تحميل رواية «الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت» PDF
بقلم آية محمد رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جميع الحقوق محفوظة للكاتبة 2021 الجزء الخامس من الجوكر و الأسطورة على مفترق الطريق كنت أنت لجواري!... حتى وإن طالبك اللسان بالرحيلٍ وناداك القلب شوقٍ!.. فلوعة الغرام يعهدها زمن ووعد بالبقاء، وها أنت يا سيدي تعيد ذكرى ما أضرمته الليالي من فتورٍ وآنين، فبات الجسد لا يتقبل قربك والقلب يئن بعذاب هواك!...
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الحادي عشر 11 - بقلم آية محمد رفعت
الجوكر_والأسطورة5...(#متى_يهتدي_الوصال؟..)..
#الفصل_الحادي_والخمسون..
صرخة مؤلمة، تحررت لتفيض بما احتبس من وجعٍ صارخ بداخل هذا القلب الذي تسارعت نبضاته دون توقف، لسانها يردد دون أي وعي أو ادراك:
_"مــــــراد"!..
مجرد تخمين منحه العقل بإقتراح بأن تلك الطلقة إستقرت بجسده جعلتها تصرخ دون توقف، هزت يديه بعنفٍ وهي تبكي بانهيارٍ هامسة بصوتها الشاحب:
_"مــــــــــــــــــــــــراد"!..
احتضنها بقوةٍ ويديه تمسد برفقٍ على ظهرها، مردداً بخوفٍ على الحالةٍ التي هاجمتها:
_أنا كويس، متخافيش..
أغلقت عينيها في محاولاتٍ مستميتة للسيطرة على أعصابها، محاولة استغرقت أكثر من خمسة عشر من الدقائقٍ حتى تمكنت من الابتعاد عنه لتتأمله بنظرة شاملة، تلبس قلبها الطمأنينة حينما وجدت الرصاص لم يمس جسده، أطلقت زفيراً بطيء وكأنه احتبس داخل رئتها لكثيرٍ من الوقت، لتحرر كلماتها المكبوتة بصراخها المتعصب:
_أنت بني آدم مش طبيعي..
أمسك يدها وهو يخبرها بثباتٍ بعدما تجاهل ما قالته لتو:
_حسيتي بأيه وقتها؟..
تطلعت له بحيرةٍ من سؤاله الغريب، فأستكمل كلماته معللاً:
_النار اللي جواكي كانت هتهدى لو أنا كان جرالي حاجة؟.
اشتعلت نظراتها بالغضبٍ، فقال بحدةٍ:
_والسؤال الأهم يا ترى والدك يستحق كل اللي أنتِ عملاه علشانه ده..
مزقت رداء الصمت المؤقت لتصيح به بانفعالٍ:
_"مراد" أنت بتتكلم عن بابا مهما عمل فهو أبويا!..
صحح مفهومها حينما قال بلهجةٍ ثابتة:
_مهما كان فهو بالنسبالي الشخص اللي حاول يفرقني عن عيلتي، واللي خلاني أكون بعيد عنك في أكتر وقت احتاجتي لوجودي فيه، بالنسبالي وبالنسبة لكتير من ضحاياه فهو شيطان ميستحقش الحياة، الانسان اللي عايش علشان يتأجر بأعراض الستات ميستحقش الا الموت..
جحظت عينيها في صدمةٍ حقيقية، فبللت شفتيها بلعابها في محاولة بائسة لتجلي صوتها:
_أنت بتقول أيه!..
جذب معصمها ليجبرها بأن تتابعه بخطاها، ففتح الحاسوب الصغير الموضوع على سطح مكتبه ليعرض لها عدد من الملفات ومقاطع الفيديو لاعترافات بعض من العناصر المشتبه بها، وأقوال عديدة لعدد من الفتياتٍ، شعرت بوخزةٍ حادة تهاجم صدرها، كانت تعلم بأن ابيها يرتكب أخطاء عديدة يخفيها مركزه بالشرطةٍ ولكن لم تتوقع بأنه انحدر لهذا المستوى، كونها فتاة تعلم كم المعاناة التي عانتها كل فتاة ذاقت الويل والاهانة على يديه، ارتخى جسدها فجلست على مقعد مكتبه والدموع تنسدل مصاحبة لآهات قاتلة، جلس "مراد" مقابلها ليخبرها بابتسامةٍ ألم:
_ده اللي عمله ويستحق عليه عقاب بعيداً عن اللي حصلي بسببه وبسبب الناس اللي وراه..
انتبهت لكلماته الاخيرة، فانتصبت بوقفتها لتباغته بسؤالٍ تحتويه الصدمة:
_حصلك أنت!..
ابتسامة وجع تشكلت على وجهه، ليجيبها على مهلٍ:
_مسألتيش نفسك أيه اللي خلاني بعيد عنك كل الفترة دي؟..
تاهت بعينيها وانقطعت الكلمات عن لسانها الناطق بألف كلمة وكلمة بالساعةٍ الواحدة، رد على سؤاله المطروح:
_أنا عمري ما كنت ضعيف يا "حنين" ولو في يوم إتكتبلي أكون ضعيف هقتل نفسي بأيدي واللي عمله أبوكي واللي وراه خلاوني أشوف نفسي ضعيف وعاجز لاول مرة، عاجز حتى عن إختيار الموت، الخلاص الوحيد للعذاب اللي كنت فيه، بس للأسف مقدرتش أعمل كده علشانك، وعدي ليكي إني أكون جانبك لأخر لحظة خلاني أصمد لأطول وقت، كنت بقتل نفسي ألف مرة وأنا شايفهم بيحقنوني بالمخدر اللي ممكن ينهي حياتي، بحاول استمد طاقة وأمل لما برسم صورتك في خيالي، تخيلي ظابط من أكفئ الظباط يكون مدمن مخدرات!..
وكأن الصدمة تعاهدت بالاستحواذ عليها في تلك الليلة المظلمة، تتلاقها تلو الاخرى وعليها تقبل ما تستمع اليه، في بعض الاحيان يسارونا شكوك متعلقة باناسٍ قريبة وحينما تكشف الحقائق تترك أثر عالق بالصدرٍ بجرحٍ عميق يصعب إلتئامه بسهولةٍ، و"حنين" بحالةٍ لا تحسد عليها، صدمتها بما خلفه أبيها من وراء موته وصدمة أخرى لما عاشه زوجها وهي لا تعلم عنه شيئاً!.
انصهر الدمع بعينيها فتدفق دون توقف وعقلها المسكين يحاول تقبل كل تلك الحقائق البشعة، صوتها المكبوت يود الصراخ بأعلى صوت امتلكته يوماً ولكن بكائها صامتاً رغماً عنها، اقترب منها "مراد" سريعاً وهو يحاول التعامل مع الحالةٍ الغريبة التي تهاجم عصفوره الصغير لأول مرة، مسد بيديه على يدها وهو يردد بعشقٍ ما أعذب من كلماتٍ تغرم الفؤاد:
_زمان مكنش ليا نقطة ضعف ولا يهمني حد أحارب الحياة علشانه، بس دلوقتي في أنتِ يا "حنين"، ويمكن ده السبب في اني لسه واقف على رجلي قدامك..
ورفع أصابعه ليمسد على وجهها وهو يسترسل حديثه باصرارٍ:
_حاربته لانه كان عايز يدمرني ويدمر عيلتي، صدقيني أي حد مكانه حتى لو أبويا نفسه كنت هنسفه من على وش الدنيا..
تحرر صوتها أخيراً فبكت بصوتٍ مسموع، مؤلم، وكأنه جلاد لروحه المعذبة، ارتمت بداخل أحضانه وكأنها تشتاق لأمانها المفقود، رددت بهمسٍ خافت وكأنها تخرج ما يكبتها:
_آآآه، ليه يا ربي مكتوب اني أعيش في كل ده، ليه كل مرة ببقى متأكدة اني عرفت كل حاجة عن أبويا أكتشف حقايق أبشع، ليه كل ما بحاول أدي واجبي نحيته ألاقي ألف حاجة تكرهني فيه حتى وهو ميت!!..
ربت على ظهرها بقوةٍ، فقال بحنانٍ:
_عمري ما كنت هواجهك بالحقيقة دي يا حنين بس للاسف اللي حصل كان أكبر من أنها تفضل مخفية عنك أكتر من كده..
ابتعدت عنه وهي تطالعه بنظراتٍ مطولة تبحث عن ضالتها، فهمست بصوتٍ ترنح على ترنيم خلقت من الآلآم٠:
_أنا آسفة..
قربها إليه أكثر، علها تستمع لدقاتٍ قلبه النابض بحبها، فقال بصوته الرخيم:
_متعتذريش يا" حنين"،أنا اللي من حقي أعتذر لأني هفضل طول العمر بيربطني ذكرى وحشة هتفضل في بالك على طول.
رفعت عينيها الباكيتين وهي تردد بتعاسةٍ:
_هو يستحق ده..
وكبتت شهقة مؤلمة كاد صدرها بالافصاح عنها، هامسة بانكسارٍ:
_هأخد وقت علشان اتجاوز ده بس أكيد هدعيله بالرحمة ومعتقدش انها هتشفعله لانه حسابه عسير قدام ربنا.
ثم استطردت برجاءٍ:
_متتخلاش عني يا "مراد"، أرجــــــوك..
أخرجها من أحضانه لترى عينيه بوضوحٍ، ليجيبها بلهجته الباعثة في نفسها الراحة:
_لو أخر نفس هيطلع هتكوني بتشاركيني فيه..
ثم احتضنها بقوةٍ مجدداً، فابتسمت رغم ما يحمله قلبها من آلام عاصفة، فرفعت يدها تزيح دمعاتها وهي تخبره بلهجتها المشاكسة المعتادة فيما بينهما:
_على فكرة أنت ربنا بيحبك أكتر مني، فحب يعوضك عن اللي ما عشتوش..
تطلع لها في دهشةٍ، فتساءل بحيرةٍ:
_يعوضني بأيه، مش فاهم!..
تعمقت بالتطلع لعينيه مطولاً وهي تكسر حاجز الخجل الذي يحجر عنها التمتع برؤية الأمواج الهادئة على شاطئ الشوق، فقالت بعد صمتٍ طويل:
_أنا حامل..
كانت صدمة لطيفة نوعاً ما بالنسبةٍ اليه، فرسم بسمة صغيرة اتسعت شيئاً فشيء كلما استوعب ما استمع اليه، طبع قبلة عميقة على جبينها وهو يردد بعدم تصديق:
_معقول!..
ابتسمت وهي تجيبه على استحياءٍ:
_مفيش حاجة بعيدة على ربنا..
اقترب منها بنظراتٍ هائمة، يدعوها لريحان يحملها برفقٍ لبر عشقهما الآمن، انسحبت بهدوءٍ وهي ترفض دعوته الصريحة لها بارتباكٍ، حتى عينيه تهربت من التطلع بها، رفع وجهها اليه وهو يتساءل في استغرابٍ:
_في أيه يا" حنين"؟..
حاولت الصمود فجاهدت بالا يرى دمعاتها، فقالت بتوترٍ:
_غصب عني، هحتاج وقت..
يعلم جيداً ما تمر به من ضغوطاتٍ كبيرة، وخاصة بأنه بالنهايةٍ من قتل أبيها، لذا لم يشعر بالضجر لما حدث، بل احتواها بحنانٍ وهو يردد بابتسامته الوسيمة:
_هتاخدي وقتك بس وأنتي جانبي وفي حضني..
غمرتها سعادة حتى ولو كانت مؤقتة ولكنها على يقين بأنها ستخوض حرب عصيبة لتتخطى ذلك..
***************
كاد عقله بالتوقف حتى انه سئم من التفكير، خطاه كان يشق باحة قصره الواسع، فظل "ريان" يخطو ذهاباً وإياباً حتى تحرر مقبض الباب ليطل من خلفه "مروان" و"فارس"..
أسرع "ريان" إليه وهو يتساءل في لهفةٍ:
_ها وصلتوا لحاجة؟..
أجابه "فارس" بحزنٍ بعدما جلس على أقرب مقعد بانهاكٍ شديد:
_لا، محدش عارف هو فين، حتى أصحابه..
رفع عينيه تجاه "مروان" ليتساءل بضيقٍ شديد:
_يعني أيه اخوك فين!..
لوى فمه بسخريةٍ وهو يجيبه باستهزاءٍ:
_معرفش أنت مكبر الموضوع ليه يا "ريان"، أكيد رجع للزفت اللي بيشربه ومالوش عين يواجهك..
احتقن وجهه بملامحٍ الغضب، فردد بشراسةٍ:
_اللي بتتكلم عنه ده أخوك الكبير، تتكلم عنه باحترام سامع!..
بلع" مروان" كلماته حتى لا تتطور الامور فيما بينهما، فتدخل "فارس" بينهما ليشير اليه بهدوءٍ:
_تعالى معايا يا "مروان" ، والصبح ان شاء الله ندور تاني..
انصاع اليه واتابعه ليغادر معه للخارج، بينما استلقى "ريان" على الاريكة من خلفه باسترخاءٍ تام..
**************
رؤية الشمس تتبختر بزيها الذهبي وتاجها المرصع بأشعته الصفراء لتحتل عرشها بالموعد المحدد إليها مشهد ترفرف له النفس وتكتب قصايد من دفاتر الغرام، فكانت من تراقب هذا المنظر الالهي تقتبس بعض النظرات للمياه الصافية التي تحيط باليخت، لأول مرة منذ فترة طويلة تتنفس بحريةٍ دون أن ينزع الخوف مرئها، الهواء الطلق يبعثر خصلات شعرها بشكلٍ فوضوي ورغم ذلك لم تنزعج بل ظلت متمسكة بحافة اليخت رافعة رأسها في شموخ يجابه أشعة الشمس التي تداعب وجنتها الساخنة، فتحت "شجن" عينيها بلهفةٍ حينما شعرت بملامس ورقيات صغيرة على رقبتها، استدارت ببطءٍ لتجد. رحيم يقف من خلفها، يمرر زهرة حمراء اللون على طول رقبتها، ابتسمت بخجلٍ وهي تردد باستغرابٍ:
_صحيت أمته؟.
وقف قبالتها وهو يتطلع لها بزيتونية عينيه العاشقة ليجيبها بصوتٍ منخفض:
_من وقت ما اتسحبتي من جانبي علشان تيجي هنا..
اهتمامه بأقل تصرف تفعله يجعلها سعيدة للغاية حتى وإن لم تظهر هي ذلك، عينيها اقتبست نظرات مطولة لعينيه وكأنهما بعناقٍ طويل دفئ، عاد الدوار المعتاد ليهاجمها من جديدٍ، فاستندت بيدها على صدره وبأصبعها فركت جبينها بألمٍ شديد، أمسك "رحيم" يدها وهو يتساءل باهتمامٍ:
_دايخة؟..
هزت رأسها تأكد له ما تشعر به، فحملها بهدوءٍ ثم هبط الدرج الجانبي لليخت الأبيض ليصبح بالطابق السفلي، وضعها على المقعد المطول القريب من البار المطل على المطبخ الصغير بأحد زوايا الطابق الأرضي، ثم وقف ليتفحص ما وضعه الخادم بالبرادٍ قائلاً بضجرٍ:
_أكيد لازم تتدوخي لانك مش بتأكلي كويس ولا مهتمة بادويتك..
وجذب بعض من ثمار الفاكهة ليضعها من أمامها ثم جذب الحليب ليسكب منه بكوبٍ كبير ليشير لها بحزمٍ:
_كنت حابب أجهزلك فطار بس للاسف ماليش في أمور الطبخ دي فأجباري انك تشربي اللبن وتأكلي الفاكهة اللي قدامك دي، سامعة!..
اخشونت نبرته وهو يضيف كلماته الاخيرة، فاستندت بوجهها على معصمها وهي تجيبه بابتسامةٍ ساحرة:
_معتش بخاف منك على فكرة، فملوش داعي التشديد ده..
ابتسامة صغيرة داعبت شفتيه، فاسند ذراعيه أمام صدره وهو يجيبها بثباتٍ:
_ده أحنا قلبنا قوي بقا..
تعالت ضحكاتها وهي تهز برأسها كأجابة صريحة له، ثم التقطت أحدى ثمار التفاح لتقضمها وهي تقترب منه بمكرٍ، وقفت جواره وهي تلقي نظرة متفحصة على محتويات المطبخ، فجذبت من البراد البيض وبعض الاشياء التي تحتاجها لصنع سفرة صغيرة من طعام الافطار الشهي، استند "رحيم" بجسده على الطاولة من خلفه وهو يراقبها باهتمامٍ، ارتبكت من نظراته فقالت بتوتر:
_بدل ما أنت واقف تبص كده ساعدني وقطع الخضار، تحرك بثباتٍ حتى وقف أمام الطبق الموضوع، حك طرف أنفه بحيرةٍ ونظراته تتوزع بين محتوياته، جذب احدى ثمار الطماطم ثم قرب منها السكين ليقطعها بشكلٍ عشوائي، تعالت ضحكات "شجن" بتسليةٍ وهي تراقبه، فترك السكين عن يديه ثم جذب المنشفة ليجفف يديه وبنظراتٍ صارمة قال:
_بتضحكي! ، عارفة أنا غلطت اني نزلت معاكي المكان ده من الأساس، أنا طالع فوق خلصي وتعالي.
وتركها وغادر من أمام عينيها، فحاولت كبت ضحكاتها ولكنها لم تستطيع، انتهت أخيراً من صنع طبقين فحملتهم وصعدت للطابق الاخير باحثة عنه، وضعت الأطباق على الطاولة التي تتوسط اليخت ثم بحثت عنه بخوفٍ، وحينما لم تجده باليخت بأكمله، رفعت صوتها برعبٍ:
_"رحيم"! ...
هبطت للطابق الثاني وصوتها يناديه بفزعٍ، وحينما لم تجده اوشكت على هبوط الدرج لتصل للطابق الأول فكادت قدميها بالتعثر بأحدى الدرجات لتجد من يحيل بينها وبين الأرض، فرفعت عينيها بصدمةٍ لتراه يقف أمامها، المياه تتناثر على شعره وصدره بغزارةٍ، وعلى أحدى كتفيه يحمل المنشفة، فعلى ما يبدو بأنه كان يسبح بالمياه وحينما استمع لصوتها خرج سريعاً ليراها تتعرض لحادث للمرة التي لا يذكر عددها، هدأت قليلاً، فوضعت يدها على صدرها الذي يرتفع بعنفٍ وكأنها تهدأ حالها، حدجها بنظرةٍ ثابتة ختمها بقول:
_وبعدين، هتفضلي تخافي كده كتير!..
رفعت عينيها تجاهها وهي تزيح خصلات شعرها المتمردة عليها، قائلة في ترددٍ:
_طبعاً لازم أخاف لانك مش موجود معايا وأنا هنا لوحدي..
وبارتباكٍ أسترسلت دون ان تعي ما تقاله:
_وبعدين أنا خوفت عليك أكتر، أنت عداوتك كتيرة وممكن حد يستغل انك هنا لوحدك من غير حرس وكده..
ابتسم وهو يجيبها:
_على أساس اني مش هعرف ادافع عن نفسي من غير الحرس!...
هزت رأسها يساراً ويميناً ثم عادت لتؤمأ بها بارتباكٍ جعل بسمته تتسع، فلف ذراعيه حول قدميها والاخرى اسفل رأسها ليحملها ويصعد بها الدرج، صعقت للغاية، فكادت بالحديث ليقطعها هو قائلاً وقد اوشك على الوصول للطابق الاخير:
_اعداء مين اللي توصلي وسط البحر أنتِ بتتفرجي على مسلسل الخطوط الحمرا كتير ولا أيه، أنا أي حد حابب يهاجمني وأنا لوحدي بيفكر ألف مرة في مصيره ونهايته اللي مش هتكون على أيد حد غيري..
هزت قدميها بعنفٍ وهي تشير له بحدةٍ:
_نزلني..
ابتسم وهو يجيبها بمكرٍ:
_ليه، اول مرة اشيلك مثلاً!..
عبثت بشعرها وهي تجيبه بارتباكٍ:
_لأ، بس ده لما بكون تعبانة، وبعدين انا هدومي كلها اتغرقت مياه!..
بقيت نظراته عليها فالجمتها عن استكمال باقي حديثها، جذب بقدميه المقعد ليستقيم مقابله والاخرى تتابعه بذهولٍ، وضعها عليه ثم انحنى ليمرر المنشفة على طرف فستانها الأزرق، وكأنه يزيح البلل، ثم استقام بوقفته ليجفف صدره جيداً، جلس على المقعد مقابلها ليجذب الشوكة والسكين ليبدأ بتناول طعامه فصرخت به بدهشةٍ:
_أنت هتأكل كده!..
قال دون النظر اليها:
_عندك اعتراض!، ولا بتتحرجي..
بللت شفتيها بتوترٍ فقالت بانزعاجٍ مصطنع:
_لا عادي براحتك..
ثم شرعت بتناول طعامها وهي تحاول حجر الكلمات التي تنتابها، فوضعت السكين عن يدها لتزفر بضيقٍ:
_هتأخد برد على فكرة..
ترك "رحيم" الطبق وجفف فمه بالمنشفة، لينهض ثم غادر باستسلامٍ ليعود بعد قليلٍ مرتدياً سروال قصير بعض الشيء وتيشرت أسود اللون، فجلس محله مجدداً، ثم شرع باستكمال طعامه وهو يتساءل:
_كده حلو!..
أومأت برأسها مرات عديدة وابتسامتها تزين وجهها، فابتسم وهو يتابعها تتناول طعامها براحةٍ بعدما امتثل "رحيم زيدان" لرغباتها ولما تريد، شرد بوجهها وبحركاتها التلقائية، حتى حديثها المتلهف عن رؤية ما تحمله باحشائها، شعر بعد غياب دهر كامل بانه حصل على الحياة الأسرية أخيراً مع من سكنت القلب قبل أن تسكن طرب الفؤاد..
*************
نهض عن الفراش بعصبيةٍ بالغة والعرق يتصبب بغزارة على جبينه، فجذب علبة السجائر الخاصة به ثم خرج للشرفة سريعاً قبل أن يطيح بها، ببكاءٍ شديد التقطت "فاطمة" ملابسها لترتديها بدموعٍ كالشلال، ثم لحقت به بخطواتٍ مترددة، وقفت على بعدٍ منه وهو يشعر بوجودها، فاستدار "يامن" مقابلها وهو يحدجها بنظراتٍ قاسية، كادت بالحديث ولكنه ترك الغرفة بأكملها، فخانتها قدميها لتجلس أرضاً تبكي دون توقف..
*****************
انتظرت "صباح" عودة زوجها ولكنه لم يعود، فأصبح الأمر مقلق للغاية، ارتدت نقابها ثم هبطت للاسفل سريعاً متجاهلة تماماً بكاء صغيرها، وجدت "ريان" يجلس على المائدة بالاسفل و"سارة" لجواره، وعلى ما يبدو كان شارد، ما ان رأتها سارة حتى أشارت لها بابتسامةٍ صافية:.
_صباح الخير يا صبوحة، تعالي أفطري معانا..
قالت بصوتٍ مبحوح من أثر البكاء:
_الف هنا يا حبيبتي ماليش نفس..
ثم وجهت حديثها لريان:
_طمني عرفتوا حاجة عن "إياد"؟..
هز رأسه بخيبةٍ أمل وهو يجيبها:
_للأسف معرفناش نوصل لحاجة حتى اصحابه مرحش لحد فيهم..
رددت" سارة" بذهولٍ:
_هو "إياد" ماله يا "صباح"؟..
أجابتها ببكاءٍ حارق:
_مرجعش البيت بقاله يومين..
دُهشت مما استمعت اليه، فقالت بحيرةٍ:
_هيكون راح فين بس!..
وكأن الاجابة زفت اليهم أخيراً حينما قطع الخادم جلستهم قائلاً وعينيه أرضاً:
_مكالمة علشانك يا باشا..
هز رأسه بخفةٍ وهو ينهض عن مقعده، فاتجاه للهاتف المعلق، استمع للطرف المتساءل فاجابه في ثقةٍ:
_أيوه أنا"ريان عمران"..
وصمت قليلاً ليستمع لما يود قوله، فردد" ريان" بصدمةٍ كادت بأن تهزه:
_"إياد" أخويا، مستشفى أيه؟...
واغلق الهاتف سريعاً ثم اسرع للمائدة ليجذب مفاتيح سيارته، عارضت "صباح" طريقه وهي تسأله بفزعٍ:.
_اياد ماله، رجلي على رجلك..
أشار لها فأتبعته وهو ترفع صوتها لسارةٍ ببكاءٍ حارق:
_خلي بالك من "جان" يا "سارة".
اجابتها ببكاءٍ:
_متخافيش في عيني يا حبيبتي، ربنا يطمنك عليه يارب..
وغادروا سريعاً للمشفى اما" سارة" فأسرعت للأعلى لترى الصغير..
************
بمكتب "جان زيدان" ..
ولجت السكرتيرة للداخل، لتقف من أمام مكتبه قائلة في احترامٍ:
_في واحد من الأمن عايز يشوف حضرتك يا فندم..
رفع عينيه عن حاسوبه، ليردد في استغرابٍ:
_يشوفني أنا، غريبة!.
ثم أشار لها بصرامةٍ:
_دخليه..
أومأت برأسها ففتحت باب المكتب لتشير لمن بالخارج بالولوج، دخل فرداً من الامن، فجلس على المقعد المقابل اليه باشارة منه، ليتساءل "جان" بهدوءٍ:
_طلبت تشوفني، خير!..
أجابه الرجل بعدما انحنى بجسده ليقدم الهاتف اليه قائلاً:
_في حاجة حصلت ولازم حضرتك تشوفها..
التقط الهاتف منه، ليصدم كلياً حينما رأى مقطع فيديو لأياد وهو يتجه للجراج الخاص بالشركةٍ بعد انتهاء دوامه وما حدث أمام عينيه كارثة بكل ما تحمله الكلمة، على الفور جذب هاتفه ليطلب "ريان"...
******************
وصل" ريان" للمشفى اخيراً، فصعد للغرفة المنشودة، تعجب حينما وجد "مروان" و"فارس" بخارج الغرفة، فدنا منهما وهو يتساءل في خوف:
_في أيه، أخوك ماله؟..
تهاوي الدمع بعين "مروان"، وكأنه لم يجرأ على اجابته على هذا السؤال، بكت" صباح" وقلبها يقرع الطبول بخوفٍ لا مثيل إليه، هزه "ريان" بعنفٍ وهو يسأله مجدداً:
_أخوك ماله انطق!..
وحينما لم يجيبه، سأل من يقف جواره بقلقٍ:
_في ايه يا "فارس"؟..
فتح" فارس" الباب من أمامه، ليطل من خلفه أبشع منظر قد يرأه أب قد حاوط على ابنائه طوال العمر، ولج للداخل بخطواتٍ متثاقلة، ليجد أخيه مستلقي على فراش يحاوطه عدد من الأسلاك، رأسه محاطة بشاش أبيض يحجب ملامحه المحببة عن رؤياه، قدميه مكسورة ويديه معاً، جسده ملتف بأكمله بشاش ابيض وكأن هناك سيارة صعدت على جسده بأكمله، فرت الدموع من عين "ريان" وهو يراه بهذة الحالة المقبضة، فتحجر بمحله بجسد يقشعر بألمٍ، على عكس صباح التي تحركت تجاهه وهي تصرخ بفزعٍ:
_"إيـــــــــــاد"!..
كادت بأن تلامسه فقيد "مروان" حركاتها قائلاً ببكاءٍ:
_الدكتور محذر أن محدش يلامسه..
بكت بقهرٍ حتى لم تعد تحتمل ما تراه فسقطت مغشي عليها بين يديه، دق هاتف "ريان" في تلك اللحظة فرفعه بثباتٍ ليستمع لصوت "جان" المفزع:
_"ريان" تعاللي فوراً، "إياد" آآ..
قطعه قائلاً بانكسارٍ:
_"إياد" قدامي بالمستشفى، أخويا بين الحيا والموت يا "جان"..
استعلم منه عن عنوان المشفى والتقط مفاتيحه ليسرع اليه على الفور.
دقائق معدودة وامتلأت المشفى بأفراد عائلة"زيدان" وعلى رأسهم "طلعت زيدان" الذي اتى مسرعاً حينما تسرب خبر ما تعرض له ابن شقيقته الراحلة، وصل "جان" و"آدم"للمشفى سوياً فاسرع اليه "ريان" ليرى ما يحمل بحوذته، شعر "سليم" بأن هناك أمراً غامض يدور بين "ريان" و"جان"وكلاً من "مروان" و"فارس"، فانضم اليهم ليشاهدوا معاً مقطع الفيديو الذي وزع على هواتفهم جميعاً ليرى به مقطع لإياد يكاد بالصعود لسيارته بعدما انتهى من دوام عمله بشركة "جان" ليوقف امامه ستة رجال وعلى ما بدى اليهم بأنهم صحبة من الماضٍ، في البداية كان الحديث فيما بينهما شبه طبيعي الى ان اخرج أحداهما كيس من المخدرات ليقدمه لإياد الذي رفضه بابتسامة وعلى ما بدى من صور الفيديو بأنه اخبرهما بانقطاعه التام عن تناول تلك العقاقير السامة، تلوثت وجوههم بغضب شيطاني وحقد دافين لمن يترك تلك العادة القاتلة، فحاولوا معاً اجباره على ارتشافها، فالقى اياد بمحتويات الكيس أرضاً مما أثار غضبهم فاجتمعوا من حوله ليبرحوه ضرباً، فلم يكتفوا بالكدمات المميتة، بل جذب احداهما عود غليظ مصنوع من الخشبٍ، فقيدوه جميعاً ليكسر هذا الرجل الكريه ذراعيه وقدميه معاً ومن ثم اجزاء متفرقة من جسده حتى غرق إياد بدمائه السائلة، فحملوه بالسيارة وغادروا المكان باكمله، وكأستنتاج صريح بأنهم القوه بعيداً بمكانٍ معزول حيث تم العثور إليه جثة هامدة..
غلت الدماء بعروقهم جميعاً، ففار دماء الثأر لشرف عائلة "زيدان" بالعروق، غادر الشباب بأكملهم المشفى بعدما كلف "جان"، "حازم" بجمع معلومات مسبقة عن هؤلاء فلم يكن من الصعب الوصول اليهما كونهم من أسياد الشر والبلطجة المعهودة بتلك المناطق الدامية، وصلت السيارة للمكان المحدد فكان من يقود تلك السيارة المطولة "سليم" الذي أبدى عن تعليماته قائلاً:
_هننتقمله وكل حاجة بس بلاش نبالغ..
نطق "فارس" بغضبٍ:
_مبالغة ايه يا "سليم" الكلاب دول لازم يتقتلوا النهاردة..
ايده "مروان" بالحديث المتعصب:
_أنا يا قاتل يا مقتول النهاردة..
صاح "سليم" بصرامةٍ:
_كده هنخليكم هنا بالعربية ومستحيل هتنزلوا، احنا هنربيهم وهنجيب حق اياد بس من غير قتل وشبهة ممكن تلوث سمعة العيلة، متنسوش مركز رحيم ومراد مش معقول هيكونوا في الشرطة واحنا نعرضهم للموقف اللي نبقى فيه قدام القضاء..
قيد "آدم" حديث "سليم" قائلاً:
_سليم عنده حق، كسروا عضامهم واعملوا ما بدالكم بس بلاش قتل..
أشار لهم "جان" بحذرٍ:
_في حد منهم خارج..
انتبهوا جميعاً لحركة احد من الرجال، فهبطوا سوياً ليهاجمه "ريان" بعنفٍ، فدقق النظر بوجهه بغضبٍ، يود به العثور عن صاحب المطرقة، ولج "مروان" و"فارس" للداخل، لتشب معركة دموية بينهما وبين شباب عائلة "زيدان" ..
طرح "آدم" احدهما أرضاً ليكيل له اللكمات التي اقتلعت أحد أسنانه من فرط قوته، أما "سليم" فأقترب من الرجل صاحب المطرقة، ففرض صورة الفيديو من أمامه ليرى ما فعله، غامت عينيه على قطعة من الحديد ملقاة أرضاً، فجذبها ليضربه بقوة على قدميه الأيسر، فعرج عن الحركةٍ ومن ثم تلقى ضربة على العظمة بقدميه اليمنى ليعلو صوت انكسار قدميه، زحف على يديه وهو يبكي من فرط الألم ولكن من لم يشفق على احداً لا ينال الشفقة أبداً، نواله "سليم" ضربة فتكت بذراعيه ومن ثم عدد من الضربات المتفرقة بأنحاء جسده مثلما فعل بابن عمته، ليردد في غضبٍ:
_اللي يلعب مع حد من عيلة "زيدان" يبقى لعب مع ملاك موته..
وألقى بالحديد ارضاً ليبصفق بتقزز على من تمدد أرضاً جثة هامدة..
كاد احداهما بضرب "ريان" مستغلاً انشغاله بضرب الاخر، فوقف "جان" خلفه كالعنقود الثائر ليحمي ظهره، لف يديه حول عنقه ومن ثم رفعه ليهوي برأسه على الحجارةٍ من خلفه، بينما طرح "ريان" من يلكمه أرضاً ليركله بقدمه اليمنى بعنفٍ شديد..
كان الاشد غضباً وانفعال من بينهما "مروان" و"فارس" فكانوا يلكمون الرجال درساً قاسياً حد الموت لانفعال طباعهما المشابهة لكلاً منهما، انبطح الرجال ارضاً كالجثث الهامدة فخرجوا سوياً من السرداق الطويل الذي يستخدمونه كمكان خفي لارتشاف المخدر، اغلقوا عيونهم جميعاً حينما وجدوا أضواء سيارات مسلطة بأعينيهم لتبدو الرؤيا مشوشة قليلاً ومن ثم اتضحت بوقفة "مراد زيدان" الذي يتوسط سيارات الحرس بوقفته الصلبة ونظراته الحادة التي تتوزع بينهما بالتساوي وبالأخص "سليم" الذي تحرك ليقف مقابله، فقال باندفاعٍ:
_مكنتش أقدر امنعهم لأن ده يمس شرفنا كلنا..
رفع "مراد" كفه ليمنعه من استكمالٍ حديثه، ثم خطى ليقترب من الشبابٍ بأكملهم..
كلاً منهم يقف بشكلٍ فوضوي، من حالفه يوماً يقف جوار من كان حلف لرحيم، اليوم عرض اليه موقف قدمته الصدمة على طبق من ذهب ليرى بعينيه اتحاد عائلة كانت كالماء الذي لا يتجانس مع الزيت، اليوم عهد بعينيه اعظم انتصاراته المشتركة مع أخيه، تلاشت بسمة الفخر المرسومة على عينيه بهالةٍ مخيفة حينما لمح أحد الرجال البلطجية يسلط سلاحه على أحد من افراد عائلته، لم يتردد ثانية واحدة ليخرج سلاحه لتستقر رصاصه بجبين من يقف خلف "ريان" بالتحديد..
كانوا يظنوا بانهم سيتلقون الكلمات الحازمة لما فعلوه ولكن ما فعله "مراد" كان مفاجئ للجميع حينما نادى بصوتٍ مخيف:
_"حازم"..
أسرع اليه راكضاً، ليتلقى الأمر المرعب:
_الكلاب دول يتدفنوا حين علشان يبقوا عبرة لمن اعتبر، فاهم!..
هز رأسه وانطلق هو ورجاله لينفذوا اوامره تحديداً، وضع مراد سلاحه خلف ظهره وهو يشير لسليم بهدوءٍ:
_مش دول اللي يتعلم عليهم يا "سليم" دول حلال فيهم القتل..
وأشار بيديه على من يتوسط الارض قتيلاً بسلاحه:
_بعد الدرس اللي أخدوه ومبيفكرش غير بالغدر، دول ملهمش غالي ولا هدف بالحياة غير الأذية..
ربما هو يمتلك خبرة اكثر منهما لتعامله المستمر مع أشكالهما فأشار لهما بابتسامةٍ شيطانية وهو يهم بالصعود لسيارته:
_مش كنتوا تعزموني على الحفلة من أولها، تتعوض..
وأشار لهم بيديه باشارة وداع ليغادر بابتسامته الخبيثة، فابتسموا جميعاً ليصعد كلاً منهما للسيارة..
*************
بفيلا "عباس صفوان" ..
أدت فرضها بدموعٍ الشكوى لله عز وجل عما تمر به من محنةٍ قد توشك بزفافها وبخسارةٍ زوجها، فعلى الرغم من صمته عن الكلام الا ان عينيه تشير بألف إتهام وإتهام، جلست على سجادة الصلاة تدعو الله ان يفرج كربها، فأستمعت لخطواتٍ تدنو منها، جلس "يامن" على طرف الفراش المقابل لها، وهو يجاهد لخروج الكلمات حتى قال:
_"فاطمة"أنتِ عارفة أنا بحبك اد أيه، صح..
بللت شفتيها بلعابها وهي تجلي صوتها بصعوبةٍ:
_ايه لزمته الكلام ده..
اجابها على الفور:
_مستعد اغفرلك اي غلط كنتي ماشية بيه بس تكوني صريحة معايا، انا أكتر حاجة بكرهها في حياتي الكدب والخداع خلايكي صريحة معايا وأنا أوعدك أن الموضوع ميطلعش بينا..
تساءلت في حيرة من فهم ما يلقيه على مسماعها أو قصدت عدم الاستماع لما فهمته من حديثه عنوة حتى لا يتحطم قلبها:
_مش فاهمه أنت تقصد ايه؟..
قال بشكلٍ صريح:
_أنتِ وإياد حصل بينكم علاقة في فترة الخطوبة..
كاد فمها بأن يصل للارض من فرط الصدمة التي تختبرها الآن، استغل صمتها وبرر بكلماته التوضحية:
_يعني ده اللي خلاكي كنتي عايزة ترجعيله بأي طريقة وده برضه السبب في اختفاء إياد من الفرح..
تحرر صوتها أخيراً وهي تصرخ به دون توقف:
_أنت بتقول ايه أنا مش مصدقة اللي بسمعه، علاقة ايه اللي بتتكلم عنها، انا اشرف منك ومنه ومن أي حد يجيب سيرتي بالباطل..
وقف قبالتها وقد خرج عن رداء صمته المهين لرجولته:
_لا مهو واضح..
ولف يديه حول حجابها ليصرخ بها بشراسةٍ:
_انا اللي غلطان اني كنت فاكر انك ممكن تفكري بالعقل وتصارحيني، وانتي عارفة اني بكره الكدب، لسه بتنطحيني ومصرة على كلامك، وانا معنديش أي مانع امشي معاكي للاخر..
وجذبها بالقوة ليخرجها من الغرفةٍ فبكت وهي تحاول الانفلات منه قائلة بانكسار:
_انا مستحيل اعيش معاك ثانية واحدة أنا راجعة بيت اهلي وحالا..
جذبها للخارج وهو يجيبها دون التطلع اليها:
_ما انتي هترجعي بيت اهلك بس لما أفضحك قدام نفسك وقدام الكل..
رددت بصدمةٍ من الفكرة التي روادتها:
_تقصد ايه؟؟.
أجابها بعدما وقف قبالتها:
_الدكتورة اللي هتحدد اذا كنتِ بنت ولا زي ما أنا متأكد...
صرخت به بجنون:
_انت حيوان وسافل وآآ..
بترت كلماتها حينما انهال على وجهها بصفعاتٍ متتالية جعلت الدماء تنسدل من وجهها دون توقف، فجذبها بالقوةٍ لسيارته وهي ترجوه الا يفعل بها ذلك، توقفت السيارة بعد دقائق امام المشفى، فجذبها بالقوةٍ للداخل، بكت وهي تتوسل اليه:
_متعملش فيا كده يا "يامن"، بلاش تكسرني بالشكل ده والله العظيم أنا بريئة محدش لمسني والله العظيم ما بكدب عليك..
حدجها بنظرةٍ معتمة وكانه فقد كل ذرة حب امتلاكها يوماً ليجرها من خلفه وهو يجيبها بسخطٍ:
_وخايفة ليه مدام بريئة، هنشوف الوقتي..
وجذبها بقوةٍ فصرخت ببكاءٍ:
_سبني بقولك، أنا بكرهك يا" يامن"، وهكرهك العمر كله انا متخدعتش في حد في حياتي أكتر ما اتخدعت فيك..
تجاهل كلماتها فجذبها لداخل غرفة الطبيبة، ليدفعها على الفراش المهين بعنفٍ، نهضت الطبيبة عن مقعدها وهي تصرخ بقلقٍ:
_في أيه اللي بيحصل هنا ده!.
اشار لها يامن بعصبيةٍ بالغة:
_الهانم لسه متجوزين بقالنا يومين وللاسف اكتشفت انها مش عذراء وهي مصممة ان محدش لمسها، اتفضلي أكيديلي الكلام ده..
منحتها الطبيبة نظرة شاملة فرأت الجروح التي تملأ وجهها، لتصيح بانفعالٍ:
_ودي طريقة تتعامل بيها معاها، اطلع بره بدل ما اطلبك الامن فوراً.
وقف "يامن" قبالتها، ونظراته تحدجها بقسوةٍ جعلتها تتراجع للخلف بخوفٍ وخاصة حينما قال:
_انتي متعرفيش انا مين ولا ابن مين، اللي هتعمليه دلوقتي انك هتكشفي عليها ومعكيش غير دقايق تردي فيهم عليا ولو كدبتي صدقيني انا هعرف أعاقبك ازاي..
بلعت ريقها الجاف بصعوبة، فاشارت له بانصياعٍ، اتجهت لفاطمة التي يرتجف جسدها بعنفٍ وهي تتوسل لها:
_ابوس ايدك متقربليش انا عايزة اخرج من هنا اطلبيلي اخويا او ماما ارجوكِ..
عاونتها على الصعود للفراش وهي تردد بخوفٍ ممن يقف خلفها:
_متخافيش يا بنتي، معلشي لو انتي طاهرة اثبتيله ده وبعد كده ابقي اتصرفي زي ما تحبي..
انهمر الدمع على وجنتها دون توقف، فقالت ووجهها مندث بين يديها:
_طيب خليه يطلع بره انا مش طايقة اشوف وشه..
ابتسم ساخراً ثم غادر الغرفة ليغلق بابها بقوةٍ افزعتهما..
انكسارها بتلك اللحظة لا يضاهي اعوام ليرمم جرحها، من ظنته امانها وزوجها الحبيب أتى بها لطبيبة تخدش حيائها لتتاكد من عفتها، الم يتملك الثقة اللازمة ليصدق حديثها، وفوق كل ذلك يتهمها بأنها كانت على علاقة تجمعها بخطيبها السابق، دمعاتها الساخنة بترت الحب القابع بقلبها تجاهه، فانكسرت كالمزهرية الباهظة لتصبح بقايا، بقايا لأنثى عاشقة، ربتت الطبيبة على قدميها برفقٍ:
_قومي يا حبيبتي، وارفعي رأسك لفوق انتِ زي ما انتي..
