تحميل رواية الأخطبوط بقلم أماني سيد pdf
بقلم أماني سيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عارفه يا نبويه انا نفسى اجوز ابنى لبنت مايكنش ليها حد يسأل عنها عايزه واحده تبقى زى الخاتم فى صباعى اقول يمين تبقى يمين شمال تبقى شمال عايزه واحده كده تبقى خدامه تحت رجليا وتسمع كلامى ومحدش يقولى انتى بتعملى ايه يا امنيه حياتى يا نبويه بس للاسف كل اللى رحنا اتقدمنا ليهم عنيهم تدب فيها رصاصه وقال ايه رافضيين يعيشوا معايا عايزين شقه منفصله ... وانا ابنى غلبان اخاف اجوزه واحده تضحك عليه لازم يقعد معايا عشان اخلى باله منه لحسن مراته تركب عليه وتدلدل واللى يقولك الحل يا عايده تديله ايه إيه ده انتى تع...
الفصل 21
رحيم مسك موبايله، وطلب رقم حنان. استنى ثواني، ولما سمع صوتها الملهوف في الناحية التانية، اتكلم بنبرة واثقة ومطمئنة:
ـ ألو، يا ست حنان إزاي حالك النهاردة؟
ـ رحيم بيه! والله يا ابني قلبي واكلني على زينب، مش عارفة نامت ولا لأ، ولا كلت حاجة ولا لأ.. طمني بالله عليك، هي لسه عندك؟
رحيم اتنهد ، وبدأ يرسم كلامه عشان يهديها ويقنعها في نفس الوقت:
ـ يا ست حنان، زينب بخير، وزي الفل.. وأنا كنت بكلمك عشان أقولك إننا قعدنا سوا واتكلمنا، وزينب طلعت إنسانة عاقلة جداً وعندها طموح إنها تبني نفسها بعيد عن أي وجع قلب. هي مش عايزة ترجع البلد دلوقتي، ومش عايزة ترجع الملجأ، وقررت إنها تبدأ حياة جديدة، وأنا الحقيقة لقيت عندها إصرار يخليني أساعدها.
حنان بخوف وتردد:
ـ يعني إيه يا رحيم بيه؟ طب هتروح فين؟ وأنا هطمن عليها إزاي وهي بعيدة عني؟
رحيم كمل بهدوء:
ـ هي هتكون في أمان، في مكان تبعي ومحمي، وهتشتغل هنا في الفيلا، مسؤولة عن ابني "ياسين" ومذاكرته. يعني هتكون في بيتي، قدام عيني، وفي مكان مجهز ومحترم. لا حد هيقدر يضايقها، ولا حد هيعرف يوصلها، وهتكون بتعتمد على نفسها . أنا مش بطلب منك غير إنك تظيها فرصه وأوعدك إني هكون بمقام أخوها الكبير، ومحدش هيقدر يمس شعرة منها.
سكتت حنان لحظة، كان واضح إنها بتفكر في كلامه، وبعدين قالت بصوت مخنوق:
ـ يعني هي اللي اختارت كدة يا رحيم بيه؟
ـ أيوة يا ست حنان، ده قرارها.. وهي شافت إن ده الطريق الوحيد اللي يحفظ كرامتها، وأنا شايف إنها فعلاً ذكية ومحتاجة فرصة. وافقي يا ست حنان عشان خاطرها، عشان هي محتاجة دعمك وتشجيعك مش قلقك عليها.
حنان اتنهدت تنهيدة طويلة:
ـ ربنا يبارك فيك ويجعله في ميزان حسناتك.. خلاص يا رحيم بيه، أنا تحت أمرك، .. بس أمانة عليك، خلى بالك منها. وخليها تكلمنى تطمنى عليها
ـ حاضر هبعتلها تليفون واخليكى تكلميها براحتك
قفل رحيم المكالمة، وحس براحة إنه قدر يسيطر على الموقف. بس في نفس الوقت، كان في باله ألف فكرة وفكرة للي جاي
في الوقت ده، زينب كانت لسه قاعدة مع ياسين في أوضة الألعاب، بس فجأة دخلت عليها الشغاله كان في إيدها ظرف كبير وشنطة صغيرة فيها شوية حاجات شخصية.
الشغاله بصت لزينب بجدية:
ـ أستاذة زينب، رحيم بيه أمرني أجهز الملحق اللي ورا الفيلا، وده مفتاح الأوضة، ودي شوية حاجات أساسية طلبتها ليكي عشان تستقري. الملحق منفصل تماماً، وفيه كل اللي تحتاجيه.
زينب وقفت، وأخدت منه الحاجات بإمتنان:
ـ متشكرة جداً .
ـ رحيم بيه مهتم جداً إنك تكوني مرتاحة،
ـ أنا عارفة، ومستعدة لكل حاجة.
بعد ما الشغاله خرجت ، زينب بدأت تلم حاجاتها وتطلع للملحق. دخلت المكان، كان بسيط بس نضيف جداً ومريح. قعدت على السرير، وبصت للسقف وهي بتفكر في اللي فات واللي جاي. هي فعلاً خدت طريقها، بس السؤال اللي كان شاغلها هل فعلاً رحيم هيقدر يحميها من محمد وهتقدر تجيب حقها وهل هى عايزه تكمل مع محمد ولا خلاص كده
زينب قعدت على السرير، الملحق كان هادي بشكل مريب، صوت نبضات قلبها كان أعلى من أي صوت تاني. بدأت تفتش في الشنطة اللي بعتهالها رحيم، لقت موبايل جديد وشريحة، فتحته وبدأت تتأمل الشاشة، وكأنها بتفكر في "محمد".
الاسم ده لوحده كان بيخلي جسمها يقشعر. افتكرت "محمد" وهو بيقولها ببرود: "إحنا جبناكي من الملجأ خدامة". الكلمة دي لسه بترن في ودانها زي جرس إنذار. هل هي عايزة تكمل معاه؟ هل كان فيه ذرة حب أصلاً؟ ولا كانت مخدوعة في صورة وهمية رسمتها لنفسها عن "بيت" و"عيلة"؟
وفجأة الموبايل الجديد اللي رحيم سابهولها بدأ يرن. زينب اتوترت في البداية، وبصت للشاشة لقيت اسم رحيم
ردت بسرعة وهي بتحاول تضبط نبرة صوتها:
ـ ألو.. أيوه يا رحيم بيه؟
صوت رحيم جه هادي ومطمئن من الناحية التانية:
ـ أيوة يا زينب.. يا رب تكوني ارتحتي شوية في مكانك الجديد. أنا كنت بكلمك عشان أقولك إني وفرتلك التليفون ده ، تقدري دلوقتي تكلمي ست حنان وتطمنيها عليكي براحتك وماتقلقيش انا كلمتها وهى وافقت على طلبك . هة عايزه تطمن عليكى عشان بالها مشغول عليكي، فخليها تسمع صوتك عشان تهدا.
زينب حسّت بدموع الفرحة في عينيها، صوت رحيم كان فيه حنية الأب والأخ اللي عمرها ما حستها.
ـ ربنا يخليك يا رحيم بيه.. بجد مش عارفة أقولك إيه، ده أحسن خبر سمعته النهاردة.
رحيم كمل بنبرة واثقة:
ـ ما تقوليش حاجة، ده واجبي. خدي وقتك في الكلام معاها، ولو احتاجتي أي حاجة تانية، تليفوني معاكي، أنا موجود.
قفل رحيم، وزينب فوراً طلبت رقم حنان. الرنة ما كملتش، وحنان ردت بصوت ملهوف:
ـ ألو؟ مين؟
زينب بصوت مخنوق من التأثر:
ـ أنا يا ماما.. أنا زينب.
صرخة فرحة مكتومة طلعت من حنان:
ـ زينب! يا بنتي.. يا حبيبة قلبي، طمنيني عليكي؟ إنتي فين؟ عملوا فيكي إيه؟
زينب بدأت تحكيلها بهدوء عن مكانها الجديد، وعن رحيم اللي وقف جنبها وحماها، وعن "مالك " الصغير اللي بدأت تحبه. حنان، وهي بتسمعها، حست إن الحمل اللي كان على قلبها بدأ ينزاح.
بعد المكالمة، زينب قعدت على السرير، وبصت للسقف وهي حاسة بنوع جديد من الأمان. لأول مرة، مكنتش خايفة من المجهول، بالعكس، حست إن رحيم فتح لها باب مش بس للسكن، ده باب للحياة من جديد.
لكن، في وسط هدوئها ده، هل يا ترى "محمد" هيسكت؟ وهل وجود زينب في بيت رحيم هيفضل سر، ولا الأخطبوط هيبدأ يحرك دراعاته عشان يوصل لها من تاني؟
رحيم كان بيتحرك بهدوء "الأخطبوط" الحقيقي؛ ما بيسيبش خيط إلا لما يمسك أوله وآخره. بعد ما اطمأن إن زينب بقت في مكانها الآمن وبدأت تطمن حنان، قعد في مكتبه، اللاب توب قدامه مفتوح، وشاشة المكتب مليانة ملفات وتقارير طبية.
خالد، ذراعه اليمين، كان واقف قدامه وبيديله التقرير النهائي اللي جابه من "المستشفى" اللي كان بيتعالج فيها محمد بعد الحادثة اللي حصلتله قبل الجواز بفترة:
ـ "كل حاجة موثقة يا رحيم بيه. التقارير الطبية، وحتى التشخيص النفسي والبدني. محمد فعلاً كان بيعاني من إصابات بالغة أثرت عليه بشكل كامل، والتقارير بتأكد إنه في وضعه الحالي لا يصلح للزواج أو الإنجاب."
رحيم بص للتقرير ببرود، ملامحه ما اتغيرتش، بس عينيه كانت بتلمع بنظرة انتصار حازم. مسك موبايله، وفتح رقم محمد، وبدأ يكتب الرسالة اللي هتقلب حياة محمد رأساً على عقب.
ما كتبش كتير، كان عارف إن "الضربة" لما تكون في الصميم، مش محتاجة مقدمات. أرفق صور التحاليل والتقارير الطبية الموثقة بختم المستشفى، وكتب تحتها رسالة واحدة بس:
"الستر اللي ربنا ستره عليك، إنت اللي خسرته لما فكرت تمد إيدك على واحدة مالهاش ضهر.. دي تقاريرك الطبية يا محمد، اللي بتثبت إنك 'لا تصلح للزواج' من قبل ما تتجوز زينب او تخطبها . فكر كويس.. لو الناس في شارعكم عرفوا الحقيقة دي، وعرفوا إن ظلمك للبنت كان مجرد غطاء على عجزك، تفتكر شكلك هيكون ايه ؟ ومين اللي سيرته هتبقى على كل لسان؟ فكر قبل ما تتحرك، لأن المرة دي، 'انا اللى هقفلك
رحيم ضغط على زر الإرسال، ورمى الموبايل على المكتب. قام وقف وبص من إزاز المكتب الكبير، كان بيتخيل حالة الرعب اللي هتصيب محمد لما يشوف الرسالة دي.
في الناحية التانية، محمد كان قاعد مع أمه، التليفون ادى اشعار ، وبمجرد ما عينيه وقعت على الصور والكلمات، وشه اتخطف وبقى أبيض زي الميت. إيده بدأت ترتعش والموبايل وقع منه، ونظرة الخوف اللي في عينيه كانت بتقول كل حاجة. امه بصتله باستغراب:
ـ "في إيه يا محمد؟ مالك يا ابني؟"
محمد ما عرفش ينطق، كان حاسس إن الأرض بتتشق تحت رجله. كان عارف إن لو الخبر ده اتسرب، حياته انتهت كان واقف بيتخيل نظرات الناس وهمسهم عليه، وسمعته اللي كان بيحاول يداريها بـ "التجبر" على زينب، هتتداس بالأقدام.
رحيم في مكتبه، كان واثق إن محمد دلوقتي بيفكر في ألف طريقة عشان يداري على الفضيحة دي، والأكيد إنه مش هيجرؤ يفتح بقه بسيرة زينب تاني، ولا حتى هيجرؤ يقرب من طريقها.
محمد مسك التليفون وبعت لرحيم رساله
ـ أنت مين وعايز ايه
؟ اطلب اللي إنت عايزه، بس الكلام ده يفضل بيننا، محدش يعرف عنه حاجة أبداً."
رحيم ابتسم ابتسامة صفرا، وبدأ يكتب الرد ببرود تام: "اللي عايزه واضح ومحدد.. ورقة طلاقها توصل لعنوان الملجأ النهاردة قبل بكرة. إنت عارف كويس إنت مين ووضعك إيه، وزينب ما تستاهلش تدفع تمن ظروفك دي ده غير تحكمات امك فيها . طلقها، واستر على نفسك، واعتبر إن اللي حصل يوم الفرح ده غلطة ومسحتها من الوجود.. غير كدة، التقارير دي هتكون في إيد كل حد فى الشارع ، ووقتها لا أنا ولا غيري هنقدر نلم الفضيحة اللي هتحصلك، وهتكون مادة لسيرة الناس اللي ما بتشبعش."
ما كملتش ثواني، ومحمد رد برد كله ذل وهزيمة: "موافق.. هعمل اللي إنت عايزه، الورقة هتكون فى الملجا . بس أمانة عليك، تمسح كل اللي عندك، ما يبقاش فيه أثر للحكاية دي."
رحيم رمى التليفون على المكتب، وخد نفس عميق. حاسس إن تقله كله انزاح، مش عشان هو اللي انتصر، بس عشان الحق رجع لأصحابه. قام من مكانه، وطلع ناحية الملحق اللي زينب قاعدة فيه. خبط خبطات هادية ومنتظمة، وزينب فتحت الباب وهي باين عليها التوتر.
رحيم بصلها بابتسامة هادية وطمّنها: "يا زينب.. اعتبري إن الجبل اللي كان كابس على صدرك انزاح. محمد وافق على كل حاجة، والطلاق هيوصل الملجأ . من اللحظة دي، مفيش حد هيقدر يفتح بقه بسيرتك تاني، ومحدش هيقدر يطالبك بأي حاجة.. إنتي من النهاردة حرة، وتقدرى تعيشى حياتك زى ماتحبى
زينب اتسمرت في مكانها، عينيها اتملت دموع، بس المرة دي كانت دموع راحة وفرحة مش وجع. صوتها طلع مبحوح وهي بتسأل: "يعني.. يعني خلاص يا رحيم بيه؟ مفيش كلام تاني؟ مفيش حد هيجرؤ يغلط فيا تانى ولا محمد هيهدننى إنه هيجيب سيرتى بالباكل
رحيم هز رأسه بثقة: "ولا حد هيجرؤ. إنتي دلوقتي في حمايتي، وأنا كلمتي سيف."
زينب ما قدرتش تتمالك نفسها، سجدت لله شكر في مكانها. كانت حاسة إنها اتولدت من جديد، وإن ربنا بعت لها رحيم في طريقها عشان ينقذها. رحيم وقف بعيد شوية بيراقبها، كان عارف إن الحياة لسه مخبية تحديات، بس كان مطمن إنه قفل الباب ده وراها للأبد.
الأيام بدأت تعدي، وزينب بدأت تستقر في حياتها الجديدة في الملحق، والجو العام في الفيلا بقى أهدى بكتير. زينب من وقتها قررت إنها مش هتعيش دور الضحية، وهي أصلاً معاها دبلوم، فقررت إنها لازم تكمل تعليمها وتدخل الجامعة عشان تضمن لنفسها مستقبل ومكانة.
دخلت زينب المكتب على رحيم وهي حاسة برهبة بس جواها إصرار، قعدت وكلمته في موضوع تعليمها، وبدأت تشرح له إنها مش عايزة تعتمد على حد، وعايزة تثبت وجودها. رحيم بصلها بإعجاب، كان مقدر جداً طموحها ده، وما ترددش لحظة.
رحيم بصلها بجدية وقال: "بصي يا زينب، انا موافق جداً على طلبك. التعليم ده هو السلاح اللي هيحميكي من أي حد، والجامعة هي اللي هتفتحلك أبواب تانية خالص. سيبي موضوع الورق والتقديم ده عليا، أنا هخلص لك كل حاجة، ولا تشيلي هم أي ورق أو إجراءات، اعتبريه خلصان."
وفعلاً، زي ما وعدها، رحيم ماضيعش وقت. كلم رجاله وخلص لها كل أوراق التقديم، وجهز لها كل المستندات المطلوبة، لدرجة إن زينب كانت مذهولة من سرعته واهتمامه.
مع مرور الوقت، علاقة زينب بـ "مالك" ابن رحيم بقت أقوى، وبقت هي اللي بتذاكر له وبتاخد بالها منه. وفي يوم، وهما في الجنينة، مالك كان بيجري وهي بتجري وراه عشان تذاكر له، وزينب من كتر الحماس وهي بتلف حوالين حمام السباحة، الأرض كانت مبلولة، رجليها اتزحلقت ووقعت جوه المية!
مالك صرخ بجدية: "زينب! زينب! بابا! الحقونا!"
رحيم، اللي كان بيتابعهم من بعيد بابتسامة، سمع صرخة مالك، وفي ثانية كان ناطط في حمام
ـ تفتكروا علاقه رحيم وزينب هتبدأ امته
الفصل 22
المية كانت تلج، وزينب من الصدمة مكنتش عارفة تاخد نفسها. المية دخلت في مناخيرها وبلعت شوية، وبدأت تغطس وتطلع وهي بتخبط بإيديها زي المجنونة، الخوف كان واكلها، وكانت حاسة إن روحها بتطلع. ومالك واقف هايف وحاسس بالذعر
رحيم أول ما شافها بتغرق، رمى الموبايل في الأرض ونط في المية بجسمه كله، ماخدش ثانية عشان يوصلها.
شدها من وسطها بقوة، وزينب في لحظة رعبها، مكنتش شايفة قدامها غير ان ده هو طوق نجاتها ، لفت إيديها الاتنين حوالين رقبته وضمته ليها بكل قوتها، وكأنها بتستخبى من الموت في حضنه. كانت بتترعش جامد، وراسها مالت على كتفه،
رحيم وهو ماسكها، حس بجسمها الضعيف المرتعش وهو لازق في صدره، وضربات قلبها اللي كانت زي الطبول، حس بوجع غريب في قلبه. عضلات صدره وكتفه اتشدت من غير ما يحس، وضمها ليه أكتر بإيده التانية عشان يأمنها، صوته كان طالع مبحوح من الخضة:
ـ خلاص يا زينب.. اهدي، أنا ماسكك، مفيش حاجة هتحصلك طول ما أنا موجود.. افتحي عينك يا زينب، بصيلي!
زينب مكنتش سامعة، كانت لسه حاضناه كأنها بتمسك في آخر حتة أمان في الدنيا. رحيم حس إنها بدأت تهدى شوية، فضل باصص لها والمايه بتنزل من شعره على وشها. اللحظة دي كانت أطول من أي وقت فات، رحيم لأول مرة يحس بضعفه هو قدام خوفها ده.
طلع بيها على السلم بتاع حمام السباحة، وخرجوا بره. الدنيا كانت هادية، مفيش غير صوت أنفاسهم العالية وصوت عياط مالك . فضل واقف بيها، وهي لسه حاضناه ودموعها مختلطة بالمية على وشها.
بعد لحظات، زينب بدأت تفوق وتدرك الموقف، فتحت عينيها ببطء، لقت نفسها لازقة فيه، وإيديها محاوطة رقبته بالطريقة دي، ووش رحيم قريب منها جداً، لدرجة إنها حست بنفَسه اللي كان مخلوط بنفسها
وشها بقى أحمر زي الجمرة، وبدأت تحاول تبعد إيديها بكسوف، بس رحيم -اللي كان لسه تحت تأثير الحضن ده- ما سبهاش تنزل بسرعة. بص في عينيها بنظرة غريبة، نظرة أول مرة تشوفها منه، مفيهاش "رحيم بيه" القوي، كان فيها راجل تاه في لحظة.
زينب بصوت واطي ومكسور من الخجل:
ـ رحيم بيه.. نزلني، أنا.. أنا آسفة، مكنتش حاسة بنفسي.
رحيم بصلها بتركيز، كأنه بيحاول يقرأ اللي في عينيها، وبعدين نزلها على الأرض براحة، بس لسه إيده كانت ماسكة دراعها عشان يثبتها:
ـ ما تعتذريش.. حصل خير
مكنش عارف يقول ايه بيحاول يتكلم بس مش عارف هو عايز يفضل باصصلها من جواه احساس انه عايز ينزل هو وهى حمام السباحة مره تانيه ويحضنها حضن اكبر ويحس برعشتها فى حضنه مره تانيه
بقى واقف بيحاول يفتح معاها كلام
ـ قوليلي، إنتي كويسة؟ عارفه تتنفسى ؟
زينب هزت راسها بالنفي وهي باصة في الأرض، مش قادرة تبص في عينيه، وقلبها كان بيدق من الإحراج والخوف اللي لسه ما راحش. رحيم اتنهد تنهيدة طويلة، وبدأ يلملم شتات نفسه، ورجع تاني لوقفته الرسمية، بس عينيه كانت لسه بتلمع باللي حصل من شوية.
ـ ادخلي جوه بسرعة، غيري هدومك المبلولة دي وخديلك دش سخن عشان ما يجيلكيش برد.. مش عايز تعب، فاهمة؟
زينب هزت راسها وطلعت تجري على الملحق، ورجليها لسه بتترعش، مش بس من المية، لكن من نظرة رحيم اللي علمت في قلبها.
رحيم وقف مكانه، بيبص على الملحق، ولسه حاسس بضغطة إيديها على رقبته، وحاسس إن "الأخطبوط" بدأ يضعف، بس المرة دي.. قدامها هي بس
دخلت زينب الملحق وقفلت الباب وراها بسرعة، قلبها لسه بيدق بسرعة جنونية، وكأن كل دقة بتعيد المشهد اللي حصل. دخلت الحمام، وفتحت الدش المية السخنة، ووقفت تحت المية وهي مغمضة عينيها، بتحاول تهدي رعشة جسمها اللي مش من البرد، لأ، الرعشة دي كانت من "نظرة" رحيم ليهـا.
وهي واقفة، المية الدافية بدأت تسيح التوتر، بس ذكرياتها بدأت ترجع شريط تاني. افتكرت نفسها وهي بترفص جوه المية، وفجأة، إيدين رحيم القوية اللي اتشدت حوالين وسطها، الطريقة اللي انتشلها بيها من الموت في ثانية حست فى حضنه بقوله وامان بتحلم بيها من وهى كفله كانها شايفه فيلم رومانسي بس هى البطله بتاعته لاول مره تحس بضربات قلبها بتعلى كده
غمضت عينيها أكتر، وشافت صورة واضحة في خيالها: وهي متعلقة في رقبته، حاسة بعضلات إيديه وهي شداها لصدره بكل قوة، حاسة بنَفَسه اللي كان قريب منها، وبنظرة عينيه اللي شافت فيها حنية أول مرة تلمسها في حياتها.
"يا رب.. أنا عملت إيه؟" قالتها زينب بصوت واطي ومبحوح وهي بتمسح المية من على وشها بإيديها.
افتكرت إزاي كانت حاضناه بكل ضعفها، كأنها بتستخبى فيه من كل الدنيا. افتكرت ريحة البرفان بتاعه اللي اختلطت بريحة المية، صوته وهو بيهديها بكلمة "أنا ماسكك"، وإحساسها بالدفا وهي في حضنه رغم إنهم كانوا غرقانين.
فتحت عينيها وبصت في المراية، لقت وشها محمر، إيديها لسه بتترعش وهي بتفتكر لمسة إيديه على دراعها لما نزلها على الأرض.
ـ "أنا ليه قلبي بيدق كدة؟ وليه كل ما أفتكر نظراته جسمي بيقشعر؟"
زينب سكتت للحظة، وحطت إيديها على صدرها مكان قلبها اللي كان لسه "مجنون". بدأت تدرك إن اللي حصل النهاردة كسر حاجز كبير أوي بينها وبينه. مابقاش مجرد "رحيم بيه" اللي أنقذها من محمد، مابقاش مجرد "الباشا" اللي هي شغالة عنده.. لا، الموضوع كبر، وبدأ يتحول لشيء هي مش قادرة تسميه، حاجة تخوف، بس في نفس الوقت.. حاجة بتخليها تحس إنها "عايشة" لأول مرة.
