هيرجع لحضن امه انا مش هدفى لا الواد ولا أمه انت هدفى سعيد عايز اكسر عينه وأعرفه أن القوى فى الأقوى منه
فهمتك يا باشا انا عندى فكره
مرات سعيد مهووسة بحاجة اسمها 'عروض الأونلاين' والطلبات اللي بتيجي لحد البيت. كل يومين التلاتة تجيب لبس للواد أو حاجات للبيت والدليفري طالع نازل عليهم."
عمار ركز معاه: "وايه الخطة؟"
شادي كمل بذكاء:
— "أنا عارف الواد اللي بيوصل لهم الطلبات، صبي في محل منظفات قريب مننا. أنا هقنعه يخليني أنا اللي أوصل الطلب المرة دي، أو حتى هلبس زيه وألبس كاب يداري وشي. هطلع أخبط، هند هتفتح، هقولها الحساب كذا، وفي لحظة وهي بتدور على الفلوس جوه، هقول للواد 'تعالى يا حبيبي خد البالونة دي' أو 'خد الحاجة الحلوة دي' وأسحبه في ثانية.. هند مابتأمنش حد يدخل البيت، فبتسيب الباب موارب وتدخل تجيب الفلوس، واللحظة دي هي فرصتنا."
عمار هز رأسه:
— "كده أضمن بكتير.. بس الواد ميربخش ولا يصرخ، خليه يحس إنك بتهزر معاه."
شادي:
— "ماتقلقش يا باشا، الواد عارفني وبيشوفني في القهوة وأنا بودي لآبوه الشاي، يعني مش هيخاف مني. هي دقيقة واحدة هكون طلعت السطح وعديت لسطح العماره التانيه وانزل منها بالواد
ـ سكت عمار وقاله بتفكير
ـ حاول تشوف حد معاك يطلع قلبك وتناوله الواد عشان لو راجعوا الكاميرات تبقى طالع ونازل فى السليم قصاد الكاميرات
ـ صح با باشا عندك حق
ـ هبعتلك انا حد من طرفى تسلمه الواد وهو هيسلمهولى
— "الحد اللي هبعتهولك ده ملوش علاقة بالمنطقة خالص، يعني لو الدنيا اتقلبت مفيش مخلوق هيعرف يوصل له.. إنت تخلص مهمتك فوق السطوح وتناوله الأمانة، وتنزل إنت تمارس حياتك طبيعي وتقدم الشاي والقهوة لزبائنك كأن مفيش حاجة حصلت."
شادي هز رأسه بإعجاب:
— "تمام يا باشا، كدة اللعب بقى على مية بيضاء.. وأنا هعرف أظبط الطلعة والنزلة بحيث لو حد شافني يبقى شكلي شغال عادي وبوصل طلبات."
شادي كان واقف لابس الكاب والقميص بتاع محل المنظفات، قلبه بيدق بسرعة بس الغل من سعيد مقوي قلبه. استنى اللحظة اللي هند طلبت فيها الطلبات، وطلع السلم بخطوات ثابتة.
خبط على الباب، وفعلاً زي ما توقع، هند فتحت وخدت الحاجة وقالت له "ثانية واحدة أجيب الفلوس" وسابت الباب موارب. ياسين الصغير كان واقف بيبص لشادي بفضول.
شادي وشوشه: "ياسين.. بص البالونة الكبيرة دي فوق السطوح، تيجي نطلع نجيبها؟"
الواد ضحك ومد إيده لشادي، وفي ثواني كان شادي شايله ونادى على الراجل اللى باعته عمار والراجل اخده وطلع فوق السطوح،
واختفى في ثانية عبر السطوح المجاورة، وشادي نزل السلم بهدوء، ورجع القهوه وكمل شغله عادى ،
بعد خمس دقائق، صرخة هزت الشارع كله.. صرخة "هند" وهي بتجري في المنور وتنادي: "ياسين!! يا ناس ابني راح فين!! يا سعيد الحقني الواد اتخطف!!"
عمار كان واقف بالعربية في شارع جانبي، الباب اتفتح والراجل حط ياسين في الكرسي اللي ورا. عمار بص للواد اللي كان مستغرب، وطلّع له "شوكولاتة" وادهاله واخده ومشى بيه وراح للملجأ
عمار دخل الملجأ وهو شايل "ياسين" ببرود يحسد عليه. الموظفة بلغت حنان إن البشمهندس عمار بره ومعاه طفل. حنان استغربت وقالت في سرها: "طفل إيه اللي جايبه عمار في الوقت ده؟". وافقت تقابله فوراً، وأول ما دخل المكتب، وقفت مذهولة من المنظر.
حنان (بصدمة):
— "خير يا بشمهندس عمار؟ ومين الطفل ده
عمار حط ياسين على الكرسي، والواد كان ساكت وباصص لحنان ببراءة. عمار بص لحنان وبصوت هادي ورزين قال:
— "الطفل ده أمانة عندك يا ست حنان.. عايزك (تتبنيه) أسبوع واحد بالكتير، وتخليه وسط العيال، ومحدش يعرف هو مين ولا جه منين."
حنان (قربت من المكتب بذهول):
— "أمانة إيه يا ابني؟ إنت فاكرنا حضانة خاصة؟ ده ملجأ رسمي يا بشمهندس، ودخوله وخروجه بورق وقانون.. وبعدين الواد ده ابن مين؟"
عمار ميل بجسمه لقدام وشوشها بكلمتين:
— "ده ابن سعيد يا ست حنان.. ابنه من مراته الجديدة."
حنان رجعت لورا خطوة، وسندت على المكتب ووشها جاب ألوان:
— "ابن سعيد؟! يا وقعة بيضا! إنت عملت إيه يا عمار؟ إنت خطفت الواد؟ إنت عايز تودينا في داهية؟ إحنا ملجأ يا ابني مش وكر عصابة!"
عمار (بثبات مرعب):
— "أنا لا بخطف ولا بعصابة.. أنا مهندس وبقيس خطواتي بالملي. سعيد دلوقتي بيدور على ابنه في الشوارع، وعمره ما هيخطر على باله إنه هنا.. في حماية الست اللي ظلمها. أسبوع واحد،
حنان (بصوت مرتعش):
— "إنت بتلعب بالنار.. ولو الحكومة عرفت، الملجأ ده هيتقفل وأنا هتحبس! وبعدين عزة.. عزة لو شافته وعرفت إنه ابنه، تفتكر هتعمل إيه؟ دي ممكن تروح فيها!"
عمار:
— "عزة مش هتعرف، إنتي قولي إنه حالة طارئة ومحتاجة استضافة أسبوع.. والدار واسعة. أنا بعمل كدة عشان خاطر (حق عزة) اللي إنتي نفسك قولتِ إنه ضاع.. الحق هيرجع يا ست حنان، بس بالأسلوب اللي يفهمه سعيد."
حنان بصت لياسين اللي بدأ يلعب في القلم اللي على مكتبها، وبصت لعمار وهي في قمة حيرتها.. هي مديرة ملجأ وليها سمعتها، بس وجع عزة اللي شافته كان بيوزن قصاد خوفها من القانون.
حنان بصت لعمار بنظرة فيها خيبة أمل مخلوطة بخوف، ربعت إيدها وقالت له بصوت حاد وواضح:
— "لو حق عزة هيرجع بالمساومة وبخطف العيال، يبقى بلاش منه يا بشمهندس.. أنا مديرة ملجأ، يعني وظيفتي أحمي الأطفال، مش أستخدمهم وسيلة ضغط عشان أجيب حقوق ضايعة. اللي بتعمله ده يخلينا لا نفرق حاجة عن سعيد في قسوته."
عمار ملامحه ماتغيرتش، فضل محافظ على بروده، وقرب خطوة من حنان وقال لها بنبرة هادية بس توجع:
— "لو الحكاية حكاية مساومة على قرشين يا ست حنان، مكنتش خطفت ابنه.. أنا كنت قدرت أجيب حقه بالدراعات والنفوذ في ثانية. بس أنا مش عايز فلوسه، أنا عايز أحرق قلبه."
حنان استغربت وسألت بذهول:
— "يعني إيه؟ لو مش مساومة يبقى إيه؟"
عمار بص لياسين اللي كان بيلعب ببراءة، وكمل كلامه بمرارة:
— "أنا عايز سعيد يدوق طعم (اليتم) وهو عايش.. عايز يحس إن ابنه في لحظة ممكن يبقى (يتيم الأب والأم)، ومصيره ينتهي في ملجأ زي ده، ويقع في إيد حد يظلمه ويدوس عليه زي ما هو عمل في عزة بالظبط. أنا عايز أفرجه على 'المستقبل' اللي هو كان بيحضره لغيره، عشان لما يرجع له ابنه، يعرف إن الله حق، وإن القرش اللي سرقه كان ممكن يدفع تمنه أغلى حاجة في حياته."
سكت لحظة وبص لحنان بقوة:
— "أنا مش عايز منه ورق، أنا عايز منه (كسرة عين) تخليه لما يشوف عزة في الشارع بعد كدة، يوطي راسه في الأرض ويمشي من طريق تاني. الواد ده هيفضل هنا عشان يشوف بعينه إن الملجأ اللي هو كان بيستهزأ ممكن فى لحظه يبقى هو المكان لابنه اللى يأويه
حنان سكتت، وبدأت تفهم إن عمار مش بيدور على "انتقام" مادي، ده بيعمل "درس" قاسي لسعيد مش هينساه طول عمره.. بس لسه قلبها واكلها من وجود طفل مخطوف في مكتبها.
حنان (بتنهيدة):
— "والأم يا عمار؟ ذنبها إيه تموت من الرعب على ابنها؟"
عمار:
— "ذنبها إنها رضيت تعيش بفلوس ست تانية اترميت في الشارع.. خليهم يدوقوا المر شوية يا ست حنان، عشان لما الحلاوة ترجع، يعرفوا قيمتها."
صدقينى يا مدام حنان حق عزه هيرجع مره واتنين وتلاته بس انا عايز ابدأها باعز ما يملك
تفتكروا حنان هتوافق ولا هترفض
الفصل 13
حنان بصوت واطي ومخنوق
— "لا يا عمار.. لحد هنا وستوب طفل صغير ملوش ذنب يدفع تمن ذنب أبوه؟ دي مش طريقتنا، الواد ده لازم يرجع لأمه دلوقت."
— "إهدي بس يا ست حنان واسمعيني.. إنتي شايفة نص الكوباية الفاضي، لكن أنا باصص لقدام. سعيد ده فاكر إن الدنيا دايمة له، وفاكر إن مفيش حد يقدر يكسره. أنا عايز أعرفه يعني إيه في لحظة، ابنه ده ممكن يبقى "يتيم" ومالوش غير دار زي دي تأويه. تفتكري وقتها هيكون مرتاح وهو عارف إن ابنه ممكن يقع في إيد حد يذله أو يستغله؟"
أنا مش بأذيه.. أنا بخليه يدوق طعم الخوف عشان لما يرجع له ابنه، يعرف قيمة النعمة، ويعرف إن الله حق. وبعدين إيه المشكلة لو قعد هنا تلات أربع أيام؟ أنا واثق إنك هتعامليه أحسن معاملة، وهياكل أحسن أكل، وهيبقى وسط عيال في سنه يلعب معاهم.. هنا أمان له من الدنيا اللي أبوه بيعك فيها."
عمار قرأ التردد في عين حنان، وعرف إنها بدأت تضعف قدام خوفها من العواقب، فقرر يلعب بآخر ورقة ضغط عنده عشان ينهي الجدال ده لصالحه.
— "بصي يا ست حنان.. أنا اللي بدأته هكمله، والكلمة اللي خرجت من بقي مبرجعش فيها. حق عزة هيرجع يعني هيرجع، وبالطريقة اللي أنا راسمها."
— "لو إنتي مش هتاخديه هنا وتخليه تحت عينك وتضمنيله الأمان الكام يوم دول، قوليلي دلوقت.. وأنا هاخده أوديه في مكان تاني خالص، مكان لا أنا ولا إنتي هنبقى ضامنين الولد هيتعامل فيه إزاي، ولا مين اللي هيخلي باله منه."
— "أنت بتهددني يا عمار؟ عايز ترمي طفل في مكان مجهول عشان تضغط عليا؟"
عمار (عدل وقفته وبكل ثبات):
— "أنا مبهددش، أنا بخيرك.. هنا وسط عيالك وتحت رعايتك، ولا هناك في "الخرابة" اللي سعيد كان بيشبه دارك بيها؟ اختاري يا ست حنان، بس اختاري بسرعة عشان وقتي ملوش تمن."
حنان بصت له بقهر، كانت عارفة إنها لو رفضت، عمار مش هيرجع في كلامه وهينفذ اللي قاله، فغمضت عينيها واستسلمت للأمر الواقع.
حنان (بصوت مخنوق):
_ ماشي يا عمار.. هيفضل هنا. بس ذنبه وذنب أمه في رقبتك أنت.. أنا ماليش دعوة باللي هيحصل بعد كدة."
— "بس قولي يا عمار.. أنت بتعمل كل ده ليه؟ يعني.. إيه اللي جابرك تدخل عش الدبابير ده وتخاطر بكل حاجة عشان عزة؟ الموضوع مابقاش مجرد جدعنة يا عمار، فيه حاجة تانية أنت مخبيها."
عمار سكت فجأة، ملامحه اتجمدت ونظراته تاهت بعيد عنها،
ـ يعني إيه بعمل كده ليه؟ مش عزة دي كانت اتربت هنا؟ مش إنتي اللي قولتي إنها اتظلمت؟ أنا.. أنا مابحبش الظلم، هى دى كل الحكايه
ـ — "مبتحبش الظلم ماشي، بس مش لدرجة إنك تخطف طفل وتدخل في مواجهة مع ناس انت ماتعرفهاش
عمار (بدأ يتلعثم ويحاول يبرر بأي كلام، صوته علي شوية عشان يداري ارتباكه):
— "الموضوع.. الموضوع إن سعيد ده لازم يتربى، أيوة، النوعية دي من البشر لو سيبناها هتفتري أكتر. وبعدين عزة غلبانة، ملهاش حد.. وأنا قولت يعني.. إن ده واجبي، ـ.. كإنسان وبايدى القدره أنى اجيب حقها
المهم هسيبلك الولد اليومين دول وهاجى اخده منك كمان يومين تلاته
خرج عنار وساب الطفل لحنان اللى بتفكر ترجع الولد لابوه ولا لأ وهل لو رجعته من ورا عمار ممكن سعيد يتهمها انها اللى خطفته
خرج عمار وركب عربيته وراح وقف بالعربيه فى مكان فاضى
عمار قاعد ورا الدركسيون، العربية مركونة في حتة ضلمة على طرف الطريق، الموتور شغال وصوته هادي عمار ساند راسه لورا، ومغمض عينيه، بس ملامحه مش مرتاحة.. كأنه في حلبة مصارعة مع أفكاره.
عمار في سرّه
— "أنت بتعمل إيه يا عمار؟ إيه اللي شقلب حالك كده؟"
فتح عينيه وبص قدامه للفراغ، ونفخ دخان سجارته بضيق.
— "بقا عمار اللي السوق كله بيعمله ألف حساب، يروح يخطف عيل عشان خاطر مين؟.. عشان (عزة)؟"
سكت لحظة، وكمل كلامه لنفسه بحدة كأنه بيحاول يقنع روحه بعكس الحقيقة:
— "لأ.. مش عشانها. أنا بعمل كده عشان سعيد ده يتمسح بكرامته الأرض، عشان محدش يفتكر إن الدنيا سايبة.. أيوة، ده السبب. أنا مابحبش حد يتظلم .
لكن جواه صوت تاني، صوت واطي بس قوي، بيرد عليه:
— "كداب يا عمار.. ما ياما ناس اتظلمت وأنت مكنتش بتتحرك غير لو مصلحتك موجودة. اشمعنى المرة دي مصلحتك هي دموعها؟ اشمعنى المرة دي بتنام وتصحى وتفكر هترجعلها حقها إزاي؟"
عمار خبط إيده على الدركسيون بضيق وقام قعد:
— "يوووه! وبعدين معاك؟.. البنت غلبانة، وشافت اللي مفيش حد يتحمله، ليه نظرة الوجع اللي في عينيها بتخليني عايز أهد الدنيا وأبنيها تاني عشان خاطر ضحكة منها؟"
سكت تانى، والمرة دي السؤال كان أصعب، ومفيش له إجابة:
— "هو أنا حبيتها؟.. لأ، مستحيل. عمار يحب؟ والوقعة تبقى كده؟ معقولة دخلت حياتي وشقلبت كياني في يومين؟"
هز راسه يمين وشمال كأنه بيطرد الفكرة، وداس بنزين بقوة وهو بيحاول يهرب من الحقيقة اللي مش لاقي لها تبرير منطقي. هو مش عارف السبب، ومش عارف ليه "عزة" بالذات بقت هي المحرك لكل جنونه ده.. بس الأكيد إنه مش هيقدر يرجع في اللي بدأه.
جملة عمار الأخيرة لنفسه قبل ما يتحرك بالعربية:
— "مش مهم ليه يا عمار.. المهم إنك خلاص غرقت،
فى بيت سعيد
سعيد لزق وشه في الشاشة، وعمال يعيد مشهد المدخل من ساعة ما الواد دخل ينام لحد اللحظة دي.. مفيش! مفيش حد غريب دخل، والأدهى من كدة، إن الكاميرا اللي مركزيها على باب العمارة من بره، مبيناش إن الواد خرج أصلاً!
