تحميل رواية «النغم الحزين» PDF
بقلم فطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ النغم الحزين بقلم فطيما يوسف.
رواية النغم الحزين الفصل الأول 1 - بقلم فطيما يوسف
رواية النغم الحزين – الفصل الأول
أحب على رجلك يا “ابو مازن” ترضى باللي اخوك طلبه منيك وتكتب علي وتنجيني من بطشَه وطولة يده انت عارف كل يوم هيصبحني بعلقة وهيمسيني بعلقة واني ما ليش حد اروح لَه انت عارف بيت ابوي وامي أوضة وحمام واخده خواتي بالعافية وابوي هو كماني صاحب كاس والسيجارة العفشة ما هتفارقش يده، هروح فين بالعيلين اللي معاي وكل يوم والتاني هيعرضني على الرجالة علشان ينفَذ اللي في راسَه وأني تعبت وما متحملهاش البهدلة داي.
“سند” بقى واقف مش عارف يقول لها ايه كل يوم يشوف أخوه يمد ايده عليها ويبهدلها ويفرج الخلق عليهم بس مش قابلها على نفسه ان هو يعمل كده حاسس إن في حاجة غلط في الموضوع بس مش قادر يفهمها ورد عليها باللي قدر عليه:
ـ والله يا ” أم محمد” كان على عيني إني اعز لك طلب بس اني كل يوم والتاني اتخانَق وياه بسبب بهدلته ليكي بس الموضوع اللي هيطلبه مني دي صعيب علي وما هقدرش عليه ابدا ما هقبلهاش على كرامتي كراجل أتجوَز طليقة أخوي .
بقت بتتوسل له وهي ماسكة طرف جلابيته وبتعيط بدل الدموع دم لأنها جابت آخرها خلاص من طليقها “سمير” اللي كل يوم والتاني يبهدل فيها وكمان أمه هتساعده ان هو يستقوى عليها أكتر وأكتر وراحت استنجدت بأبوها بهدلها وطردها هي وعيالها:
ـ والله العظيم هعيش خدامة تحت رجليك اني مطالباش منيك غير انك تسترني عنيه، ابوس يدك آني راضية ببهدلته حتى لو طلقتني إنت أحسن من غيرك، كل يوم والتاني يَجيب لي راجل واني ما قادراش على المعاملة الشينة داي، اني ست هخاف ربنا، واني والله هعيش خدامة تحت رجليك طول الشهور اللي انت هتتجوَزني فيها مش هرفع عيني عن الارض واصل، ولو طولت ما هوريكش وشي هعملها عاد، بس تسترني من الهم دي.
الحيرة بتزداد في قلبه أكتر وأكتر هو كمان زهق من أخوه اللي كل يوم يلومه ويعاتبه ويعلي صوته عليه بسبب بهدلته لأهل بيته وفي الآخر هيعرضها على الرجالة ودي في عرفهم ما يصحش ابدا ورد عليها بحل يمكن يكون مناسب:
ـ شوفي يا ست “نغم” اني ممكن اامن لك مكان تعيشي فيه انتِ وابنك وبنتك اللي هما ولاد اخوي، وهبعت لك شهرية كل شهر تكفيكي وزيادة وبلاها موضوع الجواز دي .
بقت تلطــ.ــم على وشها وتضـ.ــرب على رجليها وهي شايفة اللي هيحصل قدام لو عمل كده:
ـ اخوك مهيسيبنيش في حالي وكل يوم والتاني هياجي لي مكاني، والناس في الكفر كلاتها عرفت اني مِطلقة منيه وهيخلي سمعتي وسمعة ولادي في الارض، وكل يوم والتاني هيبهدلني وهيمرمطني، جوزي وأني خابراه زين اني اتبهدَلت واتمرمطت ولا أب ولا جوز عدل حسبي الله ونعم الوكيل في اللي هيذلوني ويمرمطوني دي الموت ارحم لي، ياااااااارب.
“سند” بقى واقف محتار مش عارف يعمل لها ايه لكن كل كلمة قالتها عندها حق فيها لحد ما افكر كتير وكتير ورد عليها :
ـ قومي يا بت الناس روحي على شقتك وأني هشوف حل وياه واللي رايدَه ربنا هو اللي هيكون.
قامت “نغم” وهي حاسة أنّها فقدت الأمل في ان “سند” هو كمان يقف جنبها ويساعدها ويطلعها من الورطة دي، لكن خرجت وهي مكسورة، والدنيا كلها في نظرها جاية عليها؛ أبوها وطليقها، وحتى أحنّ الناس اللي كان بيحنّ عليها أخو طليقها، حست أنّ الدنيا كلها اتسدت في وشها، روحت على بيتها وقعدت ضمّت رجليها لصدرها وحطّت راسها على رجليها وبترجع لـ 10 سنين ورا قبل ما تتجوز، لما كانت بنت 16 سنة، الحيوية والجمال ظاهرين على وشها للأعمى…
باك
ـ خدي اهنه يا بت هو ما حدش قادر عليكِ ولا ايه؟ انتِ ما تعرفيش أني أبقى مين وولد مين في البلد داي؟! أني ابن كبير البلد كلاتها ولما أكلمَك تردي علي على طول وتُقفي كمان.