سندت جبينها على سيراميك الحمام، واتنهدت تنهيدة طويلة:
ـ "يا زينب، فوقي.. ده راجل ملوش في الحب، ده أخطبوط بيحرك العالم بكلمة، إنتي مجرد واحدة كان بيعمل معاها واجب.. بس ليه.. ليه نظراته كانت بتقولي غير كدة؟"
بطلى تخيلات بقى انتى اللى حضنتيه وانتى اللى لجأتيله هو انتى بتشوفيه بيعامل غيرك ازاى مايمكن فى حد تانى فى قلبه
فضلت تحت المية فترة طويلة، مش عايزة تخرج، خايفة تخرج وتواجه حقيقة إنها بدأت "تتعلق" بالراجل اللي حماها، بدأت تحس بالأمان اللي كان ناقصها، وبدأت تتمنى لو كانت اللحظة دي.. لحظة وجودها في حضنه.. طولت أكتر
زينب طلعت من الحمام وهي بتلف الفوطة حوالين جسمها، ولسه بتنشف شعرها اللي بينقط مية، فجأة سمعت خبطات سريعة وقوية على باب الملحق، ومعاها صوت شهقات مكتومة وصوت مالك بيعيط بهستيريا:
ـ "زينب.. زينب افتحي.. أرجوكي افتحي!"
قلب زينب وقع في رجليها، الرعشة اللي في إيديها زادت، وفتحت الباب بسرعة. لقت مالك واقف قدامها، وشه مورم من العياط، وعيونه حمرا، وجسمه بيتنفض من كتر الشهيق. أول ما شافها، رمى نفسه في حضنها وهو بيصرخ:
ـ "كنت فاكرك هتروحي مني! كنتي غرقانة .. بابا قعد ينادي عليكي وأنتي مكنتيش بتردي كنتى حضناه وساكته انا افتكرتك موتى .. أنا كنت هموت من الخوف عليكي يا زينب!"
زينب اتجمدت مكانها، حضنته بقوة وهي حاسة بدموعه السخنة بتغرق كتفها، ودموعها هي كمان بدأت تنزل، مش بس من الموقف، لكن من تأثرها بخوف الطفل ده عليها، اللي حسسها إنها بقيت جزء من العيلة دي فعلاً. قعدت على ركبها قدامه ومسكت وشه بين إيديها:
ـ "يا حبيبي يا مالك.. بصلي، أنا أهو قدامك، أنا كويسة والله. ده مجرد حادثة صغيرة، بابا أنقذني، أنا قوية ومش همشي وأسيبك يا بطل."
مالك فضل يعيط وهو ماسك في هدومها:
ـ "لا، بابا قالي أدخل أتطمن عليكي، بس كنت خايف.. كنت خايف أفتح الباب ألاقيكي مش موجودة.. متعمليش كدة تاني يا زينب، بلاش تلعبي جنب المية تاني."
زينب حست بوجع في قلبها، مسحت دموعه بطرف أصابعها وبصت في عينيه بحنان:
ـ "خلاص يا ملوكي، وعد مني، مش هقرب من المية تاني. بس اهدى بقى، مش عايزة أشوف الدموع دي، أنا محتاجة أخلص لبس وأسرح شعري عشان نبتدي المذاكرة بتاعتنا، إيه رأيك؟"
مالك مسح مناخيره بإيده، وبدأ ياخد نفسه بصعوبة، وهز راسه بالإيجاب وهو لسه بيشهق:
ـ "يعني مش هتمشي؟"
ابتسمت زينب ابتسامة مطمئنة:
ـ "مش همشي أبداً. قوم استناني بره في الجنينة، عشر دقايق بالظبط وهتلاقيني عندك، هلبس هدومي ونقعد نذاكر ونحل الواجب بتاعك كله.. ماشي يا بطل؟"
مالك بص لها بنظرة أخيرة كلها حب وخوف، وبعدين أخد نفسه وهز راسه:
ـ "ماشي، هستناكي.. بس ما تتأخريش، أنا مش هسيبك لوحدك تاني."
خرج مالك وهو بيمسح عينيه، وزينب قفلت الباب وسندت عليه، وخدت نَفَس طويل وهي حاسة إن حياتها في الفيلا دي بقت مرتبطة بيهم أكتر بكتير مما كانت متخيلة. طلعت لبسها بسرعهة عشان تبعد عن راسها تفكيرها برحيم في نظراته ليها، وفي اللحظة اللي كانت حاضناه فيها.. لقت نفسها بتبتسم لنفسها في المراية، وبدأت تلبس بسرعة عشان متخلفش وعدها لمالك.
***** &&&&****&&&&**&&&***
فى الجهه التانيه فى الملجأ كانت عزه قاعده مع الأولاد وتليفونها رن وظهر اسم عمار على الشاشة
قامت من وسط الاطفال ووقفت فى مكان هادى وردت عليه
ـ السلام عليكم عمار بيه أهلا بحضرتك
ـ ازيك يا انسه عزه عامله ايه
ـ الحمد لله بخير
ـ بخصوص الموضوع اللى كلمتينى عليع قبل كده بخصوص الشغل لسه عايزه تشتغلى
ـ أه طبعاً انا قاعده بعد الايام
ـ طيب بإذن الله من بعد بكره هنبدا نعمل مقابلات عشان الناس اللى عايزه تشتغل سواء دكاتره بيطاريين محاسبين مزارعين عمال
من كله
وهبقى محتاج معايا سكرتيره تسجل اسماء اللى هيتقبلوا هل وقتك يسمح
ـ أه طبعاً حضرتك عرفنى بس الساعه كام وانا هبقى موجوده
ـ جهزى نفسك الساعه ٩ فى عربيه هتعدى عليكى تاخدك
ـ خلاص اتفقنا
قفلت عزه مع عمار وخرجت جرى لمكتب حنان وحكتلها وحنان فرحت ووافقت
وفعلاً عدى يومين
وكانت وصلت قسيمه الطلاق للملجا واستلمتها حنان واتصلت بزينب ورحيم وعرفتهم
تانى يوم عند عزه وصلت العربية اللى عمار بعتها ونقل عزه للمزرعه استقبلها عمار بنفسه
وبدأ كلام معاها فى الشغل وشغلها هيكون ايه وانها هتكون من المؤسسين معاهم
عمار كمل كلامه وهو بيبتسم لعزة، بيحاول يطمنها ويشيل التوتر اللي في عينيها:
ـ "بصي يا عزة، دي مش مجرد مزرعة، ده مشروع كبير ومحتاج ناس قلبها عليه، وأنا لما اخترتك كنت حاسس إنك الشخص المناسب للمكان ده."
أشار بإيده للمساحات الخضراء والبيوت المحمية اللي ممتدة قدامهم:
ـ "المكان ده محتاج تنظيم، ومحتاج حد أمين.. دورك معايا مش مجرد سكرتيرة بتسجل أسماء، لا.. إنتي هتكوني إيدي اليمين، عينك على كل حركة هنا."
عزة كانت بتبص على المزرعة بذهول وإعجاب، حاسة إن دي بداية حياة تانية خالص بعيد عن وجع اللي فات. عمار سابها تتأمل المكان لحظات، وبعدين شاور لها تدخل معاه مكتب إداري كبير وإطلالته على المزرعة تاخد العقل.
دخلوا المكتب، وعمار فتح اللاب توب وحطه قدامها، وقرب الكرسي بتاعها:
ـ "بصي يا ستي، ده سلاحك في الشغل.. لابتوب مفيش أسهل منه، هعلمك إزاي تفتحي ملف لكل واحد بيقدم، وإزاي تدخلي البيانات بتاعته.. الموضوع بسيط خالص، جربي كده."
عزة بدأت تلمس الكيبورد بتردد، بس عمار كان صبور جداً، بيشرح لها كل حاجة ببساطة. بعد ساعة، بدأت العربيات تيجي والبوابة اتفتحت للناس اللي جاية تقدم. المكتب قلب "خلية نحل"، ناس كتير مقدمين، دكاترة، محاسبين، وعمال.
عمار بص لعزة لقاها مركزة جداً وبتنظم الأوراق وبتكتب البيانات بتركيز، ابتسم وقال:
ـ "إيه يا بطلة.. جاهزة للمواجهة؟"
عزة بصتله بثقة وقالت:
ـ "جاهزة يا عمار بيه.. توكلنا على الله."
وبدأ الشغل فعلياً، كل ما عمار يخلص مقابلة، يبص لعزة ويلاقيها خلصت تسجيل بيانات ، بدأ يحس إن قراره كان صح، وبدأ يحس براحة غريبة وهو شايفها بتتحرك في المزرعة .
في الناحية التانية، عند فيلا رحيم، الوضع كان مختلف تماماً.
زينب خلصت لبسها وطلعت لمالك اللي كان مستنيها في الجنينة بلهفة. وهي ماشية، عينيها جت غصب عنها على شرفة الدور التاني، لقت "رحيم" واقف هناك، ساند على السور وبيدخن سيجارته بهدوء، وعينه عليها هي وبس.
رحيم كان مراقب كل حركاتها، من ساعة ما خرجت من الملحق وهي بتمشي بخطوات مرتبكة. كان شايف فيها حاجة مش عارف يفسرها؛ الضعف اللي كان فيها من شوية، والقوة اللي بتحاول تداري بيها خجلها. طفى السيجارة في الطفاية بعنف، وهمس لنفسه بنبرة كلها حيرة:
ـ "إيه اللي بيحصل يا رحيم؟ الأخطبوط اللي مفيش حاجة تكسره، بقى واقف مستني خيالها عشان يشوفها ؟"
زينب رفعت عينيها بالصدفة للسياج، ولما التقت عينيها بعينه، قلبها وقع في رجليها. فضلت واقفة مكانها، مش عارفة تتحرك، ورحيم كمان فضل باصص بعينه عليها، نظراته كانت تقيلة ومكشوفة، لدرجة إن زينب حست إن الهوا حواليها بيخلص.
مالك شد إيدها بقوة وهو مش واخد باله من النظرات اللي بينهم:
ـ "يا زينب! الكتاب في إيدك.. يلا بينا نذاكر بقى، مش قولتيلي إنك مش هتتأخري؟"
زينب فاقت من شرودها، وبصت لمالك بابتسامة مهزوزة وهي بتحاول تبعد عينيها عن رحيم، بس هي جوه منها عارفة إن اللي حصل النهاردة غير كل حاجة، وإنها خلاص بقت مربوطة بالفيلا دي وبالراجل اللي واقف فوق ده.. برباط مش عارفة تتقله إيه، بس حاسة إنه خيط رفيع وقوي، زي خيوط الأخطبوط اللي صعب حد يفلت منها.
نزل رحيم ووقف قدامها وهى بتزاكر لمالك
ـ مدام حنان كلممتنى وقالتلى إن ورقت طلاقك وصلت هناك عندها وانهارده هبعت عربيه تاخد حاجتك توديها الملجأ وهدومك هتجيلك هنا
هزت زينب راسها بدون ما تتكلم
كمل رحيم كلامه ببيرود وهو عايز يعرف رد فعلها ايه
ـ المزرعه بدأت تشتغل وعزه نزلت شغل فيها تحبى ترجعى تانى ؟؟
تفتكروا زينب هيكون ردها ايه ؟؟
هترجع وتفتكر إن رحيم مش عايزها بعد اللى حصل فى حمام السباحة ؟؟
ولا هتقوله انها عايزه تكمل ؟؟
الفصل 23
زينب نزلت عينيها في الأرض بسرعة، وحاولت تداري ارتباكها ورعشة صوتها. مسحت كفوف إيديها في هدومها وهي بتحاول تلملم شتات نفسها، وردت عليه بصوت هادي ومحترم، زي "زينب" اللي الكل عارفها، اللي ما بتخرجش عن حدودها:
ـ "يا رحيم بيه.. أنا مقدرة جداً اهتمام حضرتك، ومقدرة إنك عايز توفر لي مكان أستقر فيه بعد ما أموري الشخصية اتغيرت. بس.. بخصوص المزرعة، أنا شاكرة جداً لعرضك، بس أنا مرتاحة هنا مع مالك، ولو حضرتك مش شايف في وجودي أي تعارض مع نظام الفيلا، فأنا أفضل إني أكمل شغلي هنا."
سكتت لحظة، وأخدت نفس عميق عشان تاخد شجاعتها وتكمل:
ـ "أما بخصوص اللي حصل النهاردة.. فدي كانت لحظة ضعف مني، وأنا بعتذر عليها. مش عايزة حضرتك تفتكر إني ممكن أستغل الموقف ده في أي حاجة تانية، أو إني.. إني فاهمة الأمور غلط. أنا هنا شغلي وبس، ومالك هو المسؤولية اللي عليا."
رحيم فضل واقف مكانه، عينه متعلقة بملامح وشها اللي كانت بتحاول تظهر بالثبات، بس إيديها اللي كانت بتلعب في طرف طرحتها كانت فاضحاها. رحيم بصلها بتركيز، كأنه بيوزن كلامها، وبيحاول يقرأ إذا كانت بتقول اللي جواها فعلاً ولا بتحاول تهرب من الموقف.
اتنهد رحيم تنهيدة مسموعة، وبص بعيد عنها للحظة، وبعدين رجع بص في عينيها بنظرة غامضة:
ـ "أنا ماقلتش إنك عاملة مشكلة يا زينب. أنا كنت بعرض عليكي أوبشن جديد، فكرت إنك ممكن تكوني عايزة عايزه ترجعى تانى
زينب هزت راسها بالنفي بسرعة:
ـ "لأ يا رحيم بيه، أنا هنا كويسة. والفيلا دي.. ومبسوطه بشغلى مع مالك وبإذن الله فى اقرب وقت هوفر مكان ليه وهمشى من هنا ووقتها هرتب مواعيد لزياره مالك ، ومالك.. مالك ما بقاش مجرد طفل بذاكرله، أنا متعلقة بيه جداً."
ـ "تمام.. بما إنك اخترتي تكملي هنا، يبقى خلاص. هدومك وحاجتك هتتنقل هنا انا قبل ما اخد قرار كان لازم ارجعلك وده كان سبب سؤالى
وقرب منها وبص فى عنيها بتركيز
ـ عشان دماغك ماتخدكيش فى حته تانيه
أومأت زينب براسها ورجعت تكمل تانى مع مالك وهو سابهم ومشى
بعد ما خلصت زينب المذاكرة مع مالك، ومالك دخل أوضته، كان قلبها لسه مكركب. كلام رحيم لسه بيرن في ودنها: "عشان دماغك ما تاخدكيش في حتة تانية". حست بوجع خفيف؛ هو ليه مهتم يقطع أي فرصة لخيالاتها؟ كأنها مجرد موظفة بيطمن إنها ما بتسرحش ببعيد.
استجمعت شجاعتها وقررت إنها لازم تبدأ تدور على طريقها لبر الأمان، . خرجت بره الفيلا بخطوات مترددة لحد ما وصلت عند بوابة الفيلا الخارجية، لقت الحارس واقف مكانه.
بصوت واطي ومتردد، بدأت تفتح معاه الكلام:
ـ "لو سمحت يا استاذ إبراهيم.. كنت عايزه أسألك على حاجة."
الحارس بصلها باحترام:
ـ "اتفضلي يا انسه، تحت أمرك."
زينب بلعت ريقها:
ـ "هو.. حضرتك تعرف حد في المنطقة هنا عايز ياجر شقة صغيرة؟ يعني تكون في مكان هادي ومناسب، ومصاريفها.. يعني على قدي؟ كنت بدور على مكان أستقر فيه لما أخلص شغلي هنا."
الحارس بصلها باستغراب شوية:
ـ "شقة؟ لا معرفش بس ممكن أسألك
زينب قاطعته بسرعة وبابتسامة باهتة:
ـ "متشكره جدا .. لو تعرف حد، يا ريت تقولي."
في اللحظة دي، كانت رحيم راكب عربيته وخارج من البوابه وشافها . رحيم نزل من العربية، وبنظرة حادة، بص للحارس وبعدين نقل نظره لزينب اللي اتسمرت مكانها زي اللي اتمسكت في جريمة.
رحيم ببرود وقسوة في صوته:
ـ خير يا انسه زينب محتاجه حاجه
زينب حست إن الأرض بتدور بيها، اتوترت وبدأت تفرك إيديها بتوتر:
ـ "أنا.. أنا كنت بس بساله لو يعرف شقه قريبه
قبل ما تكمل، رحيم قطعها بخطوة قربت المسافة بينهم جداً، لدرجة إنها حست بهيبة حضوره اللي بتخنق:
ـ "كنتي بتسألي ليه؟ مش لسه قايلة إنك مرتاحة هنا؟ ولا هو كلام الصبح حاجة وكلام الليل حاجة تانية؟"
زينب حاولت تداري ارتباكها وبصت في الأرض:
ـ "أنا.. أنا كنت بحسب حساب بكره يا رحيم بيه. مش عايزة أكون عبء على حد.. خصوصاً بعد ما اطلقت وبقيت مسؤولة عن نفسي."
رحيم ضحك ضحكة قصيرة ، وقرب أكتر لدرجة إن زينب رجعت لورا خطوة لغاية ما خبطت في سور الفيلا:
. بص للحارس بصه سريعة خلت الحارس يبعد نظره فورا، ورجع ركز نظره على زينب اللي كانت حاسة إنها عايزة الأرض تنشق وتبلعها من نظراته المركزة.
ـ "شقة؟ يعني بدل ما تيجي تطلبي مني أنا أو تقوليلي إنك محتاجة حاجة، تروحي تسألي الحارس؟ يا زينب، إنتي لسه مش عارفة أنتِ بتتعاملي مع مين؟"
زينب رفعت عينيها في عينه وقالت بنبرة خجولة ومترددة:
ـ "يا رحيم بيه، حضرتك عملت معايا أكتر من الواجب بكتير، وأنا.. أنا مش عايزة أتقل عليك أكتر من كدة. كفاية وجودي هنا ومساعدتك ليا في موضوع طلاقي، مش عايزة أكون عبء زيادة بطلبات تانية."
رحيم سكت، وبص في عينيها جامد، نظرة عميقة ومطولة، كأنه بيحاول يغرس جواها معنى كلامه. ملامح وشه كانت جادة جداً، وصوته نزل لدرجة الهمس وهو بيقول:
ـ "أنتِ مش عبء يا زينب.. ولا عمرك هتكوني. وموضوع الشقة ده انسيه خالص، أنا اللي مسؤول عنك وعن راحتك طالما أنتِ في بيتي."
خد نَفَس عميق وبص للحارس اللي كان واقف بيحاول يداري وجوده، وقال بنبرة آمرة وقاطعة:
ـ " إبراهيم.. الموضوع اللي انسه زينب كلمتك فيه ده، كأنه ما حصلش، ولا عايز أسمع كلمة عنه من أي حد، مفهوم؟"
الحارس هز راسه بسرعة وبخوف:
ـ "حاضر يا باشا، علم وينفذ."
رحيم رجع بص لزينب، عينه كانت بتلمع بنظرة صعب تفسيرها، نظرة تملك ممزوجة بحنية مستخبية ورا قناع القوة. قالها بصوت هادي:
ـ "ادخلي جوه، وماتتكلميش مع حد في المواضيع دي تاني.. مفهوم؟"
سكتت زينب وما قدرتش ترد، اكتفت إنها تهز راسها بإيجاب وهي حاسة بضربات قلبها اللي بتعاندها. سابها رحيم من غير ما يستنى رد، ومشي بخطوات واثقة ومتباعدة، وتركها واقفة مكانها .
تاني يوم، الشمس كانت طالعة صافية والمزرعة بتبان في نور النهار كأنها لوحة فنية خضراء. وصلت عزة وهي متحمسة جداً، ولابسة لبس عملي، بس يمكن الجزمه اللي كانت لابساه كانت "ناعمة" بزيادة على أرضية المزرعة المبلولة شوية من الرش الصباحي.
عمار كان مستنيها بابتسامة ترحيب، وبدأوا جولتهم:
ـ "انهارده يا عزة، مش بس هنقعد في المكتب، انهارده لازم تحفظي كل شبر في المزرعة. دي أصول المهنة، السكرتيرة الشاطرة هي اللي بتبقى عارفة كل حركة بتحصل فين."
عزة كانت ماشية جنبه، عيونها بتلف في كل حتة بذهول، بتسمع شرحه عن نظام الري، وعن أنواع المحاصيل، وعن الخطط اللي حاططها للمستقبل. كانت بتحاول تسجل كل كلمة في ذاكرتها، ومن كتر تركيزها في كلامه، ما خدتش بالها من حتة أرض كانت مبلولة ومملسة أكتر من باقي الطريق.
فجأة، وبدون سابق إنذار، رجليها "زحلقت" على الأرض، وصرخة خفيفة طلعت منها وهي بتفقد توازنها. عمار، اللي كان حركته سريعة جداً، رمى الملفات اللي في إيده ولحقها قبل ما تلمس الأرض، بس في نفس اللحظة اللي مسكها فيها، عزة حاولت تسند نفسها، رجليها التوت بشكل مؤلم تحتها.
ـ "آآآه!" صرخت عزة بوجع، ووشها انكمش من شدة الألم.
عمار اتخض عليها، ملامح القلق بانت على وشه فوراً:
ـ "عزة! إيه اللي حصل؟ أنتي كويسة؟"
حاولت تدوس على رجلها، بس الألم كان أقوى، فاتعلقت في دراعه وهي بتتنفس بصعوبة:
ـ "مش قادرة.. رجلي.. حاسة إنها اتلوت جامد."
عمار ما فكرش مرتين. بصلها بصه سريعة، وبعدين من غير كلام، شالها بين إيديه بحرص شديد، كأنها شيء ثمين وخايف عليه من الكسر. عزة اتفاجأت، وشها احمر جداً من القرب ده، وإيديها اتلقائياً اتمسكت في قميصه وهي حاسة بضربات قلبه القريبة منها.
عزة كانت حاسة بحرج شديد، وشها بقى زي الجمرة من القرب ده، لدرجة إنها حست بضيق في تنفسها من الخجل أكتر من الألم، حاولت تتحرك في إيديه وقالت بصوت متقطع:
ـ "عمار بيه.. نزلني، أرجوك.. أنا كويسة، هقدر أمشي لو سندت عليك.. ما يصحش كدة، الناس هتشوفنا."
عمار، اللي كان باصص قدامه ومركز في خطواته وهو بيتحرك بيها بسرعة ناحية المكتب، رد عليها بصوت حازم ورافض تماماً:
ـ "انزلك إيه يا عزة؟ إنتي شايفة رجلك عامله ازاي؟ لو فيها كسر أو تمزق شديد وحاولتي تدوسي عليها، الإصابة هتتضاعف، وانا مش هغامر وانزلك
عزة صممت وهي بتحاول تفلت منه بكسوف:
ـ "يا فندم ما يصحش، حضرتك مدير شغلي.. والعمال هيبصولنا، نزلني أرجوك مش هينفع كدة!"
عمار وقف فجأة وبصلها بنظرة مفاجئة، ملامحه اللي كانت مليانة قلق اتحولت لابتسامة خفيفة ومشاكسة، وهو بيعدل شيلته ليها عشان يثبتها أكتر:
ـ "انتي خايفة من كلام الناس ولا خايفة مني؟ وبعدين.. إيه اللي ما يصحش؟ دي مش أول مرة أشيلك فيها يا عزة.. ولا نسيتي؟"
عزة اتجمدت في مكانها، وعينيها اتسعت بدهشة ووشها جاب ألوان من شدة الخجل:
ـ "أول مرة؟! قصدك إيه؟ أنا ما افتكرش إننا.. إننا.."
عمار ضحك بصوت خافت وهو بيكمل مشيه ناحية المكتب بنظرة فيها لمعة غموض وتحدي:
ـ "ما افتكرتيش؟ خلاص، ركزي في وجع رجلك دلوقتي، ولما نطمن عليها.. نبقى نتكلم في الذكريات دي!"
دخل عمار المكتب، وحط عزة على الكرسي ببطء شديد، وكأنه خايف عليها من نسمة الهوا. ركع قدامها على ركبته عشان يفحص رجلها، ولما لمس كاحلها بلطف، لقى الورم بدأ يظهر، وشاف "رعشة" بسيطة في جسمها من لمسته.
رفع عينه وبص لها، لقى عيونها مليانة دموع من الوجع والخجل، اتنهد بعمق، وبدأ يدلك مكان الورم
ـ "يا عزة.. رجلك ورمت جامد لازم نروح المستشفى
عزة حست بقلبها بيدق بجنون من لمسه ايده على جلها ومقدرتش تنطق من تأثير نظراته اللي كانت محاصراها بالحنية. عمار وقف، وقرب منها أكتر، لدرجة إنها حست بأنفاسه قريبة من وشها، وقال بصوت خافت ودافئ:
ـ "سيبيني أشيلك.. أنا المسؤول عن سلامتك هنا،
شالها تاني، بس المرة دي كان بطيء جداً، وهي تلقائياً لفت إيديها حوالين رقبته عشان تثبت نفسها، والمسافة بينهم بقت معدومة. عزة همست بصوت مسموع بالعافية:
ـ "عمار.. كل الناس بتشوفنا.. ما يصحش.
