تحميل رواية «الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جميع الحقوق محفوظة للكاتبة 2021 الجزء الخامس من الجوكر و الأسطورة على مفترق الطريق كنت أنت لجواري!... حتى وإن طالبك اللسان بالرحيلٍ وناداك القلب شوقٍ!.. فلوعة الغرام يعهدها زمن ووعد بالبقاء، وها أنت يا سيدي تعيد ذكرى ما أضرمته الليالي من فتورٍ وآنين، فبات الجسد لا يتقبل قربك والقلب يئن بعذاب هواك!...
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الاول 1 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة ... 5 ..(#متى_يهتدي_الوصال؟...)...
#الفصل_الثاني_والأربعون...
يترنح الهواء عالياً بين أشجار البتولا الجبلية المنخفضة التي تتخللها بعض أشجار الصنوبر حيث لا توجد الغابات الحقيقية إلا في المناطق الشجرية القليلة، والتي تكثر فيها أشجار الصنوبر أو التنوب، وقفت بفستانها الأزرق بعيداً عن الخيمة السوداء المنصوبة بحرافيةٍ فائقة تتأمل الأشجار التي تهتز أوراقها بدلالٍ،ابتسامة ساحرة رسمت على طرفي شفتيها وهي تفرد ذراعيها بالهواء الطلق، للحظةٍ شعرت بالرضا لإنصياعها أخيراً لقرار "رحيم" حينما قرر التخييم على أحد جزر فنلندا، أمتد بصرها للستنقعات المفتوحة بين الغابات، منها مستنقعات كبيرة للغاية في المناطق المنخفضة بالرغم من أن الغابات تضم أنواعًا قليلة من الأشجار في مدينة فنلندا فهي تختلف كثيرًا عن بعضها البعض وقد تتجاور غابات التنوب مع غابات الصنوبر التي تضيئها الشمس، والتجاويف المستنقعية والصخور السفلية المفتوحة حيث تتسم كثير من الغابات بالرطوبة والتربة الطينية، لذا قد توصف بأنها مستنقعات هذا، وتغطي مختلف أنواع المستنقعات ثلث مساحة فنلندا وتتكون سدس هذه المساحة من أراضٍ طينية ليست فيها أشجار في مدينة "فنلندا"، دقائق مرت ومازالت"حنين" تقف بمحلها تتأمل المكان بإعجابٍ شديد وخاصة مع انسدال خيوط الشمس بأشعتها الذهبية فتزيد من الجمالٍ جمال، فأمس حينما وصلوا لهذة البقعة بالتحديدٍ كان الليل قد احتجز المكان بظلمته، استدارت برأسها تجاه الخيمة الصفراء المجاورة لهما علها تستكشف إن كانت رفيقتها قد إستيقظت ام مازال النوم يغلبها بهذا المكان الساحر، إسترقت بسمعها لصوتٍ يأتي بالقربٍ منها فتحركت تجاهه وعينيها تترقب بشوقٍ رؤياه، لامست بأطراف يدها الحشائش من حولها حتى وجدته يجلس بجوار أحدى الأشجار، راقبته بنظراتٍ ماكرة فوجدته يرتشف مشروبه الخاص من زجاجة بلورية، أنتباها فكرة مشاكسة فأنحنت أرضاً تجمع بعض الحصوات ثم بدأت بحذر تسدد الضربات إليه قاصدة إرعبه، ضربة تلو الأخرى حتى أنهت حصتها من الحصى فأنحنت لجمع المزيد ثم انتصبت بوقفتها لتعيد ما فعلته من جديد، انزوى حاجبها باستغرابٍ حينما لم تجده بمحله، فبحثت عنه بلهفةٍ وخوف، شعرت بقوةٍ غريبة تسحبها للخلف ليظهر من خلفها الجوكر المزعوم مردداً بسخريةٍ:
_مش هتفكك من حوارات الطفولة دي وتكبري!..
ضمت يدها حول يديه الملتفة على خصرها لتجيبه بدلالٍ:
_طول ما أنا معاك مش بلاقي نفسي غير طفلة وبتدور على أبوها في كل مكان...
كلماتها التلقائية منحته ذكرة عابرة لما فعله بأبيها، للحظةٍ انقبض قلبه بخوفٍ من أن تتزعزع العلاقة بينهما حينما تعلم بما حدث، وجدته صامتاً فأستدارت لتكون تجاهه، حاولت بجهد أن تلف ذراعيها حول عنقه فرسم الحزن على ملامحها وهي تجيبه بتذمر:
_مينفعش تقصر شوية؟..
ضيق عينيه ساخراً:
_لو لسانك قصر ممكن!..
ابتعدت عنه بغيظٍ وهو تلوح بيدها:
_أنا لساني مش طويل على فكرة..
حل أزرر قميصه ومازال وجهه يحتفظ بابتسامته الساخرة:
_ايوه أنتِ دائماً صح...
لوت شفتيها بغضبٍ ثم تابعته وهو يتقدم من الشجرة القريبة منه، فألتقط المقعد الطويل ثم فرده ليستلقى عليه بعدما ارتدى نظارته السوداء وقبعته الداكنة، فركت اصابعها بضيقٍ من البرود الذي عاد يتلبسه من جديد، فتقدمت منه بإرتباكٍ لوحظ بندائها:
_"مراد"...
قال بعدما أخفى وجهه خلف القبعة:
_ها حابة تضيفي حاجة تانية؟..
هزت رأسها نافية ثم اقتربت منه لتخفض صوتها وهي تنطق:
_أنا جعانة..
كشف عن وجهه وهو يتساءل باستياءٍ:
_أهو ده اللي كنت عامل حسابه، أن حضرتك تجوعي ومتلقيش أكل بعد القرار المصيري اللي أخدتيه...
لعقت شفتيها بتوتر:
_متظلمنيش..
نهض ليقف من امامه بقامته الثابتة:
_أنتِ اللي ظلمتي نفسك لما اقترحتي على رحيم انه مياخدش أكل ويتصرف من الطبيعة..
وأشار بيديه تجاه الأشجار:
_أهو أدينا في الطبيعة الخلابة أتصرفي أنتِ ودوري على أكل..
سألته بحيرةٍ:
_أدور على أكل فين؟..
قال في استهزاء:
_على الأرض أو على الشجر مش مشكلتي..
رددت بغضبٍ شديد:
_على الشجر!، ليه شايفني قرد!..
حدجها بنظرة قاتمة وهو يجيبها بخبثٍ:
_ياريت على الأقل لو كنتي قرد كنا ضحينا بيكِ وسنجفناكي على سيخ فوق الشواية وقضينا الليلة..
طاحت به بغضبٍ:
_تسنجف مين يا أخ هو حد قالك أنك متجوز نسناسة!..
كبت ضحكاته بصعوبةٍ وهو يتصنع الجدية، فرفع كتفيه بعدم مبالاة:
_والله الحل لمشكلتك مع اللي اتفاقتي معاه مش معايا..
منحته نظرة أخيرة مغتاظة ثم توجهت لخيمة "رحيم"، وقفت من أمامها حائرة من عدم وجود باب مرئي تطرقه فيشعر بوجودها، بحثت جوارها عن شيئاً يساعدها بمهامها الصعب فوجدت جذع صغير ملقي ارضاً ثم جذبت الوعاء المجاور لها، فطرقت بقوة وهو تنادي بعصبيةٍ:
_أصحوا.... أنتوا جايين تناموا وأنا هموت من الجوع هنا..
وعادت لتكرر كلماتها بإنفعالٍ..
بالداخل..
فتحت عينيها بانزعاجٍ وخاصة على صوت"حنين" المزعج، الا يكفيها نوم الأرض المؤلم لها ولجنينها، استندت بجذعها على الأرض ثم استقامت بجلستها وهي تتفحص الخيمة جيداً، وجدته يرتدي ثيابه على عجلةٍ من أمره، فألهت ذاتها بالتطلع للفراغ حتى أنتهى، منحها نظرة حنونة ليصاحبها قوله العاشق:
_مفيش صباح احلى من كده..
ابتسامة رقيقة رسمت على وجه "شجن" فأقترب ليجلس جوارها، رافعاً بأطراف اصابعه خصلات شعرها التي تغطي عينيها، نظرات عينيه الزيتونية تنجح بأختراق قلبها كالسهام النافذة بمصاب هدف المرمى، أحمر وجهها بشدةٍ فابتعدت عنه وهي ترتب ملابسها من بعض الحشائش المتعلقة بأطرافه، سألها ونظراته الجريئة تطوفها:
_نمتي كويس؟..
اجابته بابتسامة هادئة:
_يعني، بحاول أتأقلم..
كاد بأن يتساءل من جديد ولكن قطعه صوت "حنين" المرتفع للغاية:
_"رحيـم يا زيـــدان"! ..
رفعت "شجن" يدها وهي تشير له تجاه الباب بمرح:
_صاحبة المصايب السودة اللي احنا فيها بتناديك..
منحها ابتسامة ساحرة ثم خرج ليرى ماذا هناك، عادت لتطرق على الوعاء من جديدٍ وهي تصيح قائلة:
_رحيــــــــم...
وقف لجوارها ويديه بجيب البنطلون القصير الذي يصل لمنتصف ساقه، فقال بتريث:
_أيه يا "حنين" بتنادي على بياع ترمس مش سامعك!..
توقعت خروجه من الباب المقابل لعينيها فحينما استمعت لصوته يأتي من خلفها بمكانٍ يستدعي الرعب كهذا صرخت فزعاً، ارتسمت بسمة شبه ساخرة على طرفي شفتيه وهو يخبرها:
_لا واضح فعلاً أنك مش بتخافي اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكيش إمبارح لما وافقتي اننا نسيب الاوتيل ونيجي نخيم هنا!.
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبةٍ بالغة ومحاولة مستميتة لاستعادة اتزانها فقالت:
_هي الفكرة جديدة وحلوة وأنا بحب أغامر وكل حاجة بس ده ميمنعش أن أي فيلم رعب بيبدأ بمكان زي ده..
حك "رحيم" جبينه بقوةٍ ثم تساءل بمللٍ:
_بعيداً عن كل الرغي ده بتاديني ليه؟..
تطلعت يسارها ثم لليمين، قائلة بصوتٍ خافت:
_انت قولت نخيم في مكان جوه فنلندا وأنا وافقتك صح؟.
اجابها بثباتٍ:
_صح..
عادت لتسترسل:
_وأنا علشان أزود اجواء المغامرة قولتلك منخدش أكل ونأكل من على الجزيرة وأنت وافقتني صح؟..
زفر بمللٍ:
_صح..
استكملت كلماتها بصوتٍ منخفض وكأنها لم تحسب ما ستتعرض له بقرارها السخيف:
_حيث كده بقى أنا جعانة..
مرر يديه ليمسح وجهه عدة مرات وهو يجيبها بانفعالٍ:
_طيب ولزمتها ايه اللفة الطويلة دي ما تخلصيني وتقولي انك جعانة من الأول..
لوت شفتيها بسخطٍ:
_وأنت متعصب ليه دلوقتي ما أخوك بيقولي روحي للي اتفقتي معاه هو الجوع والعطش فيه اتفاقات؟..
تركها محلها ثم ولج للخيمة ليجذب الحقيبة المطولة الموضوعة بزوايةٍ بعيدة، خرجت "شجن" من خلفه فرفعت صوتها حينما وجدته يكاد بالإبتعاد عنها:
_"فريد" رايح فين؟..
أشار لها بابتسامةٍ هادئة لا تتاسب عما ينوي فعله:
_شوية وراجع..
وأكمل طريقه حتى اختفى من امام اعينهم، انتباها القلق فتطلعت لمن تقف جوارها بشكٍ:
_هو في ايه يا "حنين"؟..
تمتمت بضيق:
_مهو لو قولتلك هتشمتي فيا..
ابتسامة غرور رسمت على وجهها فقالت:
_اكيد جوعتي صح..
هزت رأسها في صمتٍ فقالت الاخرى بشماتةٍ:
_أحسن تستاهلي علشان اقولك بلاش نيجي هنا تقولي لا نروح ومصممة كمان أننا منخدش اكل، موتي بقى من جوعك وأنا هبقى راضية عنك رضا تام..
حدجتها بنظرةٍ مطولة علها تستعطفها:
_يعني ده جزاتي يا"شجن" اني عايزة اخرجك في مكان جميل زي ده..
صاحت بانفعالٍ:
_هو فين الجمال ده، المكان حلو الصبح وبليل مخيف بأصوات الحيوانات الغريبة دي، ما أحنا كنا في الاوتيل ومبسوطين على الأقل كنتي جانب "مرين" وبتابعي المربية!..
بدا على ملامحها الاقتناع أخيراً، فمررت يدها على بطنها قائلة بحزنٍ:
_عندك حق انا أتسرعت..
ضحكت وهي تتأمل حالتها المذرية وحركات يدها المضحكة، فولجت للخيمة ثم عادت تحمل كيس أبيض صغير، راقبتها "حنين" بإهتمامٍ فوجدتها تخرج أكياس من البسكويت ثم قربتها منها قائلة بسخريةٍ:
_كنت عاملة حسابك بباكو..
التقطته منها وهي تمرره امام عينيها بغضبٍ:
_وده هيعمل أيه ده بقولك جعانة!..
جذبته "شجن" منها قائلة بحدةٍ:
_أنا غلطانة أني حبيت أساعدك وأنتي السبب في اللي انتِ وأحنا فيه من البداية..
وتركتها وتقدمت بخطاها بين الأعشاب والأشجار الضخمة، لا تنكر بأن المكان بأكمله أية من الجمال بصنع الخالق ولكن هناك رهبة بداخلها..
نهض عن المقعد ثم التقط قميصه ليرتديه على عجلةٍ من أمره حينما وجد "أشجان" تقترب منه، لا يريد أن يخجلها حينما ترأه مستلقي عاري الصدر، بحثت عن زوجها بمللٍ فأبتسمت براحةٍ حينما وجدت "مراد" مقابلها فقالت:
_هو "فريد" مش معاك؟..
يعلم الاجابة لسؤالها ولكنه يعلم ايضاً ان علمت ما الذي يقدم على فعله ربما ستنتهي رحلتهما بمشاجراتٍ لا حصى لها، لذا قال ببسمته الماكرة:
_هتلقيه بيدور على فاكهة او أي حاجة صالحة للأكل..
مرأت عليها كذبته البيضاء فكيف للفواكه أن تنبت بمناخ غير مستقر بالمرة، إنحنى الجوكر يلمم متعلقاته ثم اشار لها بجديةٍ:
_تعالي نرجع للخيم علشان متهويش بالمكان ده..
أومأت برأسها بخفةٍ فأتبعته حتى وصلت للمكان المحدد لهما، ابتسم "مراد" وهو يراقب "حنين" الجالسة أرضاً بانزعاجٍ جعلها كالطفلة الصغيرة، تعالت ضحكات "شجن" فجلست لجوارها وهي تضع على قدميها البسكويت فالتقطته "حنين" منها بوجهاً عابث، تركهما "مراد" ثم حمل الفأس ليتجه لأحد الأشجار، فكسر عدة فروع صغيرة ثم وضعهما فوق بعضهما البعض ومن فوقهما سيخ من الحديد الرفيع، أقتد النيران بالحطب الذي صنعه كما إعتاد من تجربته المريرة التي قضاها، نهضت "شجن" عن الأرض واقتربت منه وعينيها مسلطة على الشواية التي صنعها فقالت باستغرابٍ:
_هو أنت عملت حسابك في حاجة تتشوي!..
كاد بأن يجيبها ولكن سبقته "حنين" قائلة بضحكةٍ عالية:
_امال "رحيم" رايح يعمل ايه، متقلقيش هيرجع بالخير كله، يارب يلاقي غزالة بنت ناس ومحترمة..
اظلمت عينيه وهو يحدجها بنظرةٍ قاتلة فابتلعت باقي كلماتها ولكن قد فات الاوان عن هذا الحديث الأحمق، بللت "شجن" شفتيها الجافة وهي تسأله بصدمةٍ:
_قول أن كلامها مش صح!..
أجابها في جديةٍ تامة:
_"شجن" أحنا في فنلندا مفيش في غزال ولا اي حيوان صالح للأكل، أنتِ عارفة حنين ..
طرحت سؤالاً أخر مشكك:
_أمال هو رايح يعمل ايه!..
وتركته وسلكت الطريق الذي اجتازه "رحيم" منذ دقائق مبسطة، جز "مراد" على أسنانه بغيظٍ، فأقترب منها وهي تتراجع للخلف بارتباكٍ، فأشارت بيدها لتوقفه حتى يستمع لما ستقدمه من مبرر، تراجعت حتى التصق ظهرها بفرعٍ الشجرة الغليظة فكادت بالفرار ليحتجزها بين يديه الصلبة قائلاً من بين اصطكاك اسنانه:
_أنتِ مش بتعرفي تبلعي لسانك ده أبداً..
التقطت انفاسها بصوتٍ مسموع وهي تجيبه بحزنٍ مصطنع:
_يعني نغش الولية!..
قال بنفس حدة لهجته:
_قوليلي على حل واحد أخده معاكِ..
ابتسمت وهى تحاوط رقبته بسهولةٍ فأنحناءة جسده عاونتها، لتخبره بصوتٍ هامس:
_الحل بسيط أنك تحبني وبس علشان تسام من لساني..
رغماً عنه ابتسم على تبدلها السريع، على الرغم من كونها قصيرة وبجوار لسانها السليط أصبحت ترى ذاتها انثى تستخدم أسلحتها وقتما شئت، وها هي الآن تطلق محاولاتها الجديدة بالنسبة اليه حينما تحاول ان تشتت عقله بما فعلته منذ قليل، نعم تؤثر به بشكلٍ كبير كونها من عشقها قلبه قلبٍ وقالباً ولكنه مازال الجوكر الذي يتحكم بذاته بأقصى درجات تعداها، وها هو الآن يتنازل ليجعلها تشعر كونها تمتلك السيطرة الكاملة عليه وعلى قلبه المستعمر، إحتضنها بقوةٍ والخوف يلمع بعينيه، فكلما جمعتهما لحظة مخلدة بالعشق يخشى ان تزول بعد ان يكشف سره، يعلم بأنها لم تتقبل أبيها قط ولكنها ايضاً لن تتقبل أن زوجها هو قاتل أبيها، شعرت بتمسكه الكبير بها فنبض قلبه بربكةٍ تعلمها جيداً، فابتعدت عنه وهي تطالع زرقة عينيه التي تضاهي جمالاً البحيرات من جوارها، فتساءلت بدموعٍ لمعت بحدقتيها:
_أنت هتسبني تاني؟..
تطلع لها بدهشةٍ، فسألها بذهولٍ:
_ليه بتقولي كده؟..
أجابته وقد سقط الدمع على وجهها:
_أنت لما بتحضني أوي كده بعرف أنك هتسبني وتمشي زي كل مرة..
عصف قلبه بما قالت، فقرب يديه من وجهها الرقيق وهو يزيح بأصابعه كل دمعة هبطت لتقص معاناتها مع كل فراق حتم بينهما بظروفٍ عمله الاجباري، فقال وهو يقربها من صدره علها تستمع لبوح قلبه بكلماته المشتاقة:
_قولتلك عمري ما هبعد وأسيبك تاني يا "حنين"..
تمسكت به بقوةٍ وهي تردد بحزنٍ لا يليق بها:
_لو عملتلها تاني صدقني ممكن يجرالي حاجة..
شدد من ضغطه على وجهها الملامس لرقبته وهو يجيبها بألمٍ:
_أنا وجودي بالحياة متوقف عليكِ أنتِ فمستحيل هسمح لحاجة تفرقنا تاني..
ابتسمت بارتياحٍ وأغلقت عينيها، دقائق ومازال كما هو، يحتضنها بقوةٍ، فتح عينيه بعدما عاد من رحلته التي عرجت للسماء ليلامس الأرض قائلاً بصدمةٍ:
_"شجن"!..
ودفعها بعيداً عنه بعدما عاد لحالته المهتاجة ليشير لها بضيقٍ:
_خليكي فاكرة أن لسانك هيكون السبب في الخناقة اللي هتحصل بينهم..
لوت فمها باستياءٍ وهي تصيح:
_وأنا مالي يا عم انت..
*******************
بحثت عنه كثيراً فكادت بأن تضل طريقها ولكنها تفاجئت بصوتٍ غريب للغاية فتتابعته حتى وصلت للبحيرة القريبة منه، تبدلت ملامح وجهها للحدةٍ حينما وجدته يقف خلف احد الأشجار، مسلطاً سهامه تجاه حيوانٍ غريب تراه لأول مرة، عينيه تتابعان حركاته بدقةٍ فشد السهام المثقوبة بداخل القوس الدائري ثم زفر على مهلٍ ليطلقهما سريعاً فأصابتهما بالأقدام فأصبح الطائر جريح لا يقوي على الركض، بخطواتٍ متهدجة اتقرب منهما"رحيم" ثم انحنى ليخرج السهام التي استهدفت اثنتان من طائر البجعة الابيض، فاخرج سكينه من الحقيبة التي يحملها ثم ذبجهما ليضعهما بكيسٍ ابيض، ليغسل يديه جيداً بالبحيرة القريبة منه ثم استقام ليغادر فصعق حينما وجدها تقف أمامه، ارتجف جسدها فالحالة التي تنتابها تستحوذ عليها عند رؤية الدماء، ألقى بالحقيبة عن يديه وهو يتأفف بضيقٍ:
_ايه عندك مشكلة مع الحيوانات كمان؟..
خرج صوتها الذي جاهد بالخروج فقالت بعصبيةٍ:
_أنت خلصت قتل في البني أدمين دخلت على الطيور!!!!..
زفر بضيقٍ مما سيتلاقاه بسماعه، فأسترسلت حديثها بغضبٍ:
_أنت مفيش فايدة فيك هتفضل زي ما أنت..
أجابها ساخراً:
_وأيه اللي عملته المرادي، ثم انك بتأكلي الطيور المشابهة ليها وبرضو بتتدبح..
صاحت بانفعالٍ:
_بس على الاقل مش بيعذبوهم قبل ما يدبحوهم، انت مفيش فايدة فيك هتفضل "رحيم زيدان" مهما عملت..
وجد ان الحديث لا ملاذ له مما يبستمع له، فقال بهدوءٍ:
_وده اللي أنا عايزه وعايزاك برضه تتقبليه...
ازدردت ريقها الجاف بصعوبة وهي تجاهد للحديث:
_قصدك ايه؟..
اقترب ليقف مقابلها ليحادثها بجديةٍ:
_قصدي أنك لازم تتقابليني زي ما أنا وزي ما برضه تقابلتك بكل ما فيكِ، تقبلت خوفك مني ورغبتك في اني ارجع لشخصي اللي مبقاش ليه وجود جوايا، لازم تتقابليني كرحيم زيدان زي ما شايفاني...
_كبرتم الموضوع يا شباب..
صوت "حنين" فصل بينهما، فتطلعوا إليها بوقتٍ واحد، اقتربت منهما قائلة بابتسامة تصل من الأذن للأخرى:
_ده نوع بط يا حبيبتي زي اللي بنأكله في البيت بس هو الظاهر له طريقة معينة علشان نمسكه صح وهو أدرى مننا..
كبت "رحيم" ضحكة كادت بأن تنفلت منه على حديثها الأرعن، فعنفته حنين بنظراتها، فانتصب بوقفته باتزانٍ، ثم اخذ يراقب ما سيحدث بينهما، النظرات المتعصبة كانت تقذفها عينيها وكأنها باتت رفيقة لها، فتركتهما وعادت وهي تردد بكلمة واحدة تحذيرية:
_خليك بعيد عني أمن ليا ولابني..
وتخفت من امام أعينهما فسحب "رحيم" نظراته لمن تضع يدها بمتتصف خصرها وتراقبها وهي تبتعد، فحينما لاحظت "حنين" نظراته لها قالت بابتسامة سمجة:
_هرمونات، هرمونات هات البط وتعالى متركزش معاها هي هتفضل كده ال 8شهور الجايين..
منحها نظرة صارمة فحملت الاكياس قائلة بمرحٍ:
_خلاص هشيل أنا..
التقطه "رحيم" منها ثم خطى لجوارها قائلاً:
_بدأت أقتنع أن قرارنا غلط..
أجابته باستهزاءٍ:
_فين حب المغامرات؟..
منحها نظرة قاتمة ثم اسرع بخطاه حتى وصل للخيمة..
****************
بقصر "طلعت زيدان"..
أمسك بيديه حتى نهض عن الفراش، فعاونه بالاقتراب من الشرفة ليتابع ما يحدث بالحديقة بابتسامة فرح تشق وجهه، ربت"آدم" على يديه وهو يقول:
_متقلقش كلهم بقوا أيد واحدة زي ما تمنيت..
هز رأسه ببطء ثم قال:
_الحمد لله، حصل أخيراً بس بعد مجهود كبير..
ثم أشار له بتعبٍ استحوذ عليه من وقفته التي لم تتعد الدقائق فمازال مريض بعد:
_رجعني السرير يا ابني مش قادر اقف..
إحتمل على ذراع ابن شقيقته حتى أعاده للفراش، جلس على طرفه فأنحنى ليعاونه على التمدد، طرقات على باب الغرفة جعلتهم ينتبهوا لمروان الذي ولج للداخل موجهاً حديثه لآدم بمرحٍ:
_الساعة بقت 2معاد ورديتك خلصت يا مستر أمريكا..
ابتسم وهو يجذب حقيبة عمله ثم قبل يد "طلعت" قائلاً:
_مش عايز اي حاجة مني..
أجابه في حنوٍ:
_لا يا حبيبي..
غادر على الفور، فولج "مروان" ليقرب مقعده من الفراش ثم تابع ساعته حتى حان موعد الدواء فسانده حتى تناول الحبوب الطبيبة ببضعة قطرات من المياه، البسمة الصغيرة لم تنقطع عن وجه "طلعت زيدان" وهو يراهم يتبادولون معاً للاطمئنان على حالته والاشراف عليه بذاتهم بعيداً عن الخدم، يرى الآن ما تمكن الحب من زرعه في نفوسهم،كان يظن أن رهبتهم منه وخوفهم سيجعلهم طوع أمره ولكن ما لم يتمكن الخوف من صنعه فعله الحب وهو في وقتٍ لا يعهده بالقوة..
*****************
بالأسفل...
جلسوا جميعاً لتناول طعام الإفطار، فأنضم لهما "مروان" بعد ان غفل "طلعت" بعد تناول الادوية التي تحتوي على كمية من المخدر، فجلس على المقعد المجاور لأخيه الأكبر، مازحه "فارس" قائلاً بمرحٍ حينما اقتربت "يارا" منهما بصحبة "سلمى" و"ريم":
_ها النتيجة بانت ولا لسه؟.
أجابة متعجباً:
_هي في نتيجة بتبان بعد الامتحان باسبوع!..
تعالت ضحكاته وهو يغمز له بخبث:
_تلاقيك مستانيها اكتر من أي وقت لأجل الحبيب يرضى عنك والقلوب تتصافى..
بمجرد جلوس "يارا" على المقعد المقابل له باستحياءٍ تملكها حينما استمعت لما قاله فارس تأكد من دنائته، فجذب كوب المياه الموضوع وكاد بأن يلقيه عليه، وسرعان ما انتبه لصوتٍ سليم الصارم:
_أحنا موجودين على فكرة..
تركه عن يديه وهو يتوعد له بغيظٍ، فسحب "سليم" نظراته تجاه "فارس" قائلاً بحذم:
_كل وفكك من شغل العيال ده..
أومأ برأسه بخفةٍ وعينيه تتابع شرارة نظرات مروان الذي سحبهما ليتطلع لاخيه الصامت طوال الفترة الماضية، لا يعلم ما به ولكنه مازال يبذل قصارى جهده لمعرفة ماذا هناك، فابذل أخر محاولاته حينما دنا منه ليهمس:
_أنت كويس يا "ريان"؟..
عاد من شروده حينما تخلل صوت اخيه مسمعه، فرسم بسمة مصطنعة وهو يجيبه:
_معرفش انت شاغل دماغك بيا ليه انا الحمد لله كويس..
ثم اشار له:
_هطلع اريح شوية كمل أكلك..
وتركه وغادر والاخير يراقبه بعدم اقتناع، حتى سلطت نظراته على"جان" الذي قال:
_مفيش حاجة تستدعي القلق..
هز رأسه بخفةٍ ولكنه يشعر بان ثمة أمراً ما يخفيه عنه..
****************
جلس لجواره بعدما ثبت البجعة جيداً على السيخ الرفيع بعد عملية من التنظيف استغرقت عشرون دقيقة، جلس "رحيم" لجواره في سكونٍ دام لدقائق مبسطة فقرر "مراد" كسرها قائلاً بسخرية:
_اتمنى رحلة الصيد العظيمة تكون عجبتك وراجع مبسوط..
منحه نظرة جانبية مغتاظة، فقال ببرودٍ:
_دي ريحة شماتة ولا ريحة البجعة..
تعالت ضحكاته الرجولية فأكد له بغرورٍ:
_قولتلك سبلي الطالعة دي وأنت مرضتش فبالتالي النتيجة مرضية..
جز على شفتيه بأسنانه وهو يخبره بضيقٍ:
_ناقص أنا فوبيا الدم دي ما كفايا اللي أنا فيه..
استدار "مراد" برأسه تجاه خيمة "شجن" ثم عاد ليتطلع اليه قائلاً بثباتٍ:
_متقلقش أنا وحنين هنظبطلك الدنيا، اسمع يا سيدي..