— "مش ممكن.. مش ممكن اللي أنا شايفه ده! الكاميرا جايبة باب العمارة والشارع طول الليل.. مفيش بني آدم غريب حط رجله جوه، والواد مخرجش من باب العمارة أصلاً! الواد راح فين يا شيرين؟ طلع للسما؟ نزل تحت الأرض؟"
ـ يعني إيه يا سعيد؟ أنت قصدك إن الواد لسه جوه العمارة؟ ولا قصدك إن اللي خطفه عفريت؟"
سعيد (بزعيق وجنون):
— بقولك الكاميرا مراقبة الباب ٢٤ ساعة، والواد مدخلش وراه حد، وهو مخرجش! يبقى إزاي الراجل اللي كلمني ده بيقولي إنه معاه؟ وإزاي سحبه من وسطنا وإحنا نايمين من غير ما يعدي على باب العمارة؟"
شيرين (بدأت تلطم على وشها بخفة):
— "يا مصيبتي.. يا مصيبتي السوداء! ده معناه إن الواد راح خلاص مننا ؟
— "بقولك إيه يا سعيد مش يمكن طليقتك (عزة) هي اللي عملت كدة؟ يمكن اتلمت عليها شوية صيع من اللي كانت تعرفهم وخطفت الواد عشان تذلك؟"
سعيد ساب الماوس وبص لها بصه كلها استهزاء، وضحك ضحكة صفرا فيها كمية احتقار لـ عزة ولتفكير شيرين.
سعيد (بنبرة حادة وواثقة):
— "عزة؟ أنتي بتقولي إيه يا ولية أنتي؟ هي عزة دي أصلاً فيها دماغ تفكر في حاجة زي دي؟ دي كانت بتخاف من خيالها وتترعش لو صوتي علي.. دي غلبانة ومكسوره ، لا ليها لا حبيب ولا قريب، ومقطوعة من شجرة وكل اللى فى الدار اللى هى فيها اغلب منها . ياتفكري عدل وتطلعي كلام يتصدق، يا تسكتي خالص، أنا مش ناقص هبل!
— "يا سعيد ما هي المكسورة دي ممكن تعمل أي حاجة عشان تنتقم! الوجع بيخلي الواحد يعمل المستحيل!"
سعيد (قاطعها بزعيق أقوى):
— "قولتلك قفلي على السيرة دي! عزة أضعف من إنها تهوب ناحية بيتي، ولو كانت عايزة تخطفه كانت خطفته من زمان وهي هنا، مش وهي مرمية في الشارع لا حول لها ولا قوة.. عارف هو بيعمل إيه كويس، ومستهدفني أنا لشخصي.. عزة بره الحسبة خالص، فمتشغليش بالك بيا بأوهامك دي!"
شيرين واقفة في نص الصالة، عمالة تروح وتيجي وتنهج، وحماتها قاعدة على الكنبة، سانده إيدها على عصايتها وباصة لها ببرود يفرس، وعينيها كلها شماتة في "خيبة" شيرين.
— "وبعدين معاكي يا بنتي؟ هتفضلي تلطمي وتجيبيها في يمين وشمال؟ أنتي بترمى إهمالك على غيرك ليه؟ عزة إيه اللي بتجيبي في سيرتها؟ هو أي خيبة تخيبوها تلبسيها فى عزه
دانتى مش عارفه إذا كان الواد مشى لواحده ولا اتخطف
— "إهمال إيه يا حماتي؟ بقولك الواد اتخطف من جوه البيت! يعني اللي دخل ده عارف المداخل والمخارج.. مين له مصلحة يكسر سعيد غيرها؟"
— "مصلحة! المصلحة الوحيدة اللي موجودة هنا هي إنك ست خايبة.. الواد ضاع من تحت إيدك وإنتي غرقانة في نومك، ودلوقتي جاية تتبلي على الولية عشان تداري على خيبتك عزة كانت هنا ، عمرنا ما ضاع لنا فردة شراب، ولا عمرنا خفنا وبابنا موارب.. لكن أنتي من يوم ما دخلتي والبيت ده "خربان" من جواه
— "أنا اللي خربته؟ ده أنا اللي عملت لسعيد كيان وشيلت عنه.."
سعيد كان قاعد، حاطط راسه بين إيديه، وتليفونه محطوط على التربيزة قدامه. فجأة، التليفون رن.. رقم غريب مش متسجل.
سعيد اتنفض ورد من اول رنو شيرين رفعت راسها بسرعة وأمه عدلت قاعدتها.
— "ألو.. مين؟"
— "مساء الفل يا سعيد بيه.. ها، طمنا، لقيت أثر للواد في الكاميرات اللي قعدت تعيد وتزيد فيها طول الليل؟ ولا لسه الأرض بلعاه ومطلعتوش؟"
— "تطربق إيه بس.. ده أنت حتى مش عارف الواد خرج من "باب" العماره ازاى . بلاش النبرة دي يا سعيد، أنا بس حبيت أسأل، أصلك صعبت عليا وأنت عمال تلف حولين نفسك في الشقة والشاشات مش جايبه الهوا.. مع إن الواد كان تحت إيدك!"
— "أنت مين؟ وعايز إيه؟ لو عايز فلوس انطق، إنما شغل التخفي ده مش هيخيل عليا.. أنت مين؟"
— "أنا اللي شايل لك أمانة غالية.. واللعب لسه في أوله. فكر كدة، عيل يختفي من قلب بيته والباب مقفول، ده يبقى اسمه إيه؟
— "بص يا سعيد.. أنا مش بتاع لف ودوران، ولا فارق معايا قرش من فلوسك اللي أنت حاني ضهرك عشان تجمعها. أنا ليا كلمة واحدة.. عايز الواد يرجع لحضنك؟ يبقى ترجع كل حق لصاحبه، وقت ما كل واحد نصبت عليه فلوسه ترجعله ابنك وقتها هيرجعلك
_ حق مين يا جدع أنت؟ انطق عايز إيه بالظبط؟"
وحق ايه اللى بتقول عليه
قولى الواد فين والى انت عايزه انا هديهولك
— "بص يا سعيد.. عشان ماتتعبش نفسك وتدور ورا الرقم، أنا واحد أنت أكلت حقه. ومش هقولك أنا مين ولا اسمي إيه عشان ذكاءك مايصورلكش إنك تروح تبلغ عني وتعمل فيها بطل.. أنا عايز حقي اللي أنت نصبت عليا فيه يرجع، ويرجع في وسط الناس اللي أنت نصبت عليهم كلهم."
— "حق إيه؟ ونصب إيه؟ أنا مابكلش حق حد! انطق أنت مين والواد فين؟"
— "مابتاكلش حق حد؟ ده أنت كلك على بعضك عايش على قفا الغلابة.. اسمع الكلام اللي هيتنفذ بالحرف عشان الواد يرجعلك. زي ما الواد اختفى "زي الفص ملح وداب"، وزي ما الكاميرات مالمحتش خياله وهو خارج.. الأرض هتنشف وهتلاقيه داخل شقتك تاني في وسط دارك."
سعيد بص حواليه في الصالة برعب، كأنه متخيل إن الحرامى باصص عليه من ورا الحيطان.
— "حقوق الناس اللي عندك تترد، والظلم اللي أنت فارده على الغلابة يتشال.. وفي اللحظة اللي الحقوق فيها ترجع لأصحابها، هتلاقي ابنك في حضنك في قلب الشقة من غير ما تلمح اللي جايبه. إنما لو لوعت، أو فكرت تلعب بديلك.. اعتبر إن ابنك "يتيم" وأبوه لسه عايش."
عمار قفل السكة فوراً، وسعيد فضل واقف مكانه زي الصنم، التليفون لسه على ودنه وصوت "التوت توت" بيضرب في نفوخه.
فى مكتب حنان قررت أنها تكلم رحيم وتشكره على الدار الجديدة وتقوله على زينب عشان تاكد لنفسها أنه فعلا هينفذ كل وعوده
ـ ألو.. أيوة يا رحيم بيه. أنا قولت لازم أكلمك وأشكرك بنفسي على كل اللي بتعمله للدار، ربنا يجعله في ميزان حسناتك ويوسع عليك كمان وكمان."
— "يا ست حنان الشكر لله، أنا معملتش غير الواجب.. طمنيني، الدار محتاجة حاجة؟ ناقصكم أي حاجة تانية؟"
حنان:
— "كتر خيرك يا رب، والله كنت بكلمك عشان أعرفك إن (زينب) بنتنا خلاص حددنا ميعاد فرحها وهتتجوز. وأنا قولت أقولك عشان أنت كنت قولت لي قبل كدة إن أي بنت تتجوز جهازها كله عليك.. أنا بس حبيت أديك علم، مع إن وزارة التضامن كدة كدة بتبعت تجهيزات للبنات، بس قولت لازم أرجعلك زي ما اتفقنا."
— "تضامن إيه يا ست حنان؟ انسى موضوع الوزارة ده خالص، خلال اسبوع هتكون عندك عربيه عليها كل مستلزمات العروسه
المهم إنكم سالتوا عليه كويس
ـ سألنا بس محدش قال عنه حاجه وحشه ولا حلوه وده شويه قلقنى
ـ خلاص ابعتيلى العنوان وأنا هسالك عليه
ـ بجد شكرا اوى با رحيم بيه مش عارفه اودى جمايلك فين
ـ لا جمايل ولا حاجه
سكتت حنان لحظه مش عارفه تقوله على موضوع عمار وخطفه للواد ولا لأ
ياترى حنان هتقوله ولا لأ
الفصل 14
حنان فضلت ساكتة والخط لسه مفتوح، صوت أنفاسها كان مسموع لرحيم اللي حس إن ورا السكوت ده كلام كتير.
رحيم (بنبرة هادية بس فيها تركيز):
— "مالك يا ست حنان؟ سكتي ليه؟ حاسس إنك كنتِ عايزة تقولي حاجة تانية.. فيه مشكلة تانية في الدار؟"
حنان (بتردد، وهي بتفرك إيدها في بعضها):
— "ها؟ لا يا رحيم بيه.. مفيش حاجة، بس كنت بفكر في مسؤولية البنات والعيال، الدنيا بقت تخوف والواحد مابقاش ضامن بكره فيه إيه."
رحيم (بذكاء):
— "الخوف مبيغيرش النصيب يا ست حنان.. المهم إننا بنعمل اللي علينا. وعمار؟ لسه بيجيلكم؟"
الاسم نزل على حنان كأنه كهرباء، بلعت ريقها وقالت بسرعة:
— "عمار؟ أيوة.. أيوة بيعدي يطمن علينا. هو كمان فيه جدعنة غريبة المرة دي."
رحيم سكت لحظة، وكأنه بيوزن كلامها
— "في إيه يا حنان؟ انطقي.. حد ضايقكم؟"
حنان (باندفاع):
— "عمار يا رحيم بيه.. عمار جاب ابن سعيد هنا، خطفه وجابه وقالي خليه تحت عينك كام يوم. أنا قولتله لأ، وقولتله ده طفل ملوش ذنب، بس هو ركب دماغه وهددني إنه لو مخدتوش هنا هيوديه في مكان "خرابة" ومحدش هيرحمه هناك. أنا وافقت بس عشان أحمي الواد، لكن قلبي واكلني.. سعيد ده بتاع مشاكل ومالوش خير فى حد وممكن يقلب الدنيا ويحبسنا كلنا."
ساد صمت رهيب على الناحية التانية من الخط. رحيم مقاطعهاش، لكن حنان حست ببرودة الصمت ده لدرجة إنها خافت تكون غلطت لما حكت.
رحيم (بصوت منخفض ومرعب):
— "عمار عمل كدة؟ ومن ورايا؟"
حنان:
— "بيقول إنه بيرجع حق عزة.. بس دي مش طريقتنا يا رحيم بيه. أنا قولت لازم أقولك عشان تلم الموضوع، عمار بيغرق وهو مش حاسس، والمرة دي داخل في وش القطر."
استغرب رحيم من تصرف عمار وايه علاقته بعزه ومين عزه دى اصلا
سأل رحيم حنان عن موضوع عزه وهى حكتله الحكايه من اولها
رحيم (ببرود):
— "اقفلي يا ست حنان.. وسيبي الولد عندك، ميتكلمش مع حد، ومحدش يعرف هو ابن مين. وأنا هعرف أحاسب عمار على "السرحان" اللي هو فيه ده."
في شقة سعيد بن
سعيد كان لسه واقف مكانه، شيرين قربت منه وهي بتترعش:
— "قالك إيه يا سعيد؟ انطق.. الواد فين؟"
سعيد (بصوت مشروخ):
— "بيقول رد المظالم.. بيقول إنه واحد أنا أكلت حقه. بس إزاي دخل هنا؟ وإزاي خرج بالواد؟ الكاميرات يا شيرين.. الكاميرات مفيهاش غلطة!"
في اللحظة دي، عين سعيد وقعت على "المنور" الصغير اللي في المطبخ، المنور ده ضيق جداً ومستحيل حد ينزل منه، بس بدأ يشك في كل خرم إبرة في البيت.
أمه (بصوت مليان حكمة وشماتة):
— "اللي دخل يا سعيد مدخلش من الباب.. اللي دخل ده عارف سكتك كويس. فكر يا ابن بطني، مين اللي وجعته لدرجة إنه يجيلك من السما عشان يحرق قلبك؟"
سعيد ساب أمه وشيرين ، ودخل مكتبه وقفل الباب بالمفتاح. قعد وفتح درج مكتبه وطلع "دفتر أسود" قديم، فيه أسماء الناس اللي كان بيستقوى عليهم، اللي أكل عرقهم، واللي نصب عليهم في توريدات الشغل.
إيده كانت بتترعش وهو بيمسك التليفون، طلب أول رقم.. (المعلم جابر المقاول).
— "ألو.. أيوة يا معلم جابر.. أنا سعيد."
جابر (بصوت ناشف):
— "سعيد مين؟ سعيد اللي أكل عليا نص تمن الرمل والمناورة؟ عايز إيه يا سعيد؟ جايب الفلوس ولا ناوي تكمل تمثيل؟"
سعيد (بصوت واطي ومكسور):
— "لا يا معلم.. أنا.. أنا براجع حساباتي ولقيت لك حق عندي. الفلوس موجودة، ابعت حد يستلمها بكرة الصبح."
جابر سكت باستغراب، وسعيد كمل بلهفة:
— "بس قولي يا معلم.. أنت ليك يد في اللي حصل لي؟ ابني عمر اتخطف يا معلم جابر! لو أنت اللي عملت كدة عشان حقك، قولي وخد اللي أنت عايزه بس رجع لي الواد."
جابر (بضحكة استهزاء):
— "ابنك؟ لا يا سعيد.. أنا حقي آخده بيدي في السوق، مش بخطف عيال. وبعدين أنا مالي ومال الحركات دي؟ روح شوف مين اللي أنت كاسر عينه بجد.. اللي زيك أعداؤه كتير."
سعيد قفل السكة والدم بيغلي في عروقه من الخوف. بدأ يتصل بالرقم التاني.. (الأسطى عبده السباك).
— "يا عبده.. أنا سعيد. حقك بتاع السباكة والمصنعية اللي قولتلك ملهمش عوزة عندي، تعال خدهم وزيادة عليهم حلاوة."
عبده (بدهشة):
— "سعيد بيه؟ أنت سخن يا بيه ولا إيه؟ ده أنت طردتني وقولتلي ملكش عندي مليم!"
سعيد (بزعيق مكتوم):
— "بقولك تعال خدهم! بس انطق انت شوفت ابنى اصلى بدور عليه ومش لاقيه
عبده:
— "والله يا بيه أنا راجل غلبان بلم يوميتي بالعافية،
سعيد رمى التليفون على المكتب وقام وقف. المكالمات دي بدل ما تريحه، جننته أكتر. كل واحد بيكلمه بيحس فيه بنبرة شماتة، وكأنه شايفهم كلهم واقفين قدامه بيضحكوا على وقعه دي.
فضل يلف في المكتب زي المجنون، وكل شوية يبص لشاشة الكاميرات اللي لسه مفيش فيها جديد،
قرر عمار إنه يتصل بسعيد مره تانيه يشوفه فعلاً نفذ ولا لسه اول ما رن تليفون سعيد برقم المجهول
سعيد فتح الخط بسرعة وبدأ يصرخ قبل ما اللي بيكلمه ينطق:
— "كلمتهم! كلمت جابر وكلمت عبده وكلمت الكل.. هرجع الحقوق يا أخي! أنطق بقى أنت مين؟ وعايز إيه؟ ابني فين؟"
صوت عمار جاله بارد وهادي:
ـ لأ لسه مش كلهم حقهم رجع انجز يا سعيد لو خايف على ابنك
قال عمار الكلمتين وقفل الخط
وبعدها سعيد مسك الأجندة ورجع تاتى كمل اتصال بكل الناس اللى نصب عليهم
سعيد كان بيكلمهم وهو بيحاول "يجرجرهم في الكلام" عشان يعرف مين فيهم المجهول ، أو مين فيهم اللي "وز" عليه، بس الكل كان رده واحد: دهشة وذهول من "التقوى" اللي نزلت على سعيد فجأة، وإنكار تام لمعرفة مكان الواد.
شيرين كانت واقفة برا بتابع اللي بيحصل وهي هتتجنن، دخلت عليه المكتب وهي بتنهج:
— "أنت بتعمل إيه يا سعيد؟ بتوزع فلوسك على الخلق؟ أنت صدقت الراجل ده؟"
سعيد (بزعيق وهستيريا):
— "وأعمل إيه؟ الكاميرات مش جايبة حاجة، والشرطة لو عرفت هتسحبني أنا وأنتي في الرجلين عشان "الأعمال" اللي بنعملها والنصب ! الواد ضاع يا شيرين.. ضاع والراجل ده عارف كل خرم إبرة في حياتي!"
سعيد سكت فجأة، والرسالة اللي عمار قالهاله في التليفون كانت بترن في ودنه: "زي ما الواد اختفى زي فص ملح وداب.. هيرجع في قلب شقتك". بص لشاشات الكاميرات تاني بذهول، وبدأ يكلم نفسه:
— "هيرجعه في قلب الشقة؟ يعني اللي دخل وخرج ده.. مش بني آدم طبيعي، ده حد مأمن نفسه صح."
سعيد مكنش لسه جاب سيرة (عزة) خالص، ولا حتى نطق اسمها قدام أمه أو شيرين، كان بيحاول يهرب من فكرة إن "عزة" الغلبانة هي السبب، كأنه لو معترفش بظلمها، يبقى لسه فيه أمل إن الموضوع يكون مجرد "تصفية حسابات" تجارية وبس.
في اليوم التالي،
عمار واقف وسط العمال واللودرات، عينه على الحفر بس باله مشغول. رحيم وصل، وقف جنبه وبص للحفرة العميقة اللي قدامهم وقال بصوت واطي بس مسموع وسط الهيلمة:
— رحيم: "الحفرة دي لو وسعت منك يا عمار، هتاخد الموقع كله وتنزل.. وأنت حفرت حفرة أوسع من اللازم في موضوع "ابن سعيد"."