عمار بصلها بابتسامة هادية وهو بيخرج بيها من المكتب، متجاهل تماماً أي حد حواليهم:
ـ "سيبك من الناس.. المهم إنتي
والناس شافتك وانتى بتقعى
وصل للعربية، ركبها في المقعد اللي جنبه بحرص، ومال بجسمه عشان يربط لها حزام الأمان، وفضل قريب منها ثواني أطول من اللازم، عينه متعلقة بعينها. اتوترت عزة من قربه، وحاولت تتنفس بانتظام، وهو اتأمل ملامحها بتركيز، كأنه بيحفظ تفاصيل وشها في اللحظة دي.
ـ "عزة.." همس باسمها وكأنه بيجرب طعمه، "مش عايزك تخافي من حاجة.. طول ما أنا جنبك، كل حاجة هتبقى بخير."
شغل العربية، وبدأ يتحرك بيها في طريق المستشفى، بس كانت عينيه كل شوية تبص عليها، وهى كانت مركزه فى وجع رجلها
وصلت العربية قدام طوارئ المستشفى، عمار ركن بسرعة ونزل، وفتح باب العربية ناحية عزة، ومد إيده عشان يشيلها زي ما عمل في المزرعة.
عزة بمجرد ما شافته بيقرب منها عشان يحاوطها بإيديه، حطت إيدها على صدره عشان تمنعه، وقالت بصوت مسموع وواثق رغم وجعها:
ـ "عمار.. لأ، أرجوك. كفاية اللي حصل في المزرعة والناس اللي شافتني وأنا في إيديك، هنا مستشفى وفيها ناس كتير.. مش هينفع تدخلني بين إيديك قدامهم."
عمار بصلها بجدية ورفض:
ـ "عزة، رجلك وارمة جداً، الحركة هتزود الألم وهتتعبك، خليني أشيلك ونخلص بسرعة."
عزة بصت في عينه بإصرار وهي بتمسك في باب العربية عشان تقف على رجلها التانية وتثبت نفسها:
ـ "قلت لأ.. لو سمحت، احترم رغبتي. أنا مش عايزة أتحط في موقف محرج أكتر من كدة، ممكن تجيبلي كرسي متحرك؟ هبقى مرتاحة أكتر."
عمار اتنهد بضيق، كان عايز يفضل شايلها عشان يطمن إنها في أمان بين إيديه، بس لما شاف نظرة الإصرار في عينيها والكسوف الواضح على ملامحها، عرف إنه لو ضغط أكتر هيزيد حرجها. ابتسم ابتسامة هادية وهو بيشيل إيده من حواليها ببطء:
ـ "حاضر يا عزة.. اللي يريحك. بس خليكي مكانك، ثانية واحدة وهكون عندك بالكرسي."
راح عمار بسرعة ناحية الاستقبال، ورجع ومعاه كرسي متحرك. قرب من العربية وساعدها بحذر شديد وهي بتتنقل من العربية للكرسي. عزة اتنفست الصعداء لما قعدت، وعمار وقف ورا الكرسي، ومسك المقابض بتاعته وبدأ يزقها بهدوء ناحية مكتب الدخول.
وهما ماشيين في الممرات، كان عمار بيميل بوشه ناحيتها بين كل خطوة والتانية، بيطمن عليها بصوته الدافي:
ـ "أنا آسف.. كان قصدي أسهل عليكي، مكنش قصدي أحرجك."
عزة رفعت عينيها وبصتله بابتسامة ممتنة، وبدأت تحس إن تعاملها معاه بدأ يلين ويدوب فيه الحواجز اللي كانت حطاها:
ـ "أنا اللي آسفة.. شكراً إنك سمعت كلامي."
عمار وقف الكرسي لحظة قدام باب الكشف، ومال بجسمه عليها وقرب منها جداً لدرجة إنها حست بحرارة أنفاسه، وقال بنبرة مليانة مشاعر:
ـ "أنا أسمع كلامك في أي حاجة.. طالما ده اللي هيخليكي مرتاحة ومطمنة، أنا معاكي."
عزة سكتت، وقلبها كان بيدق بعنف، وبدأت تدرك إن عمار مش بس مديرها في الشغل، ده شخص بجد بدأ يهتم بكل تفصيلة صغيرة في حياتها، وهي بدأت تتقبل وجوده في عالمها بكل ترحاب.
دخلوا غرفة الكشف، وبعد فحص دقيق وأشعة سريعة، الدكتور بصلهم وقال بجدية:
ـ "للأسف في تمزق في الأربطة، الإصابة محتاجة راحة تامة لمدة أسبوعين، ممنوع الحركة تماماً، ورجلك لازم تترفع على مخدة وتستخدمي دهانات ومسكنات."
عزة كانت بتسمع وهي حاسة إن العالم بيضيق، وعمار كان باصص للدكتور بتركيز، بيسأل عن كل التفاصيل عشان يضمن راحتها. خرجوا من المستشفى، وعمار ساعدها تركب العربية، وبمجرد ما قفل الباب وبدأ يتحرك، لاحظ إن عزة ساكتة، ولما بص ناحيتها لقاها بتعيط بصمت.
عمار اتخض وركن العربية على جنب بسرعة:
ـ "عزة! في إيه؟ الوجع زاد للدرجة دي؟ أنا هكلم الدكتور دلوقتي يكتبلك حاجة أقوى، اهدي يا عزة."
عزة مسحت دموعها بسرعة وبصتله بصوت متهدج:
ـ "لا.. لا مش الوجع، مش بتعيط من الوجع يا عمار بيه."
عمار استغرب وسألها بقلق:
ـ "أومال في إيه؟ إيه اللي مضايقك؟"
عزة كملت بكسرة:
ـ "أنا كنت فرحانة أوي بالشغل.. كنت حاسة أخيراً إن حياتي بدأت تترتب وإني لقيت مكان أثبت فيه نفسي، ودلوقتي.. أسبوعين في السرير يعني مش هعرف أشتغل، وكل اللي اتعلمته في المكتب هنساه، و.. وخايفة المزرعة تقع بسبب غيابي."
عمار اتنهد براحة لما عرف السبب، وبدأ يبتسم بهدوء وهو بيبصلها بنظرة كلها ثقة:
ـ "هو ده اللي معيطك؟ يا ستي المزرعة لسه في مرحلة التجهيز، وما اشتغلناش بشكل كامل عشان تقع في غيابك، ومكانك محفوظ ومحدش هياخده."
بص في عينيها وكمل بحنية:
ـ "وبعدين مين قال إنك هتقعدي من غير شغل؟ اللاب توب بتاعك هيكون معاكي في البيت، أنا كل يوم هبعتلك ملفات وشغل محتاج يتسجل، وزي ما علمتك هتدخلي البيانات وتتابعي كل حاجة وأنتِ في مكانك، وهنكون على تواصل دايماً."
عزة بصتله بذهول، ودموعها بدأت تجف تدريجياً:
ـ "بجد؟ يعني مش هتحس إن شغلي اتعطل؟"
عمار ضحك بصوت دافي:
ـ "بجد، وهتكوني أحسن سكرتيرة في الدنيا من البيت كمان.. وبعدين، ده فرصة عشان ترتاحي وتخفي بسرعة، وأنا هكون مطمن عليكي وأنتِ بتباشري الشغل من البيت. فبطلي عياط بقى، لأن شكلك وأنتِ بتعيطي بيخلي قلبي يوجعني أكتر من رجلك."
عزة ابتسمت بخجل، وحست براحة كبيرة، وبدأت تدرك إن عمار مش بس مهتم بمصلحة الشغل، ده مهتم إنها تحس بقيمتها، وإن وجودها في حياته -حتى لو عن بعد- هو شيء أساسي بالنسبة له.
وصلها عمار الدار وشالها لحد غرفتها ورفض انها تمشى وحكى لحنان حالتها وقالها إنه كل يوم هيعيدى عليها يديها الحاجه اللى محتاجة تتسجل على اللاب لحد ما ترجع شغلها تانى
وحنان هتشكره على مواقفه معاهم بس هتقرر انها تتكلم معاه لان نظراته مع عزه ونظرات عزه ليه بدأت تخليها متوغوشه
فى الحاره عند عايده كانت قاعده مع نبويه
ـ شوفتى البت طلعت مش سهله
ـ وانتى ليه سكتلها
ـ معرفش ابنى الخايب وافق على كل حاجه واتنازل بمنتهى السهولة اه يا نارى والله لعرفها مقامها بنت ال******
ـ طيب اهدى وقوليلى هتعملى ايه وانا معاكى
ياترى ناويين على ايه
في قصر رحيم، الجو كان هادي، زينب قاعدة بتشرح لمالك درس جديد في المذاكرة، ومالك مركز معاها وبدا التوتر اللي كان فيه يقل تدريجياً. فجأة، صوت كعب عالي بيخبط بقوة على رخام القصر قطع هدوء المكان.
دخلت "نرمين"، طليقة رحيم، بكامل أناقتها وكبرياؤها المعهود. عيونها مسحت المكان بلامبالاة قبل ما تستقر على مالك، وقربت منهم بخطوات واثقة.
ـ "مالك حبيبي! وحشتني يا بطل، قولت أعدي أطمن عليك
مالك اتوتر، وشد على إيد زينب اللي كانت ماسكة القلم، ونزل عينه للأرض. نرمين بصت لزينب بنظرة متعالية من فوق لتحت، نظرة فيها كمية "تعالي" واضحة، وقالت بصوت مسموع ومستفز:
ـ "أنتِ يا شاطرة.. قومي هاتيلي مية، وبلاش تروحي بعيد، أنا جاية أطمن على ابني، مش عشان أشوف خدم في البيت."
زينب اتجمدت في مكانها، دمها غلي من الإهانة، بس حاولت تحافظ على هدوئها وكرامتها. مالك بص لنرمين بغضب
ـ "زينب مش خدامة يا ماما، دي الميس بتاعتي.. ومحدش يكلمها كدة."
نرمين ضحكت ضحكة ساخرة، وبصت لزينب ببرود:
ـ "ميس؟ هه.. واضح إنها واخدة دور أكبر من حجمها بكتير. عموماً، قومي يا شاطرة،هاتى المية، وبلاش أسمع صوتك."
ياترى نرمين رجعت تانى ليه ؟؟
الفصل 24
وقفت زينب مكانها، الكلمة جرحت كرامتها بس عزة نفسها منعتها إنها تنزل لمستوى نرمين في الكلام وخافت تدخل معاها فى جدال وهى ماتعرفش علاقتها برحيم ايه مايمكن لسه بيحبها ويمكن هيرجعوا تانى خصوصاً ان بينهم مالك .
لمت أوراق مالك بهدوء، وضغطت على إيد الطفل اللي كان جسمه بيتنفض من الغضب والدفاع عنها. بصت لنرمين بثبات وقالت بصوت هادي ومرفوع الرأس:
ـ أنا هنا مربيه لمالك مالك يا فندم، وطلبات حضرتك مكانها المطبخ مش معايا عن إذنك.
نرمين وشها اتغير، والبرود اللي على ملامحها اتقلب لغل. قربت من زينب وقالت بنبرة غل .
ـ أنتى بتعدلي عليا يا بت أنتِ؟ أنتِ عارفة أنا مين؟ أنا نرمين الهواري يعني بكلمة مني أرميكي بره القصر ده ومخليكيش تشوفي الشمس ومالك ده ابنى يعنى لو قولت مش عايزاكى جمبه وقتها هتترمى فى الشارع عشان كده لما تكلمينى تحطى عينك فى الارض لو عايزه تحافظى على لقمه عيشك هنا
دخل رحيم وسمع كلام نرمين ومدهاش فرصه تكمل كلامها
ـ الكلمه هنا تخصنى انا يا نرمين أنا مش تخصك انتى وابنى انا ادرى بمصلحه .... مش صحيح المفروض دلوقتي تكونى اتجوزتى وسافرتى ايه اللى جابك هنا تانى
الصوت رن في الصالة زي الرعد. الصوت ده خلى نرمين تتجمد مكانها وزينب تاخد نَفَس طويل كانت حبساه. رحيم كان واقف عند مدخل الصالة، إيديه في جيوبه، وملامحه حادة وقاسية على طبيعته اللى زينب مكنتش شافتها قبل كده . عينيه كانت مركزة على نرمين مستنى يسمع تبريراتها او كذبها
نرمين حاولت بسرعة تلبس قناع الدلع والسيطرة، لفت وبصتله:
ـ "رحيم! كدة تخضني؟ أنا جيت أطمن على ابننا مالك، وبصراحة كدة الشغالة دي أسلوبها مش مظبوط ومحتاجة تتربى من أول وجديد .
رحيم مشي بخطوات بطيئة ومرعبة، تجاوز نرمين تماماً وكأنه مش شايفها، ووقف قدام زينب ومالك. بص لزينب اللي كانت عينيها بتلمع بدموع مكتومة، وقالها بصوت هادي بس مسموع:
ـ زينب خدي مالك وطلعيه الاوضه بتاعته دلوقتي
زينب هزت راسها وأخدت مالك اللي ما صدق وجري معاها لفوق. أول ما الباب اتقفل، رحيم لف لنرمين، والهدوء اللي كان فيه اختفى، وحل مكانه غضب
ـ "أنتِ إيه اللي جابك هنا يا نرمين؟ مش قفلنا الصفحة دي وكل اللى عايزاه اخدتيه وعملتلك كل اللى طلبتيه واخرها لما رمتيلى ابنك هنا عشان تشوفى حالك
نرمين قربت منه بدلال مصطنع:
ـ "وحشتني يا رحيم.. ووحشني ابني، وبعدين القصر ده أنا ليا فيه ذكريات، مش هسيبه لواحدة جربوعة جايبها من الشارع عشان تتدلع وتعمل فيها ست البيت . وغير كده مقدرتش اسافر واسيب ابنى بعيد عنى انا عايزه مالك معايا زى الاوص
رحيم قرب منها، وبقى وشه في وشها، وصوته نزل لطبقة مرعبة:
ـ الزمي حدودك.. زينب هنا ليها وضعها ومالكيش دعوه بيها لو حيتى جمبها ولا قولتى كلمه كانك بتوجهيها ليه انا ، والي يغلط فيها يبقى بيغلط في رحيم الهواري. رجوعك هنا وراه مصيبة أنا عارفها بس من الاخر كده هعمل نفسى عبيط لانى مايهمنيش أى حاجة تخصك من ساعه ما البيه خلع وسابك فى المطار بعد ما خلاكى تدفعيله تمن تذكره الطياره من فلوسى اللى كنت ببعتها لمالك ، وقدامك دقيقة واحدة تكوني بره البوابة، وإلا هرميكي بره بنفسي ولحد ما مالك يكبر عايزك تبعدى عنه
نرمين بصتله بغل وحقد، وعرفت إن رحيم مش هيلين
ـ "ماشي يا رحيم أنا ماشيه بس انت كده بتمنع ام عن ابنها
في الحارة
في نفس الوقت، في بيت عايدة، كانت القعدة حامية ونبوية بتشرب الشاي وبتبخ سمها
ـ عارفه يا عايده انا لو منك أعمل ايه عشان اكسرها اروح قدام الملجأ واشردلها وقتها هيخافوا من الفضيحه ويرجعولك كل حاجه اخدوها منك
في اليوم التالي فجأة على صوت صراخ وردح
قدام البوابة الخارجية، وقفت عايدة وجنبها نبوية، وفضلوا يزعقوا بصوت عالي جداً لفت نظر كل اللي في الشارع. الناس بدأت تتلم من كل حتة، والمارة وقفوا يتفرجوا ويشوفوا في إيه.
عايدة أول ما لقت الناس اتجمعت حوليهم، بدأت تتكلم وتصرخ بكلام بالباطل في حق زينب، وقالت بصوت جهوري وهي بتبخ سمها وتصقف بإيدها:
ـ هي دي تربية الملجأ؟! إحنا اللي غلطنا لما فكرنا نيجي نسترها! أنتوا كل بناتكم معيوبة.. ابني اتجوزها ودفع دم قلبه، وفي الآخر طلعت معيوبة، وأخدتوا شقى عمره ونهبتوا فلوسنا
نبوية بدأت تسخنها أكتر وتزعق هي كمان:
ـ "آه يا ناس يا عالم.. اكلوا حقنا ورموا ابني الغلبان، والهانم صايعة ودايرة على حل شعرها
الناس بدأت تهمس ببعضها، والصوت وصل لجوة الدار. خرج أفراد الأمن بسرعة عشان يسيطروا على الموقف، وواحد منهم زعق بعصبية:
ـ "جرى إيه يا ست أنتِ وهي؟ لموا لسانكم واطلعوا برة، دي مؤسسة محترمة مش حارة للردح!"
لكن عايدة زقته وقالت بغل:
ـ "مش هانمشي! والبلد دي ليها حكومة، لازم الكل يعرف حقيقة الملجأ ده وبناته اللي بيسرحوهم .
أمام لمت الناس والتصوير بالموبايلات، اتصل حارس الامن برحيم عشان يبلغه باللي بيحصل.
في الوقت ده، في القصر، كان رحيم قاعد في مكتبه وعينيه لسه بتطق شرار من مواجهة نرمين بالأمس. قاطع تفكيره رنين تليفونه، وبص للشاشة لقى المتصل "أمن دار الرعاية".
رد بسرعة وصوت حاد وقاسي:
ـ أيوة.. في حاجة تخص زينب؟"
جاءه صوت مدير الأمن متوتر وبيترعش:
ـ "أهلاً يا رحيم بيه.. أنا آسف جداً للإزعاج، بس عندنا مصيبة قدام بوابة الملجأ. الست عايدة والست نبوية واقفين في الشارع ولمين الناس حواليهم، وعمالين يشهروا بزينب ويقولوا كلام بالباطل في حقها وفي حق الدار، والناس بدأت تتجمع وتصور. إحنا مش عارفين نسيطر عليهم ومصممين يفضلو واقفين لحد ما الفضيحة تكبر."
تصلبت عروق رحيم، وضغط على التليفون بقوة ، وصوته نزل لطبقة مرعبة تخوف أي حد يسمعه:
ـ "خمس دقائق.. خمس دقائق والموضوع هيتلك
قفل رحيم الخط مع حارس أمن الملجأ، وعينيه كانت بتطق شرار والغضب عمى شوافعه. مكدبش خبر، وضغط على رقم عمار ، وأول ما رد عليه قال له بنبرة حاسمة زي حد السيف:
ـ "عمار.. تاخد رجالة وتطير فوراً على الملجأ اللي كانت فيه زينب. عايدة ونبوية هناك ولمين الناس وبيشهروا بـ زينب وبيجيبوا سيره بنات الملجأ بالباطل. تلمهم من قفاهم من وسط الشارع، وتدخلهم جوة مكتب الأمن وتطلب لهم النجدة وتعملهم محضر سب وقذف وتشهير وتعدي على منشأة.. مش عايزهم يلمحوا الشارع برة لحد ما أقولك."
عمار رد بسرعة وجدية:
ـ "اعتبره حصل يا رحيم ، مسافة السكة والرجالة هيكونوا هناك والمحضر هيتعمل."
في نفس الدقائق دي، رحيم مكنش قاعد ساكت؛ كان مجهز ضربة تقطم ضهر عايدة وتنهي حكاية ابنها . فتح درج مكتبه وطلع صور التقارير الطبية والفحوصات الرسمية اللي تخص "محمد" ابن عايدة، والتي تثبت بالدليل القاطع والمستندات الطبية إنه "غير قادر على الجواز" وعنده عجز كامل.
بإشارة واحدة من رحيم لرجاله بتوع السوشيال ميديا والإعلام في مجموعته، الإشاعة والخبر اتحولوا لـ حقيقة مدعمة بالورق. في أقل من نص ساعة، كانت صور التقارير الطبية مغرقة كل صفحات ومجموعات الفيس بوك الخاصة بالمنطقة والحارة بتاعتهم، والبوستات مالت الدنيا وكل شارع في منطقتهم بقى بيتكلم ويسخر من محمد وعجز والورق الرسمي نزل فضيحة بجلاجل.
قدام بوابة الملجأ، كانت عايدة لسه بتصرخ وتصقف بإيدها:
ـ "ابني اتجوزها ودفع دم قلبه، وفي الآخر طلعت معيوبة، وأخدتوا شقى عمره!"
وفجأة، فرملت تلات عربيات دفع رباعي سودا ونزل منها عمار ومعاه مجموعة من الرجالة الضخمة اللي هيبتهم تخوف. عمار اتقدم بخطوات ثابتة، وبإشارة منه، رجالة الأمن بتوع رحيم حاصروا عايدة ونبوية.
عايدة صوته هدي شوية وخافت:
ـ " جرى إيه يا جدع أنت وهو؟ أنتوا مين؟"
عامر ببرود مرعب:
ـ "إحنا اللي هعلمكم إزاي تتبلوا على أسيادكم.. اتفضلي أنتِ وهي قدامي على جوة من سكات بدل ما تتدفنوا هنا."
الرجالة سحبوهم برعب من وسط ذهول الناس، ودخلوهم مكتب الأمن، وفي ثواني كانت عربية الشرطة وصلت بطلب من عامر وبدأوا يحرروا المحضر رسمي بالبلطجة والتشهير.
في الوقت ده، كان محمد قاعد في شغله وسط زمايله، فجأة لاحظ إن الجو اتغير. زمايله بيبصوا له ويهمسوا لبعض، وفيه اللي بيضحك بخبث ومستخبي ورا شاشة الموبايل.
ثواني وتليفون محمد بدأ يرن ورا بعضه بإشعارات رسائل على الواتساب. بيفتح التليفون لقى زمايله في الشغل باعتين له بوستات منشورة على الفيس بوك، بيفتح البوست لقى صورته متصدرة الشاشة، وتحتها كلام عن حكايته مع زينب، والمصيبة الأكبر... صور تقاريره الطبية اللي بتفضح عجزه بالتفصيل ومكتوب عليها "عشان تداروا على خيبتكم تتبلوا على بنات الناس؟!".
محمد وشه جاب ألوان، الدم هرب من عروقه وحس إن الأرض بتلف بيه. بص حواليه لقى عيون زمايله كلها نظرات سخرية وشفقة. مقدرش ينطق، ساب الشغل وطلع يجري برة زي المجنون، وهو بيبكي من القهر والكسرة. شرفه وسيرته بقوا لبانة في بق كل الناس.
بإيدين بتترعش ودموع مغرقة وشه، ضغط على رقم أمه.
في مكتب الأمن في الملجأ، تليفون عايدة رن، والعسكري سمح لها ترد. فتحت الخط وجاءها صوت محمد وهو بيعيط وينهج زي الأطفال من كتر الفضيحة، وزعق فيها بانهيار وصوت مقهور:
ـ "عملتي إيه يا أمه؟! عملتي إيه يخرب بيتك وبيت اللي طاوعتيه! شردتيني وفضحتيني وسط زمايلي في الشغل وفي الحارة كلها! الناس كلها بتبعتلي صوري وفحوصاتي الطبية والدنيا مقلوبة على الفيس بوك! الكل بيضحك عليا وعارف إني مش راجل! أنتِ فين وعملتي فيا إيه؟!"
التليفون وقع من إيد عايدة، وبصت لنبوية بذهول ورعب، عينيها جاحظة ومش قادرة تنطق ولا كلمة،
سحبت الشرطة عايدة ونبوية لعربية النجدة وسط نظرات الشماتة من الناس اللي كانت واقفة، وعايدة كانت زي المغيبة، رجليها مش شايلاها وصوت ابنها محمد وهو بيصرخ في التليفون لسه بيرن في ودنها وزلزل كيانها.
أما محمد، فمفكرش لحظة واحدة إنه يروحلها الملجأ أو ينجدها؛ الفضيحة كانت أكبر من قدرته على المواجهة. ساب شغله وجري في الشوارع وعينيه في الأرض، حاسس إن كل الناس بتبص عليه وبتشاور على عيبه. وصل البيت ودموعه مغرقة وشه، دخل وقفل الباب وراه بالترابيس، ودخل أوضته وقفل على نفسه وهو بيترعش من الكسرة والقهر، ومش عايز يشوف ضوء الشمس ولا يقابل مخلوق بعد ما سيرته بقت على كل لسان.
في نفس الوقت، قدام مكتب الأمن في الملجأ، كان عامر واقف بيقفل المحضر مع الضابط وبيدي التوجيهات الأخيرة لرجاله عشان يضمن إن اللى حصل ده مايتكررش تانى وياخدوا جزائهم .
في الزاوية، كانت حنان واقفة ومتابعة كل اللي بيحصل وسايبه عمار هو اللر يتصرق . حنان استنت لما عامر يخلص وقررت ، إن دي الفرصة اللي مش هتعوض عشان تستغل وجوده وتتكلم معاه بخصوص "عزة"
اتقدمت حنان بخطوات سريعة قبل ما عمار يمشي، وقالت بصوت واطي ومحرج :
ـ "يا عمار.. لو سمحت دقيقة من وقتك .