“نغم” بصت له بغضب شديد وشدت ايديها منه ونزلت على وشه بالقلم لدرجة انه حط ايده على وشه وبقى واقف مصدوم وحذرته:
ـ يكش تكون ولد مين في البلد ما ليكش انك تمد يدك النجسة داي علي يا ملعون انت، هم أهلك الكبارات دول هيعلموك تمد يدك على البنتة وهي ماشية قطع يدك.
“سمير” بقى واقف مصدوم لأول مرة تحصل إنه ينضـ.ــرب كف على وشه ومن بنت، فقرب منها وهو بيبص لها بنظرات بتطق شرار كانه هياكلها بعينيه ورد على كلامها بنظرات زي الجحيم بالضبط:
ـ بالك انتي لا هدفعك تمن القلم دي اضعافه، اعتبري حالك بقيتي ملك “سمير الناجي” واعملي حسابك هدفع تمنك لابوكي وهعيشك عيشة ذل ما شفتيهاش في حياتك قبل سابق .
ضحكت باستهزاء وهي بتبص له من فوق لتحته وسخرت من كلامه وقالت له الكلمتين اللي جننوه قبل ما تمشي وتسيبه واقف يغـ.ـلي نار:
ـ هتعمل ايه يعني؟! ما حدش في الدنيا داي يقدر يجبرني على حاجة ما عايزاهاش حتى لو كنت ابن بارم ديله، واوعاك في مرة تانية تشوفني في طريق وتمد يدك علي، قبل سابق بهدلتك قدام الخلق وما اتعظتش وعلشان اكده كان لازم تاخد القلم دي يفوقك يا شمام انت.
بهدلته وسابته ومشيت ومرت الأيام وهو بيتواعد لها وروحت على بيتهم كانت راجعة وقتها من المدرسة هي في أولى ثانوي عام، حلمها إن هي تبقى مهندسة كبيرة علشان تحقق أمل أمها فيها ، وأول ما دخلت بيتهم لقيت ابوها قاعد ماسك السيجارة بيلفها كالمعتاد بص لها من فوقها لتحتها وهو بيسألها:
ـ خدي اهنه يا بت، المدرسين عطفوا عليكي بفلوس ايه النهاردة عايز أجيب سجاير يحـ.ــرق ابو اللي جابوكي خدي اهنه.
ـ والله يا ابوي ما حد اداني حاجة النهاردة انت عارف اني لما هاخد منيهم حاجة هرجع من المدرسة احطها في حجرك طوالي .
أبوها قام من مكانه وهو بيحط السيجارة بحرص على الترابيزة اللي قدامه وقرب منها ومسكها من من راسها لدرجة ان الحجاب اتقلع من على راسها وهي بتعيط وبتشهق من شدة أبوها عليها:
ـ أني خابر زين انك ملكيش لازمة، هو مش انتِ الكبيره في خواتك لكن انتِ الخيبانة “مهرة” خيتك راجعة النهاردة ب 100 جنيه بحالها، اما انتِ ما لكيش عازه عِندي هتاكلي وتشربي كيف البهايم وخلاص اللي هنعلفوهم، اعملي حسابك ما فيش مرواح مدارس تاني ولا تعليم.
في الوقت ده كانت أمها رجعت من الشغل وهي مهدود حيلها ومش قادرة تصلب طولها شافت بنتها الكبيرة وابوها هيمـ.ــوتها ضرب قربت منيهم وهي هتحاول تفكها من يده:
ـ حرام عليك يا أبو “نغم” سيبها البنت هتموت في يدك، عِملت ايه لديه كلاته، سيبها واني هعمل لك اللي انت رايده بس سيبها من يدك.
ولا كأنها بتقول حاجة ،مش سامع ومش شايف غير انها ما جابتش فلوس معاها وهي راجعة، فزق مراته وقعها على الأرض:
ـ بعدي يدك يا ولية انتي ما اللي معاكي هاخده بس هي كان لازم تعمل بلقمتها، اعملي حسابك جوازك على “سمير الناجي” الخميس الجاي ومعايزكيش تفتحي بقك عاد هتتجوزيه يعني هتتجوزيه.
“نغم” بقت تلطم على وشها وهي بتسترجاه انه يرحمها وما يجوزهاش لـ”سمير” ده بالذات وبقت تبوسه من ايده وتوطي على رجله تبوسها:
ـ ابوس يدك يا ابوي ما تجوزنيش للصايع دي، دي عرف بنات البلد كلاتها واتجوَز قبل اكده مرتين وما طقهوش في العيشة معاه، حرام عليك يا ابوي اني رايدة اكمَل علامي اني لساتي صغيرة.
ـ اكتمي بقك ده بلا علام بلا سخام على راسك، ما فيش حاجة اسمها علام، الواد دي هيدفع فيكي كَتير طالما انتي ما منكيش لازمة عاد.