— عمار (من غير ما يبص له): "سعيد ده مابينفعش معاه غير الوجع يا رحيم بيه، والوجع اللي في قلب عزة ميتداواش غير بحرقة قلبه على ضناه."
— رحيم (بص له بحدة): "الوجع يترد بمثله.. راجل لراجل. لكن طفل صغير؟ أنت مهندس يا عمار، يعني عينك ميزان.. شايف إن كفة "خطف عيل" توزن قدام اسمك وبرستيجك؟ أنت أكبر من إنك تلعب دور "الخاطف"، الحق اللي بييجي بكسرة طفل بيبقى حق ناقص.. وإحنا مابناخدش حقنا ناقص."
عمار سكت، ورحيم كمل بلهجة فيها أمر مغلف بنصيحة:
— رحيم: "فك الليلة دي.. الواد يرجع لأهله دلوقت، وحق عزة أنا وأنت اللي هنروح نجيبه بيدينا.. بس بمواجهة الرجال. ارمي له الواد وخليه يفتكر إنه فلت، عشان الصدمة اللي جاية تقطمه نصين."
عمار هز راسه، القناعة ظهرت في عينه، وركبوا العربية وطلعوا على الدار.
في الدار، الجو مليان ضحك ولعب أطفال، ووسطهم كانت "عزة" قاعدة على الأرض، ضامة "عمر" لحضنها وبتمسح على شعره بحنان فطري، وهي متعرفش إن الطفل ده هو نفسه اللي ابوه كان السبب في كابوس حياتها. "عمر" كان بيضحك من قلبه وهو بيلعب بلعبة صغيرة في إيده، وعزة بتبتسم له بصفاء، كأنها بتعوض فيه حرمانها من الأمان.
في المكتب الجانبي، كانت حنان قاعدة بتفرك إيدها بقلق، وفجأة الباب اتفتح. دخل عمار ووراه "رحيم". حنان اتنفضت من مكانها، عينيها وسعت من الصدمة، مكنتش متخيلة أبدًا إن "رحيم بيه" بشحمه ولحمه يجي لحد عندها عشان موضوع زي ده.
— "رحيم بيه! خطوة عزيزة أنا مكنتش أعرف إن حضرتك هتيجي بنفسك."
رحيم (بص لها بنظرة هادية ورزينة):
ـ الموضوع بسيط يا ست حنان، وكان لازم يتحسم فين الولد؟"
عمار (بص لحنان بعتاب ولوم، ونبرة صوته كانت مليانة خيبة أمل):
— "بقى كدة يا ست حنان؟ مكنتش فاكر إن ثقتك فيا مهزوزة للدرجة دي.. تروحي تحكي لرحيم وتدخليه في موضوع بسيط زى ده أنا كنت عارف هلمه إزاي؟ للدرجة دي مش واثقة إن عمار يقدر يحمي الدار ويجيب الحق من غير ما يشوشر عليكي؟"
حنان (بلهفة):
— "والله يا عمار يا ابني ما قصدي، أنا بس خفت.. خفت عليك وعلى الدار، وسعيد ده راجل ملوش أمان."
عمار (لسه بيعاتبها):
— "الخوف مبيخليش الواحد يبيع اللي منه يا ست حنان.. أنا كنت راسم كل خطوة، لكن إنتي استعجلتي."
رحيم (قطع كلام عمار بصوت حازم):
— "خلاص يا عمار.. الست حنان عملت الصح. هي خايفة على مكانها وأمانتها، وأنا مقدر ده. المهم دلوقت نخرج الواد من هنا من غير شوشرة."
خرجوا الثلاثة للصالة، عزة كانت لسه قاعدة والولد في حضنها. أول ما شافت عمار، وشها نور بضحكة صافية، وقامت وقفت وهي شايلة عمر:وبتتكلم مع حنان
سبحان الله، انا الولد ده زى مايكون شوفته قبل كده
عمار بص لعزة بوجع مكتوم، وقلبه وجعه وهو شايفها ضامة ابن اللي كسرها
حنان قربت منها واخدت الولد وتجاهلت كلامها متعمده
ـ هاتى الولد هو كان تايه وأهله لاقوه الحمد لله
ـ وهو فين اهله
ـ عمار يعرفهم اتواصل معاهم وهيرجعلهم الولد
ـ تمام خديه ربنا يرد كل غايب لاهله ومايوجع قلب ام على ضناها
رحيم خد عمر، والولد بدأ يصرخ عايز يرجع لعزة، وهي واقفة بتبص لهم بحزن، متعرفش إن اللي في حضنها ده هو "الرهينة" اللي عمار كان بيحاول يرجع لها حقها بيه.
عمار بص لحنان بصه أخيرة قبل ما يخرج، بصة فيها عتاب "الابن" لأمه، وتحرك ورا رحيم اللي كان شايل الولد بكل هيبة، وبدأوا ينفذوا الجزء التاني من الخطة.
تفتكروا رحيم هيرجع الولد ازاى وهيتصرف إزاى
وايه رايكم فى تصرف رحيم وامته رحيم هيقابل زينب
هنزل بكره بارت تانى تعويض ليكم
الفصل 15
بعد ما خرجوا من الدار، ركب عمار العربية جنب رحيم وهو لسه حاسس بغصة من حركة "ست حنان". رحيم كان سايق بهدوء، والولد "عمر" ورا في الكرسي الخلفي، كان تعب من العياط ونام وفي إيده اللعبة اللي عزة إدتهاله.
رحيم (بصوت هادي ورزين):
_ بص قدامك يا عمار.. اللي بيحسبها بقلبه بس بيغرق، واللي بيحسبها بعقله بس بينشف. أنت كنت عايز تحرق قلب سعيد، بس كنت هتحرق معاك الدار والناس اللي ملهمش ذنب."
_ كنت عايز يحس بالعجز يا رحيم بيه.. زي ما عزة حست بيه وهي بتشوف حياتها بتتهد قدام عينيها وهو واقف يضحك."
_ العجز الحقيقي مش إنه يفقد ابنه.. العجز إنه يرجع له ابنه، وهو عارف إن "السكينة" لسه على رقبته ومستنية وقتها. الولد ده هيرجع دلوقت، بس بطريقة تخلي سعيد يشك في خياله.
سعيد كان قاعد قدام شاشات الكاميرات، عينه منفوخة من كتر السهر والتركيز. شيرين كانت نايمة من التعب على الكنبة جنبه، وفجأة.. النور قطع في الشقة كلها.
سعيد (بفزع):
— "شيرين! قومي.. النور قطع ليه؟ الكاميرات فصلت!"
شيرين قامت مفزوعة، وبدأوا يدوروا على كشافات، وفي وسط العتمة دي، سمعوا صوت "تكة" باب البلكونة بتتفتح. سعيد جرى على المطبخ جاب سكين، ويده بتترعش:
— "مين؟ مين هنا؟ والله لأقتلك.. اظهر!"
محدش رد، بس سمعوا صوت "نفس" طفل صغير جاي من الصالة. سعيد ولع كشاف الموبايل، والنور جه على الكنبة.. "عمر" كان نايم هناك، وبنفس الهدوم اللي اتخطف بيها، وفي إيده اللعبة.
شيرين صرخت من الفرحة وجريت حضنت الواد، لكن سعيد وقف مكانه متجمد.. عينه مش على ابنه، عينه كانت على "ورقة" محطوطة فوق التربيزة جنب الواد، مكتوب فيها بخط عريض وواضح:
"الأمانة رجعت.. بس الحساب لسه مقفلش. الدور الجاي مش هيكون على "عمر "
سعيد وقع على ركبه، الورقة كانت صدمة أكبر من خطف الواد. اللي دخل الشقة في دقايق والنور مقطوع، ورجع الواد وكتب الورقة وخرج، ده مش مجرد "واحد واكل حقه"، ده "شبح" عارف كل تفاصيل حياته.
— رحيم: "خلصنا من موضوع الواد.. قولي بقى يا عمار، إيه اللي جاب "عزة" في سكتك؟ وليه شايل همها لدرجة إنك تضيع مستقبلك عشانها؟"
عمار حاول يهرب بعينه وبص للأرض، وبدأ يفرك إيده بتوتر وهو بيحاول يجمع كلامه:
— عمار (بتردد): "يا رحيم أنا قولت لحضرتك، سعيد ده مفتري، وعزة دي غلبانة والناس كلها جت عليها، وأنا لما شوفت الظلم ده.."
رحيم (قاطعه بصوت حازم ورزين):
_ بلاش الكلام اللي بنقوله للناس ده يا عمار.. أنا مش "الست حنان". أنا شايف في عينك حاجة تانية غير مجرد الشهامة. أنت بتتحرك وكأن الوجع ده وجعك أنت، وكأن الحساب ده حسابك الشخصي. انطق يا عمار.. عزة بالنسبة لك إيه؟"
سكت عمار لحظة، النفس اللي طالع منه كان محبوس بقاله كتير، حاول يبرر تاني بنبرة فيها انفعال مكتوم:
— عمار: مش عارف يا رحيم بيه. . أنا مبررتش لنفسي الخطف، أنا بررت لنفسي إني أكون "القدر" اللي يرجع لها حقها اللي الكل اتخلى عنه."
رحيم قرب منه خطوة، وحط إيده على كتفه، وبصوت فيه فهم عميق وخبرة:
— رحيم: "الحق مابيرجعش بـ "عوجان" يا عمار. اللي بيحاول يصحح الغلط بغلط زيه، بيبقى نسخة من اللي ظلمه وهو مش حاسس. أنت بتحبها؟"
عمار اتفاجئ بالسؤال، الكلمة خبطت فيه زي الرصاصة، سكت تماماً، وملامح وشه اتغيرت.. الحقيقة كانت باينة في عينه مهما حاول يداريها بالسكوت.
— رحيم (بابتسامة خفيفة): "السكوت ده إجابة كافية. وعشان كدة أنت كنت "سرحان" يا عمار.. القلب لما بيدخل في الشغل بيخلي الواحد يغلط في الحسابات. بس اطمن، اللي أنت عملته بالخطف أنا صلحته بكلمة، وحق عزة اللي شاغل بالك ده.. أنا اللي هجيبه بالقانون يا عمار
— عمار (بمرارة): "قانون إيه يا رحيم بيه؟ عزة دي بنت ملجأ، طلعت للدنيا وهي فاكرة إنها هتبني نفسها بشرفها، لكن وقعت في طريق سعيد. لفت على المحاكم كعب داير، والنتيجة كانت صفر. سعيد معاه الفلوس اللي تشتري الورق وتخرس الألسنة، ومعاه اللي يسنده في كل مصلحة. القانون مبيسمعش صوت الغلابة اللي مالهمش ضهر، وعزة مالهاش في الدنيا دي غير "ست حنان" والست حنان حاولت بس ماقدرتش
— رحيم: "يعني استقوى عليها عشان مالهاش أهل؟ فاكر إنها مقطوعة من شجرة فهياكل حقها وهو حاطط رجل على رجل؟"
— عمار: "بالظبط.. وده اللي حرق دمي. القانون اللي حضرتك بتقول عليه ده عايز نفس طويل ومصاريف وسند، وهي يدوب لاقية تاكل في الدار. سعيد قفل في وشها كل الأبواب القانونية، وطلع هو الضحية وهي اللي نصابة."
رحيم سحب نفس طويل، وطلع الدخان ببطء وكأنه بيطرد فكرة "القانون العاجز" من دماغه. ربع إيده وبص لعمار بقوة وقال:
— رحيم (بصوت رخيم وحازم): "خلاص يا عمار.. طالما القانون بتاعهم منصفش المظلوم، يبقى "نحط القانون بتاعنا" إحنا. ومن اللحظة دي، اعتبر إن عزة ليها أهل، وليها ضهر أقوى من ميت قانون."
عمار رفع عينه لرحيم بدهشة: "قانوننا إحنا؟ تقصد إيه يا رحيم بيه؟"
— رحيم (بابتسامة باردة): "أقصد إن اللي بيلعب بالبيضة والحجر، لازم يقع على دماغه في الآخر. سعيد محصن نفسه قانونياً، بس أنا هحصره "سوقياً" وإنسانياً. أنا اللي هبقى خصمه، ومش هسيبه غير وهو بيمضي على حق عزة مليم بمليم، وبيرجع لها اعتبارها قدام الكل. الورق اللي هو خده منها، هيرجعه وهو بيبوس إيدها عشان بس أحل عن سماه."
عمار حس إن الروح ردت فيه تاني، كلام رحيم مش مجرد وعود، دي أوامر تنفيذية.
— رحيم: "من بكرة، ملف عزة وحساباتها وكل ورقة تخصها تكون عندي في المكتب. وأنت ارجع ركز في شغلك، وخلي "السرحان" ده لغيرك. عزة دلوقت في حماية رحيم.. وسعيد بدأ العد التنازلي لنهايته."
ركبوا العربية، وعمار كان بيبص لرحيم وهو مش مصدق إن "الكبير" قرر يفتح "دفتر الحساب" الشخصي عشان خاطر واحدة غلبانة مالهاش حد.
في "دار حنان"، كان الجو مختلف تماماً النهاردة. صالة الدار كانت مليانة كراتين وأكياس كبيرة، وريحة "الجديد" طالعة من كل ركن. "زينب" كانت واقفة في وسط البنات، وشها منور بضحكة مش سايعاها، وهي بتفتح كرتونة "طقم العشا" وبترفعه بفخر قدام عيون البنات اللي كانوا بيزغرطوا ويهيصوا بفرحة حقيقية.
البنات (بصوت واحد وفرحة):
— "يا ألف نهار أبيض يا زوزو! الحاجة زي القشطة، ذوقك عالي أوي يا بت."
زينب (وهي بتمسح دمعة فرحة استخبت في عينيها):
— "ده فضل ربنا وست حنان.. أنا مكنتش أحلم بنص الحاجة دي يا بنات. ربنا يسعد قلوبكم ويرزقكم الفرحة اللي في قلبي دلوقت."
وسط الهيلمة دي، كانت "عزة" واقفة بعيد شوية، بتتبسم لزينب بصفاء، لكن عينيها كان فيها نظرة تانية.. نظرة محملة بكلام كتير عايزة تقوله. قربت عزة من زينب وحطت إيدها على كتفها بحنان.
عزة (بهمس وصوت هادي):
— "مبروك يا حبيبتي، تتهني بيهم يا رب وتملي بيتك بالخير. حاجتك زي الفل وشبه قلبك الأبيض."
زينب (وهي بتحضنها):
— "الله يبارك فيكي يا عزة، عقبال ما نفرح بيكي يا رب ونجهزك أحسن جهاز."
عزة سكتت لحظة، وبعدين بصت للبنات اللي لسه مشغولين بيتفرجوا على الملايات والمفارش، وقالت لزينب بصوت واطي:
— "زينب.. ينفع نسيبهم يتفرجوا براحتهم وندخل أوضتنا شوية؟ عايزة أتكلم معاكي في موضوع.. لوحدنا."
زينب حست بنبرة عزة الجد، مسحت إيدها في هدومها وقالت بسرعة:
— "طبعاً يا حبيبتي، تعالي."
دخلوا الأوضة وقفلوا الباب، وصوت ضحك البنات برا بدأ يبعد تدريجياً. زينب قعدت على طرف السرير وبصت لعزة بقلق:
— "خير يا عزة؟ قلقتيني.. فيه حاجة حصلت؟"
عزة قعدت قدامها، وخدت نفس طويل كأنها بتستجمع شجاعتها:
دخلت حنان الأوضة فجأة، كانت سامعة صوتهم الواطي وحاسة بنبرة القلق اللي في كلام عزة. وقفت قدامهم بابتسامتها الأمومة الصافية، وبصت لزينب اللي كانت لسه مبهورة بالجهاز، وبعدين بصت لعزة اللي الهم واكل وشها.
حنان (وهي بتطبطب على كتف زينب):
— "بتبكوا ليه ومنفردين بنفسكم كده؟ ده النهاردة يوم عيد. اسمعي يا زينب.. واسمعي أنتِ كمان يا عزة. مش عشان نصيبكم كان إنكم تتربوا في دار أيتام، تفتكروا إن مالكمش حد في الدنيا دي. الدار دي والحيطان دي والقلوب اللي فيها هي بيتكم الحقيقي والوحيد. رحيم بيه لما بعت الجهاز ده، مبعتوش شفقة، بعته لأنه عارف إنك بنت أصول وتستاهلي، وعارف إن وراكي "بيت" بيخرج ستات بجد."
زينب (وهي بتمسح دموعها):
— "والله يا ماما حنان أنا مش عارفة أشكركم إزاي، أنا فعلاً كنت شايلة هم الجهاز ده أوي."
حنان كملت بنبرة فيها حكمة السنين:
— "يا بنتي، الرزق بييجي لصاحبه، وإحنا هنا سند لبعض. عمار، ورحيم، وكلنا ضهر ليكم. اوعي يا زينب تدخلي بيت جوزك وأنتِ حاسة إنك قليلة، ادخلي وأنتِ رافعة راسك، وعارفة إن ليكي أهل يهدوا الدنيا لو حد فكر يمس شعرة منك."
عزة كانت بتسمع كلام حنان وكأنها بتسترجع كل اللي فات، بصت لزينب بنظرة عميقة، ونبرة صوتها كانت حادة ومجروحة في نفس الوقت:
— "ماما حنان عندها حق يا زينب..
بس لازم تعرفي حاجة أهم. الجهاز والعفش مش هما اللي بيعملوا القيمة. القيمة إنك متسمحيش لحد يكسرك. اوعي يا زينب، اوعي تيجي على نفسك مرة تانية عشان خاطر حد، مهما كان غالي أو أنتِ فاكرة إنه السند. اللي بيحبك بجد مش هيحتاج إنك تدبحي نفسك وتضحي بكرامتك عشان ترضيه."