عمار لف ليها، ملامحه كانت جامدة وحادة، بس لما شافها ملامحه لانت
ـ اتفضلي يا ست حنان انا فضيت
حنان اتلفتت حواليها تضمن إن محدش سامعها وقربت خطوة:
ـ عمار انا عايزه اتكلم معاك فى حاجة مهمه فى المكتب
ـ تمام اتفضلى
دخلوا المكتب وبدات حنان تفتح مقدمات للموضوع وعمار بقى متلغبط من كلامها وهى حست بده وقررت انها تتكلم بدون لف ودوران
ـ بصراحه كده يا عمار علاقتك بعزه انت شايفها ازاى
الفصل 25
دخل عمار المكتب مع حنان، وكان حاسس بنظراتها اللي بتخترقه. قعدت حنان ورا المكتب، وفضل هو واقف للحظات قبل ما يقعد قصادها، ملامحه الجادة بدأت تتحول لهدوء واحترام شديد للست اللي قدامه.
لما رمت حنان سؤالها الصادم والمباشر
ـ بصراحه كده يا عمار علاقتك بعزه انت شايفها ازاى ؟
عمار سكت لثواني، أخد نَفَس عميق، وبص في عيون حنان بثبات، ومن غير أي لف أو دوران رد بصوت رجولي وواثق:
ـ أنا بحب عزة يا ست حنان.. ومش شايفها مجرد سكرتيرة في المزرعة، أنا شايفها شريكة حياتي.
حنان اتململت في قعدتها، ملامحها اتقسمت بين الراحة من صراحته، وبين القلق والوجع القديم اللي عايش جواها على بنات الدار. اتنهدت وقالتله بنبرة هادية بس محملة بخوف الأم:
ـ يا عمار بيه، أنت راجل صاحب فضل، واللي عملته النهاردة مع زينب يثبت إنك أصيل. بس عزة بنت ملجأ.. ملهاش ضهر غيرنا، والدنيا مش بتسيب حد في حاله، وأنت مقامك ونفوذك وعيلتك يا ابن الناس.. هل أهلك هيقبلوا؟
هل أنت مستعد تقف قصاد الدنيا عشانها، ولا دي مجرد مشاعر إعجاب ووقت وهيمر؟ وومكن اهلك يرفضوا
عمار قرب بجسمه لقدام، وحط إيديه على المكتب وقال بنبرة صادقة جداً لدرجة هزت حنان:
ـ أنا مش مراهق يا ست حنان عشان أتسلى بمشاعري. أنا متأكد من كل حرف بقوله. عزة دخلت حياتي وغيرتها، نقائها وبساطتها وعزة نفسها هما اللي شدوني ليها. وبخصوص عيلتي.
أنا راجل مستقل ومسؤول عن قراراتي، ورحيم أخويا ضهري وسندي ومستحيل يقف في طريق سعادتي، بالعكس. أنا مش عايزك تخافي على عزة مني، أنا عايزك تكوني ضهري وتساعديني."
حنان بصتله بذهول:
ـ "أساعدك؟ أساعدك في إيه يا عمار؟"
عمار ابتسم ابتسامة هادية وفيها رجاء:
ـ تساعديني أقرب منها من غير ما تحس بخوف أو حرج. عزة حاطة بيني وبينها حواجز وحدود من حديد، الحادثة بتاعة النهاردة والوجع اللي في رجلها خلاها تلين شوية، بس أنا مش عايز أضغط عليها ولا أخوفها. أنا هبعت لها الشغل للبيت زي ما قولت، وعايزك أنتِ تراقبيها.. وتطمنيها من ناحيتي. أنا بطلبها منك بشرع الله، بس عايزها هي كمان تفتح لي قلبها وتطمن لي.
حنان لقت نفسها بتبتسم غصب عنها، صراحة عمار ورجولته في المواجهة خطفوا احترامها. هزت راسها وقالت.
ـ "طالما دخلت البيوت من أبوابها يا ابن الناس، وأنا شايفة الصدق في عينك، يبقى أنا معاك. بس لو حسيت في يوم إنك هتكسر بخاطر بنتي، هكون أنا أول حد يقف في وشك.
عمار قام وقف وباس على راس حنان باحترام:
ـ لو كسر خاطرها يبقى بموتي يا ست حنان. سيبيني بقا أروح أطمن على الباقي وأتابع المحضر.
في نفس الوقت، في قصر رحيم.
كانت زينب قاعدة في أوضة مالك بعد ما هدي ونام. كانت بتفكر في كل اللي حصل.. في نرمين وإهانتها ليها، وفي دخلة رحيم وصوته اللي زلزل المكان عشان يدافع عنها. كلمته اللي يغلط فيها يبقى بيغلط في رحيم الهواري كانت بترن في ودنها وتعمل زلزال في قلبها.
تليفونها رن، لقت المتصل حنان. ردت بلهفة وقلق:
ـ أيوة يا ماما حنان! خير، عزة كويسة؟"
حنان صوتها كان مليان راحة وطمأنينة:
ـ "عزة كويسة والحمد لله في أوضتها بتطمن.. بس مش عزة اللي كانت في مشكلة يا زينب. طليقك وأمه جوم لحد باب الملجأ وكانوا عايزين يعملوا فضيحة."
زينب قلبتها سقطت، ودموعها نزلت فجأة:
ـ "يا مصيبتي! جم يعملوا إيه؟ وشوهوا سمعتي؟ أنا ذنبي إيه بس يا رب.."
حنان قاطعتها بسرعة وحزم:
ـ "اهدي يا بنتي واسمعيني! الموضوع خلص في دقايق. رحيم بيه وعمار بيه قلبوا الدنيا. عمار جه بنفسه ورجالته ولموهم من وسط الشارع وعملوا لهم محضر بلطجة وتشهير، ودلوقتي عايدة ونبوية محبوسين في القسم.. ومش بس كده، رحيم بيه نشر الورق الطبي بتاع ابنها وفضح عيبه في المنطقة كلها، وبقى هو اللي فضيحته بجلاجل ومش قادر يخرج من بيته!
زينب حطت إيدها على بوقها بذهول، الدموع بقت تنزل من الصدمة مش من الخوف. رحيم عمل كل ده؟ عشانها؟ انتقم لها ورد لها كرامتها اللي اتداست في ثواني؟
قاطعت المكالمة مع حنان بعد ما اطمنت، وفضلت قاعدة مش مصدقة. خرجت من أوضة مالك بخطوات ميتة، ونزلت السلم وهي بتدور عليه. لقت القصر هادي جداً، وصوت نابع من مكتبه.
مشيت لحد الباب، ولقت الباب موارب. رحيم كان قاعد ورا مكتبه، قالع جاكيت البدلة، وفاتح أول زرارين من قميصه، وملامحه فيها إرهاق وغضب لسه ماختفتش تماماً.
دقت الباب بخفة، رحيم رفع عينه وبصلها، ونظرة الحمار والحدة اللي كانت في عينه اتمحت أول ما شافها.
ـ "زينب؟ مالك نام؟" صوته كان هادي ودافي، عكس الإعصار اللي كان شغال بره.
زينب دخلت خطوتين، إيديها كانت بتترعش، وبصت له وعيونها مليانة دموع وقالت بصوت مخنوق .
ـ رحيم بيه.. أنا عرفت باللي حصل في الملجأ.
رحيم قام من ورا مكتبه وقرب منها، وفضل واقف على مسافة قريبة، وعينه في عينها:
ـ بتعيطى ليه مش حقك جالك ؟
زينب رفعت عينيها اللي مليانة دموع، وبصت لرحيم بنظرة مكسورة بس فيها كمية امتنان وتقدير هزت كيانها. بلعت ريقها وصوتها طلع مخنوق ومتحشرج من كتر المشاعر اللي حبساها في قلبها:
ـ "أنا مش بعيط من الزعل يا رحيم بيه.. أنا بعيط لأن لأول مرة في حياتي أحس إن ليا ضهر، أول مرة أحس إن في حد ممكن يهد الدنيا عشان يرجعلي حقي ويحفظلي كرامتي."
نزلت دموعها أكتر، فقربت خطوة وكمّلت بنبرة طالعة من أعماق قلبها:
ـ "أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. شكراً على كل حاجة عملتها معايا، وعلى كل اللي بتعمله دلوقتي، وعلى أي حاجة لسه هتعملها عشان تحميني. أنا عمري ما هنسالك اللي عملته النهاردة.. أنت.. أنت في نظري دلوقتي أعظم راجل في العالم كله.
الكلمة طلعت منها عفوية وصادقة، ووقعت على ودن رحيم زي السحر. رحيم اتسمر مكانه، ونظرته الحادة المعتادة اتمحت تماماً، وحل مكانها لمعة دافية وغموض مليان تملك. قرب منها أكتر، لدرجة إن المسافة بينهم بقت خطوة واحدة، وبص في عينيها بتركيز رهيب وهو بيقول بصوت منخفض، هادي وحازم في نفس الوقت:
ـ أنا ما بعملش كل ده عشان اسمع كلمة شكر يا زينب.. أنا بعمل ده لأن ده مكاني، وده طبعي مع اللي يخصني. وأنتِ من يوم ما دخلتي البيت ده وبقيتي مسؤولة عن مالك.. بقيتي مسؤولة مني أنا كمان.
سكت لحظة، وعينيه اتعلقت بملامح وشها المرتبكة، وكمل بنبرة فيها وعد قاطع
ـ "كلمة 'أعظم راجل في العالم' دي مكانها مش هنا وأنتِ بتعيطي.. مكانها لما تشوفي اللي جاي، ولما تتأكدي إن طول ما رحيم الهواري على وش الأرض، مفيش مخلوق هيقدر يخلّي عينك تنزل في الأرض تاني. ادخلي أوضتك دلوقتي، وارتاحي، وعايزك تصحي الصبح ناسية كل اللي حصل برة البوابة.. مفهوم؟
زينب هزت راسها بإيجاب وهي مش قادرة تنطق، لفت وخرجت من المكتب بقلب بيدق بعنف، حاسة إن الإعصار اللي جوة رحيم بدأ يتسرب لروحها ويغير كل حساباتها.
في دار الرعاية، كانت عزة قاعدة في سريرها، ورجلها مرفوعة على مخدة زي ما الدكتور قال، واللاب توب مفتوح قدامها. كانت بتحاول تركز في الملفات اللي باعتها عمار، بس عقلها كان شارد في ملامحه وهو شايلها، وفي كلمته الغامضة: "دي مش أول مرة أشيلك فيها يا عزة".
قطع تفكيرها دخول حنان وهي شايلة صينية عليها كوباية عصير دافي. حنان قعدت على طرف السرير وبصت لعزة بنظرة طويلة مليانة حنان وقلق أمومة.
عزة عدلت قعدتها وقالت بابتسامة:
ـ تسلم إيدك يا ماما حنان.. تعباكي معايا.
حنان حطت الصينية واتنهدت تنهيدة غويطة
ـ تعبك راحة يا قلب ماما.. قوليلي، الشغل ماشي إزاي وأنتِ في السرير؟"
عزة عينيها لمعت:
ـ عمار بيه بعتلي كل ملفات الحسابات والمشتريات الجديدة على الإيميل، وبصراحة مسهل عليا كل حاجة، وكل شوية يبعت رسالة يطمن لو محتاجة وقت زيادة.
حنان سكتت لحظة، وبعدين قررت تفتح معاها الموضوع اللي اتفقت فيه مع عمار. طبطبت على إيد عزة وقالت بنبرة هادية وممهدة:
ـ عمار بيه ده راجل أصيل ومحترم يا عزة.. اللي عمله النهاردة مع زينب، واهتمامه بيكي وتوصيلك لحد هنا ورفضه إنك تتعبي، كل دي حاجات بتقول إنه راجل بجد، وبيفهم الأصول.
عزة وشها احمر فجأة وبصت في اللاب توب بتوتر:
ـ فعلاً يا ماما.. هو مدير طيب جداً وبيراعي ربنا في الشغالين معاه.
حنان ابتسمت بخبث أمومي وقربت منها:
ـ مدير وطيب بس يا عزة؟ ولا في حاجة تانية؟ بصي في عيني يا بنتي.. نظرات عمار ليكي مش نظرات مدير لسكرتيرة، ولا اهتمامه ده اهتمام شغل. الراجل ده شريكي فيكي وطلبك مني بشرع الله والنهاردة فتح معايا الموضوع في المكتب."
عزة اتصدمت، وعينيها اتسعت بذهول، واللاب توب كان هيقع من إيديها:
ـ "إيه؟! طلبني منك؟ عمار بيه يا ماما؟!"
حنان هزت راسها بالراحة:
ـ "أيوا يا عزة، وقالي إنه بيحبك وعايزك شريكة حياته، وأنه مستعد يقف قصاد الدنيا كلها عشانك. أنا قولتله إنك بنت الدار ومالكيش ضهر، قالي أنا ضهرها وأمانها. أنا شايفة الصدق في عينه يا بنتي، بس كان لازم أرجعلك.. قوليلي، قلبك بيقولك إيه من ناحيته؟"
عزة حست إن الدنيا بتلف بيها، ضربات قلبها بقت مسموعة، والأسئلة بدأت تتصارع في دماغها.. عمار بيحبها؟ وعايز يتجوزها؟ وفي نفس الوقت، الكلمة القديمة رجعت ترن في ودنها وتخلق علامات استفهام تانية.
توقعات وقفل للبارت الجاي:
رد فعل عزة: يا ترى عزة هتعترف لحنان بمشاعرها، ولا خوفها من الفروق الاجتماعية وبأنها "بنت ملجأ" هيخليها تتردد وتطلب وقت تفكر؟ وياترى الماضى لسه ملاحق وجوازتها السابقه هتأثر فى قرارها
عزة اتسمرت في مكانها، وعينيها كانت بتلف في الأوضة بتوتر وقلق واضح. حطت اللاب توب على جنب بإيدين بترتعش، وحست إن في جبل نزل على كتافها فجأة. كلام حنان كان صدمة ومفاجأة مكنتش مستعدة ليها أبداً.
نزلت عينيها في الأرض، والذكريات بدأت تهاجمها زي السيل.. افتكرت الماضي، وافتكرت طليقها اللي كانت خدامه ليه ولأهله ولاخواتخ ورماها فى الاهر فى المستشفى بين الحياه والموت ، ورجعت الدار مكسورة الجناح. افتكرت الحواجز اللي بنتها حوالين نفسها عشان تحمي قلبها من الوجع تاني.
بصت لحنان ودموعها لمعت في عينيها وقالت بنبرة خايفة ومترددة:
ـ "بس يا ماما حنان.. أنا خايفة. أنا جربت قبل كده والنتيجة كانت كسر نفس وخاطر. الماضي لسه معلم عليا، وكل ما افتكر اللي حصل بخاف أفتح الباب لأي حد.. وعمار بيه راجل نفوذ ومقامه عالي، وأنا.. أنا بخاف من بكرة."
حنان قربت منها أكتر، وأخدت إيديها المرتعشة بين كفوفها، وبصت في عينيها بنظرة كلها حنان وأمومة وثقة، وقالتلها بصوت دافي يطمن:
ـ "يا عزة يا بنتي.. لو كل الرجالة زي طليقك، مكنتش ولا واحدة عمرت في جوازة يا قلب أمك! الدنيا مش كلها سواد، وأصابعك مش زي بعضها."
طبطبت على إيدها وكمّلت بكلام يوزن بلد:
ـ "شوفي بنات الملجأ اللي اتجوزوا قبلك.. ما شاء الله عليهم، كلهم عايشين سعداء ومتهنيين في بيوتهم، لأنهم اختاروا رجالة بتصون وتصان. أهم حاجة في الدنيا دي كلها هي 'الراجل' ومعدنه.. وعمار راجل ابن أصول، وأنا بعد اللي شفته منه، وتصرفه معاكي ومع زينب، أضمن لك عمار برقبتي يا عزة."
كلام حنان نزل على قلب عزة زي البلسم، وخلى الرعب اللي جواها يهدأ شوية. عزة سكتت ووشها جاب ألوان من الكسوف، وحست إن الحواجز اللي حطاها قدام عمار بدأت تدوب وتنهار قدام صدقه وضمان حنان ليه.
نزلت عزة عينيها الأرض، وابتسامة كسوف حقيقية اترسمت على شفايفها لأول مرة من سنين، ووشها اتصبغ باللون الأحمر. كلام حنان طمن الخوف اللي عشّش في قلبها، وحست إن الأمان اللي كانت بتدور عليه مش بعيد.
هزت راسها بنبرة صوت خافتة ومكسوفة:
ـ "سيبيني أفكر يا ماما.. بس كلامك خلاني أشوف حاجات كتير مكنتش واخدة بالي منها."
حنان ابتسمت بفرحة وبستها من راسها:
ـ "فكري براحتك يا قلب ماما، الراجل شاري، وأنا معاكي في أي قرار."
في أوضة مالك. زينب كانت قاعدة جنبه على السرير، بتملس على شعره بحنان وهو باصص ليها بعيون واسعة ومليانة شغف، بعد ما تخلصت تماماً من خوفها وبقت حاسة بإنها وسط عيلتها وحمايتها.
مالك سألها بصوته الطفولي:
ـ "زينب.. هو أنتِ كنتِ فين قبل ما تيجي تعيشي معايا هنا؟ يعني إيه 'الملجأ' اللي بابا راحلك فيه؟"
زينب ابتسمت بحنان، وقربت منه أكتر وقالت بصوت دافي مليان مشاعر:
ـ "الملجأ ده يا لوكا.. مكان واسع وجميل أوي، فيه جنينة كبيرة، وبيت كبير فيها أطفال زي العصافير. الأطفال دول معندهمش بابا وماما زي بقية الولاد، بس ربنا جعل الدار دي هي بيتهم الكبير، وماما حنان هي أمهم اللي بتخاف عليهم وتحميهم."
مالك اتعدل في قعدته واهتمامه زاد:
ـ "يعني هما عايشين كلهم مع بعض؟ وبيلعبوا سوا؟"
زينب هزت راسها ودموع اللمعة في عينيها دافية:
ـ "آه يا حبيبي، بيلعبوا، وبيذاكروا، وبيحبوا بعض جداً. بس ساعات بيحسوا إنهم محتاجين حد يزورهم، حد يلعب معاهم ويحسسهم إن الدنيا مليانة ناس بتحبهم. أنا كنت هناك معاهم، وبقضي معاهم أحلى الأوقات."
مالك لمعت عيونه ببريق طفولي خالص، وقال بلهفة:
ـ "أنا نفسي أروح هناك يا زينب! نفسي أشوف الأطفال دول وأخد معايا كل اللعب بتاعتي العب معاهم وأديهالهم.. هما ينفع يبقوا أصحابي؟"
في اللحظة دي، الباب اتفتح بهدوء، ودخل رحيم بعد ما غير هدومه لبنطلون مريح وتيشرت أسود برزت فيه هيبته وعضلاته. ملامحه كانت هادية تماماً، وعينيه اتعلقت بزينب اللي ارتبكت أول ما شافته وافتكرت كلامه معاها في المكتب.
رحيم قرب من السرير وسأل بصوته الرخيم:
ـ "سامع كلام عن سفر وخروج.. مين اللي عايز يروح فين؟"
مالك اتنطط على السرير وجري على حضن أبوه:
ـ "بابا! زينب كانت بتكيلي عن الملجأ والأطفال اللي هناك.. أنا عايز أروح ألعب معاهم يا بابا، أرجوك خلينا نسافر ونروح نشوفهم، أنا عايز أديهم لعب من بتاعتي!
رحيم رفع عينه وبص لزينب نظرة طويلة، غامقة ومليانة معاني، كأنه بيقرأ اللي جواها ويشوف تأثير كلامه عليها. زينب نزلت عينيها بتوتر ودقات قلبها زادت.
رحيم رجع بص لمالك وطبطب على ضهره بحنان حازم:
ـ "عايز تسافر وتزورهم يا مالك؟"
مالك هز راسه بحماس:
ـ "أيوة يا بابا.. أرجوك!"
رحيم ابتسم ابتسامة خفيفة، وبص لزينب تاني وقال بنبرة صوت واثقة وفيها أمر غير مباشر:
ـ "خلاص يا بطل، جهز نفسك، هناخد زينب معانا وهنسافر كلنا زيارة للدار.. والزيارة دي هتبقى باسمك أنت وزينب."
زينب رفعت عينيها لرحيم بذهول وفرحة مكنتش قادرة تخبيها، والراجل ده كل ثانية بيثبتلها فعلاً إنه مش بس ضهر.. ده بيعرف يداوي القلوب بالطريقة اللي تليق برحيم الهواري.
الفصل 26
في صباح اليوم التالي، الشمس طلعت ونورت أوض الملجأ، وعزة كانت صاحية من بدري، باصة للسقف وكلمات ماما حنان بتلف في دماغها زي السواقي. لأول مرة من سنين، تحس إن الحصار اللي فرضته على قلبها بدأ يتشقق، وإن فيه أمل حقيقي جاي في السكة، بس الخوف لسه قابع في زاوية مستخبية جواها.
قطع تفكيرها خبط هادي على الباب، ودخول حنان وعلى وشها ابتسامة صافية:
ـ "صباح الخير يا قلب أمك.. رجلنا النهاردة أحسن؟"
عزة ابتسمت وحركت رجلها بالراحة:
ـ "الحمد لله يا ماما، الوجع قل كتير.. تسلمي لي يا رب."
حنان قعدت جنبها وقالت بنبرة ذات مغزى:
ـ "طب يالا شدي حيلك، عشان عمار بيه اتصل ومأكد عليا إنه جاي بنفسه على العثر كده، قالي معاه ملفات حسابات مهمة للمزرعة لازم تراجعيها معاه بنفسك،
عزة وشها اتخطف وجاب ألوان، وبدأت تفرك في غطا السرير بتوتر المره دى وجود عنار مختلف عن كل مره بسبب كلامها مع حنان المره اللى فاتت وبسبب انها عرفت نيته تجاهها
ـ حاضر هقوم اجهز واخرج انا حاسه انى اقدر اتحرك وممكن انزل المزرعه تانى
عصر نفس اليوم، عربية عمار وقفت قدام الدار. نزل بهيبته الطاغية، لابس قميص كحلي مبرز طوله وعرضه، وفي إيده ملفات الشغل. دخل الدار بخطوات ثابتة، واستقبلته حنان بترحيب حار، ودخلته مكتبها وكانت عزه منظراع عشان تقابله وتبدا شغل
عمار دخل المكتب، وأول ما عينه جت على عزة، ملامحه الحادة لانت تماماً واتحولت لنظرة دافية مليانة لهفة. قرب منها وقعد في الكرسي المقابل ليها، وحط الملفات على المكتب .
ـ ألف سلامة عليكي يا عزة.. إن شاء الله تكوني أحسن النهاردة؟
عزة نزلت عينيها الأرض والدموية هربت لخدودها اللي بقت زي الطماطم:
ـ الله يسلمك يا عمار بيه.. الحمد لله، وبقيت أحسن كتير بفضل الله وممكن كمان ارجع الشغل بقيت اقظر اتحرك بسيط
عمار سكت لحظة، وبص للملفات وبعدين رجع بص لعزة بثبات وقرر إنه مش هيضيع وقت في الكلام الرسمي. قرب بجسمه شوية وقال بنبرة صادقة هزت كيانها:
ـ عزة.. أنا مش جاي عشان الحسابات والملفات دي، أنا جيت عشان ست حنان أكيد كلمتك في اللي دار بيني وبينها امبارح.
عزة اتسمرت مكانها، وأنفاسها بدأت تتسارع، ومقدرتش ترفع عينها تبص له. عمار كمل وكلامه طالع من أعماق قلبه:
ـ أنا عارف إنك خايفة، وعارف إن الماضي ساب فيكي جرح مش سهل يلم، ومقدر حواجز الحديد اللي حطاها بينك وبين الدنيا. بس أنا عايزك تعرفي حاجة واحدة.. أنا عمار ، لما بختار، بختار بقلبي وعقلي مع بعض. وأنا اخترتك أنتى، وشايفك ست بيتي والضهر اللي هسند عليه. مش عايزك تفكري في فروق اجتماعية ولا في كلمة 'بنت ملجأ'، لأنك عندي غالية وتوزني بلد.. كل اللي محتاجه منك، تديني فرصة، وتفتحي الباب لأمانك اللي جاي .. عزه انتى لو طلبتى اى ضمان يضمن كلامى انا موافق ومستعد لانى عارف انى هقدر اصونك واسعدك
كلام عمار نزل على قلب عزة زي المطر في أرض ناشفة، دموعها لمعت في عينيها من كتر التأثر، ولأول مرة تحس ، وإن الراجل اللي قدامها ده فعلاً يقدر يمحو كل الوجع القديم. رفعت عينيها وبصت له بنظرة هادية ومكسوفة، وهزت راسها ببطء من غير ما تنطق، والابتسامة الخفيفة اللي ظهرت على شفايفها كانت كافية لعمار عشان يفهم إن الحواجز بدأت تنهار.