ابتسمت في سخريةٍ وكأنها تخبرها بما لا تعلمه، فكادت بالخروج من الغرفة لتسرع "فاطمة" اليها، قبلت يدها وهي تبكي بحرقة:
_أرجوكي متخرجنيش ليه، انا مش قادرة اشوف وشه اطلبي اخويا وخليه يجيلي ابوس أيدك..
أدمعت عين الطبيبة وهي تخبرها بابتسامة ترسمها بالكد:
_ليه مهو هيعرف انه غلط في حقك وبديهي انه يعتذرلك الف مرة..
قالت بكره:
_مش عايزة منه حاجة، ارجوكي ده رقم اخويا خليه يجيني..
التقطت منها الرقم ثم قالت بدموع الشفقة:
_اقفلي على نفسك كويس بالمفتاح وانا هطلب اخوكي حالا..
وخرجت الطبيبة لتغلق "فاطمة" الباب من خلفها سريعاً لتنهار ارضاً من خلفه تبكي بانكسارٍ..
*********
بالخارج..
طلبت الطبيبة رقم "جان" دون ان توضح له بالكثير سوى ان شقيقته بالمشفى وبحاجة إليه، وعلى الفور ركض "جان" للمشفى بصحبة "آدم" الذي كان لجواره بذاك الوقت، فخرجت الطبيبة للاستقبال حينما أنهت مهامها على اكمل وجه، فما ان راها حتى اقترب منها يتساءل بلهفةٍ:
_ها..
منحته نظرة ساخطة ثم أجابته الطبيبة بغضب:
_مراتك عذراء يا أستاذ يا محترم يا اللي بتتباهى بنفسك وبعيلتك ومخلتش حاجة للانسان الجاهل اللي ميعرفش حاجة..
اهتز جسده بعنفٍ، فردد بعدم تصديق:
_أنتي بتقولي أيه؟.
اجابته بايضاحٍ:
_الغشاء عندها من النوع المطاطي وده نوع لا يتم فضه بسهولة عند الاتصال الجنسي وأحياناً بنلجأ لعملية جراحية لتسهيل الموضوع..
تأملت حالة الصدمة التي سيطرت عليه بنظرةٍ متشفية لتستطرد حديثها بغضبٍ:
_أغلب الحالات اللي بتيجي لينا بتكون كده، ولان للأسف مش بيكون في ثقة، اعتقد شكلك مثقف وابن ناس فمستغربة الموضوع ده عدى عليك ازاي!..
لم يجد كلمات تنقذه مما يشعر به الان، خانته قدميه فجلس على اقرب مقعد قابله، احنى رأسه في استسلامٍ تام للحالة المسيطرة عليه، أفاق يامن من غفلته على صوت يعرفه جيداً حينما نطق جان بقلق:
_في ايه يا يامن، فاطمة مالها؟..
الجم لسانه عن النطق فحتى انه تناسى بأنها شقيقة صديقه الوحيد قبل أن تكون حبيبته، انتبهت لصوت اخيها فنهضت تتطرق على باب الغرفة وهي تناديه بصوتها المنكسر:
_"جـــــــــــــــــان"!...
.............. يتبع...............
ترقبوا الحلقات الاخيرة من سلسلة
#الجوكر_والاسطورة..
#بقلمي_ملكة_الإبداع..
#آية_محمد_رفعت..
********____________*********
متنسوش معرض عمان لسه شغال معاكم التفاصيل وكمان في توصيل لباب البيت
#إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع في #معرض_عمان_الدولي_للكتاب في أرض معرض عمان الدولي للسيارات طريق المطار من 23 سبتمبر حتى 2 أكتوبر ان شاء الله
جناح إبداع جناح رقم. G10 أقصى يسار المعرض في الكورنر...
=========
المفاجأة الكبرى
=========
الافتتاح غدا
وأسعار الكتب في الجناح تبدأ من دينار واحد، أيوة دينار واحد فقط.
وكمان عروض وخصومات خاصة على كل الكتب خلال فترة المعرض
========
المعرض مفتوح من الساعة 10 ص ل 10 مساء كل يوم عدا الجمعة من 4 عصرا ل 11 مساء
=========
للتواصل في عمان واتساب الرقم 00201004022774
أو هاتف رقم 962788026982
=========
في انتظاركم يوميا في جناح رقم G10 في الكورن أقصى اليسار
=========
#إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع
#شغف_القراءة
#في_كل_كتاب_حياة
#أطلق_عنان_أفكارك
#الأقوى_قادم
#معارض_خارجية
#معارض_داخلية
#معارض_الكتاب
#إبداع_A1
#إبداع_بوك_ستور
#عروض_إبداع
#إبداع_في_عمان_الأردن
#معرض_عمان_الدولي_للكتاب_2021
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الثاني عشر 12 - بقلم آية محمد رفعت
الجوكر_والأسطورة5...(#متى_يهتدي_الوصال؟!..)..
#الفصل_الثاني_والخمسون..
إنسحب سريعاً ليقف أمام الغرفة حينما استمع لصوتها المنادي، طرق "جان" الغرفة طرقات متتالية وهو ينادي:
_"فاطمة"!...
ما أن تأكد ظنونها حتى حررت المفتاح العالق بجسد الباب الأبيض المطلي بلونه هذا ليبعث بالنفسٍ الراحة والسكينة التي لم تعهدها بداخل هذة الغرفة مطلقاً، فما أن فُتح الباب حتى أسرع "جان" للداخل فتشبثت به، وكأنه مفتاح نجاتها مما تلاقاه على يد زوجها، أمسكت "فاطمة" بيديه وهي تناديه بقهرٍ:
_"جان"..
تطلع لها بذهولٍ وخوف من رؤية حالتها الغريبة، فحانت منه نظرة جانبية للغرفة ليكتشف كنايتها، فعلى الفور تساءل بتعجبٍ:
_بتعملوا أيه هنا؟..
رفعت عينيها المتورمة من أثر البكاء فلمحته يدنو منها، أهتز جسدها بعنفٍ فاستدارت لأخيها لتجيبه بانكسارٍ أتبع لهجتها:
_ جوزي اللي المفروض يكون أماني، جايبني لحد هنا علشان يتأكد اذا كنت عذراء ولا لا!..
أغلق "يامن" عينيه بوجعٍ وهو يستمع كلماتها القاتلة أما "جان" فظل يتطلع لها بعدم تصديق وكأن ما قالته لتو لم يكن حقيقة او عله يتوهم سماع ما قالته، صوت بكائها المزلزل عصف بكيانه ليتأكد الأن بأن ما قالته حقيقة فاضحة، شعرت "فاطمة" بأنفاسها تسحب ببطءٍ حتى صارت غير قادرة على المقاومةٍ فمنحت السكينة لجسدها الهزيل فسقطت أرضاً فاقدة للوعي المهين، أسرع "يامن" إليها وهو يردد بذعرٍ:
_"فاطمة"!!.
كاد بأن يحملها فدفعه "جان" بقدميه للخلف ليقف أمام جسد زوجته الممددة، ثم أشار له بنظراتٍ شرسة:
_أيدك القذرة دي متلمسش أختي طول ما أنا حي..
فقال ومازال يقف أمامها كالسد المنيع:
_"آدم"، خد "فاطمة" على العربية..
أومأ "آدم" برأسه فحمل فاطمة بحرصٍ شديد ثم مر من جوارهما فطوفها من سقط أرضاً بنظرةٍ حملت شتى المعاني المؤلمة، يصعب رؤياها لأحداً أخر يحملها غيره؛ ولكن ما فعله بها لا يغتفر، انسدل الدمع من عينيه التي لم تعهد الضعف والبكاء قط، استحق ذلك بعدما وجد ذاته جلاد قاسي، وحينما عهدته القسوة لم تختار سوى الأقرب للقلب!..
انحنى "جان" بجسده ليجذبه بقوةٍ من جاكيته فنهض استسلاماً لمن يجذبه، حتى وقف مقابله فواجه نظراته الهائجة، هزه بعنفٍ وهو يردد بسخطٍ:
_قسماً برب العزة لو حد تاني كنت دفنته هنا حي، خليك فاكر دايماً اني سبتك حي بعد اللي عملته في أختي الوحيدة لانك كنت في يوم من الأيام صاحبي وأنا بعد اللي شوفته اتعلمت مغدرش بصديق ليا حتى لو مهما عمل..
ثم دفعه بقسوةٍ ليرطم جسده بباب الغرفة من خلفه، ليستكمل "جان" كلماته الشبيهة بالخناجر القاتلة:
_ورقة طلاق أختي توصلني في أقرب وقت ومن هنا ورايح تنسى ان كان ليك صاحب من عيلة "زيدان" ....
وتركه وغادر على الفور قبل ان يستسلم لشيطانه فيقتله، أما "يامن" فجلس على المقعد المعدني القريب منه وهو يحتضن رأسه بين يديه، لا يعلم أي عقل امتلكه هذا ليفعل ذاك الأثم، فحتى إن لم تكن زوجته فهي شقيقة صديقه الوحيد، أين كان عقله حينما فعل بها ذلك، اين كان عقله حينما أتى بها لمكانٍ هكذا، ليته كان ضريعاً قبل ان يفعل به وبها ذلك.
**************
طريق طويل خاضته بكل جراءة وشجاعة امتلكتها لتقف لجواره، لتتمسك بيديه، ربما أن اخبرها أحداهما بأنها ستقف لجواره ويمازحها هو برقةٍ ودلال كانت ستظنه حلم لن يتحقق أبداً، وها هي تقف لجواره كتف لكتف، تعاونه على الانتهاء من بعض الاشياء ليكن المطعم في أهبة الإستعداد للاستقبال وخاصة بأن اليوم هو الأفتتاح، الآن يتحقق أحد أحلامها المستحيلة، شرودها المطول جعلها تتناسى وجودها لجواره وسط عدد لا بأس به من الموظفين ولجوارها يقف "يوسف" يضع تعليماته لأحدهما ثم يشير للأخر بوضع الزينة بالمكان الصائب، أكثر من عملٍ ينجزه وهو يقف بمحله، حانت منه التفاتة صغيرة لمن تقف جواره هائمة به، فوقف مقابلها وهو يتساءل بابتسامةٍ خبيثة:
_شايفك مبهورة باختيارك للبدالة، لو عجباكِ كده ألبسهالك كل يوم!..
لم يرمش له جفن، وكأنها لم تسمعه من الأساسٍ، فلامس معصمها وهو يناديها بقلقٍ:
_"نغم"!..
عادت لأرض واقعها فرددت بتلعثم:
_ها، كنت بتقول حاجة!..
ابتسم وهو يردد باهتمامٍ:
_انتِ شكلك مش معايا خالص، أنتي بتفكري في أيه؟..
خطفت نظرة سريعة من حولها ثم قالت بصوتها العذب:
_هفكر في مين غيرك أنت..
قربها إليه وهو يجيبها بمكرٍ:
_أممم، وبتفكري في أيه بقا؟..
تطلعت لعينيه بنظرةٍ مطولة، ليخرج صوتها الصادق:
_في الظروف اللي فرقت بينا من قبل ما يكون في شيء يجمعنا وهي نفسها اللي رجعت جمعتنا تاني، في القصة اللي انتهت من قبل ما تبتدي وربنا أراد أنها تكمل بعد معاناة..
وابتسمت وهي تستطرد بدلالٍ:
_بفكر في جوزي السوبر مان اللي قدر يعمل لنفسه كيان وعزة نفس مش موجودة عند كتير من الناس، عمره ما اتحرج بأنه فقير بالعكس كان بيعتز بده وبنى نفسه وقدر يثبت لطلعت زيدان وليا أولاً أنه راجل ويقدر يشكل الظروف اللي بيواجهها علشان تليق عليه..
أصابت كلماتها مرمي قلبه، فخفق بجنونٍ وكأنه يود القفز خارج قفصه الصدري ليتراقص على نغماتٍ العشق، فأمسك يدها معاً ثم قربهما من شفتيه ليطبع قبلات متفرقة على يدها، قائلاً بنظرةٍ حانية:
_مكنتش هقدر أحقق حاجة من غير حبك ووجودك جانبي، أنتِ حياة بالنسبالي يا "نغم"..
احتضنته بقوةٍ غير عابئة بمن حولها، فمسد على خصرها بحبٍ، ود لو أختفى العالم من حوله، ليبقوا سوياً بمفردهمل لدقائقٍ، اعتدل" يوسف" بوقفته وعينيه تستقبل من يقف خلف زوجته المتعلقة بأحضانه، فأبعدها للخلف قليلاً وهو يردد بأنفاسٍ الرغبة والشوق:
_"نغم"!..
ابتعدت عنه وهي تتأمله باستغرابٍ، فالتفتت لترى لمن يتطلع هكذا، اجتاذتها الدهشة هي الأخرى حينما وجدت أبيها يقف خلفها، فأقترب منهما وهو يتابعهما بنظراتٍ حفرت بالسعادةٍ، فقال بلهجته الحازمة بعض الشيء:
_سايبن الشغل وواقفين تحبوا في بعض..
أصطبغ وجهها بحمرةٍ الخجل، فالتفتت حولها لتجد مخرج للهروب، فحملت المزهرية الموضوعة لجوارها ثم قالت وهي تهم بالابتعاد عنهم:
_مكانها المفروض يكون تحت..
ثم رفعت نظرتها اليهما قائلة بارتباكٍ:
_عن أذنكم..
وتركتهما وهرولت للأسفل هرباً، فأتسعت ابتسامة "طلعت زيدان" وهو يتأملها تكاد تتعثر في مشيتها وكأنه امسكها بالجرم المشهود مع رجلٍ لا تجمعهما صلة مقدسة، أشار "يوسف" بيديه على الطاولة القريبة منهما قائلاً باحترامٍ:
_اتفضل يا عمي..
هز "طلعت" رأسه ثم لحقه بهدوءٍ، جلس "يوسف" مقابله باهتمامٍ لمعرفة سبب زيارته الباكرة، فالافتتاح ليلاً، أتاه الرد المنتظر ليجيب على أسئلته حينما أخرج "طلعت" من جيب جاكيته ظرف مغلق ليضعه على الطاولةٍ قائلاً بضيقٍ واضح:
_فهمني ده أيه؟..
عرف كناية الظرف وخاصة لأنه المرسل، فاجابه بهدوءٍ:
_ده حقك يا عمي، أنا قبلت اخد من حضرتك المطعم في البداية بشرط أنه هيجي اليوم اللي ارد لحضرتك فيه فلوسك وحضرتك قبلت بده واليوم ده جيه وكان لازم اوفي بوعدي..
دفع الظرف برفقٍ تجاهه ليردد في حزمٍ:
_حط فلوسك في جيبك يا "يوسف" الهدية مش بترجع..
ثم تركه ونهض ليغادر، فجذب "يوسف" الظرف مجدداً ثم لحق به للأسفل ليقف أمامه قائلاً بثباتٍ:
_صدقني يا عمي أنا كده مش هكون مرتاح وهحس أني استغليت حضرتك، وأنا مش كده وبعدين دي فلوس حضرتك..
ابتسم "طلعت" فقال وعينيه تحاوط ابنته التي تقف على مسافةٍ قريبة منهم:
_أنا أمنتك على بنتي تفتكر مش هأمنك على فلوسها، متتكلمش في الموضوع ده تاني...
لم يتمكن من نطق حرف أخر بعد كلماته المختصرة، فتابعه بنظراته وهو يغادر لسيارته بالخارجٍ، وابتسامة الاعجاب تودعه...
************
باسترخاءٍ تام وقفت تؤدي صلاتها بخشوعٍ، وكأنها الضوء المنير بزاوية الغرفة الطبية المظلمة، تردد في إلحاح وتدعو بأن يشفى زوجها ويتخطى تلك المدة التي حددها الطبيب كبيان لمهلة الخطر على حياته، انتهت "صباح" من قضاء فرضها، فجلست على سجادة الصلاة تبكي دون توقف وهي تردد باستغاثة:
_يــــــا رب..
قلبها هذا الذي تأمر من قبل لأجل شخص ظنت بأنها تحبه يبكي اليوم حسرة على حبٍ حقيقي لامسه، ربما كانت تظن يوماً بانها مغلوبة على أمرها للزواج منه حتى لا تفشي فضحيتها أو خشية من أن يتربى ابنها دون أب، ولكن الآن الوضع المختلف، هي أصبحت تحبه بكل ما تحمله معنى الكلمة، سحابة الظلمة اسدلت عليها لتبكي بحسرةٍ كلما خيل لها إنه سيفارق الحياة ويتركها بمفردها...
فتح عينيه ببطءٍ وهو يجاهد التثاقل الذي يهاجمه، وكأن ركن صلاتها كان لمفعوله سحر عظيم لا يقدر عليه سوى الخالق ﷲ عز وجل، صرح بدعوته بأنه قريب يسمع الدعاء وها قد لجئت اليه الضعيفة تنجيه وقد لبى ندائها.
الظلام من حوله هيئ له الأجواء ليبدو مسترخياً بالتطلع إليها، وجدها تبكي وهي تتضرع لله، وبالرغم من آلامه الا انه شعر بالفرحة كونها تبكي لأجله هو، بصعوبة بالغة حرك لسانه ليناديها بارهاقٍ شديد:
_ص ب ا ح..(صباح)..
انتبهت حواسها لما استمعت اليه لتو، فاستدارت بجسدها تجاه الفراش، لتجده يتطلع لها بتعبٍ، أسرعت اليه بلهفةٍ، وهي تردد بعدم تصديق:
_"إياد"! ..
ثم تمسكت بيديه وهي تردد بسعادةٍ:
_الف حمد وشكر ليك ياررب، استجبت دعواتي..
حاول أن يحرك جسده، ولكنه لم يتمكن من ذلك، فكأن هناك خناجر حادة تعيق حركة اطرافه، بدى الوجع مستكين على معالمٍ وجهه، فربتت "صباح" برفقٍ على لائحة يديه التي يكسوها شاش أبيض غليظ:
_متحاولش تتحرك علشان متتوجعش..
ردد بعصبيةٍ حينما تسلل اليه ذكرى ما واجهه قبل أن يفقد وعيه:
_كلاب والله لأقتلهم بأيدي ولاد ال*****....
بكت وهي ترفع صوتها خشية عليه:
_أهدى علشان خاطري..
وحينما لم تجد منه استجابة، خرجت سريعاً لتخبر "ريان" الجالس بالخارج بانتظارها لتنتهي من صلاتها ولعلها تستريح قليلاً، هرول "ريان" مسرعاً للداخل والفرحة تفترش على وجهه حينما أخبرته بأن أخيه الحبيب استرد وعيه، دلف للداخل ليجده يزئر بغضبٍ، هم من الفراش وهو يردد بتشفي:
_أرتاح يا "أياد"، الشباب رجعولك حقك، واللي عملوا فيك كده اتدفنوا بالحيا..
هدأ قليلاً ونظراته تحاوط أخيه الذي أكد له، دخل" مروان" هو الأخر واتبعه "فارس"، فأسرع بالاقتراب من شقيقه وهو يخبره بفرحةٍ:
_حمدلله على السلامة يا" إياد"..
منحه بسمة صافية وهو يجيبه:
_الله يسلمك يا "مروان" .
اقترب منه "فارس" ليعدل من وضعية الفراش حتى يكون مريح اليه، فمنحه "إياد" ابتسامة ماكرة وهو يهمس اليه:
_أكيد ولعتوها انت وتؤامك..
حانت منه التفاتة صغيرة تجاه مروان، ثم تطلع اليه ليخبره بخبثٍ:
_ولعنها والجوكر طفها للأبد.
ضيق عينيه بعدم فهم:
_ازاي، لا ده أنت تقعد وتحكيلي اللي حصل بالظبط..
جلس "فارس" على المقعد المجاور إليه ثم شرع بقص ما حدث بالاشتباك بينهما، وتدخل حرس الجوكر الذي امرهم بدفنهم أحياء ليكونوا عبرة لمن يجرأ على التعدي على احد أفراد عائلة "زيدان"، غمرته سعادة كلية وهو يستمع لما فعلوه لأجله، فصار على يقينٍ بأنه رغم عدم امتلاكه لحنان الأم وعطف الأب الا انه يمتلك عائلة تخشاها اعتى الذئاب...
************
وضعها"جان" بحرصٍ على الفراش،و جلس لجوارها يزيح عنها حجابها، ثم خلع حذائها ليداثرها جيداً، لون حدقتي عينيه بدى مخيفاً للغاية، فالشخص الذي يكبت غضبه بداخله دون ان ينفث به يصبح أشد خطورة عن المتهور الذي يفعل ما يوده دون أي تفكير، اسرعت "مايسة" من خلفه لتتبعها "سلمى" حينما وجدوه يحملها ويصعد بها مسرعاً، حاولوا ان يستدرجوا "آدم" بالحديث لمعرفة ماذا هناك ولكنه صديق وفي رفض الخوض في تفاصيل خاصة حتى وإن كان فرد أساسي من العائلة، بل فضل الأنسحاب بشكلٍ كلي، صعدت معاً لغرفتها، فأسرعت والدته اليه وهي تتساءل بقلقٍ:
_في أيه يا "جان" أختك مالها؟..
بقى ثابتاً، وكأنه لم يستمع شيئاً، فأسرعت "سلمى" تجاه الفراش وهي تحرك رأس "فاطمة" بفزعٍ، فسألته بخوفٍ:
_ما ترد علينا يا "جان"،" فاطمة" مالها؟..
خرج عن صمته حينما قال بغضب:
_فاطمة كويسة، شوية وهتفوق وغير كده محدش يسأل..
وتركهما وهبط للأسفل سريعاً حتى لا يحدث ما لم يحمد عليه قط..
انقبض قلب "مايسة" وهي ترسم افتراضات لما يحدث، وخاصة بعودة ابنتها بتلك الحالة، العروس التي لم يتم على عرسها سوى ثلاث أيام، فهبطت خلفه للاسفل علها تقطع الشكوك التي ساورتها، وجدت الباب يطرق والخادمة في طريقها لفتحه، أشارت لها بأن تغادر ثم توجهت لترى من الطارق، وما ان رأت الطارق حتى رددت بلهفةٍ:
_"يامن"، فهمني أنت يا ابني في ايه؟..
وضع عينيه ارضاً بحرجٍ، فجلى أحباله المبتورة قائلاً:
_انا غلطت في حق "فاطمة" ومفيش اي اعتذار يداوي اللي عملته..
ضيقت عينيها بعدم فهم:
_غلطت عملت ايه؟..
كاد بأن يجيبها ولكن اخترق الرعد مسمعه حينما صاح "جان" بغضبٍ:
_أنت ليك عين تيجي لحد هنا، أنا نبهتك وأنت مفيش فايدة مصمم اني أرفع ايدي عليك..
حالت والدته بينهما وهي تردد بعدم تصديق:
_أيه اللي بيحصل ده، انت اتجننت يا "جان"!..
رد بسخطٍ:
_كنت مجنون لما وافقت اجوزهاله وأنا فرحان انها اختارت صاحبي الشهم، الراجل اللي طلع ميفرقش عن اللي قبله..
ثم وقف قبالته ليشير له بشراسةٍ:
_ زي ما هو طعن بشرفها انت كمان طعنت في شرفها..
وقعت الكلمات كالصاعقة على والدته، بات الأمر الآن واضحاً اليها، مجرد تخيل ما مرت به ابنتها جعلها تهتز من فرط انفعالها، اقترب" يامن" منه وهو يخبره بصوتٍ شاحب:
_اديني فرصة اصلح غلطتي واكون جانبها يا "جان"..
منحه نظرة عميقة وكأنه يجاهد شيئاً بداخله، فأذا وضعت المقارنة بين الصداقة والأخوة ستطب كفة الروابط، تحرك لسانه الثقيل وهو يردد:
_برة، أطلع بره البيت اللي كلت فيه عيش وملح ورديته بقلة الأصل ونكران الجميل...
كاد بأن يتحدث فصاح الأخر بعصبيةٍ:
_قولتلك اطلع بره..
ابتلع أوجاعه وغادر وقلبه ينزف، عليه ان يذق العلقم الذي أجبرها على ارتشافه، عليه أن يعاني مثلما جعلها تعاني...
*************
استعد لعمله، فأرتداى بذلة أنيقة للغاية، ثم صفف شعره الطويل بحرافيةٍ، نثر البرفنيوم الخاص به ونظرة الثقة تتوزع على صورته المنعكسة بالمرآة، استدار"سليم" تجاه الفراش ليجدها مازالت نائمة، قدميها متكئة على الوسادة ويدها تحتضن الوسادة الأخرى بنعومةٍ، جلس على طرف السرير وهو يجذب ما تحتضنه بابتسامةٍ ماكرة، فنادها بصوتٍ مرتفع:
_"ريـــــــــــــم"..
نهضت مفزوعة وهي تبحث يمينها ويسارها كالمعتوهة، تعالت ضحكاته وهو يرأها هكذا، فرددت بتذمرٍ ويدها تعبث بعينيها بنومٍ:
_في أيه يا "سليم" هو أنا في تاني دولة ما أنا قدامك أهو!..
ابتسم وهو يجيبها بحدةٍ مصطنعة:
_قولتلك الف مرة لازم أشوفك قبل ما أنزل الشغل والا مش هعرف أركز بحاجة!..
ابتسمت بخجلٍ، فجلست باستقامة وهي تردد:
_عادي لو مكنتش صحيت ولحقتك النهاردة كنت هجيلك المكتب ايه المشكلة يعني!..
رفع يديه ليزيح تلك الخصلة المتناثرة على عينيها خلف أذنيها وهي يردد بنفس لهجتها:
_المشكلة هتكون كبيرة سعاتك لأني كده مش هعرف أشتغل والشركة هتقع وهجي أخر الشهر مش هعرف ادبر رواتب الموظفين وإحتمال أخسر مركزي وسمعتي في السوق يرضيكي كل ده يحصل!..
جحظت عينيها وهي تردد في صدمةٍ:
_بس بس أيه كل ده!..
اقترب منها وهو يجيبها بخبثٍ:
_صدقتي أن الموضوع كبير، يبقى لازم من نفسك تقومي كل يوم تودعيني وبعد كده تكملي نومك براحتك ولا أيه؟..
ابتسمت على دهائه وان يكن يروق لها الأمر، فاستغلاله لكل لحظة ممكنة تبقيها لجواره تشعل الحب بصمامٍ القلب، اقترب منها "سليم" وهو يغمز بمكرٍ:
_ها، مش هتودعيني بقا..
التفت بها الغرفة، فشعرت بتثاقل انفاسها، انتباها الغيثان بمجرد شم رائحة البرفنيوم الخاصة به، على الرغم من عشقها لرائحتها الممتزجة برجولته، تباعدت عنه على الفور وهي تجاهد البقاء بعيداً عنه، ظنه دلال ومشاكسة منها فأقترب منها مجدداً، رددت بأنفاسٍ متثاقلة:
_أبعد يا "سليم"..
وقبل أن يفهم ما تلقيه على مسمعه كانت قد ركضت بالفعل تجاه حمام غرفتهما لتفرغ ما بجوفها بتعبٍ شديد، شعرت" ريم" بأنها على وشك السقوط أرضاً من شدة الدوار، فأسندها على الفور، لتعود للاستفراغ من جديدٍ، فهمست بضعفٍ:
_مش طايقة ريحة البرفان اللي أنت حاطه..
تفهم ما تمر به، فأمسك بمعصمها بحذرٍ من أن تسقط على أرضية الحمام الصلبة، ثم بيده الاخرى خلع جاكيته ليحرر ازرار قميصه الأبيض، القاه بعيداً ليقربها من صنبور المياه حتى تغتسل، ثم حملها للفراش مجدداً وهو يتساءل بخوفٍ:
_أحسن دلوقتي؟..
اكتفت بهز رأسها وعينيها تنغلق بارهاقٍ شديد، تطلع لساعة يديه ليجد الموعد المحدد للاجتماع قد اقترب، فكاد بالولوج لخزانته ليرتدي شيئاً أخر ولكن قلقه وخوفه عليها انتصر بالاخير رغم أن ما تمر به أعراض عادية تتعرض له أي امرأة حامل، جذب "سليم" هاتفه ليطلب من السكرتيرة تأجيل الاجتماع للغد وفضل الجلوس لجوارها حتى تستيقظ..
************
اتجهت لغرفة صغيرتها بعد أن أطمئنت من المربية بأنها قد اطعمتها، ولجت للغرفة لتجده يحملها بين يديه بحنان، ويقف جوار الشرفة كأنه يريها اطلالة الصباح، اقتربت منه "حنين" قائلة بضيقٍ:
_أنت قومت من جانبي الصبح علشان تيجي تقعد معاها هنا..
انتبه الجوكر لوجود قصيرته ذات اللسان السليط بالغرفة، فقال وعينيه تتابع حركات ابنته التلقائية:
_حاسس بلهجتك انك قفشتيني مع واحدة شمال، دي بنتي!..
وقفت مقابله واضعة يدها بمنتصف خصرها وهي تجيبه بعدم مبالاة:
_وأنا مراتك وليا الحق الأكبر فيك مش هي..
ابتسم وهو يتابعها بمكرٍ:
_أه، ده أحنا هنبتديها غيرة بقى!..
أجابته بتحدٍ:
_سميها زي ما تحب، المهم تكون معايا..
علت صوت ضحكته الرجولية، فوضع "مرين" بالتخت الصغير، ثم اقترب ليقف قبالتها، جذب يدها اليه وعينيه تتطلع لها بنظرةٍ شوق:
_أنا معاكِ حتى لو مش موجود...
نظراته الحادة لم تلين بعد، فجذبها اليه ليستند بذقنه على كتفيها ليحثها على التقدم لفراش الصغيرة وهو يسترسل حديثه بهمسٍ:
_كفايا أنك شايفة بعيونك ثمرة لحبنا بتكبر قدام عيونك، فيها ملامح مني ومنك، وإسمها اللي بيجبرك تنطقي اول حروف اسمي وأخرهم اسمك اللي هيربطك بيا طول العمر...
أغلقت عينيها بضعفٍ وهو تستمع لهمسه الخافت، فاستطرد قائلاً ويديه تحتضن جنينها:
_حتى لو أنا مش جانبك فأنتي شايلة حتة مني هتجبرك تحسي بوجودي طول الوقت...
وأدارها اليه، لتقف قبالته ليشير لها بعشقٍ:
_لازم تكوني على يقين أن البعد بينا مستحيل في ألف حاجة وحاجة هتربطنا ببعض يا "حنين"!..
ارتمت بأحضانه بابتسامةٍ عذباء، لتجده مرحباً بها كعادته، التفت به الأشواق فجعلته يخبرها بمعانته حينما ردد بصوتٍ منخفض:
_حتى لو فرضتي بينا ألف حاجز هستناكِ تشليه بنفسك حتى ولو كان مفروض لأخر العمر..
كلماته أذابت ما وُضع بينهما، فوجدت ذاتها تهدم ذاك الحائط السميك بينهما، لتصير اليه قلبٍ وقالباً، دعته هي لعش غرامهما فأن كان متفاجئ مما فعلته ولكنه لم يعطي ذاته مهلة التفكير، بل استغل كل لحظة ليروي الشوق القاتل النابع بداخله!..
**************
حينما يزورك الحب مرة وتجد سهام الشكوك تهاجمك فتحطمه بيدك وتغلق قلبك بقفلٍ سميك، ويمنحك القدر فرصة أخرى لتجدد أمالك بطلب الحب الطاهر فتدب السكينة والراحة بأواصرك، فترسم أمال وتبني احلاماً كنت قد ظننت بأنها انقطعت مع رحيل الحب الأول، فتصعق حينما تجد طريق الحب الثانٍ يجتازه القدر الأول، لتجد نفسك أمام خيار مشابه، وأنت بكلتا الحالتين بموضع شك واتهام، أي سكينة ستعهدها وقد حطم قلبك مرتين!!..
بكاء العوالم بأكمله لن يرمم وجعها، فباتت كالدمية التي انقطعت أحبالها، حاولت الفتيات حثها على الحديثٍ ولكن" فاطمة" كانت كالصنم، بلا روح أو حياة، أخبرتهما "سلمى" بما تعرضت له على يد زوجها فانفطر قلوبهن جميعاً عليها....
****************
الجميع كان حزين لأجلها الا واحدة منهن فقط استطاعت الشعور بها جيداً، ربما لان ما حدث لهما مشابه حتى وإن كانت التفاصيل مختلفة، تركتهما "منة" ودموعها كالشلال تأثراً بما تعرضت له "فاطمة"، أختارت البقاء بمفردها بحديقة القصر الواسعة، لعل هوائها النقي يبدد فتيل الماضي المؤلم، شرود طويل جعلها مغيبة حتى عن سماع الهاتف الذي يدق أكثر من ألف مرة، أكملت طريقها البطيء بشرودٍ، فأعاد من اقترب منها الاتصال مجدداً وعينيه تراقبها بغضبٍ، ليرى ان كانت تتجاهله عن عمد، انكمشت ملامح وجه" فارس" بدهشةٍ حينما رأها تخطو دون وعي منها الى أي وجهة تختار، حتى انها وقفت امامه ولم تنتبه لوجوده، وجد الدموع تنسدل على وجهها دون توقف، فسألها بقلقٍ:
_في أيه؟..
صوته كان له الفضل لتعد لدرج الواقع، فوقفت تطالعه بنظرةٍ مطولة، طرحت بها مقارنة سريعة بين موقفه وموقف "يامن"، فرأت نبله ورجولته بموقفٍ كذلك، تشبثت باحضانه وقد خرج صوتها المكبوت ليصاحبه شهقات مؤلمة، بكاء زلزله وجعله عاجز عن فهم ما بها، فربت على ظهرها وهو يسألها مجدداً:
_ في أيه، حد زعلك؟ ..
هزت رأسها بالنفي، فجذبها لتجلس على الأريكة الصخرية المزينة بأوراقٍ من الأشجار، ثم جلس جوارها قائلاً باهتمامٍ:
_ أنا اللي مزعلك صح، انا عارف نفسي عصبي وغبي أكيد قولتلك حاجة كده ولا كده..
ابتسمت وهي تزيح دمعاتها ورأسها يهتز بالنفي للتهمة الباطلة التي يتهم بها ذاته، فزفر بضيقٍ:
_طيب قوليلي أنتِ في أيه؟..
عبثت بأصابعها بارتباكٍ وهي تجيبه:
_أنت عرفت اللي حصل لفاطمة؟..
كان قد علم من شقيقه مسبقاً عما فعله" يامن" بابنة خاله، وبالطبع يشعر بالاستياءٍ لما حدث، أومأ برأسه وهو يجيبها:
_أيوه عرفت من "آدم" اللي حصل، بس بتسألي ليه؟..
أجابته بعد مهلة من الصمتٍ المطول:
_أنت كان ممكن ببساطة تشك فيا زي ما هو شك فيها بس بالرغم من كده كنت متفاهم معايا ورفضت حتى تشوق التقارير مع أن كان ممكن تطلب أن دكتورة تأكدلك كلامي وساعتها هيكون معاك حق بس أنت معملتش كده يا "فارس" وده زاد من ثقتي في حبي ليك على عكس فاطمة، وجعها كبير ومش ممكن حاجة تداويه..
تمهل حتى انتهت من حديثها، فمرر يديه برفقٍ على يدها وهو يجيبها بحرصٍ بانتقاء كلماته:
_ما تحطيش نفسك بمقارنة مع حد يا منة، كل واحد وبيختلف عن التاني، أنتِ كبرتي قصاد عيوني، عمري ما كنت هشك فيك ابداً لكنك تربية ايدي قبل ما تكوني حبيبتي ومراتي، يمكن كتير كنت بكون قاسي عليكي وغيور من نحية اي شخص..
منحته نظرة ساخرة ففهم مغزاها ليوضح لها ساخراً:
_خاصة الحيوان اللي اسمه مروان بس أي راجل شرقي اتولد وجواه حتة الغيرة تجاه حبيبته واهل بيته فمقدرش ابررلك ده لكن اللي أقدر أقولهولك أني لو هشك في حد فأنتِ أخر واحدة ممكن اشك فيها، بس برضه بلاش نقارن موقفي بموقف "يامن"، انا على قد ما أنا زعلان من اللي عمله بس مديله مبرر، اي شخص مكانه كان هيكون ده تصرفه وخصوصاً باختفاء اياد اللي جيه في وقت حساس زي ده، كلنا بنغلط يا منة بس حجم الغلط اللي بيفرق وبرضه اللي بيدي فرصة لتصليح الغلط ده بيكون مستعد يتحمل نتايجه والموضوع ده كله يخص اتنين بس" فاطمة"و"يامن"..
هزت رأسها باقتناعٍ تام، وعلى وجهها ابتسامة اعجاب بمعشوقها المتهور الذي فاجئها بامتلاكه عقل ظنته يوماً فقده بمشاكساته الدائمة مع تؤامه الشرس مروان..
*************
رست السفينه أمام الشاطئ، فهبط "رحيم زيدان" ليمد يديه لمن تتبع خطاه بترقب، مدت يدها دون تردد او تفكير ليعاونها على ملامسة الرمال أسفل قدميها، فلم يتمكن من اخفاء ابتسامته وان كانت عابثة بعض الشيء لم يسعده حتى وإن كان بسيط فهو يعد منها بالكثير، راقب المكان من حوله فوجد غايته حينما وجد "حازم" بانتظاره، فتح الباب الأمامي لها وهو يشير لحازم بهدوءٍ:
_أرجع انت مع الحرس انا اللي هسوق..
أومأ برأسه في وقارٍ ثم عاد ليصعد بالسيارة بالخلف، ليغادروا بأمرٍ من الاسطورة، اما "رحيم" فأتجه بسيارته تجاه وجهته المحدودة، نادته "شجن" باستغراب:
_"رحيم"!..
استدار برأسه تجاهها، فتساءلت بدهشةٍ:
_ده مش طريق الرجوع!..
ابتسم وهو يجيبها بغموضٍ:
_في مكان هنروحه الأول..
بادلته الابتسامة وهي تعبث بهاتفها بأريحيةٍ تامة، حتى لم تهتم لمعرفة الى محل سياخذها..
************
رغم تردده ورغبته في عدم رؤياها الا انه احترم عهد الصداقة فيما بينهما، فقصد المقهى المحدد لرؤيتها، فما ان وقعت عينيه عليها حتى دنا منها قائلاً بلهجةٍ جافة:
_نعم! ، بعتلي رسالة انك عايزة تشوفيني ليه؟..
خلعت "يارا" نظارتها السوداء وهي تشير على المقعد المقابل لها قائلة:
_أقعد يا "علي"..
............ يتبع..............
#الجوكر_والاسطورة5...
#متى_يهتدي_الوصال؟..
#بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
#الأقوى_قادم...
للقراء الأعزاء والأحبة الكرام في #المملكة_العربية_السعودية
🇸🇦🇪🇬
نلقاكم على خير في #معرض_الرياض_الدولي_للكتاب_2021
في واجهة الرياض إكسبو
جناح #إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع رقم L20 من يوم الجمعة 1 أكتوبر حتى 10 أكتوبر 2021 إن شاء الله..
عروض وخصومات خاصة خلال فترة المعرض 💸
روايتي الجديدة #خارج_عن_المألوف
متاحة بالجناح
للتواصل في الرياض ☎️
واتساب الرقم 00201004022774
في انتظاركم يوميا من الساعة ١٠ ص ل ١٠ مساء كل يوم
***********__________**********
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الثالث عشر 13 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والأسطورة5...(#متى_يهتدي_الوصال؟..)..
#الفصل_الثالث_والخمسون...
حينما يجمعك الوصال بشخصٍ تلجأ إليه كلما زادت همومك ومتاعبك؛ فيكون هو وسيلتك بالنجاةٍ إن كان الاحتياج مادياً أو معنوياً فتظن أن العلاقة فيما بينكما تساق بروابط الحب والزواج ربما أنت مخطئ، فالحب الذي سيجعلك تختار شريك حياتك عن قناعةٍ ينجح بجعله صديق لك، فليس كل صديق زوج رائع، وهكذا ما حدث بينهما، ظنته "يارا" ونعم الصديق وظنها هو بأنها خير الزوجة وحينما طرق الحب بابها جعلها تفرق بين معنى الكلمتين، طال صمتها والأخر يترقب باهتمامٍ ليعرف لماذا طلبت منه الحضور إلى هنا رغم ما حدث بينهما واختيارها، مزقت صفحة الصمت الخالية حينما قالت بتريثٍ:
_أنا عارفة أن طلبي مش مفهوم بالنسبالك بس صدقني لو مكنتش طلبت أشوفك كنت هعيش في حيرة ووجع..
ابتسم وهو يردد ساخراً:
_حيرة ووجع! ، ليه أنتِ مش اختارتي عن قناعة؟..
تغاضت عن كلماته الساخرة، وأردفت بدموعٍ تلألأت بحدقتي عينيها:
_"علي" أنا عمري ما كان ليا صديق غيرك، كنت بعتبرك أقرب شخص ليا بالرغم من أن "مراد" كان على طول جانبي وانت عارف أني بعتبره اخويا الكبير بس كنت بلجئ ليك انت، بحكيلك عن أسراري وكل حاجة تخصني، كنت شايفاك أخ وصديق وكل حاجة بالنسبالي..
خرج عن دوره المتماثل بالبرود وعدم المبالاة بها حينما ردد بانفعالٍ:
_أنتِ لسه عايزة أيه يا "يارا"!..
أجابته ببكاءٍ شقت دمعاته الحارقة وجهها:
_عايزك تفهم اني طول عمري شايفاك صديق ولما طلبت تتجوزني حسيت اني مرتبكة ومش عارفة اخد قرار لاني مكنتش عايزة اخسرك ولما فكرت مع نفسي لقيتك المناسب ليا خصوصاً ان مكنش في حد في حياتي، بس لما شوفت" مروان" ودخل حياتي غصب عني حبيته وقدرت أميز بين الحب والصداقة..
صمت وهو يراقبها باحاسيسٍ يكبتها بألمٍ، فاستطردت ببكاءٍ:
_أنا لو كنت وافقت اتجوزك كنت هظلمك معايا لأني بحبه هو!..
زفر على مهلٍ وكأنه يخرج العبء الثقيل عن صدره، فاستغلت صمته وانصياعه له، فقالت بتوترٍ من سماع ما سيقوله رد على حديثها:
_أنا عارفة ان في المجتمع الشرقي مفيش أي علاقة صداقة بتجمع الست بالراجل ، بس أنا حبيت احترامك ليا ومعاملتك، علشان كده أنا طلبت اشوفك النهاردة وحابة أنك تشاركني في المصحة بتاعتي انت عارف اني فرحي قريب ومحتاجة حد يكون مكاني..