عزة سكتت لحظة وكأنها بتفتكر اللي سعيد عمله فيها، وكملت بوجع:
— "أنا جيت على نفسي كتير، وقولت معلش عشان ماليش ضهر، وادي القعدة اللي أنا قاعداها. اوعي تكرري غلطتي يا زينب. عيشي بكرامتك، واليوم اللي تحسي فيه إنك هتهوني، افتكري إن الدار دي مفتوحة ليكي، وافتكري إن عزة قالتلك إن "النفس" أغلى من أي عفش وأي جهاز."
ساد صمت في الأوضة، حنان بصت لعزة بحزن وفخر في نفس الوقت، لأنها عارفة إن عزة بتنقل وجعها لزينب عشان تحميها.
حنان:
— "كلامك دهب يا عزة.. والدرس ده لازم كل بنت هنا تحفظه. يلا يا بنات، امسحوا دموعكم وخلونا نخرج نكمل فرحتنا، رحيم بيه وعمار مستنيين يعرفوا إن الحاجة وصلت بسلام، ومش عايزين نكسر فرحتنا
بعد ما سعيد حضن ابنه وشاف "الورقة" اللي سابتها الأشباح في بيته، تليفونه رن مرة تانية بنفس الرقم المجهول. سعيد فتح الخط وهو بينهج:
— "الواد رجع.. والورقة قريتها. أنت عايز مني إيه تاني؟ ارحمني بقى!"
صوت عمار (المجهول) جاله ببرود:
— "ابنك رجع عشان هو ملوش ذنب.. بس الحساب لسه مخلصش. الورق اللي أنت زورته، والحق اللي أنت أكلته، لازم يرجع لأصحابه الليلة دي. هتجيلي عند (الملاحات المهجورة) وراك، ومعاك الشنطة اللي فيها أصل التنازل والورق اللي يخص "عزة" كله. لو جيت، الموضوع هيتقفل للأبد.. لو مجيتش، اعتبر إن الورقة اللي معاك دي "محضر رسمي" هيتقدم الصبح بفضايحك في المصلحة، وهتتجاب من قفاك قدام عيالك."
سعيد مكنش قدامه حل تاني.. هو مرعوب من "القدرة" اللي خلت حد يدخل بيته ويرجع ابنه في عز الضلمة، فخاف لو مرحش إن المجهول ده يهد المعبد كله فوق دماغه
وصل سعيد إلى الملاحات المهجورة (الخرابة) والريح بتصفر حوله، قلبه كان بيقفز مع كل حركة شجر. وقف في نص المكان وزعق بصوت مبحوح:
— "أنا جيت! أظهر بقى وخلصني.. الورق معايا! أنت فين؟"
محدش رد.. السكون كان مرعب. سعيد بدأ يمشي بخطوات مهزوزة لحد ما لمح "ظرف كبير" مسنود على حجر قديم وتحته كشاف صغير منور. جري عليه وفتحه بإيد بتترعش، لقى جواه ملف فيه "شيك" بمبلغ ضخم، قيمة "قائمة منقولات عزة" بالكامل وبزيادة تعويضية، وجنبه ورقة مكتوب فيها: "إمضي الشيك ده، ورجع التنازل على الأرض في الظرف، وتخرج من هنا كأنك مشفتش حاجة.. وإلا الدفاتر القديمة هتتفتح."
سعيد بص للشيك وبص للفراغ حوله، والجشع اللي جواه غلب خوفه، صرخ بهستيريا:
— "مش ممضي! مش همضي على مليم واحد! عزة دي ملهاش عندي حاجة، واللعبة دي مش هتمشي عليا.. أنا سعيد البن يا شوية صيع! أعلى ما في خيلكم اركبوه!"
رمى الملف على الأرض بكل غل، وركب عربيته وطار بها على البيت وهو بيتوعد إنه بكره هيبلغ أمن الدولة والمباحث، وإن مفيش حد هيقدر يكسر عينه.
وصل سعيد قدام باب شقته، طلع المفتاح وفتحه وهو بينهج.. أول ما الباب اتفتح، المفتاح وقع من إيده، ووقف متجمد في مكانه كأن صاعقة ضربته.
الشقة مكنتش مجرد "مكركبة".. الشقة كانت "منسوفة".
العفش الغالي اللي شيرين اختارته بالواحدة، متدغدغ كأنه دخل مفرمة. الكنب متقطع، الخشب متكسر مية حتة، والستائر مشرحة. سعيد دخل يجري زي المجنون على الصالة وهو بيصرخ: "شيرين! يا أمي! الواد فين؟"
دخل المطبخ والحمام لقى الكارثة الأكبر.. السيراميك اللي في الأرض والجدران متكسر بـ "شنيور" أو آلة حادة، كأن فيه زلزال حصل في المطبخ بس. الحمام الأرضية بتاعته متدمرة تماماً، والرخام والبورسلين اللي دفع فيه دم قلبه بقى فتافيت.
أمه وشيرين كانوا قاعدين في ركن في الأوضة الجوانية، مكنش حد لمسهم بس كانوا في حالة ذهول وخرس تام، كأنهم شافوا شياطين داخلة البيت بتدمر في الحيطان والأرض من غير ما ينطقوا كلمة.
سعيد وقع وسط الحطام، وبص للأرض لقى ورقة صغيرة محطوطة وسط تكسير سيراميك الحمام مكتوب فيها:
"المرة دي السيراميك والحيطان.. المرة الجاية السقف هيقع فوق دماغك وأنت نايم. امضي الشيك يا سعيد.. رجع شقى غيرك اللى كلته والفرش ده بفلوس غيرك، واللي بيتبني على باطل.. آخره يتهد على صاحبه."
سعيد بص لحطام بيته، وفهم إن "المجهول" مش بس عارف أسراره، ده يقدر يوصل لقلب حيطانه ويمحيها من غير ما يلمس حد من أهله.. الرعب الحقيقي بدأ دلوقت.
تفتكروا سعيد هيوافق يمضى ولا رحيم وعمار هيكتفوا بكده ولا لسه عندهم تانى
الفصل 16
وافق سعيد إنه يمضى على الشيك ويرد لعزه كل حقوقها ويقفل صفحتها وفعلا مضى الشيك وبعدها عمار اتصل بيه وبلغه سعيد إنه وافق لكن عمار طلب منه الفلوس كاش وانه تانى يوم يروح يسحبهم بنفسه ويحطهم فى شنطه ويسيب الشنطه قدام البنك اللى هيسحب منه الفلوس
ونفذ سعيد طلب عمار وسحب الفلوس وحطها فى شنطه وسابها فى المكان اللى عمار قاله عليها
اخد عمار شنطه الفلوس وراح الدار عند حنان واداها شنطه الفلوس
حنان فتحت الشنطة وهي مش مصدقة، عينها اتسعت بذهول وهي بتبص لِرُزم الفلوس اللي مرصوصة فوق بعضها. قلبها دق بسرعة، وبصت لعمار برهبة وخوف.. الفلوس دي كتير أوي! بس بسرعة حاولت تلم نفسها، بلعت ريقها وبصت لعمار وقالت له بنبرة حاسمة وفيها رجاء:
- "استنى هنا يا عمار.. أوعى تِمشي."
سابت الشنطة على التربيزة ودخلت بسرعة نادت على عزة. عزة خرجت وراها وهي مستغربة من لهفتها وخضتها، وأول ما دخلت الأوضة وشافت الشنطة المفتوحة وعمار واقف بكل برود وثقة، رجليها شالتها بالعافية من الصدمة.
حنان قربت من عزة، وحطت إيدها على كتفها وقالت وصوتها مخنوق بدموع الفرحة والتأثر:
- "حقك رجع يا عزة.. سعيد خلاص مضى الشيك ورجعلك كل مليم. الكاش ده كله بتاعك، حقك اللي كان سعيد واكله .. والراجل اللي واقف قدامك ده، عمار، هو اللي جابلك حقك ده لِحد عندك ونصرنا عليه."
عزة فضلت مسمرة مكانها، عينيها رايحة جاية بين شنطة الفلوس وبين وش عمار الصامت. الصدمة في الأول لجمت لسانها، بس عقلها اللي بيفكر في كل صغيرة وكبيرة بدأ يشتغل فوراً.. بصت لعمار بنظرة كلها شك وتساؤل: يا ترى إيه المقابل؟ وإزاي عمار قدر يلوي دراع سعيد بالسهولة دي؟
الصدمة في الأول لجمت لسانها، لكن عقلها بدأ يجمع الأحداث بسرعة.. قربت خطوتين من عمار وبصت له بنظرة فاحصة كلها ذهول وشك، وقالت له بنبرة حادة ومتوترة:
- "إنت عملت إيه يا عمار؟ سعيد ده أنا أكتر واحدة عارفاها، ده ياكل مال النبي ولا يفرط في قرش واحد بالسهولة دي! إنت إزاي خليته يجيب الفلوس دي كلها كاش وفي يوم وليلة؟"
عمار ملامحه ماتغيرتش، فضل واقف بكل برود وثبات، حط إيده في جيبه وبص لها وقال بكلمات موزونة وهادية:
- "المهم إن حقك رجع يا عزة.. سعيد صفحته اتقفلت خلاص، والفلوس دي مأمنة وجاية من البنك لِحد عندك. مش مهم الطريقة، المهم إن حقك معاكي دلوقتي."
عزة ضيقت عينيها وبصت له وهي مش مرتاحة للهدوء والثقة اللي بيتكلم بيهم، وقالت له وعينها في عينه:
- "مفيش حاجة في الدنيا دي بتيجي بلاش يا عمار.. وإنت مش هتعمل كل ده وتلوي دراع سعيد عشان سواد عيونا. إيه المقابل؟"
عمار بصلها بثقة وهدوء غريب، ملامحه ما اتهزتش من كلامها، بل بالعكس.. الابتسامة الباردة ظهرت على وشّه وهو بيبص في عينيها مباشرة، وقال لها بنبرة هادية بس بتوجع:
- "مش كل الناس بيبصوا لمصلحتهم بس يا عزة.. ومش كل الناس سعيد. لو كل الناس زيه، مكنتيش هتلاقي واحدة على ذِمّة جوزها."
الكلمات نزلت على عزة زي المايه الساقعة، ملامحها اتغيرت والدم هرب من وشها. الجملة لمست جرح قديم وحقيقة هي عارفاها كويس عن سعيد وعن اللي كانت عايشة فيه.
عمار ماداهاش فرصة ترد، عدّل جاكيت بدليته وبص لشنطة الفلوس وقال:
- "الفلوس دي حقك، خديها وأمني بيها نفسك.. عن إذنك."
بعد ما عمار مشي وقفل الباب وراه، ساد السكون في الأوضة. عزة فضلت واقفة مكانها وعينيها مثبتة على شنطة الفلوس، بس مكنتش شايفاها.. كانت سامعة صدى صوت عمار وهو بيقول: "مكنتيش هتلاقي واحدة على ذِمّة جوزها".
قربت من التربيزة بخطوات بطيئة، ومدت إيدها ولمست رزم الفلوس. دموعها المحبوسة بدأت تنزل في صمت. الفلوس دي اللي كانت هتموت عشانها، دلوقتي حاسة إنها مابقتش فارقة أوي قدام السنين اللي ضاعت من عمرها.
قعدت على أقرب كرسي وبدأت تراجع نفسها وتفتكر كل اللي فات.. حست فجأة بوجع في قلبها وهي بتكتشف إنها ظلمت نفسها أكتر ما سعيد ظلمها. ضغطت على إيدها وقالت لنفسها بمرارة: "أنا اللي جيت على نفسي.. أنا اللي كنت بحاول أرضي الكل على حساب صحتي ونفسي وكرامتي، وفي الآخر طلعت أنا الخسرانة الوحيدة".
مسحت دموعها بسرعة بقسوة، وملامح وشها بدأت تتغير من الانكسار للقوة. بصت للشنطة تاني، بس المرة دي بنظرة مختلفة تماماً.. نظرة للمستقبل. الفلوس دي مش هتقعد تصرف منها لحد ما تخلص، الفلوس دي هتكون خطوتها الأولى عشان تقف على رجلها بجد.
عزة أخدت قرار في اللحظة دي؛ مش هتعيش في ضل حد تاني، ولا هتستني حد يحن عليها بقرش أو بكلمة. شالت الشنطة وقامِت وهي بتفكر في حاجة واحدة بس: "أنا لازم أدور على شغل.. لازم يكون ليا كيان وشغل بتاعي أنا، ومحدش يكسر عيني تاني".
مسحت عزة دموعها، وشالت شنطة الفلوس وخرجت راحت لماما حنان. حطت الشنطة قدامها وقالت لها بنبرة صادقة وكالها احترام:
- "خدي يا ماما حنان.. الفلوس دي شيليها معاكي، وأنا عايزة أتبرع بجزء منها للدار، الدار وأطفالها أولى بأي قرش يدخل."
ماما حنان بصت للشنطة، وبعدين بصت في عين عزة وابتسمت بحنان كبير، هزت راسها بالرفض وقالت لها بطيبة:
- "لأ يا عزة.. الفلوس دي بتاعتك إنتي وتعبك وشقاكي، حطيها في عينك وأمني بيها مستقبلك. والدار الحمد لله ربنا ساترها وفيها اللي يكفيها بزيادة ومصلحتها ماشية. بكره الصبح هاخدك من إيدك ونروح البنك، وتفتحي حساب باسمك وتحطي حاجتك فيه، عشان تبقي مطمنة."
عزة حست بأمان وراحة لأول مرة من فترة طويلة، وهزت راسها بالموافقة وهي بتفكر في خطوتها الجاية. وقبل ما تنام بالليل، بصت لماما حنان وقالت لها:
- "ماما حنان.. هاتي كدة رقم عمار من عندك."
ماما حنان استغربت بس أدتهولها من غير ما تسأل، وعزة سيفت الرقم عندها وهي بتخطط هتقول له إيه.
تاني يوم الصبح، نفذوا كلامهم وراحت عزة مع ماما حنان البنك، وفتحت الحساب وحطت الفلوس كلها. أول ما خرجت من البنك وركبت المواصلات، طلعت موبايلها وبصت للرقم المكتوب باسم "عمار".. أخدت نفس عميق، ودست على زرار الاتصال وضبطت الموبايل على ودنها وهي مستنية رده بقلب بيدق
التليفون بدأ يرن.. نغمة والتانية، وعزة حاطة الموبايل على ودنها ونبضات قلبها بتسرع مع كل رنة. كانت لسه مترددة تقفل ولا تستنى، وفجأة الرن وقف وجه صوت عمار الجاف والرسمي:
- "ألو.. السلام عليكم."
عزة اتخضت ثانية والكلمات طارت من دماغها، حست بخجل غريب ومابقتش عارفة تبدأ كلامها منين ولا تقول إيه. فضلت ساكتة للحظات وهي بتحاول تجمع شتات نفسها، وبلعت ريقها بتوتر.
عمار لما لقى السكوت طول، كرر كلامه بنفس النبرة الهادية والرسمية:
- "ألو.. مين معايا؟"
عزة أخدت نفس عميق وبأصابع مرتعشة ضغطت على الموبايل وقالت بصوت واطي ومردد وفيه خجل واضح:
- "أنا.. أنا عزة يا عمار."
أول ما عمار سمع صوتها، ملامحه الجافة اتمحت تماماً وتلقائياً ظهرت على وشه ابتسامة هادية ودافية، ونبرة صوته اتغيرت وبقت كلها ترحيب واهتمام:
- "أهلاً يا عزة.. أهلاً بيكي، عاملة إيه؟"
ترحيبه المفاجئ ده خلاها تتوتر أكتر وخجلها يزيد، فركت إيدها بتوتر وقالت بصوت واطي ومتردد:
- "الحمد لله.. أنا.. أنا آسفة لو كنت كلمتك في وقت مش مناسب أو أزعجتك.."
عمار قاطعها بسرعة وبنبرة مريحة قال لها:
- "لأ طبعاً مفيش إزعاج ولا حاجة، تحت أمرك يا عزة.. في حاجة حصلت؟"
عزة أخدت نفس عميق عشان تطرد الخجل والتردد اللي جواها، وقررت تدخل في الموضوع بوضوح، فقالت وهي بتحاول تخلي صوتها ثابت:
- "لأ كله تمام الحمد لله.. أنا بس كنت بتصل عشان.. عشان كنت عايزة أطلب منك طلب لو ينفع.. أنا قررت إني لازم أعتمد على نفسي وأبدأ من جديد، وكنت عايزة أدور على شغل.. فكنت حابة لو تقدر تساعدني وتشوف لي أي فرصة شغل مناسبة."
عمار سكت لحظة، وفهم من نبرة صوتها ومن طلبها إن الكلمة اللي قالها لها امبارح علّمت معاها، وإنها بدأت تفوق لنفسها بجد وعايزة تتغير. ابتسم بتقدير وقال لها بنبرة تشجيع:
- "أكيد طبعاً يا عزة أقدر أساعدك.. وبصي، إنتي كلمتيني في وقتك بالظبط. المزرعة الكبيرة خلاص قربت تشتغل، وهنكون محتاجين هناك ناس للإدارة ومدخلين بيانات، وأنا شايف إن الشغلانة دي هتكون مناسبة ليكي جداً، وأول ما المزرعة تبدأ شغل أنا هكلمك فوراً."
عزة حست بلمعة أمل، بس سألته بتوجس وهي خايفة الخطوة دي تتأخر:
- "بس المزرعة دي قدامها كتير على ما تشتغل؟"
عمار رد عليها بثقة ويقين:
- "لأ مش كتير خالص، شهر ونص بالكتير والكل هيستلم مكانه.. وبعدين خليني أقول لك على حاجة تفرحك وتطمنك إنتي وماما حنان؛ إحنا خلاص مش هنِهد مبنى الملجأ القديم بالكامل زي ما كنا مخططين في الأول.. إحنا هنبقي عليه وهنجدده بالكامل، وهنخليه هو المبنى الإداري للمشروع."
عزة سمعت كلامه وقلبها دق بفرحة وراحة مكنتش متخيلاها، فرحة لإنقاذ المكان اللي عاشوا فيه، وفرحة بإنها لقت طريق جديد ومحترم تبدأ منه حياتها.