*************
صعد غرفته وهو يجاهد الانهاك الذي يهاجمه، باله مشغول بما حدث بأبيه وبما سيحدث حينما يعلم أشقائه بالأمرٍ وخاصة بانه قتل على يد "مراد" يخشى أن تتفكك العائلة من جديد حينما يكشف هذا الأمر، فتح باب غرفته وعينيه تبحثان عنها، فحينما تشتد به الاوجاع يبحث عنها ليبوح عما يضيق به صدره، بحث عنها بالغرفةٍ وصوته يعلو باسمها:
_"سـارة"...
لم يجدها بالجناح بأكمله فطرق عدة طرقات على باب حمام غرفة النوم قائلاً بقلقٍ:
_حبيبتي أنتِ جوه؟ ....
انقبض قلبه حينما لم يستمع لصوتها، فتح الباب فتحولت نظرات "ريان" لصدمةٍ كبيرة حينما وجدها تفترش الأرض بإهمالٍ، اسرع إليها والخوف يبتلعه بخوفه المظلم فقربها لصدره وهو يناديها بهلعٍ:
_"ســــــــــــــــــــارة"!..
****************
فتحت عينيها بنومٍ وهي تناديها باستغرابٍ لعدم سماع صوتها الثرثار:
_"حنين"!.
وجدت الخيمة فارغة فتعجبت لعدم شعورها بها وهي تخرج من الخيمة، نهضت "شجن" ثم احكمت حجابها جيداً وخرجت لتبحث عنها بخوفٍ وخاصة عند غروب الشمس بمظهرها الفتاك الذي انساها خوفها رؤية هذا المشهد الألهي المبدع، سلطت نظراتها على التوت الأحمر الذي يزين بالحشائش شكل القلب ليتبعها سهم مطول، انحنت لتلتقط بعض التوت والابتسامة الحالمة تزين وجهها، اتبعت السهم وهي تحمل التوت بين يدها بفرحةٍ، وحينما ازداد عن طاقة حملها جلست على العشب وأخذت تزين به أسم تكتبه بحبٍ، فقرأه من يقف خلفها بتعجبٍ:
_"زين"!..
.............يتبع.....................................
#متى_يهتدي_الوصال؟..
#بقلمي_ملكة_الإبداع..
#آية_محمد_رفعت...
#Aya....
*************__________**************
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الثاني 2 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة5...(#متى_يهتدي_الوصال؟...)...
#الفصل_الثالث_والأربعون...
راقبها وهي ترتب التوت بعنايةٍ فائقة حتى انتهت من كتابة الاسم الذي دونه، قرأ من خلفها بصوتٍ مسموع:
_"زين"، ويا ترى من حقي أسالك مين زين ده؟..
رفعت عينيها مقابله وهي تتصنع استيائها الشديد منه، فحاولت النهوض جاهدة ان لا تحتاج لمعاونة يديه الممدودة اليها، وقفت "شجن" مقابله وهي تلتهم التوت الشهي بتلذذٍ أثار غضبه فقال بحدةٍ:
_سألتك سؤال جاوبيني!..
قالت وهي تلوك أحداهن:
_ده الاسم المناسب اللي اختارته لابني..
ضيق زيتونية عينيه بضيقٍ علل سببه صريحاً:
_هو مش المفروض نختار الاسم ده مع بعض ولا خلاص بقيتي تاخدي قرارات لوحدك!..
توقفت عن مضغ ما بجوفها وهي تجيبه بعنفٍ:
_هو حضرتك فاضي للاختيارات والكلام ده، أنت شخصية "رحيم زيدان" الشيطانية مسيطرة عليك ومش مخلياك عايز حاجة في الحياة غير القتل وبس....
لوهلة ظن بأن اللجام الموسوم على شخص من ذكرته بالإسم سيوشك على التحرر، وربما ان التهمها لن يكون بالقليل، الاتزان لم يكن بالشجاعةٍ الكافية ليتخلى عنه الآن، فقال بنبرةٍ غامضة:
_وانا قولتلك قبل كده أنك لازم تتقبليني زي ما أنا..
ردت عليه سريعاً دون أي تفكير:
_يبقى عمري ما هتقبلك كده..
وتركته محله ثم أكملت الطريق المرتبط بقطع التوت المنثور، قطعت مسافة ليست بقليلةٍ حتى وجدت ذاتها أمام بحيرة كبيرة للغاية، يشوبها الضوء الأصفر الذي يحيط بها، وعلى مسافة قريبة منها، وجدت "حنين" جالسة أرضاً، تزين الطريق بالتوت الاحمر الموضوع بسلةٍ صغيرة تحملها على كتفيها، احتدت نظرتها عليها فأسرعت بخطاها تجاهها ولكن سريعاً ما التوت ساقيها فانحنت لتتفقد مدى اصابتها ومن ثم نزعت عنها الحذاء ذو الكعب العالي، ونهضت لتستقيم بوقفتها بحرجٍ تخفى سريعاً حينما وجدت ذاتها بمفردها بهذا المكان الذي اصبح مخيفاً لمجرد بقائها بمفردها، أسرعت للبقعة التي رأت بها "حنين" منذ قليل فنادتها بصوتٍ مرتعش:
_"حنيــــــن"!..
تسلل لمسماعها أصوات مخيفة للدببة التي تعيش على جزر فنلندا، فنبش الخوف بقلبها كالقط الجائع، تراجعت للخلف بخوفٍ شديد وهي تكرر ندائها بصوتٍ منخفض:
_"حنين"، أنتِ فين؟..
وحينما لم تجد أي رداً، طرح عقلها بفكرة منطقية لحداّ ما فبدأت بتتابع حبات التوت المصفوفة خلف بعضها بانتظامٍ، لم يكن امامها خياراً أفضل من ذلك فحتى أنها أرادت العودة بالطريق الذي سلكته علها تجد "رحيم" ولكن الطرقات من أمامها متشابهة فيصعب عليها تحديد أي طريق سلكته للوصول لهنا وخاصة بعدما أزالت بذاتها التوت المرشد لها برحلتها العجيبة، واحدة تلو الاخرى تتابعها حتى وصلت لمكانٍ غريب يطوف به (القش) الأصفر من جميع الاتجاهات، وقفت محلها تتأمله بارتباكٍ، تتمنى من صمام قلبها أن يظهر أمامها كالمعتاد اليه حينما تتعرض هي للسوء تراه كالحصن، بسمة ألم لاحت على شفتيها فحينما يلامسها الأمان فيكون يوجوده هو، ربما هي كلمة مبسطة لم تعهدها من قبل، حتى وإن كانت تعيش بمنزل جمعها منذ الصغر بأخيها الوحيد، لطالما كانت هناك حلقة مفقودة، فُقدت بغيابه عنها، منذ أن فرقهما القدر مرتين، مرة حينما إختار الدفاع عنها وعن شرفها ليزج به داخل السجن، معتقل مظلم إبتلعه هو؛ ولكنها هي من كانت تتألم أكثر منه، وعانت مرة أخرى حينما نُقل إليها خبر موته فكسر أخر أمالها باللقاء به، نعم كانت تتراقب خروجه حتى وإن كان لأعوام لا حصى لها ولكنها بالنهاية كانت تتنظر على أمل لقاء عينيه الزيتونية المميزة، تمنت وترقبت ونهاية كل ذلك حطام قلبها، الذي رغد بأنكسار جديد، عادت لتعاني من جديد من ظلمٍ موجوع حينما تسلل من يدعى "رحيم زيدان" عالمها، رأت قهراً لا يوصف ببضع سطور ولا بكلماتٍ العالم بأكمله، لتستيقظ على حقيقة مؤلمة بأنه هو نفسه ذات الشخص الذي قضت عمرها بأكمله بأنتظاره!، ربما كانت رحلتها طويلة ولكنها بنهاية الامر تقبلته ولكن بداخلها مازالت تراه "فريد"، لا تنكر بأن حالة من التوترٍ تسيطر عليها حينما تشعر بأنه من المحتمل ان يعود لما كان عليه من قبل لذا تريد سماعه كل دقيقة يعترف بأنه فريد، محبوب الطفولة وعاشقها الابدي ويعهد لها بأنه لن يعود لشخص"رحيم" أبداً...
_شايف الحماس اللي كان عندك من شوية قل..
صوته الرخيم كسر حاجز صمتها الذي دفعها لتفكيرٍ مطول بين حوائط ذكريات الماضي الذي لم يتركها الا حينما يذكرها بالمحاسن والمأسي اللاتي اختبارتها، ارتسمت بسمة صغيرة على وجهها لوجوده لجوارها ولكن سريعاً ما أخفتها خلف وجهها الجامد فقالت بغرور وهي تتجه لداخل هذا الوكر العجيب:
_مقلش ولا حاجة بالعكس أنا حاية استكشف المكان الجميل ده..
ولجت للداخل وهي تهدأ دقات قلبها الراقصة على لحن من معزوفة قصتهما الخالدة فاستدارت برأسها لتتفقده، شهقت بدهشةٍ حينما وجدته خلفها، تعمقت نظراتها بعينيه جعلت جسدها يقشعر برهبةٍ فقالت بقوةٍ مصطنعة:
_ جاي ورايا ليه؟..
رفع حاجبيه بسخريةٍ:
_لو هتعرفي تكوني مرتاحة من غير وجودي انا ممكن ارجع عادي..
وتركها وتباطئ بخطواته المتجهة للخروج، تدفقت الذكريات تباعاً وكأنها عدوتها الوحيدة، أخبرته كثيراً بأنها تكره رحيله وان كان مجبراً على ذلك، ذكريات ما تعرضت له بالسوء في كل مرة ابتعدت هي عنها هاجمتها فأسرعت خلفه وهي تتمسك بجاكيته الأسود بقوة قائلة بخوف انتقل إليه بأصابعها المرتجفة المشددة على يديه:
_متسبنيش لوحدي بالمكان دا...
بسمة غرور تلقتها اجابة منه، فتطلع ليدها التي مازالت تتشبث به ثم إستدار "رحيم" ببطء شديد تجاهها، فراها تتطلع إليه بنظراتٍ سبق أن رأها من قبل، لا يعلم أن كانت تستلذ العناد والتحد أمامه أم أن هناك شيئاً أخر مجهول لا يعلمه؟، لا ينكر بأن خطة "حنين" حققت غير المتوقع بالنسبة إليه ولكن تمسكها به كان حلمٍ لن يضعه على لائحة أحلامه الثمينة، مزق الرعد صفحات السماء بقسوةٍ لتصاحبه دمعات المطر القاسية لتتساقط بعضها على سفح هذا المخيم الضئيل، فسقطت بعضاً منها عليهم، لامست القطرات وجهه المنصدم لعلها ببرودتها تجعله يستعيد وعيه، تحرك تلقائياً للخارج ليرى إن كانت المياه ستتسبب بأنهيار هذا المكان المصنوع من حزمات (القش) الضعيفة، شعرت "شجن" بشيئاً خافت يتحرك لجوارها، فصرخت برعبٍ جلي وهي تركض إليه بخوف:
_"رحيم"...
إحتضنته بقوة وهي تشير تجاه تلك الحية التي تتحرك تجاه أقدامها، تركزت نظراته عليها وكأنه فاقد لحواسه الكامنة، لم يلاحظ شيئاً سوى قربها منه، إسمه الذي تردد بقوة من صوتها المعسول، إقتناعها بأنه أمانها،.أشارت له بصراخ على الحية المتحركة فنقل نظراته عنها بصعوبة ليتطلع للشيء الالكتروني المتحرك تجاهه بنظرة ساخرة، رفع يديه ليحتضن وجهها قائلاً بلهجته المتزنة:
_إهدي...
وضعت يدها على يديه بصراخ:
_أهدى إزاي هنموت..
لاحت على وجهه بسمة شبه ساخرة ليخفي من خلفها خبثه التام فقال بحزن مصطنع:
_الظاهر كدا...
ثم ألقى نظرة متفحصه على المكان ليسألها بمكر:
_طيب مفيش عندك حاجة حابة تقوليها قبل ما نموت يعني حاجة نختم بيها الليلة المرعبة دي حتى نقابل الموت بفرحة بدل الحزن اللي مقابلنا في كل حتة دا، ده انا لحد الان مسمعتش منك كلمة تخليني اتفاءل ..
وزعت نظراتها عليه وعلى الافعى المتحركة قائلة بأرتباك:
_أنا بأ.....
تركزت عينيها على الأفعى بتوترٍ فجذب وجهها تجاه قائلاً بأنفاسٍ متقطعة:
_أنتِ أيه يا "شجن"؟..
أجابته بأرتباك:
_بأحبك...
ابتسم وهو يخبرها بمكرٍ:
_بتحبي أي حد فينا فريد ولا رحيم..
قالت بخوف وهي تتمسك به:
_الاتنين، هو ده وقته بس..
دق قلبه بعنف وكأنه إستمع لما تمنى سماعه، تشكلت بسمة على وجهه وعينيه تتعمق بنظرات عينيها..
خلف كومة من القش الموضوع بأحدى الزوايا..
فشل"مراد" بالتحكم بها وخاصة حينما قضمت يديه المقيدة لفمها بأسنانها فتخلى عن تقيده لحركاتها لتخرج من خلف كومة القش تصرخ بجنون:
_أخيييراً يا شيخة حرام عليكِ..
وتطلعت لرحيم قائلة بغرور:
_مش قولتلك أنا اللي هجيب معاها من الأخر..
تطلعت لها شجن بصدمة وخاصة حينما لمحت جهاز التحكم باللعبة بين يدها، منح "رحيم" "مراد" نظرة غاضبة عن تخليه عن مهامه برجع "حنين" فرفع يديه بأستسلام:
_مش دي اللي ممكن أتحكم فيها وفي تصرفاتها، أني أسف..
نقلت شجن نظراتها على رحيم الذي رفع كتفيه بأشارة خبيثة تعني انقلاب لعبتها عليها، فكيف وان كان اعترافها وثاق لا ينفى، تعالت ضحكات الجميع فصرخت بهم بعصبيةٍ:
_أنا مش عارفة أيه لزمة كل ده، وبعدين يا حنين انتي المفروض معايا وبتساعديني ولا معاه..
أجابتها بمرحٍ:
_أنا الحق، والحق بيقول ان الراجل اتمرمط وانا بحب اساعد في قصص الحب الجميلة دي...
ربع "مراد" يديه أمام صدره وهو يجيبها بسخريةٍ:
_وأيه تاني يا روح قلبي كملي كملي أنا سامعك..
طاف وجهها مئة لون فقالت بدلالٍ:
_مبحبش اي حاجة في الكون غيرك، شوف لو هشحت كده برضه مش عايزة غيرك أنت..
جز على اسنانه بضيقٍ من طريقتها المضحكة التي لا ترغب بتركها، صرخت "شجن" بفزع حينما اهتزت أكوام القش من حولهما لتسقط جميعها فوق رؤؤسهم....
********************
بقصر "طلعت زيدان"..
أوصل"مروان" الطبيبة للاسفل بعدما قدم لها مال وفيراً مقابل بشرتها العظيمة اليهما بقدوم حفيد جديد لعائلتهما الصغيرة، بينما بالأعلى كان يجلس "ريان" لجوار الفراش الذي يحمل زوجته الفاقدة عن الوعي وملامح الحزن تسيطر على وجهه بخطوط عريضة، تحرك رأسها يساراً ويميناً بوجعٍ ففتحت عينيها وهي تهمس بألمٍ:
_آه...
فتحت "سارة" عينيها لتبدأ باستعادةٍ وعيها بالكامل، فأختطفت لقطاتٍ سريعة لمن حولها، وحينما وجدت "ريان" يجلس شارداً جوار فراشها همست بإرهاقٍ:
_"ر_ي_ا_ن".
لم يستمع اليها فرفعت صوتها قليلاً حتى انتبه اليها فنهض ليجلس جوارها على الفراش وهو يحتضن يدها بين يديه بقلقٍ:
_بقيتي أحسن؟.
أجابته ويديه تفرك جبينها بوجعٍ:
_الحمد لله، انا معرفش أيه اللي حصلي فجأة لقيت الدنيا بتلف فيا ورجلي مش شيلاني، هي الدكتورة قالت عندي أيه؟..
طالعها بعينيه المهمومة، فاختصر جملته بمشاعرٍ غامضة:
_أنتي حامل يا "سارة".
الفرحة من المفترض أن تخيم عليها قبل أن تشمله ولكنها انطفئت حينما وجدته يتحدث هكذا، فتساءلت بقلقٍ:
_ليه حاسة انك مش فرحان!..
نقل نظراته عنها للفراغ والكلمات لم تجد المخرج المناسب، جمود تعابيره اوحت لها بأفكارٍ مؤلمة فقالت بصدرٍ مقبوض:
_"ريان" أنت مش بترد عليا ليه؟..
حمد الله في صمام ذاته حينما طُرق على باب الغرفة فابتعد عنها وهو يردد بثباتٍ:
_ادخل..
ولجت "ريم" للداخل بصحبة الفتيات، فترك مساحة لهن بأن غادر الجناح بأكمله، جلست "سلمى" لجوارها وهي تهناها بابتسامةٍ عذباء:
_الف مليون مبروك يا روح قلبي..
بالكد رسمت بسمة مخادعة وهي تجيبها، فقالت "ريم" بفرحةٍ:
_ربنا يكملك على خير ويقومك بالف سلامة ونفرح بالبيبي الصغيور كده.
أجابتها "سارة" بهدوء:
_ونفرح بيكِ أنتِ كمان يا ريمة...
رددت بتمني:
_يـــــــــــــــــــارب..
لكمتها "منة" باستهزاءٍ:
_مستعجلة على أيه، عيشي حياتك الاول برومانسيتها ومغامراتها وبعدين اتربطي بعيلين تلاتة ياختي بلى هم..
تعالت ضحكاتهن، فتدخلت سما بالحديث:
_سيبك منها يا ريم هي مدورها مع سي "فارس" وجاية تدينا مواعظ..
أشارت لها بغضب:
_أنا معرفش انا هفضل احترمك لحد امته بس يلا هانت وتتجوزي وارتاح منك للأبد..
لوت شفتيها بسخطٍ:
_ده بعدك انا قاعدة على قلبك..
حاولت فاطمة فض النزاع المتبادل بينهما فقالت بمرح:
_ما خلاص ياما منك ليها انتوا كل ما نتجمع كده تقفشوا في خناق بعض ده احنا بنشوف بعض من السنة للسنة..
أجابتها "سلمى" بتأييد:
_اه والله يا فطوم قوليلهم..
فتح الباب فجأة وأشرأبت "نغم" بعنقها من خلفه قائلة بمشاكسةٍ:
_القعدة الحلوة دي ناقصها مين؟..
أجابتها "ريم" وهي تسرع لاحضانها:
_أنتِ طبعاً..
*****************
صرخت وهي تحاول ألتقاط انفاسها أسفل كتل القش الضخمة، فرفعت رأسها مرة واحدة وحينما ادركت زمام الامور وجدت مراد من يمسك بها من تلباب فستانها المكور من اسفلها، سحبت الهواء لرئتها وهي تهمس بصعوبةٍ:
_الحمد لله لسه عايشين..
أنفضت "شجن" ثيابها وهي تردد بغضبٍ:
_معرفش أنا المفروض هعمل أيه معاكي يا حنين بعد كل المصايب السودة اللي بتعمليها دي..
ازدادت الامطار في مناخر فنلندا الغير مستقر، وكلاً منهما يحاول الاحتماء بأي شيئاً قريب، ابتلت ثيابها وهي لا تدرك بماذا تحتمي، جذبها لصدره وهو يرفع جاكيته كي لا تطولها الامطار، سكن جسدها وخفق قلبها بشراسةٍ، فحاصرها رحيم بكلماته:
_زمان أستحملتلك علشان حالتك النفسية ودلوقتي مضطر استحملك علشان هرمونات الحمل المتقلبة، بس يا ترى بعد كده هيكون في سبب وحجة ليكي برضه..
ضحكت وهي تجيبه على استحياء:
_هو مش المفروض انك تفضل عمرك كله تحبني وتستحملني..
تطلع لعينيها وصمته يقتص بمشاعره الفياضة، المياه تتناثر على خصلات شعرخ بقوةٍ جعلتها تتناسب على عينيه ببطءٍ فمنحته جمالاً، تمنى لو قضي العمر بأكمله يتطلع لها، عاد من سماء حبها على صوت اصطدام ودفعة يد قوية، فانتبه لمراد الذي دفعه بعيداً عن فرع الشجرة الذي سقط من شدةٍ الهواء الذي رافق مياه المطر بترحابٍ، استدار مراد في مقابله ليلقي بكلماته المندفعة:
_لو خلصت رومانسيات وأمورك بقت تمام ياريت نتحرك بسرعة علشان الوضع ميطمنش..
استقام بوقفته وهو يتفحص حجم الضرر الذي سيقع عليهما ان لم يتمكنوا من العودة للخيم في الحال ولكن لسوء الحظ ان السيارات تعطلت عن العمل فجأة فلم يكن هناك حل أخر سوى ان يتحرك كلاً منهما،
فتقدموا جوار بعضهم البعض لأكثر من ساعة كاملة ولم يتمكنوا من العودة لمكان المخيم، فزفر "مراد" بغضب وهو يوجه حديثه لها:
__عجبك كدا أدينا تايهين على الجزيرة بسببك..
رمقته "حنين" بنظرة مطولة وبسمة حماس:
_دا بدل ما تشكرني على الأجواء الرومانسية اللي أنا كنت السبب فيها دي..
حك "رحيم" طرف ذقنه الصفراء النابتة ليحجب بسمته عن تلك الحمقاء ليشير لها متصطنعاً الثبات:
_"حنين" متتوقعيش رحلة رومانسية على جزيرة فيها أخطر حيوانات بالعالم...
ختم حديث رحيم صوت عواء مريب جعلها تتخبئ خلف مراد بخوفٍ بينما إبتلعت" شجن" ريقها برعباً حقيقي وهي تتوهم بأن موتها قادم لا محالة، إستدار " مراد" تجاهها قائلاً بسخرية:
__راح فين التفائل والطاقة الأيجابية اللي عندك؟!..
أجابته بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_كان هدفي والله أقرب المسافات بين أخوك والبت شجن..
رمقتها "شجن" بنظرة نارية ليبتسم رحيم مردداً بلهجة ساخرة:
_بشكرك لرقة قلبك الجميل بس للأسف مفيش حد فينا هيلحق يشوف دنيا عشان يفكر في صلح متبادل..
وضعت يدها حول خصرها بغضب:
_تصدق أنا غلطانه أني عطلت فرامل العربية عشان نمشي في الجو الجميل ده وتقدر تتكلم معاها براحتك..
كبت رحيم ضحكاته بصعوبة ليشير لها بالأستدارة لتجد أمامها الجوكر بملامحٍ تجعله أشد خطورة ليضغط علي أسنانه بغضب مميت:
_بقي أنتِ اللي عطلتي فرام العربية؟...
أشارت له برجفة وبسمة بلهاء تخالفها:
_كان هدفي الخير للكل وعهد الله إيش عرفني أن كل دا هيحصل!!..
مرر يديه بين خصلات شعره بغيظ ليشير له رحيم ببسمة هادئة:
__خلاص يا مراد اللي حصل حصل، لو فضلنا نتناقش بالموضوع أكتر من كدا هنبقي وجبة شهية للسكان الجمال اللي هنا..
تمسكت "حنين" به برجفة تسري بأنحاء جسدها:
_أوعى اللي عملته يخليك تسيبني للضباع والديناصورات تأكلني عيب تنتقم بالطريقة البشعة دي يرضيك أبويا ميلقيش جسم يدفنه!!...
إحتضن الجوكر وجهه ليردد بعدم تصديق:
_الصبر وطاقة تحمل للبلاء اللي إبتليت به ياررب..
تابعت "شجن" حوارهم بصمت رغم خوفها الشديد من سماع هذة الأصوات، طوف "رحيم" المكان بعيناه بتفحص ليشير لمراد بأحد فروع الأشجار فعليهم تسلق فروعها حتي الصباح، حمل "مراد" "حنين" ليضعها علي أحد الفروع لتكمل صعوداً للأعلي ليصعد هو خلفها بأنتظار "رحيم" الذي تطلع لشجن مطولاً، فركت أصابعها بخوفاً أكثر من سماعها للأصوات تقترب، وقفت أمامه بملامح غاضبة تحاولت لصدمة حينما إنحني "رحيم" ليشير لها علي قدميه لتصعد فوقهما ،ومن ثم جذبها "مراد" للأعلي لتكمل طريقها خلف "حنين"، صعد "رحيم" لينضم لهم فقال الجوكر بسخرية:
_مش هتفكك من حوار قيس اللي عايش فيه دا..
تطلع له بذهولٍ وهو يجاوبه:
_قيس يعني الرومانسية مش عجبك بقي أسلوبه في أيه؟!..
أجابه مراد ببسمة ساخرة:
_في فرق بين قيس وروميو يا خفيف قيس مات قبل ما يتجوز حبيبته لكن روميو من يومها وهو مقطع السمكة وديلها..
وتعالت ضحكاته بسخرية فدفعه رحيم ارضاً بغضب، وهو يحذره:
_مش هيبقى أنت والهرمونات، خليك بعيد عني الفترة دي احسنلك وأحسنلي...
تسلق الغصن مرة اخرى ببراعةٍ وحرافية وهو يغمز له بخبثٍ:
_فكك، خلينا نشوف هنقضي الليلة ازاي على الشجر وفي التلج ده!!.
رفع عينيه للأعلى وهو يجيبه بمكرٍ:
_لا دي عليا!...
........يتبع.......................
ترقبوا أقوى مغامرات الجوكر والاسطورة في اخر جزء متمم للسلسلة بعنوان..
#متى_يهتدي_الوصال؟..
#بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
اعلان هام 👇🏻
لكل اللي بيسأل عن العرض اللي معمول على رواياتي الورقية فهو اخره الاسبوع ده الحقوا اطلبوا لان الروايات سعرها هيرجع لطبيعته، كل اللي عليكم تطلبوا الروايات على الرقم ده واتس وتوصلكم لحد باب البيت ٠١٠٠١٦٣١١٧٣..
بسعر خاص جداً للروايات.
خارج عن المألوف ب50ج بدل من 75ج..
بشرية أسرت قلبي ب30ج بدل من 50ج..
تمائم عشق لم يكتمل ب30ج بدل من 50ج..
بضاعة مزجاة ب25بدل من 30ج..
سلسلة الجارحي كل جزء ب30ج..
بابا سوبر مان ب٢٥ج...
وللي خارج الدول العربية يسألوا على الواتس عن منافذ دولتهم، دمتم في سعادة من الرحمن 💙
#Aya
*****______******
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الثالث 3 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة5......(#متى_يهتدي_الوصال...)....
#الفصل_الرابع_والأربعون...
بجوار احدى البحيرات وخاصة الأشجار العملاقة التي تحدها من كل صوبٍ كانت تتناغم قطرات المطر بدلالٍ لتغرق أوراق الأشجار فتتساقط بعض النقاط بأنتظامٍ لتبلل فروعها العملاقة، وعلى أحد الجذوع كان يجلس بأستقامة متكئاً بظهره على جسد الشجرة، عينيه تختلس النظر لمن تفرك يدها ببرودةٍ شديدة، جسدها يرتجف بقوةٍ جراء هذا الجو السقيع الذي تواجهها دون أي مأوى، إلتوى فمه بابتسامةٍ ساحرة وهو يدنو منها مردداً:
_أعرف واحدة زمان كانت بتعشق البرد والمطرة والوقتي شايفها قاعدة قدامي زي الكتكوت المبلول..
استدارت "شجن" برأسها تجاهه، لتلوح بيدها في سخطٍ:
_أديك قولتلها زمان! ، وبعدين هو ده مطر ده تلج وسبحان الله الجو من ساعتين تلاته كان صيف فجأة اتحول لشتا!..
خلع معطفه الأسود ثم لفه حول جسدها جيداً وعينيه تهيمان بالتطلع بها، قائلاً بكلماتٍ بطيئة:
_قربي مني...
زاد تأثرها بكلماته ومغزى نظراته، شعرت بدفٍ يجتاح بشرتها قبل ان يصل لجسدها البارد، لا تعلم لما يخفق قلبها بتوترٍ فأن كان حاوط جسدها بعض الحرارة فمازالت رائحته تحيطها، أحكم "رحيم" غلق أزرار المعطف من حولها ليجيبها بلهجته الساكنة:
_شكلك فقدتي جو مغامرات الطفولة ولا نستيها؟...
بمجرد الحديث عن هذا الجزء الغير مستحب من ذكرياتٍ الطفولة دفنها بذكرياتٍ زوج أمها البغيض، فربما يمتلك الصغير عدد من الذكرياتٍ المبهجة على عكسها قضت طفولتها في تعاسةٍ قاسية، شرودها جعله يلتمس ما الذي أصابها، تلقائياً مال بجسده تجاهها ليضمها لصدره بقوةٍ، وأصابعه يمررها برفقٍ على طول ذراعيها وهو يهدهدها بكلماتٍ مختارة:
_كله عدى وانتهى، وطول ما أنا جانبك مش هسمح لأي شيء في الدنيا انه يأذيكِ..
تمسكت به وهي تجيبه بصوتها الخافت:
_كانت أصعب فترة قضتها في حياتي وأنا بلوم نفسي الف مرة اني كنت السبب في حبستك، كنت عايشة على امل أنك هترجع وبقوي نفسي بأني هشوفك تاني، بس حتى الامل ده اخدوه مني لما قولولي أنك مت..
والتقطت انفاسها بتثاقلٍ وهي تستكمل باقي كلماتها:
_وبعد كل ده أتعرض لظلم كبير وكنت بنتظر وجودك جنبي علشان تنصرني من اللي ظلمني زي ما اتعودت وأتفاجئ إن اللي بستنى أتحامى فيه هو نفسه اللي ظلمني!..
