رواية القلم الجزء الثاني 2 بقلم محمد منصور القلمرواية القلم الحلقة الثانية وفجأة ظهر قدام ورد قلم غريب الشكل، جسمه أسود كأنه مصنوع من ظلام الليل، ورأسه مدببة وذهبية بتلمع لمعان يخطف الأبصار. بصت له ورد بإعجاب شديد، وحست كأن فيه قوة خفية بتشدها ناحيته. مدت إيدها علشان تمسكه… وفي اللحظة اللي صوابعها قربت منه، حصل شيء مرعب!
القلم ارتجف في الهواء، وتحول فجأة لسيف طويل حاد، نصله أسود زي الموت، واندفع ناحية إيد ورد بسرعة رهيبة كأنه مستني اللحظة دي من سنين علشان يقطعها. صرخت ورد بفزع ورجعت لورا وهي مرعوبة. وفي نفس اللحظة صاح غراب بصوت قوي هز أركان الكهف: –قف! فتجمد السيف في مكانه، وبعدها بلحظة رجع يتحول لقلم تاني وكأن اللي حصل ما كانش حقيقي. بص لها غراب بغضب وقال: –مين قال لك تمدي إيدك ناحية القلم؟ كانت ورد لسه وشها شاحب من الرعب،
وقالت بصوت مرتعش: –القلم شكله عجبني… ولقيت نفسي بمد إيدي من غير ما أحس. حسيت إني عايزة أمتلكه. ضحك غراب ضحكة غامضة وقال: –نفس اللي عمله ابني. اتمنى يمتلك القلم مع إنه مش من حقه. القلم ده يا ورد ملك ليا أنا وبس، وأنا الوحيد اللي من حقي أختار مين يمتلكه بعد موتي. ورد بفضول: –هو القلم ممكن يبقى ملك لحد غيرك؟ غراب: –يوم ما روحي تفارق جسدي، القلم يبقى ملك للشخص اللي أختاره أنا. ورد وهي بتبص للقلم بحذر:
–تعرف إني اتشوّقت أعرف حكايته؟ وإيه السحر اللي فيه؟ ضحك غراب وقال: –الفضول… من أكتر الصفات اللي ربنا حطها في النساء. ورد وهي بتحاول تداري فضولها: –لو مش عايز تحكي بلاش. ابتسم غراب وقال: –من قلبك؟ ضحكت ورد وقالت: –بصراحة؟ لا. احكي يا عم غراب. غراب: –طيب كملي أكلك وأنا هاحكيلك الحكاية. حطت ورد لقمة في بقها وقالت بسرعة: –ياريت. تنهد غراب، وبص للنار المشتعلة قدامه، وكأن الذكريات المؤلمة رجعت تطارده من جديد. وقال:
–الحكاية بدأت يوم ما سيبت بلادي وأهلي وهربت أنا وزوجتي من الوزير الظالم قاسم، وزير بلاد فارس اللي كان بيحكمها الملك كاهل. سكت لحظة، ثم أكمل: –هربت لأن بنت الوزير ماتت بين إيديا وأنا بعالجها من مرض السل. ورد باستغراب: –إنت طبيب يا عم غراب؟ غراب: –أيوه… أنا طبيب. ثم أكمل حكايته:
–وبعد ما وصلت لمملكة الملك غيور، عشت أنا وزوجتي زمردة في بيت صغير، وقررت أسيب الطب نهائي، خصوصًا بعد موت بنت الوزير بين إيديا. لكن الأيام ما سابتنيش في حالي. خفض رأسه وقال بحزن: –أصيبت زمردة بالسل… وكانت حامل في ابني جعفر. رجعت للطب من تاني، وبدأت أدوّر في الكتب القديمة والمخطوطات لحد ما لقيت إشارة لزهرة نادرة اسمها “زهرة الحسن”، موجودة في بلاد الصين، وقيل إن فيها علاج للسل.