قامت امها وهي واخداها في حضنها وبتترجاه انه يتراجع عن اللي في دماغه وبقى له كذا يوم يتكلم وياهم فيه:
ـ حرام عليك يا ابو “نغم” دي بتنا الكَبيرة وشاطرة في المدرسة وكانت طالعة الأولى على الإعدادية وكمان نَفسها هتكمل علامها، واني هصرف عليهم ان شاء الله اموت، بلاش تجوزها وهي لساتها عيله صغار ما تفهمش حاجة في الدنيا، سيبها واني هجيب لك كل اللي انت رايده.
ـ اكتمي يا وَلية انتِ عارفة هيدفع فيها كم مهر المسخوم دي! هيدفع فيها عشرين ألف جنيه هيديهم لي في يدي، غير الدهب اللي هيجيبه لها، اني خلاص قررت دي ابوه من كبارات البلد وهنتريش على حسها.
ضـ.ـربت على صدرها بخضة وهي مصدومة من كلامه وشكله طبعا مقرر انه هيجوزها له وما حدش هيقدر يقف قدامه:
ـ حرام عليك عايز تبيع بتك بعشرين ألف جنيه ما لهمش عازة، حرام عليك تعمل فينا اكده، اني كل شقايا وتعبي رايح عليك وعلى الشرب اللي انت هتشربه، حرام عليك تظلم عيالي اني رايدة أعلم بناتي، عايزة اخليهم أحسن مني حرام عليك.
ـ حرمة عليكِ عيشتك يا وَلية، لو ما عايزاهاش تتجوَز يدك على العشرين ألف جنيه واني هتراجع عن اللي في راسي وكمان هتجيبي الدهبات اللي كان هيجيبها لها.
فضلت تضـ.ــرب على رجليها بحسرة لانها مديونة لطوب الارض بسببه وما حدش بقى يرضى يديها فلوس حتى اهلها:
ـ حرام عليك هجيب لك الفلوس داي كلاتها منين احنا يا دوب عايشين يوم بيومه ما هقدرش على اكده واصل، طب سيبها واني هكتب لك وصل بيهم لحد ما اجيبهم لك ولو حتى من تحت طقاطيق الارض.
ضحك باستهزاء وسخرية وهو بيتريق عليها:
ـ وصل مين يا أم وصل انتِ ما هقبلش أني الوصولات داي، اني هحب اخد حقي كاش.
والمكتوب ما منوش مهروب والأيام مرت بسرعة واتجوزت “نغم” لـ”سمير” اللي كل يوم كان هيمرر عيشتها هو وامه كانت هتشتغل تحت رجليها في البيت ليل ونهار وكل يوم والتاني هيضـ.ــربها علقة موت كانه بينتقم بالقلم اللي اديته له على وشه كل يوم وكل ساعة وهي معاه، وفي يوم من الأيام كان وياها على سريرهم وفجأة فضـ.ــل يضـ.ــربها بالأقلام على وشها ضـ.ــرب شديد فبتترجاه إن هو يسيبها وان هي ما عملتلهوش حاجة فبكل عصبية وهو بيضـ.ــربها رد عليها:
ـ يلا يا باردة يا اللي ما هتحسيش واصل، قولي لي جايبة البرود دي كلاته منين؟
ما تعرِفيش الحريم كيف يكونوا مع أجوزتهم عاد، ما هحسش بيكي ولا إن في ست بين يدي.
وفضل يضـ.ــربها وهي تترجاه إنه يسيبها ودايما بيتعامل معاها كده بعنـ.ــف حتى وهم في لحظاتهم الخاصة بس المرة دي ما كانش شايف قدامه وهو بيضـ.ــربها وصوتها كان مسمع البيت كله لدرجة إن حماتها بقت واقفة تحت وعمالة تسقف وتزغرط وتقول له:
ـ ربيها كمان وكمان البَهيمة داي اللي جاية من تحت الزرايب، اللي متجوَزة سيد البلد كلاتها وما هتعرفش قيمتَه، ربيها يا واد لحد ما تتعلَم تُبقى طوعك وتحت يدك.
لحد هنا و”سند” ما كانش جه، واول ما رجع سمع الصويت قلبه ارتجف وطبعا عارف ايه اللي بيحصل قرب من أمه وهو بيطلب منها:
ـ حرام عليكِ يا حاجة هتسيبيه يبهدل مرَته كل يوم والتاني بالشكل دي والناس كلاتها تتفرج علينا وهيسمعوا ويدعوا علينا، حرام عليكِ واصل العيشة داي ما ترضيش ربنا ابدا.
بصت له أمه الحاجة “رابحة” وهي هتشده من يده:
ـ دي راجل بيأدَب مرتَه يا ولدي ومش كل الناس مراتاتها حلوة زيك هتسمع الكلام، البت داي نافرة لجوزها ونافرة ليا اني كمان ولازمن تتأدَب.
“سند” ما بقاش مستحمل وزعق:
ـ ما فيش راجل زين يا حاجة يمد يدَه على مرَته واني اهنه كَبير البيت بعد ابوي اللي مرمي تعبان جوة دي وهيسمعكم وانتم عمالين تعـ.ــذبوا في البنية اللي ولا ليها أهل ولا ليها حد يدافع عنيها واصل، واني ما هرضاش بالكلام دي مرة تانية أبدا.