ترقبت صمته بخوفٍ وكأن إحتمالية رفضه كانت تفوق الأحتمال الأخر، تمنت بأن تتساوى الأمور فيما بينهما حتى يرتاح عقلها من التفكير بالأمر، دقيقة تليها الأخرى ومازال الصمت يسطر حروفه بتثاقل، يتأمل الفراغ بهدوءٍ، إلى أن خرج عن طوره حينما ردد بلهجته الغامضة التي سلبت خوفها أسير:
_أنتي عارفة أني بدير مستشفى برة مصر فمش هقدر أكون متواجد هنا كتير...
أحتل الحزن وخيبة الأمل على قسماتٍ وجهها فاسترسل حديثه بابتسامةٍ خبيثة:
_بس طول الفترة اللي هقضيها بمصر علشان احضر فرحك هتابع الشغل بدالك لحد ما ترجعي..
ابتسامةٍ واسعة تشكلت على وجهها رغم الدموع المنسدلة من عينيها، فرددت بفرحةٍ كبيرة منغمسة بلهجته المرحة:
_بتنجح تعصبني وتلعب على أعصابي على طول..
ابتسم وهو يرد على اتهامها بمشاكسةٍ:
_الأخ لازم يحترم ولا ايه!..
الهبت السعادة عينيها بدموع الفرح، يروق لها تقبله كونه شقيقها فقط، فحمدت الله بأنه وفقها بعدم خسارة زميل بأخلاق "علي" وإن تكن بأشد الاحتياج لطبيب متخصص يكون محلها بالعيادة والمصحة النفسي لحين عودتها..
***************
توقفت سيارة "رحيم زيدان" أمام وجهته المحددة، ففتحت "شجن" نافذة السيارة لتتأمل باهتمامٍ ما الذي يعده لها، تابعها بنظراته الهائمة فقال بثباته الغامض:
_انزلي...
فتحت بابها ثم هبطت وهي تتساءل باستغرابٍ:
_أحنا هنا ليه؟.
تجاهل كلماتها فلف معصمه حول لائحتها، ليجبرها على المضي قدماً، حتى وصلوا للباب الزجاجي الضخم الخاص بأحد محلات المول الكبير، لاح على وجهها بسمة انبهار حينما وجدت ذاتها بمحلٍ فخم، ممتلئ بألعابٍ وملابس الأطفال، تحولت نظراتها لتتعلق بزيتونية عينيه التي تتأملها بترقبٍ رد فعلها، وقفت مقابله وهي تردد بارتباكٍ لعدم اختيارها للسؤال الصائب بذاك الموقف الغريب:
_أنت جايبني هنا ليه!..
ابتسم وهو يرد عليها بلهجة ماكرة:
_جيبك أنت وهو تنقي اللبس والألعاب..
تلقائياً رفعت يدها تتحسس بطنها المنتفخة قليلاً، وبداخلها حنين لرؤياها وضمه لصدرها، عاطفة كبيرة تسوقها لرؤيته يحمل صغيرها بين يديه، انارت الفرحة وجهها فجعلت نظراتها ساحرة، تقتص من أبواب قلبه فتدفعها بشراسةٍ تزف النبضات أقصوصته بحنينٍ، رغبتها بالتطلع إليه جعله يود قضاء الف عام مقابلها، تعلقت عينيه بشفتيها التي نطقت بكلماتها المستحيلة:
_بحبك...
شعر وكأنه فقد السمع، أو شوقه الكبير لسماع تلك الكلمات جعلته يتوهم سماعها، بلل شفتيه بلعابه وهو يسألها بتوتر لم تعهده هيبته من قبل:
_قولتي أيه؟..
أخفضت نظراتها أرضاً باستحياءٍ، فتركته وإقتربت من الرفوفٍ الممتلئة بألعابٍ الاطفال الجذابة، ادعت انشغالها باختيار احد الألعاب على شكل سوبر مان، اخذت تلهو به، وكأنها تتفحصه، اتبعها "رحيم" فاستغل ذاك الرف البعيد عن الأعين، فوقف أمامها محاصرها بجسده الصلب، ابتلعت ريقها بارتباكٍ، فأجلت احبال صوتها وهي تحاول الصمود أمامه:
_آآ...... آآ...
رفع حاجبيه وهو يهمس بخبثٍ:
_مش سامعك!..
وزعت نظراتها بين الارض تارة وبين عينيه فقالت بخجلٍ:
_أبعد، المكان فيه ناس!..
أجابها بصوته الرجولي:
_ميهمنيش حد، مش شايف غيرك أنتِ..
لم تستطيع إخفاء بسمتها، فرفع ذقنها بأنامله حتى ترى نظراته النافذة إليها، فقال بعد مدة طالت بصمتهما:
_كرري اللي قولتيه تاني..
انخضعت لرغبته فقالت على استحياء:
_بأحبك...
وبلهجة مرحة اختارتها للهرب من نظراته الفتاكة بعدما ابتعدت عنه قليلاً لتجذب احد العربات المتحركة الخاصة بالتسوق :
_بحبك ومتقبلاك بحالاتك العجيبة..
ضيق عينيه في ذهولٍ:
_حالات ايه؟..
قالت وهي تضع اول زي أعجبها بالعربة:
_"فريد"، أو "رحيم زيدان" الغير مفهوم.
ضحك بصوته كله فاتبعها ليجدها تقف امام أحد الملابس تتطالعها بهيامٍ وفرحة، فوضعتها بالعربة وهي تردد في حماسٍ:
_كل حاجة جميلة شكلي هجيب المحل كله..
ثم اشارت بأصبعها تجاهه:
_أنا مش طماعة اوعى تفهمني غلط بس هدوم البيبي اللي كيوتة وبتشد كده..
بقيت نظراته مسلطة على بسمتها التي خطفت عقله، فرفع يديه ليمرر أصابعه حلقات حول يدها الممدودة على حافة العربة، قائلاً بصوته الرخيم:
_كل اللي عينك تيجي عليه بقى ملكك..
سحبت يدها بخجلٍ فعادت لتنقى ما تريد، اما هو فاستند على حافة الطاولة العملاقة من جواره، فعبث بهاتفه قليلاً، ليجدها تهرول اليه وهي تريه ما تحمله قائلة بفرحةٍ:
_شوف الفستان ده جميل ازاي يا "رحيم" ؟..
وزع نظراته بينها وبين ما تحمله، فحك طرف انفه وهو يتساءل بدهشةٍ:
_مش الدكتورة اكدتلك انه ولد!..
اشارت له بتأكيدٍ، ثم عللت موضحة:
_آه، بس أنا جيباه لمرين لو صغير عليها "حنين" تحتفظ بيه لحد ما تعرف نوع الجنين ايه!..
ردد بتعجبٍ:
_هي حامل!..
أشارت له بضحكة رقيقة:
_ايوه..
ابتسم بفرحةٍ ظهرت على وجهه، فأشار لها بحبٍ:
_اختاري اللي تحبيه، انا جانبك هنا هعمل كام مكالمة مش هخرج برة المول..
هزت رأسها بتفهمٍ، فتابعها بنظراته وهو يبتعد عنها، الحب كان يتأرجح بعينيها الهائمة به، ترى ذاتها المرهقة ذات الجدائل التي يطرق الحب بابها للمرة الأولى، أصبحت تعشقه وتعشق همساته إليها، تشتاق لرؤياه حينما يبتعد عنها، انتبهت لوقفتها وشرودها الغريب، فابتسمت وهي تدفع العربة لتستكمل جولتها بالمكان الذي استمتعت بزيارته كثيراً، انشغالها بتطلع الاشياء جعلها لم تنتبه لمن تقف على بعد منها وتشير بأصبعها لوالدتها تتساءل بدهشةٍ:
_مش دي "أشجان" اللي كانت ساكنة في البيت اللي قصادنا جنب طنط "نجلاء"..
اعتدلت الأم بوقفتها وهي تتطلعها باهتمامٍ، فاجابتها في استغرابٍ:
_أه والنبي هي، بس ايه اللي جابها هنا!..
اجابتها ابنتها بنوعٍ من الشماتةٍ:
_سمعت انها بعد ما سابت الحتة هي وأمها اتجوزت واحد غني أوي بس كبير بالسن..
تشدقت الأم باستنكارٍ:
_أتاريها سابت الحتة هي وأخوها، فص ملح وداب..
واسترسلت حديثها بابتسامةٍ ساخرة:
_اللي كان يشوفها وهي هتموت ورا ابن نجلاء لما دخل السجن، كان يفكر انها مش هتتجوز ابداً..
اضافت ابنتها بحنقٍ:
_ما انا قولتلك ياما شغل الحب وروميو وجوليت اللي كانوا واهمين الحتة بيه كله بالفاضي ده قلة حية، ومصيرها تدور على نصيبها مع اللي يشيك عليها..
وقالت كلماتها الاخيرة وهي تمرر يدها بفخرٍ على الأساور الذهبية التي ترتديها قائلة بغرورٍ:
_لو أنا كنت عملت زيها وحبيت واد كحيان من الحتة مكنش عمري شوفت الخير ده ولا دخلت الاماكن دي عمري..
تعلقت نظرات المرآة بشجن، فلكزت ابنتها قائلة بتسليةٍ:
_تعالي يا بت نسلم عليها..
فهمت الاخيرة ما ترمي به والدتها، فدفعت العربة وهي تجيبها بسرورٍ:
_بينا ياما..
التقطت احدى الدميات بين يدها، كانت تطالعها باعجابٍ شديد، أرادت الاحتفاظ بها لنفسها فوضعتها بالعربة، كادت بالانتقال للرف القادم فانتبهت لصوتٍ قادم من خلفها:
_ازيك يا "أشجان" عاملة أيه يا حبيبتي..
وقفت قبالتها تحاول تذكر ملامحها المألوفة، فردت ببسمةٍ بشوشة:
_خالة أم نعمة، ايه الصدفة دي..
احتضنتها بترحابٍ زائف وصوت القبلات يعلو بطريقةٍ مقززة، ثم تبادلت ابنتها السلام الحارق معها، فقالت الأخيرة بخبثٍ:
_والله وليكِ وحشة يا بنتي، من يوم ما اختفيتي من الحتة انتي وأمك من يوم المشكلة إياها ومحدش عرف يعتر فيكم..
ما مر كان من رواسب الماضي، ومازالت تتذكره حتى وإن لم يكن على لسان أحداً، كادت بأن تجيبها ولكنها استرسلت كلماتها قائلة بلهجتها الماكرة:
_البت "نعمة" بنتي بتقولي انك اتجوزتي راجل كبير بس غني ويعتكم على قرشين، قولتله جدعة بدل ما تخيب خيبة أمها اللي عاشت طول عمرها تصرف على راجل خايب مص دمها..
أشتعلت مقلتي "شجن" وهي تستمع لتلك المرأة، كانت تظن بأن افتراقهما وتقدمها بالعمر سيغيرها قليلاً ولكنها مازالت ثرثارة كما كانت، بل الألعن من ذلك رغبتها في جرحها عن قصد، التزمت الصمت وهي تتابع ما تمليه المرأة على مسمعها، فتدخلت ابنتها "نعمة" بالحديث قائلة بلهجةٍ شماتة تزينها بحبٍ كاذب:
_وماله ياما ما كل واحدة بتدور على مصلحتها، الحب محدش بياخد منه حاجة وانا ياما قولتلها زمان سيبك من "فريد" واستني عدلك وأديها أهو عملت بنصحتي..
اخيراً تحرر لسانها المعقود، فقالت بثباتٍ احترافي وثقة تتزين بها فلطالما كانت ترى الحقد والكراهية بعينها حينما كانت ترى حب فريد لها رغم انهم كن فتيات لا تتعدى أعمارهم الرابعة عشر، وحتى بعد مرور هذا الوقت الطويل مازالت تحقد عليها وتستغل الفرصة التي ظنتها متاحة للشماتة :
_"فريد" هو نصيبي من الدنيا، مهما بعدنا وافترقنا بنتجمع تاني..
أجابتها "نعمة" بسخريةٍ:
_طب حاسبي على كلامك لجوزك يسمعك أو حد كده ولا كده..
ردت "شجن" بابتسامةٍ واسعة:
_وليه مهو جوزي معايا هنا، ثواني أعرفكم عليه..
استداروا سوياً للخلف حينما أشارت لهما على من يتقدم منهن، بذاك الوقت كان "رحيم" قد انتهى بمكالمته بمراد، فولج للداخل ليرى ان كانت انتهت بعد، رأها تشير له بالاقتراب، فدنا منها وهو يسألها بثباتٍ:
_خلصتي يا حبيبتي!.
أومأت له برأسها، فانتبه "رحيم" لصوت المرأة حينما رددت في تعجبٍ:
_هو ده جوزك!..
أشارت لها بنعم ، فتدلى فك ابنتها للاسفل في صدمةٍ، فسألتها والدتها بدهشةٍ:
_مش بتقولي راجل كبير في السن!..
تمكن "رحيم" من التعرف عليها، فقال بهدوءٍ:
_أزيك يام "نعمة"، عاملة أيه؟..
رددت في ذهو من معرفته لها:
_أنت تعرفني!..
كاد بأن يجيبها فقاطعته" شجن"عن عمدٍ وهي توجه حديثها اليه بدلالٍ متعمدة لفظ اسمه:
_أنت عرفتها ازاي يا "فريد" ده أنا أخدت وقت عما افتكرتها!..
قالت بصدمةٍ:
_"فريد"!..
هزت "شجن" رأسها وهي تؤكد لها، قائلة بنوعٍ من الغرورٍ يلتمسه "رحيم" بلهجتها لاول مرة:
_كل المعلومات اللي قالتلهالك بنتك صح، بس ناقصة حاجتين اني اتجوزت "فريد" وقصتنا منتهتش ولا حاجة وانه مبقاش في السجن خلاص بالعكس بقا ظابط اد الدنيا..
بسمة خبث لاحت على شفتي "رحيم" الذي بدأ بجمع الخيوط ليعلم ما الذي حدث هنا ليجعلها بتلك الحالة الغريبة، ودعتها "شجن" على مضض:
_يا خبر احنا اتاخرنا وعطلاناكم معانا، يلا يا "فريد"، اشوف وشك بخير يا خالتي..
وتعمدت قولها بدلالٍ، أشار" رحيم" للحارس الذي هرول على الفور ليدفع العربة من خلفه، وهو يخبره بحزمٍ:
_خد الحاجة على القصر وخلى "حازم" يبلغ الحرس باللي قولتله عليه..
أجابه الحارس في وقارٍ:
_تحت امرك يا باشا...
وغادر "رحيم" المكان بأكمله ليلحق بها بالسيارةٍ، تاركاً النيران شاعلة باجسادهم لتردد بحقدٍ وهي تتابعه بعينيها الناقمة:
_قصر وحرس!!!..
*****************
بالسيارة..
قاد بصمتٍ والابتسامة لا تفارق وجهه، لمحتها "شجن" والغيظ يتمكن منها، فزفرت وهي تخبره باستسلامٍ:
_ست مش طبيعية، لسه فيها طبع الشماتة ده أعوز بالله..
أجابها بمكرٍ وعينيه مثبتة على الطريق:.
_ايوه، بس انتي ادتهملها صح، اعتقد انها مش هتفكر تضايق حد تاني...
تعالت ضحكاتها المرحة، فقالت بصعوبة بالحديث وسط موجة ضحكاتها:
_تستاهل هي اللي جابته لنفسها، وبنتها بتقولي قال ايه اتجوزتي راجل كبير علشان القرشين اللي وراه، حصوة في عينها ده أنا متجوزة عم الشباب كلهم..
أوقف "رحيم" السيارة فاصدرت صوتٍ مزعج، فاستدار إليها ليسألها بجديةٍ:
_انتِ مش طبيعية النهاردة، حاسس أن فيكِ حاجة..
تطلعت لذاتها ثم تطلعت اليه وهي تتساءل بخوفٍ:
_فيا أيه؟..
رد عليها بسخريةٍ:
_لا مهو ده اللي هحاول اعرفه، مرة بحبك والوقتي بتدافعي عني بطريقة تخليني اشك أنك أنتي اللي قاعدة جانبي، دي هرمونات زيادة ولا أيه؟..
ابتسمت وهي تجيبه على استحياء:
_لا دي طبيعتي اللي كنت بحاول ادفنها ورا وش النكد والتفكير في اللي فات، فبقيت بجبر نفسي أبص لقدام وأفتح صفحة جديدة..
ثم اردفت بخبثٍ:
_ولا أنت عاجبك شجن كآبة لو عجباك ممكن أرجعها تاني..
استمدت عينيه نور العشق الضائع من عينيها اللامعة، توقفت عن الثرثارة وهي تراه يتأملها بطريقته تلك التي تستهدف قلبها المسكين، ليت النظرات عناق يدوم طويلاً، ليت غصون العشق التي ظللت عليهم بتلك اللحظة تدوم، ابتعدت "شجن" عنه سريعاً بخجلٍ وهي تلتقط أنفاسها بصعوبةٍ، حاولت ان تلهي نظراتها بالتطلع من نافذة السيارة هرباً من رؤياه بعد سماحها له بخطف ورقة من ريحقها، ابتسم "رحيم" وهو يرأها تلهي ذاتها، فأكمل قيادة وبعد دقائق طويلة صف السيارة أمام أحد محلات الفساتين المميزة، ليجعلها تنقي ما تريد حتى يتوجهون سوياً لاقتتاح مطعم "يوسف"..
*************
طرقت على باب غرفتها أكثر من مرة، وحينما لم تستمع رداً ولجت للداخل لتجدها جالسة على الفراش شاردة للغاية، اقتربت" منة" منها وهي تردد بغضبٍ:
_بقالي ساعة بخبط على الباب وانتي ولا انتي هنا!..
اعتدلت "سما" بجلستها ومازال وجهها عابس للغاية، جلست منة جوارها وهي تتساءل بقلقٍ:
_مالك يا بسيوني، مش عويدك النكد يعني؟..
منحتها نظرة جانبية محتقنة ثم عادت للعبوس مجدداً، فأخرجت "منة" المسكات من الحقيبة الصغيرة التي تحملها قائلة بفرحةٍ:
_ده أنا كنت جاية أحطلك المسك علشان بكره بالفرح يكون وشك منور كده، ولعلمك محدش هيزوقك غيري يا عروسة..
الحزن القابع على وجهها جعل الاخرى تضع الحقيبة من يدها لتسألها بجديةٍ:
_مالك يا سما، قلقتيني!..
خرجت عن رداء الصمت حينما قالت بخوفٍ:
_ما انتي شايفة اللي حصل مع "فاطمة"، الفرح اللي رسمته اتهدم وبايد جوزها، خايفة يحصل معايا حاجة من النوع ده..
تفهمت" منة" قلقها وخاصة بتقارب المدة بين زفافها وزفاف "فاطمة"، فقالت بهدوءٍ:
_أنتِ متشائمة اوي يا" سما"، اللي حصل مع "فاطمة" سوء تفاهم والحمد لله ان برائتها ظهرت..
رددت بسخريةٍ يغلفها الألم:
_ظهرت بس بعد ما كسرها وهانها..
أمسكت "منة" يدها وهي تحاول اخراجها مما تفكر به:
_فاطمة تهمك وتهمنا كلنا، بس مش منطقي نربط الاشخاص كلهم ببعض، "آدم"مش زي" يامن"..
ثم اخرجت علبة المسك لتقربه منها قائلة بابتسامةٍ رقيقة:
_يلا سيبك من كل ده وخلينا نركز في جلسة التنضيف معتش معانا وقت..
اسكانت "سما" لتتركها تضع المسك وغيره من منظفات على وجه العروس، بينما هي شاردة بوادي أخر الخوف من ليلة الغد هو موجه الوحيد..
************
مر أكثر من أربعة ساعات ومازال يجلس بسيارته، يراقب القصر جيداً على أمل ان يترك "جان" القصر لعمل طارق فيدلف ليراها، وقد منحته الظروف ما أراد حينما خرج "جان" ليتجه للمشفى للأطمئنان على"إياد" بعدما علم باستعادته للوعي، تابعه حتى صعد لسيارته وما أن غادر حتى تسلل للقصر، فولج من الباب الجانبي ثم صعد لغرفتها دون أن يصدر صوتاً، فتح باب غرفتها وعينيه تشتاق لرؤيتها، وبخطواتٍ حذرة تقدم من الفراشٍ ليجدها نائمة بعمقٍ، جلس مقابلها وهو يتأملها بانكسارٍ، وجهها الشاحب، عينيها المنتفخة التي تنقل له كم الدموع التي لاقتها، كل هذا أستكان الوجع بداخل قلبه الذي يئن ندماً على ما ارتكبه بحقها، رفع "يامن" أصابعه ثم قربها ليمررها على خديها الأحمر برفقٍ، شعرت بوجود أحداً لجوارها ففتحت عينيها لتتهجم ملامحها فزعاً حينما رأته امامها، كادت بالصراخ به فكمم فمها بيديه وهو يهمس لها بصوتٍ منخفض:
_عشان خاطري اديني فرصة، فرصة واحدة بس، أنا عارف اني غلطت بس والله غصب عني معرفش ازاي عملت كده، الشيطان عماني..
دفعته بعيداً عنها وقد تحرر صوتها المنفعل:
_أبعد عني، متقربش منـــــــــــي أنت فاهم..
ابتعد عن الفراشٍ، وهو يشير لها بيديه لتهدأ:
_هفضل بعيد بس أرجوكي تسمعيني يا "فاطمة" ..
وضعت يدها على آذنيها وهي تصرخ بكره شديد:
_مش عايزة أسمع حاجة، أخرج من هنا مش طايقة أشوفك..
خنجر مسنون طعن قلبه للمرة التي تعدت الخمس مرات، ومع ذلك حاول السيطرة على ذاته وهو يخبرها بهدوء يجاهد للتحلي به:
_اللي حصل كان صعب يا "فاطمة"، أنا مش ببرر لنفسي الغلط بس أنا جاي علشان اعتذرلك بدل المرة الف وأقولك سلمحيني واديني فرصة أصلح اللي فات..
اجابته بابتسامة منكسرة:
_اللي أنت كسرته فيا مستحيل هيتصلح..
ثم استطردت بوجعٍ بدى بصوتها:
_لو عايز فعلاً تحافظ على اللي باقي ليك بقلبي يبقى تطلقني وكل واحد يروح بطريقة..
في تلك اللحظة لم يستطيع ان يظل بعيداً، اقترب ليقف قبالتها وهو يسألها بعدم استيعاب:
_انتي بتقولي أيه، اللي بتقوليه ده مستحيل هيحصل أنتي فاهمه!..
قربه منها جعل جسدها يرتجف، تشديده بيديه على معصمها طرحت صورته من امامها حينما جذبها قسراً لطبيبة تكشف سترها لتخبره ان كانت طاهرة أم لا، رددت بهمسٍ خافت وهي تجاهد الاغماء:
_ابعد عني...
تعصبه بتلك اللحظة جعله يتغضى عن حالتها، فبمجرد ذكرها للفراق جعله يهيج كالثور الذي لا يعيقه لجام، لم تحتمل رؤية تلك المشاهد المؤلمة حتى وان كانت مجرد ذكريات فسقطت ارضاً مغشي عليها....
**************
انتهت من عقد حجابها ثم جذبت حقيبتها ونتائج الفحوصات التي طلبتها الطبيبة، لتتجه للأسفل استعداداً للذهاب للعيادة، فتح السائق باب السيارة، فكادت" سارة" بالصعود ولكنها انتبهت لضوء سيارة "ريان" الذي هبط ليقترب منها فتساءلت بلهفةٍ:
_"ريان"، طمني "إياد" أخباره أيه؟...
أجابها بابتسامةٍ هادئة:
_الحمد لله يا حبيبتي اياد بقى أحسن..
ثم تساءل باستغرابٍ:
_أنتِ خارجة ولا أيه؟..
أجابته بحزنٍ قد تشكل على وجهها لما تشعر به تجاه عدم فرحته بحملها:
_الدكتورة كانت طالبة مني شوية تحاليل عملتهم وراحة الاعادة..
هز رأسه، فأشار بعينيه تجاه سيارته :
_طيب اركبي، هجي معاكِ..
غمرتها سعادة كبيرة، فرددت بعدم تصديق:
_بجد يا "ريان"!!.
ابتسم لفرحتها، فأطبق يديه على يدها وهو يهمس بصوتٍ منخفض:
_هو أنا عمري ضحكت عليكي يا قلب"ريان"!..
قالت بابتسامةٍ واسعة:
_بصراحة لأ، بس هتوعدني الوقتي بأيس كريم بعد الكشف..
أغلق باب السيارة، ثم انحنى ليطل من النافذة قائلاً بسخريةٍ:
_لا انتي كده داخلة على طمع بقا..
أجابته بغرورٍ:
_جوزي وأبو عيالي ومن حقي اتغر.
تعالت ضحكاته فقال وهو يدفع المقود:
_لحقيتي تجمعي وتعيشي الدور، يلا هضحي وأجبلك اللي انتي عايزاه ليطلع في وش البيبي ويقولوا أبوه بخيل...
تشاركو الضحكات التي بددت الحزن بداخلها، لتراه متحمس لجنينها مثلما تنتظره هي..
****************
فتح عينيه بانزعاجٍ شديد، فتفاجئ مما راه، نهض الجوكر عن الفراش بفزعٍ وهو يردد بعدم تصديق:
_حنيــــــــــن!..
تعالت ضحكاتها وهي تهرول سريعاً لتتركه بصدمةٍ كبيرة، يحاول بها استيعاب ما فعلته تلك الحمقاء!، عله يشعر بأنه سيقتلها لا محالة!..
............... يتبع.................
ترقبوا القادم...
#الجوكر_والاسطورة5....
#بقلمي_ملكة_الابداع..
#آية_محمد_رفعت....
ياريت نلاقي تفاعل ودعم كويس خصوصاً اننا بالنهايات...
******____________**********×
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الرابع عشر 14 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة5...
#متى_يهتدي_الوصال؟...
#الفصل_الرابع_والخمسون..
تخيلك لأمر بعينيه لا يعني بأنه سيصبح حقيقة حينما يصبح ملموساً، نعم كان يخشى أن يصبح مثل والده، كان يخشى أن يكون أب سييء؛ ولكنه لم يعلم بأن عينيه ستلمع بحنينٍ وفرحة حينما يرى طفله على جهاز (السونار) من أمامه، كان شارداً لدرجة جعلته لم يستمع لما قدمته له الطبيبة من ارشادات هامة في سبيل الحفاظ على الجنين وخاصة بتلك المرحلة من الشهور الاولى، فكانت نظراته مسلطة على الشاشة الصغيرة، يستكشف ما يراه فيبحث عن يديه أو قدميه، التقطت الطبيبة الصور من الجهازٍ ثم قدمتها له قائلة بابتسامةٍ عملية:
_لسه مكملش، لأنها ببداية الحمل..
التقط "ريان" الصور من يدها بفرحة يستلذها قلبه، فنقل نظراته لزوجته التي تراقب رد فعله حينما رأى ما تحمله باحشائها، سعدت كثيراً حينما رأت دمع الفرحة تلألأ بعينيه وهو يتابع الجهاز، رأته شارد به وقد راق لها ذاك، قدم لها يديه لتستند عليها حتى نهضت عن الفراش، فرتبت ملابسها جيداً، ثم خرجت معه لمكتب الطبيبة البعيد عن غرفة الكشف الصغيرة بمسافةٍ ليست بكبيرةٍ، جلست على المقعد المقابل لمكتبها الأسود، تتلاقى التعليمات وارشادات الدواء باهتمامٍ، ثم غادرت معه بالسيارةٍ لتجده مازال شارداً، الصمت يسيطر عليه وكأنه لوح مختوم بالسحر الصامت، أرادت "سارة" أن تحظى ببعض اللحظات الرومانسية مع زوجها بمكانٍ هادئ، فجلت صوتها قائلة:
_أنت نسيت الأيس كريم ولا أيه؟..
انتبه لها، فبحث بعينيه من حوله ليستكشف معالم الطريق الذي قاد سيارته به بمهنية، يتجاوز السيارات من حوله فقط دون ان يعلم بأي منطقة يمرء، وجد غايته حينما تعلقت عينيه بأحد المطاعم، فأشار لها بابتسامةٍ هادئة:
_أحلى ايس كريم بالدنيا، أنتي أطلبي بس أنتِ وهي..
ضيقت عينيها باستغرابٍ:
_أنا ومين!..
اتسعت بسمته وإن كان بها لمحة من الحزنٍ لشعوره بالخوف حينما علم بحملها فندم الآن لذلك :
_أنا حاسس أنها بنت..
قال كلماته الاخيرة وعينيه مثبتة على بطنها، فابتسمت وهي تستمع اليه، تود سماعه طوال العمر، يتحدث عنها وعن ما تحمله باحشائها، قطع النظرات فيما بينهما حينما قال:
_يلا أنزلي..
كادت بفتح باب السيارة، فرددت بتذكر:
_"ريان"، النهاردة الافتتاح بتاع مطعم "يوسف" ، ما تيجي نروح نأكل هناك وبالمرة نباركلهم..
طرق رأسه بخفة بيديه وهو يشير لها بتذكر:
_آه صحيح أنا ازاي نسيت..
ثم أشغل مقود السيارة ليخبرها ونظراتخ تتابع الطريق من خلفه ليديرها للجهة الصحيحة:
_هنقف في اي مكان نشتري ورد ونروح على طول..
هزت رأسها بابتسامتها الرقيقة، فتابعته بنظراتٍ عاشقة فتصنع هو انشغاله بالطريق عن عمدٍ حتى تظل هي تتأمله بنظراتها التي تصل لنوابع قلبه..
*****************
ركضت سريعاً قبل ان يفتك بها، صوت ضحكاتها جعله غاضباً للغاية، ولج "مراد" لحمام غرفته وهو يرى ماذا صنعت بوجهه، جز على أسنانه بغضبٍ وهو يهمس من بين اصطكاك أسنانه:
_وربنا ما هسيبك النهاردة..
حاول غسل وجهه مراراً ليمسح الشارب الذي صنعته له بالقلم الأسود فكانت صدمته بأنه ضد المياه، حك "مراد" شفتيه بالمنشفة الممتلئة بالمياه؛ ولكن دون أي جدوى، ألقاها باهمالٍ وهو يصيح بصوتٍ كالبركانٍ:
_"حنيــــــــن"!...
في ذاك الوقت على صوت هاتفه برسالةٍ على "الواتساب"، فتحها ليجد تسجيل صوتي من شقيقه، فتحه على مضضٍ ليستمع باهتمامٍ لما يقال:
«أختارتلك بدالة شيك للافتتاح، ساعة بالكتير وهتكون عندك..»..
تلون وجهه بشتات ألوان الغضب حينما تذكر موعد افتتاح مطعم" يوسف"، جذب الهاتف ليقربه منه قائلاً من بين اصطكاك أسنانه:
_إفتتاح ايه أنا مش عارف هخرج برة ازاي بعد اللي حصل فيا ده!..
على الفور أتاه اتصال مرئي منه، ففتح الكاميرا ليسند الهاتف مقابله، ثم وقف أمام المرآة يحاول حذفه مجدداً، ضيق عينيه بدهشةٍ فقال باستغرابٍ:
_مين اللي عمل فيك كده!..
توقف "مراد" عن مسح شفتيه ثم تطلع لشاشة هاتفه الصغيرة، ليحدجه بنظرةٍ مشتعلة كانت اجابة مختصرة لمكنون سؤاله، ابتسم "رحيم" ساخراً وهو يقترح عليه استعمال مادة ليزيح بها الحبر العالق، ثم ختم حديثه بكلماتٍ مرحة:
_لو هي حابة تشوفك بشنب ربيه أفضل من المشاكل والتحديات اللي هتطول بينكم..
واغلق المكالمة بابتسامةٍ تسلية، تاركاً الأخر ينفذ اقتراحه الذي نجح بازالة الحبر العميق، ليخرج من غرفته باحثاً عنها بنظراتٍ شرسة..
وجدها تختبئ أسفل تخت ابنته الصغير الذي يكشف ساقيها بالخارجٍ لصغر حجمه، ربع يديه أمام صدره وهو يحاول التماسك، فجز على أسنانه وهو يردد بغيظٍ:
_أخرجي من عندك أحسن ما اقلبه فوق دماغك...
رددت بخوفٍ مصطنع:
_لا مش هطلع، اخرج أنت بدل ما أصحي "مرين" بصراخي، و لو زودت في تهديداتك هطلبلك بوليس النجدة يتصرفوا معاك..
أطبق بأسنانه على شفتيه وهو يصيح بانفعالٍ:
_في حد عاقل يعمل اللي عملتيه!..
طلت برأسها من أسفل الفراش وهي تجيبه بضيقٍ:
_ما أنا قولتلك قبل كده عايزة أشوف شكلك بالشنب وأنت مش راضي، فقولت اتصرف..
التفت جواره حتى وجد غايته، فجذب العصا الغليظة واقترب منها وهو يردد بسخطٍ:
_بالحبر! ، ده أنا مش هسيبك النهاردة..
ثم وقف امام الفراش ليشير له ساخراً:
_ فاكرة أن ده اللي هيحميكي مني!..
لم تفهم مغزى كلماته الا حينما رفعه بذراعيه كاللعبة ليضعه جانباً، ابتلعت ريقها بصعوبةٍ فرددت بارتباكٍ:
_هو أنا قولتلك اني حامل ولا نسيت!..
حملها برفقٍ مخادع ثم أجلسها على قدميه ليمرر يديه على وجنتها بلمساته الساحرة التي اذابت حصونها، رفع قدميها بيديه الاخرى وابتسامته الماكرة تفضح نواياه، ومن ثم جذب العصا ليهمس لها بصوتٍ ظنته يخبرها به كم يعشقها:
_الحوامل ليهم عقاب برضه يا حبيبتي..
رددت امام عينيه ببلاهةٍ:
_ها...
هوى "مراد" بالعصا على قدميها وهو يخبرها بابتسامةٍ انتشاء:
_كده...
تعالى صوت صرخاتها وهي تحاول تخليص قدميها المحكم عليها برسغيه، فرددت بألمٍ:
_أنا مش هعمل كده تاني حرمت والله، أني آسف...
اخفى ابتساماته بملامحه الحازمة، فاستطردت بتبرريها الاحمق:
_ده انا كنت بشوف شكلك بيه بس وأتاكدت انك معاك حق سيكا... سبني الله يكرمك مش هعيدها تاني..
اقترب بوجهه منها حتى صار مقابلها، فردد بخبثٍ:
_لا عيديها أنا عايزك تخدي راحتك وتغلطي وأنا بقى هعرف أقتص منك كويس..
وحرك العصا الغليظة على قدميها مجدداً فتعالى صوت صراخها المزعج وهي تحاول النهوض على قدميها..
************
بالأسفل..
حركت القهوة الموضوعة على(السبرتاية) بهدوءٍ، فما أن انتهت منها حتى سكبتها بالفنجان الأصفر الصغير ثم قدمتها لمن يراقبها بابتسامةٍ تنم عن عشقٍ غريب الاطوار، التقطتها منها وهو يشم عبير رائحة القهوة الشهي بصنعٍ يدها، فارتشف منها وهو يخبرها باعجابٍ شديد:
_القهوة من أيدك حكاية ملهاش أخر..
ابتسمت "نجلاء" وهي تستمع أعذب الكلام والأطراء على أقل شيئاً تقدمه له، فلو كان ما تفعله صعب تهونه كلماته المعسولة، فقالت بدلالٍ:
_مش هتبطل تمدحني؟..
أجابها بابتسامة عرفت طريقها لشفتيه:
_الانسان مش بيعرف قيمة الحاجة الا لما بيفقدها وأنا فقدتك سنين فأكيد مش هكون غبي اني اضيع كل لحظة أدلعك فيها ..
اتسعت بسمتها لتزيد من اشراقة وجهها الذي صغر عشرون عاماً لسماعها ما قاله، ضيقت حاجبيها بدهشةٍ حينما تسرب اليها صوت صرخات متقطعة، نقلت نظراتها لزوجها الذي بدت معالم وجهه المزعوجة بسماعه لنفس الصوت، ترك "طلعت" الفنجان عن يديه فهب واقفاً وهو يتساءل بذهولٍ:
_مين اللي بيصرخ كده!..
وقفت قبالته وهي تجيبه بابتسامةٍ ساخرة:
_من بعد ما الأولاد رجعوا بيتهم أقدر أكدلك انها مستحيل تكون غير حنين، "شجن" متعملش كده أبداً.
هز رأسه باقتناعٍ والبسمة ترفرف على شفتيه، فقال حينما اشتد الصوت:
_ طيب تعالي نطلع نشوف في أيه؟..
اتابعته "نجلاء" للأعلى بخطواتٍ سريعة، طرق "طلعت" باب الجناح ومن ثم فتحه ليدلف للداخل، اتبع مصدر الصوت حتى هداه لغرفة الصغيرة، طرق مجدداً وهو يصيح بصوتٍ عالياً:
_افتحي الباب يا بنتي، بتصرخي ليه؟..
أتاه الرد على الفورٍ، وكأنها استمعت لآمال نجاتها:
_الحقيني يا "طلعت" باشــــــا ابنك هيقتلني..
شهقت "نجلاء" بفزعٍ:
_يالهوي هيقتلها ازاي!..
صاحت بعصبيةٍ بالغة:
_انتوا لسه هترغوا مع بعض اكسروا الباب بسرعة..
انفتح الباب تدريجياً حينما فتحه "طلعت"، فولجوا سوياً للداخل ليتفاجأ كلاً منهم حينما وجدوه يقيد قدميها بمعصمه وباليد الاخرى يكيل لها الضربات بعصا غليظة للغاية، دنا منه ابيه وهو يشير له بصدمةٍ:
_أنت بتعمل ايه يا ابني!، نزلها.
أجابه دون أن يتطلع اليه، وكأنه مشغول بمهامٍ في شدة الخطورة:
_غلطت وبربيها...
غمغمت" نجلاء" بضيقٍ من تصرفاته:
_تربي ايه يا ابني، البت حامل!..
نجحت في انتشالها من بين يديه، فانتصب "مراد" بوقفته بثباتٍ عجيب وكأنه لم يفعل شيئاً من الاساس، حدجته بغيظٍ فقالت بشراسةٍ:
_وأنت فاكر أني كده هعقل، والله لأنتقم منك يا "مراد" يا ابن "طلعت زيدان"..
ابتسم وهو يجيبها ببرودٍ وملامح صامدة:
_وماله عقابي حاضر في أي وقت تحبي تتجني فيه..
جزت على أسنانها بغلٍ، فكادت بأن تجن وهي تحاول ايجاد كلمات مناسبة تبدد ثقته الزائدة بذاته، فافتربت من ابيه وهي تشكو له بضيقٍ:
_ما تشوفلك حل مع ابنك يابو الطلاعت..
تعالت ضحكاته الرجولية، لتنفلت جملته من بينها:
_شوفيلي حل معاكِ أنا كمان !..
وتركها وغادر الغرفة بقهقهة جعلت الدماء تتسلل لوجهها، فاستدارت تجاهه لتجده يبتسم بمكرٍ، لحقت" نجلاء"بزوجها وهي تهمس بضجرٍ:
_مفيش فايدة..
فركت اصابعها بغلٍ، فوقفت مقابله وهي تشير له بتحدٍ:
_متفكرش اني هنسالك اللي عملت، خليك فاكر ده كويس..
وكادت بالتوجه للخروج، فتصلبت محلها حينما لف يديه حول خصرها ليجعلها ترتد للخلف، ومن ثم لف كتفيها بيديه لتستدير اليه، واجهته والف آه من المواجهة التي تكون هي ضحيتها دون أبداء أي رأي، أو آمال متعلقة بالنجاة من هذة المعركة الغير متكافئة الأركان، يعرف كيف يتلاعب بنبضات قلبها وأحاسيسها كأنه يتحكم بدمية أحبالها بين يديه، عينيه الزرقاء تدفنها بين مياهها الهائجة، بلهاء هي لا تعرف السباحة أو طريق النجاة، فتجد ذاتها أسيرته، أسيرة لمساته وهمساته التي لا تنتهي عن أخبارها بعشقه المتيم، خضوع وأي قوة ستجعلها لا تخضع لجوكر علم كيف يتسلل لأعماقها؟!..
*********************
سئم الانتظار الذي طال لأكثر من اربعون دقيقة، يعلم بأن النساء تأخذ وقت مضاعف للرجال حينما يتجهزن لمناسبة، ولكن لم يصل لتلك الحد، اجتاز "رحيم" الردهة المطولة، التي تملأها الثياب الفاخرة بأنواعها، ليقف أمام الباب الصغير التابع لغرفة تبديل الثياب، طرق بيديه بضعة طرقات متتالية وحينما لم يستمع لردها، توقفت قدماه عن تقدم خطواته التالية وكأن القلم الذي يسطر أحداث رواية كاملة قد انتهى حبره، تعلقت نظراته بتلك الفاتنة التي تستخدم كافة اسلاحتها للفتك بما تبقى، فستانها الأخضر المنسدل بطرفه الطويل سحر عينيه، فرأها كالفراشةٍ التي تتبختر بين البساتين، شعر وكأن أنفاسه أحرقت شفتيه فبللها بلعابه وهو يقاوم شعوراً يهاجمه، فاجلى أحباله الصوتية حينما تساءل:
_أنتِ خلصتي ليه مخرجتيش!..
بدد الارتباك معالم وجهها الشبيه بحبات الكرز الأحمر، تحركت بخطواتٍ مرتبكة لتستدير بجسدها للخلف، تعلقت أنظاره بسحاب الفستان المفتوح، ليعلم الاجابة على سؤاله المطروح، حاولت مراراً غلقه دون اللجوء للمساعدة ولكنها لم تستطيع، فحتى خجلها مميت لدرجةٍ جعلتها تخجل من طلب مساعدة من عاملات المحل ففضلت زوجها أن يقوم بهذا العمل، كبح بسمته الصغيرة رغم شعوره بالارتياح لتطور العلاقة فيما بينهما بالحد الطبيعي بين أي زوجين، فاغلق الباب من خلفه ثم اقترب منها بخطواتٍ متهدجة، وقف خلفها بقامته الطويلة وجسده الذي يخفيها كلياً عن الباب من خلفه، مرر أصابعه على طول خصرها قبل أن يلتقط السحاب ليغلقه ببطءٍ جعلت جسدها يقشعر برجفةٍ لطيفة، استدارت "شجن" وعينيها ترفض التطلع اليه فأحنت رأسها للأسفل قليلاً وهي تتساءل بصوتٍ شبه مسموع:
_نمشي؟..