سافرت شهور طويلة بين الجبال والبحار والصحاري. ولما رجعت… رجعت وأنا فرحان، فاكر إني هأنقذ مراتي وابني. لكن أول ما فتحت باب البيت… لقيتها على فراش الموت. وجنبها طفل رضيع… جعفر. جريت عليها وضمّيت ابني لصدري وأنا ببكي. فمدت إيديها المرتعشة ومسحت دموعي وقالت بصعوبة: –أنا ما استاهلش دموعك دي يا غراب… أنا خنتك. اتصدمت. حسيت الدنيا كلها بتنهار فوق دماغي. مسكتها من كتفيها وأنا بترعش وقلت: –ليه؟! ليه عملتي كده؟!
ده أنا كنت في آخر الدنيا علشان أجيب لك العلاج! قالت وهي بتلفظ أنفاسها الأخيرة: –اتأخرت عليا… افتكرت إنك هربت مني ومن مرضي. وفي غيابك ظهر إقبال السقا… دخل حياتي… وضعفت. ثم أجهشت بالبكاء وقالت: –سامحني يا غراب… وخرجت روحها. ساعتها نار الغضب عمت عيني. حلفت إني أقتل إقبال. خرجت أجري زي المجنون لحد ما وصلت بيته. لكن أول ما دخلت… لقيته مرمي على السرير بين الحياة والموت. ومن أول نظرة عرفت إنه مصاب بالسل.
كان المرض بينهش جسده زي ما نهش جسد زمردة. وقفت فوق راسه وأنا رايح أقتله… لكن الطبيب اللي جوايا غلب الرجل المجروح. وبدل ما أغرس السكين في صدره… سقيته جرعة العلاج. وبفضل الله شُفي. ورد سابت الأكل من إيديها وقالت بصدمة: –يعني عالجت الراجل اللي خانك في مراتك؟! غراب بهدوء: –يا بنتي… أنا طبيب. ما قدرتش أشوف مريض قدامي وعلاجه في إيدي وأسيبه يموت. ورد: –كان لازم تسيبه يموت. هز غراب رأسه وقال بحسرة: –لا… هو ما خاننيش.
اللي خانتني كانت زمردة. ثم تنهد وقال: –وهي دلوقتي بين إيدين ربنا… هو وحده اللي يقدر يسامح أو يعاقب. ورد: –وإنت سامحتها؟ ابتسم ابتسامة مكسورة وقال: –ربنا يسامحنا كلنا. ثم أكمل: –بعد شهر من موتها بدأت تحصل حاجات غريبة في البيت. أصوات في نص الليل. ظلال بتمشي لوحدها. وأبواب بتتفتح وتقفل من غير ما حد يلمسها. وفي ليلة… ظهر قدامي ملك من ملوك الجن. ارتعشت ورد وهي تسمع كلامه. فأكمل: –وعرفت منه إن إقبال ما كانش إنسي أصلًا.
كان جني. قال لي إن ابنه حب زمردة، فاتشكل في صورة إنسان علشان يوصل لها. ثم قال لي: “في مملكة الجن، الجني اللي يتزوج إنسية يفقد مكانته بين قومه ويُطرد من عالم الجن.” وأضاف: “أنت أنقذت حياة ابني، وأنا جاي أكافئك.” وفجأة ظهر في إيده قلم… نفس القلم اللي شوفتيه. وقال لي: “القلم ده في خدمتك. أي شيء تتمناه أو تكتبه به يتحقق فورًا.” في البداية افتكرت إن السعادة أخيرًا جت لحد عندي. لكن الحقيقة…
إن القلم كان لعنة متخفية في هيئة هدية. سنين طويلة والقلم معايا. لكنه ما جابليش السعادة. بالعكس… كان السبب في خراب حياتي. جعفر ابني اتعلق بالقلم تعلق المرض بصاحبه. ولما كبر، اتعلم السحر الأسود. وبقى عايز يستخدم القلم في نشر الحروب والدمار بين الممالك علشان يجمع الذهب والماس ويشتري ولاء الملوك. ولما رفضت أسلمه القلم… فقع عيني. وقطع رجلي. وسابني بين الحياة والموت. ثم قبض غراب على عصاه بقوة، واشتعلت النار