رفعت أمّة حاجبها وصممت إنّه ما يتدخلش:
ـ طب يمين بعظيم يا “سند” لو اتحركت من مكانك لهغضب عليك وانت عارف غضب أمّك عامل كيف؟ ومش كل مرّة هتتخانَق ويا أخوك وتمد يدك عليه بسبب حرمة، ما ليكش صالح بيهم يا ولدي، كل واحد حر هو ومرتة.
“سند” بردة ما سمعش كلامها وكان جاب آخره، كل مرّة هتحلف عليه اليمين دي وهو يخاف على غضبها، لكن المرّة داي خلاص ممكن تموت في يده:
ـ يمينك داي يا أمّي على راسي من فوق، لكن ابنك دي هيجيب لنا مصـ.ــيبة، مرتة هتمـ.ــوت في إيدة وهيلبس لنا مصيـ.ــبة بسبب دماغة وعندة وياها.
وسابها وطلع يخبط على الباب، لكن طبعًا “سمير” كان في حتّة تانية خالص ولا دريان بيخبط ولا باللي بيزعق، وهو بيمارس حقوقة الزوجيّة معاها بأبشع الطرق وهي تصـ.ــوّت ومش متحمّلة طريقتة معاها، اتحملت على إيدة عذاب ما تحملهوش بشر،
“سند” ما لقاش فايدة من الخبط فكـ.ــسر الباب بعزم قوتة، وقبل ما يدخل على أوضة نومهم قعد يضـ.ــرب على الباب علشان اخوه يسمعه ويسيبها، لكن ولا حياة لمن تنادي، فاضطر إنّه يدخل، وفي لحظة شايل أخوة بإيدة الاتنين وخرج بيه برّة الأوضة وهو مغمّض عينيه علشان يمنع عينة إنّها تبص لمرّة أخوه، وقلع جلابيتة لبسها لأخوه لما خرج من الأوضة وهو هيزعق في وشة:
ـ انت إية يا أخي اتجنيت في عقلك عاد؟ هتتعامل ويا مرتك كيف العربجيّة واصل؟ هتمد يدك عليها وتسمّع الناس بينا كل يوم والتاني؟ حرام عليك، أني تعبت منك، الشرب اللي انت هتشربة لحس دماغك، يمين بعظيم يا “سمير” لو عملت اكده تاني واصل لاكون رابطك في الشجرة اللي في الجنينة تحت، وهخلي اللي ما يشتري يتفرّج عليك، وأديني أها نبهتَك.
مسك “سمير” في جلابية “سند” وهو بيتخانق معاه زي كل مرّة، ما بيعملهوش احترام إنّه أخوة الكبير وفي مقام ابوه:
ـ ما ليكش صالح يا جدع، أني حر أني ومرتي أأدّبها على كيفي، وانطُق كيف تدخل علي أوضة نومي اكده يا كبير ياعاقل؟ أني لازمن أعمل لك مجلَس في البلد علشان تحترم خصوصيّة أخوك الصغير مع مرتة.
“سند” نزل إيده من على صدرة وهو بيحذّرة:
ـ مجلس مين اللي هتتحدّت عنية دي؟!
هو في حد في البلد داي كلاتها يبص في خلقتك من العمايل اللي هتعملها فيهم؟ ولا الشيوخ ولا كبار ولا صغار؟ داي العيال اللصغيرة اللي في البلد هيخافوا منك وهيبعدو عنك، اعقل يا “سمير” وحافظ على أهل بيتك وكفايانا فضايح كل يوم والتاني.
ـ مهما عِملت فيها ماليكش صالح، أني يا عم معايزش حد يحبني واصل، كفاية انت الناس كلاتها هتحبك، أني حر أني ومرتي، ودلوك اتفضل علشان أني عايز أدخل أكمل نوم.
ـ اعمل حسابك إنّك طلقتها مرتين قدّام المجالس اللي عُملتها لك، والطلقة التالتة تابتة وما منهاش رجوع يا ولد أبوي.
قالوا الكلمتين دول لأنّة عارف كويس إنّ أخوه بيعشقها، وكل اللي بيعملة دي علشان عارف إنّها ما بتحبهوش، وإنّه اتجوزها غصب، وهو نصحة قبل ما يتجوزها بلاش، لأنّها رفضتة قدّام البلد كلاتها، وأبوها اللي صمّم إنّه يجوزها له،
دخل الأوضة بينادي عليها ما بتردّش، قرب منها وهو بيشدّها من شعرها بعنـ.ــف:
ـ جاك خابط في نفوخك، ما تعبتيش من العلقة اللي خدتيها؟ وكمان ما هتردّيش علي؟ شكل النهاردة هُتبقى ما معدّياش عليكِ يا مرّة، انتِ ردي يا بت.
كانت في عالم تاني، كأن ربّنا اختار لها العالم داي علشان تهرب من جبروتة وقسوتة عليها، كان مغمى عليها بسبب الضـ.ــرب الشديد اللي أخدتة على دماغها وعلى وشّها، فبيدوّر وشّها لقاها بتنزل دم من بقّها، حاول يفوقها وقلبه طب في رجليه لتكون ماتت في إيديه زي ما اخوه كان بيحذّرة:
ـ فوقي يا “نغم”، فوقي ما تموتيش، أني هعشقك، حقّك عليّ ما همدّش يدي عليكِ تاني، ما تموتيش، أني هعشقك، فوقي، اوعاكي تفارقيني وتسيبيني، أني ما هعرفش أعيش من غيرك.