بأصابعه، رفع ذقنها لتقابل وجهها وهو يتفحص عينيها بنظرةٍ متلهفة، فقال بخبثٍ بدى بغمزة عينيه:
_تفتكري "يوسف" ممكن يزعل لو مرحناش الحفلة؟..
هزت رأسها بالنفي في بدء الأمر وحينما تسلل لها مغزى حديثه الماكر، حملت طرف فستانها وهمت بالخروج وهي تردد على استحياءٍ:
_لا أحنا مش هنتاخر علشان هو يزعل..
قرص أرنفة أنفه بابتسامة ساحرة، ليتطلع لذاته بالمرآة بنظرة اخيرة منحته ثقة لم يفقدها يوماً ثم لحق بها ليصعد للسيارة متوجهاً لمطعم "يوسف"..
****************
حبسه معه بالغرفةٍ لأكثر من مرةٍ كان اول الطريق لصداقةٍ جمعتهما بالأجبارٍ، لتختم بصداقةٍ قوية دامت بالتواصل والمقابلات الدائمة فيما بينهما، وفي يوماً هام هكذا حرص"آدم" على الحضور ليكون جوار رفيقه "يوسف"، انتهى من ارتداء بذلته السوداء الانيقة، ثم التقط هاتفه ليعود بمهاتفتها من جديدٍ، سئم من انتظار ردها وحتى الآن لم تجيبه، من المفترض لعروس زفافها بالغد أن تثرثر كثيراً مع عريسها عن حفلة الزفاف والخطط الهامة بيومٍ هكذا؛ ولكنها لم تحادثه حتى وإن طلبها لم تجيبه، كان يود أن يخبرها بالانضمام إليه بالحفلة حتى يستغل الاجواء ليعرف ما بها، ولكن حتى هذا فشل به، وضع" آدم" الهاتف بجيب جاكيته ثم التقط مفاتيح سيارته ليفتح باب الغرفة وهو يثرثر بضيقٍ شديد:
_لا كده كتير..
اتجه لقصرها القابع بجواره، فقرع الاجراس حتى فتحت الخادمة التي استقبلته استقبالاً حار، فسأله مباشرة:
_"سما"فين؟..
أجابته على الفور وهي تشير على الباب المقابل للدرج:
_أنسة سما بأوضتها...
تركها وصعد للاعلى على الفور، لأول مرة يسمح لذاته بالتسلل للطابق العلوي لقصر "سليم زيدان"، ولكنها الآن زوجته ويحق له ذلك، تردد قليلاً بالطرق على باب غرفتها فكان يود الدخول على الفور ولكنه خشى بأن تكون" منة" بالداخل، طرق بضعة طرقات مقتضبة ليستمع لصوتها المتعصب وهي تردد بانفعالٍ ويدها تحرر مقبض الباب:
_ يووه أحنا مش هنخلص ولا أيه يا "منة"؟..
بترت كلماتها في صدمةٍ جلية، حينما رأته يقف أمامها، ارتدت للخلف كرد فعل طبيعي وهمساتها تعلو لتكون مسموعة:
_" آدم"!..
يا ويلت هذا القلب الرقرق حينما يستمع لنداء صوتها العذب باسمه، يشعر وكأن لصداه سحر خاص بها هي، أغلق "آدم" الباب بقدميه واقترب رويداً رويداً حتى صار قبالتها، شعرها الطويل ينسدل على ذراعيها الظاهرة من قميصها القطني القصير، كان يتمنى رؤية شعرها ذات يوم وها قد تحققت أمنيته، بصعوبةٍ بالغة تحررت عقدة لسانه وهو يشير لها على هاتفها الملقي على فراشها:
_مش بتردي على مكالماتي ليه؟..
تهربت بنظراتها عنه، ثم سألته بارتباكٍ:
_انت دخلت هنا ازاي..
قال بهدوءٍ رغم حدة لهجته:
_متجاوبنيش على سؤالي بسؤال تاني، مش بتردي على مكالماتي ليه؟.
ردت عليه بتوترٍ:
_مشفتش موبيلي..
يعلم بأنها تتهرب من شيئاً ما ويود ان يعلم ماذا بها، التقط انفاسه على مهلٍ، فوضع يديه على ذراعيها وهو يتحدث بتحكمٍ بانفعالاته:
_"سما"، ممكن اعرف مالك، او بتتهربي من أيه بالظبط!..
قالت بتلعثمٍ:
_هتهرب من أيه؟!..
أجابها ومازالت يديه مثبتة عليها:
_أنا اللي بسالك، تجاهلك لمكالماتي واضح جداً وخصوصاً في وقت زي ده المفروض ان بكره فرحنا!.
أخفضت يديه عن ذراعيها ثم ابتعدت عنه خطوتين لتجيبه بتوترٍ:
_صدقني مش بتجاهلك انا بس مرتبكة شوية..
قطع المسافة بينهما ليسترسل حديثه قائلاً بجدية:
_لو حاسة انك اتسرعتي أو مش جاهزة ممكن نأجل الفرح..
ما قاله غريب بالنسبة لها، فعلى الرغم من شعور الارتياح الذي حاوطها لمجرد تخيلها بتأجيل ما يقلقها الا ان شعور الاستياء تغلب على الاحاسيس التي تضاربها، شرودها المطول جعله يشعر بنغزة مؤلمة تعصف قلبه، ردد بصوتٍ على صداه عله يستمع لها:
_"سما"!..
أفاقت على صوته، فقالت بهدوء مصطنع:
_ايه اللي بتقوله ده، فرح ايه اللي يتأجل بعد ما وزعنا الدعوات وخلصنا كل حاجة..
تسلل الغضب لمعالمه، فوقف قبالتها وهو يردد باستياءٍ واضح:
_هو ده اللي فارق معاكي، المعازيم والدعوات! ، طيب وأنا! ، سما انتي بتحبيني وعايزاني زي ما أنا عايزك!..
الارتبارك بهذا الوقت كان المنتصر عليها، حدجها بنظراتٍ مستنكرة لما قد يخوضه باختيارها للخيار الثاني، فاستطرد بصدمةٍ:
_للدرجادي السؤال صعب!..
صمتها كان يسبر أغواره فيجرده من كل صبر تحلى به يوماً، وجد ان وجوده هنا لم يعد مرغوب به لسببٍ لا يعلمه، فتركها وكاد بالمغادرة، تصلب جسده بأكمله في صدمةٍ اجتازها شعور لا يوصف، حينما احتضنته من الخلف وهي تردد بتخبطٍ:
_أنا بأحبك اكتر من نفسي، بس أنت لازم تفهمني وتقدر اني زي أي عروسة مرتبكة...
أغلق عينيه مطولاً وهو يجاهد حرب لمساتها له وحرب اعترفها بكلمات فاضحة بعشقه له، استدار اليها فمنحها نظرة اخترقتها، عينيها اللامعة بالدمع أذابت حصونها، اقترب ليطبع قبلة على جبينها وهو يردد بأنفاسٍ ملأت بالرغبةٍ:
_وأنا بعشقك يا سما..
ابتسمت بفرحةٍ وهي تستمع همساته الجريئة اليها، سحابتها التي حملتها باعناقٍ السماء جعلتها تعي لوضعها الغريب، جحظت عينيها في صدمةٍ من قربه منها، وتصرفها بحريةٍ امامه رغم ما تريديه، هرولت للخزانة لتجذب مئزرها البني فكادت بأن ترتديه لتتفاجأ به يجذبه منها وهو يقول بابتسامةٍ واسعة:
_أنا جوزك يا هبلة..
ثم تركها وغادر قائلاً دون النظر اليها:
_هستانكي تحت البسي وحصليني..
وما أن غادر من امام عينيها حتى سقطت على الفراش بابتسامة واسعة، تعيد على مسمعها كلماته مراراً وتكراراً بانتشاءٍ..
*****************
البقاء لجوارها لبضعةٍ ساعات كان أقصى احلامه وخاصة بعدما فعله بها، استغل غيابها عن الوعي ليحتويها بأحضانه، بدأت "فاطمة" باستعادةٍ واعيها تدريجياً، فحينما رأته بحتضنها هكذا ابتعدت عنه على الفور وهي تتساءل بعصبيةٍ بالغة:
_أنت لسه بتعمل ايه هنا، أخرج بره انا مش طايقة أشوفك..
رغم قساوة كلماتها الا أنه استمر في الاعتذار فما فعله ليس بالهين حتى ينال المسامحة بسهولةٍ، رفع "يامن" يديه يحتضن خديها، قائلاً بلهجةٍ ختمتها الدموع:
_لو أقدر أبعد مكنتش هتردد، بس صدقيني العقاب ده صعب اوي، والأصعب وأنا شايفك مش طايقة تبصيلي..
رفعت عينيها المحتقنة مقابله بنظراتٍ ساخطة، ختمتها بقولها الساخر:
_أنت أخر واحد توقعت انه يشك فيا وفي أخلاقي، وياريت الحكاية جيت على الشك وبس أنت جرحتني مرة وكسرتني الف مرة..
ولف رأسها للاتجاه الأخر قائلة بتوسلٍ يغلبه بكاء ممزق:
_أرجوك أخرج انا مش عايزة أفتكر اللي حصل تاني..
تأملها بنظرةٍ مطولة، وكأنه يتشبع منها قبل أن يغادر، فنهض عن الفراش وقبل أن يخطو خطوة واحدة قال:
_هخرج يا "فاطمة" بس مستحيل هسمحلك تبعدي..
وتركها وغادر حزيناً، مهموماً، قلبه يصارع للبقاء حياً بعدما طافت به جروح خطيرة، وعقله عدوه الوحيد يسترجع المشاهد من أمامه وكأنه يتعمد أن يذكره بما فعله كل دقيقة حتى لا يغفل عن ذنبه الفاضح..
********************
سادت الموسيقى الهادئة الأرجاء، حتى الأضواء الخافتة غمرة المطعم بأكمله لتمنحه مظهر أكثر رومانسية، وبمنتصف أرضيته البيضاء وضعت طاولة مستطيلة الشكل، كبيرة للغاية، تحوي اكثر من أربعة وعشرون مقعد بتجهيزاً خاص لإستقبال عائلة "زيدان"، وعلى رأسها جلس" طلعت " ومن جواره "نجلاء"، أما بمقابله جلسا" مراد" ولجواره "رحيم" على رأس الطاولة الضخمة، أما على يمين الجوكر فكانت تجلس مشاكسته، وعلى يسار الاسطورة تجلس "شجن" القلب، وبمنتصف الطاولة جلس على ثنائي مقابل بعضه البعض في تناسق وكأن كل منهما متعمد الجلوس امام معشوقه لتكون سهرة مميزة مع الطعام والموسيقى وتأمل من يسكن بنوابع القلب والفؤاد.
أمر "يوسف" بوضع طعامٍ من أشهى الوصفات التي سيقدمها المطعم، فتناولوا طعامهم جميعاً في جوٍ من الألفةٍ التي لم تعهدها تلك العائلة من قبل..
التقط "فارس" ملعقته وهو يعبث بطبقه بشرودٍ، فوزع "مروان" نظراته بين الجميع قبل ان ينحني ليسأله بصوتٍ أقرب للهمس:
_مالك شايل طاجن ستك عظيمة ليه!..
حانت منه التفاتة جانبية له قبل ان يجيبه بغيظٍ:
_بقالي سنين وأنا بحاول بس أتقدم لسليم بشكل رسمي رغم ان حبنا مفضوح للعيلة كلها وأولهم أنت..
همس بسخطٍ:
_أه ياخويا انت هتقولي، المهم ادخل في التقيل .
استطرد "فارس" كلماته بحنقٍ ونظراته مسلطة على أخيه الغارق بحديثه الجانبي مع زوجته:
_وعارف اني هيطلع عيني لحد ما أوصل لمرحلة الجواز، وفي الأخر يجي سيد اميركا المغرور ويلم الليلة في أقل من ٨شهور، خطوبة وجواز ومش بعيد يخلف وأنا لسه في مرحلة الترجي والتواسل أن أستاذ "سليم زيدان" يقرر معاد جوازنا أمته؟..
تعالت ضحكات "ريان" الرجولية حينما استمع دون قصد للحوار المتبادل بين "فارس" وأخيه، جذب الأنظار إليه وهو يحاول جاهداً التحكم بذاته، أشار له "مراد" عما يضحكه، فأنتبه الجميع للحوار المتبادل بينهما بالاشارات، الى أن وجه "ريان" حديثه لسليم الذي يقرب طبق المعكرونة بالجبن لزوجته التي ترفض تذوق الدجاج او اللحوم، فقال بسخريةٍ:
_ما تجوز "فارس" لمنة يا سليم وتلم الدور اللي بقى حوار في الطالعة والنازلة ده..
توقف الطعام بحنجرتها، فأخذت تسعل بشكلٍ ملحوظ، ناولتها "سارة" كوب من المياه وهي تخبرها بمزح:
_لسه بيتشاورا مخدوش قرار لسه اجمدي!..
تعالت ضحكات الفتيات، فغمزت لها "سما" بسخرية متناسية تماماً وجود الشباب:
_شايفة الشجاعة والبوقين الحمضنين اتبلعوا مع الاكل، أمال نصايحك وكلامك اللي دوشاني بيهم ليل نهار دول رحوا فين؟ ، أشربي..
تداخلت "سلمى" بحديثهم المرح قائلة:
_والله أنكم مضخمين الموضوع يا بنات، الجواز مش صعب للدرجادي..
قالت "حنين" بسخريةٍ:
_يا بت يا سلمى متضحكيش على البت ده انتي حامل وعلى وش ولادة هيقعدلك في عيالك اتقي الله..
ثم استرسلت حديثها ببؤس شديد متناسية هي الاخرى مشاركة الشباب في مجلسهم تلك المرة:
_بصي هو الجواز ده يا بنتي كشف ستار عن الحقائق المخفية..
وتناولت قطع اللحم المعلقة بالشوكة، ثم تابعت وهي تمضغ الطعام بجوفها:
_يعني مثلاً شاب روش وعايش الدور على حبيبته وبيقولها انه رياضي وبيصحى من النجمة على التمرين بعد الجواز تبص تلاقيه نايم ليل نهار وكرشه أد كده، الخايب ميعرفش انه هيجمعهم بيت واحد وحقيقته هتبان..
تعالت ضحكات "ريم" فقالت بصعوبة بالحديث:
_فكرتيني بواحدة صاحبتي، خطيبها فضل يحب فيها وكل يومين يجي الجامعة بورد أحمر، بعد الجواز بقت تيجي الجامعة كل عين لون، وأكتشفت أن الورد للخطوبة وشوك الورد بعد الجواز!..
شهقت "يارا" في صدمةٍ، فرددت باستنكارٍ:
_طيب وأيه يجبركم انكم تتجوزوا يا بنات ما تفضلوا مخطوبين العمر كله هتلاقوا الدلع والحب..
اجابتها "نغم" بسخرية:
_ياختي اتنيلي، هو انتي فاكرة ان الجواز ده بيجي بالساهل كده، ده عذاب ومرار طافح وخناق وصراعات علشان تاخدي الراجل اللي بتحبيه ومش الكل بينجح، البقاء للاقوى زي ما بيقولوا...
هزت "نجلاء" رأسها بتأييدٍ لما قالته، فأضافت:
_عندك حق يا نغم يا بنتي، في جوازات مش بتم بالساهل ولا سهل انك تحافظي على العلاقة اللي بينكم..
ابتسمت "شجن" وهي تشير لهن بمرحٍ:
_أيـــــــه كل ده، كنتوا كتمينه أزاي! ، ما انتوا ليل نهار قاعدين في وش بعض ما حبكش الفضفضة غير هنا!!!..
دقائق اتخذتها كلاً منهن لتستوعب رسالة "شجن" المبطنة فتطلعت كلاً منهن لجوارها ومن أمامها ليصعقوا جميعاً من الحوار الذي تمادى فيما بينهما لدرجة انستهم بمن يجلس لجوارهم او مقابلهم، التهبت نظرات "مراد" لمن تجلس جواره، فقال بكلماتٍ تخرج ببطءٍ:
_راجل بكرش ها!..
هزت رأسها بالنفي وهي توضح له باشارةٍ يدها:
_فشر، ده أنت البرنس وعمهم كلهم، أنا بتكلم عن نوعية مش موجودة فيك..
انتبهت لنظرات الشباب بأكملهم، فابتلعت باقي طعامها وهي تهمس بخوفٍ:
_ولا فيكم..
استدارت الرؤؤس تجاه "طلعت زيدان" الذي أشار لها بحزنٍ مصطنع:
_حتى انتي يا حجة!..
ابتلعت ريقها الجاف وهي تخبره بأسفٍ:
_معلش يا حج اندمجت حبتين مع البنات ونسيت انك جانبي..
اضاف "سليم" ساخراً ونظراته تتنقل فيما بينهما:
_ده اللي بيتقال قدامنا امال من ورانا بيتقال أيه؟..
فشلت "شجن" بكبت ضحكاتها، فتعالى صوتها، انتقلت انظار الجميع تجاهها ما بين فضول من الشباب لمعرفة ما يحدث من خلفهم وما بين نظرات تحذير من الفتيات بالا تبوح عن شيء، قال "جان" وعينيه ترمق سلمى بنظراتٍ قاتمة:
_شكلك هتفيدنا كتير يا "أشجان"..
رددت" سلمى" بتحذيرٍ:
_"شجـــــن"...
اتابعتها "سارة" قائلة:
_عمرها ما هتعملها أشجان جدعة وسرنا كلنا في بير..
أضافت "حنين" بنظراتٍ مغتاظة من ضحكاتها:
_اللي غيظني وقهرني أننا كلنا بنرغي في مصايب وهي الوحيدة اللي صامت ليل نهار مع أن حكايتها مع "رحيم زيدان" مصايب الوان..
خرج عن صمته أخيراً حينما قال بابتسامة شبه ظاهرة:
_الحكاية اللي يعرفها اتنين متبقاش حكاية يا "حنين"..
ابتسمت على كلماته، فحسم الجوكر الحوار المرح فيما بينهما حينما قال بابتسامة هادئة:
_عفا الله عما سلف..
ثم وجه حديثه لسليم بلهجةٍ آمرة:
_فارس ومروان فرحهم مع بعض الاسبوع الجاي يا" سليم"، جهز الترتيبات..
هز رأسه باحترامٍ له فمهما حدث هو الأكبر سناً منه والاولى بتقدير الاحترام، فور الانتهاء من المناقشة تطلع "فارس" لمروان وهو يردد بصدمة:
_لأ.....
تعالت ضحكاته وهو يعدل من جرفاته بغرور:.
_قولتلك أنا وراك وراك يا ابو الفوارس..
زمجر بضيقٍ فقال بعدما دعس بحذائه قدم مروان متصنعاً الابتسامة:
_حبيبي...
أتى "يوسف" ومن خلفه عدد من الشيفات حاملين بعض من الحلو والمشروبات، فأشار لهما قائلاً:
_حطوه هنا...
وضع من امامهما، فقال "آدم" ونظراته مسلطة على نغم:
_أنت اللي نفدت من الانفجار اللي حصل هنا ده..
ابتلعت ريقها بصعوبة، وخاصة حينما تساءل:
_انفجار أيه؟!..
لكزته "سما" بخفة، فتناول بعض قطع التفاح وهو يجيبه بابتسامة واسعة:
_لا متخدش في بالك..
اكتفى بابتسامة صغيرة لاشارة آدم الخبيثة بأنه سيخبره لاحقاً بالهاتف، فوقف امامهما يتساءل بمكرٍ:
_أيه يا جماعة مش هتولعوها ولا أيه؟..
لم يفهم مغزى حديثه الا حينما اشار على منصة الرقص، فنهض الشباب باكملهم، ليجذب كلاً منه نصفه الأخر، ليتمايل على ألحان الأغاني الهادئة...
************
خلت الطاولة من شباب عائلة زيدان، فلم يبقى سوى بضعه مقاعد فارغة، اما على رأسها فكان الجوكر والاسطورة مازال كلاً منهما بمحله، ومن الجهة الاخرى "طلعت زيدان"، زفرت" حنين" بضيقٍ وهي تخبره:
_مش هنرقص يا "مراد"؟..
أكمل تناول طعامه ببرودٍ وكأنه لم يستمع إليها، اشتعل وجهها بغضبٍ فجذبت الطبق من أمامه وهي تقول في سئمٍ:
_بكلمك على فكرة!..
تابعت" شجن" ما يحدث بينهما باندهاشٍ من طريقة "حنين" المضحكة، والاكثر من ذلك تعامل "مراد" المتمارس مع حالتها الجنونية، تجاهل استلائها على طبقه وارتشف من مشروبه ببرودٍ، فنهضت عن مقعدها وهي تردد بغيظٍ:
_ماشي خليك...
ثم تركته ووقفت قبالة "رحيم" لتقول بلهجةٍ قريبة للتوسل:
_رحيم أرقص معايا أنت..
توقف "رحيم" عن تناول طعامه وهو يتأملها بنظراتٍ صارمة، يعلم كونها مرحة بطباعها، ولكن لأي حد سيقودها جنونها لتثير غضب وتحدي أخيه، اعتذر "رحيم" بتهذب:.
_ماليش في الرقص يا "حنين"...
لوت فمها باستياءٍ، فغامت عينيها على طول الطاولة الضخمة، لتتحول لابتسامة واسعة حينما رأت المنشود، تركتهما وتوجهت لطلعت زيدان، الذي تعالت ضحكاته وهو يحاول اقناعها بأنه كهل عجوز لا يليق بمراقصتها وامام أصرارها خضع اليها وانضم لها للمنصة، هز رحيم رأسه بضيقٍ وهو يعلم جيداً عاقبة ما تفعله حنين بالنسبة لأخيه، فحانت منه نظرة لمن يجلس جواره يشتعل من فرط غضبه، التوت الملعقة الماسدة بين يديه من فرط ضغطه القاسي على جسدها، انتشالها" رحيم" ببراعةٍ من بين يديه وهو يشير له بالهدوءٍ، ترك الطاولة ثم صعد للمنصة وشجن تراقب ما يحدث بخوفٍ، فهمست لرحيم قائلة بقلقٍ:
_هو هيعمل فيها أيه!..
نقلت نظراته اليها وهو يجيبها بهدوءٍ:
_مش هيعمل حاجة متخافيش..
بللت شفتيها الجافة وهي تبرر له:
_هي مغلطتش، دي بترقص مع باباك وهو بمقام والدها..
أجابها بنظراتٍ ثابتة وكأنه يرفض التغاضي عن الخطأ:
_وطلبها انها ترقص معايا ده كان صح!..
تعمقت بالتطلع اليه وهي تبرر له بعصبيةٍ:
_ده لانها بتعتبرك أخوها والكل عارف ده كويس..
أجابها بنفس حدته:
_مكانة الأخ بيكون فيها حدود حمرا محدش يتخطاها يا شجن، وبعدين في رجالة بتغير على حريمهم من اقرب ناس ليهم حتى لو كان الناس دول من أهله أو من أهلها..
تفهمت ما يود قوله، فسلطت نظراتها على حنين تراقب ما يحدث بخوفٍ وقلق..
............. يتبع...................
#الجوكر_والاسطورة5...
#بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد..
الباقة خلصت امبارح والله يا جماعة لسه النت راجع حالاً....
**********_________**********
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الخامس عشر 15 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة5...
#متى_يهتدي_الوصال؟..
#الفصل_الخامس_والخمسون...
نظرات ثاقبة تطوفها كالسهام المصوبة تجاه هدف بالتحديدٍ، حساسية الموقف تضع حوله ألف قيد وعائق كيف سيجذبها من بين يد أبيه، هل سيقدر غيرته المفرطة عليها، هل سيقدر كونه يغير عليها من نسمة الهواء التي تتنفسها، من المؤكد بأنه سيحزن وسيظن بأن العوائق والفوارق مازال يضعها بينهما، كان على الجوكر التصرف بحيطةٍ وحذر، وشخصه المهيب يمكنه من ذلك، مسح بعينيه المكان الى أن تطلع لشقيقته، فأشار لها بعينيه، دنت منه "نغم" لتعلم ماذا هناك، فرفع يديه لها، قائلاً بابتسامته الساحرة:
_تحبي ترقصي..
لم تتردد "نغم" برفض الرقص مع اخيها، فتمسكت بيديه لتنضم للمنصة التي تحيطها الكرات الملونة باضاءة متعددة الألوان، تمايلت معه بفرحةٍ جعلته لا يرى أحداً سوى سعادة شقيقته، نعم كان يود الانتقام من "حنين" حينما تراه فضل الرقص مع شقيقته عنها، ولكنه لم ينكر بأنه سعد لفرحتها...
اشتعلت نظرات "حنين" بغضبٍ، ليس لكونه يرقص مع شقيقته ولكن لانه رفض أن يشاركها هي، غلت الدماء بعروقها فكادت بأن تلتهمه بعينيها، انتهت النغمة الهادئة للرقص الثنائيات ثم علت الموسيقى الصاخبة، فكانت نغمة معهودة بتبادل الثنائي بالرقص الجماعي وعلى الرغم من أن زبائن المطعم تبادلوا الرقص بالزوجات الا أن شباب عائلة "زيدان" كان ينبض بداخلهم عرق الرجولي الشرقي، رفض كلاً منهم ترك زوجته حتى وان كانت ستحظو بأخيها او بابن عمها..
عاد "طلعت" للطاولة بعدما أخبرها بانه لن يقدر على استكمال تلك العروض التي تتطلب حركة مبالغ بها، وقفت "حنين" جانباً تطالعه بنظراتٍ غاضبة، ابتسم "مراد" بانتصارٍ وهو يتأمل حالتها، فرفع يديه يشير ليوسف الذي انتبه اليه فاقترب منه، سلمه "مراد" يدها غامزاً بخفة:
_سهرة سعيدة..
غمز يوسف بنفس طريقته وهو يضيف بمكرٍ:
_ليا وليك يا عمهم..
أغلق "مراد" زر جاكيته الرمادي، فأتجه بخطواته السريعة تجاهها، وقبل أن تنطق بحرفٍ واحد كان يجذبها بقوةٍ من خلفه، صعد الدرج الجانبي للمطعم المودي للجناح العلوي، كادت بأن تتعثر أكثر من مرة وهي تحاول تفادي طرف فستانها الطويل، دفعها بعصبيةٍ كادت بأن تسقطها أرضاً لولا المقعد من خلفها، حدجته بنظرة قاتمة وهو تصيح بانفعالٍ:
_ما انت بترقص وحلو أهو أمال طنشتني ليه؟..
رفع قدميه على المقعد المجاور لها، ثم انحنى بجسده ليكون مقابلها بالتحديدٍ، عينيه القاتمة جعلتها تشعر بالخوفٍ رغماً عنها، تحرر صوته أخيراً فقال:
_انا أعمل اللي أنا حابه، بس ده ميدكيش الحق أنك تتخطي حدودك بدافع التحدي والعند..
ازدردت ريقها الجاف وهي تجاهد بتحرر صوتها المكبوت:
_أنا كنت عايزاك ترقص معايا مش أكتر.. اردف بعصبيةٍ بالغة جعلت جسدها يرتد بخوفٍ:
_وقولتلك لأ، يبقى ده معناها انك ترقصي مع أي حد!..
كادت بتبرير موقفها، فأوقفها اشارة يديه وهو يسترسل حديثه الثائر:
_"رحيم" أحرجك بذوق وأنتِ برضه مصممة أنك تعانديني، بتعانديني في شيء خارج قاموس الرجولة، جوزك موجود وريحة بكل بجاحة تطلبي من أخوه يرقص معاكِ أنتِ لا دينك بيسمحلك بكده ولا أي رابط؟!!..
انسدل الدمع من عينيها، فقالت بصوتٍ متقطع ويدها تفرك بفستانها بارتباكٍ:
_كنت متأكدة انك مش هتسمحلي أرقص معاه حتى لو وافق، أنا عملت كده علشان عايزاك ترقص معايا...
صاح بحدةٍ:
_رقص ايه اللي يخليكي تنزلي من نفسك ومني! ، وبرغم ان رحيم رفض روحتي ورقصتي مع أبويا اللي مش قادر يتحرك من التعب، أنا مش عارف اخرة عندك وشغل العيال بتاعك ده أيه!..
تراجعت للخلف بخوفٍ حينما احتدت لهجتهه، فرددت بتوترٍ:
_أنت اللي بتعمل كل ده!..
كور يديه أمام وجهها وهو يهتف بغضبٍ:
_متعصبنيش أكتر، من كده، تصرفاتك الغبية دي متلقش بواحدة متجوزة وأم، غيري من نفسك يا "حنين" لاني مش هسمحلك تنزلي مني قدام اي حد تاني فاهمه؟..
بكت بصمتٍ فانتباه صراع عاصف من العصبيةٍ طرده بصوته الجمهوري:
_فاهمــــــــــة؟..
ردت بخوف مصاحب لشهقاتٍ من البكاء:
_فهمت..
تركها وانتصب في وقفته، فاستدار ليوليها ظهره بجفاءٍ، احتضنت وجهها وهي تبكي بتأثرٍ لفهمه الموقف خطأ برمته، استغلت كونه لا يتطلع اليها فجذبت الحقيبة وكادت بالمغادرةٍ، التفت الحوائط من حولها بصورةٍ مهزوزة، فرفعت يدها تضغط على جبهتها عل الامور تتوازن من أمامها، سقطت حقيبتها ببدء الأمر ومن ثم لحقت بها لتصطدم بالأرضٍ بصوتٍ كان مسموع لمن يقف بالاتجاه المعاكس لها، رددت بشحوبٍ قبل أن تغلق عينيها:
_"مراد"!..
استمع لصوت اصطدام قوي فاستدار تجاه مقعدها، فوجده فارغ، اسرع "مراد" للاتجاه المعاكس للدرج فسقط قلبه بقدميه حينما وجد حقيبتها أرضاً ومن ثم وجدها هي من جوارها فاقدة الوعي!..
****************
بالأسفل..
أستغل يدها الممدودة على كوب مشروب البرتقال الطازج، أمسك بها بين يديه الخشنة وعينيه تتطلع لعينيها بنظراتٍ تتراقص مع نغمات الموسيقى الرومانسية، تخلت "شجن" عن صمتها وهي تخبره بابتسامةٍ رقيقة:
_"رحيم"، عايزة أطلب منك طلب..
أتاها رده بعدما استند على الطاولة ليبدو أكثر قرباً منها، فهمس بصوته الرجولي العذب:
_قولتلك الف مرة انا عايش علشان أحققلك كل طلباتك..
غام الحب بعينيها، فرمشت عدة مرات وهي تحاول التماسك، تنحنحت وهي تخبره قائلة:
_نقضي الليلة في بيتنا القديم..
ابتسم بتوقٍ لذكريات الماضي، ففتح لائحة يديه أمامها، ضيقت حاجبها باستغرابٍ، فقال:
_مستنية أيه، يالا!..
اتسعت بسمتها وهي تقدم يدها اليه، نهض عن المقعد ليضع هاتفه بجيب جاكيته ثم غادر معها للخارج، دث المفتاح بفتحة باب السيارة وكاد بالصعود، أغلقت "شجن" الباب قبل أن يصعد بها وهي تردد بابتسامةٍ تسلية:
_هنمشي على رجلينا في الهوا الجميل ده يا "رحيم" باشا..
ابتسم "رحيم" فقال ويديه مربعة أمام صدره العريض:
_حاسس انك أخدتي عليا أوي!..
وضعت يدها بيديه وهي تدفعه ليمضي قدماً جوارها، فحركت كتفيها بدلالٍ وهي تخبره:
_الله مش جوزي..
نظراته العاشقة جعلتها تهرب من التطلع لزيتونية عينيه المهلكة، فخطى لجوارها ليصلوا سوياً لزقاق المنطقة الشعبية، حنين الماضي عاد ليحتضنهما سوياً، شعرت ولاول مرة بأنها تعود لعش طفولتها باصطحاب "فريد" صديق الطفولة ورفيق الدرب، توقفت "شجن" عن الخطى وهي تنظر تجاه هذا الرجل الكهل الذي يبلغ من العمر فوق السبعون عاماً، انتقلت نظرات "رحيم" اليها فقال بابتسامةٍ صغيرة:
_لسه فاكراه!..
هزت برأسها عدة مرات، فتمسكت بجاكيته وهي تحثه على التحرك بطفولية:
_عايزة غزل بنات ..
لمعت عينيه بلمعة من السعادةٍ حينما عاد ليتمثل أمامه مشهدهما سوياً حينما كانت ترى هذا الرجل الكهل منذ سنوات حينما كان شاب يافع، كانت تطالب "فريد" بشراء غزل البنات منه، تركها "رحيم" ودنا منه ليشتري ما يحمله بمبلغ طائل من المالٍ لدرجة لم يستوعبها الرجل الذي شكره كثيراً وغادر مسروراً للغاية، اقتربت منه "أشجان" وهي تتامل الأكياس الذي يحملها بفرحةٍ، فحملت منه عدة اكياس، كاد الحامل الخشبي بأن يسقط فوق راسها حينما جذبت أحد الأكياس من الحامل، فجذبه رحيم قبل أن يسقط فوق رأسها قائلاً بخوفٍ:
_حاسبي يا "شجن"..
ابتسمت وهي تلتقط الحلوى لتتناولها بلهفةٍ، مجرد رؤياها سعيدة تجعل قلبه ينبض بقوةٍ دون توقف، صعدوا سوياً لسطح المنزل، فعاونها" رحيم" على الصعود على سطح تلك الغرفة البالية، المكان الذي جمعهما بالماضي عاد ليرحب بهما من جديدٍ...
*****************
نثر المياه على وجهها بقلقٍ، وهو يضربها برفقٍ ويناديها بلهفةٍ:
_"حنين"!..
فتحت عينيها وهي تجاهد الدوار الذي يهاجمها مجدداً، وجدته مقابلها فانسدلت دمعاتها على وجهها الذي لم يعهد سوى الضحك، رفع يديه على خدها وهو يقول بحبٍ:
_خوفتيني عليكي..
اعتدلت بجلستها على الأريكةٍ، ثم جذبت حقيبتها وهي تردد بأعين تنظر للفراغ:
_عايزة أرجع القصر..
رغم انها المخطئة الا أنه لم يحتمل رؤياها هكذا، فقال بابتسامةٍ مازحة:
_مش كنتي عايزة ترقصي معايا؟!..
عدلت من حجابها وهي تتطلع اليه بحيرةٍ، فجذبها لتقف أمامه ثم وضع يدها على كتفيه ويديه حول خصرها بتملكٍ ثم عاونها على الصعود على حذائه ليجبرها على الانسياق لحركاته، راقبها بعشقٍ وهيام جعله كالشارد بها، فتحرك لسانه ناطقاً:
_مش عارف بتعملي فيا أيه، عمري ما كان ليا نقطة ضعف ومظهرتش غير لما انتي ظهرتي في حياتي..
هامت بعينيه، فارتسمت بسمة صغيرة على وجهها وهي ترد عليه:
_ومضطر تستحمل جنوني، بجد بتصعب عليا يا "مراد"..
استند بجبهته على جبينها وهو يردد بانفاسٍ تلفح وجهها:
_بعشق جنونك، بعشق كل حاجة فيكِ يا حنين، ادتيني كل حاجة حلوة، حب غيرني وفوقني اني جوايا قلب، بنت بجمال الدنيا كلها، وعوض ربنا انك تبقي شايلة حتة مني في وقت كنت مكسور فيه اني مكنتش جمبك في حملك الاول فعوضني ربنا بحملك التاني..
تسللت الحمرة لوجهها، فأختبأت بأحضانه بأعينٍ مغلقة، تستلم لألحان النغمة الهادئة، تمايلت بين ذراعيه لأكثر من دقائق معدودة ثم همست بندمٍ:
_مراد..
أجابها ومازال يتحرك بها بثباتٍ:
_قلبه..
قالت بحزنٍ:
_سامحني على غبائي النهاردة..
ابتسم وهو يجيبها متعمد لف يديه حولها:
_قولتلك مبعرفش أزعل منك..
عادت لتتعلق به من جديدٍ بفرحةٍ عارمة، ليربت بحنانٍ على خصرها، ذاك العاشق لا يعرف استخدام القسوة أمام تلك المستبدة التي تتسلل لأعماق قلبه بحرافيةٍ..
*****************
ولج لغرفتها المظلمة، اشعل الضوء الخافت ثم جلس على المقعد المقابل لها يتفحص الملف الاسود من أمامه، فقال دون أن يرفع عينيه:
_أنا الدكتور" علي" اللي همسك حالتك لحد ما الدكتور "يارا" ترجع من الاجازة.
ثم تفحص أسم الحالة التي يتابعها ليردد حروفها بتثاقل:
_"فطيمة"..
حينما ناداها باسمها، تحولت نظراتها عن الفراغٍ لتتطلع لمن يناديها باسمها البائس الذي تركته مع ذكرياتٍ تركتها مع صفحات الماضي الممزقة، كالطفل الصغير حينما تتعلق نظراته باول شخص يمسك بيديه ويداعبه، تطلعت له "فطيمة" بنظراتٍ مطولة جعلت الاخر يبدو كالأبله أمامها، تلك هي ذاتها فتاة البيانو الذي استمع لعزفها حينما زار المشفى لأخر مرة، عينيها الفاتنة وألف آه من عينيها، تخترق القلب بسهام محملة بأوجاعٍ عالم بأكمله، تنقل تجارب ومقساة خاضتها طوال حياتها البائسة، ابتلع تلك الغصة الغامضة التي هاجمته على غير عادته مع التعامل مع مرضاه، فاخشونت نبرته وهو يردف:
_بكره ان شاء الله هنبدأ أول جلسة، ودلوقتي هسيبك ترتاحي..
وتركها وغادر بخطواتٍ تحفر بخفيان بمصيرها، وكأنها كالمصباح الذي اهتز بفعل تيار عاصف ثم عاد ليشتعل مع بريق أمل جديد!!..
**************
انتهت من تناول الحلوى بأكملها، فمالت برأسها على كتفيه، انتبه لارتياحها بالاستناد على كتفيه، فمال براسه على رأسها، هامساً ونظراته تتأمل القمر من أمامه:
_كنت فاكر اني ضليت طريقي لما بعدت ودوست بالمعاصي بس برجوعك ليا كان اشارة منه انه مش قابل بكده وانه واثق اني هرجعله في يوم من الايام، صحيح كانت الاقلام اللي اخدتها قوية جداً وأهمها ان الشر اللي كان عايش جوايا كان هيطول اقرب الناس ليا، أنتي يا شجن ، وكأنه بيفوقني أن اللي بعمله بحصده بالنهاية، أنا فوقت ورجعت وأنا رابح حاجات كتيرة، أخويا والعيلة وأولهم أنتِ يا شجن..
استمعت لكلماته بفرحةٍ، وكأن الضياء غمره هو الأخر ليصبح مثلها، ابتعدت عنه وهي تطالعه بابتسامة افتكت بلجامه، أمسكت يديه لتقربها من شفتيها لتطبع قبلة عميقة على باطنها، قشعر بدنه فدنا منها لتطرق دفوف قلبه وهو يراها تبادله الحب مثلما هو يبادلها، حملها بين ذراعيه والاعين متعلقة ببعضهما البعض حتى ولج للداخل الغرفة ليغلق بابها بأقدامه، فذاك العالم خفي عن الأعين لا يحق لاحداً رؤياه..
******************
عاد لبيته مهموماً، وحيداً، مكسوراً، يهاجمه القهر والهجران، صعد لغرفته وكأنها سجن بأعمدة، كل ركن يذكره بها، تسلطت انظار "يامن" على الفراش وهو يتذكر كيف كان يجرحها كل مرة ويتهمها بعرضها، كيف خرجت كلماته كالسهام من فمه لتستقر بصدرها ويتوقع هو ان تسامحه، جلس على الفراشٍ لتنسدل دمعاته على وجهه وهو يردد بأنفاسٍ شاحبة:
_سامحيني يا عمري مكنتش أقصد أجرحك كده، أنا حاسس أن أنا اللي موجوع مش أنتي..
*****
وكأن الرياح تغدو صديقة فتنقل لها كلماته، هوى الدمع على وجنتها والألفة تلامس قلبها المجروح، تعاد من أمامها ذكريات فتخوض حرباً مذرية ما بين ذكريات طيبة جمعتها به بعشقٍ ثمين وما بين جرح عميق تركه لها بصدرٍ رحب، لم تعلم أن كان ما تبقى بداخلها سيكون قادراً على المواجهة وخوض الحرب ليربح كفة حبه ولكن ما تعلمه بأن قلبها مطعون بخناجرٍ يصعب ترميم جرحها ولكن ترى ما المجهول لمصيرها مع من جمعته بها علاقة اختارتها بكافةٍ ارادتها؟!!..
........ يتبع...............
#الجوكر_والاسطورة5...
#بقلمي_ملكة_الإبداع..
#آية_محمد_رفعت...
فصلين بيوم واحد اهو لا انا عايزة تفاعل وريفيوهات كتير هااا، انا كمان عايزة اقولكم اني حسيت ان فصلين قليلين لختام السلسلة فانا هكتب كل اللي عندي لحد ما احس انها أخدت حقها..
دمتم في سعادة ومحبة من الرحمن.
#Aya... 💙
******_________********"
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل السادس عشر 16 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة5....(#متى_يهتدي_الوصال؟...)..
#الفصل_السادس_والخمسون....
غاب القمر عن ليله المظلم، وصعدت السماء لتحتل عرشها الذهبي، ليتسلل خيوطها على بقاع الأرض بأكملها، تهادت بخطاها وهي تمر من بين عربات الفرس التي يقودها بعض الفلاحين، لتجتاز ذاك الزقاق الضيق حتى وصلت للمنزل، صعدت "شجن" لشقة "نجلاء"، فولجت للمطبخ المتهالك لتضع مشترياتها البسيطة على الطاولة البلاستكية، ثم جذبت القداحة لتحول مراراً اشعال النيران حتى تعد الفول الحار الذي اشترته منذ قليل من بائع الفلافل، قلبت محتوياته بعدما وضعت القليل من الزيت، صفنت قليلاً بليلة الأمس، فأحتلت الحمرة وجهها بالتدريجٍ وتلك الابتسامة العاشقة تنير وجهها، شرود محبب اليها وهي تتذكر لحظاتهما الرومانسية معاً فأفاقت من غفلتها على صوت انسكاب الحليب بعدما حصل على الحرارة اللازمة لغليانه، أحضرت منشفة وأخذت تمسح بقاياه في ضجرٍ من سهوها الغير مقبول للمرة، ثم جذب صينية مستديرة الشكل لترص أطباق الجبن والفلافل وبعض السلاطات والخبز، ثم حملتها وصعدت لسطح المنزل، وضعتها على الأريكةٍ المقربة منها، ثم دنت من الطاولة القديمة لتجذب المقاعد الموضوعة على سطحها، سعلت كثيراً حينما انفضت الغبار عنهما، فأخذت تمسحها بحرصٍ ثم وضعت الأطباق عليها والأكواب والمياه، مشطت بعينيها الطاولة بنظرةٍ رضا، فتوجهت للغرفة من خلفها، دخلت وهي تبحث عنه بعينيها، فوجدته مازال نائماً على الفراش الصغير الذي أعدوه بالأمس، اخفت بسمتها الحالمة لتقترب منه وهي تناديه باتزانٍ يخفي مشاعر عظيمة:
_"رحيم"! ..