رفع وجهها إليه وهو يزيح دمعاتها برفقٍ، ونظراته تحمل عتاب ذنب قد اقترفه بالماضي:
_كل ده فات وعدى احنا في النهارده اللي انا جانبك فيه يا "شجن"..
أغلقت عينيها باستسلامٍ لنومٍ مريح بأحضانه، احضان القاسي الذي ذابت قلعته حينما عاد القلب ليخفق بخفيان إليها..
*****************
فرك بيديه جبينه وهو يحاول التغلب على انفعالاته، فطاف عقله فكرة مجنونة بأن ينهض عن محله فتسقط من تستند عليه أرضاً وحينها ربما سيتخلص من ذات اللسان السليط، إستكملت" حنين" باقي محاضراتها التي لن تكف عن الخوض بها مستدلة على ما قالت باحداث أحد أفلام الرعب:
_بس يا سيدي والبنتين والولدان طلعوا على الشجرة الكبيرة علشان يستخبوا من اكلين لحوم البشر اللي هما تلاتة، اتنين بكرش وواحد مسلوع كده، المهم طلعوا على الشجرة ولقوا فوق مكان زي البيت الصغير كده تقريباً مكان للحارس وأقعدوا يطلبوا النجدة بالاجهزة القديمة اللي كانت فوق ولا حد حس بيهم، راحوا الوحوش التلاته مولعين في الشجرة والابطال نطوا على شجرة تانية وآآ....
كفت عن الحديث حينما كمم "مراد" فمها ليشير لها بأصابعيه بتحذيرٍ:
_أحنا في مكان مفهوش ادوية للصداع فأمسكي لسانك لحسن وربي أرميكي من هنا والوحوش تأكلك وأرتاح من لسانك السليط ده للأبد.
برقت بعينيها بصدمةٍ وهي تتساءل بلهجةٍ أقرب للجدية:
_هيجيلك قلب كده ترميني لأكلين لحوم البشر يا مراد؟..
ردد بعدم تصديق:
_لا اله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين...
انسدلت دمعة من عينيها والاخر يحاول استيعاب ما يحدث، وخاصة حينما قالت:
_انا عارفة انك لما بتسافر بترجع شخص قاسي ومنعدم الضمير..
زفر في مللٍ:
_كأنك بتبالغي حبتين..
عبثت بملامح وجهها وهي تجيبه بغضبٍ:
_الحق عليا انا بحكيلك فيلم اكشن بحيث تفرفش شوية بدل الأجواء المنيلة اللي احنا فيها دي..
اجابها ساخطاً:
_ومين السبب في الاجواء دي مش حضرتك...
كادت بأن تجيبه من جديدٍ فقبل يدها وهو يدنو منها قائلاً بانزعاجٍ شديد:
_حقك عليا أنا غلطان بس ارحميني لوجه الله..
ابتسمت في انتشاء ثم اقتربت برأسها منه لتهمس بخبثٍ:
_ماشي بس شوف أنا احن منك ازاي ومش هزقك من هنا لأكلين لحوم البشر!..
ابتسامة ساخرة تشكلت على شفتيه وهو يجيبها:
_مش هتفرق، اتقاتلنا مع كل الأجناس مجتش عليهم يعني...
مددت راسها على قدميه وهي تخبره بابتسامةٍ سلبت قلبه:
_احكي إحكي الليل طويل..
شملها بنظرةٍ سريعة قبل ان يخبرها بمنطقيةْ:
_والطول ده مش استغلال للنوم ولا ايه؟..
اتكأت بمعصمها حتى استقامت بمجلسها لتردد بصوتٍ منخفض:
_انت عايز تنام وتسبني قاعدة لوحدي افكر الضربة هتجيلي منين!..
خرج عن طور تحكماته ليهذي بعصبيةٍ:
_حنيــــــــــــن أنا ابتديت افقد اعصابي..
_الخناق في الوقت والمكان ده مش كويس للوضعية اللي احنا فيها، ياريت تفضوا الخناق الجميل ده لما نرجع الخيم..
كان صوت الاسطورة قاطعاً للمشاجرة المتبادلة بين كلاً منهما، وزعت حنين نظراتها بين زرقة عينيه وبين المسافة بينهما وبين الأرض فاستندت بظهرها على جسد الشجرة وراحت تجلس في صمتٍ عميق، ابتسم "مراد" وهو يراقبها بمكرٍ، ثقل راسها جعلها تسترخي للخلف فأسرع تجاهها ليضع يديه أسفل رأسها ثم قربها اليه وحينما تأكد من غفلتها طبع قبلة عميقة وهو يهمس بعشقٍ:
_مجنونة بس بعشقك..
اتاه ردها رغم عينيها المغلقة وابتسامتها تزين وجهها:
_وأنا كمان بحبك على فكرة..
شدد من لف ذراعيه حولها وابتسامته لا تفارقه...
******************.
حينما ضاقت به الدنيا وشعر بأن الهواء لم يعد يتسع صدره خرج لشرفته عل همومه تتبخر بالهواءٍ فتخف عنه أثقال الحياة، لمسة رقيقة على كتفيه جعلته ينتبه لمن تقف من خلفه، استدار ليكون في مقابلها، ليقرأ بوضوحٍ دمعاتها الشاكية له عذابها الساكن تجاه تصرفاته الغير مقبولة جراء تلقي خبراً كذلك، وقفت "سارة" مقابله تتطالعه باهتمامٍ علها تفهم ما الذي يدور بداخل رأسه، وحينما فشلت اطلقت سؤالها على الفورٍ:
_أنا ليه حاسة انك مش فرحان بالحمل؟..
طال صمته وبداخله ألف آه، كيف يجيبها بما اعتاد كبته خلف جدار رجولته الشامخة، ورغم صلابته ولكنه يشعر بأنه بحاجةٍ ماسة للحديث ولكنه لم يعتاد عن البوح عن هذا الجزء المؤلم من حياته بالتحديد...
توقعت أن يوبخها عما قالتله؛ ولكن صمته أكد ظنونها، إختنق صوتها وهي تسأله بصوتٍ مرتفع:
_أنت مش بترد ليه يا "ريان"!..
فرد ذراعيه على السور الحديدي الذي يلتف بشرفته، وجسده يهتز بحركاتٍ عنيفة، شهقات بكائها كسرت الحالة الغريبة التي تسيطر عليه، كادت بالمغادرةٍ؛ ولكنها توقفت حينما استمعت لصوته الذي انطلق كالسهام النافذة:
_كنت طفل صغير لما ماما ماتت، مكنتش قادر أستوعب يعني أيه مسؤلية، كنت فاكر أنها هتكون مناصفة بيني وبين أبويا اللي المفروض انه أب، بس للاسف رمى كل حاجة عليا وأنا طفل صغير عندي حوالي ١٢سنة..
قالها بابتسامة تحمل وجع عالم باكمله، لمعت الدموع بعين" سارة" فاقتربت لتقف جواره وكلتا آذنيها تستمع اليه، استرسل كلماته بوجعٍ:
_مكنش شايف غير نزواته وبس، كل يوم مع واحدة ست شكل وكلهم من دور عياله وأنا مضطر اداري وأغطي عليه علشان شكله قدام إياد ومروان، كنت خايف يقلدوه في اي حاجة وأبسط كلامهم إن باباهم بيعمل كده..
وتطلع لها بعمقٍ وهو يؤكد لها جرحه المغوار:
_ فضلت طول عمري بداري عنهم وساخته حتى بعد ما اتقتل مقدرتش أقولهم علشان ميعرفوش بالقذارة اللي كان بيعملها..
كانت مفاجأة صادمة له بمقتله، فلم تعد تعلم على اي وجعٍ شعر به وتبكي هي عليه، استدار بجسده مقابلها وهو يستطرد بنظراتٍ من الخوفٍ:
_خايف اكون صورة له في يوم من الايام خايف أكون الأب السييء للي في بطنك يا "سارة"..
رفعت يدها لتضعها على خديه وهي تهز رأسها قائلة بنفي:
_لا انت مش زيه وعمرك ما هتكون كده يا" ريان"..
بالعادةٍ هي من تختبئ بأحضانه والآن هي من تخبئه بأحضانها، مؤكدة له بأن ما بهاجمه مجرد هواجس، فريان مختلف كلياً عما يسمى بأبيه، حاوطها بذراعيه وقلبه ينبض بعنفٍ جراء ما واجهه بالفترةٍ الاخيرة من ضغوطات نفسية حادة...
***************
أعاد وضع سلاحه خلف خصره بحرصٍ بعدما انتهى من تنظفه كلياً، ثم أكمل ارتداء بذلته الخاصة التي تحمل شعار قصور عائلة "زيدان"، فُتح باب الغرفة لتطل برأسها من خلفه لتخاطبه بضيقٍ:
_برضه مصمم تنزل..
أجابها"حازم" بابتسامةٍ بشوشة:
_مضطر يا روحي، خلاص الاجازة اللي الباشا كان مدهاني لشهر العسل خلصت ولازم أنزل والا هيعلقني، أنتِ متعرفيش "رحيم زيدان" وقوانينه واللي يخالفها..
وقفت "ريحانة" لجواره وهي تعدل من جرفاته الاسود قائلة باستغرابٍ:
_غامض ومش مفهوم!..
أكد على ما قالته:
_وعمره ما هيتفهم، أنا شغال معاه عمر بحاله ومقدرتش افهم طباعه، ساعات بحسه مفتري وميعرفش الرحمة وساعات تانية بحسه شخص مختلف حنين وميعرفش غير سمات ولاد الاصول علشان كده بقولك صعب حد يفهمه..
ابتسمت بدلالٍ وهي تهمس على استحياءٍ:
_طيب متتاخرش بليل انت قولت هنخرج ولا نسيت..
جذب المفاتيح من خلفها ثم وداعها بابتسامةٍ:
_لا متقلقيش مش هنسى، يلا سلامو عليكم..
رددت في عشقٍ وهي تتابعه يغادر:
_وعليكم السلام..
وغادر من صان عرضها ومنحها فرصة جديدة للحياة مجدداً، فحالفها الحظ حينما تشبثت بها واستغلتها جيداً..
***********
اندفعت الشمس بسماء يومها الجديد فأنسدلت بخيوطها الذهبية لتغطي العالم بأكمله بدفئها المعتدل بشتاءٍ قارص على شمالٍ فنلندا، فحينما توارى الصباح هبطوا سوياً للأسفل، فعادوا للخيم بإطمئنانٍ، كان عليهما جمع الحطب لأشعالٍ نار هادئة للتدفئة مما حتم عليهم بكسر أحد فروع الاشجار، فوقف "مراد" يتأمل المساحات الخضراء من حولهم بأنبهارٍ بعدما وقع اختيار "رحيم" على بقعة معينة فقال ببسمة إعجاب:
_إختيارك للمكان رائع بجد وأفضل شيء أن محدش من العيلة جيه معانا.
وقف "رحيم" لجواره قائلاً بنبرة غامضة:
__المكان فعلاً مميز وخاصة للمهة الشاقة اللي هنقوم بيها وأهو هنكون بنعوض التدريب
إستدار إليه بصدمة:
__نعم، تدريب ايه إحنا المفروض بنعوض شهر العسل ، فلو حضرتك شايف انه الوقت المناسب فأنا لا..
إبتسم "رحيم" وهو يشير له بمكرٍ:
_بالعكس الوقت والمكان مناسب جداً وأنت متعود تجمع حطب ولا ايه؟..
جذب الفأس ليناوله له فانتشاله "مراد" بغضبٍ يغلي بعروقه فلوح به بسخرية وهو يقترب منه:
__ودا عايز بيه عاهة مستديمة ولا أيه بالظبط..
إبتسم بخبث وهو يجذب الفاس الآخر مشيراً بعينيه على الأشجار التي تطوفهم فرمقه الأخر بنظرة غاضبه ليتمتم بضيقٍ:
_معرفش حبك أيه في قطع الاشجار! ..
تعالت بسمته ليلكم الفأس بأحد الأشجار بقوة قائلاً بمكر:
__أنك تضيع المكان الهادئ دا من إيدك جنون وخصوصاً لو هتتدرب مع شخص بنفس مستواك..
إبتسم الجوكر بمكرٍ ثم اقترب من أحد الأشجار ليرفع فأسه على حافتها ساخراً بقوله:
_أنا مش مسؤول لو حد شافنا بننتهك حقوق البيئة هعترف عليك..
تعالت ضحكاتهم سوياً والاخر يجيبه بمشاكسةٍ:
_طول عمرك أصيل...
تعالت ضحكات الأخر ليبدأ التحدي فيما بينهما لتمر الساعات طويلاً زفر بعدهما "مراد" غضباً بعدما ألقى بفأسه أرضاً:
_لا بقولك أيه أنا جاي هنا أحب مش جاي يطلع عيني، لو حابب تكمل عملك البطولي دا كمل لوحدك..
خلع "رحيم" قميصه ثم سدد بفأسه الضربات بقوةٍ ليتمكن من إسقاطها فقال دون أن يستدير له:
_لا جايين نتعارك ونبات على الشجر زي القرود، وبعدين الجبن مش من طباع الجوكر ولا المعلومة اللي وصلتني غلط!..
رمقه بنظرة حاده فاقترب منه بعدما ثبت "رحيم" فأسه بطرفٍ أحد الفروع المتحررة، رفع "مراد" قدميه ليركل الفأس بغضب أطاح بها أرضاً فأبتسم "رحيم" وهو بتراقبها تجثو أرضاً:
_ _فكرة برضو..
تساءل بدهشةٍ:
__هو انت لسه متخيل أننا هنقضيها هنا وأسيب مراتي!!..
وجذب قميصه ليجفف قطرات العرق التي تتوسط صدره العاري قائلاً بثبات:
_أكيد
ألقى بالفأس ارضاً مشيراً له بسخرية:
_مع نفسك بقى وليك عندي أبلغ أشجان انك قايم بعمل بطولي مستعجل..
وتركه وكاد بالرحيل فكبت بسمته بصعوبة وهو يردد:
_أبقي فكرني لما أنزل مصر أحذفلك لقبك من الداخلية..
أجابه وهو يكمل طريقه دون التطلع اليه:.
_لو هيبعدني عن حبيبتي كل الوقت هشطبه بنفسي..
إكتفى ببسمة ماكرة ليغمز له هو الاخر فاستدار "مراد" للخلف بأستغراب لما يتطلع له "رحيم" ليجدها تقف من خلفه وبسمتها ترسم على وجهها بأكمله ، تراقبه بهيامٍ وعشق يطرب له السمع، مر "رحيم" من جواره ليهمس بمكر:
_عد الجمايل..
وغمز له بخبث ليلتقط قميصه الملقى أرضاً ثم توجه هو الأخر للبحث عن معشوقته..
***************
ظلت بالخارجٍ طويلاً، تنتظر ان تسمح لها السكرتيرة بالولوج، رغم إخبارها مسبقاً بأنها زوجته، وصلت "فاطمة" لذروة غضبها وهي تنتظر لساعة كاملة حتى سمحت لها بالدخولٍ، فتحت باب مكتبه حتى أن رأته صاحت به بانفعالٍ:
_أنت ازاي تسيبهم يقعدوني برة كل ده!..
نهض "يامن" عن مكتبه وهو يجيبها بهدوءٍ:
_معلشي يا فاطمة انا اللي طلبت منها كده لان كان عندي اجتماع مهم، ما انتي عارفة ان بابا بعد وفاة هنا الله يرحمها مبقاش ينزل الشغل وسايب كل حاجة فوق دماغي..
سئمت حججه المتكررة بنفس ذات الكلمات، فقالت تلقائياً دون أي تمهيد:
_طيب تمام، المفروض أننا متفقين أننا النهاردة هننزل نجيب الفستان لان خلاص مفيش وقت..
خلع نظارته البيضاء عن وجهه وهو يبحث عن كلماتٍ لائقة عما يود قوله، فقال:
_صدقيني معنديش وقت فلو ممكن تأخدي حد من بنات عمك..
رمقته بنظرةٍ مطولة ثم جذبت حقيبتها بعصبيةٍ بالغة لتترك المكتب بأكمله دون أن ينبس فمها بكلمةٍ واحدة، لا تعلم لما تشعر بتغيره الغريب فربما ان علمت بأن الزواج مجرد معاناة لشيئاً غامض لتمنت البقاء هكذا، بعيداً عن قفص الاتهام!!!..
*************
أغلقت النوت الصغير بعدما دونت ملاحظاتها الناجحة تجاه حالة "فطيمة"، ثم اغلقت الضوء، وداثرتها برفقٍ، فمنذ ان اتى بها" رحيم" الى هنا وهي تحسن معاملاتها حرصاً بأن تسترد عافيتها اولاً ثم اتزانها الصحي، عادت "يارا" لغرفة مكتبها لترتاح قليلاً بعد يومها الشاق، فالقت بثقل جسدها على الكرسي المريح، واغلقت عينيها قليلاً ومن ثم فتحتهما على مصراعيهما حينما استمعت لاخر صوت توقعت سماعه:
_ممكن تفهميني مش بتردي ليه على مكالماتي!!..
رددت بصدمةٍ وعدم تصديق لرؤياه:
_"علي"!!...
#يتبع..... #الاقوى_قادم..
#ترقبـــــــــــــــــــــــــوا...
#متى_يهتدى_الوصال؟..
#بقلمي_ملكة_الإبداع..
#آية_محمد_رفعت....
بشكركم من قلبي على تفهمكم غيابي، وهانت ان شاء الله حفل الخطبة على اخر الشهر ده ونرجع نحدد مواعيد جديدة واضافية للانتهاء من الجزء الخامس، وكمان بعتذر على الريفيوهات اللي مش بلحق ارد عليها فان شاء الله هرد النهاردة وبكره على ريفيوهات الفصل ال٤٤، دمتم في سعادة ومحبة من الرحمن..
#Aya..
*********_______************
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الرابع 4 - بقلم آية محمد رفعت
صباح السكر والسعادة حبيباتي، في عدة نقاط هامة هوضحها بالبوست ده...
أولاً علي شخصية جديدة كلياً وده أول ظهور ليه يعني محدش ناسيه ولا حاجة..
ثانياً ليه مذكرتش أن ريحانة وحازم تزوجوا، لانهم ببساطة شخصيات ثانوية (فرعية) اي سهل الاستغناء عنها، ورغم كده أنا بحاول كل فترة أكتب عنهم مشهد بحيث حضراتكم يتنقلكم صورة عن حياتهم فيما بعد، فمن المؤكد لهما الزواج وأخر مشهد ظهر فيه حازم وقت موت بيبرس وكلامه كان بيدل على كده..
ثالثاً، ليه ريان حالته ساءت بالشكل ده، فهو اكيد بعد موت والده في حالة لا يحسد عليها لا قادر يعمله عزا ولا يقولهم اللي حصل لان بالشكل ده هيفتح باب للقيل والقال وهيعرفوا اكيد مات ازاي ومين اللي قتله والاهم ليه مات بالطريقة البشعة دي وهنا هيتكشف اللي كان بيحاول يخفيه، هو حالياً مزلزل نفسياً وفجأة عرف انه هيكون اب فهو اكيد مش مهيأ نفسياً...
رابعاً، ليه يامن اتغير كده؟..
يامن متغيرش، يامن كان عايش حياته بالطول والعرض وفجاة اتدبس في كل حاجة فهو مش لاقي وقت لفاطمة لكن تغيره هيكون امته في حادث معين هيحصل بعد الجواز وهيكون محور مهم للرواية وبالاخص الجزء الخامس، فترقبوا كل جديد وعلى وعد بأن الجزء ده هيكون مرضي لحضراتكم بشكل كبير لانه الختامي لسلسلة دامت لعام ونصف والحمد لله أتت ثمارها بالنجاح والصدى المسموع عنها...
وأخيراً، بتمنى كده تشاركوني بأرائكم في الكومنتس والريفيوهات زي ما كنت متعودة منكم، انا مزعلش من المناقشة أبداً فأختلاف الأراء لا يفسد للود قضية.. صباحكم ورد..
#Aya
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الخامس 5 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة5...(#متى_يهتدي_الوصال؟...)...
#الفصل_الخامس_والأربعون....
أخر شيء توقعته أن يترك عمله ويسافر إليها، كانت تظن بتجاهلها لمكالماته بأنه سيفكر جدياً بخطوةٍ الزفاف؛ ولكن قدومه لهنا ليس بصالح ما تريد، استقامت "يارا" بوقفتها وهي تتحكم بانفعالاتٍ وجهها بحرافيةٍ، فطرحت سؤالها في استغرابٍ:
_أنت رجعت مصر أمته؟..
درس كل تعبيراتها بصمتٍ وهدوء، توترها الملحوظ الذي تحاول أخفائه خلف صلابتها الزائفة، اقترب منها بقامته الطويلة حتى جلس على المقعد المقابل لمكتبها، جلست هي الأخرى وهي تنتظر إجابة سؤالها، إلى أن كسر الصمت قائلاً بصوتٍ رخيم:
_لسه من شوية، يمكن لو كنتي لسه على تواصل معايا كنت قدرتي تعرفي ده..
عبثت بقلمها بارتباك، وهي تختار الكلمات المناسبة التي قد تخرجها من هذا المأزق، فقالت:
_أنا انشغلت الفترة الاخيرة بالعيادة والمرضى، أنت أكتر واحد عارف شغلنا صعب اد أيه!..
شملتها نظرات عينيه البنية وهو يختبر شعوراً غريب، ختمه بقوله الغامض:
_اتغيرتي يا "يارا"..
انزعجت من طريقة تحليله لانفعالاتها فقالت بضيقٍ شديد:
_مش هتبطل تتعامل معايا على اني مريضة، شغل الدكاترة النفسية ده بنعمله على المرضى بس يا دكتور!..
خوفها من ان يفضح أمرها كان كالكتاب المفتوح بالنسبةٍ اليه ورغم ذلك حافظ على اتزانه وهو يجيبها بابتسامةٍ غير متكلفة:
_أنا بتعامل معاكِ عادي يا"يارا"...
ثم قال بغموضٍ وأصابعه تلهو باللافتةٍ الصغيرة التي تحمل أسمائها أمام مكتبها:
_وبعدين أنتِ ليه منفعلة كده، أنتِ مش مرحبة بزيارة خطيبك ولا أيه!..
بللت شفتيها بلعابها حينما ذكرها بهذا الجزء الذي تمنت نسيانه يومٍ ما، نعم هي تدين له بكل شيء، فكان لها خير العون طوال فترة دراستها، كان خير الصديق الذي لم يتأخر عنها قط، حتى حينما تخرجت من الجامعة وجدت عملاً بانتظارها بمرتب مجزي في احد المشافي التابعة إليه، فحينما صرح لها بحبه وجدت ذاتها سعيدة بأن اليوم المرغوب في سد فاتورة جمايله المتعددة قد اتى وبالفعل تمت الخطبة ومن ثم التهت بعملها ثم قررت الهبوط لمصر حينما أرادها"رحيم" بأن تتابع حالة "شجن" عن قرب وحينها حدث ما لم يكن بالحسبان، فقد خفق قلبها عشقٍ لشخصٍ كان لها النجاة من موت محتوم عليها، وحينها وجدت دقات قلبها تناجيه بصمتٍ، حاولت وأرادت الابتعاد كونها منسوبة للأخر ولكن قلبها كان يقترب خلسة ورغماً عنها..
لم تكف عينيه عن دراسة كل فعلاً صغير ترتكبه من امامه، فقوس شفتيه العريضة وهو يباغتها بسؤالٍ أخر ونظراته المهتمة تسبر اغوراها:
_قوليلي يا "يارا"، عملتي ايه في موضوع"مروان"؟..
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبةٍ، فجلت أحبالها الصوتية وهي تسعى للثباتٍ:
_تقصد أيه!..
اجابها بخبثٍ ومازالت أصابعه تلهو بالقريب من يديه:
_يعني كنتِ قولتيلي ان"مراد" طلب منك تمثلي عليه الحب لحد ما تقدري تغيريه ودورك هينتهى لما شهادته تبان..
ثم استكمل كلماته وهو يتطلع للعيادة من حوله بنظرةٍ مستنكرة:
_بس اللي شايفه غير كده، انا شايف أنه بيتقرب منك بكافة الطرق وأنتي سماحله بده بداية من كلامه اللطيف لحد العيادة الجميلة دي..
نهضت عن مقعدها لترطم الطاولة من أمامها بعصبيةٍ بالغة:
_قصدك ايه يا "علي"!..
وقف هو الأخر مقابلها والابتسامة الماكرة مازالت مرسومة على وجهه ذو البشرة الداكنة:
_مقصديش حاجة يا" يارا"، قولتلك اني حاسس انك مش سعيدة بوجودي وفعلاً حاسس ده، عموماً انا كنت نازل علشان نحدد معاد فراحنا أحنا بقالنا 3سنين مخطوبين يا "يارا" وماما مش بتبطل زن وأنتي عارفة كده كويس..
تحجرت الكلمات على لسانها، فلم تعد تجد ما يناسبها للحديث، طرقات على باب مكتبها فصلت الامر العالق من بينهما، ليدلف بعدها من لم تحبذ وجوده مطلقاً بهذا الوقت بالتحديد، ولج "مروان" للداخل وهو يتساءل بمرحٍ:
_فاضية ولا اجيلك وقت تاني يا دكتور!..
كانت بحالةٍ لا تحسد عليها، تحرر لسانها ناطقاً ببطءٍ:
_تعالى يا "مروان"، مفيش حد غريب...
اقترب حتى وقف قبالة الشخص الغامض الذي يرمقه باهتمامٍ، فركت"يارا" أصابعها حتى كادت باقتلاعهما فكيف ستعرف حبيبها على زوجها المستقبلي!!! ، بصعوبةٍ بالغة قالت في ترددٍ صريح:
_ده دكتور "علي" صديقي وكان معايا في نفس الجامعة ومدير المستشفى اللي كنت بشتغل فيها بره مصر...
رفع "مروان" يديه بابتسامة لطيفة:
_تشرفنا..
حدجه بنظرة مستكينة، توزعت بين وجهه ويديه الممدودة ليضعها اخيراً بيديه وهو يستكمل على باقي كلماتها عن قصدٍ:
_وخطيبها..
صدمة كبيرة أفتكت به، فسرعان ما تحولت ابتسامته لتكشيرةٍ عظيمة وهو يردد بدهشةٍ:
_أيه!..
ثم نقل نظراته ليارا التي فركت جبينها بقسوةٍ علها تكبت ما يدور بداخلها، فعنفت الاخير قائلةٍ بحدةٍ:
_"علي" ممكن من فضلك تخرج وبعدين هكلمك ونتقابل..
رمقها بنظرةٍ قاتمة، أتطالبه بالخروجٍ وتركها مع رجلٍ أخر! ، نظرات رجائها جعلته يرضخ لرغباتها، فسلط نظراته عليهما تباعاً قبل أن يغلق جاكيت بذلته بحدةٍ متعمداً فتح الباب بقوةٍ أفزعتها، وما أن غادر الغرفة حتى أخفضت نظراتها أرضاً في محاولةٍ بائسة لتخفي عينيها عنه، لم تقوى على مواجهته والأخر يسألها بصوتٍ غاضب للغاية:
_أيه الكلام اللي بيقوله ده!، أنتِ كنتِ بتخدعيني يا "يارا"؟...
جلست على المقعد القريب منها حينما شعرت بعدم اتزانها فقالت بتوترٍ:
_مكنتش قادرة أواجهك صدقني..
لم يكن يستوعب ما يستمع إليه، ظن بأنها ستنكر ذلك بل ستخبره بأنها مجرد مزحة فحسب؛ولكن صمتها، بكائها، جعله على يقين بأنها الحقيقة، خرج عن هدوئه الذي اتسم به رغماً عنه من شدةٍ الصدمة، فجذبها عنوةٍ لتقف من امامه وهو يسألها بصراخٍ عاصف:
_فاهميني بتقولي أيه ومين الحيوان ده؟!!..
أغلقت عينيها بقهرٍ وهي تجيبه بصوتها الباكي:
_أنا مكنتش اعرف اني هحبك وهتعلق بيك كده، انا كنت فاكرة أني هساعدك تتغير وتكون شخص تاني وأرجع لحياتي من تاني بس من غصب عني لقيتني بحبك وبتعلق بيك وعلاقتي بعلي اتوترت لحد ما بقت منعدمة..
صدمات متتالية يتلاقاها واحدة تلو الأخرى وعقله يرفض تصديقها، ضغط على معصمها المحصور بين أصابع يديه الخشنة وهو يردد في عدم تصديق:
_أنتِ بتقولي أيه؟ ..
كفت عن الحديث واستمرت هي بالبكاءٍ، حرر يدها ثم استدار بجسده للاتجاه الاخر عله يتمكن من تقبل ما استمع اليه، ليستدير مجدداً حينما توازن كلماتها بهدوءٍ، فباغتها بسؤالٍ اخر:
_مين اللي طلب منك تغيرني! ، وليه دخلتي حياتي من الأول..
تراجعت للخلف تلقائياً حينما اقترب هو منها، ارتجفت شفتيها رعب لما ستلاقاه، حاوط الحائط بيديه وأسنانه تصدر صوتٍ مخيف:
_انطقي..
اجابته بدموعٍ:
_"مراد" طلب مني كده..
ابتسامة ساخرة رسمت على جانبي شفتيه، فابتعد عنها ونظراته الحانقة تطلق شرارها دون أي رأفة بها، فأن كان يمقته مرة أصبح يكرهه ألف مرة، ساقته قدميه للخروج فقال دون أن يستدير لها:
_براڤو عليكِ بجد، عمر ما حد عرف يخدعني ويكسرني زي ما عملتي..