في عينيه الغائرتين وقال: –لكن طول ما فيا نفس بيتردد في صدري… جعفر عمره ما هيمسك القلم. وعمره ما هيستخدمه في الشر. ورد وهي تنظر إليه باستغراب: –طيب وإيه حكاية إنك تشوف أي طفل وما تسمعش صوته؟ سكت غراب لحظات، واتغيرت ملامح وشه، وكأن ذكرى قديمة مؤلمة رجعت تطارده من جديد. ثم قال بصوت مكسور: –قبل ما زمردة تخلف جعفر… كانت خلفت بنت. وبمجرد ما نطق الجملة، حسّت ورد بقشعريرة سرت في جسمها. أكمل غراب وهو مطأطئ رأسه:
–وقتها كان الشيطان مالي قلبي. كنت رافض يبقى في نسلي بنت. ولما اتولدت… خدت الطفلة من أمها. اتسعت عينا ورد من الرعب. فأكمل بصوت مرتعش: –دفنتها… وهي حية. شهقت ورد وهي تضع يدها على فمها. أما غراب فكانت الدموع تلمع في عينيه المفقوعتين. –فضلت بنتي تصرخ وتعيط وأنا بردم عليها التراب بإيديا. وكل ما صوتها يضعف كنت أكمل دفن… لحد ما سكت صوتها خالص. وساد صمت مخيف داخل الكهف. حتى النار المشتعلة بدت كأنها خافت من بشاعة ما سمعته.
وقال غراب: –ومن يومها ربنا عاقبني عقاب ما كنتش أتخيله. بقيت أشوف الأطفال مهما كانوا بعيدين عني… حتى وأنا أعمى. لكن… عمري ما بقيت أسمع صوت أي طفل. لا ضحكهم… ولا بكاهم… ولا صراخهم. وكأن آخر صوت طفل سمعته في حياتي كان صوت بنتي وهي بتموت تحت التراب. انهمرت دمعة على خد ورد دون أن تشعر. أما غراب فأكمل بحزن:
–صدقيني يا ورد… بعد اللي حصل اتغيرت. بقيت إنسان تاني. ولما عرفت إن زمردة حامل مرة تانية، فضلت أدعي ليل ونهار إنها تكون بنت علشان أكفر عن ذنبي. تنهد بحرقة وقال: –لكن ربنا أراد يكمل عقابه ليا… ووهبني جعفر. وسكت لحظة قبل أن يكمل: –جعفر اللي طلع قلبه أسود من الليل. إنسان ما يعرفش الرحمة ولا الشفقة. وأنا عارف من زمان إن نهايتي هتكون على إيده. ثم أشار إلى ساقه المقطوعة وقال: –وأهو… قطع رجلي من غير ما يرف له جفن. قالت ورد:
–طيب ليه ما خلتش القلم يهربك قبل ما يعمل فيك كده؟ قال غراب: –لأنه غدر بيا وأنا فاقد الوعي. ولما فوقت لقيت نفسي بين الحياة والموت. وقتها استخدمت القلم وهربت بعيد قبل ما يرجع يكمل عليا. نظر إلى ظلام الكهف وقال: –ومن ساعتها وأنا مستخبي هنا بقالى سنين. جعفر قلب الدنيا كلها علشان يوصل لي… لكنه لحد النهارده فشل. ورد هزت رأسها وقالت: –حكايتك غريبة قوي يا عم غراب. ضحك غراب ضحكة حزينة وقال:
–مش أغرب من الدنيا اللي إحنا عايشين فيها. ثم نظر إليها وسأل: –وانتي بقى… إيه حكايتك؟ نظرت ورد إلى حسان الذي نام بعدما شبع، فوضعته بجوارها برفق، ثم رفعت عينيها ناحية غراب وبدأت تحكي حكايتها… —وفي نفس الوقت… أمام بيت مهجور على أطراف المملكة. كان البيت واقف وسط الخراب كأنه قبر ضخم نسيه الزمن. النوافذ مكسورة. والجدران متشققة. والظلام يخرج من داخله كأنه دخان أسود. وقفت وعد أمام الباب الخشبي العفن. ودفعته ببطء.