لم يستجاب لها، فلأول مرة ينام بعمقٍ وراحة، لطالما كانت أحدى عينيه مفتوحة، يستمع لما يحدث حوله، ولكن حينما تكون لجواره بنسى العالم بأكمله، لم يكن أمامها سوى اختيار واحد، انحنت بجسدها وهي تهزه برفقٍ:
_"رحيم"..
صرخت بفزعٍ حينما وجدت ذاتها بداخل أحضانه، خدعها بأنه لم يستيقظ بعد ليجذبها بسرعةٍ كبيرة لأحضانه، تلقائياً استندت بيدها على صدره العاري فاشتعلت الرغبة بداخلها وكأنه أحيا بذكرها ما حدث بالأمس بينهما، رفعت رأسها اليه وهي تحاول المناص من بين قبضة يديه القوية القابضة على خصرها بتملكٍ، فهمست بتذمرٍ:
_دي مش طريقة دي، أبعد شوية..
ابتسم وهو يفتح عينيه ببطءٍ، فقال ونظراته تتابع حركة شفتيها بتأثرٍ عجيب:
_أنتِ مفيش أي طريقة بتعجبك!..
انسحبت بنظراتها عن تأمله وقد لفح خديها حرارة لطيفة، فهمست على استحياءٍ:
_سبني عايزة أقوم..
قال بمكرٍ ويديه مازالت تحاصر خصرها الممشق:
_أنا بعيد أهو..
جزت على أسنانها وهي تهتف بغيظٍ:
_مفيش فايدة فيك!..
بفعلتها تلك أججت لهيب المشاعر المختبئة خلف هذا الصدر القاسي، دنا منها ليعاقبها بجرعةٍ من الأحاسيس المرهفة، فأرتعش جسدها بين يديه، دفعته للخلف وهي تردد بأنفاسٍ متقطعه:
_الأكل هيبرد..
رفع حاجبيه وهو يتساءل باستغرابٍ:
_أكل أيه؟!..
نهضت من جواره وهي تعدل من حجابها ثم أشارت له بابتسامةٍ مشاكسة:
_قوم شوف بنفسك..
وقبل ان تخرج من الغرفةٍ، استدارت لتشير له بابتسامةٍ مسلية:
_على فكرة أنا سرقت من جيبك شوية فلوس بس متقلقش مش كتير..
نهض عن الفراش المسطح أرضاً حتى وقف مقابلها، ينجح دائماً دون أي مجهود منه بأثارة الرهبة بداخلها حينما يكون مقابلها بجسده الصلب، عبثت بحاجبها حينما اقترب منها ليحاصرها بين ذراعيه، متعمداً الاطاحة بها ليرى توترها بحضرته، فقال بصوته الرخيم:
_فلوس الدنيا كلها تحت رجلك، وأولهم أنا..
بللت شفتيها بارتباكٍ، فتهربت من التطلع لزيتونية عينيه المهلكة، رأف بها يكفي ما حدث ليلة أمس، شعر وكأنها تقترب منه تدريجياً حتى أصبحت العلاقة بينهما مثالية، التقطت انفاسها بحريةٍ حينما تنحى جانباً فقالت بخجلٍ وعينيها أرضاً:
_أنا جهزتلك الحمام تحت..
أجابها بعدما انحنى ليلتقط قميصه الأبيض الملقى أرضاً وجاكيته الموضوع على أحد المقاعد:
_كمان، فطار وحمام لا كده كتير عليا..
ابتسمت وهي تجيبه بحبٍ:
_مش كتير ولا حاجة..
ثم قالت بمزحٍ:.
_لو كنا عملنا الشقة اللي كنا بنحلم بيها هنا كنت هغسل وأنضف وأطبخ وأعملك كل حاجة، غير جو القصر والخدم اللي فيه..
أحكم بأصابعٍ يديه العريضة على أصابعها، فقربها من شفتيه ليطبع قبلة بطيئة وهو يردد بابتسامةٍ مهلكة:
_أقل حاجة منك بترضيني..
ثم ابتعد وهو يشير على ثيابه:
_شوية وراجع..
أومأت برأسها بخفوتٍ فما أن غادر من أمامها للاسفل، حتى وضعت يدها على قفصها الصدري تتحسس خفقات القلب المجنون، لوهلةٍ شعرت بأنه سيقفز من داخله، خرجت "شجن" لتجلس على الطاولةٍ التي أعدتها بالخارج، كانت تحتاج للهواء المنعش يبدد تلك الرغبة التي تشتعل بقربه منها، طرقت بأصابعها على الطاولة الخشبية عدة طرقات وهي تعبث بما يقابلها حتى يعود..
*****************
انتهى من أخذ حمامه ثم ارتدى بنطاله أولاً، ثم ارتدى قميصه فشعر بوجودها لجواره، ابتسامة صغيرة داعبت شفتيه حينما تذكرها ترتديه ليلة أمس طوال الليل، فحتماً ستطبع رائحتها به، ربما بالماضي كان ليثورٍ أن تسللت رائحة امرأة أخرى لتمتزج برائحته الرجولية، اما اليوم وبتلك اللحظة بالتحديد يود أن يحبسها بداخل أضلاعه، بأن تظل لجواره في كل لحظة يتنفس هو للحياة، راق له بأنه يضع ما ارتدته حول جسده فشعر وكأنها تحتضنه، جذب "رحيم" جاكيته ليحمله على ذراعيه ثم صعد لسطح المنزل مجدداً فوجدها بانتظاره، تأملته باعجابٍ شديد، شعره الفوضوي الذي تحد المياه أطرافه منحه مظهر رجولي جذاب، تعمد "رحيم" أن لا يصفه فيكفي الصعود للأعلى سريعاً لرؤياها، جلس على الطاولةٍ من أمامها وهو يتطلع لأصناف الطعام من أمامه بابتسامة واسعة، تحرر صوتها المكبوت وهي تخبره بعبثٍ:
_مش شبه فطار القصر بس ده أصلك وأصلي ولا أنت ليك رأي تاني يا "فريد"!!.
التقط الخبز ليتناول الباذنجان المقلي مع الفلافل بنهمٍ، فقال وعينيه مركزة على طعامه:
_أصلي مش بفتكره غير معاكِ أنتِ..
ثم رفع عينيه وهو يخبرها:
_الماضي والحاضر بعيشه لما ببص في عيونك، أمنياتي مش مرتبطة غير بيكِ أنتِ، اي حلم حلمت بيه كان علشانك أنتي..
ازدردت ريقها الجاف الغير موجود بصعوبةٍ، فسحبت يدها بخفةٍ وهي تشير على الطعام قائلة:
_طيب ايه مش هنأكل!..
جذب قطعة من الجبن ليقربها من فمها، وزعت نظراتها بينه وبين أصابعه الممسكة بالجبن فاقتربت لتلتقطها باسنانها برقةٍ ثم مضغتها على مهلٍ وبشرتها تزداد بلونها الأحمر الخجل تدريجياً، هربت من حصار نظراته للمرة التي تعدت الرقم القياسي وهي تسكب الشاي بالكوب القريب منه، ودت لو فرغ من نظراته لها و ألتهى بطعامه ؛ ولكنه كان يراقبها طوال الوقت حتى وهو يتناول طعامه، رن هاتفه برنينٍ بدى مزعجاً له، فالتقطه ليردد بعد أن فتح:
_لا خليك انا اللي هسوق ..
علمت من مختصر المكالمة بأنه حارسه الشخصي، وضع" رحيم"هاتفه جانباً ليخبرها على مضضٍ:
_هنعدي على "إياد" بالمستشفى قبل ما نرجع القصر..
أومأت برأسها وهي تضيف:
_ياريت علشان أطمن على "صباح"..
اكتفى بمنحها ابتسامة صغيرة ثم اكمل تناول طعامه بشهيةٍ مفتوحة متناسياً طعامه الصحي عن عمدٍ، وكأنه لا يود ترك اي شيئاً صنعته بيدها له..
*****************
يعشق رؤياها كل صباح حينما يستيقظ، يحاصرها بين ذراعيه بالاجبار حتى تكون اول ما يراه، ابتسم" مراد" وهو يراها غافلة كالطفلة الصغيرة وخاصة بتلك الجدائل التي تعقصها على شكل قرون متدالية، طافت نظراته يدها الموضوعة على صدره واليد الأخرى الموضوعة على خديه باهمالٍ، اقترب بوجهه منها ليستند بجبينه على جبينها، ففرك بأنفه على انفها، لوت شفتيها بضيقٍ فهمست بتذمر:
_"مراد" سيبني انام الله..
أتاها رده المشاكس:
_أنا اللي أحدد تنامي أمته وتصحي أمته، كلامي مفهوم؟..
فتحت عينيها بغضبٍ قد نجح باثارته فاعتدلت بجلستها ويدها تتوسط خصرها، ليتحرك فكيها بانفعالٍ:
_ليه بقى أن شاء الله كنت سلطان النوم ولا معتش لقي شغلانة!..
نهض هو الأخر ليجلس مقابلها وهو يجيبها بسخريةٍ:
_معنديش مانع تكون وظيفة ثابتة ليا مدام حاجة تخصك..
لكزته بصدره وهي تخبره بغيظٍ:
_نفسي مرة أنام براحتي وأصحى براحتي..
احتضنها بالقوةٍ التي منعتها عن لكزه وهو يهمس بطريقة مغرية:
_كلها أحلام أنا بس اللي بتحكم فيكِ وبقرر أمته تنامي وأمته تفتحي عيونك..
كادت بأن تجيبه بحدةٍ ولكنها توقفت حينما استكمل وعينيه مركزة على شفتيها بنظرةٍ أفتكت حصونها:
_حظك الوحش إني بصحى قبلك ومش بقدر اتحرم من نظرات عيونك لوقت طويل..
وبابتسامة ماكرة قال:
_ولسانك السليط ده..
كركرت ضاحكة وهي تميل على صدره لترتمي باحضانه وهي تهمس بجديةٍ:
_لما بصحى مش بلاقيك جنبي بحس أن يومي كله ناقص..
رفع خدها بيديه ليجبرها على التطلع اليه، طالت النظرات بينهما واندفعت دقات القلوب وكأنها دفوف، لمس بأبهامه شفتيها التي ارتعشت على أثر لمساته فكاد بالاقتراب منها ولكن سرعان ما دفعته بعيداً عنها وهي تردد في صدمةٍ:
_يا نهار أسود، "سما"!!..
ثم هرولت لخزانتها لتخرج ما يناسبها، وهي تخبره باستياءٍ:
_أنت السبب بتلخبط يومي كله، البت هتقتلني لسه قدامنا جلسات تنظيف للبشرة ومسكات وميكيب ودنيا تانية..
ثم جذبت المنشفة لتتجه لحمام الغرفة وهى تتمتم بضيقٍ:
_طول ما انت شغالي في المحن والرومانسية وبتسبلي بعينك الحلوة دي مش هنسى التزماتي كبني آدمة شغالة ميكب ارتست وبس لا هنسى كل حاجة، أنت هتجيبه من برة ما انت طالع لابوك طول الليل والنهار بيسبل للولية وكأنهم عندهم عشرين سنة...
وأغلقت باب الحمام بقوةٍ والاخر يتابعها بعدم تصديق، القى بجسده على الفراش وهو يردد بابتسامةٍ واسعة:
_مجنونة!..
**************
اجتمع الشباب بغرفة" آدم" فالساعات المتبقية على الزفاف تعد من الأهم بالنسبة لمشاكستهم لوداع العزوبية، أخرج "فارس" هاتفه ليوصله بالسماعة فأنطلقت الأغاني الشعبية بالغرفةٍ، اخرج المدة من جيبه وهو يحركها يساراً ويميناً بتمايل على الانغام، شاركه "مروان" الرقص وهو يردد بمرحٍ مع الاغنية:
_هتجوز وهشيل همي، لأخر نقطة في دمي..
حدجهما "آدم" بغضبٍ وهو يتابع حركتهم المستفزة، كبت "ريان" ضحكاته بصعوبةٍ وهو يرى الحملة المشكالة ضده من قبل المشاكسان، أخبرهما "يوسف" بسخريةٍ:
_عقدتم الواد في الجواز الله يحرقكم، غيروا الاغنية الهم دي..
أومأ "مروان" رأسه وهو يشير لهما بابتسامةٍ خبيثة:
_عنيا..
ثم دنا من السماعة ليبعد هاتف "فارس" ثم اوصل بهاتفه لتنتطلق أغنية اخري، رفع "فارس" و"مروان" ايديهم معاً وهما يتمايلون بخفةٍ ليردد كلاً منهما بمرحٍ:
_كجولووووه لوووه لوووه، روشنوووه...
التهبت عين "آدم" وهو يرى كلاً منهما يبذل قصارى جهده ليستثير غضبه، تعالت ضحكات "ريان" فقال بحزمٍ جاهد للتحلي به:
_أخرج بره منك له أحسن ما أفلق دماغكم نصين..
جذب "فارس" هاتفه قائلاً بسخريةٍ:
_ناس كئيبة مالكوش في الدلع والروشنة، بينا يا مروان نهيص باوضتنا ما كلها كام يوم ونبقى عرسان..
ردد "آدم" ساخراً:
_الله يرحم لما كنا بنحوشكم عن بعض..
اضاف "ريان" باستهزاءٍ:
_ساعة واحدة وهتلاقي الحرب اندلعت ما بينهم تاني...
اجابه "مروان" بسخطٍ:
_اقعدوا انتوا في جنب والامور هتبقى فلة..
وما ان أغلقوا الباب من خلفهما، حتى اشار "يوسف" لآدم قائلاً:
_فكك منهم وركز معانا، اوعى عادات أميركا وستاتها تكون نسيتك عاداتنا كعرب!..
استرسل "ريان" بمشاكسةٍ بعدما وضع يدبه على كتفيه:
_لا يا عم مش للدرجادي، هيبض وشنا ان شاء الله مش كده ولا أيه؟..
ابتعد عنهما وهو يردد بغضبٍ:
_حيلك أنت وهو، انتوا شايفني أيه قدامكم، لا أعقلوا الكلام لحسن بيسقط منكم..
ربت "يوسف" على كتفيه الاخر وهو يضيف بابتسامةٍ فخر:
_كده اتطمنا عليك..
***************.
بالمشفى...
وجوده لجواره بالمشفى كان امراً مفاجئ بالنسبةٍ لاياد ولكنه لم يكن صادماً، فبالنهاية الأمور تصالحت بين شباب عائلة "زيدان"، جلست" شجن" جوار "صباح" تطمئن عليها وعلى الصغير فأنتبهوا معاً لصوت رحيم الذي تساءل:
_حابب القعدة هنا ولا ترجع البيت؟..
تطلع له "إياد" وهو يردد بذهولٍ:
_هو ينفع أني أخرج الدكتور كان بيقول ميتفعش!..
أعاد "رحيم" سؤاله مجدداً بصرامةٍ
_أنت عايز ترجع البيت؟..
هز رأسه بتأكيدٍ، فحمل رحيم هاتفه ثم خرج ليجري مكالمة هامة ليمهد له سبيل الخروج الأمن للعودة للمنزل..
***************
اجتمعت الفتيات بأكملهن بغرفة "سما"، تعاونا بمساعدةٍ"حنين" على تزينها، وبالرغم من الاجواء المرحة من حولها الا ان التوتر كان ينخر عظامها كالبرد القارص....
وقفت أمام ذاتها تتطلع لما ترتديه بنظراتٍ شاردة للغاية، فستانها الابيض الطويل جعلها تلامس فرحة غريبة، خمارها الأبيض الطويل الذي يخفي لمنتصف نصفها العلوي، تاجها الذي أعطاها رونق ملوكي، خفق قلبها سريعاً وكأنها تراه أمامه ويغمرها برومادية عينيها، دقائق مرت عليها كصبر أعوام من الأزمنة، دقات باب الغرفة بددت تلك الفرحة لتوترٍ أكبر وخاصة حينما رأت "سليم" يقف أمامها بابتسامة رجولية عميقة، يطالعها بسعادةٍ وهو يرى ابنته عروس تزف بالأبيض، تباطئت ذراعيه لتهبط لجواره للأسفل بخطواتٍ متهدجة حتى انتهى الدرج الطويل بلقائه الافتراضي، وجدته يتألق ببذلة أنيقة من اللون الأبيض، ابتسامة الاعجاب مرسومة على وجهه حينما رأها، انتهى الطريق القصير الفاصل بينهما حتى صارت تقف مقابله وجهاً لوجه، تمسك بيدها وهو يصغى لكلماتٍ "سليم" المحذرة:
_خد بالك منها، حطها جوه عنيك..
أجابه ونظراته مسلطة عليها:
_دي جوا قلبي قبل ما تكون جوا عيوني..
هنا شعرت وكأنها تود رؤياه بوضوحٍ وخاصة عندما وجه تلك الكلمات التي مست عذرية قلبها، ليتها لم تختار ذاك القرار الذي جعلها كالاسيرة امامه، تصلب جسدها أمامه، قدميها لم تنصاع اليها وخاصة حينما طبع قبلة عميقة على جبينها وهو يهمس بعشقٍ:
_مبروك يا روحي...
اكتفت برسم ابتسامة صغيرة على وجهها، شدد من ضغطه على يدها ليجبرها على التحرك للخارج ليصعد للمنصة المخصصة بهما..
***************
استغلال لمناسبة هامة مثل التي ستقيم بقصور عائلة "زيدان" كأن أمر منمق علها تكون فرصة لرؤياها، لذا لم يضيع "يامن" فرصته واستعد لحضور الزفاف حتى يتمكن من التودد اليها لتغفر له ما فعل، بحث عنها بعينيه حتى تمكن من رؤياها بوضوحٍ، جالسة بسكونٍ عجيب لجوار زوجة أخيها، وجهه وكأنه كالشعلة التي انطفئت بفعل التيار، لم يتردد لثانية فأقترب بمسافةٍ قريبة لهما، ليشير برجاءٍ لسلمى بأن تتركه يتحدث معه بمفردها، منحته "سلمى" تلك الفرصة، فتركتها بمفردها، لم تشعر بها لشرودها العميق الذي يعيد على ذكراها معالم ما اختبرته بالماضٍ، عادت من بحورها الثائرة لتعيد الرؤيا بوضوح عن هذا الجانب الفارغ، جحظت عينيها في انزعاجٍ عظيم حينما رأته يجلس من أمامها، تقلصت ملامحها بعصبيةٍ بالغة، فجذبت حقيبة يدها الصغيرة ونهضت سريعاً، تركها تبعد قليلاً عن أجواء الحفل، فكادت بالوصول لقصرها، دفعها بقوةٍ فاجبرها على التنحي جانباً بعيداً عن الأنظار حتى وقف قبالتها، صرخت به بجنونٍ وكأنها لم تعد تمتلك طاقة لمجابهته:.
_جاي هنا ليه أنت معندكش دم، حس بقا وسبني في حالي..
وقف مقابلها وهو يردد بحزنٍ:
_فاطمة علشان خاطري اديني فرصة اصلح بيها غلطي..
ابتسمت بألمٍ كمن بلهجةٍ صوتها:
_أنت شايفها غلطة!!... أنت طعنتني في شرفي وكسرتي! ، انت مكفكش اتهامك ليا أخدتني لدكتورة علشان تتأكد اذا كنت طاهرة ولا لا ويا عالم لو كانت غلطتك في تشخيصها لحالتي كنت انت عملت ايه فيا، كنت هتفضحني زي ما قولت..
انسدلت دمعة خائنة من عينيه وهو يستمع لشرحها لجرحها الذي لم تسعفه الكلمات لوصفه، التقطت انفاسها المتقطعة وهي تسترسل ما قالت:
_صدقني لو كنت اقدر اديك فرصة مكنتش هتردد، لكن أنا مش هقدر، وجعي بيزيد لما بشوفك قدامي، مقدرش أجني على نفسي وأعاني طول ما انا شايفاك قدامي، لو لسه في بقلبك ذرة حب ليا واحترام للصداقة اللي كانت بينك وبين اخويا في يوم من الايام تطلقني..
أغلق عينيه بألمٍ وهو يحاول أن يحتمل ذاك الوجع النابع من خلف صدره القاسي، شرحت له بايجازٍ معاناتها حينما تراه، فحتى هو تألم لاجلها لذا نطق أخيراً بعد فترة صمت:
_هطلقك يا "فاطمة" ...
واستدار ليغادر وهو يسترسل بدموعٍ لم تراها هي:
_اديني 3أيام أجهز فيهم كل الاوراق المطلوبة..
وتركها وغادر من أمامها سربعاً قبل ان ترى ضعفه بدونها، ليتها تتسلل لداخله لتشعر بما يعانيه بدونها..
**************
انتهت فقرات الزفاف المعتادة برقصهما على الاغاني الهادئة، كان كل ثنائي أختلى بزوجته بعيداً عن الحفل، حتى "آدم" لم يقضي بالحفل سوى ساعتين وصعد بعروسه للأعلى، فضل قضاء ما تبقى بحفل الزفاف بمفردهما بالأعلى، أما بالأسفل فشهدت منصة الرقص الفضية على رقص متناغم بين عصافير الغرام، الازواج المستقبلية وحسن ختام اقصوصة الغرام بعائلة "زيدان"، " فارس"و"مروان" وكأن كلاً منهما يحتفل بقرب موعد زفافه مع معشوقته..
*************
ما أن صعدوا لغرفتهما وهو يشعر بارتباكها الملحوظ، كان يود أن تكون سعادتها تطغى على خوفها، كان يود رؤية الرغبة تملئ عينيها، كان يرغب في رؤية الشوق والاحتياج له تضرم شعلة عينيها، ولكن بتر الخوف تلك الاحاسيس فسيطر عليها بشكلٍ كلي، حزن "آدم" وانقلبت سعادته لتعاسة وهو يراها هكذا، بين اللحظة والاخرى تحكم مئزرها حول جسدها باحكامٍ، فحتى فستانها الابيض رفضت ان يعاونها هو بخلعه بل طلبت المساعدة من الخادمة عوضاً عنه، مرر عينيه عليها وهي تخفي خصلات شعرها الغجري تارة وتارة أخري تغطي ساقيها بروبها الأبيض كلما انكشف عنها، يعلم بأن الفتاة الشرقية مختلفة تماماً عن عادات الغرب ولكن ما يؤمن به بأن الحب يبدد، الخجل، الخوف، الحرج، كل تلك القيود، ارادها بقلبها وكيانها، لا خوف وترقب لما سيحدث، جلس "آدم" جوارها وهو يسألها بمرحٍ:
_ها يا بسيوني أيه رأيك باوضتي؟.
حدجته بنظرةٍ غاضبة، فتعالت صوت ضحكاته المرحة وهو يشير لها بيديه بمنحه السماح:
_خلاص متزعليش، كنت بحاول افكك شوية..
ثم خلع جاكيت بذلته البيضاء ليقرب طاولة الطعام المتحركة اليهما قائلاً:
_اكيد جوعتي بعد الليلة دي، يلا نأكل لقمة..
وزعت نظراتها بينه وبين الطعام، فبللت شفتيها الجافة بلعابها وهي تخبره:
_ماليش نفس..
وضع الملعقة من يديه، ثم اعتدل بجلسته مقابلها، فأمسك يدها بحركةٍ مفاجئة لها، جعلتها ترتعش بصورة ملحوظة، خرج عن صمته اللاحظي حينما قال:
_"سما" مفيش حاجة هتحصل بينا طول ما أنتِ خايفة ومش جاهزة لده، حتى لو قعدنا سنة كاملة أنا معنديش مانع المهم أنك تكوني عايزة ده..
رفعت عينيها اليه بنظرة تعمقت بالتطلع له، بدت وكأنها مصدومة لما استمعت اليه، فأكد حديثه بابتسامة هادئة منحته طالة رجولية:
_عايزك تاخدي حريتك وتتصرفي عادي وانا اوعدك عمري ما هكسر كلامي ده غير لو أنتي اللي طلبتي..
ثم طبع قبلة رقيقة على أصابع يدها وهو يسترسل بعشقٍ:
_ المهم انك تكوني مرتاحة...
ابتسمت بفرحةٍ كبيرة، فاحتضنته بتلقائية دون أن تعي لرد فعلها، فقالت بسرورٍ:
_أنا بحبك كل مدى أكتر من الاول..
رفع يديه ليمررها على خصرها ببطءٍ والفرحة التي غمرتها ظللت عليه، فهمس بأنفاسٍ حارقة:.
_وأنا بعشقك يا سما..
عادت لأرض واقعها فابتعدت عنه بخجل، لتلهي ذاتها بالاشارة له على الطعام:
_طيب يلا نأكل بقا لحسن انا واقعة من الجوع.
ابتسم وهو يراها تتناول طعامها بنهمٍ والسعادة قد أضاءت وجهها، حتى وان تألم لذلك ولكن رؤيتها سعيدة جعله سعيد هو الاخر، الحصول عليها يحتاج لمزيد من الوقت يعلم ذلك ويعلم أيضاً كونه صبوراً بدرجةٍ تجعله يترقب تلك الخطوة منها هي..
**************
ثلاث أيام مدة كافية منحها لنفسه ولها بالتفكير، فحسم قراره الأخير وباليوم الرابع وصل لقصر "جان زيدان" بصحبة والده بعدما أعد الأوراق المطلوبة لأنهاء تلك الزيجة، جلسوا بباحة القصر الداخلية والحزن يخيم على الوجوه بداية من "عباس صفوان" حتى والدتها وزوجة اخيها.
أما بمكتب "جان" جلس "يامن" مقابله بعد أن أرسل له برسالة بانه يريد التحدث معه على انفرادٍ، الصمت كان سيد المكان بأكمله، فتمتع به يامن حرجاً من مواجهة صديقه، اما "جان" فكان يختار كلماته المناسبة التي يبدأ بها الحديث فيما بينهما، فقال بهدوءٍ وحكمة مختارة:
_طول عمرك وأنت جانبي، في اصعب اوقات أحتاجتك كنت جانبي فيها ورغم ان الكل كان ضدي انت ساندتني، مترددتش ثانية واحدة اني اديلك اختي رغم اني كنت شاكك انكم حبيتوا ترتبطوا ببعض علشان تردوا لأياد وصباح الضربة، ورغم كده وافقت لان عارف الفرق بينك وبين اختيارها الاول، بس اللي عملته فاق كل توقعاتي وخلاني مش قادر استوعب انك صاحب عمري اللي كان دهري وسندي..
قاطعه "يامن" بانكسارٍ:
_"جان" أنا آآ..
اشارة يديه اوقفته عن استكمال ما يود قوله، ليستطرد جان بابتسامةٍ حزينة:
_اللي عايزك تعرفه ان قرار الطلاق ده راجع ليها انا مضغطتش عليها ولا هضغط، وبرضه عايزك تعرف ان صداقتنا منتهتش، يمكن الموقف نفسه صعب ومهين بس أنا اديتك الف عذر وعذر علشان أقدر اسامحك ومخسركش زي ما خسرت "خالد" وفضلت لحد اليوم ده في ندم مالوش أول من أخر..
مع أخر كلماته تدفقت دمعة مؤلمة من عين "يامن" التي اعتادت البكاء كثيراً في أخر فترة من حياته التي قلبتها راساً على عقب، لم يحتمل "جان" رؤية صديقه هكذا فنهض عن مقعده ليترك الغرفة، نهض يامن هو الاخر وهو يقول بتردد:
_عايز أشوف "فاطمة" على انفراد للمرة الاخيرة..
اومأ الاخير برأسه قبل ان يكمل طريقه دون ان يستدير، فهو بموقف لا يحسد عليه من جهة صديقه المقرب والجهة الاخرى شقيقته وكرمتها المهدورة، كان ذاك الطلب ثقيل على قلبها كحمل طن من الحديد الصلب، ولكن امام تحرر علاقتها وافقت على مضضٍ، التقطت نفساً طويل ثم زفرته على مهلٍ قبل ان تدلف لغرفة مكتب اخيها، تعجبت "فاطمة" حينما وجدتها خالية فما لبثت سوى ثواني حتى اهتز جسدها فزعاّ حينما استمعت لانغلاق الباب من خلفها، استدارت لتجده يغلق الباب بالمفتاح الموصود بالخلف، ابتلعت ريقها وهي تتساءل بتوترٍ:
_بتقفل الباب ليه؟..
اقترب ليقف أمامها ونظراته تتطوفها من رأسها لأخماص قدميها، حاول ان يتغاضى عن نظرات الكره بعينيها، وخاصة حينما نطقت بحدة:
_طلبت تشوفني ليه!..
أجابها ويديه يمررها على طول ذراعيها:
_لاني حابب أودعك للمرة الاخيرة..
ثم اقترب ليحتضنها من الخلف، فهمس جوار شحمة أذنيها:
_أودعك وأنتي حلالي، عارف انك مش طايقاني بس ده وداع اخير يا "فاطمة"..
كلماته تلك جعلت قلبها ينقبض بصورةٍ مخيفة، أغلقت عينيها بقوةٍ وهي تجاهد شعورها الخائن لوجودها لجوارها، تماسكت لأصعب مدى وخاصة حينما ادارها لتقف أمام عينيه التي تصطنع القوة وتفضحها لؤلؤ حدقتيه، مرر يديه على خدها وهو يردد بابتسامةٍ تحمل وجع عالم بأكمله:
_القرار ده اخدته علشانك انتي، لاني بحبك مش هقبل أشوفك بتتعذبي قدامي، لاني بحبك مش هقدر أشوف الكره في عيونك ليا، لأني معترف بغلطتي اتحملت بعدك عني وحسرتي كعقاب ليا...
ثم احتضنها بقوةٍ كادت بان تمزق أربطة ذراعيها، ليعود ليسترسل حديثه المؤلم:
_عارف ان بعدك عني هيكون أصعب من الموت بس مستعد للاصعب من كده علشان أشوف ابتسامتك، وعارف اني بمجرد ما هديكي حريتك ممكن تكوني لغيري وده هيدبحني بسكينة تالمة بس راضي لو ده هيخليكي مبسوطة وسعيدة..
دقائق طالت باحتضانه لها، وحديثه المتواصل، دمعاته التي غمرت كتفيها ودمعاتها التي تخفيها بيديها حتى لا يشعر بها، ابتعد عنها ونظراته تحفظ كل انشن بوجهها، حتى ان أصابعه ارادت وداع أخير، فمررها برفقٍ على معالم وجهها، ليردد بدمعٍ جعل نبرة صوته مهتزة:
_خليكي متأكدة اني محبتش ولا هحب غيرك يا" فاطمة" وأني بتمنالك من قلبي السعادة والعوض مع الانسان اللي هتكملي معاه..
وتركها وغادر على الفور قبل أن تعصف به غيرته فيرتكب أمراً مضاف للائحة حرجه المتزايد، خرج للباحة، ليجلس جوار ابيه بانتظار تجهيز الاوراق ليضع توقيعه ويغادر هذا المكان بسلام لن يعهده قط طوال حياته، أما بالداخل ما ان غادر من أمامها حتى مدت يدها تلامس الفراغ والدموع تنسدل دون توقف، اقتربت منها سلمى ببكاءٍ وهي تحثها على المضي قدماً للخروج حتى تضع توقيعها هي الاخرى على ميثاق طلاقها، جلست مقابل "يامن" وابيه، وعقلها شارد بملكوتٍ اخر، عصفت بها الذكريات وكأنها اشفقت على حالهما فطرحت من أمامها الذكريات الحسنة التي جمعتها به، وعلى رأسهما ما حدث باالاسكندرية حينما اعد لها إياد خندق ليوقع بها ببراثينه وخلصها يامن منه، ورغم حبكة الدور الممتازة الا ان يامن وثق بها ورفض تصديق ما رأته عينيه، رأت عدة مواقف جمعتها به وكلهن أثبت فيهما رجولته وحبه لها، حتى حينما حدثت بينهما هذة المعضلة لم يتهمها ببداية الامر الا بعد مرة والاخرى، وان يكن العذر يتملكه بنسبة عشرون على مئة، فغياب إياد بتلك الفترة بالتحديد، والعلاقة الغامضة التي ربطتهما بالبداية كانت لتثير الشكوك رغماً عن الجميع، نعم اهانها ومازال شرخ قلبها لم يترمم ولن يقوى على سد تلك الفجوة؛ ولكن الفراق بينهما امراً موجع لها، أفاقت "فاطمة" من بحور شرودها على صوت "عباس صفوان" وهو يقدم عقد الطلاق لابنه ويؤمره بحزنٍ:
_أمضي هنا يا ابني..
رفع يامن نظراته اليها ليتمعن بها قبل أن تحرم عليه، ثم جذب القلم من أبيه، وكأنه امسك بخنجر سنه مسنون، هرعت اليه "فاطمة" لتجذب منه الأوراق فصرخت وهي تمزقها ألف قطعة:
_لأ.... لأ...
نهض عن محله وهو يقف قبالتها يطالعها بنظراتٍ دهشةٍ، رفعت يدها لتهوي على وجهه بصفعاتٍ قوية ولكمات متفرقة على صدره وهي تردد بصراخ هيستري:
_هونت عليك تتخلى عني بالسهولة دي، ازاي!!!..
بدى الجميع بحالة من الصدمةٍ، فحتى يامن وقف مقابلها بصلابة وهو يحتمل ضرباتها المؤلمة في سبيل سماعه لما تردد، وقلبه ينبض من جديدٍ، بكت فاطمة وهي تهمس بخفوتٍ:
_أكيد في عقاب تاني ليك غير اننا نفترق أكيد في..
أمسكت بجبينها بألمٍ، لتبدو الرؤيا مشوشة من أمامها ومن ثم اظلمت لتهوى بثقل جسدها على صدره الصلب الذي ساندها ليحل بينها وبين الارض، وصوته يتحرر بفزعٍ:
_"فاطمـــــــــة"!...
....... يتبع..............
ترقبوا الحلقات الاخيرة من #سلسلة_الجوكر_والاسطورة.....
#بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت..
أعلى تفاعل يا حلوين، نختم السلسلة بريتش عالي من فضلكم..
********_______*********
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل السابع عشر 17 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والأسطورة5....(#متى_يهتدي_الوصال؟....)...
#الفصل_السابع_والخمسون...
جمال الطبيعة لا يوجد اختلاف يذكره؛ ولكن يختلف من منظور العين التي تتأمله، كعينيها التعيسة، الحزينة، ترى ما حولها ظلامٍ بائس، لا تشعر بالبهاء لرؤية هذة المناظر الساحرة، ترى ما حولها نيران تشتعل فتكاد تحرقها، سكونها ليس هدوءٍ استسلام صريح للحياة التي منحتها فرصة للعيش ثم عادت لتنتشلها منها بقوةٍ، دعستها مرة وحينما وجدت الحياة تدب بها عادت لتبتر أطرافها، أتى من خلفها الأمل القابع خلف الظلام، يراقبها بنظراتٍ مهتمة، ليست نظرات طبيب يراقب حالته ولكن فضوله بتامل تلك الفتاة الغامضة جعلته مشدوه بها، دقائق لم يسئم من وقفته تلك حتى قرر الاقتراب ليجلس على المقعد المقابل لها وهو يردد بابتسامةٍ ساحرة:
_صباح الخير يا "فطيمة"..
وكأنها فقدت صوتها منذ ذاك الحادث الأليم، متابعة" يارا" علاجها لم يجدي بثمارٍ عظيمة، فلم تسترد صوتها او رغبتها بالحياةٍ بعد، نقلت نظراتها عن تأمل الأزهار لتتطلع لمن يجلس أمامها بنظرةٍ باردة كحال جسدها الميت، استطرد "علي" حديثه وبسمته مازالت مرسومة:
_كويس انك خرجتي من أوضتك ونزلتي هنا..
انتظر سماع صوتها ولكنها ظلت تتأمله بصمتٍ، قطع الحديث بينهما صوت هاتفه فرفعه بنظراتٍ عابثة حينما قرأ أسم والدته، ابتعد عنها قليلاً وهو يجيب على مضضٍ:
_أيوه مع حضرتك..
استمع لما قالته بضيقٍ، فرفع يديه ليمررها على جبينه بغضبٍ من سماع نفس الحوار المتكرر عن خيانة يارا وكيف تقبل الأمر ببساطةٍ، وبنهاية حوارها تطالبه كعادتها بالعودة لأنجلترا، حرر عقدة لسانه وهو يجيبها بعد تحكم شديد بانفعالاته:
_يا امي حرام عليكي، مش كل ما تتكلمي تقوليلي نفس الكلام، قولتلك الف مرة هرجع انجلترا لما يارا ترجع للمصحة..
عادت لنوبتها من جديد وهي تذكره بما فعلت به وما يقدمه لها فقال باستياءٍ:
_انا مضطر اقفل لأني عندي شغل..
واغلق الهاتف ليضعه على الطاولة المقابلة بفطيمة ليزفر بمللٍ، نقلت نظراته لهذة الملاك الصامت من أمامه، فشعر بنشوة غريبة لسماع صوتها، ود لو علم بالنفصيل منها عما مرت به.، شغل تفكيره بعودة يارا فحينها سيضطر بائساً للعودة ليتابع عمله العالق بانجلترا، فردد وعينيه تتابع نظرات عينيها البريئة:
_انا اللي هكون مسؤول عن حالتك يا "فطيمة"، هتسافري معايا أكيد..
(قريباً نوڤيلا منفردة خاصة بعلي وفطيمة بعنوان #فطيمة «صرخات أنثى!»)...
********************
كالفراشة المبتور أحدى أجنحتها فأمتنعت عن مداهمة أعناق السماء، فبات الهواء ثقيلاً، امتنعت عن الطعامٍ لمدة لا بئس بها، لذا صارت هزيلة فلم يكن ينقصها جرحاً جديد، ازداد الضغط عليها حينما رأته ينهي ببساطة كل شيء بينهما، نعم تعلم بأنها من ألحت في طلبها بالانفصالٍ؛ ولكن يا لقلب الانثى، تريد الابتعاد ولكن قلبها يريد الاقتراب، تريد الهجران وقلبها يريد اللقاء، تخبره بالابتعاد وبداخلها تتمنى أن يظل قريب، تغلق بابها بوجهه وتعود لتفتحه من جديد تتلصص بالتطلع عليه، لطالما كانت النساء كالكمياء يصعب فهمهن، ظل" يامن" لجوارها لساعاتٍ طويلة، بعد أن شخص الطبيب حالتها الواهنة بسبب قلة تناولها الطعام، فعلق لها محاليل من الفيتامينات علها تتمكن من تعويض ما تسببت به، شدد "يامن" من التمسك بيدها، فكان يقبل أصابعها بعمقٍ تارة ويمسد على خصلات شعرها تارة أخرى، غير عابئ بمن حوله بالغرفةٍ، فمازال لا يستوعب بأنه كان على شفى خسارتها..
راقب "عباس صفوان" ابنه بدمعاتٍ تلألأ بحدقتيه فأستأذن بالأنصراف، وغادر لمنزله بعدما اطمئن بأن الأمور على ما يرام، جلست "سلمى" جوار حماتها على الأريكةٍ القريبة من الفراش، أما "جان" فكان يستند بجسديه على باب الغرفة، يوزع نظراته بين صديقه وشقيقته بحزنٍ بالغ..
بدأت "فاطمة" بفتح عينيها تدريجياً، فأصبح هو في مرمى بصرها، فمنحها الشعور بالاطمئنان بأنه لجوارها، يديه تحتضن أصابعها ليشعرها بأنها مازالت ملكه، بأنها من اختارت البقاء معه بارادتها، انسدلت دمعة خائنة من عينيها فأغلقتهما بأرهاقٍ، اقترب يامن منها ليزيح تلك الدمعات برفقٍ وهو يردد بهمسٍ:
_حمدلله على سلامتك يا حبيبتي..
تطلعت له مطولاً بنظراتٍ ساكنة، وكأنها تقبلت ما تمر به، تقبلته بخطئه، تقبلته جوارها يطيب جرحها وراق لها ذلك، كادت "مايسة" بالاقتراب من الفراش لتطمئن على ابنتها، فأسرع "جان" ليقف مقابلها وهو يخبرها برجاءٍ وصوت منخفض:
_سبيها معاه دلوقتي يا ماما، من فضلك..
أخفضت نظراتها المزعوجة عنه، فتطلعت لابنتها بنظرة أخيرة ثم تركت الغرفة بأكملها، دنا "جان" من زوجته وهو يشير لها بهدوءٍ للخروج، استندت عليه وهي تحاول النهوض بألمٍ، فأمسكت بطنها المنتفخة وهي تحتمل على ذراعه القوي للنهوض، خرجت معه للخارج فأغلق باب الغرفة بهدوءٍ ثم وجه حديثه للخادمة التي تقف أمام باب الغرفة بانتظار تعليماته:
_حضري لفاطمة اكلها وطلعيه هنا..
أومأت برأسها وهي تغادر من امام عينيه، فوقف مقابل "سلمى" المستندة على الحائط بارهاقٍ، ليسألها بلهفةٍ:
_مالك؟!..
أجابته بتعبٍ:
_مش عارفة يا "جان" من الصبح حاسة بتعب رهيب..
طوف خصرها بيديه القوية وهو يخبرها بخوفٍ:
_تحبي نروح للدكتورة!..
أشارت له بالنفي، قائلة بايضاحٍ:
_معادي عندها بعد يومين علشان تحدد الولادة، دخلني بس اوضتي أرتاح شوية..