حاول يفوقها بشتى الطرق ما جابش نتيجة، وبقّها ما زال بينزل دم، ودانها كمان بتنزل دم، لبسها الهدوم بسرعة وشالها واداها على المستشفى، وأول ما وصل الدكاترة جريوا عليها وحطّوها على الأشعة وعملوا لها فحص، وبعد مرور ساعتين تقريبًا خرجوا لـ”سمير” وهو واقف يرجف من الخوف، واللي أول ما شاف الدكتور سهم الله نزل على راسه، خايف يقول له إنّها ماتت، الدكتور قرب منه غضبان وهو بيسألة:
ـ المدام متعرّضة لحالة ضـ.ــرب وسحل شديدة، غير كمان آثار اعتداء جسدي شديد ما تتحملهوش ست في الدنيا، تقدر تقول لي اللي حُصل داي حُصل كيف؟
“سمير” اتلجلج ما بقاش عارف يقول إيه، وخصوصًا إنّ دي مش أول مرّة ييجي المستشفى بيها وهي بحالتها داي، والدكتور كان متواعد له، ومن قبل اكده كان بييجي بمراتاتة اللي كان متجوزهم بنفس الشكل، فكان مستنّي له الغلطة داي علشان يقدر ينقذ الست دي من إيديه:
ـ تمام، نبلّغ الشرطة طالما مش عايز تتكلم وتقول مين اللي عمل فيها اكده، وهم هييجوا يحققوا، داي جريمة اغتـ..ـصاب وشروع في قتل، لأنّها عندها ارتجاج في المخ والأعصاب.
“سمير” حاول ياخد نفسة ويرتّب كلامة قبل ما يقول للدكتور وردّ عليه:
ـ طب يا دكتور سيبني أتحدّت وياها، وهي هتحكي لكم بنفسها إيه اللي حُصل لها، بس رايد أطمَن عليها.
الدكتور طبعًا قبل ما يخرج من عند “نغم” كان مفهمها كل حاجة وقال لها إن هي عندها فرصة إنّها تخلص منه وإن هو هيساعدها لأنها صعبت عليه جدًا، مش أول مرة تجيله بالحالة داي ولا أول مرة تتعرض لطريقة الضرب العنـ.ــيف داي.
وأول ما دخل عندها ودّت وشّها الناحية التانية، لكن هو قاعد جنبها ومسك إيديها بحنية زي كل مرة بيضـ.ــربها العلقة التمام وييجي يقعد يعيّط جنبها ويعتذر لها ويبوس إيديها وراسها ورجليها كمان:
ـ حقك عليّ يا أم العيال، أني غلطان من ساسي لراسي، وآخر مرة همدّ يدي عليكِ فيها تاني، بس سامحيني يا “نغم”، سامحيني علشان خاطر ولادنا.
شدّت إيديها السليمة منه رغم تعبها الشديد، وكمان دراعها مكسور ومتجبّس بسبب ضـ.ــربه لها، وهي بتتكلم بنبرة باردة:
ـ المرة داي بالذات هخلُص منيك يا “سمير”، المرة داي بالذات هتطلقني غصب عنيك، يا أما هبلّغ عنك وهدخلك السجن، وأني عارفة إنك هتكره السجن كيف لما دخلته قبل سابق، وكنت هتعيّط كيف الحريم وما اتحملتش تقعد فيه شهر واحد، وهجيب شهادة الجيران مع تقرير الدَكتور وهوديك في ستين داهية.
أول ما سمع كلمة طلاق اتجنن وبقى يلف ويدور حوالين نفسه في الأوضة، وحالة الهيستيريا والغضب رجعت تتملكه تاني، لكن حاول يمسك أعصابه لأن في كاميرات في الأوضة، وكمان هو عايز يمشي معاها باللين:
ـ انتِ عارفة داي الطلقة الأخيرة ليكي معاي، وأني هحبك، لا أني هعشقك يا “نغم”، وما هقدرش أعيش من غيرك، ما تفوتينيش لحالي، صدقيني عمري ما همدّ يدي عليكِ تاني مهما حُصل، بس ما تسيبنيش.
“نغم” بتصميم المرة داي إن هو يطلقها:
ـ ما هقعدش على ذمتك يوم واحد بعد اكده يا “سمير”، هتطلِقني يعني هتطلِقني.
حاول معاها بشتى الطرق لحد ما الدكتور دخل وعرفها إن الشرطة جايّة في الطريق علشان تستجوبها مين اللي عمل فيها اكده، و”سمير” بقى واقف مش قادر ينطق بولا كلمة، سابته شوية بتلعب بأعصابه علشان تخلص منه، لحد ما قالت للدكتور:
ـ لو طلقني قدامك يا دَكتور وجاب المأذون دلوك، أني متنازلة عن اللي عملوه فيّ، غير اكده هات الظابط وهمشي في الإجراءات.