فأصدر صريرًا حادًا أشبه بصراخ روح معذبة. دخلت وهي ترتجف، ثم نادت: –سيدي جعفر… سيدي جعفر… وفجأة… ظهر جعفر أمامها من قلب الظلام. كأنه خرج من العدم. فشهقت وعد وتراجعت خطوة للخلف. أما جعفر فكان واقفًا بثوبه الأسود، وعيناه تلمعان ببريق مرعب. وقال بصوت بارد كالموت: –من أنتِ؟ انحنت وعد بسرعة وقالت: –سيدي جعفر… جاية لك وطالبة أبقى خدامة تحت رجليك. ظل يحدق في عينيها للحظات طويلة حتى شعرت أن روحها بتتسحب من جسدها. ثم قال:
–وكل ده ليه؟ ارتسمت على وجه وعد نظرة حقد وقالت: –عشان تجيب لي حقي من أختي اللي ظلمتني وكانت السبب في خروجي من قصر الملك غيور. قال جعفر: –وأختك ليه تعمل فيكي كده؟ قالت وعد والشر يملأ صوتها: –لأنها بتكرهني. تصدق يا سيدي جعفر؟ كانت بتمنع الملك غيور حتى يبص لي أو يقرب مني رغم إني من جواريه. ابتسم جعفر ابتسامة خبيثة وقال: –وانتي عايزاني أعمل فيها إيه بالظبط؟ اقتربت وعد وقالت:
–عايزة بالسحر الأسود تحرمنيها من ابنها… وتخليه تابع ليا أنا. عمره ما يحبها، ويعيش متعلق ببنتي طول عمره. ابتسم جعفر ابتسامة شيطانية وقال: –لكن ده هيكلفك كتير. فأسرعت وعد وأخرجت من بين ملابسها أكياسًا مليئة باللؤلؤ والمرجان. وانسكبت الجواهر على الأرض كأنها كنز. وقالت: –معايا أكتر مما تتخيل. خرجت بيهم من قصر الملك غيور. نظر جعفر إلى الجواهر، ثم رفع عينيه إليها وقال بصوت غامض: –وأختك دي فين دلوقتي؟ وعد:
–ما أعرفش فين هي. إحنا خرجنا من القصر سوا، وبعدها كل واحدة راحت في طريق. جعفر وهو يضيق عينيه: –معاكي حاجة من ريحتها؟ هزت وعد رأسها بسرعة، ثم أخرجت إيشارب ورد من بين ملابسها ومدته إليه. أخذ جعفر الإيشارب بين أصابعه ونظر له نظرة مرعبة. وفجأة… اشتعل الإيشارب بنيران سوداء من غير ما يلمسه. شهقت وعد بفزع وهي تشوف النار بتلتهم القماش في ثوانٍ. وبعد لحظات ما بقاش منه غير رماد أسود.
جمع جعفر الرماد في كفه، ثم رماه داخل طبق ماء ضخم كان موضوع قدامه. بدأ الماء يتحرك لوحده. دوائر صغيرة ظهرت على السطح. ثم تحولت لدوامات. ثم… اتلون الماء باللون الأسود. شعرت وعد بقشعريرة تسري في جسدها. أما جعفر فظل يحدق في الطبق بعينين متوحشتين. وبعد ثوانٍ بدأت صورة تتشكل داخل الماء. ظهر حسان نائمًا. وبجانبه ورد. ابتسم جعفر ابتسامة شيطانية وقال: –هو ده ابنها؟ اقتربت وعد وهي تنظر داخل الماء وقالت: –أيوه… هو ده.