مدد يديه أسفل ساقيها ليحملها بحذرٍ، ثم توجه لغرفتهما، وضعها على الفراشٍ ثم تمدد جوارها، فاسندت رأسها على صدره، ابتسم وهو يحرر حجابها ومن ثم خلع الحذاء، جذب الغطاء ليداثرها بأحضانه حتى غفت تماماً، لفحت انفاسها صدره فجعلته يغلق عينيه بابتسامة عذباء، ربت بيديه على طول خصرها ومن أمامه يرى شعاع لبريقٍ ذكريات حملها وخاصة حينما أخبرته بما تحمله ببطنها، عادت تلك الذكرى المجيدة لتتشكل أمامه من جديد، فحينما غابت عنها عادتها الشهرية، رأى صديقه الراحل بالمنام يحمل طفل صغير ويقدمه له بابتسامةٍ صافية، لاول مرة يراه بمنامه فكان سعيداً للغاية لذا أخذها باليوم التالي للفحص وحينما اكدت له الطبيب حملها اخبرها بأنها ان كانت تحمل بولد سيسميه "خالد"، أفاق" جان"من شروده على صوتها المئن بتعبٍ شديد، ففتحت "سلمى" عينيها وهي تخبره ببكاءٍ حارق:
_مش قادرة، شكلي بولد خدني للدكتورة بسرعة..
نهض عن الفراش سريعاً فحملها ليهبط بها على مهلٍ حتى صعد لسيارته..
***************
بغرفة "فاطمة"..
التقط الطاولة المتحركة من الخادمة، فوضعها جوار الفراش ثم التقط طبق شوربة الخضار الساخنة، فوضع الملعقة ليقربها منها، اعتدلت" فاطمة"بجلستها، فوزعت نظراتها بينه وبين ما يحمله، تناولت ما يحمله بهدوءٍ وعينيها تتابعه، انهت الشوربة بأكملها فسعد كثيراً باستجابتها لتناول الطعام من يديه، وضع الطبق عن يديه ثم جلس مقابلها يبحث عن الكلمات المناسبة ليفتتح الحديث بينهما، فقال بعد تنهيدة عميقة:
_انا عارف أن غلطتي كبيرة ومش هتتغفر في يوم وليلة، بس هحاول أني اعوضك عن كل اللي حصل ده اوعدك..
رفعت عينيها اليه وهي تهز رأسها بخفةٍ لتضيف بحزنٍ:
_أتمنى أن اللي عملته يتمسح من ذكرياتي لانه صعب ومؤلم..
قربها اليه فاحتضنها رغماً عنها وهو يخبرها بعشقٍ:
_أنا أسف، اعتذار الدنيا كلها مش هيكفي اللي عملته بس صدقيني هعوضك عن كل ده..
تدريجياً رفعت يدها لتشدد من احتضانه فابتسم بفرحةٍ، وهو يهمس:
_حبيبتي!.، بحبك اكتر من نفسي...
ابتسامة صغيرة داعبت شفتيها فابتعدت عنه باستحياءٍ، جفف دمعاتها العالقة بعينيها وهو يقول:
_ايه رأيك نرجع البيت!..
انقبض قلبها، فتقلصت تعابير وجهها رغماً عنها، شعر هو بذلك فلم يرغب بالضغط عليها يكفي أنه تخطى تلك المعضلة، فمرر يديه على خصلات شعرها وهو يردد بهيامٍ بعينيها:
_خليكي هنا لو هترتاحي أكتر..
ثم طبع قبلة على يدها قائلاً وعينيه تفترسها:
_راحتك تهمني..
بسمة شبه عابثة رسمتها بخفوتٍ، سحبت كف يدها سريعاً بخجلٍ حينما فُتح باب الغرفة لتطل "مايسة" من خلفه، فسألته بقلقٍ واضح:
_"يامن" متعرفش "جان" اخد "سلمى" على أي مستشفى!..
أجابها باستغرابٍ:
_مستشفى ليه!..
تدخلت "فاطمة" قائلة بدهشةٍ:
_هي سلمى بتولد ولا ايه؟..
ردت عليها بتوتر:
_الشغالة بتقول انه أخدها وطلع بالعربية شكلها كده بتولد..
رفع "يامن" هاتفه وهو يشير لها بهدوءٍ:
_هحاول أوصله وأعرف منه هو فين بالظبط..
قالت وهي ترتدي حجابها بارتباكٍ:
_ياريت يا ابني..
وبالفعل بعد عدد من المكالمات تمكن من معرفة المشفى التي قصدها "جان" فتحرك بصحبة والده ليكون لجوار رفيقه بمثل هذا الوقت العصيب..
********************
كمعاناة المرأة الحامل حينما تدخل بالشهر الثالث، ينتابها دوار حاد وتقيئ صباحي، كاد جسد "ريم" بالاسترخاء أرضاً فأسندها "سليم" بتحكمٍ، ثم ازاح خصلات شعرها عن وجهها، ليعاونها باستفراغ ما بجوفها، أشارت له بتقزز بأن يخرج سريعاً حتى لا يراها بتلك الحالة ولكنه أبى ذلك وظل لجوارها حتى نظف وجهها جيداً بالمياه، ليحملها لفراشها، ثم احضر لها كوب من العصير، فأرتوت به بعد جفاء ريقها المرير، التقطت انفاسها بصوتٍ مسموع، فقالت بالكد:
_أنت مش ناوي تنزل شغلك يا "سليم"..
وبحزنٍ بدى بلهجتها استكملت:
_أنا قرفتك معايا بتعبي انا تقريباً كل يوم بحالة..
أجابها بابتسامته تلك التي لا تفارقه:
_أنتي بالتعب ده علشان شايلة حتة منك ومني، أقل واجب عليا أني اكون جانبك وقت تعبك..
وطبع قبلات متفرقة على لائحة يدها وهو يرفع الوسادة من خلفها:
_ارتاحي يا عمري، ومتفكريش في أي حاجة غير في البيبي اللي هينور حياتنا كمان كام شهر..
ابتسمت ببهجةٍ تزورها قلبٍ وقالباً حينما تراه هكذا، غفت على الفورٍ بأنهاكٍ شديد، فما ان تأكد من نومها حتى تسلل لخزانته ليبدل ثيابه سريعاً ليهبط لسيارة" ريان" لينضم لجان بالمشفى...
*****************
وصل "يامن" للمشفى، فوجده يجلس بالزقاق الطويل أمام غرفة العمليات، وجهه شاحب للغاية والخوف يسيطر عليه، اقتربت منه "مايسة" لتربت على كتفيه بابتسامةٍ هادئة:
_هتقوم بالسلامة بإذن الله يا حبيبي..
منحه نظرة جانبية وهو يهمس برجاءٍ:
_إن شاء الله..
قال "يامن" هو الأخر:
_ربنا يطمنك عليها يارب..
تطلع اليه مطولاً وكأنه يشكره لوجوده لجواره بذات الوقت بالتحديدٍ،انتبه "جان" لصوت "سليم" القادم من خلفه متسائلاً باهتمامٍ:
_طمنا يا "جان" خرجت ولا لسه؟..
أشار برأسه بخوفٍ عاد لينبش من جديدٍ:
_لسه، ربنا يسترها..
لف "ريان" ذراعيه حول كتفيه وهو يجيبه بابتسامةٍ واسعة:
_هيسترها وهتقوم بالف سلامة ويشرفنا أجمل ولد بالكون كله ولا أيه يا "فارس"!..
اقترب منهما هو الاخر وهو يجيبه بتأكيدٍ:
_بإذن الله، متقلقش يا" جان" الولادة القيصرية بتأخد وقت، إن شاء الله خير..
قال "مروان" ممازحاً إياه:
_مراتك مستقصدنا ولا أيه مختارة حتة وقت، ما صدقنا نجوز سيد امريكا ونفوق لنفسنا..
ابتسم "جان" ثم قال بمرحٍ:
_طول عمرك واطي ومبتفكرش غير في نفسك..
انقطع الحوار بينهما بخروج الممرضة بالطفل الصغير الذي على صوت بكائه الردهة المطولة بأكملها، هرع الشباب اليها سريعاً في سباقٍ حقيقي لحمل المولود، أما "جان" فاقترب منها وهو يتساءل باهتمامٍ:
_"سلمى" فين!..
أخبرته بابتسامةٍ عملية:
_متقلقش بيجهزوها، شوية وهتخرج..
تركهما يتشاجران على حمل الصغير واتجاه للباب الاخر الخاص بغرفة الجراحة، اتبعه "سليم" ليقف لجواره وما أنا خرجت الممرضات بالسرير المتحرك حتى دفعه سليم بمعاونة جان الذي أمسك يدها وهو يردد بلهفةٍ:
_"سلمى" حبيبتي سامعاني!..
أجابته الممرضة بهدوءٍ:
_لسه مفاقتش شوية وهتفوق..
أطبق على السرير ورأسه قريبة منها يتأملها بخوفٍ، ولجوا للغرفة المشار اليها، فحمل "جان" الملاءة بمعاونة "سليم" ليضعونها بالفراشٍ، ثم جلس لجوارها يترقب استعادتها للوعي...
ولج "ريان" بالصغير، فطبع قبلاته على جبينه، ثم وضعه بالسرير الصغير المجاور للكبير، مرر يديه حلقات على خديه الناعم فقال ومازال يتأمله:
_هتسميه أيه يا "جان"؟..
أجابه الاخير على الفورٍ وعينيه تتطلع للفراغ بشرود:
_" خالد"..
اتسعت بسمة ريان بفرحةٍ، فردد بأعجابٍ:
_أحلى حاجة عملتها..
*****************
تأملته بنظراتٍ هائمة، فمن ذاك الذي يمنح زوجته الفرصة الكاملة برغبتها بالاقتراب منها، الأغلب من الازواج وخاصة بمحيط الشرق يودون التأكد اولاً من عفة زوجته ومن ثم يمنحها الفرصة مثلما ارادت، كانت تظن بأنه يخدعها بكلماته ولكن بعد أن مر هذا الوقت بعد زفافهما باتت تصدقه، تثق به وهذا على غير عاداتها، شعرت "سما" برغبةٍ جامحة بداخلها تحثها على لمس وجهه، فلم تحاربها وفعلت ما شعرت به، أنكمشت ملامح "آدم" بانزعاجٍ، ففتح عينيه ليتفاجئ بها تحتصن خديه وتنظر له بعشقٍ لم يتمكن من ملامسته بعينيها من قبل، صعقت حينما رأته قد افاق من نومه فسحبت يدها سريعاً وهي تتهرب من نظراته المحاصرة، ابتسم "آدم" وهو يشير لها بحبٍ:
_الدنيا راضية عليا ولا أيه؟!..
ثم قال ونظراته مازالت عليها:
_لا أكيد في حاجة غلط!...
رددت على استحياءٍ وعينيها تتهرب منه:
_مفيش غير أني بحبك وبس..
خفق قلبه بجنون، فدقت ناقوس الخطر مرتين، مرة بملمساتها وبحديثها الذي أضرم نيران الرغبة بذاك الصدر، فأقترب منها ليدعوها لان تصير زوجته قولاً وفعلاً وسعد كثيراً حينما لبت دعوته بمحبةٍ وقناعة، فاظهرت له الشق الخفي من عشقها المتيم اليه، عشق سيد أمريكا المغرور!...
***************
الشمس على وشك السطوع ومازال بغرفته السرية يجلس بظلامه المخيف، يتدرب لاطول فترة زمنية على التعايش والتدريب داخل الظلام حتى بات بصيراً، شعر "رحيم" بحركةٍ خافتة من حوله، فبحركةٍ سريعة جذب سلاحه ثم جذب الخنجر الموضوع ليلقيه ببراعةٍ على أزار الضوء فأنفتح سريعاً، سلط سلاحه تجاه الصوت المسموع، فرفعت يدها وهي تشير له بخوفٍ:
_حاسب! ، هتقتلني ولا أيه؟..
أخفض رحيم سلاحه بابتسامة ساحرة، وهو يشير لها بالاقترابٍ، ابتلعت ريقها الهارب بخوفٍ شديد، فأقتربت منه بارتباكٍ وهو يشير لها على قدميه، جلست على ساقه ومازالت نظراتها مركزة على السلاح الموضوع خلفه، فسألها "رحيم" باستغراب:
_أيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي!..
مالت برأسها على صدره وهي تجيبه:
_مش جيلي نوم وأنت مش موجود..
لف ذراعيه الممتزجة بعرقه من فرط المجهود المبذول:
_بس أنا جانبك..
ثم مرر يديه على بطنها المنتفخة وهو يردد بابتسامته:
_وموجود جواكي..
ابتسمت وهي تمرر يدها بتلقائيةٍ على يديه:
_مش كفايا انت وجودك جانبي اهم..
ابتسم بثباتٍ ومازالت مجابهته بصرامة:
_لو هتفضل هنا كتير أنا هكون جانبك ومش هطلع الاوضة غير وانت معايا..
مرر يديه على طول ذراعيها وهو يهمس بأنفاسه الحارقة:
_بعد كل ده ما ينتهي هنسافر باليخت برحلة طويلة..
ابتسمت وهي تجيبه بحماسٍ:
_ياريت...
حملها بين ذراعيه ثم خرج من جناحه الخاص ، ليردد وعينيه تتأملها بعشقٍ:
_هو انا قولتلك أني بعشقك..
تعالت ضحكاتها التي افتكت بقلبه، فغمز لها بخبثٍ وهو يغلق باب جناحه بقدميه:
_يبقى نسيت، ونسيت كلام تاني كتير مهم هنحتاج نتكلم فيه..
وأغلق الباب بقدميه ومن ثم انطفئ الضوء ليصبح عالمهما يسوده الظلام والقلوب تنير الدرب..
**************
حاولت النوم كثيراً؛ ولكنها لم تتمكن من ذلك، فصنعت وعاء كبير من حبات الذرة الشهي (فشار) ثم جلست أمام احد المسلسلات التركية، تفاعلت "حنين" مع بعض المشاهد المعروضة من امامها بتسليةٍ حتى أتى المشهد الخيالي المعتاد بكل مسلسل هندي، فلمعت عينيها بصورةٍ مخيفة وهو توزع نظراتها بين التلفاز و"مراد" الغارق بأحلام نومه العميق، أسرعت بلهفةٍ لتجذب المقص ثم اقتربت من الفراش لتجذب أحدى الوسادات ثم مزقتها بالمقص ومن ثم اقتربت منه لتصيح بجنونٍ:
_الحـــــــق يا "مراد"..
فتح عينيه الزرقاء بفزعٍ وخوف على ما قد أصابها، فما أن اعتدل بحلسته حتى افرغت الريش القابع بداخل الوسادة من فوقه، تعالت ضحكاتها بهسترية حتى انتهت من فض ما بداخلها، جف حلقها وتراجعت للخلف بخوفٍ تشكل حينما رأت لون حدقتيه يتغير للون الأحمر القاتم الذي يشع بشر عظيم ونيران لن يطفئها الفرار!!!!.
...... يتبع...........
ترقبوا الفصول الاخيرة من الجوكر والاسطورة...
#بقلمي_ملكة_الإبداع_آية_محمد_رفعت...
لو أنت من العراق ومعرفتش تروح المعرض تقدر تطلب الرواية وتوصلك لحد باب البيت 👇🏻
لتوصيل الكتب في العراق
مكتبة الأدباء الثقافية البصرة خور الزبير
07737080486
*****_____________******
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل الثامن عشر 18 - بقلم آية محمد رفعت
السلام عليكم حبيباتي ان شاء الله هيكون في فصل النهاردة، بس بسبب ظروفي النفسية مقدرتش احط كل الاحداث كلها بالفصل علشان كده الفصل ال60 هيكون الاخير باذن الله، اللي هينزل النهاردة الفصلين ال58وال59مع بعض، ال60هو الختامي للسلسلة كلها، مع ملحوظة صغيرة لازم تخدوا بالكم منها جداا لما بدانا المقدمة التمهيدية للرواية كانت عبارة عن مشهد غامض لبداية السلسلة باكملها، الخاتمة برضه مش هتكون خاصة بالرواية، الخاتمة هتكون مشهد ختامي خاص بابطال هتكون ليهم رواية كاملة بس طبعاً بعد مدة كبيرة يعتي سنة او اتنين لما انزل كل الروايات اللي مكتوبة عندي بالدفتر ومن ضمنهم الجارحي والدهاشنة وبشرية يعني بمعنى اوضح اوفي بكل التزماتي، الابطال دول هيكونوا ابن رحيم زيدان وبنات مراد وبطل غامض هيظهر بالخاتمة برضه، دمتم بسعادة من الرحمن ♥
#Aya
الجوكر_والاسطورة5...(#متى_يهتدي_الوصال؟...)..
#الفصل_الثامن_والخمسون، و#التاسع_والخمسون_معاً...
لم تستطيع الفرار منه، فكلما سلكت اتجاه أمن للنجاة قطعه عليها ليكون سداً منيع، لم تجد حلول أخرى مقترحة لذا صعدت فوق الفراش وهي تشير له بضحكتها المرتفعة:
_أعقل يا "مراد"..
وزع نظراته بينها وبين الاتجاهين، ليرى كيف يحاصرها من جديد، صرخت بخوفٍ حينما رأته صعد ليقف جوارها هو الأخرى، أشارت له بأصبعها وجسدها يتراجع للخلف:
_مش أنت دايماً بتقول عليا مجنونة وأنا بعترف بده..
كادت بأن تتجاوزه، فلف معصمه حولها ليجبرها على التراجع، حتى باتت ذراعيه معتقلاً لها، رفعت عينيها تجاهه فوجدته يتأملها بنظراتٍ قاتمة، بلعت ريقها بصعوبةٍ وهي تخبره بأنفاسٍ مسلوبة:
_بشوف حركة الريش دي في كل المسلسلات التركي والهندي فقولت أجربها، أيه أجرمت!..
قرب وجهه منها وهو يهمس بغيظٍ:
_أنا حاسس أن ربنا رزقني بطفلتين!..
لوت فمها بتهكمٍ وهي تجيبه بحزنٍ مصطنع:
_أنت ليه أخد كل حياتك بشكل جادي كده ولما بعمل شوية بهجة أغيرلك بيهم المود بتتضايق وتقول عليا مجنونة..
رفع يديه على جبينه الذي يكاد ينفجر من فرط ألم رأسه الذي يهاجمه كلما رأى تصرفاتها، أحنت رأسها في حزنٍ بدى له حقيقي تلك المرة، فخطف نظرة سريعة، ماكرة لجواره، ثم انحنى بجسدها برشاقةٍ ليخطف الوسادة الاخرى، مزقها بيديه ليشير لها بابتسامةٍ مرحة:
_يعني دي اللي هتغير مودك يعني، طيب اهوو..
والقى ما بها عليها فتعالت ضحكاتها وهي تدور بجسدها بفرحةٍ، وجد ذاته يبتسم لرؤيتها سعيدة، يعلم بأن بداخل كل امرأة فتاة صغيرة، تتمنى الخروج كل فترة لدقائق معدودة، تنفس بها عما بداخلها، الحياة التي اختبرتها "حنين" كانت قاسية للغاية، حُرمت من طفولتها فقضتها أما هرباً أو خوفاً من الموت، البهجة التي تصنعها لذاتها بعالمه تصنعها لشعورها بالآمان يحاوطها ، فتود تعويض ما خاضته من تجربة مريرة، انتبهت لنظراته المتعمقة بالتطلع لها، فكفت عن الحركةٍ، تلاشت ضحكاتها الواسعة لابتسامة رقيقة، فدنت منه حتى ارتمت على صدره، احتوائها بتملكٍ وعينيه مغلقة كأنه يدفنها بداخله، رددت بأنفاسٍ أنعشت قلبه العاشق حينما قالت:
_بأحبك...
شدد من ضمه لها، ليخبرها بابتسامةٍ رسمت على محياه:
_وانا بعشق جنانك..
ابتعدت عنه وهي تطالعه بنظراتٍ مهتمة، فقاطعهما طرق باب الغرفة، لتدلف من بعدها "عفاف" مسؤولة القصر، لتخبرهما بابتسامةٍ عذباء:
_الفطار جاهز..
أومأ برأسه وهو يخبرها بوجومٍ:
_روحي انتِ واحنا شوية ونازلين..
غادرت الجناح فجذبت "حنين" حجابها لترتديه ثم لحقت به ليهبط كلاً منهما للأسفل..
*******************
وأخيراً بعد تعب خاضته لساعاتٍ طويلة، فتحت عينيها وعادت لتسترد وعيها، طوفت نظرات "سلمى" المكان من حولها لتجد ذاتها بغرفتها، ومن ثم تعلقت بالسرير الصغير الذي اشترته مع زوجها من قبل لاستقبال مولودها الاول، اشرق وجهها بابتسامةٍ منيرة وهى تستمع لصوت بكائه الهزيل، ضغطت على شفتيها بقوةٍ من شدة الالم الذي هاجم منتصف بطنها أثر الجراحة، تأوهت بصوتٍ مسموع حينما حاولت الوقوف على قدميها، عبث "جان" بعينيه بانزعاجٍ، فاستيقظ من نومته المقلقة، ليجدها تحاول النهوض عن الفراش، أسرع اليها وهو يردد بفرحةٍ:
_"سلمى" أنتي فوقتي!...
استندت على الكومود المجاور لها بتعبٍ شديد فأسرع اليها ليقربها اليه، ثم لف ذراعيه حول خصرها ليحمل ثقل جسدها على صدره، فقال بعتابٍ:
_أيه اللي قومك من السرير وليه مصحتنيش!..
أشارت بيدها تجاه فراش الصغير وهي تردد بصوتٍ متقطع:
_كنت عايزة أشوفه..
حملها بحذرٍ ثم أعادها لفراشها، وهو يخبرها بضيقٍ:
_أنتِ تعبانه يا حبيبتي كنتِ قوليلي وأنا أجبهولك لحد عندك..
داثر جسدها بالغطاء الوثير ثم أسرع للفراش ليحمل صغيره بابتسامةٍ حنونة، ثم قربه اليها ليضعه بين يدها، النظرة الاولى تعد بمثابة توقف الزمان من حولك، كل شيء يعلق بالذهن بتلك اللحظة، كالكاميرا تلتقط كل التفاصيل ثم تعاد لطرحها فيما بعد حينما تعود لاستذكار ما حدث بذاك اليوم المميز، تعلقت عينيها بصغيرها، ذاك الذي حملته ببطنها لتسعة أشهر، كانت تتوق لرؤياه، لرؤية ان كان يشبهها أم يشبه من عشقته حد الموت، رفعت وجهها لمن يقف مقابلها وهي تردد بابتسامةٍ عابثة:
_مش باين شكل مين فينا ليه!..
جلس لجوارها وهو يمرر يديه على خصرها:
_لسه صغير يا حبيبتي، وبعدين هيطلع لمين، لو طلع شبه أمه هيبقى واد محظوظ..
رفعت حاجبها باستنكارٍ وهي تسأله:
_ليه؟!.
رفع بيديه ذقنها ليغمز لها باشتياقٍ:
_هيورث كل الجمال ده ومش هيبقى محظوظ..
لوت فمها بحزنٍ وهي تشير له باصابعها:
_بس انا عايزاه شكلك أنت يا "جان"..
ابتسم وهو يتأملها تارة ويخطف نظرة سريعة لابنه الذي ما زال لا يستوعب قدومه بعد، ثم قال بهدوءٍ وعينيه تتعمق بالتطلع بها:
_المعادلة صعبة وللأسف ملهاش حلول، أنتِ علشان بتحبيني عايزة الولد شكلي وأنا علشان بموت فيكِ عايزه شكلك..
أغلقت عينيها باستسلامٍ واستندت برأسها على صدره، كادت بأن تغفو لولا طرقات الباب الخافتة التي جعلتها تبتعد بخجل، سمح" جان" للطارق بالدخول، فولج "ريان" بصحبةٍ زوجته "سارة" التي اقتربت منها سريعاً لتطمئن عليها بعدما علمت بما حدث معها بالامس، جلست جوارها قائلة بقلقٍ ملحوظ:
_الحمد لله ان ربنا قومك بألف سلامة، انا لما ريان قالي دلوقتي استغربت لأني كنت معاكي عند الدكتورة لما حددتلك اليوم!..
أجابتها "سلمى" بتعبٍ:
_وانا نفسي استغربت والله يا "سارة"، كنت فاكراه وجع عادي..
ربتت بيدها على قدميها الممددة:
_المهم أن ربنا قومك بالسلامة انتي والبيبي..
أومات برأسها وهي تردد ببسمة رضا:
_الحمد لله..
نهض" جان" من جوار زوجته ثم اقترب منها ليحمل الصغير الذى غفى على قدميها ثم اقترب من "سارة"، ليقدمه لها، حملته بلهفة وهي تردد بفرحةٍ:
_بسم الله ما شاء الله، قمر ربنا يحفظهولك ياررب..
تأملها" ريان" باهتمامٍ وخاصة حينما قال:
_"خالد"، جان سماه "خالد"..
أدمعت عينيها وإن كانت بسمتها الواسعة سيطرت على شعورها الطاغي، فلاحت منها نظرة ممتنة لجان الذي ابتسم لها، تساقطت دموعها رغماً عنها حينما تذكرت أخيها، فقال" جان" بمزاحٍ عله يخفف عدة الاجواء:
_يلا اتجدعني وهاتيله بنوتة، ويا بخت من وفق راسين في الحلال..
انزعجت تعابير وجه "ريان" الذي أجابه بحدةٍ:
_راسين مين اللي بتتكلم عنهم دول، أنا بنتي مش هتتجوز حد الا بمزاجي ده لو قررت انها تتجوز أصلا..
تعالى بكاء الرضيع رغم غفوته بين ذراع سارة، فتعالت الضحكات فيما بينهما، فاستطردت "سلمى" بضيقٍ مصطنع:
_كده تزعل الولد يا "ريان"..
أضافت" سارة" من بين ضحكاتها:
_متزعلش يا حبيبي لو ربنا رزقني ببنوتة مش هتكون لحد غيرك..
هدأ الصغير بسكون عجيب، فقال "ريان" بسخرية:
_هتطلع مدورها زي ابوك ولا أيه!!..
تعالت الضحكات فيما بينهما، فحمله ريان ليطبع قبلة على رأس الصغير ثم وضع مبلغ من المال جواره...
****************
بقصر "طلعت زيدان"..
ارتفع رنين هاتفه لينذره بمكالمةٍ هامة تطرق شاشة هاتفه، فرفعه" رحيم" ليجيب وهو يتجه للأسفل مستخدماً الدرج، استمع بحرصٍ للمتصل ثم قال برسمية باحتة:
_خليك جنب مراتك..
رد عليه الطرف الاخر، فانصت اليه ليعيد حديثه بلهجةٍ حادة:
_"حازم"انت سمعت انا قولتلك أيه! ، خليك جنبها ولما تفوق ابقى أرجع القصر..
وقبل ان يغلق هاتفه قال بلهجةٍ اقل حدة:
_مبارك ما جالك تتربى في عزك يارب، وابقى سلم على "ريحانة" وقولها حمدلله على السلامة..
وأغلق الهاتف دون أي اطالة بالحديث، انتبه لرحيم لصوتٍ قادم من خلفه، فاستدار ليجد اخيه وزوجته يتشاجران كالعادة، دنا منه "مراد" وهو يشير له بانزعاجٍ:
_الناس كلها بيبقى صباحها بالورد والخير وأنا بجرعة نكد وجنان..
ابتسم "رحيم" وهو يجيبه بحذرٍ بانتقاء الكلمات المناسبة حتى لا تغضب منه "حنين":
_اديك قولتلها جرعة يعني تعود!..
راقب المسافة بينهما ثم استدار لاخيه ليجيبه بابتسامةٍ ماكرة:
_مهو المصيبة انه بقى تعود..
ابتسم" رحيم" فهبط بمحاذاته وهو يبلغه بعمليةٍ:
_كل ست بتختلف عن التانية بطباعها بس النهاية واحدة يا شريك أننا هنطبع على طباعهم الغريبة دي..
تعالت ضحكات "مراد"، فقال بعدم تصديق:
_لا ده احنا بقينا خبرة بقى وأنا مش أخد بالي!..
رفع حاجبيه باستنكارٍ ونظراته القاتمة بدت كرؤية واضحة بغضبه الثائر، انتبهوا سوياً لصوت"نجلاء" التي أشارت على المائدة:
_الاكل قرب يبرد!..
جلس "مراد" على يسار مقعد "طلعت" الذي يترأس المائدة المطولة، وعلى يمينه جلس "رحيم"،لحقت" حنين" بزوجها، حتى "شجن" فجلست جوار معشوقها الذي ود لو ترك الطعام ليظل يتأملها لأخر دقيقة بحياته، وضعت "نجلاء" أمامهما العسل الأبيض والخبز، والجبن، وضعت "حنين" كوب الحليب أمام "شجن" لتشير لها بحزمٍ بان تتناوله، رددت "شجن" بعصبيةٍ:
_مبحبهوش الله!..
أجابتها "حنين" بنفس ذات اللهجة:
_لازم تشربيه علشان البيبي!..
انتبهوا جميعاً لما يحدث حولهم، وخاصة حينما تفادت شجن المشاجرة التي ستطول بينها وبين حنين فتناولته رغماً عنها حتى تتفادى صداع الرأس، غمز "مراد" بعينيه لرحيم الذي ابتسم بمكرٍ، فحنين تعاونه بالاعتناء بزوجته دون أي مجهود منه، انضمت لهما "نجلاء" فجلست جوار أشجان تحاورها، أما "طلعت زيدان" فكان شارداً والابتسامة لا تفارق وجهه، نظراته تتوزع بين أفراد عائلته بفرحة تكاد تمتد بعرض الكون بأكمله، فبالنهاية تحققت أماله بلم شمل أسرته المشتت وحصل على حب حياته بعد عناء، على الرغم من أن الصمت يسود الاجواء بحضور الجوكر والاسطورة المهيب الا ان جلوسهم على نفس ذات الطاولة سعادة بحد ذاتها..
************
غابت الشمس ثم عادت لتبدد أربعة ليالي على قصور عائلة "زيدان" استعد بهما العمال بنشاطٍ لتعليق الزينة باستقبال زفاف "مروان" و"فارس"، حتى الشباب كانوا يتشركون العمل ولأول مرة بتزين القصور الخمس، وبالطبع تحسنت حالة "إياد" فحتى ان ظل هو يلازم فراشه ولكن تحسنه كان ملحوظ، فتمكن من الجلوس على مقعد متحرك، قاده "ريان" بذاته لغرفة "مروان"، طرق الباب ثم ولج للداخل، تلألأت الدموع بعين" ريان" حينما رأى أخيه الصغير يتألق بحلى العريس المتألق، بالأمس كان الصغير الذي يحتاج لنصائحه وارشاداته واليوم هو عريس يتزوج بمن أختارها قلبه، وقف "مروان" قبالتهم يتطلع لهما باهتمامٍ وهو يراقب ردود الافعال على اطلالته، دفع المقعد المتحرك ليصبح "إياد" في مقابله، فأجلى أحباله الصوتية:
_الف مبروك يا "مروان"، ربنا يتمملك على خير يارب..
انحنى" مروان" ليحتضنه بحب وهو يردد بسعادةٍ:
_الله يبارك فيك يا اياد..
ثم وقف مقابل "ريان" الذي يتأمله بنظرةٍ مطولة صامته، جذبه "ريان" لأحضانه بقوةٍ، فقال بصوتٍ بدى له بالبكاء:
_الف مبروك يا حبيبي..
رد عليه بفرحةٍ:
_الله يبارك فيك...
ابتعد عنه وهو يحاول ان يتمالك ذاته الا تسقط دمعاته وهو يرى ابنه الذي تولى امره طوال تلك السنوات عريس، ثم أشار له ليهبط معه بهدوء ليتجه لمنزل العروس..
********************
بقصر "سليم زيدان" حيث تتم تجهيز العرائس، انتهت كلاً منهن من وضع اللمسات الاخيرة، فوقفن أمام المرآة بالفستان الأبيض، ولج للداخل مصور مقاطع الفيديو التذكارية الخاصة بالزفاف، ليلتقط عدد من الصور قبل أن يصل الأزواج للداخل..
بالخارج..
تأفف بغضب وهو يقف جواره ليهمس بملل:
_عارف انا الفقرة الرزلة دي نتزل لحد ما العروسة تحن وتلف وتورينا وشها بعد ما خلصت لبس الفستان..
راقب "فارس" الطريق جيداً ليتأكد من عدم مراقبة أحداً له ثم انحنى على آذن "مروان" ليردد بضيقٍ:
_معلش يوم وهيعدي..
ثم أعدل جرفاته وهو يقدم له باقة الزهور البيضاء ليغمز له ببسمة خبيثة:
_كدا أحسن...
ابتسم "مروان" رغماً عنه وهو يتطلع للباقة الورد ليشير له بنفاذ صبر:
_ورد ورد المهم النتيجة اللي في الأخر...
إعتدل كلاً منهما بوقفته حينما أشار لهم "سليم" بالإقتراب ليصطحب كلاً منهم عروسه، أشار لفارس أولاً فتابعته الكاميرا لتسجيل تلك اللقطة الهامة، ولج للجناح المخصص لزينتها، فطوف المكان بنظراته المتفحصة ليجدها تقف جانباً مولية ظهرها إليه، بدى طولها غريب بعض الشيء ولكنه علل بأرتدائها حذاء عالي، وقف من خلفها وهو يراقبها ببسمته الفتاكة، يود الإقتراب لرؤية وجهها، ولكنها كانت تتمايل يساراً ويميناً لتجعله حائراً، وضع يديه حول خصرها ليجبرها على الاستدارة لتكون بمقابله ليجد طرحة الفستان الطويلة منسدلة على وجهها لتخفيه عنها، وقبل أن يرفعها طلب منه مصور لقطات الزفاف أن يطبع قبلة على جبينها، رسمت بسمة العشق على وجهه وهو يطبع قبلة على جبينها وفجأة برقت عينيه حينما طل "آدم" من خلف طرحة العروس وهو يتصنع الخجل قائلاً بمشاكسة:
_مبرووك عليك انا يا أبو الفوارس..
تهجمت معالمه لغضبٍ لا مثيل له، فكاد بأن يلكزه بقوةٍ ولكن صوت الضحكات القادمة من خلفه استرعت انتباهه، استدار على مهلٍ ليجدها تقف أمامه بفستانها الابيض الملائكي، غامت الفرحة قلبه قبل ان ترسم على شفتيه وهو يرى محبوبة الطفولة تزف اليه عروس، اليوم سيحصد ثمار صبره الذي طال لسنواتٍ طويلة، زينتها القليلة وعدم مبالغتها بوضع مساحيق التجميل جعلها رقيقة للغاية، اقترب منها كالمشدوه الذي ينجذب لشيئاً دون أي ارادة منه، فوقف مقابلها وهو يردد بانفاسٍ لاهثة، كمن ركض لآلآف الاميال:
_تخيلتك كتير بالفستان الابيض بس متوقعتكيش بالجمال ده!..
تعلقت عينيها به وكأنها كانت تنتظرها، تترقب اللحظة التي تقف بها مقابله عروس تزف اليه، منحته ابتسامة عذباء أججت لهيب الرغبة بداخله، فود لو تمكن من خطفها بعيداً عن هذا الليل الصاخب، عله يحظى ببضعةٍ لحظات منفردة معها...
**************
وقف مقابلها لدقائق مطولة، أصابعه تسري بها رجفة غريبة، يخشى أن يصاب قلبه بماسٍ كهربي حينما يرأها، فربما يحبسها بداخل الغرفة حتى لا يرأها أحداً سواه، هو يعلم كونه متهور ومن المؤكد أن تسوء الامور بينهما ان ارتكب أي فعل أحمق، تمالك "مروان" ذاته واستعاد كامل ثباته ليرفع الوشاح عن وجهها، ما كان ينقصه سوى تلك النظرة التي خطفت أنفاسه فأصبح كمن ركض لألف ميل، يرأها تتأمله بشغفٍ مثلما يتأملها فخفق قلبه بعنفٍ، وكأنه يوسوس له بالاقتراب منها ليروي ظمأ قلبه القحل، رفع "مروان" يديه ليلامس خديها الاحمر من فرط الحرارة المنبعثة من وجهها ليردد بعشقٍ:
_أحلى عروسة شافتها عيوني..
خفق قلب "يارا" بشراسةٍ، وكأنه يروق له كلماته، انتبه للمصور الذي ينحني ليلتقط لهما عدد من الصور التذكارية، فانتصب بوقفته ليحتضن يدها ثم اتبع "فارس" وعروسه للأسفل..
***********
بالخارج..
ولأول مرة أعدت طاولة ضخمة بمنتصف الحديقة المزينة لاستقبال المعازيم،خاصة بعائلة "زيدان" بعد ان اختار موقعها الجوكر بذاته، بكل مناسبة كانوا يجلسون بشكل منفرد لكل ثنائي واليوم سيجتمعون سوياً على طاولة واحدة تضم أفرار العائلة بأكملهم، تعالت الزغاريد والموسيقى حينما ظهر العرائس من أمامهما، وخاصة حينما جلسوا باماكنهم على المنصة، تعالت أصوات الموسيقى ليتابعها أصوات الطبول وقرع البيانو الهادئ..
وصل "يامن" للحفل، فبحث عن زوجته بشوقٍ، الى ان رأها تجلس جوار "سارة" و"ريم"، فما أن اقترب منهم حتى أفسحت له "ريم" المكان بالجلوس لجوارها عن عمدٍ، عل العلاقة بينهما تعود لمجارها الطبيعي، ابتسم يامن وهو يمنحها كلمات تتغزل بجمالها حينما قال:
_ايه القمر ده كله، هو النهاردة فرحنا احنا ولا أيه!..
رددت "فاطمة" باستياءٍ وهي تلكزه:
_"يامن"، الله..
تعالت ضحكاته الرجولية وهو يهمس:
_قمر وبتحلي كل يوم عن اللي قبله، يمكن لانك بعيدة عني!..
انخطف لونها حينما أمسك بيدها بين يديه وعينيه تتفرس بملامحها، نعم كان لطيف معها حينما سمح لها بالبقاء بمنزل عائلتها رغم انه لم يمر على زواجهما سوى بضعة أسابيع، تعلم بأنه اخطأ ولكنها أيضاً منحته السماح، لا شك بأن تقربه منها ومكالماته الشبه يومية تروق لها، ولكنها تعلم بأنه يتمنى عودتها، العودة التي تعد لها بمثابة باب مغلق لوجعٍ قد دفنته، ولكنه سيعود ليقتحم عالمها من جديد رغماً عنها، ستعود صفحات الماضي بطرح تلك اللحظات القاسية لتتردد نفس الكلمات التي حطمتها كأنثى، نعم قد اتخذت قرار من قبل بموضوعها الحساس وكانت تنتظر الوقت الأنسب للحديث ولكن تركته لحين عودتها اليه، وربما قد حان ذاك الوقت..
***************
تناولت "نغم" من كعك الشوكولا من أمامها بشهية مفتوحة، ثم التقطت قطعة لتقربها من فم "شجن"، التقطتها"شجن" منها بابتسامةٍ هادئة تخفي بها ذاك الوجع الغريب الذي يضرب أسفل معدتها، شعرت وكأن الجنين يركلها بكل ما يملكه من قوة، ولكنها حاولت أن تقنع ذاتها بأن تلك الامور عادية وبالاخص بالشهور الاخيرة من الحمل، فقد اعتادت على أمور مختلفة متعلقة بالحمل، بدى التوتر جلي على نغم التي تنظر للهاتف بين الحين والاخر، وكأنها تترقب شيئاً ما يردد بذهنها، فما أن دق هاتفها حتى التقطته ونهضت سريعاً بشكلٍ ملحوظ وابتعدت عن الطاولة بل الحفلة باكملها حتى تستطيع سماع المتصل بانصاتٍ، قلق "يوسف" دفعه بأن يلحق بها ليرى ماذا هناك، فأتجه خلفها للحديقة الخارجية، ليستمع اليها تردد بدموعٍ:
_مش معقول، أنت بتتكلم بجد!..
قالتها بدهشةٍ كبيرة، ومن ثم جلست على المقعد القريب منها وكأنه كان نجاة لها من السقوط أرضاً، اسرع اليها "يوسف" ليلتقط الهاتف الملقي أرضاً، فوضعه على الطاولةٍ، ثم انحنى مقابلها ليسألها بقلقٍ حينما رأى دموعها تغمر وجهها:
_مالك يا حبيبتي، في ايه، ومين اللي كنتي بتكلميه ده!..
من أرادت رؤياه بتلك اللحظة وجدته أمامها يسألها ما بها، وكأن اليوم هو تميمة حظها، تطلعت ليديه التي تحتضن يدها بصمتٍ طال بتأمله، فقال بضيقٍ من صمتها رغم أنها تعلم بأن دموعها من نقاط ضعفه:
_ردي عليا يا نغم مين اللي كنتي بتكلميه وقالك أيه زعلك كده؟!..
تحرك لسانها ناطقاً بأروع الكلمات ودموعها تلاحقها دون توقف:
_"يوسف"، أنا حامل!.
جحظت عينيه في ذهول، وانفرجت شفتيه، فاسترسلت حديثها وهي تزيح تلك الدمعات العالقة باهدابها:
_أنا كنت شاكة، علشان كده روحت النهاردة وحللت والدكتور كان بيبلغني بنتجة التحليل..
نهض عن الأرض ثم جذبها لتقف جواره، فابتلع ريقه وهو يعيد سؤالها بتوترٍ:
_يعني أنتي حامل بجد؟..
هزت رأسها عدة مرات، فاحتضنها بابتسامة واسعة تهلل بحمد:
_الحمد لله يارب كنت متأكد أنك مش هتستكتر عليا الفرحة دي..
شددت من احتضانه وهي تردد بفرحةٍ:
_الحمد لله..
ابتعد عنها وهو يشير لها بعد تفكير محبط:
_طيب يلا نمشي من هنا اكيد انتي تعبانه ولازم ترتاحي علشان انتي حامل، مش عايزك تشيلي اي حاجه، انا هعمل كل حاجه من هنا ورايح، لازم ترتاحي وبس وتأكلي أكل صحي وتبطلي شرب القهوة على غير ريق مفهوم!..
رفعت يدها على وجهه وهي تجبره على العودة قائلة بابتسامةٍ عذباء:
_"يوسف"، انا حامل مش تعبانة!..
قبل يدها التي تحتضن وجهه وهو يردد بدمعة شقت طريقها:
_مش قادر أستوعب أو اصدق..
ثم قربها اليه ليجلس على الاريكة المجاورة لها، لتمدد هي بأحضانه..
******************
على أنغام الموسيقى الهادئة تمايلت"حنين" بين ذراعيه بثباتٍ، نظرات العشق تستحوذ على قلبها، حتى "مراد" بدى وكأنه لم يرى أحداً جواره غيرها، حتى "يامن" جذب "فاطمة" للمنصة فاستندت برأسها على كتفيه وتحركت معه مثلما قاد حركاتها، أما "سليم" فكان يتحرك ببطئ خشية من أن يلامس حذائه فستانها الأزرق الطويل، وخشية أن تفقد واعيها أثر دوارها الفوضوي، فتمسكت به وسلمته كامل الثقة للتحرك بها....