ابتسمت عزة لأول مرة من قلبها وهي لسه ماسكة الموبايل، وحست إن جبل كان كاتم على نفسها وانزاح. نبرة صوتها اتغيرت خالص وبقت مليانة امتنان وراحة وهي بتقول له:
- "أنا مش عارفة أقولك إيه يا أستاذ عمار.. بجد شكراً ليك. إنت مش عارف الخبر ده هيفرح ماما حنان قد إيه، موضوع الهد ده كان كاسر قلبها."
عمار رد بصوته الهادي اللي فيه دفء حقيقي:
- "مفيش داعي للشكر يا عزة، ده حقكم والمكان ده يستاهل يفضل موجود. جهزي نفسك بس، والشهر ونص دول هيعدوا في ثانية، وأول ما نكون جاهزين للتعيينات هتلاقيني بكلمك."
قفلت عزة الخط وهي حاسة إنها طايرة من الفرحة. نزلت من المواصلات وجريت على الدار بكل سرعتها، أول ما فتحت الباب ودخلت، كانت بتنهج ووشها منور من الفرحة، نادت بأعلى صوتها:
- "ماما حنان! يا ماما حنان.. تعالي بسرعة عايزة أقولك على حاجة!"
ماما حنان خرجت من أوضتها مستغربة من لهفة عزة، وبصت لها بقلق:
- "خير يا بنتي في إيه؟ خضيتيني! عملتوا إيه في البنك؟"
عزة قربت منها ومسكت إيديها الاتنين وهي بتضحك ودموع الفرحة في عينيها:
- "البنك تمام والفلوس في الحفظ والصون.. بس مش ده الموضوع! أنا كلمت أستاذ عمار، وقال لي خبر بمليون جنيه.. الدار مش هتِتهد يا ماما حنان! مش هيهدوها بالكامل، هيمشوا المشروع وهيجددوا المبنى القديم ويخلوه هو المبنى الإداري للمزرعة الكبيرة!"
ماما حنان حطت إيدها على صدرها وقعدت على أقرب كرسي، وعينيها اتملت دموع، ورفعت راسها للسما وقالت بنبرة هزت الأوضة من كتر الصدق:
- "الحمد لله.. يا ألف حمد وألف شكر ليك يا رب.. كنت عارفة إنك مش هتضيعنا ولا هتكسر بخاطر الغلابة دول."
عزة قعدت على ركبها قدامها وكملت بحماس:
- "ومش بس كده يا ماما.. أستاذ عمار كمان قالي إنهم محتاجين موظفين إداريين ومدخلين بيانات للمزرعة، ووعدني إن أول ما الشغل يبدأ كمان شهر ونص، هاكون أنا أول واحدة معاهم.. أنا هاشتغل يا ماما حنان، هاشتغل وأعتمد على نفسي بجد!"
ماما حنان أخدتها في حضنها وطبطبت عليها بحنان وفخر:
- "مبروك يا قلب ماما، ربنا يفتحها عليكي ويسعدك.. عمار ده ابن حلال ومعدنه أصيل، وعارف الأصول."
في نفس الوقت، الأجواء في الدار كانت مقلوبة حركة ونشاط. الصناديق الكرتون مرصوصة في الصالة، والشنط مربوطة، والكل شغال على قدم وساق؛ خلاص بيجهزوا ينقلوا عفش زينب لشقتها الجديدة في القاهرة عشان يبدأوا يفرشوها.
وسط الزحمة والكركبة دي، تليفون ماما حنان رن، ولقيت السواق اللي تبع رحيم بيكلمها ويقول لها إنه بره. خرجت ماما حنان ومعاها زينب وعزة وبصوا من بوابه الدار، لقوا ميكروباص مكيف وجديد واقف مستنيهم، والسواق قرب من ماما حنان بكل أدب واحترام وقال لها:
- "يا مدام حنان، رحيم بيه أمرني إن الميكروباص ده يكون تحت امرك هاخدكم من هنا اوديكم الشقة في القاهرة، وأجيبهم كل يوم لِحد ما يخلصوا فرش الشقة على أقل من مهلهم، ومحدش يشيل هم مواصلات ولا سفر خالص."
زينب عينيها لمعت بالفرحة والانبهار من كرم رحيم واهتمامه بأصغر التفاصيل، وحست إنها أخيراً هتعيش العيشة اللي كانت بتحلم بيها، وبصت لعزة وفرحتها مش سيعاها.
ومرت الساعات، ووصلوا الشقة في القاهرة، وبدأوا ينزلوا الحاجه وهم هلكانين من التعب والمشوار. وقبل ما يفكروا حتى هيطبخوا إيه أو يشتروا أكل منين في الغربة دي، الباب خبط.. ولقوا دليفري جاي من أكبر وأفخم مطاعم القاهرة، وشايل وجبات غدا كاملة ومجهزة من كل ما طاب ولذ، ترحيباً بيهم في القاهرة.
مع الأكل كان فيه كارت صغير مكتوب فيه بخط شيك:
"خطوة عزيزة.. منورين القاهرة، والف مبروك الغدا على حسابى انهارده انا عارف انكم لسه ماتعرفوش حاجه فى البلد هنا
زينب قعدت وهي مبهورة وبصت للكل وقالت بنبرة كلها فرحة ودعاء:
بينما الكل كان شغال والنار قايدة في الشقة؛ شيل وحط وترتيب، عايدة سحبت كرسي مريح وقعدت عليه في الصالة، ربعت رجليها وبصت حواليها بنظرة رضا وفخر. أول ما الوجبات الفخمة بتاعة رحيم وصلت، كانت هي أول واحدة تمد إيدها وتفتح علب الأكل، وقعدت تتغدى بمزاج عالي وتدوق من كل الأصناف والكل حواليها غرقان في عرق الشغل والفرش.
وطول القعدة، مكانتش بتقدم أي مساعدة، بل بالعكس، لو عازت تشرب أو حبت أي حاجة تانية تتعمل، كانت بتنادي ببرستيج وتطلب من البنات اللي جايين من الدار يساعدوا زينب: "يا بت يا هدى هاتيلي بوق ماية.. يا ندى شيلي الكرتونة دي من قدامي". والبنات بطيبتهم وأدبهم كانوا بينفذوا لها طلباتها فوراً من غير كلام.
- "أنا قعدت يا جماعة وما رضيتش أحط إيدي في حاجة عشان أسيب العيال براحتهم خالص في شقتهم وماتتكسفوش مني وهما بيفرشوا حاجتهم على ذوقهم.. الفرش ده ذوق وأسرار يا حبيبتي، وأنا مش حابة أدخل في خصوصياتهم، قولت أسيب البنات يساعدوا زينب براحتهم ومن غير ما يتقيدوا بوجودي!"
ماما حنان ابتسمت هديت الموقف وهزت راسها وسكتت وهي فاهمة دماغ عايدة كويس وإنها بتدور على راحتها وتعمل لنفسها برستيج الحماة، وزينب كملت فرش مع البنات
مرت الايام وانتهوا من الفرش والتوضيب وكان تخطيط عايده من جواها ازاى تكسر زينب من أول يوم
الفصل 17
أخيرا يا نبويه هانت كلها كام يوم وزينب تيجى وابقى خلاص جبت الخدامه انتى عارفه لما كانت هنا بتفرش مكنتش بقوم من مكانى حتى كوبايه الميه بتجيلى لحد عندى
ـ هانت يا عايده بس لازم تدبحلها القطه من اول يوم
الشغالة لو مش من أول يوم عرفت إنك الست وهيا الخدامة، هتسوق فيها. أنا مش بقولك اضربيها، أنا بقولك حطي الخطوط الحمرا من أول دقيقة. تدخليها المطبخ، توقفي على إيدها، تظبطي مواعيدها بالثانية. الغلبان ده ساعات بيبقى وراه بلاوي، وإنتي جايباها تخدمك وتريحك، مش عشان تتدلع عليكي.
عايدة لوت بوزها بابتسامة شريرة، وسندت ضهرها لورا وهي بتبص لنبوية بنظرة كلها لؤم :
ـ لاء يا نبوية.. إنتي كده بتظلميني، أنا لسه هستنى لما تتدلع عليا وبعدين أروضها؟ أنا مجهزه من أول يوم من قبل ما رجليها تخطي العتبة!
نبوية رفعت حاجبها باهتمام ومالت عليها بفضول:
ـ ومجهزه إيه بقى دي يا فصيحة؟
عايدة ضحكت ضحكة مكتومة وقالت وهي بتفرك إيديها ببعض:
ـ اختبار صغير كده.. من أول يوم في الفرح. الليلة اللي البيت كله هيبقى مقلوب فيها والناس رايحة جاية. هحطها في قلب المعمعة من أول دقيقة، وهرمي قدامها "طُعم" يوزن بلد.. حاجة كده تخلي عينيها تزوغ لو هي مش تمام، وتخليني أعرف قماشتها من أول ليلة. لو نجحت، يبقى كسبت خدامة بجد، ولو خابت.. أبقى كسرت عينها من أول قعدتها ومتقدرش تنطق بكلمة، وتفضل تحت ضِرسي العمر كله!
نبوية عينيها لمعت بإعجاب، وضربت كف على كف وهي بتضحك:
على الناحية التانية.. في قصر رحيم.
الهدوء الفخم اللي مالي المكان اتهز أول ما جرس الباب الخارجي رن، والشغالة بلغت رحيم إن طليقته نرمين برة ومعاها آدم. رحيم أخد نفس طويل، وملامحه الصارمة زادت حدة وهو نازل على السلم الرخام الواسع.
نرمين كانت واقفة في الصالون الكبير، بتلف حوالين نفسها وبتبص على القصر بنظرة فيها حسرة وندم، وإيدها ماسكة إيد آدم.. الولد الصغير اللي كان باصص في الأرض وساكت تماماً.
أول ما رحيم دخل بهيبته، نرمين اتعدلت وحاولت ترسم على وشها ابتسامة ندم ورجاء، وقالت بنبرة ناعمة:
ـ أهلاً يا رحيم.. أنا عارفة إن الزيارة مفاجأة، بس أنا فكرت كتير يا رحيم، ولقيت إننا ظلمنا نفسنا وظلمنا آدم معانا. إيه ذنبه الولد يعيش مشتت كده؟ ما نرجع لبعض يا رحيم، ونقفل الصفحة القديمة دي ونربي ابننا وسطنا.. .
رحيم وقف مكانه، حاطط إيديه في جيوبه، وبص لها ببرود قاتل متهزش منه جفن، وقال بصوت رخيم وحاسم:
ـ إحنا قفلنا الصفحة دي من زمان يا نرمين، وإنتي عارفة كويس إن مفيش خط رجوع. أنا وإنتي مابنصلحش لبعض. أما بخصوص آدم، فأنا عمري ما قصرت ولا هقصر في مليم، وحقوقه بتجيلك، وبشوفه في مواعيده.
نرمين ملامحها اتغيرت في ثانية، والنعومة اللي في صوتها اتمسحت، وحل مكانها العند والبرود اللي متعود عليهم منها. سابت إيد آدم، وربعت إيديها وقالت له بنبرة تحدي ونرفزة:
ـ خلاص.. مادام مش عايز ترجع، يبقى خده ربيه إنت بقى!
رحيم رفع حاجبه بنظرة ذهول وغضب مكتوم:
ـ نعم؟ أربيه أنا إزاي؟ والولد متعود عليكى وانا كل شهر ببعتلكواللى يكفيكوا سنه كامله
وغير كده لو انا اخدته مين هيقعد معاه ومدرسته ومزكرته
نرمين لوّت بوزها وقالتها بكل بساطة ومن غير ما يتهز فيها جفن:
ـ اتصرف انت بقى يا نرجع يا تاخده وتتصرف فيه زى ماتحب انت ابوه ومش هتغلب .. أنا جالي عريس وعايزة أتجوز وأشوف حياتي، ومش هفضل طول عمري قاعدة من غير جواز وموقفة دنيتي. العريس شاريني بس مش هيشيل عيال مش عياله. فمن الآخر كده.. ابنك معاك أهو في قصرك، شيل إنت بقى شيلتك او نرجع ونشيلها سوا
رحيم حافظ على ثباته الانفعالي، ولا اتهز ولا اتنرفز. فضل واقف مكانه بكل هيبته وبروده القاتل، وبص لنرمين من فوق لتحت نظرة استخفاف، وكأن تصرفها ده مكنش مفاجأة بالنسبة له، بل أكد له نظريته فيها إنها بتدور على مصلحتها وبس.
بص لآدم اللي كان واقف منكمش في نفسه، وبعدين رجع بنظره لنرمين وقال بلهجة هادية ومستفزة من كتر برودها:
ـ خلاص.. سيبيه يا نرمين، وانتي روحي عيشي حياتك.
نرمين برقت بعينيها وبصت له بذهول، كانت فاكراه هيزعق أو يساومها، أو على الأقل يرفض عشان يضايقها، بس بروده ده صدمها. رحيم كمل كلامه وهو بيشاور بإيده للشغالة تقرب:
ـ آدم ابني، ومكانه الطبيعي في قصر أبوه، وأنا هعرف أتصرف وأربيه إزاي. مبروك عليكي الجوازة الجديدة، وياريت تقفلي الباب وراكي وانتي خارجة عشان الدوشة.
نرمين اتغاظت جدًا إنها معرفتش تستفزه أو تطلع منه بأي رد فعل عنيف، لمت شنطتها بعصبية، وبصت لآدم بقلة حيلة ومن غير ما تسلم عليه حتى، لفت ضهرها ومشيت وهي بتخبط كعب جزمتها في الأرض بغل
أول ما الباب الخارجي اتقفل وراها، رحيم أخد نفس طويل، ونزل لمستوى طول آدم، ملامحه الحادة دي اتحولت تمامًا للدفا والحنان، وطبطب على كتف ابنه وقال له بصوت حنين:
ـ نور القصر يا بطل.. متخافش من أي حاجة، من هنا ورايح إنت مع باباك، ومحدش في الدنيا يقدر يزعلك.
آدم فضل واقف مكانه لثواني، كأنه مش مصدق إن الخوف والشد والجذب اللي كان عايش فيهم انتهوا خلاص. بص لوش أبوه وللحنان اللي مالي عينيه، وفجأة، رمى نفسه في حضن رحيم بكل قوته، وربط إيديه الصغيرة حوالين رقبته وكأنه بيستخبى فيه من الدنيا كلها.
رحيم ضمّه لقلبه جامد، وشاله من على الأرض وهو بيطبطب على ضهره بحنان يهز جبال.
آدم دفن وشه في كتف أبوه، وصوته طلع مخنوق من الدموع اللي كان حابسها طول القعدة وقال:
ـ أنا بحبك أوي يا بابا.. أنا أصلاً كان نفسي أعيش معاك هنا علطول، ومكنتش عايز أرجع هناك تاني.
رحيم غمض عينيه وأنفاسه حارة، وحس بوجع في قلبه على كل ليلة ابنه بعد فيها عنه وعاش في قلق. باس راسه وقال بصوت دافي كله وعود صادقة:
ـ وأنا بحبك يا قلب بابا. من النهاردة مفيش مرواح في حتة تاني، ومحدش هيقدر يبعدك عني. القصر ده كله بتاعك، وإنت الآمر الناهي فيه.
رحيم وداه على الكنبة وقعده جنبه وبدأ يمسح دموعه بحنان، ويضحك معاه عشان يخرجه من المود الصعب ده ويهون عليه قسوة الموقف اللي أمه حطته فيه.
ملامح رحيم رجعت حادة تاني وعينيه ضاقت بغضب مكتوم وهو سامع ابنه بيتكلم، بس حاول يحافظ على نبرة صوته الهادية والدفو اللي فيها عشان الولد يفضفض وميخافش. آدم مسح عينيه بظَهر إيده، وبص لأبوه وقال بنبرة طفولية مكسورة:
ـ بابا.. أنا مكنتش بخرج خالص هناك، ومكنتش بشوف الشارع والنوادي غير في الأيام اللي إنت كنت بتيجي تاخدني فيها وتقعدني معاك.
رحيم شد على إيد آدم الصغير وقال بتركيز:
ـ ومامتك يا آدم؟ مكنتش بتاخدك معاها وهي خارجة؟
آدم هز راسه بالنفي وقال:
ـ لاء.. ماما طول الوقت كانت بتسيبني عند تيتا، وتقول إنها وراها مشاوير وشغل كتير ومش فاضية للدوشة. وتيتا كمان كانت أوقات كتير بتخرج وتسيبني لوحدي في الشقة، ومكنش بيبقى قدامي غير الموبايل أقعد ألعب عليه بالساعات لحد ما هما يرجعوا. أنا كنت بخاف أوي يا بابا من الضلمة لما الليل يليل عليا وأنا لوحدي.
كلام آدم نزل على رحيم زي الصاعقة. الغضب جواه كان بيغلي؛ طليقته اللي كانت بتساومه على الفلوس والنفقة بحجة مصاريف الولد وعيشته، كانت رامية حتة منه بالإهمال ده كله! سيباه للوحدة وللموبايل وعايش في رعب.
رحيم اتنهد عشان يطرد الشحنة اللي جواه، وضّم آدم لصدره تاني وباس راسه بقوة وقال له:
ـ خلاص يا بطل.. كل ده خلص وانتهى. من النهاردة مفيش موبايل بالساعات، ومفيش قعدة لوحدك في الضلمة تاني. أنا هقدملك في أكبر نادٍ، وهجيبلك كل اللعب اللي بتحبها، وقصر باباك كله مفتوح لك تعيش فيه برنس.
رحيم شاور للشغالة اللي كانت واقفة بعيد ومتابعة الموقف، وقال لها بنبرة حاسمة:
ـ جهزي عشا خفيف لآدم.. هاتي كل الحاجات اللي بيحبها، وحضري السفرة بسرعة.
دقايق وكان الأكل جاهز، ورحيم أخد آدم من إيده ودخلوا غرفة السفرة الفخمة. قعدوا سوا، ورحيم بدأ يقرّب الأكل لآدم ويشجعه ياكل وهو مبتسم، والدنيا بدأت تروق والضحكة ترجع لوش الولد الصغير تاني. وهما بيتكلموا وبياكلوا، آدم سكت شوية، وبص لرحيم بعيون كلها رجاء وقال:
ـ بابا.. هو أنا ينفع أروح معاك الشغل بكرة؟
رحيم ابتسم وهز راسه:
ـ الشغل يا آدم؟ بس الشغل بيبقى زحمة وفي مكاتب ومقابلات، وإنت هتزهق هناك ومفيش لعب.