عندها أخرج جعفر من ملابسه خنجرًا أسود حادًا، كانت نقوش غريبة تتحرك فوق نصله كأنها كائنات حية. ثم مد يده داخل الماء. وفجأة… في الكهف البعيد… صرخ حسان صرخة مزقت قلب ورد. شهقت ورد وهي تشوف الدم بينفجر من قدم طفلها. أما في البيت المهجور… فكان جعفر يبتسم وهو يسحب الخنجر من داخل الماء. وبدأ الماء يتحول إلى دم. دم أحمر قاتم يملأ الطبق كله. حتى إن رائحته وصلت لوعد، فارتجف جسدها من الرعب. رفع جعفر عينيه إليها وقال:
–هاتي البنت اللي على إيدك دي. ضمت وعد طفلتها إلى صدرها بخوف وقالت: –هتعمل إيه في البت؟ ابتسم جعفر ابتسامة أخافت قلبها وقال: –ما تخافيش… لكن ابتسامته كانت تقول عكس كده تمامًا. مد يده فجأة وخطف الطفلة من بين ذراعيها. بدأت الصغيرة تبكي. لكن جعفر لم يهتم. وأحدث في قدمها نفس الجرح. فسال دمها داخل الطبق. وفي اللحظة التي اختلط فيها دم راهشان بدم حسان… اهتز البيت المهجور كله. وانطفأت المشاعل للحظة.
ثم عادت تشتعل بنيران خضراء مخيفة. وأخذ جعفر يتمتم بكلمات غريبة بلغة لا يفهمها البشر. ثم قال وهو يحدق في الدم المختلط: –من النهارده… حسان هيبقى تابع ليكي. وأول ما يكبر… هيدور على راهشان مهما كانت المسافات بينهما. حبها بدأ يجري في دمه من اللحظة دي. وحتى لو حاول يهرب من قدره… الدم هيرجعه ليها. ضحكت وعد بسعادة وشر. لكن فجأة… تغيرت ملامح جعفر. وسقط بصره على صورة جديدة ظهرت داخل الطبق. صورة غراب.
كان يجلس داخل الكهف يتحدث مع ورد. بينما كانت ورد تحاول إيقاف الدم النازل من قدم حسان. ساد الصمت. ثم اتسعت ابتسامة جعفر ببطء. ابتسامة مرعبة كشفت عن كمية الشر اللي جواه. وقال بصوت مليء بالحقد: –أخيرًا… وأخيرًا لقيتك يا أبي. ثم ضحك. ضحكة طويلة مخيفة. حتى إن الجدران العتيقة ارتجفت وكأنها تخاف منه. وقال وهو ينظر لصورة غراب: –حكاية هروبك مني وصلت لنهايتها يا غراب… المرة دي… مش هتفلت. —ومن حديقة القصر…
كان عدنان يقف مع أحد خدامه في مكان بعيد عن الأعين. وقال بصوت منخفض: –عرفت ورد الزمان فين؟ الخادم انحنى وقال: –مولاي… مشيت وراها زي ما أمرتني، وسيبتها دلوقتي في كهف الغريب. ابتسم عدنان وقال: –أوعى تغيبها من عينك. خليك دايمًا وراها. الخادم: –أمرك يا مولاي. انصرف الخادم. أما عدنان فرفع رأسه للسماء وقال لنفسه: –مش هتغرب شمسك عن سمايا أبدًا يا ورد الزمان. وفي الوقت المناسب… هكون معاكي.