اتحط قدّام الأمر الواقع وما بقاش عارف يعمل إيه، لحد ما استسلم وجاب المأذون وطلّقها الطلقة التالتة، اللي لما سمعتها اتنهّدت تنهيدة طويلة وحست إن ربّنا خلاص نجاها من إيده، لكن ما كانتش تعرف إن داي بداية الطريق المرّ مع “سمير” أكتر ما كانت هتعيش معاه،
وروحت على شقتها اللي هي طبعًا كانت عايشة معاه فيها، وشهدت عليه شيخ البلد والعمدة إن هو طلقها وإن هي هتعيش في شقتها هي وعيالها علشان هي حاضنة، وإنه ما يجيش ناحيتها، يا أما هتروح تعمل له محضر عدم تعرّض، لكن هو كان له رأي تاني وعمل اللي ما يخطرش على بال حد علشان يقدر يسيطر عليها.
*******
في نفس الوقت كانت “مهرة” أخت “نغم” راجعة من مدرستها، هي في الإعدادية، ماشية هي وصاحبتها اللي معاها، طبعًا هي لابسة هدوم أقل منهم جدًا، لكن كان عندها حلم عايزة توصل له نفسها، بعد ما تخلص الإعدادية تقدّم في التمريض وتطلع من البلد داي خالص وتبعد بعيد عن أبوها، وهتصرف على نفسها،
“مهرة” قوية جدًا في الشخصية، كانت ماسكة ساندوتش فول هتاكله في ايديها وهي ماشية في وسط صاحباتها، فجأة لقت كلب هجم عليها وشد الساندوتش اللي كانت هتاكله من ايديها ، لكن هي اتجننت وعصافير راسها طارت، إزاي الساندوتش اللي هتتغدى بيه طول النهار، لأنها هتخرج من المدرسة تروح تشوف شغلها اللي بيجيب لها الفلوس علشان تديها لأبوها،
وعملت اللي ما يخطرش على بال حد، ادّت الكتب لصاحبتها والشنطة وجريت ورا الكلب، صاحباتها حاولوا يوقفوها لكن ما قدروش عليها، الكلب كان قاعد في مكان جانبي بياكل الساندوتش، قربت منه وبكل قوة شدّت الساندوتش من بقه وهي بتبص للكلب بنظرات قوية زي جمرات النـ.ــار وبتزأر زي زئير الأسد بالظبط، لدرجة إن الكلب خاف منها وجري من قدامها، صحابها قربوا منها وهم بيحذروها:
ـ أوعاكي تاكلي من الساندوتش دي، هتتسممي يا “مهرة”، بلاش صدقيني.
“مهرة” كانت بتبص للساندوتش بحسرة وبطنها هتتقطع من الجوع، لكن أصحابها كلاتهم فضلوا حواليها لحد ما رميته، وقعدت على المصطبة تعيط بقهر:
ـ حتى الكلاب هتستكتر علي اللقمة اللي هاكلها طول النهار وأنام عليها لحد الصبح.
صعبت على أصحابها جدًا، فواحدة فيهم طلعت من شنطتها ساندوتش وادته لها وهي بتقول لها:
ـ خدي يا “مهرة” ساندوتش أهو، كليه، أني شبعانة الحمد لله، وكمان هروح ألاقي أمي عاملة لنا الوكل، خدي ما تتكسفيش، إحنا خوات يا بت.
“مهرة” كانت نفسها عزيزة جدًا، وعندها تموت من الجوع ولا إنها تاخد أي حاجة من حد، ولا إن أي حد يحسسها بالنقصان، فرفضت جدًا إنها تاخد الساندوتش من يد صاحبتها، وسابتهم وراحت ركبت محطة القطر زي ما بتركب كل يوم، وودّيتها على المكان اللي بتروح تلقط رزقها منه بين إشارات المرور، مكان ما حدش هيشوفها فيه ولا هيعرفها، لأن ما حدش من زمايلها ولا أبوها ولا أمها يعرف هي بتعمل إيه، وهي بتنادي بعلو صوتها:
ـ مناديل يا باشا، مناديل يا بيه، عايزة أخلص المناديل اللي معاي علشان أرجع لأمي وخواتي اللي ما أكلوش من الصبح، مناديل يا باشا، مناديل يا بيه.
قرب منها واحد وهو بيبص لها نظرات غريبة، هي فهمتها لأنها في الشارع من وهي طفلة صغيرة، وفاهمة كل حاجة وفاهمة نظرات اللي حواليها عاملة إزاي وهتعرف تترجمها كويس جدًا، وهو بيناولها الفلوس وهي بتدي له المناديل بيلمس ايديها يديها بطريقة مش كويسة، وما كان منها إلا إنها أخدت منه الفلوس الأول وبعدين تفّت في وشه، وشالت الجزمة بتاعتها المهلُوكة وخبطت بيها مراية العربية وكسرتها له، وجريت من قدامه وهي حاسة بالانتصار على الأشكال اللي زي دي، وقعدت على جنب وهي بتعد الفلوس اللي معاها:
ـ حرق اللي جابوك، أشكال عايزة الولعة، عاد هتفكرني بنتة سهلة إياك.