وخرج على الفور علها لا ترى غيمة الحزن التي طافت به، اسرعت "يارا" خلف وهي تترقبه بدموعٍ، كانت تريد الحديث، توضيح علاقتها بعلي ولكنه لم يمنحها الفرصة فيكفى ما استمع اليه...
**************
غادر للأسفل بغيظٍ حينما طالبته بذلك، فأخرج مفاتيح سيارته من جيب جاكيته ثم ضغط على الزر المتوسط لها لتعمل الكترونياً، واصل التقدم للوصول إلى باب القيادة ولكنه توقف فجأة محله حينما استمع لصوتٍ ملائكي يدندن من حوله بكلماتٍ اخترقت محجر القلب وكأنها لامست ما مر به، على الصوت بكلماته الحزينة، المناجية بنبرتٍ من الآسى..
«من لي سواك فأنت عمري، نبض قلبي والحبيب!...
إن سال دمعي ما وجدت غير عينك الطبيب..
كيف تتركني وحيداً تائهاً أمضي غريب!..
وجميع الخلق حوالي وأنت عن عيني تغيب؟...
أنا من قلبي المجروح، عن كل الحب ابوح، حبك قمراً اهواه وسر البسمة للروح....
يا مؤنس الروح تمهل في دربك نحو السماء...
ضع كفك المبتل دمعاً فوق رأسي والرجاء..
أبكي والقلب عليل، ما متى ستعود إلينا فأرسل لعيوني الدليل!..»..
انهمر الدمع من عينيها مع كل حرف دندنته مع عزفها لمقطوعتها المفضلة باستخدام البيانو، توقفت "فطيمة" عن الغناء وقلبها يئن بوجعٍ لا مثيل إليه، فأرتمت برأسها على جسد الييانو تنهار في صمتٍ..
اتبع الصوت كمن تلاقى سحراً فاتبعه كالمسحورٍ، كلماتها وصدق مناجتها أفتكت بقلبه المجروح هو الاخر، ساقته قدميه لغرفة بنهايةٍ الطابق الأول من عيادة "يارا"، ليجد فتاة ترتدي فستان أسود قاتم، تعزف على البيانو بأناملٍ من ذهب، انتباه الفضول لرؤية وجهها؛ ولكنه يقف خلفها بالتحديدٍ، التمس من عذوبة صوتها وصدق احساسها بأنها مثله تعاني من وجع الحبيب المهاجر، وحينما رآها تبكي هكذا أراد بداخله وبشدةٍ أن يعلم ما الذي اصاب تلك الفتاة ليجعلها هاشة هكذا، تمنى بالدقائق المبسطة التي قضاها على باب غرفتها ان تستدير ليرى وجهها ولكنه سرعان ما استعاد ثباته فغادر سريعاً لسيارته، لا يعلم بان القدر ساقه لعتبة بابها قصداً وبأنه سيربطهما رباط غامض عن قريبٍ...
****************
خرت قواها فسقطت أرضاً تبكي بقهرٍ، فعقلها يفكر بالمنطق فأختار الرجل الذي ساندها بمركزه وماله وصداقته و قلبــها أختار الرجل الذي خفق عشقٍ له وإهتاج شوقٍ لقربه، جذبت" يارا" هاتفها ثم طلبت احد الارقام لترقعه على آذنيها وما ان استمعت لصوته حتى رددت بدموعٍ:
_"مــراد"...
****************
بقصر "طلعت زيدان"..
تحسنت صحته كلياً مما اتاح له فرصة العشاء لجوار عائلته ولأول مرة، ترأس المائدة وهو يوزع نظراته يميناً ويساراً بين الوجوه، الابتسامة داعبت قلبه قبل أن ترسم على شفتيه، شعر بلمسةٍ رقيقة على يديه فتحولت نظراته للجانب الايمن فوجد" نجلاء" تتمسك بيديه والابتسامة المشرقة تزين وجهها حينما قالت:
_حمدلله على السلامة يا حبيبي..
اتسعت بسمته وهو يتأملها بنظرة عميقة كشفت جزء من الماضي المؤلم فقارنه بحاضره المرتبط بوجودها لجواره، قطع المجلس صوت "يوسف" الذي ولج للتو قائلاً بعبث:
_أيه التهريج ده ازاي تبدوا من غيرنا..
وضعت "نغم" الأكياس عن يدها وهي تشارك زوجها الحديث:
_مش قولتلك مش هيستنونا يا "يوسف" وانت برضه مصمم تقف تجيب بسبوسة!!!..
تعالت ضحكات "آدم" فجذب المقعد المجاور له وهو يشير له بالاقتراب ثم تساءل في اهتمامٍ غريب:
_بالقشطة ولا سادة؟..
جلس لجواره وهو يجيبه بغمزةٍ مرحة:
_لا بقشطة ومكسرات يا خفيف..
تعالت الضحكات سوياً، فانتبه يوسف لصوتٍ طلعت الوقور:
_مبروك الفرع الجديد يا يوسف..
تعجب ببدأ الامر لمعرفته بأمر الفرع المنشأ حديثاً لمطعمه فلم يعلن عنه بعد ولكنه اجابه بسعادةٍ:
_الله يبارك فيك يا عمي، انت السبب في الخير ده كله والله..
رفع اصابه وهو يشير له بنفي لما قيل:
_لا تعبك واجتهادك السبب، انت من الشباب اللي بقوا قلة اليومين دول، انا بفرح بنجاحك اكتر من اي حد من الموجودين لانك عملت نفسك بنفسك..
سعد لرأيه به، رغم أن لولاه لم يكن سيحقق شيئاً..
ابتسم "جان" وهو يشارك معهما الحديث قائلاً بمكرٍ:
_ابسط يا عم "طلعت زيدان" بنفسه بيثني عليك..
ألتقط "إياد" بملعقته قطعة اللحم الشهي وهو يضيف:
_دي مبتحصلش كتير يا "يوسف" بخر نفسك يا حبيبي الشباب هنا هيجيبوك الارض...
أضاف "فارس" بمشاكسةٍ:
_الارض بس، أنا لوحدي عيني توديك اللومان..
قال "آدم" هو الأخر:
_في مصر دي!!..
سادت الاجواء الضحكات العائلية التي تخترق اسوار عائلات "زيدان" لاول مرة، حتى الفتيات اشتركن بالحديث المرح فيما بينهما، على عكس "سليم"، فكان يرقب" ريان" الشادر، بالفترة الماضية يشعر وكأنه فقد ذاته لذا وبدون أي تردد ارسل له برسالةٍ نصية بان يجتمع به بعد العشاء لأمراً عاجل..
***************
استمع جيداً لما قالته، وصمته خير برهانٍ لما يدور بخلده تجاه "مروان"، فكافة الطرق الذي يسلكها تنسد أمامه، خرج صوته المتزن اخيراً:
_اهدي يا"يارا" ، متقلقيش انا هرجع مصر على أول طياره...
وأغلق هاتفه بعينين تشعان بالغموضٍ فعلى ما يبدو بأن أسرار الماضي حان وقتها لتكشف الآن بما يضاف مقتل ابيه ووالد "حنين" يعلم بأنه لم يرتكب خطأ مطلقاً، بل فخراً له بأنه قتل هؤلاء اللعناء ولكنه عليه خوض حرب من نوعٍ خاص، ستحتمه للوقوف أمام عائلته، فبداخله يخشى أن تضيع جهود "رحيم" وجهوده هباءاً لما ارتكبه ولكنه سيسعى لتقوية العلاقات مما عليه ان يخوض، ولكن تلك الخطوة لن يخطوها بمفردها، وقف قبالة نصفه الاخر، الداعم القوي له ليتحرر لسانه ناطقاً بثباتٍ:
_لازم نرجع مصر وحالا....
فتح "رحيم" عينيه في مللٍ وقد تسنى له المخفي وراء طلبه الغامض، ولكنه عليه أن يسعى هو الأخر لتبقى الروابط متينة وراء الاعصار الذي سيهاجم عائلته...
#الاقوى_قادم... #ترقــــــــــبوا...
#متى_يهتدي_الوصال؟..
#بقلمي_ملكة_الإبداع..
#آية_محمد_رفعت...
حبيباتي، قريباً في نوفيلا خاصة بعلي وفطيمة، بس خاصة بيهم بسسسس اي فرد من الجوكر والاسطورة مش هيظهر فيها النوفيلا منفردة وملهاش علاقة بالسلسلة وهتنزل بعد فترة هحددها فور الانتهاء من الجارحي5، واخيراً صباحكم عسل ♥
*****_____________*****
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل السادس 6 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة 5...(#متى_يهتدي_الوصال؟..)...
#الفصل_السادس_والأربعون..
كالبائس لم يجد مكان مريح يطبطب على جرحه العميق، قضى ساعات في سيارته دون أن يحدد وجهته، صدمته ليس بذاك الملقب بالجوكرٍ فهو يعلم جيداً إنه لم يحبه يوماً ليفعل الآن؛ ولكن جرحه عميق تجاه ما فعلته به، كان يظنها تعشقه مثلما عشقها، كيف استطاعت أن تخدعه، إن كانت تمكنت من خداعه فعينيها لم تخدعه يوماً، حبه يتراقص بحدقتيها كلما تقابلت النظرات فيما بينهما، فربما لم يتمكن من احتضانها معنوياً ولكن نظرة تساوي ألف عناق يروي اشتياق قصة حكم عليها القظر بفجعة لم تكن بالحسبان، أغلق "مروان" عينيه بقوةٍ وبداخله صراع عاصف بين الغضب والسخط تجاه هذا الشخص الذي استعبد حياته، عصر قبضة يديه بعصبيةٍ اعتادت تملكه منذ البداية، لا يود أن يعلم دافعه وراء ما فعله، حرك مقود السيارة ثم تحرك عائداً للقصر والشر يتغمده بردائه المخيف....
***************
رفعت أصابعها المرتجفة تمسح دمعاتها خشية من أن يراها طارق باب غرفتها، ثم استقامت بجلستها وهي تجاهد لثبات نبرة صوتها:
_أدخل..
ولجت زوجة أخيها للداخل، فجلست لجوارها على الفراش ونظراتها الفضولية تكاد تنفذ إليها، راقبت كل حركة صغيرة تصدرها حتى باغتتها بسؤالها الصريح:
_مالك يا "فاطمة"، من ساعة ما رجعتي من الاتليه وأنتِ قافلة على نفسك ومبتخرجيش..
انكمشت بجلستها وقد انفلتت دمعاتها وكأنها ترغب في البوح عما يحزنها، اقتربت" سلمى" منها بلهفةٍ، فتساءلت باستغرابٍ:
_انتي اتخانقتي مع "يامن" وأنتي بتجيبي الفستان ولا أيه!..
أتاها ردها ساخراً:
_هو فاضي يجي معايا من الأساس علشان نتخانق، وكل ما أكلمه يقولي مشغول في الشغل..
اجابتها بوجهٍ مبتسم:
_بقى هو ده اللي مزعلك ومخليكي تعيطي كده أنا افتكرت في حاجه كبيرة..
حدجتها بنظرةٍ مستنكرة لتقليلها لما أخبرتها به، الا يكفي كونه لا يعيرها أي إهتمامٍ وخاصة بأن لم يتبقى على زفافهما سوى أيام معدودة، استرسلت "سلمى" حديثها ومازالت البسمة مرسومة على وجهها البشوش:
_يا "فاطمة" يا حبيبتي، أي عريس معاد فرحه بيقرب بيشوف اولوياته علشان يكون فاضي لشهر العسل ولعروسته، بلاش تزعلي نفسك على أتفه الاسباب وافرحي كده بزمتك ده شكل عروسة فرحها كمان كام يوم؟!..
عبست من تحليلها الشبه منطقي واجابتها محتجة:
_بقى كده ماشي يا "سلمى"..
تعالت ضحكاتها وهي تعلق بلطافةٍ لتدخل البهجة اليها:
_ياختي أحنا مش فاضين للهبل ده ورانا شوبنج للركب واستعدادت للحفلة وانتي شاغلة نفسك بأيه، يلا نامي وارتاحي وبكره تجهزي نفسك علشان هننزل مع البنات كلنا ونجيب اللي ناقص..
ثم نهضت عن الفراش وهي تتكأ على الكومود لتغلق المصباح الصغير المعلق جوارها وهي تلوح لها بمرحٍ:
_تصبحي على خير يا عروسة..
أومأت برأسها وقلبها قد طاف به شعور مقبض جراء كلمتها الاخيرة، لا تعلم أخجلٍ من العلاقة الجديدة التي ستجمعها بيامن أم توتر محتوم بعدما انشغل عنها بوقتٍ كهذا فتخشى أن ينشغل عنها عمراً بأكمله!..
**************
بغرفة"ريان"..
استمع اليه بحرصٍ شديد وخاصة حينما علم بمقتل "عمران" والوزير على يد "مراد" والمخاوف التي تهاجم "ريان" تجاه حمل زوجته، انصت جيداً لأكثر من نصف ساعة حتى انتهى "ريان" مما يحمله من أعباءٍ ثقيلة يحملها بمفرده ، تنهد "سليم" ببطءٍ وهو يبحث عن كلمات مناسبة تلامس جرحه المكشوف فقال بثباتٍ:
_بص يا "ريان" أنا عارف أنت بتفكر في أيه بس صدقني الخوف اللي جواك نحية ابنك اللي جاي في السكة ده مالكش حق فيه، انت طول عمرك شايل مسؤولية أخواتك وزي ما قدرت تكون أب وسند ليهم هتكون سند لابنك وأب عظيم..
ضم قبضة يديه القابضة على أطرافٍ النافذة وهو يطيح بما يجول بداخله بعصبيةٍ بالغة:
_كنت مجبور أكون ليهم أب يا "سليم"، والأب بيحاوط على عياله وبيحاول يمنعهم عن أي شيء ممكن يدمر حياتهم وخبر زي اللي قولتلهولك ده ممكن يدمرهم ويدمر كل اللي أنت ورحيم عملتوه علشان العيلة دي..
ثم تنهد بألمٍ:
_أما بخصوص ابني فمش عارف اذا كان لسه عندي رصيد حنان ادهوله ولا لأ...
رفع يديه على كتفيه وهو يخبره بجديةٍ:
_أنت مرتبك لانك هتكون أب لأول مرة بس صدقني هتحبه أكتر من نفسك..
ثم استقام بوقفته بعدما وضع يديه بجيب بنطاله الاسود الداكن ليستطرد بهدوءٍ:
_أما اللي عمله"مراد" فأولاً ده شغله يا "ريان"، ثانياً والد" حنين" كان باين من الاول انه شمال، مكنش هدفه انه يحمي بنته والكلام ده كان هدفه ان مفيش لغط وشوشرة تكشف الستار على أفعاله الوسخة بس اللي مش قادر أصدقه أن "عمران" هو اللي كان بيساعده طول الفترة اللي فاتت..
ارتسمت بسمة ساخرة على وجهه وهو يخبره:
_لا صدق والله أعلم هنعرف عنه ايه تاني..
والتقط كوب المياه الموضوع على الطاولةٍ القريبة منه ليبلل ريقه الجاف، قبل أن ينطق:
_أنا مش زعلان أن "مراد" قتل ابويا أنا كنت متوقع نهاية للطريق اللي أختاره..
كان يظن أن أخيه الأكبر هو الشخص المناسب ليشاركه ما حدث معه، ليشكو له ألم الحب المرير الذي عاهد بأن لا يزور قلبه حتى ولو كانت مرته الثانية، فحينما كانت تزيد بها الحياة بالمتاعبٍ والآلآم كان يلجأ إليه؛ ولكن حظه العسير أرسله في هذا الوقت الغير مرحب به لسماعٍ تلك الكلمات التي كادت بأن تصيبه بالصم، شعر لوهلةٍ بأن جميع المصائب تقوده لشخصٍ واحد، شخص إن كان بالماضيٍ يمقته مرة فاليوم يمقته ألف مرة، أغلق "مروان" الباب بهدوءٍ خشية من ان يشعر به أحداً ثم تسلل للخارج، أراد الاحتفاظ بهذا الجزء الذي استمع اليه لتو، شرارة عينيه اقتادها نيران ستحرق مملكة "زيدان" بأكملها، أصبح كفيف عن الرؤية، لا يرى أمامه الا شعاع الانتقام المضيء بلهيبٍ أحمر مخيف!...
*****************
بالأسفل..
زفر "آدم" بملل وهو يلقي على مسمعها للمرة العاشرة ما سيفعله بخطتها:
_خلاص يا "ريم" حفظنا والله، هنشغل "سليم" بكره طول اليوم ومش هنخليه يحس باللي بتحضريه ها لسه في أيه تاني!..
حدجته "سما" بغيظٍ، فقالت وهي تلوك حبة من العنبٍ:
_قولتلك يا "ريم" بلاش تستعيني بسيد أمريكا لحسن شايف نفسه مصدقتنيش..
أجابتها "ريم" بحزنٍ مصطنع:
_ما انا مش عارفة هقول لمين بس فوزعت المهمات بالتساوي عليكم..
رد "فارس" بضيقٍ:
_يعني انتي مختارة انه يوزعه ويلبخه طول النهار وللاستاذ "جان" مختارله يشتري بدلة اخر موديل وأنا مدبساني في تزين المطعم والليلة كلها، مكنش عيد ميلاد ده!..
تعالت ضحكات "جان" بصوته الرجولي، ليقطع ما قال:
_هي اختارتك للكبيرة يا ابو الفوارس خليك قدها بقى وبعدين انت عارف فرح فاطمة بعد يومين ومشغول في الترتيبات!..
أضاف "يوسف" بابتسامةٍ هادئة:
_متقلقش يا "فارس" هبقى أطلع ازين معاك بس اياكش حد من اللي الطقم ميشوفنيش فوق هبقى مسخرة..
تعالت الضحكات معاً، فقررت "نغم" اخبارهما بما تخفيه "ريم" والسبب الحقيقي خلف الاحتفال المفاجئ:
_الاحتفال مش سببه عيد ميلاد سليم بس..
ثم بترت كلماتها بضحكةٍ تسلية، هامسة بصوتٍ منخفض:
_أقول ولا تقولي انتي يا ريمة..
تلون وجهها بخجلٍ، فتساءلت منة باهتمامٍ:
_أنتوا هتتعازموا قولوا وخلصوا..
كادت نغم بالحديث فقابلت نظرات ريم المتوعدة، فأشارت بيدها على بطنها بمرحٍ ليفهم الشباب ما تود قوله، أسرعت "ريم" خلفها بغضبٍ ومن خلفهم الفتيات بمباركتهم الحارة..
*****************
غفلت على ذراعيه وطفلته لجواره، عينيه تتشبع بالنظراتٍ الى صغيرته تارة وإليها تارة أخرى، لا يعلم لما ينبض قلبه بعنفٍ حينما تختم العين برؤياها!..
تلقائياً يبتسم في ابتهاجٍ ونشوة غريبة وكأن النظرات تنفذ إلى القلب، انحنى برأسه ليطبع قبلة مطولة على جبينها وهو يهمس بخوف يحاربه لأول مرة:
_مش هسمح لأي شيء يدمر علاقتنا...
************
لجوارهما كانت تتأمله خلسة والبسمة الحالمة تزين شفتيها، لم تمتلك الجراءة يوماً لتتطلع إليه مثلما تتأمله الآن، لا تعلم بأنه يغلق عينيه عمداً لتستمر هي بتأمله، اقتربت منه "شجن" وهي تراقبه جيداً، ثم مالت برأسها على صدره، تستمع دقات قلبه برجفةٍ سرت بجسدها فشعرت بنبض جنينها وكأنه يتعرف على صوت دقات أبيه، أغلقت عينيها بقوةٍ وهي تنعش ذاتها برائحة البرفنيوم الخاصة به، وفجأة تصلب جسدها حينما شعرت بحركة ذراعيه تتطوق خصرها بقوةٍ وتملك فلم تجد ما تفعله سوى الاختباء حرجاً مما كانت تفعله وخاصة حينما همس بآذنيها:
_هعمل نفسي نايم كل يوم..
ابتعدت عنه وهي تدفعه بعيداً عنها، فتمسك بيدها ثم أجبرها على البقاء بداخل احضانه ليغمز وهو يردد بخبثٍ:
_مستحيل هتخرجي بسهولة، لأن ده مكانك الطبيعي، لسه عندك اعتراض!..
اشرق وجهها ببسمةٍ رقيقة فاغلقت عينيها بارتياحٍ على صدره حتى وصلت الطائرة مطار القاهرة الدولي لتعلن عن وصول الطائرة الخاصة للجوكر والاسطورة لمواجهة مصير غامض وحرب سيخوضها كلاً منهما بجانب الاخر...
#ترقبوا... #الاقوى_قادم..
#الجوكر_والاسطورة5..
#بقلم_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
******_________******
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل السابع 7 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة5.......(#متى_يهتدي_الوصال؟..)..
#الفصل_السابع_والأربعون...
اختارت الجلوس في ركنٍ مظلم بعيداً عن ضوء القمر الذي يتسلل لشرفة غرفتها، اختارت العتمة المشابهة لما يغمس قلبها من وجعٍ حجمه يزداد عن طاقتها، تعلم بأن الاحاسيس التي تضاربه رغماً عنه، فالمواجهة بينهما ساعدتها على معرفة ما يدور بداخله، التقطت اذنيها صوت الأقدام التي تقترب من غرفتها، فأسرعت للفراش لتتصنع النوم لعدم رغبتها في مواجهته وخاصة الآن، فهي تنتظر وصول "مراد" كما أخبرها، فُتح الباب بحرصٍ على الا يصدر أي صوتٍ قد يوقظها أو يشعر به أحداً، ثم تسلل هذا العاشق المجروح ليقف على عتبة غرفتها، ربما بالماضٍ لم يمتلك هذة الجرءة ليفعلها؛ ولكنه الأن مزق كل الخيوط الحمراء التي قد تبعده عنها، ليتها ترى حالته الغريبة، ليتها ترى عينيه المظلمة وكأن شعلة الفرح المضيئة قد انطفأت للأبد، ردد "مروان" بصوتْ منخفض ولكنه كان مسموع لها:
_أنتِ ليا أنا ومش هتكوني لغيري..
ثم غادر على الفور من أمامها، خشيةٍ من أن يفعل ما لا يحمد عليه، غادر وترك الدموع تتناثر من عينيها المستيقظة فما أن تأكدت من مغادرته حتى جلست على فراشها تضم ركبتها لجسدها بقوةٍ والدمع ينسدل تبعاً على وجهها الرقيق!..
******************
النوم راحة لخالي البال، أما هو فأصبح عدوه المتنافر، مازال الخوف يعتمر به خشية من أن لم يتمكن من حب ابنه الذي تحمله برحمها، إتكأ "ريان" على الوسادة وهو يراقب زوجته الغافلة لجواره بإرهاقٍ بادي على جسدها الهزيل، تحولت نظراته لبطنها؛ وكأنها ستنفذ لداخلها ليرى ملامح هذا الجنين، رفع أصابعه ليقربه منها ببطءٍ شديد حتى لامس موضع جنينه فشعر بقشعريرة تهز جسده وكأنه يستسلم لهذة الموجة الغامضة من المشاعرٍ اللطيفة التي غمرته، قربها "ريان" إليه ثم تمدد ليستند برأسه على كتفيها ويديه تتحسس بطنها برفقٍ، فأخذ يهمس بصوتٍ منخفض لابنه عله يغفر له عدم الترحاب به..
***************
_"حنيـــــــــــــــن"!!...
استيقظت بانزعاجٍ حينما استمعت لصوته المنادي أكثر من مرةٍ وحينما كانت تتجاهله عمداً لتستكمل نومها كان يرفع صوته الغاضب علها تفزع من نومتها الهنيئة، فتحت عينيها فوجدته لجوارها، فقالت بابتسامةٍ صغيرة وهي تفرد ذراعيها بالهواءٍ:
_بتصحيني ليه وصلنا!..
بسمة ساخرةٍ رسمت على طرفي شفتيه وهو يتابع حركاتها الطفولية، فقال وهو يلف الغطاء الثقيل حول ابنته الصغيرة:
_لو عجباكِ الطيارة ريحي فيها ولم تزهقي أنتِ عارفة طريق الرجوع كويس..
وتركها تستشاط غضباً ثم لحق "برحيم" و"شجن"، جحظت عينيها في صدمةٍ وهي تردد ما قيل دون وعي:
_أبات في الطيارة نهار اسود ده مستبيع بقا..
فنهضت عن مقعدها المريح ثم ركضت خلفه رافعة صوتها الغاضب:
_أصدق انك تعملها ما أنت خلاص بنتك شرفت الدنيا معتش فيه اللي تخاف عليه!..
استدار "رحيم" خلفه ليرى ماذا يحدث على درج الطائرة فوجد "حنين" قد بدأت حملة هجومها المعتاد على أخيه، توقفت "شجن" عن هبوط الدرج ثم استدارت لتتابع ما يحدث باهتمامٍ شديد وخاصة أن ما تتحدث به حنين هى توابع لظاهرةٍ ستخوضها هي فيما بعد، وقف "مراد" على أول الدرج وهو يزفر بمللٍ من مشاجراتهم العلني أمام الحرس وأخيه وزوجته، فقال بتذمرٍ:
_هو أنا اتجوزتك علشان تخلفيلي يا بنتي! ، فكك من أحداث الفيلم الهندي اللي عايشاه ده.
أجابته بعدم وقفت مقابله، لتشير بأصابعها بغضبٍ:
_يعني أفهم ايه من كلمتك دي، لما تاخد البت وتقولي اما تفوقي أنتِ عارفة الطريق!..
فرك جبينه بألمٍ، فأشار للمربية التي تقف من خلفها قائلاً بثبات وحزم:
_خديها، السواق تحت هيوصلك للقصر علشان الجو برد عليها.
أومأت برأسها بوقارٍ لهيبته المخيفة، ثم هبطت تجاه السيارة التابعة له، بعدما تخطت "رحيم" و"شجن" التي ترسم خطوط جديدة فتتخيل كونها محل "حنين" و"رحيم" بمحل "مراد" ، وما ان تحركت السيارة لتتابعها سيارة حرس "مراد زيدان" ولم يتبقى سوى "حازم" بانتظارهم اتباعاً لأوامره، هنا تحدث بضيقٍ شديد بعدما قطع المسافة بينهما ليصبح امامها بلى مفر:
_أنتِ عايزة ايه دلوقتي يا "حنين"، هنا عاملة مشاكل وبره مصر عاملة مشاكل نفسي مرة أشوفك هادية وطبيعية وتفكيرك منطقي!..
تمسكت بحافة الدرج وهي تحدجه بنظراتٍ قاتلة، لتستكمل موجتها الحارة المندفعة:
_شوفت بتقرب مني ازاي، عايز تزقني من هنا علشان اموت وترتاح مني ومن زني..
أجابها بابستامةٍ ساخرة:
_أه، ده أنتِ عارفة انك زنانة بقى..
وقفت مقابله فارتطمت بصدره كالكرة لتعود لمحلها مجدداً ولم يغير الامر شيئاً من حدة صوتها:
_" مراد" يا زيدان متغيرش الموضوع..
خلع "رحيم" جاكيته ثم القاه لحازم بضيقٍ شديد، ليشير لشجن بأن تتنحى ليصعد الدرج بعدما كان على وشك الصعود للسيارة، وقف اسفلهما بقليل ثم قال:
_مجبلكمش سطور وسلاح ونفض الليلة دي!..
نُقلت نظرات الجوكر الغاضبة إليه، فتركهما وتوجه بالهبوطٍ قائلاً بملل لأخيه:
_هاتها..
أسرعت خلفه تتابعه بعدما صعد احدى السيارات ليقود بذاته مغادراً من أمام عينيها بينما العاصفة المسيطرة عليها لم تهدأ بعد، فرفعت صوتها وهي تنحني على حافة الدرج عله يستمع اليها:
_أيه هاتها دي، كيس جوافه أنا!..
اشتد غيظها حينما لم تجد رداً منه فاستدارت لتجد "رحيم" من امامها يحدجها بنظراتٍ قاتلة، تكاد تفتك بها، حكت جبينها وهي تشير له بارتباكٍ وخوف جعلها تتلعثم:
_يعني يرضيك اللي قاله وعمله، ده آآ... ركب عربيته وشحن بنته في عربية وخلع وبيقولك هاتها وكأني بطيخة قرعة أو آآ..
ثم لعقت شفتيها لصمته ونظراته الساكنة فقالت بخوف:
_هنروح ازاي يا باشا!..
منحها نظرة أخيرة قاتلة وهو يتجاهل حديثها المتكرر، ثم هبط بغرورٍ لسيارة "حازم" فجلس لجواره، اخفى "حازم" ابتسامته بصعوبةٍ وهو يفتح باب السيارة في استقبال "شجن" و"حنين"، ثم جلس ليتحرك بهما للقصر...
*****
بالخلف..
تطلعت لها "شجن" بارتباكٍ فقالت بصوتٍ ظنته غير مسموع لمن يتابعها بالمرآة:
_الكلام اللي كنتِ بتقوليه من شوية ده صح!..
انزوى حاجب "حنين" وهي تسألها باندهاشٍ:
_كلام ايه ده؟..
ابتلعت ريقها بتوترٍ، وهي تجيبها:
_ان "مراد" اتغير بعد الولادة وكده!..
تأملتها لوهلةٍ وهي تحاول إلتماس جديتها، فأنفجرت ضاحكة لتشير لها بعدم تصديق:
_أنتِ مش معقولة يا شجن، طيبة وبتصدقي أي حاجة بسرعة..
سألتها باستغرابٍ:
_تقصدي ايه؟..