ثم وقعت عيناه على الملك غيور وهو يركب حصانه داخل ساحة القصر. فتغيرت ملامحه. وقال بصوت مليء بالغيرة: –بس أخلص من اللي واقف بيني وبينك. ثم صعد إلى حجرته. وما إن فتح الباب… حتى وجد جولنار جالسة على السرير. تنظر إليه بنظرات حادة. وقالت بهدوء مخيف: –اطمنت عليها خلاص؟ تجمد عدنان في مكانه. وقال بصدمة: –إنتِ بتقولي إيه؟ وقفت جولنار، وكانت الغيرة مشتعلة في عينيها. وقالت: –لغاية إمتى هتفضل مشتاق لورد وناسي إني ست؟
ناسي إن الغيرة ممكن تخلي الواحدة تحرق وتدمر أي حد ياخد راجلها منها؟ أو تحرمها هي منه؟ نظر إليها عدنان بغضب وقال: –إنتِ بتهدديني يا جولنار؟ ابتسمت ابتسامة باردة وقالت: –لا يا مولاي… أنا بحذرك. ثم اقتربت منه خطوة وهمست: –وكهف الغريب مش بعيد أوي. اتسعت عينا عدنان. وبدأ الشك يدخل قلبه تجاه خادمه. لكن جولنار ضحكت وقالت: –ما تبصليش كده. وما تشكش في خادمك الأمين. أنا كنت واقفة عند شباك أوضتي. وشوفتكم وأنتم بتتكلموا.
واللي إنت ما تعرفوش… إني بعرف أقرا الشفايف. وعرفت بالضبط إنت وخادمك كنتوا بتتكلموا عن إيه. فضحك عدنان فجأة وقال: –كويس إنك عرفتيني. ده أنا كنت هاقتل الخادم المسكين. ثم اقترب منها قليلًا وقال بثقة: –لكن بما إنك عرفتي كل حاجة، أحب أعرفك إني فعلًا بحب ورد… وعمري ما حبيت ست زيها. ضحكت جولنار، لكن ضحكتها كانت مليانة غيرة وسم. وقالت وهي تنظر له باستهزاء: –بجد؟ ثم اقتربت منه وهمست:
–تفتكر لو الملك غيور عرف إنك واقع في حب جارية من جواريه… جارية هو نفسه بيحبها أكتر من أي حد تاني… تتخيل إيه اللي هيحصل؟ في لحظة واحدة اختفت الابتسامة من على وش عدنان. واشتعل الغضب في عينيه. فاندفع ناحيتها كالنمر الجريح. وأمسك شعرها بعنف. شهقت جولنار من الألم. لكنها رغم ذلك ظلت تنظر له متحدية. قرب عدنان وجهه من وجهها وقال بصوت مرعب: –دي تاني مرة تهدديني يا جولنار. وشد شعرها أكتر حتى دمعت عيناها. ثم أكمل:
–بس أحب أعرفك حاجة كويس… لو غيور عرف إني بحب ورد… هيكون أول واحد يموت. اقترب أكثر وهمس في أذنها: –وإنتِ كمان هتموتي معاه. ارتجف جسد جولنار للحظة. لكن نار الكراهية في قلبها كانت أقوى من الخوف. تركها عدنان بعنف فسقطت على الأرض. ثم استدار وغادر الحجرة وهو يغلي من الغضب. بقوة أغلق الباب خلفه. فاهتزت جدران الغرفة. ساد الصمت للحظات… ثم انطلقت من جولنار صرخة غضب كادت تمزق المكان. وهي تقول:
–أنا الأميرة جولنار بنت الملك كاهل! يتعمل فيا كده عشان جارية؟! عشان واحدة زي ورد؟! كانت أنفاسها تتسارع وعيناها تمتلئان بالحقد. ثم صاحت بأعلى صوتها: –وصيفة! بعد لحظات دخلت وصيفة، خادمتها الخاصة وكاتمة أسرارها. وانحنت قائلة: –مولاتي. رفعت جولنار رأسها ببطء. وكان الشر ظاهرًا في عينيها بشكل مخيف. ثم قالت بصوت بارد أخطر من الصراخ: –ابعتي رسالة حالًا لخادمي صفوان. وصيفة باستغراب: –أمرك يا مولاتي. جولنار وهي
تعصر قبضتها من شدة الغضب: –قولي له يروح لكهف الغريب في الحال. ويحرق ورد… وابنها حسان… من غير رحمة. من غير شفقة. من غير ما يسيب وراهم حتى رماد. ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة مرعبة وهي تهمس: –إذا كانت ورد خدت قلب عدنان مني… يبقى النار هي اللي هتاخدها من الدنيا كلها…،،،
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!