الفصل 8 | من 12 فصل

الفصل الثامن

المشاهدات
2
كلمة
1,041
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

رواية المجنونه والمقبرة الجزء الثامن 8 بقلم صباح البغدادي المجنونه والمقبرةرواية المجنونه والمقبرة الحلقة الثامنة أكتشاف السر» ركب الطبيب خالد سيارته، وكان نرمر إلى جواره، يراقب الطريق بدهشة وفضول. أمامهم انطلقت سيارة الفتيات، يقودها سائق العائلة، بينما ضحكاتهن تتعالى، ومريم كالعادة تتصدر المشهد بلسانها السليط الذي لا يهدأ.

لم تمر سوى دقائق حتى توقفت السيارتان أمام منزل عريق في قلب مدينة الأقصر، منزل يزهو بهاؤه بطراز شرقي قديم، له بهو واسع ونوافذ خشبية مزينة بالمشربيات، وتغمره لمسات التاريخ في كل زاوية. فتحت باب المنزل امرأة في الخمسين من عمرها، بملامح مصرية أصيلة، تبدو عليها ملامح الوقار والجدية، لكنها مع ذلك تهتم بمظهرها جيدًا، وكأنها تُخفي وراء أناقتها سنوات عمرها الطويلة.

وقبل أن تنطق المرأة بكلمة، دوّى صوت مريم عاليًا من داخل السيارة، وهي تلوّح بيدها بمرح وجرأة: —“أهلا، أهلا، أهلا يا عمتي! عاملة أكل إيه؟! إحنا جايين جعانين! رفعت العمة حاجبها، ونظرت إليها بحدة خفيفة، قبل أن تردّ عليها بلهجة حادة لكنها لا تخلو من الدفء: —“يا سلام! اسألي عليّ الأول يا حيوانة، مش على الأكل! بطنك دي بقت ماسورة صرف! لا قعر ولا نهاية!

وقفت مريم تتصنّع الصدمة، واضعة يديها على صدرها كأنها قد سُمّرت في الأرض، ثم أردفت بمرح وسخرية، وهي تشير للحاضرين: —“عادي، عادي يا جماعة، اتفضلوا… متخضوش! عمتي دي لازم تدلعني كل يوم… دي عادة يومية كده، ما ينفعش يوم يعدي من غير شوية قصف جبهة! ست كبيرة وعلى الله حكايتها، وقريب أهو، هنقدم لها طلب رسمي ونبعته لدار المسنين، ترتاح ونرتاح.”

ضحك الجميع من طريقة حديثها، حتى الطبيب خالد نفسه لم يستطع كتم ضحكته، وقد بدأ يتيقن أن التعامل مع هذه الفتاة لن يكون بالأمر السهل. دخلوا جميعًا إلى المنزل، وجلسوا في صالة واسعة تفوح منها رائحة القهوة والبهارات، يزين جدرانها بعض الصور القديمة، وكانت مريم تتحرك داخل المنزل كأنها صاحبته، بل إنها راحت تمدّ يدها إلى صحن الفاكهة بلا خجل. همس خالد لريم وهو يراقبها بدهشة: —“هي بتتصرف كأنها عايشة هنا من زمان!

ابتسمت العمة، وقد سمعت تعليقه، فأجابت وهي تضع الصينية على الطاولة: —“ما هي فعلًا عايشة هنا من سنة… من يوم ما أمها وأختها سافروا الحج واستقروا هناك مع خالها الكبير، وسابوها هنا معايا… وأنا يا عيني اللي ادبست ومش قادرة أرجعها.” قهقهت مريم، وقالت بكل فخر: —“آه طبعًا! أنا دلوقتي هنا الرئيسة… ابتسم نرمر في حيرة، يحاول فهم حديثهم الغريب، بينما ناميسا تراقبهم بدهشة صامتة.

وبعدما هدأت الأجواء، اجتمع الجميع في الصالة، وجلس نرمر وناميسا وسطهم، وبدأ الحديث يتجه نحو الجدّ، حيث سألهم خالد بنبرة جادة: —“عايزين نفهم بقى… أنتم مين بالضبط؟ وإيه اللي جابكم هنا؟ تنحنح نرمر، ثم اعتدل في جلسته، كأنما يتأهب لإلقاء خطاب رسمي، وقال بنبرة مهيبة: —“نحن لم نأتِ عبثًا… لقد جئنا نحمل رسالة، وواجبًا خطيرًا.”

استمع الجميع باهتمام بالغ، بينما أخذ نرمر يسرد قصته، يحكي عن زمنه، عن سحر مقبرة توت عنخ آمون، عن التعاويذ التي تحمي العالم من قوى لا يمكن لبشر تصورها. كان حديثه مليئًا بالرهبة والعظمة، وكيف أن السحر في عصره لم يكن مجرد وهم، بل كان علمًا حقيقيًا، يُستخدم لحماية الممالك والأرواح. قال بنبرة عميقة:

—“في زمننا، السحر لم يكن مزحة… كان علمًا قائمًا على قواعد دقيقة، كنا نحمي به أنفسنا من الأفاعي والعقارب، وكنا نحفظ به أرواحنا من اللعنات.” سألت ريم بدهشة، وهي تميل بجسدها للأمام: —“يعني كنتوا بتستخدموا التعاويذ فعلًا؟! أجابها بثقة، وعيناه تلمعان: —“ليس فقط لحمايتنا، بل للسيطرة… كنا نتحكم في الكائنات التي تزحف تحت الأرض… السحر كان سر قوتنا، وكنزنا الأعظم.”