قرر عمار انه يسبها ويتكلم معاها مره تانيه ويعرفها عن نفسه وعيلته وعلاقته برحيم
فى القصر، ومالك صاحي من بدري جداً، عمال يتنطط من الفرحة ومستني اللحظة اللي هيخرجوا فيها. زينب نزلت وراه وهي لابس طقم رقيق وهادي، والابتسامة مش مفارقة وشها .
خرج رحيم من جناح الخصوصي بتاعه، بكامل هيبته وأناقته المعتادة، لابس بنطلون جينز غامق وقميص كاجوال كاشف عن وسامته وطوله. بص لمالك اللي جِري عليه ومسك في إيده:
ـ "بابا! يلا بينا بقا، أنا جاهز واللعب مستنيانا في المول!"
رحيم ابتسم ابتسامة خفيفة وطبطب على راسه:
ـ "يلا يا بطل، العربيات جاهزة برة."
بص لزينب اللي كانت واقفة ومكسوفة، ونظراته الدافية ثبتت عليها لثواني هزت كيانها، وقال بنبرة هادية:
ـ "جاهزة يا زينب؟"
زينب هزت راسها بخجل:
ـ "جاهزة يا رحيم بيه..
اتحركوا ورا بعض وركبوا العربية، ورحيم ساج بنفسه والبودي جاردز وراهم في عربيات تانية عشان الخصوصية. مالك طول الطريق كان عمال يتكلم بحماس عن اللعب اللي عايز يشتريها لأصحابه في الدار، وزينب بتشاركه الفرحة وبتبص لرحيم من وقت للتاني في مراية العربية، وتلاقيه عينه عليها بلمعة تملك غريبة بتخطف دقات قلبها.
وصلوا واحد من أكبر المولات، وأول ما دخلوا، رحيم أخد مالك في إيده، ومشى وزينب جنبه كأنهم عيلة حقيقية، والناس كلها بتبص عليهم بإعجاب للهيبة والجمال اللي هما فيه. دخلوا محل ألعاب أطفال كبير جداً، ومالك أول ما شاف اللعب عينيه لمعت وبدأ يجري هنا وهنا.
مالك كان بيختار اللعب بشغف كبير، يمسك الكورة ويقول: ويمسك العروسة وعربيه كل ما يشوف حاجه تعجبه يجبعا زينب كانت ماشية وراه، بتساعده يختار الحاجات الصح وتوجهه بحنان، ورحيم واقف على بعد خطوات، حاطط إيديه في جيوبه ومتابعهم، وملامحه القاسية اللي الكل بيخاف منها، دابت تماماً وحل مكانها راحة وسعادة مكنش حس بيها من سنين.
بعد ما خلصوا قسم الألعاب والخدم بتوع المحل جمعوا كل الشنط، رحيم أخد مالك ودخلوا محل ملابس براند كبير للأطفال. مالك بدأ يختار هدوم ولعب لنفسه كمان وهو فرحان ومبسوط، وزينب بتنقيله الألوان اللي تليق عليه وتظبط المقاسات.
وفجأة، رحيم ساب مالك مع الحرس وجيه وقف جمب زينب اللي كانت بتطبق جاكيت لمالك. بص لها بنظرة عميقة وقال بصوته الرخيم الهادي:
ـ "زينب.. أدخلي اتفرجي على لبس ليكي، ونقي كل اللي يعجبك."
زينب اتفاجأت وبصت له بسرعة بذهول:
ـ "أنا؟ لأ طبعاً يا رحيم بيه أنا مش محتاجة حاجة، واللبس اللي عندي كتير والحمد لله."
رحيم قرب منها خطوة، ونبرة صوته بقت حازمة بس فيها حنان مش طبيعي:
ـ "أنا مباخدش رأيك يا زينب، أنا بقولك نقي لبس ليكي. يلا، اتفضلي نقي اللي يعجبك ومن غير نقاش.
زينب بلعت ريقها، وقلبها عمل زلزال عنيف من كلمته لقت نفسها بتسلم لأمره ومش قادرة ترفض الطلب، مش عشان الهدوم، بس لأن اهتمامه وتدليله ليها بيخليها تحس إنها ملكت الدنيا كلها. مشيت بخطوات مرتبكة وبدأت تنقي فساتين وأطقم رقيقة على ذوقها، ورحيم عينه مسبتهاش لحظة، والابتسامة مرسومة على شفايفه بنصر.
بينما هما عايشين في قمة السعادة والانبساط في المول، والشنط بتتملي فرحة وهدايا..
رجعوا القصر والشنط مالية العربيات، ومالك مش قادر يستنى من كتر الحماس. رحيم ماضيعش وقت، وأمر الرجالة يجهزوا العربيات الكبيرة عشان السفر للملجأ، وكل الهدايا واللبس واللعب اللي اشتراها مالك بنفسه اتصفت بالترتيب.
زينب طلعت أوضتها تغير هدومها وتجهز نفسها، فتحت الدولاب وبصت للأطقم الجديدة اللي رحيم صمم يشتريها لها. اختارت فستان رقيق ومحتشم جداً، لونه هادي ويليق بملامحها الصافية. أول ما بصت في المراية، حست إنها مش مصدقة التغيير اللي حصل في حياتها؛ من بنت مكسورة وجرحها لسه بينزف، لـ إنسانة حاسة بقيمتها وكرامتها مرفوعة في السما بفضل ربنا ثم الراجل اللي مستنيها تحت.
نزلت السلم، وكان رحيم واقف لابس نظارته الشمسية وجاكيت كاجوال أنيق، ومالك ماسك في إيده. أول ما رحيم رفع عينه وشافها نازلة بالفستان الجديد، عينيه لمعت ببريق تملك وإعجاب واضح، وملامحه القاسية لانت تماماً. قرب منها وقال بصوته الرخيم الدافي:
ـ "الفستان لايق عليكي جداً يا زينب يالّا بينا، العربيات جاهزة والكل مستنينا هناك.
ركبوا العربية، ومالك في النص مش بيبطل كلام وضحك، ورحيم سايق ومركّز في الطريق، بس من وقت للتاني كان بيبص لزينب ونظراته بتطمن قلبها وتأكد لها إن الخوف ملوش مكان في حياتها تاني طول ما هو موجود.
بعد مسافة السكة، وصلت القافلة قدام بوابة الملجأ. العربيات السودا الفخمة وقفت، والحرس نزلوا بسرعة يفتحوا الأبواب ويجهزوا الشنط والهدايا.
الدار كلها كانت مقلوبة ومنورة؛ الأطفال واقفين في الجنينة ومستنيين بلهفة، وست حنان وعزة واقفين على الباب والابتسامة مالية وشوشهم. مالك أول ما الباب اتفتح، ، جري على الأطفال وهو شايل أول شنطة ألعاب وعالي صوته بفرحة:
ـ "أنا جيت! وجايب لكم معايا لعب كتير أوي نقسمها سوا!"
زينب نزلت وعينيها مليانة دموع الفرحة، جريت على ماما حنان وأخدتها في حضنها الغالي، وحنان بتطبطب عليها وبتقول بنبرة كله فخر:
ـ "نورتي بيتك يا قلب أمك.
عزة قربت منهم وهي بتعرج بسيط ورجلها أحسن كتير، وسلمت على زينب بفرحة، وعينيها جت في عين عمار اللي كان واقف ورا رحيم، ووشها احمر كالعادة من الكسوف الحقيقي.
رحيم اتقدم بخطواته الثابتة اللي ليها هيبة تهز المكان، وبص للأطفال ومالك وهو بيوزع اللعب بنفسه والضحكة مالية وشه
رحيم وقف يراقب المشهد وعينيه فيها لمعة رضا غريبة مكنتش بتظهر عليه أبداً، وفجأة مالك شد إيده:
ـ "بابا.. تعالى العب معانا كورة! أرجوك يا بابا عشان نكسبهم!"
زينب بصت لرحيم بابتسامة ومكنتش تتوقع إنه يوافق، بس رحيم قلع نظارته الشمسية واداها لعمار، وبكل هيبة ورشاقة دخل وسط الأطفال وبدأ يلعب معاهم الكورة. ضحكته الرخيمة الرجولية طلعت لأول مرة من قلبه وهو بيجاري مالك والأطفال في اللعب. عمار مكدبش خبر، شمر كمام قميصه ودخل هو كمان الفريق المنافس، وبقت الجنينة عبارة عن ساحة من الفرحة والضحك اللي طالع من القلب، وزينب وماما حنان واقفين على جنب وعيونهم مليانة دموع من كتر الدفء اللي مالي المكان.
وسط اللعب والهيصة، رحيم وقف الكورة بإيده وصفر بصوته عشان يلم الأطفال حواليه، وقال بصوت عالي ومليان حماس:
ـ "اسمعوا يا أبطال! بمناسبة اليوم الجميل ده، أنا وعمار مجهزين لكم مفاجأة.. بعد بكره كلكم طالعين رحلة كبيرة ، هنروح الملاهي الكبيرة وهنقضي يوم كامل لعب وتنطيط، ومحدش هيرجع إلا وهو مبسوط .
الأطفال أول ما سمعوا كلمة "رحلة وملاهي"، صرخوا من الفرحة وفضلوا يتنططوا ويسقفوا، وعزة كانت واقفة ساندة على باب المكتب وبتبص لعمار بنظرة كلها إعجاب وتقدير حقيقي لقلبه الطيب اللي بيعرف يفرحهم إزاي، وعمار لم المحها وبادلها نظرة دافية طمنتها أكتر.
على المغربية، الجو هدي شوية، والأطفال دخلوا يتعشوا ويستعدوا للنوم. زينب قربت من رحيم وقالت بنبرة مكسوفة وخافتة
ـ "رحيم بيه.. أنا.. أنا كنت عايزة أطلب من حضرتك طلب لو ينفع.. أنا حابة أبات النهاردة هنا في الملجأ مع ماما حنان وعزة والأطفال، وحشتني قعدتهم أوي، ولو حضرتك وافقت هصحي الصبح بدري وأرجع القصر فوراً."
رحيم بص لها نظرة طويلة، غامقة وفيها تملك، لسه هيتكلم لقى مالك شبط في فستان زينب وصوته طالع بطفولة وعناد:
ـ "لأ يا زينب! مش هتمشي وتسيبينا! أنا عايز أبات معاكي هنا.. بابا، أرجوك خلينا نُقعد مع زينب النهاردة هنا في الملجأ، أنا حبيت الأطفال وعايز أنام جمبهم!"
زينب ارتبكت وبصت لرحيم بتوتر، ورحيم طبطب على راس مالك وقال بحنان حازم:
ـ "مالك.. زينب هتبات هنا النهاردة عشان وحشوها، وأنا وأنت هنروح المزرعة مع عمك عمار عشان ورانا شغل مهم الصبح بدري، والصبح هنيجي ناخدها ونرجع كلنا.. مفهوم يا بطل؟"
مالك برطم شوية بس لما شاف نظرة أبوه الحاسمة وافق وهز راسه:
ـ "ماشي يا بابا.. بس نيجي بدري أوي."
رحيم لف وبص لزينب، وقرب منها خطوة وبقى صوته منخفض ومرعب في دفيء تملكه:
ـ "باتي النهاردة يا زينب وارتاحي وسط أهلك..
اتحرك رحيم وعمار وأخدوا مالك معاهم وركبوا العربية واتجهوا للمزرعة القريبة من الملجأ.
أول ما وصلوا المزرعة، رحيم نزل بملامحه الجادة اللي رجعت لطبيعتها، ودخل المكتب الكبير وبدأ يراجع مع عمار أوراق الشغل والحسابات الأخيرة، وعمار فتح اللاب توب وبدأ يوريه آخر التطورات في خطوط الإنتاج الجديدة ومشتريات الأجهزة.
رحيم كان بيسمع بتركيز وعينيه بتفحص كل صغيرة وكبيرة، وقال بصوته الحاد:
ـ "الشغل ماشي مظبوط يا عمار.. المزرعة هنا هي أساس شغلنا الجديد، وعايز التقارير دي تتبعت أول بأول.. وبخصوص عزة، واضح إنها مخلصة في شغلها ومنظمة جداً في الحسابات اللي بعتتهالي."
عمار ابتسم بفخر وقال:
ـ "عزة مفيش منها يا رحيم.. وهي اللي شايلة حسابات المزرعة كلها على كتافها."
قضوا الليلة في مكتب المزرعة بيتابعوا الشغل لحد الفجر، ورحيم وعمار عينهم على بكرة، وكل واحد فيهم جواه إعصار من المشاعر والأفكار تجاه البنت اللي خطفت قلبه وغيرت حساباته تماماً.
الفصل 27
في صباح اليوم التالي، الدار كانت مليانة بحركة ونشاط غير عادي. الأطفال صاحيين من بدري، لابسين أحسن هدوم عندهم، وصوت ضحكهم مالي المكان استعداداً لرحلة الملاهي اللي رحيم وعمار وعدوهم بيها.
زينب نزلت السلم وهي لابس فستان رقيق بلون الكشمير الهادي، مبرز صفاء ملامحها، وأول ما شافتها حنان اتنهدت بابتسامة وفخر:
ـ "بسم الله ما شاء الله يا بنتي.. ربنا يحميكي ويسعد أيامك."
زينب ابتسمت بكسوف:
ـ "تسلمي لي يا ماما.. أنا حاسة إن بقالي كتير ما فرحتش من قلبي كدة."
في نفس اللحظة، كانت عزة خارجة من أوضتها، لابس دريس رقيق جداً باللون الكحلي، ورجلها بقت أحسن كتير بفضل الله، الكسوف كان باين في مشيتها وهي بتفتكر كلام عمار ليها امبارح في المكتب وعهده ليها إنه هيكون أمانها وضهرها.
برة الدار، صوت كلاكس العربيات أعلن عن وصول العربيات اللي هتنقلهم الملاهى
وقفت عربية رحيم وعربية عمار، والحرس نزلوا يفتحوا الأبواب بهيبة تليق بيهم. رحيم نزل بكامل وسامته وأناقته الكاجوال، نظارته الشمسية على عينه، ولمح زينب واقفة على الباب.. قلع النظارة ببطء، ونظرة عينه الغامقة والثابتة اتعلقت بوشها، نظرة مفيهاش كلام بس فيها كمية "تملك وأمان" خلت قلب زينب يدق بعنف، وابتسمت له بخجل حقيقي.
مالك جِري من العربية على زينب وأخدها في حضنه:
ـ "زينب! وحشتيني أوي.. يلا بينا الملاهي جاهزة!"
أما عمار.. فنزل من عربيته وعينه بتدور على "حاجة واحدة بس". أول ما لقط عزة واقفة، ملامحه الحادة والجدية اتمحت تماماً وحلت مكانها ابتسامة دافية ولهفة رجولية واضحة. قرب بخطواته الثابتة لحد ما وقف قصادها مباشرة، بص لعينيها المكسوفة وقال بصوته الصادق والواثق:
ـ "صباح الخير يا عزة.. رجلك عاملة إيه النهاردة؟ إن شاء الله مفيش وجع؟"
عزة وشها اتصبغ باللون الأحمر، ونزلت عينيها الأرض وهي بتفرك في إيدها بتوتر .
ـ "صباح النور يا عمار بيه.. الحمد لله، بقيت أحسن كتير ومبقتش أوجعني خالص."
عمار قرب خطوة، وبصوت منخفض مسمعتوش غيرها قال بنبرة دافية تذوب الحديد:
ـ "ياريت نشيل 'بيه' دي وإحنا برة الشغل.. قولي عمار بس. وبعدين، أنا قولتلك امبارح ايه والنهاردة أنا جاي عشان أشوف الضحكة دي منورة وشك.
عزة حست إن ضربات قلبها بقت مسموعة، ورفعت عينها لثواني التقت بعينه اللي مليانة صدق وأمان، وهزت راسها بكسوف وخجل حرك كل مشاعر عمار تجاهها.
في مدينة الملاهي الكبيرة
المنظر كان أشبه بلوحة سينمائية مبهجة. الأجواء غرقانة في ضحك الأطفال ولعبهم، ورحيم وعمار حاجزين منطقة الألعاب بالكامل عشان الخصوصية والأمان.
رحيم كان ماشي وجنبه زينب، ومالك ماسك في إيديهم هما الاثنين كأنهم عيلة حقيقية متكاملة. رحيم من وقت للتاني كان بيميل على مالك يضحك معاه، وعينه تروح لزينب.. يلمح نظرة الامتنان والفرحة الصافية في عيونها، يقرب منها خطوة ويقول بصوته الرخيم:
ـ "مبسوطة يا زينب؟"
زينب رفعت عيونها وبصت له بنظرة مليانة تقدير حقيقي وقالت:
ـ "فوق ما تتصور يا رحيم بيه.. أنا عمري ما شوفت الأطفال ومالك بالفرحة دي.. ربنا يخليك ليهم ويجازيك خير."
رحيم بص لعيونها بتركيز وقال بحسم دافي:
ـ "ويخليكي لينا يا زينب.. الفرحة دي مكانها الطبيعي في عيونك إنتي كمان.
وعلى الجانب الآخر.. كان عمار وعزة واقفين جنب لعبة من لعب الأطفال. عزة كانت بتضحك وهي متأثرة ببهجة المكان، وفجأة رجلها خانتها شوية من الوقفة، فجت تقع..
في ثانية، عمار كان الأسرع، مد إيده القوية وحاوط وسطها وثبتها بحنان وقوة، وبقت المسافة بينهم مفيش.. عزة اتسمرت في مكانها، وإيدها جت على صدره العريض عفوياً، وأنفاسهم اتلاقت.
عمار بص في عيونها اللي مليانة رعب وكسوف، وقال بنبرة مليانة حب وتملك هادي:
ـ مش تحاسبى يا عزة.. المكان هنا زحمه ولو شيلتك الملاهى كلها هتتفرج علينا
عزة حست إن الحواجز الحديدية اللي بنتها سنين انهارت بالكامل في اللحظة دي قدام رجولته وحمايته ليها.. بلعت ريقها ووشها أحمر جداً، وقالت بصوت خافت ورقيق:
ـ "شكراً يا عمار.."
الكلمة طلعت منها لأول مرة من غير "بيه"، وعمار ابتسم ابتسامة نصر وسعادة حقيقية، وسابها بالراحة وهو مالي عينه من ملامحها المكسوفة.
وسط كل الفرحة والدفء ده، والكل متبادل النظرات اللي بتعلن عن ولادة حب وأمان جديد.. رحيم لمح من بعيد منصور (رئيس الحرس) واقف ورا الشجر، ووشه مقلوب وبيديله إشارة مستعجلة، كأن فيه مصيبة حصلت برة أسوار الملاهي!
رحيم لمح إشارة منصور ، في ثانية ملامحه الدافية اللي كانت ظاهرة وهو بيضحك مع مالك وزينب اختفت، ورجعت الحِدة والقسوة لوشه كأنه قناع واتشال . بص لزينب نظرة سريعة يطمنها من غير ولا كلمة، وقال لمالك بصوت هادي:
ـ "خليك مع زينب يا بطل، هشوف حاجة في الشغل وجايلك علطول."
تحرك رحيم بخطوات واسعة وسريعة ليها هيبة تخوف، وندى بصوته الرخيم الحاد على عمار. عمار لمح حركة رحيم، فانسحب بالراحة من جنب عزة وهو بيطمنها بنظرة عين دافية، ومشي ورا رحيم علطول.
وقف رحيم وعمار في حتة متدارية ورا الشجر، وكان منصور رئيس الحرس واقف. رحيم بص له بعيون زي الصقر وقال بنبرة واضحة ومخيفة:
ـ "في إيه يا منصور ؟ وإيه اللي يخليك تقلب وشك وتجيلي هنا وسط لعب العيال؟ انطق."
منصور بلع ريقه وبص في الأرض:
ـ "يا رحيم بيه خالد اتصل من شويه وبيبلغك من رجالتنا اللي بيراقبوا السوق ومينا الإسكندرية. شركة 'الصافي' رجعت تظهر في الصورة تاني!"
عمار عقد حواجبه بغضب وعصبية:
ـ "الصافي؟ وإحنا قاطعين خبرهم والاستحواذ مخلص على كل شركاتهم ومخازنهم ؟ هما لحقوا يقوموا تاني منين؟"
منصور كمل وخوفه بيزيد من نظرات رحيم اللي بتتحول لكتلة نار:
ـ "المرة دي مش نازلين يضربوا الأسعار في المحافظات زي زمان يا عمار بيه.. المرة دي اللعبة تقيلة ومستوردة. الصافي داخل السوق ، وواخدين موافقات وتسهيلات غريبة عشان يستوردوا شحنات ألبان ضخمة جداً من برة مصر، بأسعار رخيصة وبكميات تغرق السوق وتضرب إنتاج مزرعتنا ومصنعنا في مقتل!"
رحيم فضل ساكت لثواني، وسكونه ده كان أرعب من زعيقه. عينيه اسودت تماماً وبدأ يلعب بخاتمه الفضة ببرود قاتل، والنفس اتقطع بين عمار وخالد وهم مستنيين زلزال الهواري. رحيم رفع عينه وبص لعمار وقال بصوت منخفض ومخيف:
ـ "الصافي ملوش رجلين تقف في المينا لوحده يا عمار.. ولا ليه نفوذ يخليه يستورد بالكميات دي في الوقت ده بالذات.
عمار جز على سنانه وعروق إيده برزت:
ـ يعني الشحنات دي نازلة مخصوص عشان تكسر اسم رحيم عشان يضرب شغلك في السوق؟"
رحيم ابتسم ابتسامة باردة، مفيهاش أي نوع من الرحمة، الابتسامة اللي السوق كله بيترعب منها، وقال وهو بيلبس نظارته الشمسية تاني:
ـ "اللي هيدخل شحنة واحدة المينا ط هخليه يشربها تراب. عمار.. اقلبلي الدنيا وعايز ورق الشحنات دي والمستندات والجهة الأجنبية اللي بتورد لهم على مكتبي في المزرعة قبل ما نرجع من هنا. عمار.. مش عايز البنات يحسوا بأي حاجة، اليوم هيكمل والكل هيفرح، والحرب دي مكانها برة البوابة دي."
لف رحيم ورجع بخطواته الواثقة الثابتة لزينب ومالك، وأول ما قرب منهم ملامحه لانت ورجعت الضحكة الخفيفة لوشه عشان يداري الإعصار اللي جواه، وزينب بصت له بحيرة بس لقت في عينه أمان كفاية يخليها تسكت وماتسألش عن حاجة.
أما عمار، فرجع لعزة وهو بيحاول يهدي أنفاسه، ووقف جنبها وبص لها بحنان وقال:
ـ "كنا بنقول إيه بقى يا عزة؟ سيبك من الشغل وكله، المهم عندي إنك تكوني مبسوطة والضحكة دي ما تفارقش وشك."
عزة ابتسمت بكسوف داب معاه كل توتر، بس عيونها لقطت نظرة القلق المستخبية ورا عيون عمار الدافية.
عزة لاحظت ملامح عمار اللى بتتغير كل شويه وحست إن فى حاجه او خبر ضايقهم ، فبصت له بنظرة هادية ودافية وقالت بنبرة فيها اهتمام حقيقي:
ـ "عمار.. هو في حاجة حصلت؟ أنا حاسة إنك أول ما رجعت من واقفتك مع عنار والراجل التانى ده وشكلك متغير ، هو الشغل فيه مشكلة؟"
عمار بص في عيونها، وحس إن صدقها وخوفها عليه بيخليه مش عايز يخبي عنها حاجة، بس في نفس الوقت مش عايز يقلقها. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ـ "مفيش حاجة تقلقك يا عزة.. شوية حسابات وترتيبات في المينا بخصوص شحنات جديدة، ورحيم بيحب كل حاجة تمشي بالمسطرة، مفيش حاجة تانية."
عزة سكتت لحظة، وبصت لرحيم من بعيد وهو واقف مع مالك وزينب، ورجعت بصت لعمار وقالت بتردد وكسوف:
ـ "طب هو.. هو أنا ينفع أسألك سؤال؟ أنا من أول ما اشتغلت في المزرعة وشوفت علاقتك برحيم بيه، حاسة إنكم مش مجرد شركاء في الشغل.. علاقتكم فيها حاجة تانية، إيه علاقتك برحيم بالظبط؟"
عمار اتنهد واخد نفس عميق، وملامحه رجعت لأيام زمان، بصلها وعيونه مليانة امتنان وتقدير لرحيم، وقرب خطوة وقال بنبرة طالعة من قلبه:
ـ "حكايتي مع رحيم حكاية طويلة يا عزة.. زمان، وأنا لسه شاب صغير في ثانوية عامة، بابا ومامته اتوفوا في حادثة كبيرة، والدنيا اسودت في عيني فجأة. لقيت نفسي لوحدي، ومحدش من أعمامي ولا خيلاني قبلوني في بيتهم، كل واحد كان بيبص لي على إني حمل تقيل ومش عايزين يشيلوا مسؤوليتي."