آدم بدأ يزن ويلح، ومسك في إيد أبوه:
ـ لأ مش هزهق والله! أنا هقعد ساكت خالص ومش هعمل دوشة، بس خدني معاك.. مش عايز أقعد هنا لوحدي بكرة، والنبي يا بابا خدني معاك!
الزن والإلحاح بتوع آدم مكنوش مجرد شقاوة أطفال، رحيم كان قاري اللي وراهم؛ الولد خايف يتساب لوحده تاني بعد السنين اللي عاشها في إهمال. رحيم طبطب على إيده وقال له بطمأنينة:
ـ خلاص يا بطل، متزنّش.. وافقت، بكرة هتروح معايا الشركة وتشوف مكتبي كمان.
آدم وشه نوّر وفرح جداً ورجع يكمل أكله بحماس، في الوقت ده رحيم شرد بذهنه لبعيد.. وعينيه ضاقت وهو بيفكر في بكرة. هو وافق عشان يطمن ابنه، بس هو رجل أعمال ومشغول، والشركة مش مكان مناسب لولاية طفل طول الوقت. فكر في نفسه: "لازم من بكرة الصبح أشوف (دادة) تكون أمينة، وعلى مستوى عالي من التعليم والتربية، تيجي القصر هنا وتتفرغ لآدم وتاخد بالها منه ومن أكله ومذاكرته في غيابي.. مش هسمح لثانية إهمال تانية في حياة ابني."
رحيم طلع موبايله وهو قاعد على السفرة، وبص لآدم اللي كان مشغول بآكل العشا ومبسوط، وكتب رسالة قصيرة وحاسمة ونبرتها مفيش فيها أي مجال للنقاش وبعتها لنرمين:
"نرمين، جهزي كل ورق آدم.. ملفه، شهادة ميلاده، وأوراقه الرسمية كلها. السواق هيكون عندك بكره الصبح ياخدهم. الولد هيتنقل مدرسة تانية هنا جنمب القصر."
أول ما داس "إرسال"، حط الموبايل على الترابيزة ورجع ضهره لورا وهو بيتنفس براحة. الخطوة دي كانت بالنسبة له هي القفل النهائي على أي خيط بيربط آدم بحياته القديمة، عشان يبدأ معاه على نظافة ومن غير تشتيت.
آدم رفع عينه وبص لباباه وبقُه مليان أكل وقال ببراءة:
ـ بابا.. هو أنا هروح المدرسة من هنا؟
رحيم ابتسم له وباس راسه:
ـ أه يا حبيبي، هتروح مدرسة أحسن بكتير وأقرب،
آدم فرح ورجع يكمل أكله، ورحيم في نظراته إصرار وتحدي إنه يبني لابنه الحياة اللي يستاهلها ويهد كل الإهمال اللي عاشه.
فى الملجأ
الدنيا كانت هادية، وحنان قاعدة جنب زينب في الأوضة الصغيرة، وبتساعدها تقفل شنطتها البسيطة اللي فيها مستلزمات الكوافير . حنان ملامحها كان باين عليها الخوف والقلق، مش قلق عادي، ده قلق الأم اللي بتسلم حتة من قلبها للدنيا وهي مش مطمنة للناس برة.
حنان مسكت إيد زينب، وبصت في عينيها بنظرة كلها حنان ووصية، وقالت بصوت واطي ودافي:
ـ خلاص يا زينب.. هانت يا بنتي، كلها كام يوم والفرح يخلص وتدخلي البيت الجديد. أنا مش عايزاكي تخافي، بس في نفس الوقت عايزاكي تبقي صاحية ومفتحة عينيكي وسط الناس دول.
زينب ابتسمت بكسوف وبراءة، وقالت وهي بتهز راسها:
ـ متخافيش عليا يا ماما حنان، دي ست عايدة طيبة، وأنا جربتها قبل كده لما كنت بروح أفرش معاهم.. الست كانت بتعاملني كويس ومبتنطقش بكلمة زيادة.
حنان اتنهدت وأخدت نفس طويل، وضغطت على إيد زينب أكتر وقالت:
ـ يا حبيبتي، الفرش والزيارة السريعة حاجة، وإنك تبقي مقيمة معاهم في البيت حاجة تانية خالص. الزمان ده النفوس فيه اتغيرت، والناس مبقتش ترحم الغريب، بالذات لما يعرفوا إن ملوش ضهر. أنا وصيتي ليكي يا زينب: شغلك تعمليه على أكمل وجه وبأمانة، بس كرامتك خط أحمر. لا تسمحي لحد يكسر عينك، ولا تمدي إيدك على حاجة مش بتاعتك مهما كانت المغريات، وخليكي دايماً في حالك.. كلمة ورد غطاها.
زينب نزلت عينيها في الأرض، وحست بمسؤولية كبيرة وضغط، بس كلام حنان كان بيطمنها ويقويها. هزت راسها وقالت:
ـ حاضر يا ماما حنان، كلامك كله هيبقى حلقة في ودني. ربنا يقدرني وأكون عند حسن ظنك وأشرفك ومجبلكيش الكلام.
حنان ضمتها لحضنها جامد، ودمعة فرت من عينيها وهي بتدعي لها بظهر الغيب إن ربنا يحميها من شر النفوس اللئيمة اللي مستنياها برة، وهي مش دريانة باللي بيترتب لها.
مرت الايام وجه يوم الفرح
ياترى ايه منتظر زينب
الفصل 18
دخلت زينب بيت عايده وكان جواها امل انها خلاص بدأت حياه جديده لكن اللى حصل كان اكبر وجع ممكن تشوفه
اول ما دخلت كانت بتبص للبيت بفرحه لكن الفرحه راحت لما لقت البيت مكركب كانت واقفه مش عارفه تعمل ايه بصت لحماتها لقت حماتها واقفه بتبص للبيت بضحكه وقربت منها
ـ البيت مكركب يا عروسه عشان اهل جوزك كانوا هنا واحنا كنا مضيفينهم واخدوا راحتهم شويه
حبست زينب دموعها بالعافية، وحست بغصة مرار في حلقها، وقبل ما تنطق، كملت حماتها بكلام زي السكاكين:
ـ يالا يا حبيبتي، ادخلي غيري هدومك دي بسرعة، وقبل ما تخشي تنامي، تروقي الشقة وتلمي الكركبة دي عشان تصبح نظيفة.. مش هينفع نقعد في المنظر ده.
سحبت زينب رجليها بالعافية وهي حاسة إن جبل تقيل فوق كتافها، واتجهت للأوضة اللي المفروض إنها أوضة عرسان. فتحت الباب وهي بتمني نفسها تلاقي حتة نظيفة تقعد فيها، بس هنا كانت الطعنة اللي بجد!
الأوضة ما كانتش الأوضة اللي فرشتها بـ إيدها وتعبت في كل تفصيلة فيها؛ الأوضة كانت مبهدلة ومتبهدلة ع الآخر. السرير غطاه مرمي في الأرض، وهدوم محمد القديمة متنطورة في كل حتة، والتراب مغطي الخشب. كان واضح جداً إن محمد كان بينام فيها الفترة اللي فاتت وبإهمال شديد، ومحدش فكر حتى يحترم إن دي أوضة عروسة داخلة بالليل!
خرجت زينب من الأوضة وهي مش شايفة قدامها، الدموع خلاص هربت من عينيها. وافتكرت فجأة العشا اللي كانت ماما حنان مجهزاه ومنظفاه وباعتاه معاها بحب عشان ليلتها الأولى. جريت على المطبخ بخطوات مهزوزة، بس لقت المطبخ فاضي تماماً، ومفيش غير المواعين والحلل المتوسخة.
وقفت عند باب المطبخ، وبصوت مخنوق وبيرتعش من القهر سألت حماتها:
ـ هو.. هو الأكل فين يا طنط؟ الأكل اللي ماما حنان كانت مجهزاه لينا؟
لفت حماتها وبصتلها ببرود تام ولا مبالاة تقهر، وقالتلها:
ـ أكل؟ واكلينه طبعاً! وأنا كنت آكلهم إيه يعني؟ ناس جايين يباركوا لولادهم نجوّعهم؟ ابقي اصحي بكرة بدري واعملي غيره، الشغل مش هيطير يا عروسة
كلام حماتها كان القشة اللي قطمت ضهر زينب. حست بقهر وجع قلبها لدرجة إنها مابقتش قادرة تتنفس. لفت وشها وبصت لعايدة وجمعت كل شجاعتها، وبصوت رغم كسوره كان فيه نبرة رفض واضحة، قالت:
ـ أنا مش هقدر أعمل حاجة يا طنط.. أنا تعبانة ومقتولة من التعب طول اليوم، ومش قادرة أصلب طولي عشان أروق كل ده.
وقبل ما تلتفت وتدخل أوضتها، لقت إيد حماتها بتتشد على دراعها بقوة وقفتها مكانها. لفت عايدة ووشها اتقلب تماماً، والضحكة الباردة اتحولت لنظرة غل وعيون ضيقة مليانة شر. قربت وشها من وش زينب وقالت بنبرة فحيح زي الأفاعي:
ـ نعم يا ختي؟ مش هتقدري؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا بت أنتِ؟! شكل القعدة في وسطنا والدلع اللي شفتيه كام يوم دول لحسوا مخك وخلوكي تنسي أنتِ جاية منين!
شالت إيدها بقرف وزقتها لورا وهي بتكمل بمعايرة تقطع القلب:
ـ فوقي لنفسك يا حبيبتي واعرفي مقامك كويس.. أنتِ حتة بنت ملجأ، مالكيش أصل ولا فصل، واحمدي ربنا إن ابني بصلك ولمك من الشارع وكتب اسمه على اسمك! جاية تدلعي وتتهننى من أول ليلة؟ الشقة دي تتغربل وتتروق دلوقتي، وإلا وعزة جلال الله هتشوفي مني وش عمرك ما تتمنيه!
دموع زينب اللي كانت حابساها نزلت غصب عنها، بس ما نزلتش من كلام عايدة.. نزلت لما لفت عينيها بتلقائية وبصت لمحمد اللي كان واقف جنب أمه طول الوقت. كان واقف مربع إيده، وعينه ماليها البرود، مفيش في وشه أي ملامح صدمة أو اعتراض على الكلام اللي أمه قالته.
كانت فاكرة إنه هيتحرك، إنه هينطق ويقول لأمه "عيب يا أمي دي مراتي"، أو على الأقل يطلب منها تراعي تعبها.. بس محمد خيب ظنها وخزلها خذلان عمرها ما هتنساه.
قرب محمد منها خطوتين، وبص لها بنظرة استحقار وسخرية، وقال بنبرة صوت عالية هزت الحيطة:
ـ أنتِ بتبصيلي كده ليه؟ أنتِ فاكرة نفسك إيه يا بت أنتِ؟ فوقي واصحي لنفسك وبطلي دور السنيورة ده!
صوته بقى أقوى وأقسى وهو بيكمل وبيغرس السكاكين في قلبها:
ـ أنا جايبك هنا عشان تبقي تحت رجل أمي! أمي اختارتك بنفسها من وسط الكل عشان مفيش حد هيرضى باللي أنتِ هترضي بيه.. أنا جبتك هنا خدامة ليها، تخدميها برموش عينيكي وتسمعي كلامها وهي مغمضة. أنتِ هنا عشان تريحيها، مش جاية تتأمري وتعيشي دور العروسة! يالا اخلصي شوفي وراكي إيه ورجلك فوق رقبتك!
الكلام نزل على زينب زي المية المغلية، حست إن الدنيا بتلف بيها، ومبقتش سامعة غير صدى الكلمتين دول: "جبتك خدامة.. بنت ملجأ". حست إن السقف بيقع فوق دماغها، والأمل اللي دخلت بيه البيت اتهد وبقى تراب تحت رجليها.
سكتت زينب.. الصدمة لجمت لسانها، ومابقتش قادرة حتى تصرخ. الكلمات كانت بتدور في دماغها زي الإعصار، بتموت كل حتة كانت صاحية وجواها أمل. بصت لمحمد والدموع مغرقة وشها، لكن فجأة، وسط السواد ده كله، لمعت في دماغها ملامح "ماما حنان".
افتكرت حضنها الدافي الصبح وهي بتودعها، وافتكرت الكلمة اللي حنان دايماً كانت تقولها ليها: "يا زينب، قيمتك في عين نفسك هي اللي بتجبر الكل يحترمك، أوعي في يوم تسيبي حد يكسر نفسك عشان أنتِ غالية".. وافتكرت حكاية "عزة"؛ واللى حصلها لما حاولت ترضى الكل على حساب نفسها وكرامتها ، اللي وافقت من أول ليلة تتداس وتبقى خدامة عشان خايفة من لقب "بنت ملجأ"، وفي الآخر رموها في الشارع بعد ما أخدوا منها كل حاجة وصحتها راحت.
الحكايتين لفو في دماغها في ثواني، وحست بنبضة كرامة فجأة صحت جواها، نفضت عنها الخوف. مسحت دموعها بعنف، وبصت لعايدة ومحمد بثبات غريب
شالت إيد عايدة من على دراعها بقوة، وقالت بصوت قوي ومسموع:
ـ أنا مش هعمل حاجة.. الشقة دي أنا مش هلم فيها قشة واحدة دلوقتي. أنا مش خدامة يا محمد، وأنا ماليش ذنب في أهلك ولا في كركبتهم.
كلمتها نزلت على عايدة ومحمد زي الصاعقة. عايدة عينيها اتسعت من الصدمة والغل، ولفت لمحمد وصوتها علي بالردح:
ـ شفت؟ شفت السنيورة اللي لمتها من الشوارع؟ واقفه في وشي وبترد الكلمة بـ عشرة من أول ليلة! وريني هتعمل إيه مع حتة البنت دي يا محمد!
عروق محمد اتنفخت، والدم طار في عينه من الغضب. حس إن رجولته اتهزت قدام أمه. قرب من زينب بخطوات سريعة وزي الثور الهائج، ومن غير ما يدير أي حوار، رفع إيده ونزل بـ قلم قوي على وش زينب ردّ الشقة كلها صدى.
قوة الضربة رمت زينب على الأرض، حست بـ طعم الدم في بقها، وودنها بقت بتصفر. لكن محمد ما اكتفاش بكده، وطى عليها ومسكها من شعرها بكل غل، ورفع راسها لفوق وهو بيجز على سنانه:
ـ أنتِ بتعلي صوتك في بيت أمي؟ وبتقولي لاء؟! دانا هربيكي من أول وجديد يا بنت الملجأ!
زقها ناحية المطبخ وهو بيجرها من دراعها بعنف وهي بتقاوم وتصرخ، وحدفها قدام الحوض وقال بنبرة كله شر وجبروت:
ـ المواعين دي تخلص، والشقة دي تتروق، ورجلك فوق رقبتك! وإلا وعزة جلال الله ما هتشوفي ضوء الشمس تاني، وهعرفك مقامك اللي نسيتيه في المطبخ ده! يالا اخلصي
بصت له زينب وهي ع الأرض، إيدها على خدها اللي علم عليه الكرباج بتاع قلمه، والدموع نازلة بـ حرقان مع طعم الدم اللي في بقها. ورغم الوجع والجرجرة، عينيها مكنش فيها استسلام؛ كان فيها نظرة تحدي خلت محمد يتجنن أكتر.
محمد وقف فوق راسها وهو بينهج، وعينه بتلف في المطبخ يمين وشمال، وفجأة ملامحهد اتغيرت.. الغضب الأعمى اللي في وشه اتحول لـ حتة برود غريب، مخلط بـ لؤم وخوف هربان جوة عينيه. لفت دراعه وربع إيده، وبص لها بـ قرف مصطنع وقال بصوت عالي عشان أمه اللي واقفة برا تسمعه:
ـ وعشان تفوقي لنفسك وتعرفي إن الله حق.. وعقاباً ليكي على طول لسانك وقلة أدبك من أول ليلة، مش هيبقى في دخلة ولا جواز!
سكت ثانية، وبص لها بـ نظرة استحقار وهو بيكمل بـ نبرة كان بيمثل فيها الجبروت، بس كان باين فيها إنه ما صدق لقى القشة اللي هتعميه:
ـ أنا مش هقرب منك، ولا هلمسك، ولا هتبقي مراتي بجد غير لما تتربي وتعرفي يعني إيه تسمعي الكلام وتوطي راسك قدام أسيادك.. اقعي بقى في الشقة دي زي الوقف، لا أنتِ طايلة سما ولا أرض، لحد ما أشوف هتعملي إيه!
عايدة برا في الصالة سمعت الكلمتين، وزغرطت بـ غل وقالت:
ـ عفارم عليك يا واد يا محمد! تربية إيدي صحيح.. سيبها كدة زي البيت الوقف عشان تعرف إنها من غيرك ولا تسوى مليم في سوق الحريم!
وقفت الكلمات في حلق زينب، وحست إن الدنيا بتدور بيها وهي بتبص لمحمد ومش مصدقة إن في بني آدم بالقساوة دي.. كان كلامه بيقطّع في قلبها، وفي نفس الوقت صحّى جواها غضب ورفض مكنتش تعرف إنهم عندها. قامت وقفت على رجليها ببطء، مسكت حيطة المطبخ وسندت طولها، ومسحت وشها وبصت لعايدة ومحمد بـ نظرة مفيهاش نقطة استسلام واحدة.
بصت لعايدة وقالت بصوت مهزوز من الوجع بس مليان تحدي:
ـ مش هعمل حاجة يا طنط.. ومجبتش أنا اللي هتروق ولا هتحرك من مكاني. لو عايز تقعدني في البيت ده كدة اقعدني، لكن مش هكون ليكم خدامة من أول ليلة!
عايدة لما سمعت الجملة دي، وشها اتقلب ألوان، والغل عماها تماماً.. إزاي حتة بنت ملجأ ملهاش ضهر تقف في وشها وترد الكلمة بـ الكلمة في بيتها ومن أول ليلة؟ برقت عينيها بـ جنون وقربت من زينب وزعقت بـ فحيح يرعب:
ـ بقى بتتحدينا يا بت الملجأ؟ وكمان بتقلّي أدبك في بيتي؟! دانا هوريكي النجوم في عز الظهر عشان تعرفي مقامك كويس!