وعندما تحدّث عن تعويذات الحماية، خصوصًا تلك التي تحمي المقابر من لصوصها، بدأت ملامح الدهشة ترتسم على وجوه الحاضرين جميعًا، حتى العمة التي ظنّوا أنها لا تهتم، جلست تنصت بدهشة خفية. كانت مريم تهمّ بفتح فمها كعادتها لإلقاء تعليقها اللاذع، لكن نظرة واحدة من ريم، تلاها تحذير صامت من خالد، جعلتها تكتفي بحركة بيدها وضغط شفتيها كأنها قُيّدت عن الكلام، لكنها قالت في سرها بتهكم:

—“ماشي، سكتوني أنتو، بس والله أنا مخزنة تعليق، وهطلعه في وقته… يا أنا يا السحر ده في الأخر! لاحظ نرمر ما حدث، ولم تخفَ عليه حركات مريم المتحفزة، لكنه قرر التغاضي عن ذلك مؤقتًا، وأكمل حديثه بجديّة شديدة: —“السبب الحقيقي لقدومي… أن هناك خطرًا عظيمًا قادم. هناك من يحفرون حول الهرم الأكبر، يوشكون على فتح البوابة المحرمة… بوابة العالم السفلي… لو نجحوا، سينقلب العالم رأسًا على عقب.”

ساد الصمت فجأة، وبدت كلمات نرمر كأنها خنجر يخترق الصدور، والكل متسمر في مكانه، يحدق به وكأنه يرى مشهدًا سينمائيًا يتجسد أمامه حيًّا. تنهد نرمر ببطء، وختم كلماته بنبرة ثقيلة: —“جئت… لأوقف هذا الجنون… قبل أن يبتلع هذا العالم…! كان نرمر يتحدث كثيرًا عن السحر واستخدامه فعليًا، بينما كان الجميع يهتم بحديثه. وعندما انتبه لهم بتركيز، رأى معالم وجوههم مملوءة بالاستغراب. “ما بكم؟ هل أصابتكم اللعنة؟! “عارف، مش أنت جدو؟!

بس دمك خفيف، أكيد أنا من سلالتك…” انفجرت ضحكة من فم ناميسا عندما تذكرت ديمون. نظرت لها مريم مستفهمة: “لماذا الضحك؟ “لا، لا، لا! أبدًا! تذكرت أحد الأشخاص، فهو مثلك تمامًا، أكيد من سلالته، ليس سلالة أخي نرمر…” “بمن تذكرتِ؟! “ديمون! صدحت ضحكة عالية من مريم عند سماعها الاسم: “هل عندكم في عالمكم تيمون وبومبا؟! نظرت لها ناميسا باستغراب: ما هذا الاسم؟ وما علاقته بأخيها ديمون؟ “اللعنة عليكِ! أنا قلت ديمون، من هو تيمون؟!

نظر لها خالد بملل، كاد أن ينفجر من أسلوبها: “أنتِ مش عارفة تسكتي ثانية واحدة بدون إزعاج؟! قبل أن تتفوه بكلمة أخرى، دخلت العمة عليهم وبيدها صينية بها شاي وبسكوت وقطع من الكيك: “هي دي مريم، مش هتتغير! ثم تابعت حديثها: “أنا سيبتكم تدخلوا وتقعدوا، بس عرفوني عليكم الأول، لحسن في ناس مبتعرفش الأدب…” ثم نظرت لمريم. مريم بصدمة مصطنعة: “لأ، متقوليش إنك بتتكلمي عليا! ازعل! أعادت العمة ماجدة حديثها ببساطة شديدة: “ازعلي!

تعالت علامات الاستغراب على وجوه الموجودين، وعلموا أن هناك مصيبة ستحدث، فمريم لم تمرر الكلمة بهدوء. وأخيرًا، صوت نور ظهر متحدثًا: “خلاص بقى يا مريم، وحضرتك يا عمتي، دول ناس سائحين، اتعرفنا عليهم وإحنا بنزور المعابد، وناميسا باحثة في الآثار، نفس مجالنا يعني…” مريم ونور وريم أصدقاء منذ الصغر، فأهاليهم يعرفون بعضهم. بعد وفاة والد مريم، قررت أن تعيش في بيت العائلة في الأقصر وتستقر هناك مع نور وريم.

اتفقوا على يوم لزيارة المقبرة التي نقلت نرمر وناميسا من عالمهم إلى هنا. “اليومين اللي قاعدين معانا فيهم، اتكلموا بطريقتنا بما أنكم عارفينها…” كانت ريم تخبرهم أن يتحدثوا باللغة المصرية المعتادة على هذه البلدة 1 2 3الصفحة التالية مدونة كامومنذ 4 أيام 0 9 دقائق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...