عزة حطت إيدها على بوقها بتأثر، وعيونها لمعت بالدموع وهي بتسمع وجعه القديم، وعمار كمل:
ـ وقتها هما حبوا يخلصوا مني، فاقترحوا عليا أروح لابن عمهم اللي هو والد رحيم، قالولي روحله وهو ممكن يساعدك.. وأنا مكنتش فاهم حاجة أخدت نفسي وروحت، وللأسف لما وصلت هناك، لقيت إن أبو رحيم لسه متوفي هو كمان من كام يوم! الدنيا لفت بيا ومكنتش عارف أروح فين ولا أعمل إيه.. ووسط كسرتي دي، قابلني رحيم.
سكت عمار لحظة وبص لرحيم بفخر وكمل:
ـ "رحيم وقتها كان لسه مستلم الشغل ومسؤولية وكان لسه بيدرس فى الكليه بس أول ما شافني وعرف حكايتي، قرر انه مايسبنيش قاعدت معاه واشتغلت معاه وعشت معاه فترة طويلة، كان ليا الأخ والأب والضهر اللي الدنيا كلها حرمتني منه. رحيم هو اللي عمل عمار اللي واقف قدامك دلوقتي يا عزة.. وعشان كده، رحيم عندي مش مجرد أخ، ده حتة من روحي، والراجل اللي مستعد أفديه بعمري."
عزة دموعها نزلت غصب عنها من كتر التأثر بكلامه، وحست إن احترامها وإعجابها بعمار ورحيم زاد أضعاف، وعرفت إن معدن الراجل اللي اختارها ده أنقى بكتير مما كانت تتخيل.
عزة مسحت دموعها بسرعة وهي بتبص لعمار بنظرة كلها حنان وفخر، وقالت بصوت مأثر ودافي:
ـ "ربنا يديمكم لبعض يا عمار.. رحيم بيه بجد راجل عظيم، وأنت تستاهل كل خير لأنك أصيل ومبتنساش الفضل."
عمار ابتسم لها ابتسامة دافية طمنتها، وحس إن كلامه معاها قرّب المسافات بينهم أكتر من الأول.
على مغرب اليوم، الخروجة بدأت تخلص، والأطفال ركبوا الأتوبيسات مع ماما حنان وهما في قمة فرحتهم، بس الجو بين رحيم وعمار كان مشحون وجاد جداً. رحيم وقف جنب عربيته وقلع نظارته، وبص لعمار وقال بصوت حازم ومنخفض:
ـ "عمار.. إحنا مش هنبات في المزرعة. خالد جهز كل حاجة، وإحنا هنطلع على القاهرة حالا.. موضوع الصافي ده لازم يتلم من جشوره قبل ما البضاعة تتحرك من المينا."
عمار هز راسه بقوة:
ـ "معاك يا رحيم، أنا جهزت اللاب توب والملفات في العربية، ويلا بينا."
رحيم لف وبص لزينب اللي كانت واقفة مع مالك، قرب منهم وقال بنبرة هادية بس سريعة:
ـ "زينب، يلا عشان نرجع القصر.. عمار وأنا ورانا شغل مهم في القاهرة ولازم نتحرك."
زينب لقطت النبرة المشغولة في صوته وهزت راسها من غير نقاش: "حاضر يا رحيم بيه.
عدى كام يوم ورا بعض، والوضع في القصر كان غريب ومقلق.. رحيم وعمار مبيفارقوش مكتب القصر أو بيخرجوا من النجمة ومبيرجعوش إلا بعد نص الليل. رحيم بالذات كان متحول لكتلة من الصمت والغموض، مبيتكلمش مع حد تماماً، حتى ملامحه الجافة رجعت تاني، وبقى يدخل ويخرج وعينه مركزة في ورق وشاشات، لدرجة إنه مبيكلمش زينب ولا حتى بيبص ناحيتها، كأنه شايل جبل على كتافه.
زينب كانت قاعدة في المطبخ، حاطة إيدها على خدها وقلبها واكلها عليه.. هي مش متعودة منه على الجفاء ده بعد الدفء اللي شافته في الملاهي والملجأ. كانت نفسها تواسيه.. نفسها تقوله إنها حاسة بالتعب اللي جواه، بس الخوف والحدود اللي بينهم مخلياها مش عارفة تبتدئ منين.
وفجأة قامت وقالت في سرها: لأ.. أنا مش هسيبه كدة، الراجل ده وقف جنبي ورد لي كرامتي، وأقل حاجة أعملها إني أقف جنبه في تعبه."
سألت طباخه القصر بحذر:
ـ تعرفى هو رحيم بيه إيه أكتر أكلة بيحبها وممكن تفتح نفسه لما يكون زعلان أو مضغوط؟
عايدة ابتسمت لها وقالت:
ـ "يا بنتي، رحيم بيه بيموت في 'طاجن العكاوي بالبصل' ويكون مشوح في السمن البلدي وداخل الفرن.. بس بقاله كتير مأكلوش من كتر المشغل.
شمرت زينب كمامها وبدأت تشتغل بحب وشغف.. قشرت البصل الصغير، وظبطت البهارات، وحطت حتت اللحمة في الطاجن وقفلت عليه في الفرن لغاية ما ريحته قلبت القصر كله وصارت تفتح النفس.
على الساعة 11 بالليل، سمعت صوت رنة خطواته المعلنة عن وصوله. دخل رحيم القصر، قالع الجاكيت والكرافت مفكوكه ، وعيونه فيها كمية إرهاق غريبة. مشي ناحية المكتب من غير ما يبص حواليه.
زينب بلعت ريقها، وقلبها كان بيدق بعنف.. أخدت صينية رقيقة عليها طاجن العكاوي السخن، ورغيفين عيش بلدي سخنين، وقربت من باب المكتب.. الباب كان موارب، وشافته قاعد ورا المكتب حاطط إيده على راسه ومغمض عينه بتعب.
دقت الباب بخفة، فرؤوف رحيم عينه وبص لها بملامح حادة وإرهاق:
ـ "زينب؟ في حاجة؟ مالك جراله حاجة؟"
زينب دخلت بخطوات بطيئة وحطت الصينية على طرف المكتب، وبصت في عيونه بنظرة دافية ومليانة رقة ومواساة، وقالت بصوت مخنوق من التوتر:
ـ "لأ.. مالك نايم وزي الفل يا رحيم بيه.. بس.. بس أنا شوفت حضرتك بقالك كام يوم مبتأكلش وراجع تعبان، فعملتلك الأكلة اللي بتحبها.. طاجن عكاوي. أنا.. أنا نفسي بس ترتاح وتآكل لقمة دافية انا عارفه انك تعبان فى الشغل وانا مش هعرف اساعدك ولا ختى اقولك نصيحه وفى نفس الوقت متضايقه وانا شيفاك كده حاسه أن فى حاجة ومش قادره اساعدك زى ماكنت بتساعدنى وده مخلينى حاسه بالذنب جوايا .
رحيم اتسمر في مكانه، وبص للطاجن السخن وبعدين رفع عينه وبص لوش زينب الصافي اللي باين فيه الخوف عليه والرغبة الصادقة في إنها تشيل عنه.. النظرة دي لمست حتة جوة قلب رحيم الهواري مفيش مخلوق عرف يوصل لها قبل كده!
رحيم اتسمر في مكانه لثواني، عينه راحت على طاجن العكاوي السخن اللي ريحته مالت الأوضة، ورجع بص لوش زينب المتردد. وفجأة.. الملامح الصخرية والقسوة اللي كانت مغطية وشه دابت، واتسمت على شفايفه ابتسامة هادية ودافية، ابتسامة حقيقية طالعة من قلبه لأول مرة من سنين.
رحيم الهواري الراجل اللي بيملك السوق، وعنده النفوذ والفلوس وكل حاجة يتمنّاها أي حد في الدنيا، كان عنده نقص في حاجة واحدة بس.. "الحنية". الحنية الصافية اللي من غير مقابل، واللي زينب بتقدمهاله هي ومالك من يوم ما دخلت القصر. الجفا اللي عاش فيهم طول عمره، وسط صراعات السوق والناس اللي بتقرب منه عشان مصلحة أو خوف، خلوه يفرّق بين الحنية الحقيقية اللي بجد زي بتاعت زينب، وبين المشاعر المصطنعة والتمثيل اللي شبع منه.
رحيم سحب نَفَس عميق وقام من ورا مكتبه، وقرب من التربيزة الصغيرة اللي حطت عليها الصينية. بص لزينب ونبرة صوته الرخيمة رجعت هادية ودافية جداً:
ـ "طاجن عكاوي وعملتيه بنفسك يا زينب؟ ده أنتِ كدة بتثبتي إنك عايزة تتعبي نفسك بجد عشان تفتحي نفسي.
زينب وشها احمر وضربات قلبها زادت لما شافته ابتسم وقرب منها، فركت إيدها بكسوف وقالت بصوت واطي:
ـ تعبك راحة يا رحيم بيه.. أنا بس شوفت الوجع والإرهاق في عينك بقالك كام يوم، ومكنتش عارفة أعمل إيه يريحك.. يارب بس يعجبك."
رحيم قعد على الكرسي وقرب الصينية، وبص لها بلمعة تملك وحب حقيقي كانت مستخبية ورا تعبه:
ـ "هيعجبني طالما طالع من إيدك.. اقعدي يا زينب، مش هآكل لوحدي."
زينب اتفاجأت وبصت له بذهول:
ـ "أنا؟ لأ طبعاً يا رحيم بيه.. أنا أكلت مع مالك والحمد لله، اتفضل أنت بألف هنا."
رحيم مسك رغيف العيش السخن وقطع منه حتة، وبص لها بنظرة حازمة بس كلها دِفء:
ـ "أنا مباخدش رأيك برضه يا زينب.. قولي بسم الله واقعدي، اللقمة مش هتنزل في زوري وأنتِ واقفة بتتفرجي عليا."
زينب لقت نفسها بتسلم لأمره للمرة التانية بابتسامة مكسوفة، وسحبت الكرسي وقعدت قصاده. وبدأ رحيم يأكل بشهية مظهرتش عليه من يوم ما بدأت أزمة الصافي، وكان كل شوية يبص لها ويطمنها بعينه، كأنه بيقولها إن كل الحمل اللي على كتافه بدأ يخف بمجرد وجودها جنبه وحنيتها اللي داوت روحه.
وسط اللحظة الدافية دي، موبايل رحيم رن على المكتب.. وكان المتصل عمار رحيم ساب اللقمة من إيده، وملامحه رجعت جادة في ثانية وهو بيسحب الموبايل ويرد:
ـ "إيه يا عمار؟ وصلتوا لإيه في المينا؟"
صوت عمار جه من الناحية التانية وهو بينهج وفيه نبرة قلق:
ـ "رحيم.. الشحنة الأولى بتاعة الصافي نزلت فعلاً، والرجالة بتوعنا بيقولوا انهم مأمنين المخازن هناك بشكل مش طبيعي بس الخبر الحلو أنى قدرت اوصل للموردين دول
رحيم أول ما سمع الكلمة دي، عينه لمعت بنظرة الصقر اللي لقط فريسته، وقام وقف من على الكرسي بكامل هيبته، وصوته الرخيم رجع فيه الحسم المرعب:
ـ "الله ينور عليك يا عمار.. هو ده الشغل. اسمعني، مش عايز الموردين دول يغيبوا عن عينك ثانية واحدة. تواصل معاهم فوراً وافتح معاهم خط كلام، الموردين دول انا عايز أتواصل معاهم بنفسى
عمار رد بحماس: "حاضر يا رحيم، هحدد معاد معاهم واكلمك تانى
قفل رحيم السكة وحط الموبايل على المكتب وهو بياخد نَفَس عميق، وعروق إيده برزت وهو مستني مكالمة الموردين عشان يقطع ان الصافى يقومله اومه تانيه .
كل ده وزينب قاعدة مكانها، عينيها عمالة تروح وتيجي عليه بذهول وقلق. الكلام اللي سمعته خطف دقات قلبها؛ شحنات، ومينا، وموردين، واسم "الصافي" اللي اتكرر كذا مرة في المكالمة وصوت رحيم اللي كان يرعب.
أخدت نَفَس طويل، ولأول مرة يغلبها الفضول وتبلغ من الشجاعة إنها تتخطى حدود الصمت معاه. بصت لرحيم وهي مفركة إيديها بتوتر وقالت بصوت خافت وناعم:
ـ "رحيم بيه.. أنا.. أنا أسفة لو بتدخل في اللي ماليش فيه.. بس أنا من كتر خوفي عليك وقلقي من الأيام اللي فاتت دي، نفسي أفهم.. مين 'الصافي' ده؟ وإيه اللي بيحصل بالظبط ومخليك أنت وعمار بيه مضغوطين للدرجة دي؟"
رحيم لف ببطء وبص لزينب، وعينه الثابتة الغامقة اتعلقت بملامح وشها ... النظرة القاسية اللي كانت في عينه من ثواني هديت تماماً لما شاف نظرة الفضول والخوف الصادق في عيونها. قرب خطوة وقعد قصادها تاني، وسكت لحظة كأنه بيرتب كلامه؛ لأنه مكنش متعود يحكي شغله لحد، بس مع زينب.. حنيتها وخوفها عليه خلوه يحس إن من حقها تطمن وتعرف مين اللي بيهدد أمان البيت اللي هي فيه.
ياترى مين الصافى ده ؟؟؟؟ وليه رحيم بيكر...هه اوى كده
الفصل 28
رحيم فضل باصص لزينب لحظات طويلة، لدرجة إنها حست إن قلبه بيتحرى صدق مشاعرها. اتنهد تنهيدة طويلة، وبدأ يتكلم بصوت خافت، نبرته فيها مزيج من القسوة والوجع:
ـ "الصافي ده مش مجرد منافس يا زينب.. الصافي ده كان واحد من أقرب الناس لأبويا، واحد كان بياكل من نفس الطبق اللي بناكل منه. سنين طويلة، والدي كان بيعتبره أخوه وشريكه في كل قرش بيدخل البيت. بس الطمع.. الطمع أعماه. الصافي غدر بأبويا في صفقة العمر، وسرقه في وضح النهار، وكان السبب المباشر في الإفلاس اللي جه على أبويا في آخر أيامه، والضغط النفسي اللي أدى لوفاته."
رحيم سكت، وعروق إيده برزت من الغضب المكتوم وهو بيكمل:
ـ "لما مسكت الشركة، كان أول عهدي على نفسي إني أسترد كل مليم اتسرق، وأخلي الصافي يدوق نفس الكاس اللي دوقه لأبويا. وفعلًا، عملت شركه تانيه باسم جديد وخط انتاج باسم منتج جديد وده ساعدنى استحوذ على السوق و قدرت أوقع شركاتهم وأستحوذ على كل أصولهم، وكنت فاكر إني خلصت منه للأبد.. بس الظاهر إنه كان مستخبي، وجمع كل اللي فاضل له عشان يرجع يضربني كل مره ببقى جاهزله وشغله الشمال بيساعده إنه يرجع تانى
ـ "أنت عملت اللي عليك يا رحيم بيه.. وأبوك أكيد حاسس بيك وفخور بيك في مكانه. الغدر ده ذنب صاحبه، بس أنت.. أنت عديت كل ده وبقيت رحيم الهواري اللي الكل بيعمله ألف حساب."
رحيم بص لها بذهول، كان مستني منها ردود فعل تانية، خوف، صدمة، أو حتى انسحاب، بس لقى فيها "دعم" غير مشروط. مد إيده وببطء شديد، لمس أطراف صوابعها اللي كانت ساندة على المكتب، في لمسة كانت بمثابة إعلان رسمي إنها دخلت "دائرته الخاصة".
ـ "عمر ما حد وقف جنبي في وجعي ده يا زينب.. الكل كان بيخاف، أو بيطمع."
قاطعه رنين الموبايل تاني، وكانت مكالمة عمار. رحيم رد فوراً، وعمار صوته كان مليان حماس:
ـ "لقيتهم يا رحيم! الموردين في الفندق، ومعاهم المستندات اللي بتثبت إن الصافي هو اللي موّل الصفقة، ومستنيين إشارة منك عشان يفتحوا الكلام!"
رحيم قام وقف، الابتسامة اختفت ورجعت له ملامح الصياد:
ـ "أنا جاي لك فوراً يا عمار.. جهز كل حاجة، الليلة دي نهاية الصافي في السوق."
بص لزينب اللي كانت قايمة بتلم الصينية، وقال لها بصوت فيه حنان مفاجئ:
ـ "تصبحي على خير يا زينب.. وما تقلقيش، كل شيء هيبقى تمام."
خرج رحيم من المكتب، والحرس كانوا مستنيينه برة. القصر سكن، وزينب طلعت أوضتها، بس عقلها مكنش سيباها.. هي حست إن رحيم بيحارب معارك تقيلة، وإنها بقيت جزء من حياته، ومن اللحظة دي، هي قررت إنها هتكون "الأمان" اللي محتاجه في وسط الحرب دي
رحيم نزل لعمار في الفندق، ودخل قاعة الاجتماعات بخطوات واثقة وهيبة خلت الموردين الأجانب يتسمروا في أماكنهم. مكنش محتاج يزعق ولا يهدد، نظراته بس كانت كفيلة إنها توصلهم إنهم قدام "الأخطبوط" الحقيقي اللي بيحرك السوق.
**في الاجتماع:**
رحيم قعد على رأس الطاولة، وبدأ يتكلم بإنجليزية بطلاقة وثبات، عرض عليهم صفقة ما تترفضش. رحيم عرض عليهم إنه يشتري "كل" كميات الألبان اللي كانوا ناويين يورّدوها للصافي، بس بشرط: مفيش جرام واحد يروح للصافي، وكل الشحنات تتصدر لمصانع رحيم الهواري ومزارعه عشان يتم إعادة تعبئتها وتصديرها لدول تانية بربع الثمن وبجودة أعلى، وده هيضمن للموردين سوق أوسع وأرباح أضعاف اللي كانوا هياخدوها من الصافي.
الموردين، بعد ما شافوا قوة رحيم في السوق وفهموا إنه هو اللي ماسك خيوط اللعبة، وافقوا فوراً وبدون أي تردد. رحيم سحب البساط من تحت رجول "الصافي" في دقايق، وخلّاه واقف قدام المينا من غير بضاعة، ومن غير موردين!
**في نفس اللحظة.. داخل القصر:*
زينب كانت واقفة في جنينة القصر بتتمشى، وفجأة لمحت خيال حد بيتحرك ورا سور القصر من ناحية الجنينة الخلفية. قلبها دق بسرعة، وفكرت في كلام رحيم عن أعداءه. حاولت تطمن نفسها وتقول إن ده أكيد حد من الحرس، بس الخيال كان غريب ومريب.
فجأة، لمحت موبايل
مرمي على الأرض قريب منها، كأنه وقع منه وهو بيتحرك. زينب قربت منه بفضول وقلق، ولقت الموبايل بينور برسالة.. الرسالة كانت واضحة جداً، ومكتوب فيها
"الهدف في القصر حالياً.. رحيم غايب، والمكان متأمن غلط من الناحية الغربية.. ابدأ التنفيذ دلوقتي!
زينب دمها جمد في عروقها.. "الهدف"؟ يعني مالك؟
الرسالة كانت صاعقة. جريت بسرعة ناحية القصر، وهي بتدور على أي حد من الحرس، بس لقيت إن المنطقة فعلاً شبه فاضية معنى كده ان فى حد فعلاً جوه القصر وبيحاول يخطف مالك
رحيم كان بيوقع العقود مع الموردين وعمار جنبه، وفجأة الموبايل رن.. كان رقم "زينب".
رحيم رد بلهفة وقلق لأول مرة:
ـ "زينب؟ في حاجة حصلت؟"
صوت زينب كان بيترعش، وبصوت خافت جداً وكله رعب:
ـ "رحيم.. أنا.. أنا لقيت رسالة.. فيه حد.. فيه حد عايز يدخل القصر، مكتوب فيها إن 'الهدف' موجود، وإنه لازم يبدأ دلوقتي.. أنا خايفة يا رحيم، خايفة على مالك!"
رحيم، في اللحظة دي، بركان غضبه انفجر، عيونه اسودت تماماً وبص لعمار بنظرة عرف فيها إنها "حرب".
ـ "اسمعيني يا زينب.. خدي مالك، وأي حد معاكي، وأدخلي الاوضه بتاعتك دلوقتي واقفلي الباب وماتفتحيش لأي حد مهما كان.. سامعاني؟ أنا دقايق وهكون عندك!
رحيم قفل السكة، وخرج يجري ناحية العربية وكأنه صاروخ، وعمار وراه، والبوادي جاردز كلهم في حالة استنفار قصوى.
زينب قلبها كان بيدق طبول في صدرها من الخوف، مالك كان بيسأل بطفولة: "في إيه يا زينب؟ ليه بنستخبى؟" وهي بتحاول تكتم شهقاتها وتغطي بقه بإيدها، وتهمس له: "اششش.. خليك ساكت يا حبيبي، إحنا بنلعب استغماية مع بابا، لازم نفضل ساكتين خالص".
في اللحظة دي، صوت تكسير زجاج في الدور الأرضي خلى جسمها يترعش، وخطوات تقيلة وبنادق بتتحرك في الممرات.. رجال رحيم كانوا دخلوا القصر بمهارة فائقة، وبدأوا في تفتيش البيت وتأمين كل ركن، في الوقت اللي كانت فيه المجموعة المتسللة بتحاول توصل للجناح الغربي.
زينب، بحركة سريعة ومجنونة من شدة الرعب، سحبت مالك ودخلوا الاتنين جوه الدولاب الضخم في أوضتها، وشدت الهدوم عليها عشان تتوارى تماماً، وغمضت عينيها وهي بتدعي ربنا إن رحيم يوصل قبل ما حد يوصل لهم.
دقائق زي الدهر عدت.. وفجأة، باب الأوضة اتفتح بعنف. رحيم دخل زي الإعصار، عيونه بتمسح المكان بتركيز قاتل، سلاحه في إيده، ومجرد ما شاف الأوضة هادية، ملامحه زادت حدة وقلق. بدأ يدور في كل حتة، تحت السرير، ورا الستائر، لحد ما وقف قدام الدولاب..
بص له لحظة، وقرب ببطء وحذر.. فتح درفة الدولاب بضربة واحدة، واتجمد في مكانه!
قدامه كانت زينب، وشها أبيض من الخوف ، عيونها مليانة دموع ورعب، حاضنة مالك بكل قوتها ومخبياه جوه حضنها، والهدوم اللي كانت بتداري بيها نفسها وقعت على كتافها بشكل عشوائي،
رحيم، في لحظة واحدة، سلاحه نزل، وكمية الرعب اللي كان حاسس بيها على حياتهم تحولت لنظرة "ضعف وحماية" مفيش زيها. ركع قدام الدولاب، رمى سلاحه جنبه، ومد إيده يمسك وش زينب برقة غير معهودة:
ـ "خلاص.. أنا جيت. مفيش حد هيلمسكم، أنا هنا يا زينب.. أنا هنا.
زينب بمجرد ما سمعت صوته، سابت نفسها للانهيار في حضنه، ومالك خرج من حضنها عشان ينط في حضن أبوه، ورحيم ضمهم الاتنين بقوة وكأنه بيحاول يدخلهم جواه عشان يحميهم من العالم كله.
رحيم كان لسه حاضن زينب ومالك جوه الدولاب، أنفاسه بدأت تهدى تدريجياً وهو حاسس برعشة جسم زينب اللي بدأت تقل في حضنه. أخد نَفَس عميق، وبص في عيونها اللي لسه غرقانة دموع، وقال بصوت منخفض بس مليان حسم دافي:
ـ "خلاص يا زينب.. أنا جيت اطلعي مع مالك، عمار برة مع الحرس وهيأمنكم في الجناح التاني لحد ما افهم الناس دى دخلت ازاى
زينب هزت راسها بقلة حيلة، وخرجت من الدولاب وهي ماسكة في إيد مالك اللي كان لسه مخضوض. رحيم قام وقف بكامل طوله وهيبته، الملامح الدافية اتمحت في ثانية، ورجع وش الصخر اللي السوق كله بيترعب منه. سحب سلاحه، وعمرّه بخطوات ثابتة ونزل السلم.
في الصالون الكبير تحت..
المنظر كان مرعب. الجرحى من رجالة المتسللين مرميين على الأرض، ورجالة رحيم محاوطين المكان بالأسلحة. وفي النص، كان واقف "منصور" رئيس الحرس، وشه جايب ألوان وجسمه كله بيترعش، وعمار واقف قصاده وعيونه بتطلع نار.