كانت الاجواء رومانسية للغاية بالرغم من انسحاب العرائس الا ان الشباب أحيوا السهرة برقصهم المرح وخاصة "ريان" و"آدم" و"جان" فكانوا متميزين بأدائهما الرقص الشعبي، حتى وان لم يشارك البعض بالرقص فأنفردوا بزوجاتهم برقص هادئ على الموسيقى الهادئة "ك سليم"و"يامن"...
أما" رحيم" فما أن استلم رسالة من الحارس الخاص به، حتى اقترب من "شجن" فانحنى على الطاولة من أمامها ليخبرها بثباته الغامض:
_وعدتك ان بعد كل ده ما يخلص هنطلع رحلة باليخت..
ابتسمت بفرحةٍ، فالابتعاد عن ذاك العالم بصحبته لعالمه البعيد أصبح ادمان لها، عشقت البحر الذي كانت تخشاه لاجله، عاونها على النهوض ومن ثم صعدوا للسيارة وكعادته يحملها بين ذراعيه ليستكمل هو باقي الخطوات الفاصلة بينهما وبين اليخت، لا يعلم بأن تلك الرحلة العجيبة ستشهد على مولد من سيأتي ذاك العالم ليكون نسخة مطابقة لأبيه الاسطورة..
*************
بين انشودة القمر المضيء، تجرد القلب من كل خجل اختبره يوماً ما، اليوم هو الحاسم لقصة حب عهدت من الطفولة للبلوغ، وقفت "منة" مقابله بعدما أدت صلاتها من خلفه، وقفت تتطلع له بابتسامة رقيقة، كانت تعلم بان ذاك اليوم الذي ستصبح به زوجته سيأتي لا محالة ولكنها كانت بحاجة للصبر، وجدته يقترب منها خطوة، فأقتربت هي منه خطوة أخرى حتى وقف قبالتها يوزع نظراته بين عينيها وشفتيها تارة اخرى، فقالت بابتسامة مازالت مرسومة على وجهها:
_كده اتدبسنا رسمي في عش الزوجية اللي اكيد هيكون فيه النكد أكتر من الفرح..
لف "فارس" معصمه حول يدها وهو يجيبها بعشقٍ:
_وأنا راضي بالنكد وبكل حاجة مدام هتكوني جانبي وفي حضني..
تسللت تلك الحمرة الغريبة لوجهها، فلعقت شفتيها بارتباكٍ، كادت بأن تفقد ذاك الثبات الذي حصلت عليه بدافع قوة الحب ولكنه لم يسمح لها بذلك، سحبها تدريجياً لدوافع الحب العتيق، حتى سكن عالمها وسكنت هي عالمه، فأتحدى ليصبح عالم واحد يجمعهما قلبٍ وقالباً..
**************
جلس على الأرجيحة الخارجية لشرفة جناحه الكبير، فأسرعت "حنين" لتتمدد حتى اصبحت رأسها على قدميه، ربت بيديه على كتفها فتمسكت بأصابعه برجفةٍ خفيفة شعر بها، فخلع جاكيت بذلته السوداء ثم لفه عليها فاحتواها وكأنه هو من يحتضن جسدها، ابتسمت "حنين"، فهمست بشرودٍ واضح:
_ليه ظهرت في حياتي بالتوقيت ده يا" مراد"!..
رفع حاجبيه بدهشةٍ من سؤالها الغير منطقيّ بذاك الوقت بالتحديد، فقال بصوته الرخيم:
_هما حضروا ولا ايه؟!.
استندت بجذعيها لتجلس جواره بشكلٍ مستقيم، حتى يرى تعابير وجهها الجادس فيعلم بأنها تتحدث جدياً، لتسترسل بعدها بتوضيحٍ عما تشعر به بالتحديد:
_تفتكر ايه اللي كان ممكن يحصلي لو أنت مكنتش في حياتي..
ورفعت شفتيها وهي تكمل ما تقدمه من اقتراحات:
_اكيد واحد من ولاد أعمامي كانوا هيقتلوني ولو فشلوا في ده فأكيد برضه انتقامات وتصفية حسابات أبويا كنت هكون أنا ضحيتها، يعني في كلتا الحالتين ميتة وآآ..
بترت كلماتها حينما وضع يديه أمام شفتيها، ليعنفها بغضبٍ:
_قولتلك الف مرة متتكلميش عن الموت تاني يا "حنين"!.
ابتسمت رغم الدموع المحاطة لهالتها، فرددت بصوتٍ متقطع من أثر البكاء:
_على فكرة أنا بحبك أكتر من نفسي، أنت عارف ده؟..
بأصابعه ازاح دموعها وهو يخبره بعشقٍ يكفيها عمر فوق عمرها:
_عارف ومتأكد كمان أنك عارفة أنا بحبك أد أيه!..
وقربها اليه ليحتضنها، فأغلقت عينيها على صدره لتستمع دقات قلبه التي تتسارع كلما اقتربت هي منه، دقائق اتخذتها كمهلة لتغوص ببحور نومها العميق لجواره، فحملها كعادته لفراشها بعد ان خلع حذائها كالطفلة الصغيرة التي تنام بعد حضورها لمناسبة عائلية ابدت بها طاقتها بأكملها، طبع قبلة عميقة على جبينها ليحتويها بداخل اضلاعه قبل ان يغلق عينيه هو الاخر..
*****************.
رغم ادائهما للصلاة الا انها طلبت الانفراد بذاتها بالغرفة لدقائق ظنها هكذا، ولكن مرأ أكثر من ساعة ولم تخرج، طرق" مروان" باب الغرفة وهو يردد بقلقٍ:
_"يارا"، أنتِ كويسة؟!..
أتاه صوتها المتحشرج:
_أيوه، أنا محتاجة بس أقعد مع نفسي شوية..
جز على أسنانه بغيظٍ وهو يخبرها بلهجةٍ بدت لطيفة:
_براحتك يا حبيبتي..
طال انتظاره لساعة أخرى، ففتح الباب ليتحدث بعصبيةٍ بالغة:
_لا كده كتير بقالي ٣ساعات مستني بره وكل ما أخبط تقوليلي آآآ...
بترت كلماته حينما رأها تقف أمامه بقميصٍ طويل من الستان الأبيض، يبرز مفاتنها، بلع ريقه مراراً وكأنه لم يعد يتمكن من التقاط انفاسه، حاولت اخفاء ذراعيها كثيراً، فاحنت رأسها في حرج عظيم، اقترب منها "مروان" قائلاً بانبهار:
_ايه الجمال ده..
لامس بيديه خصلات شعرها البني الطويل، فأغلقت عينيه بتوترٍ، فما أن شعرت باقترابه حتى ارتدت هي للخلف بارتباك، حاصرها بين ذراعيه وهو يسألها بجديةٍ:
_بتحبيني يا "يارا"؟..
بدت نظراتها مرتبكة للغاية، فأومأت برأسها بارتباكٍ، رفض اعترافها الصامت فقال:
_ عايز أسامعها منك..
اجابته على استحياء:
_بحبك..
قُطع الكلام فيما بينهما لينغلق الستار، أراد أن يذكرها بالحب الذي سيكون بمثابة تذكرة للمرور لذاك العالم الذي سيشهد على التحام روحين لعشاقٍ ابادهم مرارة الحب حتى ارتوى بعسله بالنهاية..
**************
ودع"يامن"،" جان" قبل ان يصعد لسيارته، فلوح له بذراعيه وهو يخبره بابتسامة واسعة:
_أشوفك بعد بكره بالسبوع يا أبو "خالد"..
ابتسم" جان" وهو يلوح له هو الاخر، فأشار لفاطمة التي تقف لجواره لتدخل للمنزل:
_يلا ندخل..
شعرت بتردد خطاها وذاك الوداع يمزقها، تراجعت للخلف ويامن يراقب حركاتها بلهفة وتمني، رددت بصوتٍ مسموع:
_أنا هروح بيتي مع جوزي..
صدمته كانت من النوع الفريد، فترك سيارته وصعد ليكون مقابلها، فقال بعدم تصديق:
_بجد يا فاطمة، هتروحي معايا!..
أومأت برأسها عدة مرات، فاحتضنها يامن بفرحة وهو يهمس بسعادةٍ:
_حبيبتي، هينور بيكِ يا عمري..
خجلت من احتضانه لها أمام أخيها، فاندفع جان تجاهه ليدفعه بعيداً عنها وهو يضيف بمرحٍ:
_طيب اعملنا حساب يا متر، ايه ما صدقت تقولك هروح يا جدع، أتقل شوية..
دفعه يامن للخلف هو الاخر ثم امسك بيدها وهو يهرول بها للسيارة وهو يخبره بصوتٍ مرتفع:
_الحب مفهوش تقل يابو نسب، أشوفك السنة الجاية مش هجي السبوع بتاع ابنك متعملش حسابنا..
تعالت ضحكاته الرجولية وهو يجيبه:
_واطي من يومك يالا مفيش جديد..
غادر بسيارته سريعاً وهو يشير له بمزح، فراقب "جان" ابتعاد السيارة عن القصر بابتسامة مشرقة، فكان يتعذب لاجل شقيقته، بداخله يتمنى لها نصيب من السعادة وها قد حظت به..
******************
بالطبع لم يكن من السهل عليها العودة لذاك المنزل الذي اهدرت به كرامتها، ولكنها حاولت الغفو عن ذاك الخطأ الجسيم، فتح "يامن" أضواء غرفتهما الحالكة الظلام وكأنها سحبت نورها برحيلها، فاغلق الباب وأسرع ليقف مقابلها وهو يردد بفرحةٍ:
_مش مصدق نفسي، أخيراً أخدت سماح!!.
بدت مرتبكة للغاية، فنقلت له برودة يدها ما تحاربه، أبعد "يامن" ذراعيه عنها وهو يجاهد برسم تلك البسمة الثابتة، فقال بتردد:
_متخافيش يا فاطمة أنا مش هعمل حاجة انتي مش حباها، رجوعك هنا معايا عندي بالدنيا كلها..
نظرت له بحزنٍ وهو تحاول مجاهدة تلك الذكريات القاتمة، فقالت بارتباكٍ:
_خلينا نغير الاوضة دي انا مش حباها..
حاولت خديها بيديه وهو يجيبها بفرحة:
_بس كده انتي تؤمري بكره الصبح هيكون عندك تشكلية أختاري الاوضة اللي تعجبك وهتكون عندك.
ابتسمت برضا لاقتراحه السريع وترحيبه بالفكرة التي ظنتها ستكون غير مستحبة وخاصة بأنها مازالت حديثة، تعلم بان تغير الغرفة او المنزل بأكمله لن يغير ما حدث ولكنها ستجاهد لتلك الرحة النفسية التي قد تحظى بها لخوض حياة مع من أحبته من جديد، بدت مرتبكة وهي تتأمله في محاولاتٍ بائسة للحديث عما بداخلها فقال:
_مالك يا فاطمة، عايزة تقولي أيه ومترددة!..
عبثت بطرف فستانها، فأخفضت نظراتها عنه لتتشجع بقول:
_أنا اتفقت مع دكتورة زميلتي تعملي العملية علشان أقدر أكمل حياتي معاك بشكل طبيعي..
انزعج من اقترحها في وقتٍ كذلك، فشعر بأنها مازالت تفكر بما يود محيه من ذاكرتها، فقال بعد مدة من الصمت:
_بلاش نتكلم بالموضوع ده الوقتي..
واغلق الضوء ثم جذبها قائلاً:
_تعالي ننزل ننام بمكتبي لحد ما نغير الاوضة..
وبالفعل هبطوا سوياً ليفتح مكتبه القابع بالاسفل، فتفاجئت بوجود فراش صغير، جلس على المقعد المقابل للفراش ليشير لها بابتسامةٍ هادئة:
_ارتاحي يا فاطمة أنا هنام هنا..
تطلعت لمقعده الغير مريح لتخبره بتردد:
_ليه تنام هنا ما في سرير!..
يبدو أن الحياة قد اقبلت بذراعيها عليه اليوم، تمدد جوارها وهو يشعر برجفة جسدها، ما حدث بالماضي يعود بالسوط القاسي الذي يجلدها، على الرغم من انها تدير ظهرها اليه الا انه كان يشعر بها كلما انتفض جسدها، جذبها يامن اليه ليحتضنها بقوةٍ وهو يردد بدموعٍ طافت به:
_أنا أسف على كل حاجة يا "فاطمة" ، بجد أسف..
التفتت اليه لتبادله ذاك الحضن الذي احتاجت اليه اكثر منه، لتشعر أخيراً بأن براعم الحب عادت لتظلل على وحدتها البائسة، غفلت على صدره بعد وقت قضته باغلاق عينيها حتى تمكنت من النومٍ اخيراً فوضع الغطاء فوق جسدها ليقضي ليله بتأمله بعدم تصديق من عودتها وغفلتها بين احضانه!!!!..
**************
ضربات مؤخزة أخذت تضرب معدتها دون توقف، في كل مرة كانت تزداد حدة وألماً، شعرت "شجن" بتسلل شيئاً لازق من أسفلها، ففتحت عينيها بفزعٍ حينما شعرت بأنها على مشارف الولادة، فصرخت بكل ما امتلكته من قوة وهي تردد:
_"رحيــــــــــــــــم"!...
........ يتبع.........
ترقبوا الفصل الاخير من سلسلة #الجوكر_والاسطورة5.. ...
#بقلمي_ملكة_الابداع..
#آية_محمد_رفعت..
الأحبة في الإمارات
ننتظركم بكل الحب في جناح #إبداع_للترجمة_والنشر_والتوزيع رقم K26 في صالة 4 في #معرض_الشارقة_الدولي_للكتاب_2021
كل يوم من ١٠ ص ل ١٠ مساء كل يوم عدا الجمعة من ٤ عصرا ل ١١ مساء
وذلك من ٣ نوفمبر حتى ١٣ نوفمبر ان شاء الله
للتواصل في الشارقة واتساب الرقم 00201004022774
********_________*******
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل التاسع عشر 19 - بقلم آية محمد رفعت
#الجوكر_والاسطورة5...(#متى_يهتدي_الوصال؟!...)..
#الفصل_الستون_والأخير....
تلك الضربات المتتالية التي أصابت رحمها جعلتها تتلوى ألماً، فلم يعد بمقدورها التحمل، انطلقت صرخاتها المتألمة وندائها المتكرر بأسمه يصدح بالطابق الأسفل من اليخت، فسمعه "رحيم" الذي استغل غفلتها بين أحضانه ليتسلل فجراً للأعلى حتى يراقب غرفة القيادة ومسارات اليخت من أمامه ليتأكد بأن الامور على ما يرام، هرع للأسفل بفزعٍ حينما استمع لصوت صراخها المتكرر وكأن سوء قد أصابه قبل أن يصيبها، فتح الباب الجانبي لغرفتهما، ليدنو من الفراش وهو يتساءل بخوفٍ:
_في أيه؟!.
حاوطت بطنها بيدها وهي تجيبه ببكاءٍ حارق:
_مش قادرة، هموت من الوجع..
وأطلقت صرخة مداوية وهي تستطرد بوجعٍ:
_أنا بولد!...
شتت عقله فلم يعد يستعب ما يستمع اليه، فردد كلماتها على لسانه مجدداً ببطءٍ ليحاول فهمها:
_بتولدي!!..
بكت بانهيارٍ كلما أصبح الألم أشد قوة عن ذي قبل، فتشبثت بذراعيه وهي تصرخ دون توقف، حاوط خصرها بيديه وهو يخبرها:
_أهدي يا حبيبتي، متخافيش أنا هتصرف..
ضغطت بيدها على بطنها وهي تجيبه ببكاءٍ:
_هتتصرف ازاي وأحنا في عرض البحر!..
شعر بالضجرٍ من قراره الاحمق بتلك الرحلة الخاصة التي اختارها بذاك الوقت وخاصة بأنها بالشهر الأخير من حملها، رفع "رحيم" يديه على وجهها بحنان، وهو يجبرها على التطلع له، ليردد كلماته ببطءٍ وثقة:
_مش هسمح أنك يجرالك حاجة لا أنتِ ولا اللي في بطنك..
ثم شدد من ضغطه على يدها:.
_ارتاحي انا شوية وراجعلك..
هزت رأسها باستسلامٍ، ثم عادت لتتمدد بمساعدته على الفراش، اما هو فصعد لسطح اليخت ليبحث عن هاتفه، فما أن وجده حتى طلب رقم اخيه، ترقب أن يجيبه بصبرٍ كاد بأن ينفذ فما ان أتاه صوته الناعس حتى قال بلهجةٍ سريعة:
_"مراد" فوق واسمعني، "شجن" بتولد وأحنا على اليخت، هبعتلك الموقع حاول توصل باقصى سرعة بالطيارة..
***********
كانت كلماته مبهمة وخاصة بايقاظه بذاك الوقت، فتح عينيه على مصرعهما حينما استمع الشق الاخير من حديثه عن ولادة زوجته، فترك "مراد" فراشه ثم سحب قميصه الأبيض الموضوع على المقعد المجاور له ليخرج بخطواتٍ حذرة للخارج، حتى لا تستيقظ قصيرته ذات اللسان السليط على أثر صوته، فما ان خرج للشرفة حتى قال بتفهمٍ:
_متقلقش، أبعت انت الموقع وأنا دقايق وهكون عندك...
وقبل ان يغلق الهاتف، أردف:
_حاول تهدأ يا "رحيم"، انا مش هتأخر عليك..
وأغلق الهاتف ليهرول سريعاً لخزانته، جذب أول جاكيت التقطته يديه، ثم هرول سريعاً للأسفل، ليأمر حارسه الخاص بأن يجهز طائرته الخاصة في التو والحال..
******************
ما أن أنهى مكالمته مع أخيه حتى هبط سريعاً اليها، فوجد حالتها قد أزدادت سوء، كانت تعض بأسنانها على الملاءة البيضاء من جوارها، تكبت تلك الصرخات القاتلة، ولأول مرة يشعر" رحيم زيدان"بالعجز، لا يعلم ماذا يفترض به أن يفعل بتلك اللحظة، أن يرأها تتألم وتبكي بذات الوقت هو أمراً قاتل بالنسبة اليه، للحظة لعن ذاته بأنه من تسبب بذاك الوجع اللعين التي تجابهه وإن كان يموت شوقاً لرؤية ذاك الجنين الذي حمل ثمار عشقهما، فُرض عليه أن يعود لصلابته وثباته المعتاد وخاصة بذاك الموقف، ليتمكن من مساعدتها، أقترب "رحيم" منها، فرفع رأسها بين ذراعيه ليمسح عرقها النابض على جبينها، اعاد تلك الخصلة المتمردة من شعرها وهو يردد بألمٍ يضاهي ذاك الألم الذي تحاربه:
_خليكي قوية واتحملي، كلها دقايق وهنخرج من هنا أوعدك..
كورت يدها التي أبيضت من فرط ضغطها القوي، صوتها كبت، ليتحرر بصراخٍ مصحوب بتأوهاتٍ:
_آآه..آآآنا... مش هلحق المستشفى، أنا بولد!!..
فهم من كلماتها الاخيرة بأنها تشعر بأقتراب تشريف ابنه لتلك الحياة، لم يكن أمامه أختيارات لينقي ما يناسبه، رمشت بعينيها عدة مرات وهي تجاهد ذاك الاغماء الذي يكاد يبتلعها بجوفه أكثر من مرة، فلطمها بيديه برفقٍ على خديها، قائلاً بخوفٍ:
_خليكي معايا ، أنا هحاول أساعدك وأنتِ كمان لازم تساعديني....
دقائق متعثرة، قضتها بمجابهة ذاك الألم العصيب، ليختم بصرخةٍ مزلزلة، أتبعها صوت المولود، الحفيد الأول لطلعت زيدان، والابن الوحيد ل"رحيم زيدان"، أغلقت "شجن" عينيها باستسلامٍ لفقدان الوعي، والمشهد الذي ظلت تتمناه رأته قبل أن تنغلق عينيها،حينما رأته يحمل مولدهما الأول بين ذراعيه..
أرتعشت أصابعه وهو يحمله بين يديه، فكان يخشى أن يطبق اصابعه حول جسده الصغير فتتحطم عظامه الهاشة، نظرات مطولة تعلقت به لأكثر من عشر دقائق، مازال لا يستوعب بأنه شرف الحياة بقدومه، اتخذ وقتاً كبير حتى أستعاد واعيه، فلفه بأحد أغطية الفراش الموضوعة لجواره، ثم وضعه بالفراش ليعود سريعاً لمعشوقته، أنقبض قلبه رعباً حينما رأها فاقدة للوعي، حملها لصدره وهو يهزها بفزعٍ:
_"شجن"، حبيبتي فووقي!..
تجمدت تعابير وجهه الصارم، ليعاود ندائها من جديدٍ:
_"شجـــــــــــــــــن"!..
لا يكفيها ذلك الألم الذي عصف بها منذ الساعات الاولى من حفل زفاف "مروان" و"فارس"،لا بل كانت هناك حرباً أخرى لتتمكن من استرداد وعيها لتطمنه عليها، بصعوبةٍ بالغة تمكنت من فتح أجفانها الثقيلة، لتهمس بابتسامةٍ شبه شاحبة:
_جبت بنت ولا ولد!..
ابتسم بفرحةٍ، فطبع قبلة عميقة على جبينها، ومن ثم مرر يديه على طول شعرها المفروض من خلفها ليجيبها على مهلٍ ليحصل على اهتمامها كاملاً لما سيخبرها به:
_"زين"، جبتي "زين"..
ابتسمت لقبوله الأسم الذي اختارته له ثم غفت مجدداً بين ذراعيه، ضمها لصدره بقوةٍ، فتلك اللحظات مرت عليه كالعهد، قلبه كاد بأن يتوقف اكثر من مرة كمن يجري عملية خطيرة بالقلب ليصارع الحياة، يعلم بأن الطب تقدم كثيراً فانتشرت بالفترة الاخيرة الولادة القيصرية عن طريق التدخل الجراحي، فكان يظن بأن زوجته ستكون منهن، ولكنه تفاجأ بولادتها الغريبة وبذاك المكان، والصادم أيضاً بأنه من عاونها على الولادة بدلاً من وجود الطبيبة، اطمئن قلبه حينما أطمئن عليها، لذا نهض ليبحث لها عما ترتديه وخاصة بأن" مراد" قد اوشك بالوصول إليه، جذب "رحيم" جلباب أسود من الستان موضوع بخزانتها ثم ألبسها ليعود بعد ذلك بالحجاب الذي لفه بأحكام على شعرها، فما أن أنتبه لصوت الطائرة التي تحلق فوق اليخت حتى حمل الصغير بحرصٍ، ليصعد به للأعلى...
***************
هبط "مراد" للأسفل، ثم استخدم الدرج الصغير الجانبي، ليصل للطابق السفلي، ليجد "رحيم" يقترب منه وبدى أنه يحمل بين يديه الرضيع، وضعه "رحيم" بين يد الجوكر الذي تساءل باستغرابٍ فور رؤيته:
_أيه ده، هي ولدت!..
أشار له برأسه وهو يشير له باهتمامٍ:
_غطي وشه كويس الجو هوا، وأنا هجيب "شجن"..
وكاد بالهبوط للأسفل مجدداً ولكنه عاد ليضيف:
_" مراد"، اطلب حد من الحرس يجيب الدكتورة القصر..
ابتسم وهو يوزع نظراته بين أخيه والصغير، فأجابه مازحاً:
_واضح أنك اكتسبت خبرة جنب الاسلحة والذخيرة وبقيت دكتور نسا وتوليد!..
ابتسم الاخير ليرد عليه بسخريةٍ:
_أحنا جاهزين لأي مهمة صعبة!..
تعالت ضحكاتهم الرجولية، ليشير له "مراد" بتحذيرٍ بعدما تفحص غيمات السماء المنطفئة:
_ هات "أشجان" بسرعة، لان شكلها هتمطر..
هبط للأسفل سريعاً، فأنحنى ليحملها بين يديه، ثم صعد بها لمتن الطائرة ليتحرك "مراد" عائداً للقصر بعدما أمر بأحضار الطبيبة على الفور..
****************
حينما تحاوطك الخطايا فتهاجمك لتجردك من كل ذرة خير امتلكتها يوماً، يصبح الخير مبتور من قلبك قبل ان يبتر منك، وربما كل فترة تعاني من هواجس الخوف من لقاء الله عز وجل وأنت مدنس بالمعاصي، ولكن تلك اللحظة قد لا تستمر طويلاً إن حاربك الشيطان فيجعلك تتعمد تجاهل هذا الشطر المزعج، أما من صرح الله بتوبته يحاربه حتى أخر أنفاسه، كحالها لم يهبها الله فرصة لحياة أخرى فحسب، بل من عليها برجلٍ قلبه من ذهب، وعاد ليمنحها هدية ثمينة أخرى بأن رزقها منه بطفلة جميلة، وزعت "ريحانة" نظراتها بين "حازم" الذي يتمدد لجوارها وبين طفلتها التي ولدت بوقتٍ غير متوقع من شهرها السابع، ضمتها لصدرها ودموع الفرحة تنسدل في صمتٍ، ليترك لسانها ناطقاً بسعادةٍ:
_الف حمد وشكر ليك يارب..
****************
وصلت الطائرة لقصور عائلة "زيدان"، فبحث" مراد" عن مساحة واسعة أمنة للهبوط، ليهبط بها بحرافيةٍ حتى لامست عجلاتها الأرض الصلبة، انفتح بابها ليتدلل الدرج المتنقل للأسفل، فهبط "رحيم" حاملاً "أشجان" بين يديه، ليتجه لجناحه سريعاً تاركاً مهمة الصغير للجوكر الذي حمله ثم صعد به ليتجه لجناحه حتى يوقظ حنين لتتدبر أمر الصغير لحين أن تسترد "شجن" عافيتها..
**************
شعرت بالبرودة تنخر عظامها فعلمت بأنها تغفل بعيداً عن أحضانه، تحركت "حنين" بجسدها للجانب الأخر من الفراش بعينين مغلقة، بحثت عنه لتنام بين ذراعيه، فتحت عينيها حينما شعرت بالخواء من جوارها، فرددت بدهشةٍ:
_"مراد"!..
انحنت بجسدها تجاه المصباح القريب من الفراش، أشعلته لتجوب بعينيها الغرفة بأكملها، فشملت حمام الغرفة بنظرةٍ متفحصة فما أن وجدته فارغ حتى تملكها الخوف، هو من فعل بها ذلك، لغيابه المفاجأ عنها، جعلها تختبر الخوف القاتل كلما غاب عنها، ارتدت روبها القطني لتناديه بخفوتٍ:
_"مراد"!..
تدفقت الدموع من عينيها بعدما خيل لها بأنه تركها كعادته، فجلست على الأريكة باهمالٍ وهي تحدث ذاتها قائلة ببكاءٍ:
_ليه مصمم تجرحني المرة دي كمان وأكون لوحدي من غيرك!!..
انسدلت دموعها دون توقف، فتكورت على ذاتها بانكسارٍ..
ولج لداخل الجناح، فوضع الصغير بغرفة ابنته، ثم ولج لغرفتهما المجاورة، صُدم حينما وجدها تحتضن ذاتها وتبكي بانهيارٍ، اقترب منها بخطواتٍ متهدجة، فوضع يديه على قدميها، قائلاً بدهشةٍ:
_"حنين"!..
رفعت وجهها الموضوع بين يدها، فرأته يقف أمامها، ازاحت دمعاتها العالقة باهدابها وهي تردد بفرحةٍ وعدم تصديق:
_"مراد"!..
ثم نهضت لتتعلق به بدموعٍ لحقت صوتها المتقطع:
_كنت فاكرة انك سبتني وسافرت تاني..
قربها اليه بحزنٍ من حالة الذعر التي زرعها بداخلها، فضمها هامساً بدفءٍ اجتاحها:
_أنا وعدتك أني عمري ما هبعد عنك تاني يا حنين..
رفعت رأسها لتتعمق بالتطلع لعينيه الزرقاء، فزمت شفتيها بتذمرٍ:
_أنت اللي عملت فيا كده على فكرة وبعدين أنت كنت فين بالوقت ده!..
تغاضى عن الجزء الاخير من سؤالها وأجاب عن ما قالته بالأول:
_كان غصب عني لكن دلوقتي مستحيل هرجع أبعد عنك تاني صدقيني..
بجديةٍ باحتة قالت:
_بجد يا "مراد" توعدني؟..
مرر يديه على طول ذراعيها بحركاتٍ دائرية:
_اديتك وعد مرة وأنا كلمتي سيف.
تلك النظرات المهلكة جعلت بسمتها تنضج بالحياة، ثوانٍ فدقائق ومازال كلاهما غارقاً، أفاقتة"حنين" من بساط أحلامها الوردية على صوت بكاء طفل صغير، يأتي من الخارج بجناحها، ضيقت عينيها في ذهولٍ جلي، فتركته وخرجت من الغرفة، قائلة بذهولٍ:
_أيه الصوت ده!..
تفحصت الردهة المطولة الفاصلة بين غرفتها وغرفة ابنتها، فلم تعثر على شيء، كادت بالعودة لمراد ولكن صوت البكاء مازال مسموع، فتحت باب غرفة ابنتها وهي تردد بتعحبٍ:
_ده مش صوت "مرين"!!..
شهقت في صدمةٍ حينما وجدت طفل رضيع بفراش ابنتها الصغير الذي لم يعد يليق بها، فصار الفراش الاكبر حجما يناسبها، تصنمت محلها بتلك المسافة الفاصله بينها وبينه، قطع شرودها حينما رأت مراد يحمله بين ذراعيه، كاد فمها أن يصل للأرض من فرط ما رأته برمة عينيها، انطلقت الشرارات تبعاً من نيران عينيها، فقالت باندفاعٍ:
__مين ده!! ، انت اتجوزت عليا يا مراد، أنا كنت حاسة انك لما كنت بتختفي كنت مدورها مع واحدة شمال ومن عملك الاسود هتلاقيها ماتت وهي بتولد المحروس وأنت جاي تترجاني علشان أربيلكم الواد بس ده على جثتي يعنيا أنت مش جايبني هنا مربية ليك ولعيالك!..
فرك بيديه جبينه وهو يجاهد للثبات الذي فقده منذ ان ولجت تلك المجنونة لحياته، تعصبت للغاية من صمته الغير مقبول بالمرة، فصرخت به بحدةٍ:
_ساكت ليه ما تنطق، ابن مين ده!..
التقط نفس عميق ثم زفره على مهلٍ، ليخرج عن طور صمته أخيراً:
_هو ابني فعلاً بس مع فرق بسيط ان أسم رحيم اللي هيتكتب بعد اسمه..
مررت الكلمات على أصابعها بالتدريج لتفهم ذاك اللغز الغريب المطروح من أمامها فما أن وعت لمقصده حتى قالت بدهشةٍ:
_ابن" رحيم"! ، هي "أشجان" ولدت أمته، وازاي مش تقولي؟!..
منحها نظرة قاتمة قبل أن يرد عليها بسخطٍ:
_هو أنتِ مدية فرصة لحد أنه يتكلم!..
وتركها وتوجه للمغادرة، وقبل ان ينعطف لغرفته استدار ليسترسل بنبرةٍ شرسة:
_ دماغك المتركبة شمال دي لو الأريل متعدلش هجيبه أرضي..
وتركها وغادر من أمامها، تلقائياً لفت يدها حول رأسها بخوفٍ، فرددت بتهكمٍ:
_متوحش!..
وكفت عن همساتها الجانبية لتقترب من الصغير، بابتسامة حنونة، اتجهت لخزانتها لتنقي ما قد يليق به، ومن ثم أعدت له الحليب الدافئ المناسب لسنه الصغير، ثم اقتربت منه لتحمله بعدما جهزت المياه الدافئة والقليل من الشامبو، ارتسمت ابتسامة ناعمة على وجهها حينما حملته بين ذراعيها لأول مرة، فشعرت بشيئاً غريب بداخل رحمها، وكأن صغيرتها قد تسعى للترحيب بنصفها الاخر الذي سبقها، اشارة غريبة غير ملحوظة تجاهلتها "حنين" وأخذت تنظف الصغير لتطعمه ومن ثم ابدلت ثيابها لتتجه لغرفة "أشجان"..
******************
نصف ساعة استغرقتها باتمام مهامها المتكاملة مع الصغير، ثم حملته وتوجهت لجناح"رحيم زيدان" بترددٍ وخاصة بأن الوقت مبكراً للغاية؛ ولكن قلقها عليها دفعها للمضي قدماً، طرقت الباب مرة ثم وقفت تنتظر الرد، لتجد "رحيم" من أمامها، تطلعت له "حنين" بخجلٍ شديد، فقالت بتوترٍ:
_أنا أسفة اني بقلقكم بوقت زي ده بس حقيقي مش هقدر أنام من غير ما اطمن على "أشجان"..
عاتبها بزعلٍ بدى بلهجته الحازمة:
_أنتِ تيجي في اي وقت يا حنين ومن غير أي مقدمات، وبعدين احنا منمناش اصلاً الدكتورة كانت جوه ولسه ماشية..
ثم فتح الباب على مصرعيه ليشير له بالولوج، فما ان دخلت حتى وجدت" مراد" يلحقها فولج هو الأخر للاطمئنان على زوجة أخيه، حاملاً ابنته الصغيرة بين يديه بعد ان أفاقت على صوت بكاء "زين"..
بخطواتٍ سريعة اتجهت لغرفة نومهما، فدنت من الفراش لتنتبه الاخرى للقادم، فرددت بابتسامةٍ شاحبة:
_"حنين"!..
وضعت حنين الطفل جوارها على الفراش الكبير ثم انحنت لتكون مقابلها، فقالت بدموع تتلألأ بعينيها:
_الف حمدلله على سلامتك يا حبيبتي، ومبارك ما جالك ما شاء الله زي القمر..
ابتسمت وهي ترد عليها بحبٍ صادق:
_الله يسلمك يا حنونة..
ثم خطفت نظرة سريعة لابنها لتضيف بتعبٍ:
_استلمتي مهمته بدري اوي، تعبناكي معانا..
قالت بعتابٍ:
_بقى كده، لا يا ستي مفيش تعب ولا حاجة أنا زعلت بس لاني كنت عايزة اكون جانبك بالوقت ده، ده انا اتفاجئت من مراد بولادتك..
كبتت ضحكة كادت بأن تنفلت منها لتصطحب معه وجع، قائلة بمرحٍ:
_ولا أنا كنت أعرف وحياتك انا اتفاجئت لقيت نفسي بولد وكنا في اليخت..
لطمت صدرها تلقائياً وهي تضيف:
_يا خبر طيب وعملتي أيه!.
ضحكت "اشجان" بصوتٍ مسموع لتتأوه بعدها بألمٍ، فقالت بعد سيطرة تامة بذاتها:
_لا موضوع كبير هحكيهولك بعدين..
قطع الحديث المطول بينهما "مراد" الذي طرق بأصابعه عدة مرات، لينتبهوا لقدومه، فولج حينما منحته "شجن" اذن الدخول، جلس"مراد" على أقرب مقعد بعيد عنهما ليضع ابنته الصغيرة "مرين" على قدميه، قائلاً بابتسامةٍ مشرقة :
_حمدلله على سلامتك يا "أشجان"..
ردت عليه بمحبةٍ وعينيها تتطلعان للصغيرة بحنانٍ:
_الله يسلمك..
ثم استطردت بعتابٍ:
_أيه اللي مصحيكي بالوقت ده يا ميري!..
أجابها" مراد" وهو يعيد خصلات شعر الصغيرة عن عينيها، فتلك الفتاة لم ترث عين أبيها الزرقاء فحسب بل وشعره الطويل والغامض بالامر بأن وشخصيتها المجهولة، شبيهة أبيها كما يزعمون:
_صحت علشان تتطمن عليكي هي كمان.
ابتسمت "شجن" وهي تخبره بحبٍ:
_دي روح قلبي والله..
ثم أشارت بيدها لحنين، فأقتربت من زوجها لتحمل الصغيرة عنه، ثم توجهت لشجن التي طبعت قبلة عميقة على خديها الاحمر الشبيه بحبات الكرز الشهي، ولج" رحيم" هو الأخر، فانحنى بجسده تجاه الفراش ليحمل الصغير بين يديه، ثم جلس جوار اخيه يتأمله بسعادةٍ واضحة، مرر "مراد" أصابعه على وجهه وهو يغازله قائلاً بمرحٍ:
_شرفت قصر أل "زيدان" يا عمهم، يلا بقا أكبر علشان أخدك ادربك كده وأخليك أسد في نفسك..
ضحك "رحيم" بصوته كله، فهمس لاخيه بمكرٍ:
_تفتكر هيستحملنا ولا هيبقى خرع..
مشط الجوكر بعينيه المكان من حوله، فوجد أشجان تتحدث مع زوجته، فقال بخبثٍ:
_الواد ده مش هياخد في ايدنا غلوة، فالمفروض اننا نتقل عليه ونفهمه كل حاجة واحدة واحدة..
زم شفتيه بعدم رضا:
_لا مش عايزه خرع بقولك..
وضح له بانزعاجٍ:
_مهو هيتعلم بس واحدة واحدة عليه الواد لسه ابن يوم!.
سحب نظراته لابنه الصغير فقال بعد تفكيرٍ عميق:.
_على رأيك أما يكبر شوية هيبقى لينا كلام تاني..
فتذكر حمل "حنين"، فأخبره بابتسامةٍ شيطانية:
_مش يمكن حنين تجبلك ولد وندربهم الاتنين مع بعض!..
رد عليه بابتسامةٍ واسعة تكاد تصل للأذن:
_لا"حنين" هتجيب بنت ان شاء الله وده من رحمة ربنا بيهم لانه عارف اني مكنتش هرحمه مش بعيد ادخله الجيش ١٠سنين..
وضعت "حنين" ابنتها أرضاً، فاستخدمت يدها وقدميها لتتحرك حتى وصلت لابيها، فتحرك لسانها ناطقاً بطفولية:
_أبا... ب...
انتبه كلاً منهما اليها، فناول "رحيم" ابنه لمراد ثم حملها بين يديه، ليطبع عدد من القبلات المتفرقة على وجهها، هامساً بخبثٍ:
_لا يا روحي متزعليش، فكك من ابوكي أنا اللي هعلمك كل حاجة بنفسي وهنشوف أبوكي رده ايه!..
عبث "مراد" وهو يتذكر وجود الاب الأخر لبناته فأن كان سيتحكم بذاته عن تعليم فنون القتال عنهن فيوجد الأخطر منه، تمنى لو يتمكن من زرع هذة الفنون بهن ولكنه لن يحتمل رؤية احداً من بناته تخدش او تتعرض للأذى في سبيل التدريب الشاق، وكأن القدر وصم لكل طفل المدرب الخاص به، فالجوكر يحمل ابن رحيم والاسطورة يحمل بنته، فعلم الآن من سيكون المدرب الخاص لكلاً منهما..
انتبهوا سوياً لصوتٍ "حنين" حينما قالت:
_طيب يا حبيبتي انا هسيبك ترتاحي وبكره هجيلك اطمن عليكي ان شاء الله..
أمسكت "شجن" ليدها، ثم قالت برجاء:
_لا متسبنيش يا "حنين" انا محتاجالك..
وزعت حنين نظراتها الخجلة بين زوجها ورحيم، الذي نهض ليزح عنها هذا الحرج حينما قال:
_خليكي معاها وأنا هبات في أي اوضة بره الجناح..
نهض "مراد" هو الاخر، فوضع الصغير بسريره الصغير، ثم حمل ابنته ليشير له بجديةٍ:
_أوضة ايه اللي هتنام فيها، أنت هتنام معايا بجناحي ومن غير كلمة زيادة..
لحق به وهو يردد ببسمةٍ مشاكسة:
_المرادي مش اجبار، هنام في اوضة واحدة وجنب بعض بالاختيار..
تعالت ضحكات "مراد" الرجولية، وهو يهمس له بغمزة :
_متقلقش هتنام بالجنب اللي يريحك...
******************
تباهت الشمس بردائها الذهبي، وخاصة بذاك اليوم المميز، فغطت العالم باشعتها المشرقة، لتتسلط على اعمدة القصور الخمس..
بداخل قصر "ريان عمران" وبالأخص بغرفة "إياد"، دفعت المقعد بيدها حتى السور الخارجي، فتحمل على ذراعيها الممدود حتى نهض ليعبئ رئتيه بالهواء العليل، وضعت"سارة" اطباق الطعام الشهي على الطاولة المستديرة، فعاونتها "صباح" بودٍ، حتى "يارا" أتت بالمشروبات لتسكبها بالأكواب الستة المتفرقة، هبط "ريان" متعجلاً للذهاب لعمله، فخطف قبلة سريعة على يد زوجته وهو يخبرها بصوته المنخفض:
_تسلم أيدك يا روحي..
التفتت يساراً ويميناً بخجلٍ، ثم قالت بابتسامة عشق:
_الف هنا على قلبك يا حبيبي..
اقترب ريان من أخيه ليعاونه على الجلوس، فأسنده من كتفيه الايمين، فأنضم لهم "مروان" هو الاخر ليعاونه على الجلوس، جلست الفتيات جوار أزواجهن، ليتناولن كلاً منهما الطعام بجو من المرح والغزل وثالثهما العشق الذي بدد القلوب..
************
عاونت "حنين" " أشجان" على أن تبدل للصغير ثيابه لاعتبارها أكثر خبرة منها، فتركتها تبدل ثيابها هي الاخرى بمفردها وخاصة بأن ولادتها مختلفة عن الجراحة فهي قادرة على الوقوف والخطى بمفردها، ولجت "نجلاء" للغرفة بصحبة "ريم" و"نغم"، باحثة عنها وهي تردد بقلق:
_صحيح اللي سمعته من البنات ده! ، شجن ولدت امبارح وأنا كنت فين!..
اجابتها "حنين" قائلة بمرحٍ:
_كنا كلنا بنحلم احلام وردية يا نوجة، وبعدين الحاجات دي مفهاش زعل، يعني الولية كانت بتولد تقول للواد استنى لما اعرف العيلة اني بولد!..
تعالت ضحكات "ريم"، فدنت من شجن لتحتضنها وهي تتحدث لزوجة أبيها:
_عشان تعرفي أننا بنحبك اد أيه، أول ما حنين بلغتنا جنالك وش الصبح اهو..
حملت" نجلاء"الصغير من "نغم" التي تقدمه لها، لتجيب ريم بابتسامة واسعة:
_انتِ روح قلبي دايماً يا ريمة..
احتضنت "نغم" اشجان وهي تهنئها بمولودها الاول، فدعت لها الاخرى بأن تسر برؤية جنينها بمشيئة الله، أستأذن "طلعت زيدان" بالدخولٍ بلهفةٍ لرؤية حفيده، فقال وعينيه تبحثان عنه:
_حمدلله على سلامتك يا بنتي..
