رواية المجنونه والمقبرة الجزء العاشر 10 بقلم صباح البغدادي المجنونه والمقبرةرواية المجنونه والمقبرة الحلقة العاشرة حين التقينا بالخطأ» كانت “ناميسا” تقود سيارتها بسرعة جنونية، وكأنها تركض خلف هروبها من قدرٍ محتوم. وبينما كانت تتجه نحو مفترق الطريق، فقدت سيطرتها للحظات، وانحرفت عن مسارها لتصطدم بشابٍ كان يقطع الطريق بهدوء، وكأن الكون بأسره أراد أن يوقعه في طريقها.
فرملت فجأة، وترجلت من السيارة، تركض بخطواتٍ مضطربة، وقلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها، لترى المشهد أمامها… شاب ملقى على الأرض، يُمسك بقدمه بألمٍ واضح، بينما يحاول أن ينهض بصعوبة. صرخت بفزع وهي تقترب منه: “يا رب سترك! إنت كويس؟! رفع نظره نحوها، وجهه شاحب من الصدمة، لكن ملامحه متماسكة. حاول أن يقف بمشقة، لكن الألم كان يعيق حركته. أمسكت بذراعه، تحاول مساعدته: “لو سمحت، إركب معايا… لازم نروح المستشفى فورًا.”
ولم ينتظرها حتى تُكمل، إذ كان بحاجة إلى أي دعم. في قسم الطوارئ، كانت خطواتها متسارعة، تنادي على أول طبيبٍ تراه أمامها: “دكتور، بالله عليك، ضروري تشوفه حالًا! وكأن الأقدار ابتسمت لها، فقد كان “خالد” يعمل ناطور النبطشية تلك الليلة، وصُدم حين رآها في هذا الحال. “ناميسا! إيه اللي حصل؟ مين ده؟ أشارت إليه، وصوتها يرتجف: “شوفه يا خالد، بالله عليك… أنا عملت حادثة، صدمته بالعربية.”
اقترب خالد من المصاب، يتفحّصه بعين الطبيب الخبير، فوجد أن الإصابة ليست خطيرة كما تصوّرت هي. “اهدي يا بنتي، الموضوع بسيط، جبيرة وخلاص.” لكنها لم تهدأ، وظلّت تتابع بقلق واضح، بينما كان الشاب يجلس على الكرسي المتحرك دون أن يُبدي اهتمامًا كبيرًا بهم. قال بهدوء، وهو يُحاول كتم الألم: “دكتور… طالما الإصابة خفيفة، أقدر أمشي؟ عندي شغل مهم جدًا.” رد خالد، وهو يُحضّر أوراقه: “اسم حضرتك إيه؟ “عز… عز السيوفي.” رفع
خالد حاجبيه بدهشة طفيفة: “أهلاً وسهلاً، إيه اللي حصل معاك؟ “والله ما لحقت أفهم… كنت معدي الطريق، وفجأة لقيت نفسي على الأرض.” رمق خالد “ناميسا” بنظرة سريعة، ليلحظ دموعها المتحجرة في عينيها. قال “عز” مبتسمًا، في محاولة لتخفيف التوتر: “يا جماعة، رجلي اللي اتخبطت، مش هَموت يعني.” شهقت “ناميسا” من كلماته، وكأن قلبها ضُرب بسهام خفية. همست بصوتٍ مختنق: “ألف سلامة عليك… بالله عليك، ما تقولش كده.”
ابتسم لها: “الله يسلمك، بجد، أنا بخير… ومش هعمل محضر كمان.” صُدمت من جملته الأخيرة، واتسعت عيناها: “محضر؟! ضحك بخفة: “بهزر والله، بهزر.” قاطعهم خالد بحزم: “يا أستاذ عز، تعال معايا نعمل أشعة بس، للاطمئنان.” رد مبتسمًا: “حاضر، بس بالله عليك بلاش كلمة ‘أستاذ عز’ دي… كفاية عز وخلاص.” ضحك خالد: “ماشي يا عز، وأنا خالد.” رد عز بمودة: “تشرفت بمعرفتك.”
في غرفة الأشعة، أُجريت له الفحوصات، وتبيّن وجود كسر بسيط يحتاج إلى جبيرة تمتد حتى الركبة، مع راحة تامة لأسبوعين. كان عز ينظر إلى قدمه بقلق، يتمتم: “يا ستير، شغلي كله هيتعطل.” سأله خالد، وهو يُدوّن الملاحظات: “مافيش حد يقدر يشتغل بدالك؟ تنهد عز بحسرة: “ده مشروعي الخاص… أنا صاحب شركة السيوف للإلكترونيات، والمفروض أقدم العرض النهائي بكرة.” ابتسم خالد: “كل ده على راسي، بس صحتك أهم ولا إيه؟!
صمت عز، يفكر في حيرة، كيف يُرسل الملف، وما الحل؟ قاطعت “ناميسا” شروده بصوتٍ خافت، لكنها تحمل إصرارًا غريبًا: “ممكن أساعدك؟ رفع نظره نحوها بدهشة، وكأنه يراها للمرة الأولى: “تساعديني؟! أومأت بتردد: “لو حابب يعني… في أي حاجة.” ضحك، وهو يقول ساخرًا: “حاجة بسيطة جدًا… موبايلي ضاع.” ابتسمت فجأة، وفتحت حقيبتها لتُخرج الهاتف، تُقدّمه له بابتسامة خجولة: “لقيته واقع وقت الحادث، واحتفظت به.”