أول ما خطوات رحيم الرخيمة رنت على السلم، الصمت حل في المكان، والكل حبس أنفاسه. رحيم نزل، حط إيده في جيبه، وبص لمنصور بنظرة باردة ومميتة. قرب منه خطوة، وقام ماسك منصور من ياقته
كنت فين يا منصور وطول ما انا بره مأمنتش القصر ليه
ـ منصور بلع ريقه بصعوبة، وعينيه كانت بتتحرك برعب بين نظرات رحيم المميتة وقبضة إيده اللي زي الحديد على ياقته. وصوته طلع مخنوق وبيتفصّد عرق:
ـ "يا رحيم بيه.. والله العظيم أنا ما قصرت ولا سبت مكاني! أنا كنت قاعد في غرفة المراقبة، وفجأة لمحت في الكاميرات حركة غريبة.. ناس بتتسحب وبتحاول تقطع السلك وتدخل من السور الخلفي للمظلة. في ثانية سحبت الرجالة وجرينا كلنا على هناك عشان نلحقهم قبل ما يخطوا خطوة واحدة جوه الجنينة.. مكنتش أعرف إنها ملعوبة! مكنتش أعرف إن دي مجرد حرك تشتيت، وإن المجموعة الأساسية والتقيلة كانت مستنية أول ما نسيب السور الغربي فاضي عشان يقتحموا من هنا!
رحيم فضل باصص في عين منصور لثواني، وعينيه الصقرية كانت بتقرأ كل ملامح في وشه عشان يتأكد لو كان خاين ولا مغفل وتم استغلاله. ساب ياقته بنفضة قوية رمته لورا خطوتين، وطلع منديل من جيبه يمسح إيده ببرود قاتل وهو بيتكلم بصوت هادي مرعب:
ـ "يعني اتلعب بيك يا منصور.. يعني الصافى بعتلك شوية عيال يشتتوك في السور الخلفي، وأنت زي المغفل أخدت قوتك كلها وسبتلي زينب ومالك في وش المدفع؟
ـ "سامحني يا رحيم بيه.. الغلطة دي برقبتي، أنا عمري ما خنتك ولا عمري أبيع لقمة العيش اللي أكلتها في بيتك.. الصافي والكلاب اللي معاه هما اللي خططوا لده، وكانوا عارفين إن دمي حامي ومستحيل أشوف حد بيقرب من السور وأسكت."
عمار قرب من رحيم وجز على سنانه بعصبية:
ـ "كلامه مظبوط يا رحيم.. الرجالة اللي برة مسكوا المجموعتين، المجموعة اللي عند السور الخلفي مكنش معاهم غير أسلحة خفيفة للتمويه، أما اللي دخلوا القصر هنا دول اللي كانوا جايين للتنفيذ.. اللعبة متخططة على مستوى عالي والهدف كان كسر ضهرك بمالك."
رحيم لف ضهره ليهم، وبص من الشباك الإزاز الكبير للجنينة، ملامحه كانت خالية من أي رحمة، الابتسامة الباردة ظهرت على وشه وهو بيلعب بخاتمه الفضة:
ـ "الصافي بيلعب بآخر كارت في إيده يا عمار.. لما لقى الموردين طاروا من إيده وشحنته بقت تراب، حب يحرق قلبي. منصور.. هتقوم تقف على رجلك، وتاخد الرجالة وتلفلي القصر ده شبر شبر، وتزود الحراسة تلات أضعاف، ولو نملة هزت السلك برة، هحاسبك برقبتك."
منصور قام بسرعة وهو بيمسح وشه وعينيه لمعت بامتنان:
ـ "رقبتي سدادة يا رحيم بيه.. مش هنام لحد ما القصر يبقى حصن."
رحيم التفت لعمار وقال بنبرة حاسمة:
ـ "خدهم على المخازن يا عمار.. الكلاب اللي اتمسكت جوه القصر دي، مش عايزهم يشوفوا الشمس لحد ما ينطقوا بكل اسم وكل خيط واصل للصافي وللأخطبوط.. الحرب خلاص بقت عيني عينك، واللي هيقرب من عيلتي هنهيه من على وش الأرض."
عمار هز راسه بقوة وسحب الرجالة وبدأوا ينقلوا المصابين برة القصر .
رحيم أخد نَفَس عميق، وعدل قميصه، وطلع السلم تاني بخطوات هادية.. أزمة الصافي بدأت تتوغل في بيته، ولازم من هنا ورايح يأمن كل خطوة.
دخل رحيم اوضه مالك
و قفل الباب وراه بالراحة، كأنه بيقفل على العالم كله برة. خطواته الثابتة الهادية لحد ما وقف قدام السرير. عيونه الغامقة، اللي كانت من دقائق بتطلع نار وتحكم بالموت، لانت تماماً واتملت بنظرة دافية وصافية وهو بيبص لزينب.
زينب كانت ساندة ضهرها على السرير، ومالك الصغير نايم في حضنها، راسه على رجليها ونفسه هادي ومنتظم بعد الرعب اللي عاشه. أول ما رحيم قرب، زينب رفعت عيونها الواسعة اللي لسه فيها أثر الدموع، وبصت له بنظرة ممتزجة بالخوف والراحة الحقيقية.. الراحة اللي مابتشعرش بيها إلا وهو موجود.
رحيم مقالش ولا كلمة في الأول. قعد على طرف السرير بالراحة عشان مالك مايصحاش، ومد إيده الطويلة، وبأطراف صوابعه مسح دمعة هربت من عين زينب على خدها. اللمسة دي كانت دافية لدرجة خلت زينب تغمض عينيها وتستسلم لأمانه.
رحيم اتكلم بصوته الرخيم، بس النبرة المرة دي كانت واطية وحنونة جداً:
ـ "لسه بتترعشي يا زينب؟ أنا مش قولتلك طول ما أنا فوق الأرض محدش يقدر يمس شعرة منك؟"
زينب فتحت عينيها وبصت له، وصوتها طلع ناعم وخافت:
ـ "مبقتش خايفة يا رحيم بيه.. طول ما أنت هنا، أنا حاسة إن الدنيا كلها متأمنة. أنا بس.. خفت على مالك.. وخفت عليك أنت كمان لما عرفت إن الصافي بيحاربك في كل حتة."
كلمة "وخفت عليك أنت كمان" نزلت على قلب رحيم زي البلسم. الراجل الصخر، الأخطبوط اللي الكل بيخاف من جبروته، لقى البنت الرقيقة دي بتخاف عليه هو!
رحيم قرب منها أكتر، لدرجة إن أنفاسهم حست ببعضها، وبص في عيونها بلمعة تملك وعشق حقيقي مابقاش قادر يداريه:
ـ "أنا مفيش حاجة تكسرني في الدنيا دي يا زينب.. إلا إن حاجة تمسك أنتِ والواد ده. من النهاردة، مفيش 'رحيم بيه' وإحنا لوحدنا.. أنا رحيم بس، الأمان اللي هتعيشي فيه طول عمرك."
زينب وشها اتصبغ باللون الأحمر والدموية رجعت لخدودها بالكامل، نزلت عينيها بكسوف وهي بتفرك في غطا السرير، فلقيت إيد رحيم القوية والمحملة بالدفء بتغطي إيدها الصغيرة وتشدد عليها كأنه بيثبت ملكيته ليها ولأيامها الجاية.
رحيم عدل قعدته، ونام على السرير جنبهم بكامل أناقته، وسحب مالك بالراحة لصدوره، وفي نفس الوقت مد دراعه التاني وطوق بيه كتف زينب، وقربها منه لحد ما راسها بقت ساندة على كتفه العريض.
زينب في الأول اتسمرت من الكسوف، بس أول ما شمت ريحة عِطره النفاذ وحست بدقات قلبه القوية والمنتظمة تحت راسها، سابت نفسها تماماً وحطت إيدها على صدره، وكأنها لقت الملاذ والأمان اللي كانت بتدور عليه طول حياتها.
رحيم دفن وشه في حجابها، وأخد نَفَس عميق وهو بيقفل عينيه، ولأول مرة من سنين طويلة، يحس إن جبل الهموم اللي على كتافه اتمحى، وإن الإعصار اللي جواه هدي تماماً.. نام رحيم الهواري وهو حاضن دنيته كلها، ومستعد يهد العالم عشان الضحكة والهدوء ده يفضلوا في بيته.
زينب فتحت عينيها ببطء مع أول خيوط شمس الصبح وهي بتتحرك على سرير الجناح. في أول ثواني، كانت لسه مشحونة ببقايا كابوس امبارح، بس أول ما استوعبت هي فين ومع مين، قلبها دق بعنف والدموية هربت لوشها بالكامل.
لقت نفسها لسه ساندة راسها على صدر رحيم، وإيده القوية محاوطاها بحنان وتملك، ومالك نايم في النص بسلام كأنهم عيلة حقيقية. حست بإحراج رهيب، وحاولت تتحرك بالراحة جداً وتسحب نفسها وتعدل قعدتها عشان تقوم من غير ما تصحيه، وقلبها عمال يدق من الكسوف لخوفها من إنه يصحى ويلمح الحرج في عيونها.
بس حركتها الخفيفة دي كانت كفيلة تصحي صقر الهواري اللي نومه خفيف بطبعه. رحيم فتح عينيه الغامقة ببطء، وبص لوشها المحمر وعيونها المربكة اللي مش عارفة تروح فين من الخوف والكسوف.
رحيم ابتسم ابتسامة هادية ودافية جداً، الابتسامة الصافية اللي مبيطلعهاش إلا ليها، وعدل قعدته ونزل إيده بالراحة وهو بيبص لها بنظرة كلها احتواء، وقال بصوته الرخيم الدافي:
ـ "صباح الخير يا زينب.. شكلك لسه صاحيه ؟ أنا ماحبتش أسيبكم بالليل لوحدكم.. خفت حد فيكم يصحى مفزوع من اللي حصل امبارح.
زينب بلعت ريقها ونزلت عينيها الأرض، بس كلامه لمس قلبها وداوى كل الإحراج اللي كانت حاسة بيه، وحلت مكانه موجة دفا وطمأنينة خلتها ترفع عينيها وتبص له بامتنان حقيقي.
زينب رفعت عينيها وبصت له بنظرة مليانة رقة وقالت بصوت هادي:
ـ "صباح النور يا رحيم.. تسلم وتعيش، وجودك بجد كان أكبر أمان لينا، لولاك مكنتش عارفة كان إيه اللي ممكن يحصل."
رحيم ابتسم وطبطب على كتفها بحنان، وقام وقف بكل هيبته وهو بيستعد ليومه الجديد. نزل السلم ودخل مكتبه، ومقعدش كتير لحد ما وصل عمار ومعاه أخبار قلبت الموازين بالكامل.
عمار دخل والضحكة مالية وشه، وحط اللاب توب والملفات قدام رحيم وقال بحماس:
ـ "يا رحيم، اللعبة انتهت خلاص! الضربة اللي عملتها مع الموردين في المينا خلت شركة الصافي تنهار بالكامل وتعلن إفلاسها في كام ساعة! السوق كله قفل في وشه، وبسبب الشحنات اللي وقفت دي، البنوك حركت قضايا القروض اللي عليه، وبقى مديون بأرقام خيالية هيصعب عليه دفعها أبداً."
رحيم سحب نَفَس عميق وظهرت الابتسامة الباردة على وشه وهو بيلعب بخاتمه الفضة:
ـ "والأهم من القروض يا عمار؟"
عمار ضحك وقال:
ـ "الأهم إن البوليس دلوقتي بيطارده في كل حتة بتهمة النصب والتهرب من الديون والشغل الشمال، يعني الصافي خلاص انتهى وما بقاش ليه رجل في السوق ولا برة السوق، وهيقضي بقية عمره هربان من السجن!"
رحيم اتنهد بارتياح حقيقي، وحس إن تار أبوه رجع كامل والشر اللي كان بيهدد بيته اتمحى للأبد. بص لعمار وقال بامتنان:
ـ "تسلم إيدك يا صاحبي.. لولا وقفتك جنبي مكنتش الصفقة دي كملت."
عمار ملامحه اتغيرت وبقت هادية، وظهرت في عينه لمعة فرحة مستقرة، وقال بنبرة صادقة:
ـ "بما إن المعركة خلصت يا رحيم، وكلاب الصافي بقوا في إيد الشرطة.. أنا جه الوقت اللي أفكر فيه في نفسي وفي الأمان اللي بدور عليه."
رحيم ابتسم بفهم:
ـ "قصدك عزة؟"
عمار هز راسه بقوة:
ـ "أيوة.. أنا راجع المزرعة حالا، وهطلب عزة للجواز رسمي من ست حنان.. مش عايز أضيع وقت تاني."
رحيم طبطب على كتفه بفخر:
ـ "توكل على الله يا عمار، وأنا معاك وضهرك كالعادة."
في مساء اليوم التالي، استقبلت ماما حنان عمار في مكتب الدار بترحاب حار، وعمار مأكّدش وقت ودخل في الموضوع علطول، وطلب إيد عزة رسمي بكلمات طالعة من أعماق قلبه، ووعدها إنه هيكون ضهرها وأمانها ويعوضها عن كل اللي شافته.
ماما حنان نادت على عزة، اللي دخلت ووشها زي الطماطم من الكسوف، باصة في الأرض وبتفرك في إيدها. عمار بص لها بنظرة دافية ومطمئنة وقال بصوته الصادق:
ـ "أنا شاري ومستني كلمتك يا عزة.. وعايزك معايا في المزرعة نبني حياتنا سوا."
عزة رفعت عينيها لثواني، لقت في عيون عمار كل الأمان والصدق اللي حرمتها منه الأيام، هزت راسها ببطء بابتسامة خجولة أعلنت فيها موافقتها، والزغاريد ملأت أرجاء الدار وفرحة الأطفال هزت المكان.
ومرت الأيام بسرعة، وتمت كتب الكتاب والزفاف في حفل دافي وجميل حضره رحيم وزينب ومالك، وانتقلت عزة عشان تعيش مع عمار في بيته الجميل جوه المزرعة، وبقت هي اللي مسؤولة عن حسابات المزرعة وحياته وقلبه، وعاشوا في دفا وأمان حقيقي بعد كل العواصف اللي مرت بيهم.
يوم فرحهم
عربيتهم وقفت قدام فيلا المزرعة، . عمار نزل من العربية بهيبته المعتادة، لابس بدلته السوداء الأنيقة اللي مبرزة طوله وعرضه، ولف بسرعة فتح الباب لعزة.
عزة كانت قاعدة جوه والكسوف والتوتر عمالين ياكلوا فيها، فستانها الأبيض الرقيق مطرز ببساطة ونعومة ومبرز ملامحها الخجولة الصافية. عمار مد إيده القوية لها بابتسامة دافية طيرت نص التوتر اللي جواها، عزة حطت إيدها الصغيرة في إيده ونزلت بالراحة وهي لسه بتعرج بسيط ومكسوفة من مشيتها، بس عمار مكدبش خبر.. في ثانية شالها بين إيديه بحنان وقوة داب معاهم كل توتر الحضور والناس.
عزة شهقت بخضة وهمست وهي دافنة وشها في صدره:
ـ "عمار.. ينفع كده؟ نزلني بالراحة أرجوك المزرعة كلها بتتفرج!"
عمار ضحك بصوته الرجولي القوي وهو داخل بيها البوابة الكبيرة:
ـ "المزرعة مزرعتي، واللي واقفة في حضني دي مراتي وست بيتي خلاص.. من النهاردة مفيش خوف ولا فيه حواجز يا عزة."
دخل عمار الفيلا ونزلها بالراحة في الصالون الواسع المليان بالهدوء والروائح الدافية. عزة وقفت وهي بتعدل فستانها ووعينيها بتدور في المكان بذهول وإعجاب من شياكة البيت ونظامه، عمار قرب منها من وراها، قلع جاكيت البدلة ورماه على الكرسي، وفك أول زرارين من قميصه ووقف قصادها بالظبط، وعينيه الحادة والجدية اتمحت تماماً وحلت مكانها نظرة عشق حقيقي طالعة من أعماق قلبه.
مد إيده بالراحة ورفع وشها المكسوف لحد ما عيونها التقت بعيونه، وقال بنبرة صادقة هزت كيانها:
ـ "مبروك عليا أنتِ يا عزة.. مبروك عودة الروح لبيت عمار. زمان لما جيت لرحيم وأنا مكسور ووحيد، كنت فاكر إن الدنيا مش هتصالحني أبداً، بس ربنا كان شايل لي الفرحة الكبيرة في عيونك أنتِ. من النهاردة، الحسابات القديمة كلها اتقفلت.. المزرعة دي، والبيت ده، وروحي دي.. كلهم ملكك."
عزة دموع الفرحة لمعت في عينيها غصب عنها، ولأول مرة تحس إن حواجز الحديد اللي بنتها سنين طوال انهارت بالكامل قدام رجولته وحمايته الصادقة. بلعت ريقها، ورفعت إيدها عفوياً حطتها على صدره العريض وقالت بصوت خافت ورقيق ماليان حب:
ـ "الله يبارك فيك يا عمار.. أنا اللي عمري ما كنت أتخيل إن ربنا هيعوضني براجل زيك، يصونني ويخليني أحس بقيمتي وكرامتي. ربنا يخليك ليا ويديمك ضهري وأماني."
عمار ابتسم ابتسامة نصر وسعادة حقيقية مالي عينه من ملامحها، وطبع بوسة دافية على جبينها، وأخدها في حضنه بقوة وكأنه بيقفل عليها من العالم كله .
التاسع والعشرين والاخير من هنا
الفصل 29
مر شهر كامل على جواز عمار وعزة، شهر المزرعة فيه حست بدفا مكنتش تعرفه من سنين، والفيلا اللي كانت دايماً ضلمة وهادية، بقت بتنطق حيوية بلمسات عزة وضحتكها الرقيقة اللي مابتفارقش وشها وهي بتدير حسابات المزرعة
وفي ليلة هادية، داخل قصر رحيم الهواري..
رحيم كان قاعد في مكتبه، لابس قميص أسود مريح وفاتح أول زرارين، وباصص من الشباك الكبير للجنينة وهو بيشرب قهوته وعقله شغال تفكير وتخطيط. الباب خبط ودخل عمار بهيبته المعتادة، ماسك في إيده ملف الحسابات الشهري للمزرعة.
رحيم التفت له وابتسامته الدافية ظهرت على وشه:
ـ "يا مرحب بالعريس اللي مبقاش يبان.. عاش من شافك يا عمار."
عمار ضحك وصوته الرجولي رن في المكتب وهو بيحط الملف على الترابيزة:
ـ المزرعة وشغلها واخدين وقتي، بس جيت أسلّمك حسابات الشهر بنفسي وأطمن عليك ."
رحيم ساب فنجان القهوة وقرب من عمار، حط إيده على كتف صاحبه وعينه فيها لمعة تفكير وخبث ذكي:
ـ "سيبك من الحسابات والورق دلوقتي يا صاحبي.. أنا طالبك في مأمورية تانية خالص، مأمورية سريعة وماتستحملش التأخير."
عمار عقد حواجبه باستغراب وبص لرحيم بتركيز:
ـ "خير يا رحيم؟ في حاجة جديدة ظهرت تخص الصافي؟ ولا فيه شغل برة؟"
رحيم هز راسه بالرفض والابتسامة وسعت على وشه:
ـ "لأ، الصافي انتهى وربنا ريحنا من شره للأبد.. الموضوع المرة دي يخص المزرعة عندك. أنا عايزك تجهز لي المزرعة كلها، من أول البوابة لحد الجنينة الكبيرة، وتعمل لي فيها فرح.. بس مش أي فرح، فرح ملكي كبير يتعمل عليه ألف حساب، زينة وأنوار دافية، وممر طويل مفروش ورد، وأفخم بوفيه وأحسن تنظيم."
عمار بلمح البصر بلم ومبقاش فاهم حاجة، هرش في راسه وبص لرحيم بذهول:
ـ "فرح؟ فرح لمين يا رحيم في المزرعة؟ أنت ناوي تجوز حد من رجالتك ولا إيه؟ وليه في المزرعة بالذات؟"
رحيم لف ضهره ولعب بخاتمه الفضة وهو بيتكلم بنبرة صوت مليانة تملك وعشق حقيقي، نبرة عمر عمار ما سمعها من رحيم إلا لما السيرة تخص واحدة بس:
ـ "عايز أعمل مفاجأة لزينب يا عمار.. زينب دخلت حياتي في وسط الحرب والعواصف، استحملت الرعب وشالت مالك في حضنها ، ودخلت دنيتي من غير ما تاخد حقها والنهاردة بعد ما الساحة فضيت والكلاب اختفوا، جه الوقت اللي أخليها فيه ملكة قدام الدنيا كلها."
عمار عينيه لمعت بفرحة حقيقية لصاحب عمره وطبطب على ظهره بقوة:
ـ "يا ابن اللعيبة يا رحيم! والله وطلعت رومانسي وبتعرف تخطط يا أخطبوط. بس استنى.. زينب عارفة؟"
رحيم التفت له وعينه رجعت فيها حدة الصقر بس ممزوجة بضحكة:
ـ "لو عرفت مش هتبقى مفاجأة يا غبي! أنا مش عايزها تشم خبر، ولا هي ولا عزة ولا ماما حنان.. الحريم لسانهم بيخونهم في الفرحة. أنت هتقلب المزرعة خلية نحل من وراهم، وتنسق مع أكبر بتوع ديكور، ولما كل حاجة تجهز، أنا هعرف أجيبها لحد عندك إزاي بالفستان الأبيض."
عمار جز على سنانه بحماس وهو بيضحك:
ـ "اعتبره حصل يا صاحبي. من النجمة المزرعة هتقلب ثكنة عسكرية لتجهيز ليلة العمر لست البنات، وعزة بنفسها هتشرف على الديكور من غير ما تفهم الفرح ده لمين.. هقول لها ده فرح يخص عميل كبير لرحيم بيه ومحرجين نرفض."
رحيم ابتسم وحط إيده في جيبه:
ـ "تمام.. قدامك أسبوع واحد يا عمار، مش عايز غلطة، الليلة دي لازم تكون الليلة اللي زينب عمرها ما تنساها في حياتها."
وبالفعل، مرت الأيام وعمار شغال في المزرعة زي اللودر، بيوجه العمال، والأنوار والزينة بدأت تترص في الجنينة الواسعة، والكراسي الملكية البيضا بدأت تتوزع، وعزة كانت بتتحرك معاه بفضول هيموتها وهي شايفة الفخامة دي كلها وبتسأل نفسها: "يا ترى مين المحظوظة اللي رحيم بيه بيعمل لها كل ده في مزرعتنا؟".
وفي الصباح الجديد، قصر رحيم الهواري اتقلب لخلية نحل تانية، بس المرة دي جوه البيت نفسه.
زينب صحيت على صوت حركة وخطوات غريبة في الممرات برة أوضتها، لمت شعرها بسرعة وخرجت تبص، ولقت عمال ومهندسين ديكور بيتحركوا بمعاينات، وماسكين في إيديهم لوحات لتصميمات هندسية، وبيسجلوا مقاسات الصالون والممرات، ونازلين على الدور الأرضي والمكتب.
نزلت السلم ببطء والفضول بياكلها، لقت رحيم واقف في وسط الصالون الكبير، لابس قميص أبيض ورافع كُمامه، وبيتكلم بجِدية وصوت رخيم حاسم مع مهندس ديكور كبير:
ـ "الصالون ده كله يتشال، والألوان الغامقة دي تتغير تماماً.. عايز ألوان هادية وفيها روح دافية. وغرف النوم فوق، بالذات الأجنحة الرئيسية، تتهد الديكورات القديمة بتاعتها وتتفرش بأحدث طراز وبأفخم أثاث.. مش عايز تفصيلة واحدة تفوتكم."
زينب دخلت من باب القص و، دقات قلبها بدأت تزيد بنبرة قلق مقبوضة. قربت منه بخطوات هادية ولما رحيم لمحها، شاور للمهندس يكمل شغله والتفت ليها وعينه فيها لمعة هادية:
ـ "صحيتي يا زينب؟ صباح الخير.. معلش الدوشة دي هتضايقكم كام يوم."
زينب بلعت ريقها وبصت حواليها للعمال واللوحات، وقالت بصوت هادي ومتردد ماليان فضول:
ـ "صباح النور يا رحيم بيه.. لأ مفيش ضيق ولا حاجة، بس.. أنا شايفة حركة غريبة وتجديدات شاملة في كل ركن في القصر، حتى غرف النوم الرئيسية فوق! هو.. هو فيه إيه؟ وليه بتغير نظام البيت كله فجأة كده بعد السنين دي؟"
رحيم حط إيده في جيبه، وحب يلعب بأعصابها ويشوف غلاوته في عينها، فملامحه بقيت جاده بزيادة وحط النبرة الباردة بتاعة العمل، وقال بخبث مستخبي:
ـ "أصل خلاص يا زينب.. جه الوقت اللي القصر ده يدخله روح جديدة ونظام جديد.. أنا قررت أتجوز. واجيب لمالك ام
الكلمة نزلت على ودن زينب زي الصاعقة.. "أنا قررت أتجوز"!