اجابته باحترامٍ وقد غطت بحجابها خصلات شعرها:
_الله يسلمك يا عمي، أتفضل..
اقتربت منه "نجلاء" بالصغير، فوضعته بين لائحة يديه وهي تردد بفرحةٍ:
_سمي..
ردد بانصياعٍ والدموع تتلألأ بعينيه لرؤياه:
_بسم الله الرحمن الرحيم، ما شاء الله تبارك الرحمن قمر...
سألتها "ريم"بفضولٍ:
_هتسميه أيه يا "أشجان"؟..
ردت عليها باسمه المختار:
_" زين"!!..
قال "طلعت" وهو يطبع قبلاته على جبين الصغير:
_"زين رحيم زيدان"..
مسحت "نجلاء" دمعاتها سريعاً، وهي تراقب فرحته بسعادةٌ أدمعت عينيها، تود رؤيته يبتسم هكذا لأخر عمرها...
************
جذبت "حنين"،" نغم" و"ريم" للخارج وهي تردد جملة واحدة كل دقيقة:
_عايزاكم في مهمة قومية، ماليش غيركم خليكم عارفين ده..
زفرت "نغم" بضيقٍ، فقالت وهي تتبعها:
_ماشين وراكي من ساعتها وكل ما بنسالك بتقولي مهمة قومية، ما تفهمينا يا بنتي سحلنا وراكي ليه!..
أطبقت يدها حول معصمها واليد الاخرى حول معصم "ريم"، فولجت للجناح الخاص بها، ثم اغلقت الباب سريعاً لتشير لهما ببسمةٍ مرتبكة:
_ولا حاجة، القصة وما فيها أننا حضرنا الفطار وبنستنى" رحيم" و"مراد" ينزلوا يفطروا ومحدش نزل..
أجابتها "ريم" باستغرابٍ:
_طيب وفيها أيه ما تستنوهم ينزلوا زي كل يوم..
أخرجت "حنين" المفتاح العالق بالباب الاسود الضخم الخاص بالجناح ثم قالت وهي تقف على عتبته:
_ما احنا بنعمل كده، بس الموضوع وما فيه انهم نايمين في اوضتي وأنا عايزة ادخل أغير هدومي ولو مراد اللي نايم لوحده كنت دخلت عادي لكن ده مش هينفع فدي مهمة مين بقا؟..
واستطردت كلماتها بعدما خرجت من الجناح لتغلق الباب عليهن سريعاً، ثم اغلقته بالمفتاح لترفع صوتها من الخارج قائلة:
_مهمتكم يا اختي انتي وهي على الأقل أنتوا أخوات لكن أنا هدخلهم بصفتي أيه؟!.
ابتلعوا ريقهم بخوفٍ شديد، فقالت"نغم"بغضبٍ:
_"حنين" أفتحي الباب متهزريش.
أجابتها من الخارج:
_مبهزرش والله ادخلوا صحوا أخواتك علشان يفطروا، مش هتخرجوا من هنا غير كلكم فاهمين!..
زفرت "نغم" بضيقٍ:
_مجنون وأد كلامها..
ردت "ريم" بخوفٍ وعينيها تتنقل على باب الغرف من أمامها:
_وبعدين هنعمل ايه، ده انا حتى نسيت شنطتي في أوضة "أشجان"، كنت ممكن أرن على "سليم" يجي يخرجنا..
مصمصت شفتيها بسخريةٍ:
_يادي "سليم" اللي محياره معاكي ومحتارة تعملي بيه أيه!..
ثم أشارت بيدها وهي تستطرد حديثها:
_ويعدين فيها ايه لما نصحيهم، هما على فكرة اتغيروا..
واجلت حبالها الصوتية بقوة مصطنعة:
_توكلنا على الله، بينا.
لحقت بها فتركتها تستكشف الغرف حتى وجدت المنشودة، فولجت من خلفها للداخل، ازدردت ريقها الجاف بصعوبةٍ حينما وجدت كلاً منهما مستلقي على ظهره بحركةٍ متشابهة، فأشارت لها "نغم" بالاقتراب من "مراد"، فأومأت برأسها، لتتجه للاتجاه الاخر من الفراش، أما" نغم" فوقفت جوار "رحيم"، رفعت اصابعها للاعلى لتشير لريم بالعد التنازلي الذي سينتهي بالعدد الثالث وبالفعل، أخذت تعد على أصابعها حتى العدد ثلاث فقامت كلاً منهن بنخز أصابعهما بكتفيهم العارية، فتح كلاً منهما عينيه، النوم مستيقظ لأي حركة خاصية اكتسبوها بالاجبار من سمات عملهم، انكمشت ملامح"مراد"وهو يردد بنومٍ:
_" ريم"!..
أسرعت بالحديث بجسدٍ يرتجف خوفاً:
_أنا ماليش دعوة والله، "حنين" اللي قافلت علينا الباب وقالت لازم نصحيكم..
ابتسم وهو يتأمل حالة الذعر المسيطرة عليها، فنهض ليقترب منها وهو يردد بمرحٍ:
_طيب اهدي أهدي، هو انا بقولك مين اتسبب في موت خالتك!!!..
جلس "رحيم" على الفراش باستقامة، فالتقط قميصه الملقي لجواره، ارتداه وهو يتطلع لنغم الثابتة من أمامه وكأنها لم تفعل شيئاً، فقالت بثباتٍ:
_الفطار جاهز..
نهض عن الفراش ليقترب منها، فلف يديه حول كتفيها وهو يخبرها بابتسامة:
_وأنا ميت من الجوع، يلا..
اتبعته للخارج فسألها باهتمامٍ:
_"يوسف" فين، مجاش معاكي؟!.
أجابته بابتسامة مشرقة:
_لسه مكلمني من شوية وقال بيحضر مفاجآة لشجن بمناسبة البيبي..
ثم أضافت:
_الف مليون مبروك يتربى في عزك يا حبيبي..
احتضنها رحيم بحبٍ وهو يجيبها:
_عقبال ما تقومي بالسلامة ان شاء الله..
خرجت ريم بصحبةٍ "مراد" هي الاخرى، فقالت بانزعاجٍ:
_تفتكر حنين هتفتح الباب ولا هتعمل فينا ايه تاني!..
اتسعت بسمته وهو يشير لها بسخريةٍ:
_الباب مكنش مقفول أصلا، هي عملت كده علشان الابتسامة على وشوشنا دي.
ثم قال بمكر:
_مش انتي اتبسطتي وأنتي بتصحيني!..
انفجرت ضاحكة فشاركها الابتسامة ليلحق بهما للاسفل، لينصموا جميعاً على طاولة الطعام ، بجو من البهجة والسعادة وخاصة بعد أن انضم اليهم "يوسف"..
*******************
جلست بالغرفة تنتظر صديقتها بالوصول للمشفى، كان" يامن" لجوارها، يديه تحتضن يدها، شعر بارتجافها بين يديه، فانحنى على مقعدها قائلاً بضيقٍ:
_"فاطمة" مفيش داعي لوجودنا هنا، صدقيني الموضوع مش فارق معايا..
أجابته بابتسامة رسمتها لتمنحه الراحة:
_بس أنا اللي هيفرق معايا...
احتضنها وهو يربت على ظهرها بحنانٍ ، ليهمس لها بعشقٍ جوار اذنيها:
_أنا هكون جانبك مش هسيبك!..
تمسكت بقميصه من الخلفٍ وكأنه تخبره بالا يتركها، دقائق مبسطة ووصلت صديقتها الطبيبة، لتخبرها بأنها على أتم الاستعداد، ابدلت ثيابها لتتجه للغرفة ويديه مازالت ملتصقة بيدها، كان لجوارها منذ بداية الجراحة لنهايتها، كان يقف جوار رأسها، يشتتها بحديثه المرح وكلماته المعسولة، لم يكن يحبذ ان يخضع حبهما لمثل هذا الاختبار ولكنه يمتلك اليقين بأنها معضلة وستمر مثلما مر الكثير من العوائق..
انتهت الجراحة وبالفعل تم فض الغشاء المطاطي بنجاحٍ، لتنتقل بعدها لغرفة عادية، فما أن انتهت الممرضة من تغطيتها حتى ولجت الطبيبة، لتخبرها بضحكة رقيقة:
_حمدلله على سلامتك يا دكتورة فاطمة..
أجابتها بتعبٍ بدى بصوتها:
_الله يسلمك يا "دنيا"، بشكرك على واقفتك جانبي..
عاتبتها بمحبةٍ:
_متقوليش كده ده احنا عشرة عمر، بس انتي اللي اختارتي تدخلي قسم اطفال وتبعيني..
ابتسمت وهي تجيبها:
_ما انتي عارفاني بموت في الاطفال..
القت على مسمعها اقتراح افتراضي، فقالت بمزح:
_طيب اتجدعني أنت بس وهاتيلنا حتة عيل..
انتقلت نظرات" فاطمة" ليامن الذي طالعها ببسمة مكر، فاصطبغ وجهها بحمرةٍ الخجل، سحبت عينيها لباب الغرفة حينما فتح لتجد أخيها من أمام عينيها، دنا منها "جان" وهو يضع باقة الزهور البيضاء على الكومود من جوارها، ليتساءل باهتمامٍ:
_الجميل أخباره ايه؟..
بصوتٍ هزيل اجابته:
_الحمد لله بخير يا حبيبي..
جلس على المقعد القريب منها، فتساءلت بلهفةٍ:
_طمني على سلمى بقت كويسة، وخالد عامل ايه؟..
رد عليها بصوته الرخيم:
_بخير الحمد لله، شيدي انتي بس حيلك واخرجي..
قالت باستياء:
_كان نفسي والله احضر سبوعه بس كله خير..
ابتسم وهو يخبرها ما حدث من قرارات حاسمة:
_لا هتحضري، لان "طلعت زيدان" أمر بنفسه ان حفلة استقبال "خالد" هتكون مع زين ابن "رحيم"..
رفعت حاجبها بتعجبٍ:
_هي اشجان ولدت!..
اومأ برأسه قائلاً:
_امبارح..
قطعت الممرضة جلستهما حينما اقتربت من المحلول الموضوع بوريدها، فنهض" جان "ليشير ليامن بالانسحاب معللاً:
_ما تيجي ننزل نشرب قهوة ونسبها ترتاح شوية..
أشار له هو الاخر:
_ياريت، تعال..
وهبط كلاً منهما للاسفل..
************
يوم يليه الاخر دون أي جديد الا من أقصوصة العشق التي نبضت بقلب" علي" تجاه "فاطمة"، رغم انه يعلم بالمشاكل التي سيواجهها مع والدته الا انه سيعافر لاجل ذاك، طوال الفترة الماضية لم تجدي حالة" فطيمة" أي تحسن، ورغم ذلك مازال يصمم على معالجتها والخوض في ماضيها لمعرفة ما واجهتها ليجعلها هكذا، لذا اخبر "يارا" برغبته بمعالجتها فوافقت على امل أن يحقق هو ما فشلت القيام هي به، فأقنعت "مراد" بأن سفرها مع علي هو الصائب لحالتها النفسية،فسمح له بذلك وأخبره بأنه سيكون على تواصل دائم به لمعرفة تطورات حالتها بنفسه، وإن اضطر الامر سيسافر اليهما كل فترة للاطمئنان عليها، لذا سافرت"فطيمة" مع "علي" لانجلترا، بلد العشاق التي ستشهد أقصوصة عشق فريدة من نوعها...(نوڤيلا صرخات أنثى «فطيمة»)......
****************
بتلك الايام الماضية تحسنت صحة "إياد" كثيراً حتى صار يخطو بذاته دون الاعتماد على أحداً، حتى "فاطمة" استردت جزء كبير من عافيتها ولملم ذاك البعد الجسدي بينها وبين زوجها شتات الماضي، فكانت فرصة كبيرة للتقرب من بعضهما البعض، لذا عاد قلبها ليتقبله من جديد، عاد ليخفق رغبة بالتقرب منه، فما أن سمح بذلك حتى تقاربا، مزقوا صفحة الماضي المفجع ولم يبقى سوى سطور العشق الفارغة التي ملاها الشوق والحنين، سمحتله بالاقتراب ومنحته الفرصة، فعوضها عما فقدته من شغف اللقاء والقرب منه، جعلها تذوب بين أحضانة، تردد حبها علني مثلما يردده هو، حتى صار عالمهما واحد...
******************
حركت الطبيبة الجهاز على بطنها برفقٍ، فرأى "مراد" بوضوحٍ ما تحمله باحشائها، ابتسم بفرحةٍ وهو يتابع ويستمع لصوت نبضات القلب فشعر بأنه اتصل بقلبه، كالوريد، ضغط بأصابعه على يد "حنين" المتشبثة به، ليقبلها وهو يردد بعشقٍ:
_بأحبك...
بادلته الابتسامة ببسمة ترسمها بالكد وعينيها مليئة بالآف الكلمات، رأها مراد بوضوحٍ فأراد الخروج من هنا سريعاً ليعلم ما تود قوله، انتهت الطبيبة من اخبارهما بالارشادات اللازمة وضرورة تناولها الفيتامينات وغيرها من أكلات صحية مفيدة لها وللجنين، فخرجوا سوياً لينجرف "مراد" بالسيارة بمكانٍ هادئ أمام النيل، فاستدار بجسده تجاهها، ثم التقط يدها ليمرر أصابعه بحلقاتٍ دائرية قشعر جسدها لأجلها، فقال بصوته الرخيم:
_مالك، مش حاسس أنك مبسوطة ليه؟..
لازمت الصمت، فخمن هو سبب خوفها فرفع بيديه ذقنها وهو يناديها:
_"حنين"، بطلي تفكري في أني هبعد عنك والكلام ده، أنا جانبك ومعاكي لحد أخر نفس خارج مني..
ابتسمت وهي تتطلع له مطولاً، فمازحها قائلاً:
_حفظتي ملامحي ولا لسه؟!.
قالت باسمة:
_حفظتها من زمان بس ده ميمنعش احفظها تاني عشان اللي في بطني تيجي شكلك زي "مرين"..
قال بابتسامة حالمة وعينيها تجوب بطنها المنتفخة بعض الشيء:
_" مارال"، هنسميها كده..
ضيقت عينيها بذهولٍ:
_اسم غريب. معناه أيه؟!..
أجابها بعجرفةٍ:
_يعني الغزال، اسم جديد ومش منتشر وصاحبة الاسم بتتمتع بشخصية طيبة القلب وقوية، سريعة البديهة وذكية، بتحب الحياة الحرة بعيداً عن القيود..
أعجبت كثيراً بمعناه، فقالت:
_كل مرة بتختار اسم مميز عن اللي قبله..
احتضنها ثم استرخى بمقعد السيارة للخلف، فاغلق عينيه تأثراً بالهواء النقي الذي يلفح وجهه، بارتباكٍ نادته وكأن وقت الافصاح عما يجول بخاطرها قد حان فقالت:
_"مراد"..
أجابها بنعاسٍ:
_أممم..
قالت بتوترٍ ملحوظ:
_أنت مش زعلان اني هجبلك بنت لتاني مرة!..
فتح عينيه على مصراعيه بصدمةٍ من قولها لذلك، فابعدها عنه وهو يتطلع لها بحدةٍ اتبعته بلهجته الحازمة:
_أيه اللي بتقوليه ده يا "حنين"، أنا بجد مصدوم اني بسمع الكلام ده منك!!..
قالت بارتباكٍ وهي تنظر لذراعيه الموضوعة حول كتفيها:
_أنا فرحانة اني هخلف منك لتاني مرة ومش فارقة معايا بنت ولا ولد، بس أنا خايفة تكون انت زعلان يا" مراد".
أجابها بغضبٍ:
_بلاش هبل، أزعل ايه، أنا طاير من الفرحة ان هيجيلنا بنت، أنا فعلاً بعشق البنات ومؤمن أنهم لما يتربوا كويس بيبقوا أفضل من الولاد مية مرة، البنت ربنا بيخلقها وجواها حنان وحنية تكفي عالم بأكمله، ربنا انعم عليا بنعمتين ازاي ازعل!..
ابتسمت بفرحةٍ وراحة، فلفت يدها حول عنقه لتحتضنه بقوةٍ، رغم عصبيته الشديدة مما قالته الا انه لف يديه حولها ليبادلها الاحتضان، ومن ثم تطورت الامور بينهما ليغابى سوياً بلحظاتٍ سريعة اقتباسا بها رحيق الغرام المزروع بغصونٍ متشابكة..
***********
انقضت تلك المدة المحددة واتى اليوم المنشود، اقيمت حفلة استقبال لابن "رحيم زيدان" و"جان زيدان" بترتيبات من أرقى ما يكون، امتلأ القصر باكمله ببلايين ملونة باللونين اللبني والأبيض، وقفت الفتيات تعلقها بفرحة والاخريات يناولن أزواجهن الزينة، تعالت الموسيقى الخاصة بالاطفال الموليد بالقصر بأكمله، لتنتطلق الكاميرات بالتقاط الصور المميزة لعائلة "زيدان" باكملها، سلطت الكاميرات باكملها على الدرج المتوسط قصر "طلعت زيدان"، حيث هبطت" صباح"أولاً حاملة ابنها جان الصغير مرتدياً زي أبيض مثل باقي الاطفال بعد اتفاق صريح من الفتيات، ومن ثم هبطت "حنين" بفراشتها الصغيرة "مرين" التي ترتدي فستان أبيض كعروس تزف بليلة زفافها، ومن بعدهما هبطت "سلمى" بابنها "خالد"، لتلحق بها" شجن" بابنها "زين" ذاك الطفل الغامض ذو المصير المجهول..
هبطوا جميعاً ليشير لهما المصور بالالتفاف حول الاطفال بعدما وضعوهم على الطاولة بالغربال المزركش، انضم "رحيم" لمعشوقته ليطوفها بذراعيه ومن ثم التف حول الطاولة العملاقة، ومن خلفه "مراد" الذي يحمل صغيرته بين يديه وباليد الاخرى يحتضن حنين التي اشعلت شمعة كبيرة واخذت تلهو كالطفلة الصغيرة وهي تصرخ بمرح:
_حلقاتك برجالاتك يارب يعيش يارب يعيش..
تعالت ضحكات مراد وهو يراقبها بدون جدوى، فابتسم "رحيم" وهو يلتقط ابنه ليحمله بين ذراعيه ومن ثم قربه من محبوبته قائلاً بمكرٍ:
_عقبال ما نخويه ولا رأيك ايه؟!.
حدجته بنظرة نارية، فتعالت ضحكاته الرجولية باستمتاع لرؤية غضبها، احتضنت "شجن" اخيها قائلة بتذمرٍ:
_جاي متاخر ليه يا يوسف..
اجابها وهو يخرج السلسال الجلدي الذي يحمل اسم المولود ليضعه حول رقبته:
_الطريق كان زحمة وواقف بس ولا يهمني في الاخر جينا..
تعالت الضحكات بينهما، فسلمت عليها نغم ثم انضمت ليوسف، فاقترب منهما "فارس" و"مروان" لينولهم مروان شمعة، ثم اشعلها فارس بالقداحة مشيراً لهما بمرح:
_اللي يدخل من الباب ده يولع شمعة ويلف لفتين، يلا يا حلوة منك ليه..
اشار لهما يوسف:
_كده، ماشي يا عيل منك له..
لحق يوسف بمراد ورحيم، فراقب مروان الباب، ليشير لرفيقه:
_المتر شرف أهو..
اشار بيديه بحماس:
_فرجت اوي..
اقترب منهما "يامن"، فناولوه الشموع هو وفاطمة، ومن ثم دفعوهم على الطاولة، كانت الضحكات مسيطرة على العائلة باكملها مما يفعلوه مروان وفارس من مشاكسات منحت للاجواء رونقاً، ابتعد" فارس" ليجد جان يقف بالخارج يتبادل المباركات والتهنئة من اصدقائه فجذبه للداخل بقوة، ثم دفعه على قارس قائلاً بسخرية:
_لقيت ده بره، ولعله وخليه يدور..
تحرك فكيه ناطقاً بعصبية:
_يولع لمين ده انتوا ليلتكم سودة..
اتى "ريان" من خلفه ليلتقط شمعه من اخيه وهو يوجه حديثه لجان المتعصب بابتسامة واسعة:
_ولع ولف وفكها يابو العريس ده الليلة هنهيص مش كده ولا ايه يا شباب..
تعالت الصيحات فيما بينهما فاتى آدم من خلفه ليلتقط الشمعة هو الاخر، قائلاً بسخرية:
_فنولع ونلف ونغني كمان ويارب يـــا ربنا يكبر ويبقى ادنا ويجي يعيش وسطنا وسط الحبايب..
تعالت ضحكات جان، فقال وهو يراقب آدم الذي التقط يد سما ليدور بهما من خلفهم:
_عوض عليا عوض الصابرين ياررب..
_جان مش هتلف معايا ولا ايه!!.
كلمات متذمرة قالتلها "سلمى" فتبددت بسمته، ليغمز له ريان بمرحٍ وبكلماته المعتادة فيما بينهما:
_البس عشان خارجين..
امسك يدها وهو يجيبها بابتسامة واسعة:
_نلف منلفش ليه..
أتت سارة هي الاخرى وهي تخبر مروان بتذمر:
_هو الشمع ليكم انتوا بس ولا ايه!..
منحها مروان شمعة وهو يجيبها بمشاكسة:
_حد يقدر على زعلكم، خدوا كل الشموع المهم انكم تفرفشوا لنتدشدش أحنا..
أشار له يامن بغمزة ساخرة:
_كده فهمت الكار..
صعق فارس حينما وجد سليم يقف من امامهم، فوضع القداحة من يديه على الطاولة، ثم تطلع له فوجده يتطلع لما يحمله مروان، فاسرع اليه لينتشل منه الشموع ثم وضعها جوار القداحة وهو يضيف بخوف مصطنع:
_احنا كبار على الحاجات دي متعصبش نفسك يابو نسب..
فاسرع تجاه منة ليحملها بين ذراعيه ويدور بها حول الطاولة فكاد ان يسقط بها مراراً وسط ضحكات الشباب والفتيات، ابتسم "سليم" وهو يلتقط الشموع والقداحة بغرور، ليتجه لريم الغاضبة ثم قدم لها ما بحوزته قائلاً بتعجرف:
_شوفتي السيطرة جبتلك كل اللي معاهم..
تبدل حزنها لسعادة فاشعلتهما ثم اخذت تدندن مع الاغاني فالتفوا جميعاً من حول الطاولة بفرحة غمرت القلوب قبل ان تمس الوجوه..
اعلى الدرج وقف "طلعت زيدان" يوزع نظراته بين الوجوه، ابنائه وابناء أخواته بفرحة، عاش عمراً ليختبر تلك السعادة التي غمرت الجميع بوحدتهم، ولجواره "نجلاء" التي تربت على كتفيه كالحصن القوي، قبل يدها وضمها لصدره ليقفوا بالاعلى يرقبون حماس الشباب وفرحتهم المتبادلة بين الوجوه بأكملها، ليته تمكن من اصلاح ما اتلفه أبيه، وان كان متاخراً ولكنه بالنهاية تمكن من ذلك.....
تمكن من زرع الوحدة بين ال عائلة "زيــــــدان" !..
................ تمت بحمد الله............
٩/١١/٢٠٢١م.....
#الجوكر_والاسطورة...
ختمنا السلسلة بفضل الله وبعد تعب عام ونصف، بتمنى من حضراتكم تشاركوني برأيكم بريفيو او كومنتس، وان شاء الله الخاتمة هتنزل كمان ساعة هتكون عبارة عن مشهد ختامي خاص بالرواية المنفردة اللي هتكون خاصة ببنات مراد وابن رحيم والبطل الغامض اللي هيظهر بالخاتمة، وان شاء الله هشوفكم بكره في لايف على البيدج الساعة٤عصراً هرد فيه على كل اسئلتكم المتعلقة بالسلسلة، بتمنى من اي قارئ بيتابع بصمت انه يتفاعل على الفصل الاخير ويحط رأيه لانه يهمني، وبالنهاية بشكركم على سعة صدركم بتحملكم ليا على تاخيري والظروف اللي وجهتني اكتر من مرة وانتوا تحملتوني والنهاردة اقدر اقولكم بكل محبة تمت بحمد الله عند ١٠٠فصل...
دمتم بسعادة من الرحمن..
#Aya.. 💙
*******______*********
الجوكر و الأسطورة.. 5.. متى يهتدي الوصال ؟ ... آية محمد رفعت الفصل العشرون 20 - بقلم آية محمد رفعت
«الخاتمة»..
#الجوكر_والاسطورة5...
#واهتدى_الوصال!..
#المشهد_الختامي...
الأيام تمر والعمر لا يتوقف محله، بل يتبعها كالظل، خمسة عشر عاماً مرت عليهم بطوفان من العشق، كلما مرت الايام بينهما كبر وتعمق حتى أصبح متين للغاية، فالعلاقات تتمثل باكثر من نوع والعلاقة التي جمعت الجوكر بزوجته والاسطورة بزوجته عشقٍ خالد، يبقى حتى الرمق الاخير، الاحترام والمحبة لا تكفي لعيش حياة نبيلة بين أي زوجين، بل الحب... العشق النابع من الوجدان، فحينما ستواجه تلك العلاقة اختباراً عصيب لن تكفي المحبة للخروج منه سالماً، بل ان كان ولد بين الطرفين حباً صادقاً ستتبخر العواقب وستزول للأبد خشية من رابط متين مثل ذلك، خمسة عشر عاماً كانت بمثابة عقد من العهود التي تحقق بعضها والاخرى في طريقها...
عودة لذلك اليوم الذي قرر فيه الصديق الوفي دعوة الجوكر والاسطورة لقضاء يوم مميز بعيداً عن ضجة المدينة، لذا استعدت العائلة لقضاء يوم العطلة بمدينة الاسكندرية، استقل كلاً من "مراد" و"رحيم" السيارات ليتوجه سوياً بصحبة زوجاتهم وابنائهم للمكان المنشود، وبعد ساعات مطولة وصلوا أخيراً للموقع المنشود، هبط "رحيم" من سيارته ليفتح بابها لتلحقه "شجن" بابتسامتها الرقيقة، تمسكت بيديه وهي تتجه للجهة المقبلة..
فُتح باب السيارة المجاور لمقعد "رحيم" ليهبط هذا الولد البالغ من العمر الخامسة عشر من عمره، عينيه الزيتونية تنقل صورة مطابقة لابيه، ثباته الغريب وهدوئه رغم صغر سنه كان مستريب للبعض، انضم لابيه وهو يبادله تلك النظرات المتعصبة، الجسد ساكن ولكن نظرات أعيناهما كانت تنص على حرباً متبادلة بين كلاً منهما، ابتسمت "شجن" وراحت تلطف الاجواء قائلة بمرحٍ:
_خلاص يا "زين" بالنهاية جينا والموضوع خلص، أنا مش عارفة أنت ليه مش مبسوط بالسفر والخروج عايز تقعد بالقصر ليل نهار!..
أجابها ذاك الطفل ونظرات تحديه تخترق ابيه:
_أنا مش بحب أن بابا يفرض عليا حاجة أنا مش عايزها، أنا مكنتش حابب أخرج في ال week end كنت عايز أتدرب علشان البطولة!..
حدجه "رحيم" بنظرةٍ مغتاظة، فاشاح بنظراته عنه ليتطلع لشجن بنظرة ذات مغزى انهاها بكلماتٍ مختصرة:
_أنا متمالك اعصابي لاخر لحظة..
وضعت يدها بمنتصف خصرها وهي تجيبه باستنكارٍ:
_زعلان ليه مهو طالعلك!..
أفرغ الهواء الثقيل القابع داخل رئتيه وهو يردد بصوتٍ خافت:
_مهو المصيبة انه شبهي..
انقطعت الهمسات بينهما حينما اوقف "مراد" سيارته بمحاذاة سيارة "رحيم"، فهبط ليفتح الباب الخلفي لبناته وزوجته، هبطت" حنين" لتنضم سريعاً لرفيقتها فقالت بابتسامة مشاكسة:
_وحشتيني الشوية دول..
تعالت ضحكاتها وهي تجيبها بمكر:
_أمال مين اللي كانت صدعاني على الواتساب من ساعتها امي!..
اجابتها ساخرةٍ:
_الله يرحمها هتقلقيها من مكانها لسه سبيها في حالها..
اشارت لها "شجن" لتتنحى جانباً حتى تمر "مرين"، فوقفت جوارها، لفت"أشجان" يدها حول كتفيها وهي تخبرها بابتسامة صافية:
_مالك يا حبيبتي زعلانه ليه كده..
أجابتها "مرين" بملل:
_أكيد حضرتك عارفة ان انا وزين عندنا بطولة والمفروض نستغل الوقت ده بالتدريب..
زفرت "حنين" بتعصب:
_يادي ام التدريب يا بنتي ارحميني وعيشي سنك بقا، انتي بنت يا ماما مش شاب، الله يسامح اللي كانوا السبب في فساد عقولكم ده انا بقيت اخاف أكلم حد فيكم لاخد روسية ولا لكمية حايرة طايرة..
قالت شجن بضجر من الاسطوانة المتكررة شبه يومية:
_ما خلاص يا حنين مش حوار هو..
ردت عليها باستياءٍ:
_بحاول افهمها انها بنت مش قادرة تفهمني، على طول بلاقيها مع زين بتدرب على ايه معرفش ما أختها أهي ملهاش بكل القرف ده ومركزة بمذكرتها أكتر..
أجابتها "مرين" بهدوءٍ:
_"مارال" عايزة تبقى دكتورة فليها الحرية تختار وانا كمان ليا الحرية في الاختيار ومش قادرة اشوف نفسي غير ظابط شرطة ثم أن بنتك اللي فرحانة بيها دي لولا تعليمي الملاكمة وفنون القتال مكنتش قدرت ادافع عنها بالمدرسة ومتقوليش لاني الكبيرة لا ده بفضل تدريب أنكل "رحيم" اللي مش عجباكي..
ابتسم "مراد" وهو يستمع للحوار المتبادل بين زوجته وابنته العنيدة الشبيهة له، فقال بحزمٍ:
_احنا مش جاين نحل مشاكلنا هنا، جاين ننبسط ونغير جو...
وأشار لهما بهبوط ذاك الدرج فهبطوا جميعاً، وظلت تلك الفتاة تترقبهم باهتمامٍ حتى ابتعدوا عن مرمى بصرها، فأسرعت بخطواتها المتعثرة حتى وصلت لمن يتعمد التباطؤ بخطاه حتى تتمكن من الوصول اليه، نادته "مارال" بانفاسٍ لاهثة:
_"زين"..
تصنع انشغاله بارتداء حقيبة الكتف السوداء، فخطت لجواره وهي تخبره بصوتها المتقطع:
_انت مش بترد عليا ليه من امبارح، ودلوقتي مش بترد عليا برضه..
قال وعينيه الثاقبة مسلطة على الطريق من امامه وكأنه لا يرأها:
_ومش هرد..
قالت بحيرةٍ:
_طيب ليه!..
وقف محله ليستدير بجسده تجاهها، قائلاً بغضبٍ:
_ابقي اسألي نفسك أو أقولك لما تفضي بعد ما تخلصي الHome work بتاع الاستاذ "خالد" تبقي تفكري..
لمعت الدموع بعينيها فقالت بحزنٍ:
_انت زعلان مني علشان بكتبله وجباته..
حدجها بنظرةٍ قاتمة وهو يستكمل طريقه قائلاً بغضبٍ مكبوت:
_هزعل ليه انتي خايفة عليه علشان كده بتساعديه..
قالت ببكاءٍ حارق:
_لا مش خايفة عليه انا خايفة منه..
عند تلك الكلمة الاخيرة توقف عن المضي قدماً، ووقف في قبالتها، فاستطردت بدموعٍ غزيرة:
_لو مكتبتلوش الواجب قالي انه هيضربني..
غلت الدماء بعروقه فاندفع قائلاً بشراسةٍ:
_هو قالك كده، بس اما نرجع وربنا لشقه نصين...
ثم تطلع لها ليخبرها بغضبٍ:
_وانتي مقولتليش كده ليه، وتخافي منه بتاع أيه ده، بيستغلك وأنتي قابله بده..
فركت أصابعها بخوفٍ وهي تردد بيأسٍ:
_هعمل ايه بس!..
أجابها بصرامةٍ:
_متعمليش أنا اللي هعمل، مش فايدة فيكي هتفضلي طيبة وهبلة والكل بيستغلك..
انسدلت دمعاتها لوصفه السييء لها، تعلم بأنه يحبها ولكنه حينما يغضب يصبح مندفعاً للغاية، تركته "مارال" ولحقت بالجميع، فجز على اسنانه بغضبٍ مما تفوه به، اتابعها على امل أن يلحق بها ولكنها كانت قد تخطو لجوار ابيها..
اعتدل ذاك الغربب بوقفته حينما اقتربوا منه، فرفع يديه بيصافح "رحيم" ليحيه بابتسامة ساحرة:
_الاسطورة، وحشنا يا عمهم..
صافحه رحيم وهو يجيبه ببسمة زادت من رجولته:
_وأنت كمان ليك وحشة يا وحش..
ابتسم "عدي" على أثر كلماته الاخيرة، فبادل السلام الحار مع الجوكر قائلاً بمزح:
_رجعت لهيبتك برضه بعد الهيروين..
تعالت ضحكاته حينما تذكر ذاك الحادث الاليم الذي كان عدي احد أسباب نجاته من قبل، فقال بغموضٍ:
_طول عمرنا هيبتنا سابقنا..
ابتسم وهو يشير اليهم بالولوج للداخل، فوجدوا طاولة ضخمة اعدها الخدم خصيصاً لاستقبالهم، ولجوارهم شواية ضخمة توضع فوقها اللحوم، جلسوا جميعاً على الطاولة، فعلى صوت "عدي" منادياً:
_"رحمـة"..
خرجت على صوته المنادي، فأشار لها باهتمامٍ:
_دول يا ستي "رحيم" و"مراد" اللي كنت بكلمك عليهم..
ابتسمت وهي تحيهم وعينيها موضوعة أرضاً باحترامٍ، فبادلوها تلك الابتسامة العملية، أشار "عدي" للخلف قائلاً:
_ودول مرتاتهم "شجن" و"حنين"..
اتسعت بسمتها وهي تتعرف عليهم، وان كان طباع شجن قريب منها الا انها احبت كلياهما للغاية، فجلسنا بعيداً عن طاولة الرجال ليتبادلن الحديث المرح فيما بينهما، فتعرفنا ببعضهن البعض حتى الارقام تبادلوها...
بعيداً عنهما..
خطت بملل بتلك البقعة التي تحدها الحشائش الخضراء، عينيها تغلق باسترخاء وكأنها تود التمدد على بساط الرياح المرئي، انتبهت "مرين" لصوت ضربات حادة تأتي من الجهة المعاكسة اليها، فاتبعت الصوت، لتجد من أمامها لوحة حديدية عملاقة ومن مقابلها يقف ذاك الفتى ذو البنية القوية، يصوب سهامه فتخترق قلب اللوح باجتيازٍ، راقبته لدقائقٍ متتالية باهتمامٍ، فكادت بالعودة لابيها الا انها توقفت محلها حينما سمعته يردد دون التطلع لها:
_غريب انك سايبة العاب البنات وواقفة تراقبيني..
استدارت "مرين" لتقف مقابله بنظراتٍ قاتمة اتبعها قولها الساخر:
_هو كل العاب الاولاد متنفعش البنات ولا أيه؟!..
ابتسم "ياسين" ساخراً من ذاك التحد الجريء، فناولها القوس والسهام بنظراتٍ مرحبة، التقطته منه "مرين" بقوةٍ فغرست بيدها سهامين حدا بعضهما البعض، ثم ركزت عينيها الزرقاء تجاه هدفها، وبسرعة واضحة اطلقتهما لتخترقان قلب اللوح، ابتسم "ياسين" باعجابٍ، فقال بثباتٍ ونظرات اعجاب واضحة:
_ابهرتيني، رغم ان شكلك ميبنش انك عندك خبرة ابداً..
وضعت السهام بين يديه وهي تجيبه ببسمة سمجة:
_ولا شكلك يبين ده..
وتركته ورحلت من أمام عينيه والاخر يتابعها بشبح ابتسامة ماكرة تظهر على محياه، فابنة رفيق ابيه التي يراها كل عام تقريباً تجعله بحيرةٍ من امرها، فتلك المرة الاولى التي يصطحب بها "مراد" ورحيم زوجاتهم ولكن الابناء اتوا لذاك المكان أكثر من مرة، غادرت من أمام عينيه والاخر يلهو بسهامه وعينيه البنية تراقب خطاها التي تبتعد عنه رويداً رويداً..
***********
وجدها تجلس على الارجيحة والحزن ينطبق على قسمات وجهها، مستندة برأسها على طرفها، خلع "زين" حقيبته ثم وضعها على قدميه بعدما جلس لجوارها، فأخرج من حقيبته غزل البنات الذي يحتفظ به بحقيبته على الدوام لاجلها، رغم ما تلاقاه من سخرية صريحة من ابيه وعمه كونه شبيه أبيه بجلب هذا النوع من الرشوة لمصالحتها كما كان يفعل ابيه الا انه تحداهم وظل يجلبه اليها في سبيل رؤية بسمتها، وضعه "زين" على قدميها، ثم استقام بجلسته، وزعت نظراتها بينه وبين ما تحمله قدميها، ففتحت الكيس لتتناوله بصمتٍ رغم عينيها التي تلمع بالدموع، مزق صفحة الصمت أخيراً وهو يخبرها بنبرتة المتعصبة:
_متقلقيش أنا هربيه لما نرجع هخليه يقول المرادي حقي برقبتي..
قالت بطفولية اتبعها خوفاً طفيف:
_بس أنكل رحيم هيرجع يعاقبك تاني..
أتاها رده حاضراً:
_وفيها ايه هتعاقب بس بعد ما اكون سويته على الجانبين علشان يحرم يستغلك تاني..
ثم قال بعدما التقط انفاسه المنفعلة:
_متزعليش مني انا كنت مندفع وانا بتكلم معاكي، أنا بس مش بحب حد يستغلك ويستغل طيبتك..
ردت عليه بحزنٍ:
_مش زعلانه انا عارفة اني فعلاً هبلة..
وضع يديه لجوارها كأنه يلامس يدها ، فرغم كونه فتى لا يتعدى السادسة عشر عاماً الا ان شجن قد زرعت به العديد من الخصال الطيبة وأهمهم الحفاظ على مسافة امنة بينه وبين اي فتاة، فقال ببسمة قليلاً ما تزور وجهه الصارم:
_في فرق بين الهبل والطيبة، وبعدين الطيبة دي هي اللي مخلياني أحبك..
ابتسمت بخجل واخذت تتناول الحلوى بصمت والابتسامة لا تفارق محياها..
*************
تعالت ضحكاتهم الرجولية فقال "مراد":
_المهمات عمرها ما هتخلص ولا الشر والجريمة هتنتهي..
" عدي" ببسمة واسعة:
_عندك حق، بس طول ما في ظباط كفء زيكم طول ما المجرم هيعمل الف حساب وحساب لابعاد الجريمة اللي بيحضرلها..
وضع رحيم الكأس عن يديه وهو يشير له باعجابٍ:
_انا معاك يا عدي، فعلا الظابط المخلص لبلده مش المجرم بس اللي بيعمله حساب الكل...
شتت انتبه "عدي" ما يراه، فصفن بعيداً، انتبهوا لما يتطلع اليه، ليجدوا ابن "عدي" يقف مقابل ابنة مراد...
***********
كادت بالرحيل فلحق بها، ليقف قبالتها قائلاً بثبات:
_لسه كلامنا مخلصش..
وقفت قبالته وهي تجيبه بنفس الثبات والنظرات القاتمة:
_بس بالنسبالي انتهى!..
اخرج "ياسين" من جيب بنطاله الاسود، مسدس أسود اللون يبدو انه باهظ الشكل، ولكن نظراته المتعلقة به ابدت لمرين مدى تعلقه به، فقال وعينيه مثبتة عليه:
_ده اول هدية أخدها من جدي "ياسين الجارحي" ، ومن يومها وانا محتفظ بيها لحد ما ادخل كلية الشرطة واحقق حلمه وحلمي..
ثم تطلع لها قائلاً بابتسامة صافية:
_يعني تقدري تقولي هدية غالية عليا..
ضيقت عينيها بعدم فهم، وخاصة حينما ناولها اياه قائلاً بغموضٍ:
_خديه هدية مني ليكي..
ثم استطرد بكلماتٍ بطيئة:
_اعتبريه هدية انتصارك بالتحدي اللي كان بينا من شوية..
التقطته منه مرين بارتباك غريب يهاجمها، فمنحته نظرة مطولة قبل ان تبتعد عن مرمي بصره..
كل ذلك وعدي يراقبه بفم يكاد يصل للارض، فهزه رحيم بعنف وهو يتساءل باستغراب:
_أيه يا ابني روحت فين؟..
أشار عدي بيديه على ابنه وهو يردد بصدمة وعدم تصديق:
_الحيوان ده عمره ما ادى لحد حاجة تخصه!..
نقلت النظرات لمراد الذي التهبت عينيه وهو يوزع نظراته المحتقنة بين ابن "عدي" الذي يراقب ابنته، وبين ابن "رحيم" الجالس لجوار ابنته الاخرى!...
........... يتبع................
سلسلة الجوكر والاسطورة خلصت بشكل نهائي، ده مشهد غامض لرواية منفردة هتكون خاصة باربعة ابطال (ياسين، زين، مرين، مارال) ، وان يكن هيكون في ظهور خاص لشخصيات رحيم زيدان، مراد زيدان، عدي الجارحي، بقول تاني الرواية مش هتكون جزء سادس لسلسلة السلسلة انتهت بشكل كلي دي رواية منفصلة هتنزل بعد سنة او أكتر بعد ان اوفي بكل التزماتي (الدهاشنة٢،الجارحي٥، الرجل المقنع، وفي روايات جديدة برضه)...
كده نكون ختمنا السلسلة بفضل الله، استودعكم الله ونلتقي بعمل جديد ان شاء الله الدهاشنة ٢(صراع السلطة والكبرياء) وده طبعا بعد الاجازة المعتادة بين كل رواية والتانية فان شاء الله نرجع قريب نستكمل النشر على البيدج مع العمل الصعيدي القادم ولقائنا بكره في اللايف اللي هيكون على البيدج الساعة ٤عصراً جهزوا كل الاسئلة اللي انتوا حابين تسئلوها، دمتم بمحبة من الرحمن.
#Aya.... 💙
*****____******