وفي ثانية، مدت عايدة إيدها بـ غل وعنف، وقبضت على طرحة زينب وشدتها منها بـ قوة لدرجة إن رقبة زينب اتلوت معاها لورا. زينب صرخت وبدأت تقاوم وتزق إيد عايدة عنها وهي بتحاول تخلص نفسها:
ـ سيبيني.. سيبيني بقولك! مش هتعملوا فيا كدة.. حرام عليكم!
لكن عايدة كانت زي السعرانة، بدأت تجر زينب من طرحتها وشعرها بـ كل عافيتها وتجرجرها في الصالة لـ حد باب الشقة، ومحمد واقف يتفرج ولا اتهزت فيه شعرة. زينب كانت بتقاوم بـ كل ما أوتيت من قوة، بتتشبث بـ الكراسي، بـ الحيطة، ودموعها نازلة من القهر والتعب اللي هد حيلها.
فتحت عايدة باب الشقة بـ إيدها التانية، وبـ دفعة قوية مليانة حقد، حدفت زينب برا على السلم، وزقتها لورا لدرجة إن زينب وقعت على ركبها وإيدها على البلاط الساقع، والتراب ملى فستانها، وطرحتها اتملخت في إيد عايدة وشعرها بقى متبهدل.
وقفت عايدة على عتبة الباب، وبصت لزينب اللي مرمية على الأرض بـ استعلاء ولؤم شديد.. عايدة كانت مقتنعة في دماغها المريضة إن الحركة دي هي اللي تكسر عين البنت، وتخليها تخاف من الليل وضلمة السلم وترجع زاحفة على ركبها، تبوس رجليها ورجل ابنها عشان يدخلوها الشقة وتنفذ كل اللي عايزينه.
سندت عايدة على الباب وقالت بـ صوت مليان تهديد وثقة عمياء:
ـ باتى بقى على السلم زي الكلبة كدة! وريني هتروحي فين في نصاص الليالي يا مقطوعة من شجرة! م لكيش غيرنا يلمك من الشوارع.. قدامك خمس دقائق، يا إما تدخلي وتبوسي جزمة ابني وتغسلي الشقة دي بـ دموع عينيكي، يا إما قسماً بالله هسيبك لـ برد الليل وكلاب السكك تتفرج عليكي، والصبح الفضيحة هتبقى بـ جلاجل وسط الجيران!
رزعت عايدة الباب بـ كل قوتها في وش زينب، وسابتها في ضلمة السلم وبرد الليل، وهي مأمنة تماماً إن البنت هتترعب وتخاف هتيجي تخبط على الباب وتترجاها تفتح بعد دقيقة واحدة.
تفتكروا زينب هتعمل ايه ؟؟؟
الفصل 19
وقفت زينب على السلم، جسمها بيترعش من البرد والوجع، وفستان الفرح الأبيض اللي كان المفروض يبقى رمز لبداية حياتها، بقى متبهدل ومطين من تراب السلم. كانت واقفة مكسورة، بس جواها نار قايدة.. نار كرامة مفيش قوة في الدنيا تقدر تطفّيها.
بصت لباب الشقة المقفول في وشها، وسمعت صوت ضحك عايدة المكتوم وصوت محمد وهو بيزعق وبيتحكم، فضلوا مستنيين دقيقة.. اتنين.. تلاتة.. كانوا متخيلين إنها هترجع تزحف وتخبط عليهم.
لكن زينب، اللي حست إنها ماتت جوه وهي لسه عايشة، أخدت قرارها. مسحت دموعها اللي نشفت على خدها بظهر إيدها، ورفعت راسها لفوق بـ إصرار. هي عارفة إنها لو رجعت، هتعيش "خدامة" وهتموت بالبطيء، يبقى ليه الخوف؟ والشارع أحسن ألف مرة من ذل ناس باعت ضميرها.
بدأت تنزل درجات السلم ببطء، وجع جسمها بيزيد مع كل خطوة، وفستانها بيمسح السلم
خرجت لباب العمارة، وبصت للشارع الضلمة اللي كانت بتخاف منه، حست إنها تايهة.. لا فلوس، لا موبايل، لا مكان تروح له.. بس فجأة، لمعت في دماغها فكرة
افتكرت "مدام منى"، جارتهم اللي في الدور التاني، الست الطيبة اللي كانت دايماً بتبتسم في وشها لما كانت بتيجي تفرش الشقة، والست اللي كانت دايمًا بتقول لزينب: "يا بنتي لو احتاجتي أي حاجة، أنا جنبك".
طلعت تاني بخطوات تقيلة، ووقفت قدام شقة مدام منى. إيدها كانت بتترعش وهي بتخبط.. خبطات خفيفة ومترددة.
فتحت مدام منى الباب وهي لابسة روب النوم، وشها اتغير تماماً أول ما شافت "العروسة" بالمنظر ده.. فستان مقطع، وش محتقن بالضرب، وعين مليانة دموع وقهر.
اتخضت الست وشهقت:
ـ يا ساتر يا رب! زينب؟ يا بنتي في إيه؟ إيه اللي حصل؟ وليه لابسة كدة؟
زينب مقدرتش تتكلم من شهقاتها، بس قدرت تطلع صوتها بالعافية وهي بتقول:
ـ طنط منى.. بالله عليكي.. محتاجة موبايلك.. أرجوكِ، مكالمة واحدة بس.
دخلتها مدام منى بسرعة وقفلت الباب وراها وهي بتسألها بلهفة وقلق:
ـ ادخلي يا بنتي، ادخلي يا حبيبتي، مين اللي عمل فيكي كدة؟ ده إحنا لسه سامعين صوت زعيق.. ده محمد؟
زينب مكنتش سامعة كلمة، كل اللي كان شاغل بالها هو الموبايل. مدت إيدها التانية بلهفة، وأخدت التليفون. كتبت الرقم اللي محفور في ذاكرتها.. رقم "ماما حنان". إيدها كانت بترتعش لدرجة إنها كانت هتوقع التليفون من اديها
رنت الرنة الأولى.. التانية.. التالتة.. وكل رنة كانت بتعدي عليها بـ سنة. وفجأة، رد صوت ماما حنان بصوت فيه قلق وخضة:
ـ ألو؟ مين معايا
زينب أول ما سمعت صوت حنان، مقدرتش تسيطر على نفسها، انفجرت في العياط، وقالت بـ صوت مبحوح ومكسور:
ـ ماما حنان.. أنا زينب.. تعالي خدي بنتك من هنا قبل ما أموت!
صوت حنان في التليفون كان فيه رعب وصدمة وخوف . اول ما سمعت صوت زينب المنهار
ـ "زينب؟ بنتي؟ إيه اللي بتقوليه ده؟ مين اللي عمل فيكي كده؟ ردي عليا يا زينب، إيه اللي حصل في ليلة فرحك؟"
زينب كانت بتشهق بصوت مسموع، ومش قادرة توصف لها حجم الذل اللي شافته، غير إنها كررت جملة واحدة بوجع:
ـ "تعالي يا ماما.. أنا في الشارع.. محمد وأمه طردوني.. مش عايزة أرجع.. أرجوكي تعالي."
الضغط النفسي في العربية بقى لا يُطاق، وحنان أعصابها بدأت تنهار مع كل متر بتبعده عن زينب. بصت للسواق بلهفة ورجاء، وصوتها بيترعش من القهر:
ـ "يا ابني بالله عليك، مفيش يوتيرن؟ أي فتحة نلف منها؟ البنت بتموت مني هناك، أرجوك شوف أي طريق!"
السواق بص للمراية بأسف، ووشه كان باين عليه الحيرة والتركيز، رد بصوت هادي ومحبط:
ـ "يا ست حنان والله مافيش! الطريق ده مقفول بحواجز خرسانية لمسافة طويلة عشان التصليحات، مفيش أي يوتيرن قدامنا غير بعد محطة التحصيل اللي جاية، وده لسه قدامنا وقت طويل."
حنان خبطت على إيدها بقهوة، وحست إن الدنيا بتضيق أكتر. السواد اللي في عينيها زاد، وهي لسه محبوسة في الطريق، كأن الزمن بيعاندها. بصت للساعة، الوقت بيجري
العربية ماشية في طريق السفر الضلمة، ومن جوه العربية الهدوء كان مريب. البنات، اللي كانوا لسه مأثر فيهم تعب اليوم والارتباك، بدأوا يفوقوا تدريجياً. حنان كانت قاعدة جمب السواق ، عينيها مثبتة على الطريق المظلم، وبتفرك فى اديها عشان تداري الرجفة اللي في جسمها.
واحدة من البنات اللي معاها بدأت تفرك في عينيها وبصت لحنان بقلق:
ـ "يا طنط حنان، إحنا لسه بعيد؟ أنا حاسة إني قلقانة ومش عارفة ليه، قلبي مقبوض من ساعة ما ركبنا."
التانية بصت لحنان ولاحظت شحوب وشها، وسألت بخوف:
ـ "طنط.. مالك؟ وشك مخطوف خالص، في حاجة حصلت؟ حد اتصل بيكي؟"
حنان اتجمدت مكانها، حاولت ترسم ابتسامة باهتة وهي بتداري وجع قلبها، وبصت لهم بصوت حاول يكون طبيعي:
ـ "لا يا حبايبي.. مفيش حاجة، ده بس تعب السفر وقلة النوم. ناموا أنتم وارتاحوا، الطريق لسه طويل."
بس ملامح حنان كانت بتفضحها؛ عينيها كانت بتلمع بدموع محبوسة، وإيدها اللي كانت ماسكة الموبايل بتترعش بشكل لا إرادي. السواق بص في المراية وقال بجدية:
ـ "يا ست حنان، أنا بجد محتار، الطريق كله حواجز ومافيش يوتيرن يرجعنا، لو لفيت عكس الطريق هتبقى مخاطرة كبيرة."
حنان خلاص، الصبر خلص ومعدش فيه مكان للهدوء. قلبها كان بيتقطع على زينب اللي سابتها لوحدها في مواجهة الوحوش. طلعت الموبايل بسرعة، واتصلت بزينب مرة أخيرة عشان تتطمن، ولما سمعت صوتها المكسور وعرفت إنها لسه عند الجارة، قفلت وهي بتمسح دموعها اللي غلبتها.
بسرعة البرق، وبإيد بترتعش، دورت في الأسماء وطلبت رقم "رحيم".
الرقم رن مره واتنين وتلاته لحد ما رحيم رد بصوت نعسان
ـ "ألو.. يا ست حنان؟ خير، في حاجة حصلت؟
حنان مقدرتش تسيطر على أعصابها، وانفجرت في البكاء وهي بتقول بنبرة مكسورة:
ـ "رحيم.. الحقني.. الحق زينب! محمد وأمه طردوها في الشارع، والبت لوحدها ومبهدلة عند جارتها، وأنا في طريق السفر والسواق بيقول مفيش يوتيرن وأنا مكتوفة الإيدين.. يا رحيم البنت ضاعت مني، أمانة عليك تروح لها، متخليش حد يقرب منها لحد ما أوصل!"
ـ "بتقولي إيه؟ طردوها؟ ليلة فرحها؟! اسمعيني يا ست حنان، انسي كل حاجة، اقفلي دلوقتي، وزينب في رقبتي لحد ما أوصل."
قفل رحيم المكالمة، وحنان حست إن فيه جبل انزاح عن صدرها، بس الخوف على اللي ممكن يعمله رحيم كان لسه موجود. البنات في العربية بقوا باصين لها بصمت مريب، مستنيين يفهموا إيه اللي حصل، وحنان مش قادرة تنطق بكلمة، بس نظرتها كانت بتقول إن اللي جاي مش عادي.
قفل رحيم مع حنان واتصل على السواق والرجل اللى بعته قبل كده عشان يسال عن محمد فى المنطقة اللى ساكن فيها وطلب منهم يقابلهم عشان يوصلوه وفعلا خلال ربع ساعه قابلهم واخدوه عند البيت وبعدها اتصل رحيم بحنان عشان يطمنها وياخد منها رقم جارتهم اللى زينب قاعده عندهم
ردت حنان بسرعة وهي بتلهث من القلق:
ـ "ألو.. يا رحيم؟ عملت إيه؟ طمني يا ابني!"
رحيم رد بنبرة تقيلة ومطمنة:
ـ "اطمني يا ست حنان، أنا وصلت العمارة ومعايا الرجالة.. اديني رقم الجارة اللي زينب قاعدة عندها دلوقتي، عشان أطلع أجيبها
حنان، وهي بتتنفس الصعداء وبتحاول تسيطر على رجفة إيدها، أدته الرقم. رحيم سجل الرقم ، وقفل معاها، ووقف قدام العمارة بيبص للدور اللي فيه الأنوار منورة، وعيونه كانت بتبرق بوعيد شديد للبيت اللي فوق.
طلع رحيم على السلم هو ورجالته، خطواتهم كانت تقيلة ومسموعة في العمارة كلها، زي دقات طبول الحرب. وصل قدام شقة الجارة، وضرب خبطتين تقال على الباب. مدام منى فتحت وبصت وراها لزينب اللي كانت قاعدة بتترعش، وبمجرد ما شافت رحيم وهيبته ورجالته وراه، فهمت إنه ده رحبم اللي حنان كانت بتكلمه عنه.
رحيم بصلها بصه كلها طمأنة وقال بصوت واطي ومحترم:
ـ "يا مدام ، أنا رحيم.. جيت عشان آخد زينب وارجعها بيتها
زينب قامت بضعف وهي ماسكة في طرف طرحتها المتبهدلة، عيونها كانت مليانة دموع،
. رحيم ما اتكلمش كتير، بس إشار لرجاله يسبقوه، وخد زينب بوقار، نزل بيها من العمارة من غير ما يبص حتى ناحية باب شقة محمد، وكأن محمد وأمه مش موجودين أصلاً في حساباته دلوقتي.
ركبها ، وبعد ما اتطمن إنها بخير، طلع تليفونه واتصل بحنان.
حنان ردت في أول رنة، صوتها كان ميت من الرعب:
ـ "رحيم؟! زينب؟ طمني يا ابني، حصل إيه؟"
رحيم اتكلم بصوت هادي ورزين يطمنها:
ـ "اهدي يا ست حنان.. زينب معايا في العربية وفي أمان، ولا شعرة منها اتأذت. ارجعي أنتِ مع البنات للدار، وبكرة لما الأمور تهدى لينا كلام تاني ونشوف هنعمل إيه. ارتاحي يا ست حنان، بنتك في عينيا."
قفل رحيم المكالمة، وبص لزينب اللي كانت ساندة راسها على إزاز العربية وبتنهج من القهر والوجع. العربيات بدأت تتحرك بيهم بهدوء في شوارع الفجر الهادية، بعيداً عن كابوس بيت محمد.
السكون كان هو اللي مسيطر في العربية، مفيش غير صوت أنفاس زينب اللي بدأت تهدى شوية بشوية، كأن جسمها بدأ يصدق إنها خلاص بعدت عن كابوس ليلة الفرح. رحيم كان بيسوق بهدوء، عينيه مركزة في الطريق، بس كل شوية يبص في المراية، نظراته كانت خليط بين غضب مكتوم من اللي حصل للبنت، ومسؤولية كبيرة حس إنها بقت في رقبته.
مع الوقت، التعب والإرهاق النفسي بدأوا ياكلوا في زينب، وعنيها اللي ورمت من العياط تقلت، ومقدرتش تقاوم.. استسلمت للنوم من كتر الوجع. العربية فضلت ماشية لحد ما بدأت تظهر قدامهم أسوار القصر العالي.
ركن رحيم العربية قدام بوابة القصر. بص لزينب اللي كانت غرقانة في النوم، ووشها رغم السكينة اللي فيه، لسه مرسوم عليه وجع الساعات اللي فاتت. مكنش عايز يصحّيها بفزع، فمال عليها بجسمه وبالراحة قال بصوت واطي ومطمن:
ـ "زينب.. يا زينب، اصحي .. وصلنا. اطمني، إحنا في أمان."
زينب فتحت عينيها ، بصت حواليها وهي تايهة ومصدومة، ولما استوعبت اللي حصل، جسمها اتشنج. رحيم حس بـ خوفها، وقالها بنبرة واثقة:
ـ "محدش في الدنيا يقدر يلمسك هنا. انزلي، القصر ده بيتك من اللحظة دي لحد ما نشوف هنعمل إيه."
نزلت زينب من العربية . الخدم كانوا مستنيين، والكل كان بيتعامل باحترام شديد حسب تعليمات رحيم. نادى رحيم على واحدة من الخدم اللي بيثق فيهم، وقالها بصوت فيه حزم وحنية:
ـ "خدي الأستاذة زينب لجناح الضيوف، جهزي لها لبس نضيف ومريح، وهاتي لها حاجة دافية تشربها، وتأكدي إنها تاخد راحتها تماماً.. وممنوع أي حد يزعجها."
زينب مشيت مع الخادمة، كانت ماشية بخطوات تقيلة، كأنها شايلة فوق كتافها حمل السنين. قبل ما تختفي من قدامه، بصت لرحيم اللي كان واقف بيراقبها وعنيه كلها حماية، ومقدرتش تنطق بكلمة، اكتفت بإيماءة شكر مكسورة.
دخلت الجناح، وبمجرد ما خلعت فستان الفرح اللي بقى شاهد على ذلها، حست إن جسمها خلاص بيفصل. لبست الهدوم اللي جابتها الخادمة، ورمت نفسها على السرير الكبير، وفي ثانية، غابت عن الدنيا ودخلت في نوم عميق، كانت محتاجة له عشان تهرب من الواقع اللي لسه مش قادرة تستوعبه.
أما رحيم، ففضل واقف في بلكونة جناحه، باصص للسما، إيده ورا ظهره، ودماغه بتغلي. مكنش بيفكر بس في إزاي يرجع لزينب حقها،
وزينب دخلت اوضه الضيوف وغلبها النوم عن أى حاجة تانيه
بس متعرفش إن القدر ليه رأى تانى
ـ ياترى مصير زينب ايه فى قصر رحيم ؟؟
وهل زينب هتقبل بماصيرها وترحع الملجأ زى عزه ولا ليها رأى تانى
لو التفاعل حلو هنزل كل يوم طول ما التفاعل ضعيف هنزل يوم ويوم
العشرين من هنا
الفصل 20
رحيم صحي بدري، زى عادته أخد نفس طويل، وطلع تليفونه وطلب رقم حنان عشان يطمنها.