عدلت من حجابها وهي تجيبها بتسليةٍ واضحة:
_بصي أنا طبع في دمي اتخانق مع "مراد" على اي سبب وأي حاجة، هتقولي تافهة أو مجنونة هقولك عارفة وبحاول بس والله أنا بعشق اتخانق معاه وأنكشه..
لوت شفتيها في سخطٍ عظيم فتعالت ضحكات "حنين" وهي تتابع انفعالاتها الغريبة، ثم قالت بصعوبةٍ للتحكم بضحكاتها:
_أعملك ايه ما أنتِ اللي حزمة نكد ماشية على الأرض وأنا فرفوشة والكمية بينا مستحيل تظبط وأهو مراد كده، حازم زيادة عن اللزوم وطبعه جادي اوي وأنا كده مش هعرف أتأقلم معاه فبصنع جو خاص بيا أنا..
قالت كلماتها بكل فخرٍ، فردت عليها "شجن" بسخريةٍ:
_جو ليكي بالخناق كل دقيقه..
هزت رأسها بتأكيدٍ، فابتسمت "شجن" رغماً عنها وهي ترى لهجتها المغرورة وكأنها تصنع انجاز عظيم...
*************
وصلت السيارة القصر فهبطت "حنين" أولاً لتسرع للداخل باحثة عن رضيعتها، فتح "رحيم" باب السيارة فهبطت "شجن" بخطواتٍ متكاسلة، وكأنها لا تود الصعود رغم تأخر الوقت للغاية، ولم يتبقى على الصباح سوى ساعات قليلة، وقفت أمام باب القصر الداخلي تتأمله بتشتت وحينما هم بالاقترابٍ منها قالت وعينيها تتحاشى التطلع له:
_ممكن أقعد شوية في الحديقة؟..
رفع ساعة يديه اليه وهو يجيبها باتزانٍ:
_مش شايفه ان الوقت متأخر شوية وأنتِ اكيد راجعة تعبانة من السفر..
هزت رأسها بالنفي، فأشار بيديه بهدوءٍ، تحركت "شجن" تجاه الأرجيحة البيضاء التي تتوسط زهور الاوركيد فجلست عليها ثم استندت برأسها على حبالها المصنوعة بالحديد المطلي باللون الأبيض، انعشها الهواء بصورةٍ ملحوظة، فأغلقت عينيها تستمع بالأجواء المثيرة ورائحة الهواء النقي الذي يسبق الفجر قبل سطوعه، لوت قدميها ارضاً بألمٍ لارتدائها حذائها ذو الكعب المرتفع لأكثر من سبع ساعات سفرها، فتعجبت حينما تخلل الهواء بين أصابع قدميها، فتحت عينيها لتجده ينحني أمامها ويحرر حذائها برفقٍ، كاد بأن يخلع عنها حذائها الأخر فنهضت سريعاً وتراجعت للخلف قائلة بذهولٍ:
_أيه اللي بتعمله ده، مينفعش توطي كده!..
فهم مقصدها وهي توزع نظراتها بالحديقة من خلفها خشية من يراه احداً هكذا، ظل "رحيم" بمحله وابتسامته الصغيرة ترسم على شفتيه بحرافيةٍ، فجذب معصمها برفقٍ ثم ارغمها على الجلوس مجدداً ليستكمل خلع الحذاء الأخر وهو يقول دون التطلع لوجهها:
_مفيش حاجة تهمني أد راحتك يا "شجن"..
شعرت بأن ريقها قد جف من فرط التوتر، جسدها تسري به حرارة لا تعرف مصدرها بمجلسها هذا، جلس لجوارها ويديه تتمسك بيدها، وجوده لجوارها يجعلها مرتبكة أكثر مما هي عليه، تفشل كل مرة بتحديد اي نوع يختاره حينما يتودد اليها، أخوفٍ من هيبته أم هو من يجعل كل تلك الامور مهلكة أمامها، تراه شخص حينما يكون لجواره، وشخصٍ أخر حينما يحضر مجلسه بشراً، حاد الطباع هو أم يشبه الأوركيد في تعامله، قاسي حينما يتحدث وحنون بنظراته اليها، سحبت نظراتها الجريئة تجاهه بخجلٍ فتصنعت تتطلعها للأزهار من حولها، ابتسم" رحيم" وهو يربع يديه أمام صدره ثم بقدميه دفع الأرجيحة برفقٍ ليجعلها تهتز، تفاجئ بها وهي تتحدث بارتباكٍ:.
_أنت كنت سامعني وأنا بتكلم مع "حنين"! ..
اجابها في ثقةٍ:
_سامعك وبراقبك في أي مكان اكون معاكي أو مش معاكي فيه..
ابتسمت وهي تتطلع له لتجيبه بسخرية:
_تقصد بتتجسس بالكاميرات..
توقف عن هز الأرجيحة وقرب وجهه منها حتى صار مقابلها ليخبرها بغرورٍ:
_مسمهاش بتجسس، قولتلك ألف مرة انتي تخصيني..
ظلت العينين في عناقٍ طويل، ليزيد هو من القرب، هامساً أمام وجهها:
_واللي يقربلك أحرقه حي!..
أنتعش قلبها بنبضاتٍ زادت من الشوقٍ اليه، فتمنت لو احتضنها بتملكٍ يشابه قوة حديثه الهائم بالغزلٍ الصريح إليها..
****************
بحثت عنه بالأرجاءٍ فجذبها الضوء القادم من المطبخٍ، أسرعت بخطاها اليه، فاستندت بجسدها على البراد وهي تتابعه يعد مشروبه المفضل حتى في هذا الوقت المتأخر.
_لو تطلعي أوضتك يبقى أفضل.. فزعت"حنين" للغاية حينما استمعت للصوت الذي خاطبها دون أن يستدير، فكانت تظن بأنه لا يشعر بوجودها وخاصة بتحركه بأريحية كبيرة، اقتربت منه وهو يخرج الليمون المثلج ليضعه بكأس النعناع الفرش، وقفت من أمامه وهي تجاهد برسم دور الحزينة:
_مشيت من غيري!..
استند بيديه على رخام المطبخ وهو يرتشف بتلذذٍ عجيب، فخاطبته بغيظٍ:
_بكلمك أنا على فكرة..
وضع الكأس بقوةٍ جعلت صوته يضج، ثم وقف قبالتها وهو يجيبها بنفس نبرتها:
_وأنا مطنشك على فكرة..
ابتسمت وهي تتأمله عن قرب لتبدأ رحلتها الخبيثة في الانتقام، فغمزت بعينيها:
_أنت عارف أنا نفسي في ايه؟..
خانته افكاره، فتعمق بعينيها وقد تسنى له دور برائتها الزائف، فلف ذراعيه حول خصرها وهو يخبرها بصوته المنخفض:
_لا عرفيني أنتِ..
خطفت نظرة سريعة اليه ثم قالت بضحكةٍ انتصارٍ لما توصلت اليه من نتائج مبهرة:
_في أومليت من أيدك الحلوة..
اعتدل بوقفته وقد تحولت نظراته لهلاكٍ، فاستطردت ببراءةٍ مصطنعة:
_ بطني خللت من اكل الطيارة اللي شبه مستشفى العزل ده!..
تراجع للخلف وهو يستكمل محتويات كوبه الموضوع، ليجيبها ببرودٍ:
_اعمليه لنفسك..
رمقته بنظرةٍ متعصبة، فتحركت تجاه البراد لتخرج البيض ومحتويات ما ستصنعه قائلة بضيقٍ:
_مش محتاجة منك مساعدة انا هعرف أعمل لنفسي تصبيرة..
ثم تقدمت لتتصنع اشعالها للشعلة عله يتحرك ويمنعها، فهو يعلم بأنها لا تعلم بامور الطبخ وغيره من وصفات سهلة للغاية، تابع "مراد" ارتشاف مشروبه ببرودٍ، فأخرجت "حنين" هاتفها ثم بحثت على اليوتيوب عن وصفتها، ثم شرعت في تنفيذها، تناست تماماً امر الملعقة حينما افترض بها أن تتذوق ما أعدت علها تستكشف ان كان الملح مضبوط، فغمست اصابعها بالمقلاة ثم اسرعت بوضعه بفمها وهي تصرخ بألمٍ شديد، أسرع إليها ليجذبها تجاه صنوبر المياه قائلاً بضجر:
_غبية ومجنونة!..
غسل أصابعها بالمياه جيداً ثم اشار لها بغضبٍ:
_اطلعي بره يا حنين بدل ما وربي أرتكب جريمة قتل هنا ومش هلوم حد غير حظي التعيس اللي وقعني معاكِ!..
ابتسمت وهي ترد عليه بمشاكسةٍ:
_حظك وقعك مع واحدة مجنونة ولسانها سليط والدنيا كلها بتجري وراها علشان تقتلها، وبعد ما خلاص الدنيا ضحكتلها وهتعيش بسلام تقرر هي اللي تقتلك بسكتة قلبية عنيفة.
توقعت ان يشاركها الضحك ولكنها وجدته متجهم الملامح، يرمقها بنظراتٍ باردة كادت بأن تبتر عنقها، فجذبت أحدى ثمار التفاح الموضوعة لجوارها، ثم اسرعت بالخروج قائلة ببعض الخوف:
_هستناك برة متتاخرش لحسن هموت من الجوع..
ألقى المنشفة الورقية عن يديه بغضبٍ وهو يتطلع للفوضى العارمة التي تسببت بها لصنع وجبة من الطعام وان كانت فاشلة، حرك رأسه يساراً ويميناً وهو يردد بيأس:
_مفيش فايدة!..
لملم ما صنعته ثم وقف يصنع لها البيض المخفوق مع قطع السجق الشهي...
************
بالخارج..
غفلت بين احضانه على الحشائش الخضراء وسط حقبة الزهور العطرة، أغلقت عينيها بامانٍ تلتمسه بوجوده، تعلم بأنه سيكون حمى لها وسيحرص بأن يجعلها غير مرئية للجميع في الصباح، توج ضوء القمر عاشقين تتوسط أجسادهما الزهور والاشجار، يدها في أحضان يديه واليد الاخرى تتمسك بقميصه بعدما لف جاكيته الاسود عليها ، غفلوا سوياً من شدة الارهاق بعد رحلة شاقةٍ، ولم يعد بموسعهما الشعور بشيء سوى صوت الأنفاس..
*************
انتهى "مراد" من تحضير صينية مثالية لها، فخرج اليها ليقف محله بدهشةٍ اشرقت على شفتيه ابتسامة عاشقة، حينما وجدها غافلة على الاريكة وفمها مفتوح على أخره بقطع متباقية من ثمرة التفاح التي تتمسك بها بين يدها، وضع الصينية عن يديه على الطاولة، ثم اقترب منها وهو يمسد بيديه على كتفيها:
_"حنين"!..
تأكد من غفلتها الشبه محالة استيقاظها منها، فجذب ثمرة التفاح من يدها بابتسامة تتسع كلما وجدها تتمسك بها، ثم حملها برفقٍ ليصعد بها الدرج للأعلى، ليضعها على فراشها بهدوءٍ ثم داثرها بغطاءٍ ثقيل عله يحفظها من البرودة، ثم تمدد لجوارها وعينيه لا ترى سوى وجهها القريب منه..
****************
غيمة الليل تزيد من وجع العاشق المجروح، فلا يتمكن من اتخاذه مأوي لآوجاعه، حتى "فاطمة" فقد نالت نصيبها من كأسه المرير، حاولت ان تغلق عينيها وتغفل بنومها عله تتمكن من الاستيقاظ باكراً لتحضير لزفافها ولكنها لم تتمكن، مازال يهاجمها هواجس تزيد من انقباض صدرها تجاه تغير "يامن" الملحوظ، استرقت اذنيها صوت رنين هاتفها الذي انقطع بعد ثانية واحدة من الرن، اعتدلت بفراشها ثم شعلت الضوء والتقطت هاتفها لتجده هو، اعادت الاتصال به والدموع تهبط كالشلالٍ من عينيه فحتى الاتصال بها لم يكلف نفسه عناء طلبها برنة كاملة، اتاها صوته المتعجب:.
_كنت فاكرك نايمة!.
قالت بحزنٍ بادي بلهجتها:
_مش جايلي نوم..
=اقدر أعرف ليه!..
ازاحت دموع عينيها والتزمت الصمت فقال بحزنٍ:
_زعلانه لاني مقدرتش انزل معاكي نشتري الفستان!..
صمتها اجابة صريحة لكافة اسئلته فاسند رأسه على مقعد سيارته وهو يخبرها بهدوءٍ:
_عارف اني مقصر معاكِ، بس صدقيني يا حبيبتي غصب عني، أنا لسه نازل من المكتب حالا وحتى لسه متحركتش بعربيتي، كنت عايز اكلمك الاول ورجعت في كلامي خفت تكوني نايمة..
المبرر لموقفٍ يؤثر بالطرف الاخر أحياناً يداوي جرحه، فيعود لسعادته من جديد، وهكذا ما حدث لها، سعدت كونه يعلم بتقصيره معها، اعتذاره لها احتضنها بوقتٍ كهذا، تحرك لسانها ناطقاً بلهفةٍ:
_في الشارع بالوقت ده، طيب ارجع البيت ونتكلم..
ابتسم وهو يجيبها:
_قولتلك مكنتش هقدر ارجع من غير ما اسمع صوتك، لما مشيتي من المكتب وانتي زعلانه زعلت على زعلك بس مكنتش اقدر اسيب الشغل في الوقت ده صدقيني..
ازاحت دمعاتها وهي تجيبه براحةٍ:
_وأنا مش زعلانه يا "يامن" بس يارب متتأخرش كده بعد الجواز..
أجابها ممازحاً:
_نعم، ده انا بعمل كل ده علشان متنقلش من البيت وافضى لسفرية لندن..
تساءلت باستغراب:
_أنت مسافر!.
رد بمشاكسةٍ:
_وأنتِ قبلي يا هانم هو شهر العسل بيبقى من طرف واحد ولا ايه..
رسمت البسمة على وجهها وتسللت الفرحة لاعماق القلب، لتتابع حديثها معه حتى وصل للمنزل وغلبه النوم، عوضها بتلك المكالمة عن شقاء يومها المحزن ولكن ترى بماذا سيعوضها عما سيتسبب لها بعد الزواج من ألمٍ عاصف؟!..
****************
اشرقت شمس يومٍ جديد، حيث عبق الهواء رائحة القهوة التي صنعتها "نجلاء" ثم وزعتها على المائدة لتصبح جاهزة باستقبالهم، هبط "طلعت زيدان" للأسفل، فابتسم حينما رأها ترتب الطاولة العريقة بأصنافٍ متعددة من الجبن، غازلها بكلماته المعسولة وهو يجلس على مقعدها:
_تسلم أيدك على الجمال ده..
طبطبت بيدها على كتفيه وهي تخبره بحبٍ:
_الف هنا يا حبيبي..
هبط "مراد" ورحيم هو الأخر، ثم لحق به "جان" و"ريان"، و"سليم" الذي زفر بضيقٍ من تصرفات آدم الغريبة، فمنذ الصباح وهو يتبعه كظله لا يعلم بأنه مكلف بالأمر من قبل زوجته، جلس الشباب على سفرة الطعام، دون الفتيات بأكملهم وكأنهن تحالفن على مساعدة بعضهن في هذا اليوم، فبعضهن تقاسمن ما بين معاونة "فاطمة" و"سما" لتلاحق زفافهن تباعاً، والاخرون يعاونون "ريم" لما تعده لزوجها، لم يتواجد بالقصر سوى "شجن" و"يارا" و"حنين" التي هبطت للاسفل مؤخراً..
ارسل "مراد" برسالةٍ نصية ليارا يخبرها بها بالمكان الذي سيقابلها به خلال ساعة بعد أن ينتهي من الطعام حتى يتحدث باريحية بعيداً عن القصر..
وضعت "نجلاء" طبق ضخم في منتصف الطاولة وهي تقول بابتسامة فخر:
_أحلى فطير من صنع ايدي..
أجابتها شجن بتأكيد على كلماتها:
_احسن واحدة بتعمل فطير وعن تجربة..
التقطت حنين احداهن وهي تتناولها بلهفةٍ:
_الله عليكي يا نووجة تحفــــــــة بجد تسلم ايدك..
التقطت نجلاء واحدة لتضعها أمام مراد واخرى امام رحيم والشباب قائلة بحنان:
_الف هنا يا حبيبتي..
وزع طلعت النظرات فيما بينهما ثم تساءل باستغرابٍ:
_أمال فين "فارس" و"مروان"؟..
اجابه ريان على الفور:
_فارس مع يوسف في مشوار، ومروان معرفش راح فين..
اتاه الرد من خلفه:
_أنا هنا..
استدار الجميع تجاهه وخاصة "يارا"، كانت نظراتها مرتبكة ما بين التطلع اليه او اخفاء عينيها بعيداً عنه خجلاً مما فعلته، تركزت نظرات" مروان" على الجوكر الذي يراقبه ببرودٍ، وثباتٍ فتاك، فجلس في مقابلته وقد طالت نظراته عليه، لوهلةٍ شعر "ريان" بأنه يعلم بأمر ابيه، فنظراته صوب مراد غير طبيعية بالمرةٍ، دق هاتف القصر بصوتٍ طرب آذان من خطط للانتقام من الجوكر المزعوم بالقوةٍ والسلطة، اراد أن يسلب حياته أولاً قبل أن يثأر منه، أجاب احد الخدم ثم وضع السماعة على الطاولة الصغيرة المستديرة، ثم اقترب منهما ليقول وعينيه ارضاً:
_مكالمة لحضرتك يا "حنين" هانم..
قالت باستغرابٍ وهي تلوك طعامها:
_مكالمة علشاني أنا!..
ثم نهضت لتقترب من الهاتف، التقطت اذنيها كلمات المتصل بملامح انقبضت بتعجبٍ وصدمة كبيرة، لفتت انتباه الجميع حينما تساءلت بصراخٍ:
_اعلان وراثة أيه اللي بتتكلم عنه ، لأ مستحيل أنت بتقول أيــــــــــــه!..
.......... يتبع...................
#الأقــــــــــوى_قــــــــــادم..
#الجوكر_والاسطورة5...
#بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
بتمنى من كل متابعين الجوكر والاسطورة حتى لو بالصمت انهم يتفاعلوا على الفصل ده بلايك وكومنت برأيه بالجزء الخامس، لاني حقيقي محبطة من تفاعلكم مع الجزء ده وبقيت بفكر حرفياً أني اخلصه من غير ما احداثه كلها تكون موجودة💔..
***********___________*********
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الثامن 8 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة5..
.(#متى_يهتدي_الوصال..)..
#الفصل_الثامن_والأربعون...
كلماتٍ من صخرٍ أصابتها بألمٍ غير محتمل، لم يستوعب عقلها بعد خبر وفاة والدها لتتلاقى الخبر الذي يليه كونه قتل وعلى يد من؟.
زوجها!، ليتها لم تعلم تلك الحقيقة، ليتها لم تجيب على الهاتف من الأساسٍ، فأن كانت المشاعر القابعة بداخلٍ صدرها بالأختيارٍ لكانت اختارت البكاء علها تشعر بالارتياحٍ، ولكنها مازالت تتمسك بسماعةٍ الهاتف بيدٍ مرتجفة وعينيها مسلطة لمن يقف على مسافةٍ منها، مهامه الشاقة منحته القدرة على قراءة لغة العيون، وخاصة زوجته، تمكن "مراد" من استنتاج ما عرفته من تلك المكالمة التي أفسدت تعابير وجهها بصورةٍ ملحوظة، نهض عن مقعده ثم اقترب منها ببطءٍ، وكأنما يهيئ ذاته لما سيحدث فيما بعد، وقف مقابلها وهو يجاهد بثباتٍ لهجته:
_أنتِ كويسة يا "حنين"؟.
وضعت الهاتف عن يدها وهي تتأمله بصمتٍ، نظراتٍ قوية، مشككة فيما استمعت اليه لتو، لا يعقل أن يكون زوجها القاتل، ليتها ماتت قبل أن تستمع لتلك الحقيقة، كيف يقف أمامها ويتساءل عن حالها؟!!..
بالكد تحرك لسانها ناطقاً:
_أنت اللي قتلت بابا؟..
كان يعلم أن تلك الحقيقة ستكشف ذات يومٍ ولكنه لم يكن مستعداً لذلك، وخاصة بعد أن تلاشت المسافات بينهما، أمسك" مراد" بيدها وهو يتماسك بذاته في محضر الجميع، فقال بثباتٍ:
_خلينا نتكلم فوق.
كانت تنتظر اجابة ينفي بها ما طرحته على مسمعه، ولكن رغبته بأن ينفرد بها يؤكد صدق ما استمعت اليه، انتشلت ذراعيها من بين معصمه وهي تعيد سؤالها مجدداً بانفعالٍ:
_جاوبني على سؤالي وهنا..
نهض "طلعت" عن مقعده، ليهم بالاقترابٍ منهما وهو يتساءل باستغرابٍ:
_في أيه يا بنتي!..
انسابت الدموع من عينيها فكأن عالمها المعزول حجبها عن جميع من حولها فحتى سؤال طلعت لم تستمع اليه، لم تكن ترى شيئاً سواه هو، فتحرك لسانها ناطقاً:
_ليه عملت كده! ، أنت نهيت اللي بينا باللي عملته!..
ثم ازاحت دموعها وهي تجاهد لاستكمال كلماتها الثقيلة:
_ازاي مقدرتش أخد بالي من نظراتك ووعدك ليه من أخر مقابلة تمت بينا، كنت عبيطة وفاكرة انك مستحيل تقتله لأنه مهما عمل فهو أبويا! ..
فركت جبينها بقوةٍ كادت بتفتت رأسها وهي تردد في صدمةٍ:
_أنا مش قادرة أصدق أنك عملت كده، أكيد في حاجة غلط..
تابع ما قالت حتى انتهت من حديثها، فقال بثباتٍ يخفي من خلفه حزنه على ما أصابها:
_عملت كده لانه يستحق..
جحظت عينيها بصدمةٍ، لتصريحه المباشر فكانت تود سماع انكار لما نسب اليه أو تبرير لما دفعه لذلك؛ ولكن ثباته واتزان لهجته باخبارها تلك الكلمات جعل غضبها يزداد أضعافاً، فتحركت خطوتين وهي تخبره بغضبٍ:
_أنا لا يمكن أفضل هنا معاك ثانية واحدة..
وتركته محله ثم ركضت لغرفةٍ ابنتها بالاعلى، لحقت بها "شجن" على الفورٍ، انتقلت نظرات "مراد" تلقائياً على "مروان"، الذي يتناول طعامه ببرودٍ شديد، اقترب" مراد" من الطاولة، فانحنى بجسده تجاه أحد المقاعد ليحدجه بنظرةٍ مطولة تشعل العواصف بداخل حدقتيه المظلمة، نهض "رحيم" عن مقعده ليقترب منه سريعاً، مشيراً له بيديه بهدوءٍ:
_اطلع شوف "حنين"..
شدد من قبضته على مقدمة المقعد الذي كاد بأن يسقط أرضاً من فرط الضغط عليه، بقيت نظرات"رحيم" تراقب ردود أفعاله وهو يعلم ما يدور بداخله تجاه "مروان"، فدفعه للخلف وهو يعيد ما قاله من جديدٍ:
_" حنين" أهم!..
بصعوبةٍ بالغة سحب النظرات التي تحاوطه ثم صعد خلفها وبداخله يتوعد اليه بالكثير، صاح "طلعت" بعصبيةٍ بالغة:
_ما حد يفهمني ايه اللي بيحصل هنا ده؟!.
أجابه "مروان" وهو يلوك قطعة من الجبن بتلذذٍ:
_هو أنت متعرفش أن "مراد" قتل أبويا ووالد "حنين" يا عمي ولا أيه؟..
صُدم كثيراً، فردد بعدم استيعاب:
_أيه؟!..
اندهش "سليم" من معرفته لحقيقة الأمر فخمن بأنه وراء المكالمة التي تلقتها "حنين" من دقائق، رده على "طلعت زيدان" كان بمثابةٍ اعتراف بأنه خلف ما حدث بين الجوكر وزوجته منذ قليل، غلت الدماء بعروق أخيه، فنهض عن مقعده ثم أسرع ليقف أمامه مباشرة فنهض "مروان" هو الأخر ليكون مقابله، فقال "ريان":
_أنت اللي ورا المكالمة دي؟..
شرارة عينيه زفت جوابه اليه، رفع يديه الصلبة ليهوى بصفعةٍ قوية على وجهه وهو يصيح بانفعالٍ:
_أنت عمرك ما هتتغير أبداً وتبطل تاخد قرارات من غير ما ترجعلي!..
أتاه رداً قاسي لم يتوقعه منه:
_ولا أنت كمان هتتغير هتفضل ماشي ورا رحيم زي الربوت يقولك شمال شمال، يمين يمين، تسكت عن كل حاجة وتتقبل أي حاجة تخصه حتى لو كان أبوك اللي اتقتل غدر على ايد واحد ميستهلش انه يتشبه بالانسان..
كاد"ريان" بأن يرد عليه بقسوةٍ ليفق من غفلته، ولكن صوت "رحيم" صدح بالارجاءٍ ليفصل بينهما:
_عمرك ما هتقدر تفهم أخوك ولا تفهم أي حد فينا طول ما أنت شايف "مراد" عدوك وميهموش مصالحتك..
تخلت نظراته عن اخيه ثم تطلع لمن يباغته بالحديثٍ الصريح عن طبيعة علاقته بمراد، نقلت نظراته الغاضبة اليه، فأخبره بما يضيق بصدره:
_لأن دي الحقيقة وعمره ما هيكون قريب أو حتى صديق، يمكن بالفترة اللي فاتت كنت بحاول اتقبل ده بس لحد ما كشفت خطته القذرة بعد ما كان عايز يكسرني ويوجعني بعلاقة الحب المزيفة دي.
أغلقت "يارا" عينيها بألمٍ حينما استمعت لما قاله، ودت لو تلبستها الشجاعة فتخبره بما تود قوله، فتسللت لتصعد لغرفتها، فتخشبت محلها في صدمةٍ حينما سد "مروان" طريقها، ثم جذبها لتقف أمامه، بلعت ريقها بتوترٍ وهي تحاول تحرير ذاتها من بيد قبضة يديه، ابتسم وهو يتأملها، فردد بسخريةٍ:
_أيه، خايفة أتكلم عن اللي عملتيه!..
تعمقت بعينيه المخيفة وهي تبحث عن دفءٍ فقده وهو يحارب الشيطان بداخله، فهمست بصوتها المتوسل:
_سيبني..
ضغط بيديه بقوةٍ ألمتها، فأنغمست أظافره بجلدها، أغلقت عينيها بوجعٍ والدموع تتاسب بقهرٍ وخاصة حينما تدخل "طلعت" قائلاً بعصبيةٍ بالغة:
_أنت أيه اللي جرالك يا ابني، طايح في الكل وكأن مالكش كبير!..
ابتسم وهو يجيبه بابتسامةٍ مستفزة:
_وأنت الكبير لابنك يا عمي؟، تمام يبقى تسمع بقى، ابنك طلب من بنت خالته تمثل عليا دور الحب وهي مخطوبة وهتتجوز من راجل تاني وكل ده علشان يكسرني، وبرضه هو نفسه اللي قتل أبويا، ها هتعمل أيه يا كبير!..
كانت اهانة صريحة لطلعت زيدان في محضر الجميع وعلى رأسهم "رحيم"، كاد"مروان" باستكمال كلماته اللازعة ولكنه أطيح أرضاً بين الاقدام على أثر لكمة قوية تلاقها دون أن يشعر بهويةٍ صاحبها الذي وقف أمام عينيه، فدب الرعب بالقلوبٍ حينما اصبح مروان في مواجهة من لا يرحم من يتعدى حدود بيته، كور يديه بغضبٍ مدمر وهو يشير له بأصبعه:
_صوتك ميترفعش في بيتي وعلى أبويا، ولو هتحمد ربنا فتحمده إني هسيبك تمشي على رجلك علشان أخوك اللي بتعيب فيه..
تلألأت الدموع بعين "طلعت زيدان" فلم يكن يتوقع أن يقف رحيم كالسد المنيع لأجله هو، ربما أن فعلها "مراد" لن يتعجب لذلك؛ فبالرغم من الضيقٍ الشديد الذي استحوذ عليه لقاء حديث مروان المهين الا أن موقف "رحيم" الشرس جعله يبتسم في رضا تام...
أسرع "سليم" بالتداخل حينما وجد الأمور تخرج عن السيطرة، فوضع يديه على كتفي رحيم وهو يذكره بالعهد المصان قائلاً:
_مروان غلط أنا عارف بس هو ميعرفش الحقيقة علشان خاطري متضخمش الامور، بلاش نخسر اللي عملاناه طول السنين دي..
جز على أسنانه بضيقٍ شديد، فأبيضت يديه من شدة ضغطه عليها، لذا انسحابه من القاعةٍ برمتها كان قراراً صائب حتى لا يقتله، أزاح "مروان" الدماء المنسدلة من فمه بالمنديل الورقي وقد طاح به الغضب لدرجة قاتلة، ود لو تمكن من قتلهما بتلك اللحظة، استند بجذعيه على الأريكة من خلفه ثم نهض عن الأرض ليجد "ريان" يقف أمامه كالوحش المقيد بأغلالٍ نهايتها بيد "طلعت زيدان" الذي يشير له مراراً بالا يرتكب تصرف خارج عن المحظور، يكفي ما فعله رحيم به، لذا ترك له زمام الامور ليخبره بانكسارٍ قبل مغادرته القاعة:
_ياريت كان بأيدي أختار أهلي!..