في الوقت ده بقى ما كانتش قادرة تتحمل الجوع، وحسّت إن ربنا رازقها كويس، وهترجع تدي لأبوها الفلوس اللي جمعتها، قررت إنها تجيب لنفسها أكل تاكله كالمعتاد، فول وطعمية يسد جوع بطنها علشان تروح تدي لأمها جزء من الفلوس وترمي الباقي لأبوها:
ـ رصي الحجر زين يا بت يا “شيماء”، يا أما بالبلغة اللي في رجلي وعلى راسك.
أمها كانت نايمة على السرير تعبانة، كان عندها جلسة غسيل كلوي ومش قادرة تتحرك من مكانها، لكن صعبت عليها بنتها الصغيرة اللي لسه في الابتدائية تعمل العمايل داي، فطلبت منه:
ـ إن شاء الله يسترك يا أخويا، ما تضرُبهاش على راسها، البت نظرها ضعف من كتر ما هتضربها على راسها، ولابسة نضارة وهي لساتها صغار، وأني راجعة تعبانة ما قادراش أعمل لك حاجة، وهي هتفهم زين بس اصبر عليها.
“شيماء” أخت “نغم” و”مهرة” الصغيرة، اللي بتترعب من أبوها، واللي من كتر ما بيضـ.ـربها نظرها ضعف بسبب ضربه على وشها وعلى راسها كتير، فبقت تنفذ اللي هو عايزه من غير ما تعارضه زي ما كانت طفلة صغيرة وما كانتش تعرف حاجة:
ـ خلاص أهو يا أبوي، هظبطه كيف ما انت رايد، بس ما تضـ.ـرُبنيش، راسي هتوجعني من ضـ.ـرب امبارح.
في الوقت ده “مهرة” كانت رجعت شافت أمها المرميّة، وعرفت إن كان في جلسة غسيل كلوي لها، كانت راجعة مش قادرة تتنفس من كتر التعب، لكن المنظر اللي شافته في والدتها وفي أختها خلاها رمت شنطتها وكتبها، وكمان رمت الفلوس في وش أبوها زي كل يوم، لكن ما يقدرش يتنفس قدامها لأنه ما بيعرفش يمد يده عليها، ما بيقدرش، لأن قوة جسمها صلبة، وكمان بتعرف تدافع عن نفسها كويس، فبيخاف منها،
وتقريبًا هي الوحيدة اللي بترد عليه في أخواتها، لكن شغلها وإنها بتدي له فلوس مش خوفًا منه، لكن خوفًا على أمها وأختها من تعـ.ــذيبه ليهم، فقالت لـ”شيماء”:
ـ قوم يا “شيماء”، حطي الطبلية علشان تاكلي انتِ وأمك، وبعدين أني منبّهة عليك مية مرة ما ترصّيش جوزة تاني أبدًا مهما حُصل، وتركّزي في مذاكرتك، انتِ في شهادة ابتدائية، منبّهة ولا مش منبّهة يا “شيماء”؟
“شيماء” بصّت لأبوها بخوف ورعـ.ــب ووطّت راسها في الأرض، وطبعًا “مهرة” فهمت إنه ضـ.ــاربها ومهددها، فقربت منه، ما كانش لسه أخد الفلوس، وأخدتها بكل قوة وجراه:
ـ هو أني ممتفقة وياك إنك ما لكش صالح بـ”شيماء”، ولا هي ليها صالح بشربك وعمايلك المقرفة داي، ومتفقة وياك ولا تزعق لأمي ولا تعلي صوتك عليها، يمين بعظيم يا “حناوي” هاخدهم ونروح نعيش في مكان تاني، وهسيبك تقعد على الكنبة بتاعتك داي وتشوف مين اللي هيوكلك ويشربك.
كان قاعد على الكنبة وماسك الجوزة بيشربها ولا كأنه ملك زمانه، وأول ما أخدت منه الفلوس قام من مكانه، لسه هيمد يده عليها، رفعت يدها في الهوا وعلّقتها وهي بتبص له بتحدي وقوة:
ـ بلاش تجرب تمد يدك عليّ، انت أبوي وما عايزاش أهينك في السن دي يا “حناوي”، وانت عارفني زين، لا ههاب الضـ.ــرب ولا المـ.ــوت ولا ههاب أي مخلوق في الدنيا كلاتها.
أبوها بقى بيزغر لها جامد وهو بيجزّ على سنانه بغضب:
ـ طب هاتي الفلوس داي يا بت، أني ولا عايز خناقات ولا حوارات، انتِ اللي داخلة تقولي يا شر اشتر.
ـ طب يا “حناوي” للمرة اللي ما عارفاهاش عددها واصل، المنظر اللي شفته داي ما يتكررش تاني، واعمل حسابك إن ممكن أجي في أي وقت بعد اكده، لو شفتك هتعامل أمي وحش ولا هتخلي “شيماء” تقعد القعدة داي ولا تمد يدك على وشها، أني ليا كلام تاني.
ورميت له الفلوس في وشه وشدّت أختها،
وراحت قربت من أمها وباستها من راسها وطبطبت عليها وهي بتسألها عن صحتها:
ـ طمّنيني عنك يا حبيبتي، تعبتي في الجلسة النهاردة؟ معلَش ما عرفتش أعدّي عليكي، الشغل كان كثير عليّ.