حنان ردت على طول، صوتها باين فيه إنها منمتش دقيقة:
ـ ألو.. إيوه يا رحيم بيه ؟ طمني، زينب عاملة إيه دلوقتي؟
رحيم رد بصوت هادي ومطمن:
ـ صباح الخير يا ست حنان. اهدي خالص، زينب نايمة سبيها لما تصحى لوحدها . أنا كلمتك عشان أقولك متقلقيش واطمني عليها خالص.
حنان بتنهيدة ارتياح:
ـ الحمد لله رب العالمين.. ربنا يجبر بخاطرك يا ابني ويهدي سرك. أنا بالي مشغول ومش عارفة أعمل إيه.
رحيم كمل بجدية:
ـ أنا محتاج بس أقعد معاها الأول لما تصحى، وأتكلم معاها على روقان عشان أعرف كل اللي حصل بالتفاصيل من أوله لآخره، عشان لما أتحرك وأتصرف أبقى فاهم راسي من رجلي.
حنان:
ـ انا مش عايزه اتعبك اكتر من كده كفايه انى قلقوك امبارح.
رحيم:
ـ لا مافيش تعب ولا حاجه الموضوع بسيط بإذن الله ، ولما تخلص وتتحسن وتطلب ترجع وتاني الدار، أنا هبعتلهالك فى عربية مخصوص من عندي توصلها لحد عندك معززة مكرمة.
حنان حست إن جبل انزاح من على صدرها، وأعصابها بدأت تهدى وتطمن بعد كلامه:
ـ تسلم يا رحيم بيه. كتر خيرك، أنا كدة ارتحت.
ـ الشغل ده شغلي يا ست حنان، يلا اسيبك ترتاحي. سلام.
رحيم قفل مع حنان، وقعد في مكتبه. فتح اللاب توب وبدأ يتابع الإيميلات وشغل الشركات بتاعته، وعينه مركزة في الأرقام والتقارير، بس دماغه كانت لسه بتفكر في حكاية زينب واللي حصل معاها.
على الظهر كدة، زينب صحيت. فتحت عينيها وبصت حواليها وهي لسه بتحاول تستوعب المكان. قامت بتعب، وغسلت وشها.
في نفس الوقت، رحيم نادى على الشغالة وقالها بالحرف:
ـ جهزي فطار كويس للأستاذة زينب وطلّعيه ليها الجناح، وقوليلها لما تخلص فطار وترتاح، أنا مستنيها في المكتب عشان عايز أتكلم معاها.
الشغالة طلعت لزينب وفطرتها، وبلغتها بكلام رحيم بيه. زينب خلصت فطارها، ولمت نفسها، وطلعت من الجناح وهي متوترة، وراحت ناحية المكتب.. خبطت الباب، ورحيم قالها:
ـ ادخلي يا زينب.
دخلت زينب المكتب، عينيها في الأرض وإيدها بتفرك في طرف الطرحة، التوتر كان واضح على ملامحها.
رحيم كان قاعد ورا المكتب، عيونه مركزة عليها بحدة من غير كلام، شاور لها على الكرسي بإيده من غير ما يقطع سكوتة. وقبل ما زينب تنطق بكلمة، رحيم بص للشغالة اللي واقفة في زاوية المكتب وقال بصوت حازم:
ـ "اعملي لها عصير لمون..."
خرجت الشغالة وقفلت الباب وراها بهدوء، ليخيم على المكتب صمت تقيل ما يقطعهوش غير صوت عقارب الساعة اللي بيعلن إن الوقت فات.
رحيم اتعدل في قعدته، وشد الكرسي لقدام شوية، حط كوعه على المكتب، وشبك إيديه ببعض ببطء، وعيونه ما نزلتش من على زينب للحظة. نظراته كانت فاحصة، حازمة، وبتحاول تلمس الحقيقة اللي ورا وشها الشاحب.
زينب كانت واقفة زي التايهة، بتحاول تاخد نفسها وتتحكم في رفة جفنها، حست إن المكان ضيق عليها، وإن وجود رحيم بهيبته دي أصعب من أي شيطان واجهته امبارح.
رحيم بلهجة هادية بس حاده ، كسر السكوت:
ـ اقعدي يا زينب.. مافيش داعي للوقفة دي، أنا مش قاضي ولا محقق، أنا عايز أفهم الصورة كاملة عشان أعرف أحميكي.
زينب قعدت على طرف الكرسي، وإيدها بتعصر في بعضها، وشفايفها كانت بتترعش قبل ما تنطق.
رحيم مَالَ بجسمه ناحيتها أكتر، وكمل بنفس النبرة الجادة:
ـ اتكلمى .. أنا سامعك، ومن اللحظة اللي دخلتي فيها الشقه ، عايز أعرف كل تفصيلة، مهما كانت صغيرة أو شايفاها مش مهمة.. اتكلمي يا زينب، احكي لي اللي حصل بالتفصيل.
سكت رحيم، وساب مساحة لزينب عشان تبدأ تطلع اللي جواها، في حين عيونه كانت مستنية أي رد فعل،
زينب بلعت ريقها بصعوبة، وخدت نفس طويل كأنه بيطلع من روحها المحبوسة، وبدأت تتكلم وصوتها بيتقطع:
ـ "يا رحيم بيه.. أنا رحت قبل الفرح بيومين، فرشت الشقة، وفرشت اوضه النوم والمطبخ ، وعملت أكل يكفي جيش، تعبت في كل ركن فيها عشان أبيض وشهم قدام الضيوف، وعشان أبدأ حياتي صح."
سكتت لحظة، دموعها بدأت تلمع في عينيها، وكملت بصوت مبحوح:
ـ "يوم الفرح.. دخلت الشقة اتصدمت من اللى شوفته. الأكل اللي عملته كله خلص، كأنهم كانوا عازمين نص البلد عليه، والشقة... الشقة كانت مقلوبة فوقاني تحتاني الشقه اللى فرشتها انا والبنات ، مفيش حتة نضيفة، حتى أوضة النوم ، لقيتها مبهدلة، الملايات مكركبه ومستخدمنها والفوط منعكشه والهدوم على الارض
رحيم كان بيسمعها ووشه ثابت، زي الصخر، بس عيونه كانت بتلمع بغضب مكتوم. زينب مسحت دموعها بطرف طرحتها، وكملت بوجع:
ـ "حماتي دخلت عليا، ومن غير ما حتى تبارك لي، رمت في وشي فوطة وقالت لي 'قومي نضفي مكان الضيوف قبل ما تنامى قلت لها يا خالتى أنا ميتة من التعب، ومن الطريق، والبيت كان زي الفل..
قالتلى الناس بهدلوا ودورك تلمى وراهم يعنى هنسيب الشقه كده
زينب سكتت فجأة، شهقة خرجت منها غصب عنها، وبدأت تعيط بحرقة، كأن الذكرى دي سكاكين بتنهش في قلبها. رحيم فضل ساكت، مديها فرصة تطلع اللي جواها، بس ملامحه اتصلبت أكتر.
زينب بصت في الأرض، وقالت بصوت واطي ومكسور:
ـ "قالوا لي كلام... كلام يوجع يا رحيم بيه. قالوا لي 'إحنا جبناكي من الملجأ خدامة، لا ليكي أصل ولا فصل، يبقى تتعدلي وتسمعي الكلام من غير نقاش ، وإلا الشارع أولى بيكي من بيتنا'."
ولما رفضت شدونى من الطرحه ورمونى على السلم
خيم الصمت على المكتب تاني، بس المرة دي كان تقيل ومحمل بمرارة ما تتوصَفش. رحيم اتنهد تنهيدة طويلة، وفك تشبيكة إيديه، وبص لزينب وقالها بهدوء
ـ أهدى يا زينب وحقك هيجيلك اجبلك عربيه دلوقتي ترجعك الملجأ وانا
لسه هيكمل كلامه زينب قاطعته
رحيم سحب منديل من علبة المناديل اللي على المكتب وناولهولها بهدوء، صوته كان أهدى بكتير من الأول، فيه نبرة حماية واضحة:
ـ "أهدي يا زينب، امسحي دموعك دي.. حقك هيجيلك، وأنا مش هسيب حد يغلط فيكي ولا يكسر خاطرك. أنا مجهزلك عربية دلوقتي هترجعك الملجأ بتاعك، وهناك ارتاحي وأنا هعرف أتصرف مع الناس دي."
قبل ما رحيم يكمل باقي كلامه عن الترتيبات، زينب فجأة رفعت راسها، وعينيها اللي كانت غرقانة دموع لمعت برفض قاطع، قاطعته وهي بتنفض إيدها بحركة عصبية:
ـ "لا.. مش هرجع الملجأ يا رحيم بيه."
رحيم استغرب رد فعلها، ورفع حاجبه باستفهام:
ـ "ليه يا زينب؟ ده المكان اللي انتى عيشتى عمرك فيه .
زينب سكتت للحظة، شريط ذكريات سريع عدّى قدام عينيها.. افتكرت "عزة"، صاحبتها اللي رجعت الملجأ وهي مكسورة ومنهارة، وإزاي الناس هناك بقت تبصلها بشفقة مسمومة، وكلام الناس اللي مبيخلصش:
ياترى لو انا رجعت تانى يوم جواز الناس هتقول "يا ترى فيها إيه؟ يا ترى عملت إيه عشان تترمي تاني يوم جواز؟".
هزت راسها بعنف وهي بتنفي الفكرة، ودموعها زادت وهي بتبص لرحيم بوجع:
ـ "مش عايزة أرجع أكون زي عزة.. مش عايزة أرجع والناس تبص لي بشفقة وتقول 'رجعت الملجأ تاني يوم جوازها ياترى فيها ايه ووقتها الكلام هيطول باقى البنات ويشككوا فى اخلاقهم '. مش عايزة أرجع أعيش في حيطة سد، أنا عايزة أعيش، عايزة أشتغل، عايزة أثبت لنفسي وللدنيا كلها إني ليّ قيمة.. لو رجعت هناك، هبقى قضيت على نفسي بيدي، والناس مش هترحمني بلسانها."
زينب قامت وقفت بضعف، بس كان فيه إصرار في وقفتها، وكملت بصوت واطي:
ـ "أنا مش عايزه اسمع كلمه معيوبه اللى ممك تتقال لما ارجع وانى ممكن اشبهه بنات الدار .
ـ بس انتى ماعملتيش حاجه
ـ إحنا عايشين فى فلاحين يعنى الناس فى حياتك اكتر منك ومش هيصدقوا يمكن عندكم هنا عادى انما هناك لا
رحيم اتسند بضهره على الكرسي، وربّع إيديه وهو بيراقبها بنظرة تقدير ممزوجة بحيرة. ملامحه اللي كانت حادة بدأت تلين، وبان عليه إنه بدأ يحترم قوتها اللي ظهرت فجأة وسط انكسارها.
زينب مسحت عيونها بطرف صوابعها، وكملت كلامها بلهجة فيها رجاء وإصرار:
ـ "أنا عارفة ومقدرة جداً موقفك يا رحيم بيه، وعارفة إن قعدتي هنا لا تجوز ولا تنفع.. لا أنت ينفع تفضل مستضيفني، ولا أنا ينفع أقبل ده. بس أنا بطلب منك خدمة واحدة، مش عايزة مساعدة مادية، أنا عايزة 'طريق'.. ممكن تخلي حد من رجالتك يشوف لي أوضة صغيرة، أي مكان أستر فيه نفسي؟"
أخدت نفس عميق وتابعت:
ـ "ممكن أشتغل في حضانة، عيادة، أي مكان.. أنا متعلمة وشاطرة وهعرف أثبت نفسي. كل اللي محتاجاه منك بس إنك تأمن لي بداية، وأنا هكمل.. مش عايزة أرجع الملجأ تاني، مش عايزة أدخله إلا وأنا ناجحة وواقفة على رجلي، عشان لما حد يسألني 'إيه اللي حصل؟'، أقدر أرفع راسي وأقولهم أنا اللي مشيت لأني كنت أستاهل حياة أحسن من اللي كانوا راسمينهالي."
رحيم سكت ثواني طويلة، كان بيدرس ملامحها المرة دي بنظرة مختلفة، نظرة حد بيحط خطة مش مجرد بيسمع شكوى. نزل إيده من على المكتب، وبص لها بجدية وقال:
ـ "يعني إنتي واخدة قرارك؟ وعارفة إن الدنيا بره دي ذئاب، ومحدش بيرحم حد؟"
زينب هزت راسها بـ "أيوة" قاطعة، وصوتها طلع بثبات لأول مرة:
ـ "الذئاب اللي بره أرحم بكتير من اللي بيكسروا فيك وأنت جوه بيتك.. أنا مستعدة لأي حاجة يا رحيم بيه، بس المهم.. إني أخرج من هنا على حياة تانية، مش على ذكريات توجعني."
رحيم قام من مكانه ولف وشه ناحية الشباك، بص للشارع شوية، وبعدين رجع بص لزينب وقال بصوت حازم:
ـ "تمام يا زينب.. بما إنك اخترتي طريقك، فـ أنا مش هقف في طريقك
رحيم سكت، وبدأ يفرك دقنه بإيده وهو بيفكر في "زينب" وفي ابنه اللي محتاج حد أمين يتابع مذاكرته وياخد باله منه في غيابه. الفكرة لاحت في عقله، وبص لزينب بتركيز، كأنه بيوزن كلامه قبل ما ينطقه:
ـ "بصي يا زينب، أنا عندي فكرة.. مؤقتة لحد ما الأمور تتظبط. ابني محتاج حد متابع معاه المذاكرة، حد أمين ياخد باله منه ويكون موجود في البيت، وشغلة زي دي في البيت عندي أضمن ليكي من أي مكان تاني دلوقتي، وأهو منها تشتغلي ومنها تبعدي عن وش الناس."
زينب بَصتله باهتمام، فكمل هو بشرح عملي:
ـ "في ملحق ورا الفيلا، ده مكان مخصص للي بيشتغلوا هنا، هجهزهولك وأفرشهولك بحيث يكون ليكي خصوصيتك التامة، لا حد يضايقك ولا حد يعرفك. تشتغلي 'دادة' ومربية لابني، لحد ما ألاقي لك الفرصة المناسبة بره، وتكوني وقفتي على رجلك."
زينب حست ببارقة أمل، الفكرة كانت طوق نجاة، مكان أمان وشغل في نفس الوقت، بعيد عن أعين الناس وكلامهم. ردت عليه بصوت فيه رجاء:
ـ "موافقة يا رحيم بيه، وكتر خيرك إنك فكرت فيا.. بس عندي طلب صغير، خايفة على 'ماما حنان'. هتقلك عليه وممكن ترفص ، ومش عايزة أقلقها أو تفتكر إني رميت نفسي في التهلكة."
سكتت لحظة، وعيونها اتملت دمعة تانية، بس المرة دي دمعة خوف عليها مش على نفسها:
ـ "لو ممكن.. تساعدني وتقنعها؟ فهمها إني بخير، وإني بشتغل وببني مستقبلي، وإن ده قراري عشان أعيش بكرامة. هي لو سمعت منك، هتطمن ، وأنا واثقة في حضرتك."
رحيم هز راسه بالموافقة، ونظراته كانت بتوحي إنه قَبِل المهمة:
ـ "متقلقيش من دي.. هعرف أطمنها كويس، وهخليها هي اللي تدعي لك لما تشوفك ناجحة. اعتبري الموضوع منتهي، جهزي نفسك، والنهاردة هبعت حد يوضب لك الملحق."
ملامح زينب اتغيرت تماماً؛ النظرة المنكسرة اتحولت لبريق أمل، وابتسامة خجولة بدأت ترسم طريقها على وشها لأول مرة من وقت ما دخلت البيت.
رحيم لاحظ التحول ده، ملامحه لانت أكتر، وابتسم ابتسامة خفيفة وهو بيقوم من مكانه:
ـ "خلاص اتفقنا.. اعتبري دي صفحة جديدة."
دق على الجرس اللي جنبه، ودخل الخادم. رحيم أمره :
ـ "بلغ 'مالك ' يجيلي المكتب انا مستنيه
دقايق ودخل ولد صغير، عيونه ذكية بس باين عليه إنه زهقان من الروتين. رحيم شاورله يقرب، وقال لزينب
ـ "زينب.. ده ياسين، ابني. ياسين، دي زينب، هي اللي هتهتم بيك وتساعدك في دروسك من هنا ورايح."
ياسين بص لزينب بفضول طفولي، وزينب نزلت لمستواه وابتسمت له بصدق، فالولد اطمن لها وبدأ يشدها من إيدها بحماس:
ـ "تعالي يا زينب، أنا عندي ألعاب كتير فوق، بس مفيش حد بيلعب معايا.. بابا دايماً مشغول!"
رحيم بص لهم وهما خارجين، وضحكة خفيفة هربت منه وهو بيشوف زينب بتتحرك مع ياسين بتلقائية.
في أوضة الألعاب، الدنيا كانت عالم تاني. زينب وقفت مبهورة؛ الرفوف مليانة ألعاب حديثة، عربيات بتتحكم بالريموت، بازل، ومكعبات. ملامحها اتغيرت وبقت زي طفلة شافت الجنة لأول مرة، نسيت كل الهموم اللي حكت عنها من دقايق.
قعدت على الأرض مع ياسين، بدأت تمسك الألعاب وتجربها بضحكة طالعة من القلب، وعيونها بتلمع ببهجة حقيقية. مالك كان فرحان جداً إن لقى حد يشاركه لعبه، وزينب لقت في اللحظة دي مهرب من وجعها، كأنها بتسترد طفولتها اللي اتسرقت منها في دوامة المشاكل.
رحيم كان واقف عند باب الأوضة، بيراقب المشهد بصمت،
سابهم ودخل الاوضه بتاعته واتصل بحنان
ياترى حنان هتوافق على الوضع ده ؟؟
وانتوا رايكم زينب تكمل هدفها ولا ترجع بلدها ؟؟