غضب "مراد" و"رحيم" والعالم بأكمله لم يشكل فارقاً بالنسبة اليه؛ ولكن كلمات أخيه وحزنه الناطق به معالم وجهه البائس مزق قلبه لشطرٍ لم يرغب بالشعورٍ بألمه الخانق، وقف "طلعت" من أمامه ولجواره نجلاء التي تهدأ من روعه وتسانده بربتها على كتفيه بخوفٍ على حالته الصحية، تحرر لسانه ناطقاً عن صفحاتٍ الماضي:
_زمان مكنش في حد بمعزة أبوك عندي، بس بمقابل الحب ده خدت عدواة وغدر مالوش نهاية، شوفت حقد كبير على مالي وسلطتي وحبي اللي مقدرتش أبينه للنور، كان ببضربني في دهري ومن غير ما أحس وجهزلي كفني والحادثة اللي بينت للكل ان طلعت زيدان انتهى وكل ده وأنا عايش ومحبوس في سجن أسوء من الموت، سنين وانا عايش شبه ميت، بسمع منه الاخبار الوحشة بس، اللي تهزني وتقهرني، وبعد كل الوجع ده كان عايزها تشوفني وانا مكسور لانه عارف كويس أن السلطة والنفوذ بالنسبالي عاملة ازاي..
صعق مما استمع اليه من معلوماتٍ مزلزلة وخاصة حينما استكمل:
_ومراد اللي أنت بتتكلم عنه ده هو اللي منع حد يعرفكم بحقيقته..
بلل شفتيه بلعابه وهو يبحث عن مخرج أو حجة مناسبة تخرجه مما وضع ذاته به فقال:
_حتى لو عمل كل ده ميدلوش الحق انه يقتله!..
هنا تدخلت يارا بالحديث، فقالت بخوفٍ وتردد:
_لو عايز تعرف الاجابة على سؤالك ده، تعالى معايا...
حدجها بنظرةٍ مطولة، ساكنة ولكن ما تخفيه مقبض، دفعه سليم برفقٍ ليشير اليه:
_روح معاها واسمع كل الحقايق قبل ما تواجه مراد وترمي عليه التهم..
كان يود سد أي حجة سيلجئ لها البعض، لذا اتبعها وهو يحاول التحكم بانفعالاته، يود بداخله لو أن يصفعها بقوةٍ على ما ارتكبته بحقه ولكن عليه التمهل لسماعٍ ما تود اخباره به..
****************
ضمتها لصدرها، تشاركها أحزانها ودموعها تشق وجنتها، تعلم جيداً ما تشعر به بتلك اللحظة بالتحديدٍ، نعم كانت تشعر بالضجرٍ وخيبة الامل حينما ترى "رحيم" يحمل السلاح او يصوب ناره على أحداً مهما كانت قوة شره، فماذا أن كان ضحاياه هو أحد أفراد عائلتها، ربتت بحنان على ظهرها وهي تهمس بصوتٍ متقطع من البكاءٍ:
_هوني عن نفسك يا "حنين".
ابتعدت عنها، بنظرة حائرة لتسألها بخوفٍ:
_اللي بيحصل ده مش حقيقي صح يا شجن!.
تعلم ما تمر به، فمسدت بيدها على ظهرها بتأثرٍ:
_اسمعيه وأعرفي ليه عمل كده..
تهجمت ملامح وجهها، فرددت بعدم تصديق:.
_اسمع أيه! ، أنا مش قادرة أبص حتى في وشه..
ومسحت بأناملها دمعاتها لتسترسل ببسمةٍ ألم:
_أنا عارفة أن بابا وحش، ومكنش بيفكر غير في مصلحته هو بس، وأني كنت أخر اهتماماته بس بالنهاية هو أبويا ودي الحقيقة اللي مقدرش أغيرها..
وانهمر الدمع من عينيها كشلالٍ شرس ولسانها ينطق بما لا تود قوله:
_قوليلي ازاي هتقبل الحقيقة البشعة دي؟ ، ازاي هقدر أكمل معاه وهو اللي قتل ابويا؟ ، ازاي هشوفه أماني وهو في نظري مجرم؟!..
أغلق هذا المحارب عينيه بوجعٍ يستهدف قلبه العاشق، لحق بها ليحتضنها بتملكٍ علها تستمع ما يود اخبارها به، اختبأ ليستمع ما قالته لشجن فعصف ما تبقى بداخله، خرج"مراد" على الفور ثم توجه بسيارته ليلحق بيارا ومروان وبداخله شعاعٍ غامض لا يفصح عما يجول بداخله أغضبٍ أم هلاك لما فعله!..
******************
استلم "سليم" رسالة على هاتفه من "فارس" بضرورةٍ التوجه لمطعم "يوسف" في التو والحال، تعجب كثيراً فالعنوان المطروح من أمامه هو بالفعل لأحد مطاعم "يوسف"؛ ولكنه يتذكر بأن افتتاحه الشهر القادم، حاول جاهداً ليستكشف حول الامر ولكن الاخر كان خبيث للغاية، فرضخ لرغبته بنهايةٍ الامر وتوجه للعنوان المحدد.
*****************
بحديقةٍ القصر..
وضعت يدها على يديه الموضوعة على حافة مقعده، لتطمنه قائلة بلهجتها الحنونة:
_متقلقش يا طلعت ان شاء الله الامور هترجع زي الاول..
أبعد يديه عن خده وهو يشير لها برأسه:
_معتقدش، أنتِ متعرفيش" مروان" يا "نجلاء"، الواد ده طول عمره دماغه ناشفة ومش بيسمع غير لنفسه وبس، يعني مستحيل يقتنع ان ابوه كان كده بسهولة...
ربتت بيدها بهدوءٍ وهي تخبره بلباقةٍ:
_مصيره هيستعوب وهيعرف ليه" مراد" اتصرف كده.
شرد بالفارغٍ وعقله هائم بأفكارٍ مزدحمة حول كناية القادم..
******************
صعد خلفها للطابق الأخير من المصحةٍ حيث تحبذ ان تقطن تلك الفتاة الغامضة بالنسبةٍ اليه، كان سطح المصحةٍ واسع للغاية، مكشوف دون أي اسوار، وقف "مروان" خلف "يارا"، يتابع نظرات عينيها بترقبٍ حتى يفهم ما تود قوله بمجيئه لهنا بالتحديدٍ، سُلطت نظراتها على" فطيمة" التي تبعد عنها مسافة ليست بقليلةٍ، وقف يوزع نظراته بينها وبين تلك الفتاة الغريبة، ليتساءل بعد فترة من الصمتٍ:
_أقدر أفهم جبتيني هنا ليه؟ ، ولا لسه في كدبة جديدة!..
استدارت "يارا" لتكون بمقابله، مشيرة اليها بأصابعها:
_جبتك هنا علشان تشوف حقيقة باباك بنفسك، اللي قدامك دي حالة من الحالات اللي باباك كان السبب في اختطافهم وهتك عرضهم ومش بس كده ده كان بيتأجر بحريتهم وبأجسامهم، كنت عايز تعرف اللي عمله هو والوزير علشان يستحق القتل، وأنا ريحتك، باباك كان قذر بكل ما تحمله معنى الكلمة واللي "مراد" عمله فيه ده فخر ليك ولأخواتك لان آآ...
بترت كلماتها حينما هوى على وجنتها بصفعةٍ مداوية وصوته ينطلق كالرعدٍ:
_اخـــــــرسي، أنتِ أيه؟! ، لسه ليكي عين تقفي قدامي وتخترعي حجج وأعذار تداري بيها على اعمال ابن خالتك القذرة!..
تلألأت الدموع بعينيها، وأصابعها تتحسس خديها المتورم، فرددت بصوتٍ يجاهد للخروج:
_دي الحقيقة اللي أنت عمرك ما هتتقبلها لان "مراد" بالذات هو الطرف التاني ليها.
اقترب منها حتى أصبح مقابلها، ليردد في سخطٍ:
_الحقيقة هي أنك أكبر كدبة دخلت حياتي، خدعتيني ومثلتي عليا علشان تكسريني زي ما هو كان عايز..
أشارت له باعتراضٍ، وهي تخبره ببكاءٍ:
_مش صح، أنت لما انقذتني من الموت مكنتش شايفاك غير ملاك الرحمة اللي أنقذني في أكتر وقت كنت محتاجة فيه للمساعدة، بس لما اتفاجئت بيك وباعترافاتك بحبي كنت مرتبكة ومش عارفة أخد قرار ما بينك وبين "علي" صديق الطفولة اللي عمره ما أتخلى عني وأقل رد لكل اللي بيعمله معايا اني اتجوزه، أخدت قرار اني أصارحك بكل حاجة بس ساعتها "مراد" منعني لانه شاف أد أيه أنت اتغيرت وممكن تتغير للأحسن، فطلب مني اني مقولكش على حاجة لحد ما تمتحن وتنجح وتكمل طريقك، وأنا كنت فاكرة باللي هعمله هكون بردلك الجميل بانقاذي من الغرق، بس مكنتش اعرف أن "علي" هيرجع مصر والحقيقة تتكشف بالطريقة دي، صدقني حاولت كتير أقولك بس آآ...
حدجها بنظرةٍ قاتلة، كلما تذكر اسم رجل أخر غيره يشتعل فتيل غيرته وخاصة هذا الذي يدعي "علي"، اختصر المسافة الامنة فيما بينهما ليخبرها من بين اصطكاك أسنانه:
_متنطقيش اسمه على لسانك تاني قدامي...
بللت شفتيها بلعابها بخوفٍ، فرددت بتردد:
_أنا مش بأيدي اختيار يا" مروان"، أنت لازم تعرف اني بآآ.....
بترت كلماتها حينما استمعت لصوته القادم من خلفهما:
_كنت واثق اني هلاقيه معاكِ هنا وعلشان كده بتتجاهلي مكالماتي برضه..
ابتعدت عن "مروان" سريعاً وهي تردد بارتباكٍ:
_"علي"!..
أمتقع وجه "مروان" بغضبٍ يكفي عالم باكمله، أسرع تجاهها حينما وجدها تقف على مسافةٍ قريبة منه، فجذبها بالقوةٍ لتقف أمامه وكأنه يخبره بما فعله بأنها تعود اليه هو، فأخبرها بحدةٍ:
_ممكن تفهميني موبيلك ليه مقفول، وليه واقفة مع البني آدم ده هنا وفي الوقت ده..
بلعت ريقها بتوترٍ وهي تشير بيدها تجاه بقعة بعيدة عنهما:
_أنا كنت بوريه حالة "فطيمة" لأن آآ..
توقفت عن استكمال كلماتها حينما وجدت المكان فارغ، فعلى ما يبدو أنها غادرت دون أن تشعر بها لانشغالها بالحديث مع "مروان"، جز على شفتيه بغضبٍ وهو يردد في سخطٍ:
_أيه" فطيمة" اتبخرت! ، ولا بتدوري على حجة تانية..
كاد "مروان" أن يخرج عن ثباته بغضبٍ وحشي حينما رأى طريقته بالتعامل معها، فقال بهدوءٍ يخفي من خلفه مكرٍ كبير:
_فعلاً أنت صح مش هنحتاج لحجج علشان نتقابل مرة واتنين والف..
صعقت مما قاله، فقالت بدموع:
_أيه اللي بتقوله ده يا "مروان"!..
قال وعينيه تقابل نظرات" علي" ببرودٍ:
_الحقيقة اللي لازم يعرفها يا روحي..
خرج عن طور التحكم بأعصابه، فناوله لكمة كادت باصابة فكيه فتفادها "مروان" سريعاً، ثم ركله بقدميه ببراعةٍ، جعلته يسقط أرضاً من فرط وجعه، ثم انهال عليه بعددٍ من اللكمات المتفرقة فكاد بأن يفقد واعيه، أسرعت اليه "يارا" لتخاطبه في هلعٍ:
_لا يا "مروان"، كفايا..
وجد لجواره فانوس صغير بداخله مصباح، موزع على السطح المربع بشكلٍ متفرق، فضربه أرضاً ليتحطم اجزائه الزجاج، فقربها" مروان" من رقبته بشراسةٍ، فعاد لواقعه حينما على صوت بكائها مع رجاءٍ ملح بتركه، وبالفعل ألقى عن يديه قطعة الزجاج ثم كاد بالتوجه للخروج من هذا المبنى، فتح علي عينيه بألمٍ، وقد أشتعل فتيل غضبه لما فعله به الأخير، فاستند بجذعيه لينهض بصعوبةٍ ونيران الثأر لما فعله تزداد تأججٍ لذا وبدون أي تفكير تحرك تجاه مروان الشارد بخطاه نحو الخروج من الباب الجانبي، فأسرع من خلفه ليدفعه بكل قوته فانجرف الأخير عن حافة السطح ليسقط عنه، فتعلقت يديه بحافته وهو يحرك جسدها بانفعالٍ ومحاولات مستميتة للصعود ولكنه لم يتمكن، صرخت يارا بصدمة وهي تردد:
_"مروان"، لأ!..
اسرعت اليه فانحنت لتحاول رفع جسده أو حتى جذب يديه ولكنها لم تتمكن من ذلك، فرددت بدموعٍ لا نهاية لها:
_مــــــــــروان..
أعماه الشيطان بداخله، فجعله يرى حل للمعضلة التي يلاقاها، عليه التخلص من هذا الشاب السمج، لذا تحرك تجاه بقايا الزجاج الملقاة ثم جذب أحداهما واقترب منه بابتسامةٍ واسعة وعينيه تتلألأ بشعاع الموت والهلاك، انحنى ليمرر قطعة الزجاج على يديه اليميني، فصرخ بألمٍ شديد، فحرر قبضة يديه عن الحافة، ولما يتبقى سوا يديه اليسرى، كاد بأن يثقبه كذلك غير عابئ بتواسلات "يارا" ولا برجائها بالا يفعل ذلك، ثقل جسده يحتمله على ذراعٍ واحد، والموت سيرحب به بعد دقائق من الان ان تخلت أصابعه عن الجسم الصلب المتعلق به، حاولت "يارا" ايقافه وهي تصرخ ببكاءٍ عاصف:
_لأ يا علي كفايا، هتقتله كده!..
لم تؤثر به كلماتها وكاد بأن يثقب يديه ولكنه تفاجئ بلكمة قوية اطاحت به أرضاً، وقبل أن يصارع حتفه وجد يد قوية تتمسك بيديه بأحكامٍ، بصعوبةٍ بالغة تحركت حدقتيه عن التطلع لمسافةٍ الأرض المتبقية لملامسة جسده، ليجد من يقف أمامه ويتمسك به جيداً دون أن يفلت أصابعه، ليرفعهما مرة واحدة حتى وقف قبالته، لقاء كذلك سيكون مشداً فيما بينهما ولكن صدمة "مروان" بمعاونة "مراد" اليه كانت لا تقص بكتب التعبير عن الاحاسيس، فنقل نظراته لعلي، فاقد الوعي على أثر ما فعله به الجوكر، وكأن حديث العالم تقلص أمام هذا الموقف، بدى مروان بحيرةٍ لم يختبرها قط، وخاصة حينما وقف قبالته في سكونٍ عجيب..
*****************
وصل "سليم" للمطعم، فصعد للطابق الثاني مثلما أخبره "جان" و"فارس"، تعجب كثيراً حينما وجد المكان بأكمله مزين بحرافيةٍ وتقنية عالية، ببدء الامر ظن بأن الزينة مهيأة لاحتفال افتتاح المطعم ولكن اسم "سليم" المزين بشموعٍ مختلفة الالوان جعلته على ثقة بأنه مهيأ اليه خصيصاً، فتش بعيناه عن أحداً قد يخبره بما يحدث هنا، شعر بأن هناك من يراقبه، فابتسم حينما وجد سهام زرقاء اللون مرسومة على الأرض لتدله على الصندوق الاول، حيث كتب بها بالخط العريض عيد ميلاد سعيد، ابتسم بسخريةٍ من حركاتٍ زوجته الطفولية، فتتابعها الى أن وصل لأخر صندوقٍ، فتحه بلهفةٍ الى أن وجد هدية ملفوفة جيداً فكشف عنها ليجدها اختبار الحمل الصغير ذو اللون الابيض البهي، ينير أمامه بخطين يخبروه ببشرى لقدوم صغير ينير العالم بأكمله..
*****************
بالقصر...
بدأت سرعة الجهاز بسرعةٍ منتظمة بالبدايةٍ، فرفعها باصبعيه ليركض بسرعةٍ مهولة كادت بأن تحطم جهاز الركض خاصته وهو يتذكر ذلك الجزء الخاص بأهانة أبيه أمام عينيه، السماعات التي يضعها على أذنيه ألهته قليلاً عن العالم الخارجي عن غرفته الخاصة بجناحه، وقفت هي من خلفه تحتضن بطنها بألمٍ شديد تناديه مرة وتليها الاخرى، بصعوبةٍ بالغة تحركت تجاهه، لتضع يدها على جسده المبتل بعرقه نظير ما يبذله من مجهودٍ مفرط، شعر بنسمة خافتة تلامس جسده الساخن، فأبعد السماعات عن أذنيه وهو يستدير من خلفه ليجدها تقف جواره تتمسك رأسها ويدها الاخرى بطنها لتردد بصوتٍ خافت قبل أن تفقد وعيها بصورةٍ مفجعة:
_رحيم!..
سقط جسدها كمن سلب روحها عنها، فأصبحت كقطعة الجماد الساكنة بين يديه، سكنت وكأنها عاهدته بتعلق نبضات قلبه بقلبها، فشعر بتوقفه، صمته كان مخيف ليحرره صوت عصف بأرجاءٍ قصره:
_شجـــــــــــــــــــــــن!...
.................. يتبع............. .............
#الجوكر_والاسطورة5..
#آية_محمد_رفعت..
********________*********
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل التاسع 9 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة5....(#متى_يهتدي_الوصال؟..)..
#الفصل_التاسع_والأربعون..
السعادة بالنسبةٍ اليه تختصرها نظرة من عينيها، لمسة من أصابعٍ يدها الرقيقة، كلمة تخبره بها عن حالها كونها على ما يرام، ولكن السعادة التي منحته الآن بخبرٍ كذلك جعله يشعر بدقاتٍ قلبه التي تنبض بسرعةٍ كبيرة فكادت بتمزق صدره لتعبر عن العالمٍ الذي خلق بداخله وليد هذة اللحظة، أطبقت أصابع "سليم" على الاختبار، دليله القوي بقدوم ما سيشهد على حبهما الخالد، طربت آذنيه بسماعٍ خطوات منتظمة تقترب منه، فأستدار ليجدها تقترب منه بفستانها المرصع بمزيجٍ من اللونٍ الأبيض والأزرق، وقفت "ريم" أمامه بابتسامةٍ صغيرة تصاحبها دمعة تتراقص بحداقتيها، سحب نظراته من أحضانٍ نظراتها ليتطلع لبطنها بنظرةٍ مطولة، ابتسم بعدم تصديق كونها تحمل ثمرة عشقهما، فرفع يديه مقرباً منها إختبار الحمل وهو يردد بعدم تصديق:
_ده حقيقة؟..
هزت رأسها بخفةٍ، فجلت أحبالها الصوتية لتخبره على استحياءٍ:
_أنا حامل في شهري التاني وكنت مخبية عليك علشان أفاجئك باللحظة دي، وأشوف الفرحة في عيونك...
لامست أصابعه خديها، فقربها إليه يقتبس من عبيرها، ابتعد ليستند على جبهتها وهو يهمس بأنفاسٍ تكاد تحرقها:
_هحبه أكتر من نفسي لأنه منك يا "ريم".
ابتسامتها أشرقت على وجهها لتنيره كالشمس الساطعة التي تنير ليلٍ كحيل، فأن كانت العتمة استحوذت على عالمه فكانت هي شمسه الساحرة، تسللت أصوات الموسيقى الهادئة لتمزج عالمهما بأنشودتها الخاصة، رفع يديه ليقربها منها والأخرى خلف ظهره ليشير لها بحبٍ:
_تسمحيلي؟..
قدمت اليه يدها دون شك، فخطفها كالفارس، يتحكم بحركاتها بخفةٍ وبراعةٍ، كانت رؤياها مشوشة من حولها الا من رؤية عينيه، انقطع العالم من حوله الا من نظراته الجريئة، لتسحبها على مهلٍ بعالم خاص بهما سوياً، فقضوا الليل بين الشموع وضوء القمر وخبر حملها بجنين سيقربهما حتى الموت..
****************
وقف يتطالعه بنظراتٍ حائرة، فلطالما ظن بأنه يمقته كثيراً، حتى أنه كان متأكداً إنه إذا رأه على حافةٍ الموت سيتركه يموت بصدرٍ رحب؛ ولكن ماذا حدث لينقذه من الموتٍ بأخر ثانية!..
نهض"علي" لينفض ثيابه المتسخة بنظراتٍ متعصبة تستهدف "مراد" الذي تدخل بأخر ثانية لينقذه من براثينه، فوقف مقابله وهو يردد بعصبيةٍ بالغة:
_مسبتنيش ليه أخلص عليه، أتعدى حدوده وأنا مش هرحمه..
كان يظن بأنه سيأيد ما قاله بحماسٍ لمعرفةٍ الكره الذي يكنه "مراد" إليه، ولكنه تفاجأ به يقف أمامه ويحدجه بنظراتٍ قاتلة، فتحرر صوته الثائر:
_قبل ما تفكر مجرد تفكير إنك تأذيه فكر في اللي ممكن يحصلك مرتين، لأن الندم مش هيكفيك وقتها..
جحظت عين "علي" بذهولٍ، فهو يعلم جيداً بتوتر علاقة "مروان" و"مراد"، فردد باستنكارٍ:
_أنت عايزني أصدق دور الحنية اللي بينكم ده، أنتوا عمركم ما هتتصافوا لبعض..
أجابه ببسمةٍ هادئة وكأنه لم يستمع للجزء الاخير:
_يمكن بس الأكيد إني مش هسمحلك تتجاوز حدودك مع حد من عيلتي وأنا واقف..
ثم اقترب ليقف مقابله مردداً بهمسٍ ساخر:
_زي ما بيقولوا، أنا وابن عمي على الغريب..
سحب "علي" نظراته المتعلقة بمروان بغيظٍ، ثم غادر وهو يتحكم بغضبه بصعوبةٍ بالغة، انشق الدمع وجهها وهي تتأمل إصابة "مروان" بجانب حاجبيه، كادت بالاقتراب منه؛ ولكن سرعان ما تبلدت خطاها حينما أصابها أمر الجوكر:
_السواق في انتظارك تحت يا "يارا"..
وقفت بمنتصف المسافة بين محبوبها وابن خالتها، نظراتها تتعمق بمن يقف أمامها يمنحها نظرة معاتبة، حزينة، تراجعت بقدميها للخلف ودمعاتها تواسيها بحنانٍ، فانصاعت اليه لتغادر من المكانٍ بأكمله، تاركة خفقات قلبها تلاحقها ببطءٍ.
طاف الصمت فيما بينهما، اشراقة شمس اليوم الجديد كانت كالبشارة اللطيفة، بانجراف علاقة" مروان" بالجوكر وكأنهم على موعد مع فرصة سترمم الماضي بأكمله، خرج "مروان" عن صمته أخيراً بكلماتٍ هاجمته منذ الوهلةٍ التي قرر بها انقاذه:
_ليه مسبتهوش يقتلني ويحققلك مرادك..
بسمة صغيرة انجرفت على طرفي شفتيه، فأجابه بثقةٍ:
_عارف أيه مشكلتك يا "مروان"؟..
حدجه بنظرةٍ ساكنة، فاستطرد الجوكر بهدوءٍ:
_إنك مش شايفني غير عدو ليك، محاولتش تدي لنفسك فرصة إنك تنسى اللي فات وتبدأ صفحة جديدة، فاضية من حسابات الماضي بأحداثه..
رد مستنكراً لحديثه الغير منصف من وجهة نظره:
_وأبويا كان من حسابات الماضي برضه!..
أجابه بثباتٍ وكأن ما قاله لم يهز شعرة به:
_" عمران" طول عمره ماشي في طريق وسخ والنهاية دي كانت المتوقعة، الحقيقة بتفرض نفسها غصب عنك وعن الكل..
صحح كلماته بمفهومه الخاص:
_والنهاية دي مكنتش هتكون من غيرك صح!..
استدار برأسه للجهة الأخرى والابتسامة الساخرة مرسومة على وجهه، فيبدو بأن طريقه معه شاق للغاية، عاد لينتصب بوقفته وهو يجيبه بجديةٍ:
_من غيري او بيا، فأنا عمري ما كنت هسمح لحد يهد العيلة اللي سعينا كلنا أنها تتوحد ولأول مرة..
ثم تنهد ليستكمل بوجعٍ:
_أنا عشت عمري كله من غير نقطة ضعف، ويمكن اللي غير تفكيري كده لما بقى ليا عيلة، صحيح صغيرة بس خلتني أقدر النعم اللي حواليا وأولها أنتم، وعمران كان أكبر خطر بيهدد الروابط دي، أنا أختارت أحارب بشرف، لوحدي ومن غير أي سلاح، اتحملت الأسوء من الموت لوحدي وأنا سابق "رحيم" ألف خطوة علشان لو جرالي حاجة يكون هو بدالي ميبقاش انا وهو مع بعض...
وتمهل قليلاً ليدرس تعابير وجه من يستمع إليه ثم استكمل بحرصٍ:
_أنا عارف أنه مهما كان فهو أبوك، بس صدقني لو أبويا نفسه كان بيحاول يعمل اللي "عمران" عمله كان هينال نفس الجزاء وبدون أي تردد، بص حواليك يا "مروان" وهتشوف بنفسك عوض ربنا في "ريان" اللي عاش عمره كله بيفكر فيك قبل نفسه هتعرف أن ربنا عادل..
لمع الدمع بعينيه، فخرجت كلماته متقطعة رغم حدتها:
_بررت قتلك لأبويا علشان الموضوع يعدي، بس مش هتقدر تبررلي خدعتك ومكرك علشان يارا ترسم عليا الحب، أيه كنت بتربيني أنا كمان بأني أكمل تعليمي..
ابتسم براحةٍ وهو يخبره:
_ده اللي هي عارفاه..
انزوى حاجبيه بعدم فهم، فاسترسل ما قاله بابتسامته الصغيرة موضحاً:
_"يارا" طول عمرها وهي بتشوف أي حد بيقدملها حاجة على أنها جميلة ولازم تترد، واللي "علي" عمله معاها كانت شايفة الرد المناسب أنها تقبل تتجوز منه، حاولت أفهمها ان في فرق بين الواجبات والحب وأنها متتسرعش بس مكنتش بتسمعني، ويمكن اللي كان مهديني وقتها أن مكنش في حد في حياتها لحد ما أنت ظهرت..
ضيق عينيه بصدمةٍ، فأخبره "مراد" بالجزء الصادم:
_ابتديت الاحظ عليها علامات الحب اللي مكنتش بشوفها في علاقتها بعلي، اهتمامها بالكلام عنك، نظراتها، كل تصرفاتها كانت بتأكد ده، ولاني عارفها أكتر من نفسها كنت واثق انها هتقتل الحب اللي جواها علشان توفي بدين الصداقة، فحبيت أديلها الفرصة الكافية أنها تقرب منك وتعرفك وفي نفس الوقت هكون بدفعك انك تكمل تعليمك وتكون إنسان ناجح، ومع الوقت اتاكدت أن ظنوني كانت صح، ومبقتش تتكلم عن "علي"، نسيته تماماً..
كاد فمه أن يصل أرضاً من فرط الصدمة، وخاصة حينما أضاف" مراد":
_اللي عملته كان سببه حالة الارتباك والخوف اللي هي فيها باتخاذ القرار المناسب غير كده مكنتش هتكون في الحالةٍ دي.
هوت دمعة خائنة من عينيه القاسية، فأقترب ليقف جواره وهو يتساءل بصوته المتحشرج:
_أنت عملت كل ده!، وأنا بدل ما أشكرك دمرت علاقتك بحنين...
ابتسم وهو يجيبه:
_مش منتظر مقابل أكتر من أنك تحافظ على علاقتك بريان وباللي حواليك أما "حنين" فمتشلش همها أنا عارف هعمل أيه....
وتركه وكاد بالرحيلٍ، فتوقف حينما استمع لصوته المتلهف:
_"مراد"..
وقف محله دون أن يستدير، فأسرع تجاهه ليقف من أمامه وهو يردد بحسرةٍ وبكلماتٍ ثقيلة للغاية:
_سامحني يا "مراد"، على كل ذنب اقترفته في حقك، الكره عماني عن اللي أنت بتعمله..
ربت على كتفيه بهدوءٍ، وكأنه تقبل اعتذاره، كاد" مراد"بإستكمالٍ طريقته، ولكنه تفاجأ به يحتضنه في ودٍ ولأول مرة، ربت بيديه على ظهره بقوةٍ وفرحة تغلغلت بداخله لتوضيح الامور فيما بينهما..
**************
شعرت بأصابعٍ تعبث بخصلاتٍ شعرها، يد تضغط برفقٍ على يدها، ابتسمت بدلالٍ حينما تسللت رائحته الخاصة إليها، فتيقت بأنه لجوارها، فتحت "شجن" عينيها بتثاقلٍ، لتقابل وجهه المنحني مقابلها، حرك إبهامه على خديها برفقٍ وهو يعاتبها:
_كده تخضيني عليكي بالشكل ده، أنا قلبي كان هيقف أكتر من مرة وأنتِ مغمي عليكي ومش بتتحركي، بس الحمد لله الدكتورة طمنتني عليكي ..
ثم قدم لها الدواء قائلاً بحزمٍ:
_يلا علشان تأخدي الدوا..
خرج صوتها المتحشرج وهي تجاهد لرسم ابتسامة مرحة:
_دكتورة وأدوية أنت لحقت تعمل كل ده أمتى..