في ثانية واحدة، الهوا اتمسح من حواليها، والدنيا اسودت في عينها وكأن جبل اتهد فوق راسها. الكلمة هزت كيانها كله، وحست بوجع في قلبها مكنتش تتخيل إنها ممكن تحس بيها في يوم من الأيام.
دموعها اتجمعت في عيونها الواسعة في لمح البصر، وبقت بتلمع تحت الإضاءة، وشها اتقلب أبيض وعروق إيدها اتشدت وهي ماسكة في طرف العباية عشان تسند طولها وماتقعش قدامه. حاولت بكل قوتها وبكبرياء الأنثى اللي جواها إنها تداري الدموع دي، فنزلت عينها الأرض بسرعة ولفّت وشها الناحية التانية وهي بتبلع غصّة مرار في حلقها.
صوتها طلع مخنوق، مكسور، وبيرتعش وهي بتحاول تبان طبيعية:
ـ "ألف.. مبروك يا رحيم بيه.. ربنا.. ربنا يتمم لك على خير.. أنت حقك تعيش حياتك وتختار اللي تسعدك."
رحيم كان متابع كل حركات وشها، وشاف الدموع اللي حست بحرارتها على رموشها، وقلبه دق بعنف لما لقى غلاوته وحبه واصلين للدرجة دي في قلبها، بس فضل ساكت ومثبت ملامحه عشان اللعبة تكمل .
زينب، والدموع خلاص هتنزل من عينها، حست إن أنفاسها بتتقطع، وأفكار سودا بدأت تهاجم عقلها.. "يعني خلاص؟ أيامي بقيت معدودة هنا؟ رحيم هيجيب ست جديدة للقصر، وأنا مكاني هيبقى فين؟ هبقى مجرد ضيفة ولا هرجع الدار تاني؟ أنا خلاص مابقاش ليا مكان جمبه ولا في حياته".
وقبل ما تنهار قدامه، رفعت راسها ثواني من غير ما تبص في عينه، وقالت بنبرة هربانة من وسط دموعها:
ـ "عن إذنك.. هطلع أشوف مالك عشان زمانه صحي."
وجريت على السلم بسرعة، ودموعها نزلت على خدها بغزارة أول ما دارت وشها عنه، ودخلت الحمام وقَفلت الباب وسندت ضهرها عليه وهي بتعيط بحرقة وتكتم صوت شهقاتها.. مكنتش تعرف إن الجرح بالعمق ده، ومكنتش فاهمة إن الأخطبوط مبقاش مجرد حامي ليها، ده بقى هو نفسه حياتها ودنيتها اللي خايفة تضيع منها!
وتحت في الصالون.. رحيم فضل باصص أثرها على السلم، وابتسامة عشق حقيقية وندم خفيف ظهرت على وشه وهو بيهمس لنفسه:
ـ "استحملي الوجع ده يومين بس وبكرة هتعرفي إنك أنتِ العروسة، وإن القصر ده مش هيتجدد ولا هيتفرش إلا ليكي أنتِ يا ملكة قلبي."
"بعد يومين طلب رحيم من زينب انها تروح معاه المزرعه عشان فى مشكله كبيره هناك وتخلى بالها من مالك وفعلاً زينب جهزت نفسها ومالك وراحت معاه المزرعه وطول الطريق كانت ساكته او بتتكلم مع مالك
وصلت المزرعه وكان رحيم كلم ست حنان وجهز معاها كل حاجه واتفق مع الميكب ارتيسيت وعزم اكبر ناس فى البلد"
وصلت العربية قدام بوابة المزرعة الكبيرة، وكانت الأنوار متوزعة بشكل ساحر في كل ركن، والزينة كانت في كل حتة بتلمع تحت ضوء القمر. زينب نزلت من العربية وهي ماسكة إيد مالك، ملامحها كانت لسه شايلة أثر الحزن والكآبة من موضوع الجواز اللي رحيم قالهولها، وكانت بتفكر: "يا ترى إيه المشكلة الكبيرة اللي خلت رحيم يجيبني هنا في وسط الحفلات والناس؟".
رحيم نزل من العربية بهيبته المعتادة، بدلته السوداء كانت بتلمع، وملامحه كانت في غاية الهدوء والرضا. بص لزينب اللي كانت لابسة فستان بسيط ووشها شاحب، وحس بوجع في قلبه من كتر ما هي شايلة في نفسها، قرب منها وهمس بصوت واطي:
ـ "خليكي قوية يا زينب.. كل حاجة هتتحل دلوقتي."
دخلوا من البوابة، وزينب اتفاجئت بالهدوء اللي مريب، المزرعة كانت مليانة حراس، وعزة وماما حنان كانوا واقفين عند مدخل الفيلا، عزة كانت لابسة لبس رقيق ومبتسمة ابتسامة غامضة، وماما حنان كانت عيونها بتلمع بدموع الفرح.
زينب سألت بقلق وهي بتبص حواليها:
ـ "فين المشكلة يا رحيم بيه ؟ وليه المكان مليان ورد وزينة كأن فيه فرح؟"
رحيم ماردش عليها، بس أخدها من إيدها وطلع بيها على ممر طويل مفروش بالسجاد الأحمر، ومحاط ببوكيهات ورد طبيعي من أجمل الأنواع، والأنوار كانت بتنور وتطفي على أنغام موسيقى هادية جداً بدأت تشتغل في الأرجاء.
زينب اتجمدت في مكانها، وقلبها بدأ يدق بجنون لما شافت عزة بتشاور لها بابتسامة، وفجأة، الميكب أرتيست اللي كانت مستنية في أوضة جانبية خرجت ومعاها فستان زفاف ملكي، مطرز بالكريستال اللي بيخطف العين.
رحيم وقف قدامها، مسك إيديها الاتنين وبص في عيونها اللي كانت بتتحرك في كل حتة بذهول، وقال بنبرة هادية وعميقة هزت كيانها:
ـ "المشكلة الكبيرة هي إن قلبي كان معذبني لأنه مش عارف يعبر عن اللى جواه بس انهارده كل حاجه هتتغير يا زينب .. والورد ده، والناس اللي بدأت توصل، والزينة دي.. مش لمشكلة، دي عشان أجمل ليلة في عمرنا."
زينب اتنفضت من الصدمة، عيونها وسعت ووقعت منها دمعة حقيقية، بس المرة دي كانت دمعة فرحة مش حزن. همست بصوت مخنوق من شدة المفاجأة:
ـ "أنت.. أنت قولت هتتجوز؟"
رحيم ضحك ضحكة رجولية دافية، ومسح دموعها بإبهامه:
ـ "وأنا فعلاً بتجوز.. بتجوز الست اللي حمت بيتي، وحبت ابني، واستحملت قسوتي ووجعي.. بتجوز زينب، اللي بقت هي دنيتي وأماني وكل ما ليا."
قبل ما تستوعب، عزة وماما حنان قربوا منها، وأخدوها للأوضة عشان يلبسوها الفستان الأبيض اللي بيحلموا بيه، والبيت كله بدأ يضج بالأصوات والترحيب من كبار البلد اللي كانوا موجودين، والكل كان بيتسابق عشان يبارك لرحيم الهواري على عروسه اللي خطفت قلبه.
رحيم كان واقف برة، بيلعب بخاتمه الفضة وهو بيبص للسما، وحاسس إن أخيراً، "الأخطبوط" لقى الملاذ اللي عمره ما عرفه.. ليلة واحدة، وبقت زينب مراته قدام الكل، بعهد جديد وحب مايعرفش غير الإخلاص والأمان.
وبعد أربع ساعات كاملة من التجهيزات، كان الليل جه خلاص، والمزرعة اتملت بأنوار دافية وساحرة خطفت الأنظار، والمعازيم من أكبر ناس في البلد بدأوا يملوا الجنينة الواسعة اللي اتقلبت لسرادق ملكي مفيش في فخامته.
داخل الجناح فوق.. كانت زينب جهزت بالكامل.
وقفت قدام المراية الكبيرة وهي مش مصدقة شكلها. الفستان الأبيض الملكي كان نازل عليها بنعومة ومطرز بتفاصيل رقيقة خطفت قلبها، والميكب آرتيست برزت ملامح وشها الواسعة والصافية من غير مبالغة، والطرحة البيضا الطويلة كانت نازلة وراها زي الأميرة.
زينب كانت واقفة، قلبها بيدق زي الطبول، بس المرة دي مكنش خوف، كان مزيج من الكسوف، والفرحة الطاغية، والذهول من الأخطبوط اللي خطط لكل ده من وراها عشان يرجع لها حقها كبنت ويفرح قلبها قدام الدنيا كلها.
الباب خبط بالراحة، وتوقعوا دخلة رحيم.
اتفتح الباب ودخل رحيم الهواري بكامل هيبته ووسامته، لابس بدلته السوداء الأنيقة، وقميصه الأبيض الناصع، ولأول مرة يتخلى عن النظرة الحادة بتاعة الشغل. أول ما عينه جت على زينب، خطواته اتسمرت في مكانها.. فضل باصص لها لثواني طويلة من غير ما ينطق ولا كلمة، وعينيه الغامقة لمعت بنظرة عشق وتملك حقيقي، كأنه مش مصدق إن الحورية اللي قدامه دي بقت ملكه وبتاعته هو وبس.
قرب منها ببطء، خطواته الرخيمة كانت بتعلو مع دقات قلب زينب اللي كانت بتبص في الأرض من كتر الكسوف وخدودها اتصبغت باللون الأحمر. وقف قصادها بالظبط، ومد إيده القوية، وبأطراف صوابعه رفع وشها الرقيق لحد ما عيونها التقت بعيونه.
تنفس بصوت مسموع وقال بنبرته الرخيمة الدافية اللي بتدوب أي جمدان:
ـ "أنا قولت إنك هتكوني ملكة.. بس مكنتش أعرف إن الأرض هتنور بيكي للدرجة دي يا زينب."
زينب بلعت ريقها وصوتها طلع رقيق وخافت جداً من الكسوف:
ـ "شكراً يا رحيم.. أنا.. أنا لسه مش مصدقة اللي أنت عملته ده كله عشان خاطري."
رحيم ابتسم ابتسامة صافية، وطبع بوسة دافية وطويلة على جبينها، وشدد على إيدها الصغيرة وهو بيدخلها في دراعه:
ـ "أنتِ تستاهلي أكتر من كده بكتير يا ست البنات.. يلا بينا، الناس كلها برة مستنية تشوف عروستي."
وفي نفس اللحظة، الباب اتفتح ودخل مالك الصغير وهو لابس بدلة سمرا تفصيل صغيرة زي أبوه بالظبط، وشكله زي القمر، وجري عليهم وهو بيضحك بفرحة:
ـ "زينب.. بابا.. يلا عشان نلعب في الجنينة برة مع الناس!"
رحيم ضحك وشال مالك على دراعه، والإيد التانية طوق بيها إيد زينب، وبدأوا ينزلوا السلم سوا عشان تبدأ ليلة العمر اللي المزرعة كلها عمرها ما هتنسا
رحيم نزل السلم وبجانبه زينب اللي كانت ماشية زي الملكة، ومالك متشال على دراعه ومخطوف الأنظار ببدلته الصغيرة. أول ما رجولهم خطت برة بوابة الفيلا ودخلوا الجنينة الكبيرة، المكان كله اتهز بصوت الزغاريد اللي ضربت في السما من ماما حنان وعزة، والمعازيم كلهم وقفوا يسقفوا بحماس وفرحة حقيقية للأخطبوط وعروسته.
الأنوار الدافية كانت مسلطة عليهم، والممر الطويل كان مفروش ورد طبيعي أبيض وأحمر، والكل كان بيبص لزينب بذهول من رقتها وجمالها الفاتن بالفستان الأبيض. رحيم كان ماشي بخطوات واثقة، هيبته تملأ المكان، بس عينه مكنتش بتفارق وش زينب اللي كان عرقان من الكسوف وعيونها في الأرض.
عمار كان واقف في أول الممر جنب الكوشة الملكية، لابس بدلته وكالعادة عينه صقرية بتأمن المكان، بس أول ما شاف صاحبه وظهرت على وشه ابتسامة نصر وفرحة، قرب منه بسرعة وحضنه بقوة:
ـ "مبروك يا صاحبي.. ليلة العمر تليق بيك وبالغالية ست البنات."
رحيم طبطب على ضهره بنبرة صادقة:
ـ "عقبال ما تفرح بعيالك يا عمار.. تسلم إيدك على كل شبر في الليلة دي."
عزة قربت من زينب وعيونها مدمعة من الفرحة، واحتضنتها جامد وهي بتهرس في ودنها:
ـ "بقى كده يا زوزو؟ تخبي عليا كل ده؟ والله كنت حاسة إن الواد عمار وراه مصيبة في المزرعة بس مكنتش أتخيل إنها الفرحة الكبيرة دي! طالعة زي القمر يا حبيبتي."
زينب ضحكت من وسط كسوفها وهمست لها:
ـ "والله العظيم ما كنت أعرف حاجة يا عزة، ده جوزك وجوزي طبخوا الطبخة من ورايا وأنا كنت فاكرة إن فيه مصيبة في المزرعة!"
رحيم نزل مالك بالراحة، وأخد إيد زينب وطلعوا قعدوا في الكوشة الملكية اللي كانت متزينة بالورد الأبيض والإضاءة الخافتة الساحرة. كبار البلد والموردين ورجال الأعمال بدأوا يتقدموا واحد ورا التاني عشان يباركوا لرحيم الهواري، والكل كان بيتكلم عن هيبة العريس ورقّة العروسة اللي خطفت قلب الأخطبوط.
بعد شوية، اشتغلت أغنية هادية ورومانسية جداً.. رحيم قام وقف بكامل طوله، ومد إيده لزينب بنظرة كلها رجاء دافي وتملك:
ـ "تسمحي لي بالرقصة دي يا مدام رحيم الهواري؟"
زينب بلعت ريقها، وحطت إيدها الصغيرة المبتلة من التوتر في إيده القوية، وقامت معاه وسط تصفيق حاد من المعازيم.
رحيم لف دراعه حوالين وسطها بالراحة وقربها منه، وزينب حطت إيدها على كتفه وعينها التقت بعينه لأول مرة من بداية الليلة. رحيم بص في عيونها الواسعة اللامعة بفرحة، وقال بصوته الرخيم اللي كله عشق:
ـ "النهاردة بس يا زينب، أقدر أقول إن رحيم الهواري قفل كتاب الوجع وبدأ حياته الحقيقية.. أنتِ الأمان اللي ربنا بعتهولي بعد سنين العواصف."
زينب دموع الفرحة لمعت في عيونها، وسندت راسها بالراحة على صدره العريض وهي بتهمس بنعومة وحب:
ـ "ربنا يخليك ليا يا رحيم.. أنا عمري ما حلمت بنص الفرحة دي، وجودك معايا هو الفرحة الكبيرة اللي هعيش بيها طول عمري."
عمار وعزة وماما حنان كانوا واقفين بيبصوا عليهم بفخر، ومالك كان بيجري ويلعب حواليهم مع أطفال المزرعة، والليلة بدأت تدور في دفا وحب، وأعلن الأخطبوط قدام الدنيا كلها إن زينب بقت دنيته وحرمه المصونة، والشر اتمحى من حياتهم للأبد.
ومع الساعات الأولى من الفجر، الفرح بدأ يهدى، والمعازيم ودّعوا رحيم وعروسته بتباريك ودعوات طالعة من القلب.
ماما حنان قربت من رحيم وزينب وهي ماسكة إيد مالك الصغير اللي كان عينه بتروح وتيجي من كتر التعب واللعب مع أطفال الدار اللي كانوا حاضرين الفرح. ماما حنان ابتسمت بحنان وقالت لزينب:
ـ "مبروك يا ست البنات، ربنا يسعدكم ويهنيكم يا رب.. سيبوا لي مالك معايا الليلة دي في الدار، الواد هبطان من اللعب مع الأولاد ومش هيصحى قبل الظهر، اطلعوا أنتوا ارتاحوا."
رحيم طبطب على رأس ابنه وبص لموا حنان بامتنان:
ـ "تسلمي يا أمي، تعبناكي معانا.. خلي بالك منه."
عمار وعزة هما كمان باركوا لهم تاني واستأذنوا عشان يرجعوا فيلتهم، والمزرعة كلها سكنت ومبقاش مسموع فيها غير صوت نسمات الهواء الهادية بين الشجر.
رحيم التفت لزينب، لقى وشها جايب ألوان من الكسوف والخجل، واقفة بالفستان الأبيض ومش عارفة تبص فين. مد إيده وطوق وسطها بحنان، وبخطوات رزينة وهادية أخدها وطلعوا الجناح الرئيسي بتاعهم في فيلا المزرعة، الجناح اللي عمار جهزه بأفخم الأثاث والأنوار الدافية الخافتة.
أول ما دخلوا، رحيم قفل الباب وراه بالراحة، كأنه بيقفل على دنيتهم الجديدة اللي مفيش فيها غيرهم.
زينب اتسمرت في وسط الأوضة، قلبها كان بيدق بعنف لدرجة إنها كانت حاسة إن رحيم سامع دقاته، فركت إيدها بتوتر وهي باصة للأرض. رحيم قلع جاكيت البدلة ورماه على الكرسي، وفك أول زرارين من قميصه الأبيض، وقرب منها بخطوات بطيئة هادية لحد ما بقى واقف وراها بالظبط.
أنفاسه الرجولية الدافية لفحت رقبتها، ومد إيده بالراحة يفك طرحة الفستان الطويلة ويشيلها من على رأسها. لفها ليه ببطء شديد، ورفع وشها بإيديه الاتنين وبص في عيونها الواسعة اللامعة بنظرة تملك وعشق حقيقي دّوب كل التوتر اللي جواها.
رحيم اتكلم بصوته الرخيم والدافي جداً:
ـ "خلاص يا زينب.. مبقاش فيه خوف، ومبقاش فيه معارك.. الليلة دي أنتِ بقيتي مراتي وحرم رحيم الهواري قدام ربنا والعالم كله.. أنا عشت عمري كله في حرب، بس حضنك هو السلام اللي كنت مستنيه."
زينب حسّت إن ركبها مش شايلاها من كتر المشاعر اللي هجمت على قلبها في اللحظة دي هى احد دلوقتي حاسه انها بتحلم وبتحاول تعيش الحلم بتفاصيله ومتصحاش منه ..كمل رحيم كلامه، ونظرة عينه اللي ماليانة أمان، والصدق اللي طالع من نبرته، خلوا كل حواجز الخجل والكسوف تنهار. عيونها دمعت دُموع فرحة صافية، ولأول مرة تاخد خطوة جريئة؛ رفعت إيديها الصغيرة المرتعشة وحطتها على صدره العريض، وقربت منه أكتر لحد ما بقيت دافنة وشها في صدره وسامعة دقات قلبه المنتظمة والقوية.
صوتها طلع ناعم، ماليان حب وهامس:
ـ "أنا بحبك يا رحيم.. عمري ما تخيلت إن دنيتي هيبقى فيها راجل زيك، يحميني ويشيلني جوه عينه ويعوضني عن كل اللي شفته.. أنا مش عايزة من الدنيا دي حاجة تانية غير إني أفضل في حضنك ده، وأكون الأمان اللي بيريحك من تعب الدنيا."
رحيم أول ما سمع كلمة "بحبك" منها، جسمه كله اتنفض، وابتسامة سعادة ونصر حقيقية ظهرت على وشه، ضماها لصدره بكل قوته وكأنه بيحاول يدخلها بين ضلوعه، وطبع بوسة دافية وطويلة على جبينها وشفايفها، ودفن وشه في حجابها وهو بيتنفس ريحتها النفاذة اللي بقت بتجري في دمه.
وفي اللحظة دي، اتقفلت صفحة الوجع والغدر والخوف من حياتهم للأبد، وبدأت حياة جديدة للأخطبوط اللي لقى ملاذه، ولزينب اللي بقت ملكة قلبه وأيامه الجاية، في ليلة شهدت على ولادة حب حقيقي مش هتهزه أي عاصفة.
وفي الصباح الجديد،
رحيم صحي بدري كالعادة، بس المرة دي صحي والراحة مالية قلبه. قام من على السرير بمنتهى الهدوء والراحة عشان زينب ما تصحاش، أخد روب ستان أسود فخم لبسه فوق بنطلونه، ومشا بخطوات غير مسموعة لحد الكرسي الفوتيل الكبير اللي محطوط في زاوية الأوضة ومواجه للسرير بالظبط.
قعد رحيم، ساند ضهره، وحط رجل على رجل، وشبك صوابع إيده تحت دقنه وبدأ يبص لزينب.. فضل باصص لها لمدّة طويلة بنظرة كلها تأمل وعشق صافي. كانت نايمة بسلام كأنها طفلة، ملامحها هادية، وبقايا الفرحة والخجل لسه باينة على وشها. رحيم كان مستنيها تصحى بفارغ الصبر، كأنه طفل مستني اللعبة اللي هتفرحه، والابتسامة الهادية مش مفارقة شفايفه.
بعد شوية، زينب بدأت تتحرك بالراحة، فتحت عيونها الواسعة ببطء وهي بتتكيف مع نور الأوضة. أول ما استوعبت هي فين، لفت راسها بسرعة وتلقائية تدور عليه جنبها على السرير، بس ملقتوش.. قلبها دق بخضة خفيفة، بس أول ما رفعت عيونها، لقت صقر الهواري قاعد على الكرسي وباصص لها بالنظرة اللي بتدوبها.
وشها اتصبغ باللون الأحمر في ثانية، ولمت الغطا عليها بكسوف وهي بتقعد:
ـ "صباح الخير يا رحيم.. أنت صاحي من بدري؟"
رحيم صوته الرجولي الرخيم طلع دافي ومليان حنان وهامس:
ـ "صباح الورد يا قلب رحيم.. صاحي بقالي ساعة، ومفيش ورايا في الدنيا دي غير إني أتأمل في دنيتي وهي نايمة جمبي."
زينب بلعت ريقها بكسوف، ونزلت رجليها من على السرير، وقامت مشت بخطوات هادية وخجولة لحد ما راحت وقفت قدامه بالظبط، وعيونها في الأرض مش قادرة ترفعهم في عينه من كتر الإحراج والجمال اللي في نظرته.
رحيم مقالش ولا كلمة.. في لمح البصر، وبحركة سريعة ومحملة بالقوة والحنان، مد إيده القوية وقام شاددها من وسطها بكل تملك، وقعدها على رجله!
زينب شهقت بخضة ورقة، وإيديها عفوياً راحت على كتافه العريضة عشان تتوازن، ووشها بقى في وش رحيم بالظبط، أنفاسهم الدافية اتقابلت، وقلبها بقى بيدق زي الطبول.
رحيم طوق وسطها بدراعه، والإيد التانية رفع بيها وشها بالراحة، وبص في عيونها بلمعة عشق تزلزل الكيان، وقال بنبرة واطية وحنينة جداً:
ـ "لسه برضه بتتكسفى مني يا مدام رحيم؟ أنتِ خلاص بقيتي النفس اللي بطالعه وأدخله.. من النهاردة مش عايز أشوف الخجل ده وإحنا لوحدنا، عايز أشوف الحب اللي في عيونك وبس."
زينب حست إنها بتدوب بين إيديه، الدفا والأمان اللي طالعين من جسمه ونبرة صوته خلوا كل حواجز الكسوف تتبخر. اتنهدت تنهيدة طويلة ماليانة راحة، وسابت نفسها تماماً، ومالت براسها بالراحة لحد ما سندت جبهتها على جبهته، وهمست بصوت رقيق ونعومة تدوّب الصخر:
ـ "مبقاش كسوف يا رحيم.. ده فرحة، فرحة كبيرة أوي لدرجة إن قلبي مش مستوعبها. أنا طول عمري كنت بخاف من الأيام، بس وأنا قاعدة معاك كده.. حاسة إني ملكت الدنيا ومفيش أي حاجة في العالم تقدر تخوفني تاني."
رحيم ابتسم ابتسامة نصر وسعادة حقيقية عمره ما عاشها، وطبع بوسة دافية وطويلة على خدها وعيونها، وضمها لحضنه بقوة وهو بيهمس في ودنها:
ـ "وأنا هفضل ضهرك وسندك وأمانك لحد آخر يوم في عمري يا ست البنات.. صباحي بيبدأ بيكي، ودنيتي نورت بوجودك فيها."
وفضلوا قاعدين سوا وسط خيوط الشمس والهدوء، بيعيشوا أول صباح ليهم كعيلة حقيقية، بعد ما العواصف انتهت والأخطبوط لقى السلام الرسمي جوه حضن ملكته.
*****تمت*****