أخذه منها وهو يبتسم بلطف: “شكرًا بجد، اهتمامك كبير أوي.” ردّت سريعًا: “ده أقل حاجة أقدر أعملها، أنا آسفة جدًا.” ابتسم: “خلاص، حصل خير.” فتح الهاتف، وأجرى مكالمة سريعة: “يا عم، أنا في المستشفى… مش هعرف أقدّم المشروع. روح إنت قدمه، وربنا يستر.” رد صديقه: “خلاص، سيبها عليّ، ألف سلامة عليك يا حبيبي.” أغلق الهاتف، ونظر نحو “ناميسا” بارتياح: “الحمد لله، كده اتحلت مشكلتي.” ابتسمت بارتياح أيضًا: “الحمد لله… كله خير.”
بعد دقائق، دخلت عائلته إلى الغرفة، والدته منهارة من شدة البكاء، تعانقه وتُردد بحرقة: “يا ضنايا… يا نور عيني، إنت ابني الوحيد، ما ليش غيرك ولا غير أختك الصغيرة اللي لسه في الجامعة.” ضحك عز بخفة، يُحاول تهدئتها: “يا ماما، اهدي، والله أنا كويس، مجرد إصابة بسيطة، وإن شاء الله أخرج بكرة.”
خلف كل هذا المشهد، ظلت “ناميسا” واقفة في زاوية الغرفة، تتأملهم بصمت، لا تعلم هل ما حدث كان صدفة… أم بداية لحكاية لم يُكتب لها بعد عنوان؟ مرّت الأيام ثقيلة على عز، لكنها لم تكن وحيدة كما ظنّ. طوال فترة مرضه، كانت “ناميسا” تباغته برسائلها واهتمامها، تسأل عنه في كل صباحٍ ومساء، وتتابع تطورات حالته بشغفٍ لا يُخفى.
أما “خالد”، فقد تحوّل مع مرور الوقت من طبيبٍ معالج إلى صديقٍ مقرّب، يجمعهما المزاح والدردشة وكأن الحادثة كانت بابًا صريحًا لصداقةٍ جديدة. وجاء اليوم المنتظر، يوم إزالة الجبيرة، وهو يومٌ انتظره “عز” بلهفةٍ ممزوجة بالقلق. كان خالد يطمئنه، وهو يفحص قدمه بعناية الطبيب المتمرّس: “أهي يا سيدي، كله تمام… لا مضاعفات، ولا أي آثار جانبية، والجروح التئمت بفضل الله.” ابتسم “عز” بحمدٍ داخلي، وهو يتنهّد
بارتياح: “الحمد لله… والله كنت مرعوب يحصل عجز أو مشكلة تفضل معايا العمر كله.” ضحك خالد بخفّة، مردفًا: “تفائل خير يا عم، مافيش حاجة… جسمك زي الفل، وراجع أقوى من الأول.” ابتسم عز، يحاول أن يداري ارتباكه: “الحمد لله.” وفيما الجو يزداد هدوءًا، إذ فجأة… فُتح باب العيادة بعنف، ودخلت فتاة غريبة الأطوار، بصوتٍ جهوريٍ وصياحٍ أربك الجميع: “فين دكتور الجزار ده؟!
انتفض خالد وعز في مقاعدهم، يلتفتان نحو الباب بدهشة، بينما علت الدهشة وجه “عز”، وقد ظن للحظة أنهما أمام مشهد تمثيلي غريب. ابتسم “خالد” بمرارة خفيفة، وهو يشير لها ضاحكًا: “أعرّفك… دي مريم، صداع العيلة.” همس “عز” بدهشة وهو يحدّق بها: نعم؟! دي بتدخل العيادة بالطريقة دي؟! ده شغل مش مسرح! لكن “مريم” لم تهتم، بل تقدّمت بخطواتٍ واثقة، وهي تردّ ببرودٍ
شديد وبلهجة عامية ثقيلة: “آه، أنا كده، عادي جدًا… لو مش عاجبكوا، غيّروا الباب.” لم يتمالك “عز” نفسه، فضحك رغماً عنه من عفويتها الغريبة، وقد قرأ من نبرتها أنها تملك جنونًا خاصًا، يشبه أولئك الذين يقتحمون الحياة بلا استئذان. وقبل أن يستوعب الموقف، وجّهت مريم أصابعها نحوه وقالت بضحكة ساخرة: “أنت بقى عز… اللي ناموسة جابت أجله؟! تجمّدت ملامح “عز”، ينظر إليها في حيرة تامة، وقد حسبها تهذي. “ناموسة؟!
هو أنا اتخبطت من ناموسة ولا إيه؟! في لحظة، رأى الجميع حذاءً صغيرًا يُقذف باتجاه “مريم” بدقة عجيبة، وتبعته صرخة غاضبة من الزاوية الأخرى للغرفة. كان الحذاء يطير فوق رؤوسهم، 1 2الصفحة التالية مدونة كامومنذ يوم واحد 0 5 دقائق
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!