أجابها وعينيه تتعمق بالتطلع إليها، فطبع قبلة على جبينها يصاحبها قوله:
_أنا متخيلش اللي ممكن اعمله لو شوفتك في الحالة دي تاني..
ابتسمت بعشقٍ يناديه بطربٍ، فتعلقت عينيها به بهيامٍ، عاد ليضع كبسولة من الدواء بيدها، فقالت بضجرٍ:
_مش مستاهلة كل ده، انا بس تعبت شوية من السفر ومن زعلي على "حنين" اتلهيت عن ادويتي..
رد عليها بصرامةٍ:
_شيلي اي حاجة من دماغك يا "شجن" أنتِ كده بتأذي نفسك واللي في بطنك..
انساب الدمع من عينيها وهي تخبره بوجعٍ:
_"حنين" صعبانة عليا أوي، اتخدعت في "مراد" وكانت فاكراه أمانها، يطلع في النهاية هو اللي قتل أبوها!..
أجابها في ثباتٍ:
_هي متعرفش حاجة، مراد قبل ما يكون جوزها فهو ظابط وله حقوق وعليه واجبات تتخطى أي حدود العلاقات الشخصية..
سألته في ذهولٍ:
_يعني أنت مش شايفه غلط..
تأمل عينيها بصمتٍ مطول، لينهيه بأجابة ثقة:
_لا مغلطش يا "شجن"، وبكره لما حنين تسمع بنفسها الحقيقة هتتقبل اللي مراد عمله..
ثم داثرها بالغطاءٍ جيداً وهو يشير لها بتحذيرٍ:
_ممكن تنامي بقى وتبطلي كلام كتير..
ابتسمت في استسلامٍ تام بداخل أحضانه الدافئة، فسرعان ما سحبها النوم بردائه الثقيل، مسد بيديه ببطءٍ على خصرها حتى تأكد من إنتظام أنفاسها، فتسلل بحرصٍ للخارج، ثم توجه ليرى أخيه..
*************
مدد جسده على المقعد، ثم فرد قدميه على الطاولةٍ من أمامه، يعاد من أمامه المشهد من جديدٍ بتذكر كلماتها المحطمة لقلبه، عبث يديه بمفتاح الأنارة المجاورة لمكتبه، فأطفأها ثم عاد ليشغلها من جديدٍ، التقطت اذنيه صوت لخطواتٍ تقترب منه، فقال وعينيه تتأمل الفراغ:
_لسه صاحي!..
ظهر" رحيه" من أمامه، فتمدد على المقعدٍ المقابل له، قائلاً في مللٍ
_يفترض إني شريكك في كل حاجة ولا نسيت!..
بسمة ساخرة رسمت على وجه "مراد" الذي باغت بقول:
_والشريك ده مكتفاش بنصيبه من النكد هيتقاسم معايا مشاكلي كمان..
تمدد برأسه على المقعد، ثم أغلق عينيه وهو يجيبه بثباتٍ:
_قولتلك طريقنا واحد سواء كنت حلف أو عدو..
علت صوت ضحكته الرجولية، فقال "رحيم" بجديةٍ:
_حنين مش من السهل تتقبل اللي حصل..
هز رأسه مؤكداً له بنبرته المؤلمة:
_ولا هتقبل تسامعني فلاسف مفيش قدامي طريقة تاتية غير اللي قولتهالك..
أومأ "رحيم" برأسه بتفهمٍ، ثم أغلق عينيه بإرهاقٍ تام، مرت اكثر من أربعون دقيقة ليلحق به الجوكر بسباتٍ عميق، فُتح الباب بحرصٍ شديد، فدلف "طلعت" للداخل بهدوءٍ حتى وقف أمام المكتب يوزع نظراته بينهما بسعادةٍ ود لو أن يتطلع لهما عهداً كامل عله عوضهما عن حنان الأب المفقود، التقط الغطاء الخفيف من يد الخادم ثم وضعته على ابنائه بحنانٍ..
****************
تمدد "مروان" على الفراشٍ بعينين تتأمل سقف الغرفة بضجرٍ، فأستمع لطرقاتٍ خافتة على باب الغرفةٍ، نهض بتكاسل ثم فتح بابه، فصعق حينما وجدها تقف أمامه، تفرك يدها بارتباكٍ وباليد الاخرى تحمل صندوق الاسعافات الاولية، فقالت دون النظر اليه:
_ممكن تسيبني أطهرلك الجرح.
جلس على المقعد باستسلامٍ ليتركها تفعل ما تشاء وعينيه تتابعها بصمتٍ، ارتجفت أصابعها بارتباكٍ من نظراته، وخاصة بملامسة جرحه، نهضت من جواره فور الانتهاء لتشير له بحزنٍ:
_رصيدك بيخلص عند الكل يا "مروان" ، فوق لنفسك وكمل حياتك مع البنت اللي تستاهلك..
وغادرت من أمام عينيه تاركته يكاد يغلي من فرط العصبية التي استهدفته، فشعر برغبته بأن يلحق بها بأي مكان ستختاره حتى لا يسمح لذاك اللازج بأن يقترب منها..
**************
عبث "مراد" بوجهه بانزعاجٍ حينما جرح وجهه بأظافرٍ رفيعةٍ للغاية، فتح عينيه بضيقٍ شديد وهو يحاول حماية وجهه من الضربات المجهولة التي يتعرض لها، ابتسامة عدم تصديق رسمت على وجهه وهو يرى أخر من توقع وجودها لجواره بهذا الوقت بالتحديد، فردد في ذهولٍ:
_"مرين"، جيتي هنا ازاي؟!..
........... يتبع....................
ترقبوا القادم من
#الجوكر_والاسطورة5..
#بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
********_______*********
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل العاشر 10 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة5...(#متى_يهتدي_الوصال؟..)....
#الفصل_الخمسون...
حركت الطفلة يدها بتلقائيةٍ، وعينيها مسلطة للأعلى، تلامست أظافرها الرقيقة مع وجهه، ففتح عينيه بانزعاجٍ تبدد تدريجياً حينما رأى أميرته الصغيرة تتمدد على صدره في أريحيةٍ تامة، مرر يديه على جسدها الصغير برفقٍ وهو يتساءل بفرحةٍ:
_"مرين"، مين جابك هنا!..
إجاباته تشكلت على حقلة دائراتٍ صغيرة إفتعلتها دخان القهوة الساخنة التي يرتشفها من يجلس جواره، ليجيبه "رحيم" بهدوءٍ تام:
_الملاك الجميل ده لقيته مع المربية وأنا بلعب رياضة الصبح فجبتها معايا.
اعتدل بجلسته وهو يحملها بحنانٍ، فرد عليه وعينيه مشغولة بتأملها:
_أحلى صباح في الدنيا كلها..
وضع "رحيم" كوب القهوة على الطاولة المستديرة القريبة منه، ثم اقترب بجسده تجاهه، فأمسك بيد الصغيرة بين لائحة يديه الصلبة، لترسم بسمة صغيرة على وجهه رغماً عنه، فحك طرف انفه ليتساءل بترددٍ:
_بقولك يا "مراد"، هو كل الأطفال اللي في السن ده صغيرين اوي كده!..
تأمله"مراد" قليلاً، قبل أن ترتفع صوت ضحكاته الرجولية، ليجيبه بصعوبةٍ بالتحكم بانفعالاته:
_مش عارف بصراحة، يمكن لانها اول عينة فأن شاء الله المرات الجاية يكون عندي الخبرة الكافية اني أجاوبك.
حدجه بنظرةٍ صلبة، ليسأله بحدةٍ:
_مرات! ، هو أنت ناوي على ربع دستة ولا أيه؟..
حمل "مراد"،" مرين" بحنانٍ ثم وضعها على قدم أخيه، فبدى غير مرحب بالفكرةٍ، رفع "رحيم" يديه وهو يحاول جاهداً التعامل مع الصغيرة، فعلى ما يبدو لا يحسن حملها بعد، التقط "مراد" يديه اليمنى ليضعها على جسد ابنته وهو يخبره باستحسانٍ بعد ان ابتعد عن المقعد ليحملها رحيم بمفرده:
_شوفت، الموضوع بسيط.
تأملته من تقف على عتبة باب الغرفة بقلبٍ يرفرفٍ بسعادةٍ لا مثيل لها، لا تنكر بأنه ولد بداخلها شعورٍ بالقلقٍ والخوف من تعامل "رحيم" مع صغيرها، نعم تحسن معها ومع الجميع ولكن طباعه مازالت حادة وإن يكن يبذل اوسع ما بجهده، ابتسمت بسعادةٍ كبيرة منذ سماعها حديثه مع أخيه إلى ان رأته يحملها بمفرده ونظرات الحنان تلمع بزيتونية عينيه، خشيت بان يلتقطها وهي تراقبه هكذا، فرفعت يدها تطرق باب الغرفة لينتبهوا إليها، استدار كلاً منهما تجاه الباب، فأشار لها "مراد" قائلاً:
_تعالي يا "أشجان"..
دلفت للداخل بخطواتٍ بطيئة، وعينيها متعلقة برحيم و"مرين" رغماً عنها، فقال ما ان رأها أمامه:
_أيه اللي خلاكي تقومي من السرير، مش الدكتورة منبه عليكي أنك ترتاحي!..
أجابته على استحياءٍ من وجود مراد بالغرفةٍ:
_متقلقش انا كويسة..
ثم توجهت لتقف مقابل أخيه، قائلة في ارتباكٍ:
_انا كنت جاية أتكلم معاك شوية يا "مراد"، في موضوع" حنين"، أنت عارف أنها زي أختي وأنا مش قادرة أشوفها كده صدقني اللي هي فيه ده صعب عليا قبل ما يكون صعب عليها، أنا اتعودت اشوفها بتضحك على طول أول مرة اشوفها في الحالة اللي هي فيها دي..
بالرغم من الآلآم التي غلفت قلبه لسماع كلماتها المعبرة عن استيائها لشيئاً يخص محبوبته، الا أنه قال بحكمةٍ لم تتخلى عنه أبداً:
_مقدر اللي أنت فيه يا "أشجان"، بس صدقيني حنين متعرفش غير نص الحقيقة بس، متعرفش انا ورحيم واللي زينا واجهنا أيه من ورا ابوها، متعرفش هو قتل كم نفس ولا أتسبب في اغتصاب وبيع كام بنت وغربتهم عن أهاليهم، انا مش ندمان اني أقتلته لو رجع بيا الزمن لورا هقتله تاني..
كلماته المختصرة عن ما تسبب به الوزير من جرائم فاضحة جعلت الصدمة تتعمق بأحتضانها، فتحولت نظراتها لزوجها فتذكرت كلماته التي اخبرها بها أمس، لوهلةٍ شعرت بالأرتياحٍ بان ثقتها به لم تهتز أبداً؛ ولكنها لم تأتي إلى هنا لقضيتها، استجمعت شجاعتها البالية وهي توجه حديثها للجوكر الذي يتابع تأمل تعابيرها الشاردة بأخيه باهتمامٍ:
_اي واحدة فينا بتتمنى وقت زعلها من شخص غالي على قلبها أنه ميبعدش حتى لو هي طلبت ده، بتبقى عايزاه يبرر هو عمل ليه كده حتى لو هينكر ده، فياريت يا"مراد" متسبهاش لوحدها، خليك جانبها..
منحها بسمة صافية، لطالما كان يتعجب من الكمية الغريبة التي جمعت زوجته المشاكسة بزوجةٍ أخيه العاقلة، فهي الأن يعلم بأن كلاً منهن تكمل الأخرى، لم يستاء بتداخلها بما لا يعانيها بل سعد كثيراً بالنصيحة التي قدمتها إليه، حتى "رحيم" كان يظن دائماً بأن الخوف يتملكها أينما ذهبت، فكان يراها على الدوام بمفردها، لا تحبذ الاختلاط بالفتيات أو بأحداً من القصر، يرأها دائماً بصحبةٍ والدته أو بصحبةٍ "حنين"، فحتى أعظم المشاكل لم تتداخل بها فكانت بعيدة كل البعد، أما الآن فيراها بشكلٍ أخر، وكأنها تزيح كل الخطوط تدريجياً.
خرج"مراد" عن صمته حينما قال بابتسامةٍ تقدير لها:
_أوعدك ان سوء التفاهم هيتحل وقريب أوي.
منحته ابتسامة صغيرة، ثم اتجهت لرحيم الذي يتابعها بثباتٍ، انحنت قليلاً لتمرر أصابع يدها على وجه "مرين" بابتسامةٍ مشرقة سلبت لب العقل قبل ان يخفق قلبه لها بجنونٍ، حملتها من يديه وهي تشير له بهدوءٍ:
_شكلها جعانة، هجهزلها البيبرونة.
وتركتهما وغادرت الغرفة وهي تداعب الصغيرة بسعادةٍ واشتياق لحمل صغيرها..
استدار برأسه ليتابع طيفها المغادر للغرفة، فاستفاق على صوت "مراد" الساخر:
_أسطــــــورة، روحت فين!..
منحه نظرة غاضبة، فجلس لجواره وهو يخبره بلهجةٍ جادة:
_تفتكر لو ابنك طلع بطباعك دي حد هيحبه!..
اجابه بنفس بصرامةٍ لا تتناسب مع لهجة الأخر:
_لأ.
اكتفى الجوكر برسم بسمة صغيرة، ليقول وهو يرتشف من كوب قهوة "رحيم":
_بقول كده برضه..
احياناً المزح يكون وسيلة للترفيه بين الأصدقاء ولكن المزح فيما بينهما جادي للغاية حتى انه يفشل بمنحهما صوت الضحكات المنتظر!!..
************.
بغرفة"حنين"..
ولجت" نجلاء" للداخل بصينية المشروبات الباردة، لتقدمها للفتيات بعدما اجتمعن بغرفة "حنين" ليحاولن اقناعها في المشاركة بطقوس زفاف "فاطمة" ، ناولت "نجلاء" الكوب لفاطمة فرفضت أن تلتقطه منها، فقالت بضجرٍ:
_أشربي يا بنتي كده ده النهاردة فرحك عايزينك تفرحي كده..
فهمت مغزى حديثها الماكر، فأجابتها بحزنٍ مصطنع:
_وأفرح ازاي وحنين مش راضية تخرج من أوضتها ولا راضية أنها حتى تحطلي الميكب!..
قالت "سارة" بمرحٍ بعدما نهضت عن مقعدها لتجلس جوار "حنين":
_مين ده اللي مش راضية، دي"حنين" ما بتصدق حد يتجوز علشان تمكيجه مش كده ولا أيه!..
رسمت بسمة صغيرة على وجهها، فقالت "ريم" هي الأخرى:
_لا أحنا كلنا عايزين نتمكيج يا حنون، عايزين فرشة شمال وفرشة لمين، ظبطينا كده..
تعالت الضحكات بينهما، فقالت "سما" باستهزاءٍ:
_أنتي بالذات متتكلميش خالص، بقى بعد ما ساعدنكي امبارح منشفش حتى حتة جاتو طول عمرك معفنة..
تداخلت "نغم" بالحديث الساخر:
_قال يعني عبرت أختها اللي سهرت طول الليل تشرف على عمايل التورتة والحلويات!..
نهضت "ريم" عن الأريكةٍ لتتوسط بيدها خصرها:
_جرى أيه يا ولية منك ليها انتوا سيبتوا مهمتكم وفوقتولي، إن كان على التورتة والساقع فهناكل في حفلة البت فاطمة كمان ساعتين..
رددت "فاطمة" بضيقٍ ساخر:
_واطية من يومك..
صاحت "منة" بعصبيةٍ:
_يا بنات في الاهم من الاكل والشرب أحنا لسه مجهزناش اللبس وبنضيع وقتنا في الفاضي..
أجابتها "سلمى" بتأكيدٍ:
_اه والله معاكِ حق، الرجالة بتلبس في دقايق وأحنا هناخدلنا ساعتين تلاتة علشان نعجب، مش كده ولا ايه يا نوجة..
اجابتها نجلاء بابتسامةٍ بشوشةٍ:
_انتوا قمرات من غير حاجة يا بنتي..
تساءلت "سارة" باستغرابٍ وهي تتفحص الغرفة:
_محدش شاف "صباح" يا بنات، مش باينة من الصبح!..
استطردت "نغم" بذهولٍ:
_ولا حتى "اشجان" مش باينة!..
فُتح الباب، لتطل من خلفه وهي تجيبها ببسمةٍ واسعة:
_أنا أهو..
ولجت "أشجان" للداخل، لتضع "مرين" بين يد "نجلاء"، ثم اقتربت من" حنين" التي تمسكت بيدها وهي تسألها بلهفةٍ:
_الدكتورة كانت عندك امبارح ليه!..
لمعت الدموع بعينيها، فعلى الرغم مما تمر به الا أنها لم تنساها، ربتت على ذراعيها الممدود على يدها وهي تخبرها في ود:
_مفيش يا حبيبتي تعبت بس امبارح بليل شوية.
تساءلت "نغم" في اهتمامٍ:
_ليه يا قلبي، مالك بس!..
اخبرتها بابتسامةٍ صافية:
_مفيش والله، انا احسن كتير الحمد لله..
ثم تطلعت لحنين قائلة بحزنٍ:
_ايه يا حنون مش هتمكيجيني مع البنات ولا ايه؟..
تعالت ضحكات "حنين"، لتحتضنها بقوةٍ ودموعها تنسدل باصطحاب ضحكاتها، فعلى الرغم من استياء"شجن" من مستحضرات التجميل وخاصة حينما تصر "حنين" في كل مناسبة أن تزينها الا انها تطالبها بذلك الآن لتخرجها مما هي به، التفت الفتيات من حولهن ليحتضن بعضهن بمرحٍ، فابتعدت "حنين" عنهما لتسرع لخزانتها فأخرجت عُلبة ضخمة من المكيب ثم وضعتها على السراحةٍ لتشير لهن بحماسٍ:
_ها مين حابة تحط البوهية الأول..
انفجرت الضحكات فيما بينهما حتى "نجلاء" تمددت على الفراشٍ من فرط ضحكاتها، لتهمس بعدم تصديق:
_الله يجازيكي يا "حنين"..
قطعت"حنين" ضحكاتهم حينما قالت في توترٍ:
_بنات، بصراحة في حاجة كده عايزة أقولهالكم بس تمسكوا نفسكم..
رددت "شجن" في خوفٍ:
_حاجة ايه دي!..
عبثت بأصابعٍ يدها وهي تردد بارتباكٍ:
_لما "مراد" رجع من السفر، آآ.. يعني أنا... آآ.. مكنتش عاملة حسابي وكده..
ضيقت "ريم" عينيها بعدم فهم:
_حد فهم حاجة!.
أشارت لها "سلمى" نافية، فاستجمعت "حنين" شجاعتها لتنطق بسرعةٍ الصاروخ:
_انا حامل..
صعقت الفتيات، فرددت "منة" في دهشةٍ:
_حامل ازاي يا بنتي، ده بنتك لسه مكملتش ٤شهور!..
أجابتها بخجلٍ شديد:
_ما أنا قولتلك مكنتش عاملة حسابي وكده..
قالت "سما" بقلقٍ:
_بس أنتي لسه والدة قيصري يا "حنين" والفترة بين الجراحة والجراحة مش كبيرة فكده مش مؤلمة ليكي او خطر!..
تملكها الرعب فتساءلت بخوفٍ:
_خطر ازاي يعني هموت ولا أيه يا بت؟..
تعالت الضحكات فتداخلت "نجلاء" قائلة:
_ولا موت ولا حاجة يا بنتي، على أيامنا الواحدة مننا كانت بتبقى حامل على السبوع..
تساقطت الفتيات أرضاً من فرط ضحكاتهن، حتى "شجن" لم تتمالك ذاتها فجلست على الأريكةٍ حينما لم تعد قدميها تحملها، غلف قصر "طلعت زيدان" المهجور وابل من الضحك والسعادة التي حرم منها لسنواتٍ، سعادة لم تنشأ لعداءٍ أو لصراعٍ، بل ولدت بينهما بالحب والترابط الذي جدد روابط القلوب..
***********
عادت لطلب رقمه للمرةٍ التي تعدت الثلاثون مرة دون ملل، قلبها يكاد ينشطر من فرط القلق، حتى أنها لم تنتبه لطفلها الرضيع الذي يبكي على ذراعيها، لم تجد "صباح" حل أخر إختياري أمامها، لذا ارتدت جلبابها الأسود ثم عقدت نقابها لتخفي وجهها جيداً، لتسرع لغرفة "ريان" حتى تخبره بغياب شقيقه، طرقت على بابٍ الغرفة اكثر من مرةٍ، ففتح من بالداخل عينيه بانزعاجٍ شديد، فهمس بنومٍ:
_"سارة"، شوفي مين.
وحينما لم يستمع لصوتها، تحسس بيديه الجانب الأخر للفراش فلم يجدها لجواره، جذب "ريان" قميصه الموضوع على الكومود المجاور للفراش، فارتداه وهو يفرد خصلات شعره بأصابعٍ يديه، فقال بانزعاجٍ:
_حاضر.
فتح الباب وهو يحاول فتح عينيه، فردد باستغرابٍ :
_ "صباح"!..
غامت عينيه على الصغير الباكي بين يدها، فحمله ليتساءل بقلقٍ وهو يتفحصه:
_تعبان ولا أيه؟..
أجابته سريعاً:
_لا" جان" كويس..
ثم قالت بصوتٍ باكي:
_"إياد" مرجعش من إمبارح وبكلمه موبيله مقفول من إمبارح، أنا قلقانة أوي عليه..
طمنها رفقاً بحالها:
_إهدي بس الأول، اكيد بايت في الشغل أو مع حد من اصحابه...
هزت برأسها لتنفي هذا الاقتراح:
_لأ،عمره ما عملها.
قدم إليها الصغير، قائلاً وهو يجاهد بأخفاء القلق بثباتٍ لهجته:
_متقلقيش، انا هشوف جان عنده شغل معاه ولا لأ ولو مش معاه هتصرف متقلقيش..
همست برجاءٍ:
_لو لقيته ابقى اتصل بيا يا "ريان" بالله عليك..
أجابها بعدما التقط جاكيته ليرتديه على عجلةٍ من أمره:
_حاضر، بس اهدي انتي بس وأهتمي ب"جان"..
وتركها وأسرع بالرحيلٍ، فدعت الله ان لا يصيب زوجها بالسوء، وكأنها تعلم بأن هناك خطب ما يستدعي القلق!.
***********.
جلس بالحديقةٍ يرتشف عصير البرتقال الطازج، وبيده الأخرى يتفحص جريدته،ربما الارتياح النفسي الذي يشعر به جعل آلآم بدنه تتبدد كلياً، شعر "طلعت" بأنفاسٍ احداً لجواره، فأخفض جريدته ليتفاجأ حينما وجد "رحيم" يجلس على المقعد المجاور إليه، يتأمل أحد المجلات الموضوعة من أمامه بصمتٍ قاتل، ارتسمت بسمة اللهفة على وجه "طلعت زيدان"، فناده بحبٍ:
_"فريد"!..
بسمةٍ ساخرة تسللت على طرفي شفتيه، فقال ومازال يتأمل الجريدة من أمامه:
_الاسم ده بقى بالنسبالي غريب..
رد عليه" طلعت" بحيرة، عله يجهل ما يضايق ابنه:
_يعني بيضايقك ولا بيفرحك..
وضع المجلة عن يديه، ليجيبه باتزانٍ:
_مش هتفرق بالنسبالي اد ما هيكون راحة للي حواليا بأن "رحيم" لسه عايش..
سكن الحزن ملامحه لتذكره ابنه الراحل، فقطع صمته المطول حينما قال:
_من النهاردة هناديك "فريد"..
التقط أنفاسه على مهلٍ ليضمن استحواذه على اعصاب من يتابعه، فتحرك فكيه ناطقاً:
_قولتلك مش هتفرق معايا، لانه بالاخر أخويا ولا أيه!.
أنارت السعادة وجه" طلعت" البائس، فأجابه بصوتٍ حنون:
_صح يا ابني.
هز "رحيم" رأسه بثباتٍ، ثم انتصب بوقفته ليغلق زر بذلته السوداء ليخبره بغموض لهجته:
_الدنيا كانت برد امبارح، شكراً على اللحاف..
وتركه وغادر فازدادت ابتسامة "طلعت" بسرورٍ، وعينيه تتابع ابنه الذي يغادر لسيارته.
**************
جلست من أمامه وهو تحاول التهرب من نظراته المتفحصة لحالها، وجدته يتطلع لها بصمتٍ قطعته هي بتذمرٍ:
_ممكن تبطل تبصلي كده!
ردد ببرودٍ:
_حاضر..
ثم تناول الشطائر من أمامه بهدوءٍ أثار استفزازها، فصاحت بضيقٍ:
_"مـراد"!...
أكمل تناول طعام افطاره ببرودٍ، متعمداً تجاهلها، فزفرت "يارا" بانزعاجٍ، وكأنها تحاول التحكم بقنبلة ستنفجر بأي وقت، فقالت بعصبيةٍ:.
_هو احنا جايين نفطر بره القصر علشان تسكت!..
بسمة ماكرة اجتازت شفتيه، فقد وصل لمبتغاه وقد اوشكت على المشارف، استكمل تناول طعامه وهو على ثقةٍ تامة بأنها ستنفجر بما يعتليه قلبها، فما لبثت سوى دقيقة حتى قالت بانفعالٍ:
_أنت السبب في كل اللي انا فيه ده، أنت اللي خلاتني ألعب على "مروان" علشان أساعده، وغصب عني نسيت "علي" اللي المفروض خطيبي!..
ردد وهو يلوك طعامه باسترخاءٍ:
_طيب وأيه المشكلة ما تتجوزي "علي" وتسافري معاه، مهمتك خلصت خلاص!..
حدجته بنظرةٍ قاتلة، فصرخت بعصبيةٍ:
_أنت بتتكلم ببرود كده ازاي، أنا حبيت "مروان" وآآ..
تخلت عن باقي كلماتها حينما نطقت عما تخفيه بداخل قلبها، ترك "مراد" الشوكة والسكين عن يديه ليشير لها بجدية تامة:
_بالظبط، ده اللي بحاول أوصلهولك..
انسدلت دمعة خائنة من عينيها، فقالت دون النظر إليه:
_مينفعش يا "مراد"، " علي" له أفضال عليا كتير وأنا مينفعش أنكرها أبداً، كان على طول جانبي في الوقت اللي بحتاجه وأنا لازم أردله جزء من أفضاله عليا بأني أوافق على اول طلب يطلبه مني..
حدجها بنظرةٍ شاملة قبل أن يكون بثباتٍ:
_الصداقة عمرها ما كانت دين يا "يارا"، الصديق اللي يقدم خدمة أو اي شيء يقدر عليه وينتظر رد على اللي عمله ده ميبقاش صديق، الصداقة ليها واجبات وأهمها انك تكون جنب صديقك في أي وقت يحتاجك فيه، للاسف أنتِ فاهمة الصداقة غلط..
تدفق الدمع بعينيها وهي تستمع إليه، فاسترسل" مراد" حديثه بهدوءٍ:
_من البدايه وأنا شايف نظرات الإعجاب لمروان في عيونك علشان كده اديتك الفرصة دي، حاولي تستغليها صح يا "يارا" ، بلاش تحطي عقلك وقلبك في مقارنة لانك انتي اللي هتدفعي التمن..
وأخرج المال من جيبه ليضعه على الطاولةٍ، ثم أشار لها بحزمٍ:
_فكري كويس اوي ومترجعيش القصر غير وأنتي أخدة القرار اللي شايفاه مناسب، بس خليكي متأكدة أن أي قرار هتأخديه مش هيأثر على حد غيرك..
وغادر "مراد" ليترك لها سيارة خاصة بالسائق الخاص به، ثم عاد للقصر لينفذ مهامه الأخير ليرمم جراح محبوبته..
*****************.
بفيلا "عباس صفوان" ..
زُينت بشكلٍ مبهج لتليق باستقبالٍ أحدى حفيدات عائلات "زيدان"، حيث تم العمل على أفخم ما يكون، امتلات الأجواء بصوتٍ الموسيقى الهادئة بعدما وزع العمال المقاعد المزينة بالستان الأبيض حول المسبح العملاق، لتقابله المنصة التي تعمل الشزلونج المذهب ليزيد من فخامتها، مياه المسبح شملتها البلالين البيضاء..
بالأعلى وخاصة بغرفةٍ"يامن" ..
عاونه "جان" على ارتداء جرفات البذلة السوداء، فأغلق الجاكيت جيداً ثم أشار له باعجابٍ:
_بقيت شبه العرسان أهو..
انزوى حاجبي "يامن" بسخطٍ:
_أمال انا أيه؟!..
تعالت ضحكاته، فانتصب بوقفته ليشير له بسخريةٍ:
_أيه يا عم هتشوف نفسك علينا ولا أيه؟!
ابتسم "يامن"، فقال بجديةٍ وهو يربت على كتفيه:
_شكراً لانك اختارت تكون جانبي في اليوم اللي المفروض تكون فيه جنب أختك.
رد عليه" جان" بضيقٍ:
_وأنت أيه يعني ما أنت اخويا وصاحبي!..
ازدادت إبتسامته، فأشار له "جان" بجدية:
_يلا جهز نفسك علشان هنتحرك..
أومأ برأسه بخفةٍ، فغادر من امام عينيه، اما "جان" فتلاقى رسالة "ريان" بتساءل بها عن "إياد"، فأجابه بأنه غادر الشركة بالأمس بالساعةٍ الثانية مساءٍ موعده المعتاد، ومنذ ذلك الحين لم يجتمع به..
ازداد قلق"ريان" على أخيه، فحاول أن يخلق حجة بأنه يلتقي بأحدٍ من أصدقائه حتى لا يتوقف قلبه من قسوة الافتراضات المقترحة.
*****************
عادت "يارا" للقصر، فتحركت بها السيارة تجاه قصر "طلعت زيدان"، أشارت له سريعاً بالتوقف حينما رأت" مروان" يقف بحديقةٍ قصره، فهبطت لتقترب منه سريعاً، كان يقف بجوار أحدى الأشجار، يتأمل الأزهار من أمامه بنظرةٍ شاردة، وكأنها تذكره بأحدٍ غالي على قلبه، خيل له بأنها تحمل مصباح سحري حينما التقت أذنيه صوتها يناديه، فاستدار ليجدها تقف أمام عينيه، بللت شفتيها بلعابها، فقالت بارتباكٍ ملحوظ:
_جرحك بقى كويس..
وقف يتطلع لها بنظراتٍ صامتة، يتعمق بالتطلع لعينيها، يتشبع منها قدر ما تمكن وكأنه يشعر بأن الفراق حتماً سيمزق القلوب، انسحبت عينيه عنها ليتطلع خلفها بنظرةٍ ساكنة جعلتها تستدير، فصدمت حينما وجدت سيارة "علي" تقترب منهما حتى توقفت على مسافة قريبة منهما، هبط منها "علي" ثم أسرع ليقف مقابلها والغضب يتراقص بحرافية بعينيه، فقال بعصبيةٍ بالغة:
_خلاص يا "يارا" لهنا وخلاص، مفيش قدامك غير الاختيار، يا تيجي معايا حالا نسافر ونتجوز يا تخليكي هنا وبكده هتكوني اختارتي البني آدم ده...
وتراجع "علي" للخلف ليفتح الباب المقابل لسيارته ليشير لها بالجلوسٍ، فرض عليها الاختيار ويا ليتها كانت صريعة في تلك اللحظة البائسة، تقف بمنتصف الطريق بين سيارة "علي" وبين "مروان" الذي يحدجهما بنظراتٍ صامدة، وكأنه يعلم من ستختار لذا تعايش على الاعتياد دون وجودها بحياته، أغلقت فمها بيدها تكبت شهقات الألم الساكنة بأضلاعها، نظراتها تتوزع بين محبوبها الساكن وباب السيارة المفتوح من أمامها، وكأنها اتخذت القرار بعد دقائق مطولة، فاستدارت لتقترب من السيارةٍ، فرسمت بسمة انتصار على وجه "علي" الذي يرمق "مروان" بنظراتٍ منتصرة، شامتة، لم يحتمل "مروان" رؤياها وهي تغادر من أمام عينيه، اراد أن يحتفظ بما تبقى بقلبه الذي لم يلتئم جروحه بعد، فولج لداخل القصر.
تلاشت بسمته حينما أغلقت "يارا" باب سيارته لتخبره بدموعٍ هبطتت كالشلالٍ:
_بحبه يا "علي" ، بحبه ومش هقدر أنساه، لو ركبت معاك هكون بظلمك أنت لأني مش هقدر أشوفك ولا هقدر أشوف حد غيره..
ثم تراجعت بظهرها للخلف وهي تهمس ببكاءٍ:
_أرجوك سامحني...دور على اللي تستحقك وتستحق حبك ليها..
وركضت من أمام عينيه حتى لا تضعف عزيمتها بالقرار الذي اتخذته بعد تفكيراً طويل منحها اياه "مراد" ، ولجت لداخل قصر "مروان" ثم أغلقت الباب لتستند على جسده ببكاءٍ حارق، صعق "علي" من اختيارها ورغم الم قلبه العميق الا أنه كان يقدر اختيارها له، صعد للسيارة ثم غادر من القصرٍ بعدما تأكد بأنه خسرها للأبد، بداخله جرح عميق يحتاج لوقت ليطيبه، ربما شهر أو عام ولكنه بالنهاية سيشفى..
أغلق "مروان" عينيه بقوةٍ تعتصر الدمعة التي تهاوت دون ارادة منه حينما استمع لصوت السيارة تغادر من القصر، ظن أنه ألم الوداع فحتى وداعها لم يحظى به، ضغط بيديه بقوةٍ على ذراع المقعد فكادت بتحطمه وعينيه مازالت مغلقة، شعر بأصابعٍ مرتجفة تلامس يديه الصلبة، ففتح عينيه على مهلٍ وهو يحاول الا يضع افتراضات قد تهلكه، صعق حينما وجدها تقف أمامه، بوجهٍ باكي، ازدرد ريقه بصعوبةٍ بالغة وهو يحاول استيعاب ما يراه، أكان هو اختيارها؟؟!..
وقف مقابلها وهي يتطلع لها بصدمةٍ لم تكسر بعد، فرددت بصوتٍ مرتعش:
_أنا مقدرش أكون لحد غيرك أنت، لأني بحبك أوي يا "مروان"..
احتضنها بعدم تصديق كونه اختيارها، فبكت بانهيارٍ، خرج صوته أخيراً وهو يردد:
_مكنش جوايا أمل انك ممكن تختاري حبنا يا" يارا"..
تشبثت به وهي تجيبه ببكاءٍ:
_معرفش ازاي كنت هعمل كده بس الحمد لله "مراد" فوقني في الوقت المناسب..
ابتعد عنها وهو يردد ببسمةٍ مشرقة:
_"مراد"!..
هزت رأسها، فقال ومازالت الإبتسامة مرسومة على وجهه:
_"مراد" شخص عظيم..
تعجبت لسماع هذا الجزء المتعلق بمدح "مراد"، فقال وهو يتمسك بيدها:
_متستغربيش يا" يارا" في حاجات كتيرة مكنتش قادر أفهمها وفهمتها..
ابتسمت بفرحةٍ، فأشارت إليه بمشاكسةٍ:
_طيب أيه، مش هتأخد خطوة جدية بقى..
_لا الخطوة دي عليا أنا..
استدروا سوياً تجاه الصوت القادم من خلفهما، ليظهر "ريان" من أمام أعينهم، تلون وجه "يارا" خجلاً، وخاصة حينما اقترب منهم "ريان" ليستكمل بابتسامةٍ هادئة:
_هكلم "مراد" يحددلنا معاد مناسب للجواز قبل ما تغيروا رأيكم..
اجابته "يارا" ببسمةٍ ساخرة لمعرفة مقصده من خلف كلماته:.
_أنا عن نفسي مستحيل هغير رأيي..
أشار لها باعجابٍ:
_هايل...
ثم تطلع لمروان بانتظار رأيه هو الأخر فوجده يطالعه بنظراتٍ متكتفة، مازال يشعر بالحرجٍ مما ارتكبه بحقه، أستأذنت "يارا" بالمغادرة لتستعد للزفاف، فوقف "مروان" مقابل أخيه بتوتر لاحظه الأخير ققاطع صعوبة حديثه حينما قال:
_متعتذرش على حاجة يا "مروان"، أنا مش زعلان منك أبداً..
احتضنته" مروان"بحب أخوي يشعر به تارة وتارة يشعر تجاهه بحبٍ أبوي لا يتناسب مع سن ريان، عاد هاتفه ليدق من جديد، فرفعه في لهفةٍ بددت حينما استمع للطرف الأخر الذي أخبره بأنه لم يرى "إياد" هو الأخر، لاحظ "مروان" توتره فتساءل باستغرابٍ:
_في أيه يا "ريان"؟..
رد عليه والخوف يصاحب لهجته المتقطعة:
_إياد مرجعش البيت من امبارح وقافل موبيله، مراته قلقانه عليه وأنا مش عارف اعمل ايه..
صمت قليلاً وكأنه متردد في قول ما يريد، فقال ما حجب على طرف لسانه:
_هتلاقيه رجع للزفت اللي كان بيشربه..
هز برأسه باعتراضٍ على ما قاله:
_مستحيل يعمل كده، في حاجة غلط.
وحك جبينه بانفعالٍ ثم قال:
_خد" فارس" وأقلب عليه الدنيا ومترجعش غير وأخوك في ايدك، فاهم؟..
أومأ برأسه في هدوءٍ ثم غادر على الفور، جلس ريان على المقعد المجاور له وعقله يكاد يتوقف من الخوفٍ.
**************
اللون الأبيض يرمز للنقاء، لونٍ مميز يليق بعروسٍ تزف بمحبةٍ لتحمل التفاءل لحياةٍ من أحبها وأختارها بعنايةٍ لتكون زوجة له، وقفت "فاطمة" تتأمل ذاتها بدمعةٍ فرح تلمع بحدقتيها اللامعة، عدلت "شجن" من طرحة الفستان لتشير لها بابتسامةٍ صافية:
_زي القمر يا روح قلبي، ربنا يسعدك يارب..
احتضنتها "فاطمة" ثم استدارت لتحتضن "حنين" التي بدورها ترتب مساحيق التجميل الخاصة بها بعدما انتهت من تزينها، لتشكرهما "فاطمة" قائلة:
_بالرغم من الحالة النفسية اللي كنتي فيها الا انك كنتي جانبي لأخر لحظة، وأنتي يا اشجان انا عارفة انك تعبانة وبرضه مش سيبتيني.
ربتت "شجن" بيدها على خصرها وهي تخبرها بعتابٍ:
_متقوليش كده يا "فاطمة"، احنا أخوات..
جذبتها" سارة "لتستدير اليها، فنثرت البرفنيوم على فستانها قائلة باعجابٍ:
_" يامن" هيبلم قدامك، قمر ما شاء الله..
ابتسمت بخجلٍ، فتداخلت "سلمى" بحديثهما المرح قائلة بغمزةٍ ماكرة:
_يا ستي لما يتقفل عليهم باب يبقى يبلم براحته..
تعالت ضحكاتهم وخاصة حينما حدجتها "فاطمة" بنظرةٍ قاتلة، انتبهوا جميعاً لصوت "نجلاء" حينما ولجت للداخل وهي تردد بانبهارٍ بنظراتٍ تفرقت بينهن جميعاً:
_بسم الله ما شاء الله، أيه الجمال ده كله، ربنا يحفظكم جميعاً من العين ياررب..
جذبتها "حنين" للمقعد المقابل للسراحة، قائلة بمشاكسةٍ:
_ايه ده يا نوجة، ده لبس و لفة طرحة في يوم زي ده..
جذبت "منة" بعضاً من مساحيق التجميل، بينما اسرعت "سما" لغرفتها لتنقي لها ما يليق بها، أما "يارا" فاختارت الحجاب المناسب بها، اقتربوا منها معاً شارت لهما وهي تردد بتحذيرٍ:
_اللي هتيجي جانبي هي حرة، انتوا اغلبكم حوامل وأنا هضرب مش هيهمني، انا لبسي عجبني كده ركزوا مع نفسكم.
تجاهلوا تعليماتها والتفوا من حولها ليشكلوا حلقة دائرية انتهت باللمسات الاخيرة التي وضعتها "شجن"، تطلعت" نجلاء" لذاتها بالمرآة بصدمةٍ حقيقية، فكانت كالفتاة التي لا تتجاوز عمرها الثلاثون عاماً، جسدها الرفيع منحها نفس الاطلالة الموحدة للفتيات من حولها، وضعت يدها أمام وجهها وهي تردد بضيقٍ:
_أيه ده الناس تقول عليا ايه، ده انا ابني اطول مني شيلي الهباب ده يا بت منك ليها..
أشارت لها "نغم" بابتسامةٍ مشرقة:
_زي القمر والله يا ماما "نجلاء"، بابا شكله هو اللي هيخطفك من الحفلة، مش كده ولا أيه يا بنات..
تعالت صيحاتهم المؤكدة على حديثها، فابتسمت" نجلاء" على حديثها، تعالى صوت طرقات متتالية على بابٍ الغرفة، ففتحته "يارا" لتجد "سليم" يقف أمامها، فرفع صوته لتستمع له العروس:
_يلا يا "فاطمة"؟..
لوهلةٍ توقف قلبها عن الخفقٍ، لا تداري وجع لهجر منزلها أم خوفاً من اقتراب خوضها لتجربةٍ جديدة، خرجت بخطواتٍ متثاقلة لتضع يدها بين يد" سليم"الذي وكله بمهام تسليمها لعريسها، خطف نظرة سريعة للداخل ليجد مبتغاه حينما وجد "ريم" مقابله تبتسم له بحبٍ، منحها ابتسامة عاشقة ثم انتصب بوقفته ليتحرك بها للأسفل، لتجده ينتظرها بنهايةٍ الدرج، يشيعها بنظراتٍ إعجاب فعروسه يجذب الأنظار بجمالها المشرق، استلم يدها من يد "سليم" ثم تحرك بها لسيارته فعاونتها "منة" على الصعود بفستانها المتدلي، صعدت كل فتاة بسيارة حبيبها ليلحق كلاً منهما خلف سيارة "يامن"، وقف" طلعت"ينتظر "نجلاء" بضيقٍ من تأخرها الملحوظ، فافتربت منه باسمة، ازاح عينيه عنها وهو يتفحص الدرج باستغرابٍ:
_هي "نجلاء" راحت فين؟..
لوت شفتيها بغضبٍ، فتعالت ضحكاته وهو يشير لها بعدم تصديق:
_مش ممكن أنا افتكرتك واحدة من البنات والله..
أجابته في ضجرٍ:
_مش هتبطل بكش أبداً، بقيت جد ولسه شايف نفسك شاب عشريني.
قال من وسط سيل ضحكاته:
_والله أنا خايف حد يطلبك مني على اساس اني أبوكي!!..
شاركته الضحك ثم هبطت لجواره، فاسرع الحارس بفتح ابواب السيارة لكليهما..
***********
هبطت "شجن" بصحبةٍ "حنين"، فشعرت بدوار خفيف يهاجمها، تمسكت" حنين" بيدها وهي تسألها بقلقٍ:
_أنتِ كويسة يا "أشجان"؟..
اجابتها بتعبٍ:
_حاسة انا دايخة أوي وحاسة أني مفيش أعصاب خالص.
اقترحت عليها سريعاً:
_لو تعبانة نخلينا أفضل..
أشارت له باعتراضٍ، معللة سببها:
_" فاطمة" هتزعل، خليكِ بس جانبي وان شاء الله اليوم هيعدي..
قالت بحدةٍ وقد تعمدت الضغط على كلماتها:
_أنا كده كده هركب معاكي مش هسيبك متقلقيش..
فهمت مغزى حديثها فقالت بترددٍ:
_ما تحاولي تسمعيه يا "حنين" آآ..
بترت كلماتها حينما صاحت بانفعالٍ:
_مش عايزة اتكلم في الموضوع ده يا "أشجان"، علشان خاطري بلاش تفتحيه تاني..
امتثلت لرغبتها:
_زي ما تحبي، المهم تكوني جانبي لحسن أنا تعبانة بجد.
اجابتها ببسمةٍ ساخرة:
_كلنا لها يا اختاه، مصدقت خلصت من"مرين"، تطلعلي ام اربعة وأربعين اللي جاية على غفلة دي..
تعالت ضحكات"شجن"، فقالت بمرحٍ:
_ما يمكن يطلع واد بتأنثي ليه؟!..
ردت عليها بابتسامةٍ رقبقة وهي تمسد بيدها على بطنها:
_لأ، قلبي بيقولي انها بنت..
كادت بأن تجيبها ولكنها تفاجأت بسيارة" رحيم" من أمامها، فأسرع "حازم" بفتح باب السيارة الخلفي لتجده يجلس بالخلف، ويمنحها نظرة عشق تغمرها من رأسها حتى قدميها، هبطت "حنين" جوارها فكادت بالصعود جوار "شجن"، تفاجئت بقبضةٍ قوية تجذبها خارج السيارة، فاذا به يقف أمامها ليشير لها بحزمٍ:
_هتركبي بعربيتي..
بعناد كبير جذبت يدها من بين يديه لتشير له بغضبٍ:
_ايدك متلمسنيش تاني، فاهم؟..
وقف"مراد" مقابلها وجهاً لوجه، فقال بهدوءٍ يتمسك به بصعوبةٍ:
_"حنين" خلينا نتكلم أفضل في مكان هادي..
ابتسمت في سخريةٍ وهي تعقب على ما قال:
_نتكلم في ايه؟! ، معتش في بينا اللي نتكلم فيه..
فرك جبينه بعصبيةٍ بالغة، فزفر وهو يستطرد بغضبٍ:
_لا في اللي نتكلم فيه، في حاجات كتيرة انتي متعرفهاش..
صرخت بانفعالٍ وقد سرت دمعاتها كالشلال:
_اعرف أيه، انك قتلت ابويا!!! ، إنك بعد ما كنت أماني بقيت السبب في خزني وتعاستي، أنا عارفة ان أبويا مكنش ملاك ويمكن مكنش بيحبني بس مفيش واحدة في الدنيا مهما كان ابوها تعرف ان ابوها اتقتل ومتتحطمش والاصعب من كل ده اني اعرف ان القاتل يبقى جوزي!..
والتقطت انفاسها لتستكمل بشكٍ:
_كان لازم أعرف من أخر لقاء بينكم انك كنت ناويله على الشر، كان لازم افهم أنك انسان اناني مفكرتش غير في نفسك وبس، مفكرتش تحطني في حساباتك، مفكرتش انا هيكون احساسي ايه لما أعرف انك قتلت ابويا!!.
خرج "رحيم" من سيارته سريعاً خشية من أن تتصعد الامور فيما بينهما أكثر من ذلك، فوقف جواره ليتداخل قائلاً:
_"مراد" لا ده وقته ولا مكانه!..
تجاهل ما قاله ثم جذب يدها بهدوءٍ:
_تعالي معايا.
حاولت أن تحرر قبضتها من بين يديه ولكنها لم تستطيع، فصاحت بعصبيةٍ بالغة:
_سيب ايدي بقولك مش هتحرك معاك في اي حتة..
رفع "رحيم" يديه على كتفيه، فحرر "مراد" يدها، ثم شملها بنظرةٍ أخيرة ليردد بوعيدٍ:
_ماشي يا "حنين"..
وتركها وغادر لسيارته، ففتح" رحيم" باب السيارة لتستقر بجوار زوجته، اما هو فصعد جوار "حازم"، ارتمت" حنين"باحضانٍ أشجان، تبكي بقهرٍ، قلبها يؤلمها على الفجوة التي حدثت بينها وبين زوجها، لأول مرة تتصعد الامور فيما بينهما لتلك الدرجة، فرت دمعة هاربة من عين "شجن" وهي تحاول أن تجعلها تهدأ قليلاً، تابعهما "رحيم" بالمرآة الأمامية بحزنٍ، فقال بصرامةٍ:
_لو هتقلبوها نكد هوقف العربية وهنزلكم انتوا الاتنين هنا..
ابتعدت عنها "حنين" سريعاً ثم ازاحت دموعها، فهمست بضيقٍ:
_انت على طول متعصب كده، أنا بحس اني بخاف منك أكتر من جوزي، ما تسيبنا نفضفض شوية يا ابليس...
تطلعت لها "شجن" بصدمة ثم انفجرت ضاحكة لتشاركها "حنين" الضحك وكأن لم يكن، ابتسم "رحيم" رغماً عنه وردد بهمسٍ ساخر:
_"مجانين"!..
*****************.
بين نغمات الطرب الهادئ تمايلت "فاطمة" بين ذراعيه بفستانها الأبيض، ولجوارها كانت تتمايل "سلمى" بين يد "جان" بخفةٍ، حتى "سما" صعدت على المنصة لترقص مع "آدم" ولأول مرة، أما "سليم" ففضل أن يرقص مع زوجته بالأسفل جوار الطاولة الملتصقة بالمسبح، كان الحفل رائع لا ينقصه شيئاً سوى وجود "فارس" و"مروان"، فكانت الفتيات يبحثن عنهما بضجرٍ، أما "ريان" فأنشغل عن "سارة" بتتبع الأخبار من "فارس، مروان" ، أما "شجن" فكانت تجلس لجوار "حنين" وعينيها تتعمق بالتطلع لمن يقف مقابلها، يغمز لها بعشقٍ من وقتٍ للأخر، اما الجوكر فقد حسم الأمر بتنفيذ المخطط المتفق عليه مع "رحيم" الذي بعث برسالةٍ لحارسه الخاص ففي أقل من خمسةٍ دقائق انطفئت الأنوار عن الحفل وحينما عادت بعد دقيقة واحدة كانت "حنين" قد اختفت من جوارها ، فزعت "شجن" ونهضت عن مقعدها وهي تبحث عنها بخوفٍ، فجذبها "رحيم" للجلوس مجدداً ليجلس من جوارها قائلاً بثباتٍ:
_متخافيش، "حنين" في المكان اللي المفروض تكون فيه..
اشارت له بتفهمٍ ثم تطلعت جوارها بتوترٍ من أن يهاجمها الدوار مجدداً، فقال بهدوءٍ:
_حاسة بأيه!..
تطلعت إليه ببلاهةٍ فكانت تظن بأنها تبرع بتمثيل دورها ولكنه شعر بها، فقالت باستسلامٍ وهي تضع يدها بيديه:
_خرجني من هنا، حاسة اني مش قادرة اخد نفسي..
تطلع ليدها المتمسكة به بابتسامةٍ ساحرة، فمسد بيديه على يدها وعينيه تخطف النظرات اليها، ليردد بهمسٍ أشعل رغباتها:
_وأخدك لأخر الدنيا بس لو فضلتي ماسكة ايدي كده مش هتحرك من جانبك أبداً..
سحبت يدها بخجلٍ، فنهض ليمسك بذراعيها، خطت جواره بضعة خطوات ثم توقفت عن المضي وهي تتمسك بجبينها بألمٍ، انحنى ليضع ذراعيه اسفل ساقيها ثم حملها بين يديه ليتحرك بها لسيارته، جلست بالمقعد الامامي وهي تجاهد الاغماء الشديد الذي يهاجمها، فأغلقت عينيها باستسلامٍ لنوم تمنت ان تحظى به لتتخلص من آلامها، دقائق معدودة وشعرت بالهواء الطلق يغلف جسدها، امسك بيديه بصدمةٍ حينما حرر حجابها عنها، كادت بأن تعنفه فمازالت بالسيارة كيف له ان يفعل ذلك، ولكنها تفاجأت بالمياه تحاوطها من جميع الاتجاهات، فتطلعت امامها لتجده يخبرها بابتسامته المهلكة:
_ارتاحي، أنا جانبك..
منحته بسمة مشرقة فتركت يديه تحرر حجابها لتسلقى على قدميه ليتحرك بهما التخت بين المياه، فغفلت سريعاً بين ذراعيه براحةٍ..
**************
انتهى الحفل سريعاً برغبةٍ "يامن"، فكاد بالصعود بها للأعلى ولكن التف الشباب من حوله ليمرحوا قليلاً، وبعد ساعة كاملة من الرجاء والتوسل سمحوا له بالصعود ولكن بشرطٍ أن يحملها بين يديه حتى غرفته التي تقطن بالطابق الثاني، وبالفعل حمل" يامن"، "فاطمة" ليصعد لها للاعلى وسط اجواء مثيرة من التصقيفات العالية، ولج لغرفته فتركها أرضاً ثم اغلق باب غرفته وهو يردد بابتسامة واسعة:
_عايز حد يقرصني علشان أصدق انك معايا هنا!..
ابتسمت "فاطمة"، فقالت بمرحٍ:
_لو مش مصدق أخد بعضي وأمشي..
وكادت بتحرير مفتاح باب الغرفة، فجذبها اليه قائلاً بسخريةٍ:
_حيلك حيلك دخول الحمام مش زي خروجه يا حلوة..
تعالت ضحكاتها على كلماته المرحة، فتلاشت ضحكتها خجلاً حينما اقترب منها ليطبع قبلة صغيرة على وجنتها وهو يردد بعشقٍ:
_الف مبروك يا حبيبتي..
اجابته على استحياءٍ:
_الله يبارك فيك..
ثم قالت بارتباكٍ:
_فين الحمام..
أشار لها بعينيه على حمام الغرفة، فالتقطت اسدالها ثم ولجت للداخل، اغتسلت ثم توضأت وجلست بالداخل بترددٍ من الخروجٍ، طرق"يامن" على الباب قائلاً ببسمةٍ ماكرة:
_أطلعي يا "فاطمة"، بلاش جبن.، انا مش بعض حد.
فتحت الباب لتشير له بضيقٍ:
_حد قالك اني خايفة أطلع انا بس بأخد على الأجواء هنا..
استند بجسده على الحائط ليجيبها بسخريةٍ:
_بتأخدي على الاجواء في الحمام؟..
ابتلعت ريقها بارتباكٍ فاسرعت لسجادةٍ الصلاة قائلة بتهرب:
_يلا نصلي..
ابتسم على خجلها الملحوظ، فاقترب ليصلي بها أمام ومن ثم جذبها برفقٍ لفراشه ليقتل خجلها الزائد منه، تارة فتارة يحاول سحبها لعالمه...
****************
حملها للداخل، ويديه تقيد حركات يدها واليد الأخرى تكمم فمها، اغلق باب مكتبه بقدميه ثم تركها برفقٍ لتقف امام عينيه، صرخت به" حنين" بشراسةٍ:
_انت بتعمل أيه، انت فاكر اني كده هسمعك!..
وأقتربت من باب الغرفة في محاولةٍ مستميتة للخروج، دفعها للخلف بقوةٍ وهو يصيح بعصبيةٍ بالغة:
_مفيش خروج من هنا يا "حنين" لحد ما المشكلة اللي بينا دي تتحل، فاهمه؟..
صراخه، طريقته الجديدة بالحديث جعلتها ترى نسخة متطابقة لرحيم زيدان في بدايةٍ عهده، معشوقها الحنون قتله بتلك اللحظة العصيبة، ابتلعت ريقها برعبٍ تحاول اخفائه خلف لهجتها الساخرة:
_مش هستغرب ده منك لأنك بالنهاية أخوه..
للمرة الثانية تستنزف طاقته، ورغم ذلك حاول جاهداً ليتحكم بذاته، فاقترب منها، لتبتعد عنه سريعاً حينما شعرت بالغيثان جراء رائحة البرفنيوم القوية التي يضعها، تألم قلبه ظناً من انها تمقت الاقتراب منه، فخلع جاكيته ليجذب سلاحه المندث خلف ظهره ثم وضعه من امامها، صعقت للغاية حينما راته يخرج سلاحه فرددت بسخريةٍ:
_أيه هتقتلني ولا ده تهديد!..
اقترب منها بصمتٍ قاتل، ليجبرها بوضع السلاح بين لائحة يدها ثم رفعه ليكون مقابله، انسحبت الدماء من عروقها، فحاولت سحب يدها وهي تصرخ بفزعٍ:
_"مـــــــراد"!..
ابتسم بألمٍ، فتجاهل ندائها المتكرر؛ ليتطلع لعينيها مردداً بهمسٍ:
_أنا قتلت أبوكِ وأنتي تقدري تاخدي حقك مني..
وضغط بيدها على السلاح قائلاً بعنفٍ:
_اضغطي على الزناد يا "حنين" وانهي المهزلة دي..
بكت بانهيارٍ خشية من ان يلامسه الرصاص رغماً عنها، فحاولت جاهدة سحب يدها، ضغط بيديه ليعلو صوت الرصاص المكان، فانثقب قلبها بحسرةٍ، وهي تتطلع اليه بعينين متحجرة، لتردد بصوتٍ يكاد يكون مسموع:
_"مـــــــــــــــــــراد"!..
***************
ابتعد عنها بملامحٍ واجمة، فأضاء الضوء المجاور للفراش فألتقط السجائر لينفثها بعصبيةٍ بالغة، احكمت الغطاء حولها وهي تتطلع إليه بخوفٍ وعدم فهم لما تمر به، ردد "يامن" بغضبٍ:
_أنا مش عارف في أيه بالظبط..
تشنج جسدها من أثر البكاء الحارق، فزفر بضيقٍ، اطفأ السجار لجواره ثم هدأ قليلاً، ليقربها لأحضانه قائلاً بهدوء مصطنع:
_متزعليش يا حبيبتي، أكيد انتِ متوترة بس، يلا نامي وريحي أعصابك..
بكت بين أحضانه حتى غلبها النوم، أما "يامن" فظل يصارع شيطانه طوال الليل يحاول اقناع ذاته بأنه مخطئ فمن المحال ان تكون قد مارست علاقة جمعتها بإياد من قبل، ولكن ماذا لو كانت هذة الحقيقة وخاصة بأنها أردت أن تعود اليه فاستخدمت "يامن" كوسيلةٍ حتى تجعله يغار عليها، وحادثة الاغتصاب ليست الا اشتياق بينهما فلعب تلك اللعبة القذرة للفتك به، ودليل أخر اختفاء اياد بليلة الزفاف بالتحديدٍ، كل تلك الخيوط تراقصت بعقله طوال الليل فجعلته كالبركان الثائر، ربما سيعمى عن الحقيقة وربما سيحطم بيديه علاقة لم تبدأ بعد، ولكن ترى ما المجهول؟!!!..
.... يتبع...... #الأقوى_قادم...... #الجوكر_والاسطورة5...... #بقلمي_ملكة_الإبداع...... #آية_محمد_رفعت..........
ملحوظة هــــــــــــامــــــــــــــــة...
مراد ممتش ولا انصاب والله يا جماعة 😂علشان بس متقلبوهاش نكد في الكومنتات ده هو عامل خطة علشان هدف معين هتعرفوه الحلقة الجاية قولت بس اعرفكم لتقلبوها ميتم، يلا اياكش بعد الفصل الطويل اللي اخد اليوم كله ده القى ريفيوهات وشخلعة حلوة يمكن افكر ادلعكم كمان الفصل الجاي 😂💔، يلا تصبحوا على الف خير..
#Aya...
********____________*********