طبطبت أمها على ضهرها وهي بتطمنها:
ـ ما تقلقيش يا حبيبتي، أني زينة، وخيتك الصغيرة كانت هترعاني كيف ما انت موصياها، عليّ، ربنا يخليكي ليا وما يحرمنيش منك يا “سندي”، ويعينك على حملك التقيل يا بتي.
ابتسمت لأمها ابتسامتها البشوشة، رغم تعب الدنيا اللي فيها، إلا إنها عمرها ما تحسسها بأي حاجة من تلاها، دايمًا تقول لها إنها بخير وإنها أحسن واحدة في الدنيا، دايمًا تبين لها إنها قوية، رغم إنها بسبب الظروف اللي هم عايشينها بسبب أبوهم الجاحد بتقعد مع نفسها وتعيط كثير من غير ما حد يحس بيها، لأن الضعف مش مسموح لها بيه.
واطمنت على أمها وداوتها، ودخلت تذاكر لنص الليل، ونامت على نفسها علشان تقوم من قبل الفجر تروح تشتغل قبل المدرسة شوية وبعدين ترجع.
*******
في أوضة “سند” ومراتة كان قاعد بينفخ بضيق لأن هي مهملة فيه جدًا وما بتديهوش حقه كزوج، ومهما يلومها أو يعاتبها ما يفرقش معاها، فقرر المرة داي إن هو يهددها، فراح لها الأوضة اللي نايمة فيها مع ولادها، صحاها من النوم اللي غرقانة فيه:
ـ قومي يا هانم، رايدك في كلمتين، معايزش أعلي صوتي علشان البنت ما تقلقش في نومتها.
اتململت في نومها وهي بترفع الغطا عليها وتبعد يدي:
ـ أني تعبانة طول النهار ومهلوكة وما قادراش أتكلم دلوك يا “سند”، خلينا الصبح عاد.
ـ قومي بقول لك علشان أني خلقي ضيق، ولا طايقك ولا طايق نفسي ولا طايق الدنيا باللي فيها.
نفخت بضـ.ــيق وقامت من على السرير، وعينيها مليانة نوم ومشيت جنبه، راحت على أوضتهم، وأول ما دخلت قعدت على السرير وسندت ظهرها وغمضت عينيها وقالت له:
ـ يلا خد اللي انت رايده، ما تطولش علشان أني تعبانة ولا في صحة ولا فيا حيل ليك.
زقها في كتفها وهو بيفوقها:
ـ انت إيه يا بني آدمة، ما هتحسيش كيف الستات؟ ومن إمتى و”سند” هيتعامل وياكي بالطريقة داي؟
لازم تشوفي لك حل في موضوع البرود بتاعك دي، خلاص أني آخري جاب آخره وما هتحملش أكتر من اكده واصل.
بكل برود زي كل مرة ردت عليه وقالت له:
ـ واني ما قلتلكش اتحمَلني؟ ميت مرة قلت لك اتجوَز، أني خلاص ما رايدهوش الموضوع دي ولا ليا فيه حيل، أني عايشة أربي عيالي وصحتي على كدهم، وطلعني من نفوخك.
ـ والله عال أول مرة أشوف ست في الدنيا تطلب من جوزها يتجوَز عليها بالسهولة داي، ما عايزش أجيب مرة أب لأولادي، ماعايزش أفرق البيت، انظبطي زيك زي أي ست هتدي حقوقها لجوزها وهي ملهوفة عليه.
ـ الستات اللي هتتحدت عنيهم دول فاضيين وما وراهمش حاجة، وعندهم اللي هيخدموهم، أما أني ولا هحب الخدامين، أقرف منهم، وما أحبش آكل ولا ألبس غير من عمايل يدي، واني طول النهار تحت رجلين ولادك، وبصراحة اكده الموضوع اللي انت هتطلبه مني داي كل يوم والتاني حاساه عبق عليّ ومانيش طايقاه، ما هحسش فيه غير بالوجع وبس وتضييع الوقت والراحة لجسمي.
ضرب “سند” كف على كف من طريقتها:
ـ والله مستغربك، معقولة يكون في صنف حريم كيفك اكده يا “دعاء”؟ بالرغم من إنك متعلَمة إلا إنك ما هتفهميش حاجة عن معاملة جوزك، وكمان عن احتياجات كل ست.
ـ ما هو انت ما قادِرش تفهم إن أني ما هحسش بالاحتياجات داي، ما رايدهاش واصل، واني من زمان أتحايل عليك تروح تتجوَز وانت اللي رافض.
ـ طب لما انتِ اكده اتجوَزتِ ليه؟ لما انتِ عارفة حالك مش ست زي الستات ورافضة حتى تتعالجي، ليه ربطتيني بيكي؟
ـ أني كنت عايزة أخلَف، والحمد لله خلفت، وبقى لي عيال هراعيهم في صغرهم وهيراعوني في كِبري، وموضوع اللقاء الزوجي دي ما هحبهوش واصل، واني متربية من صغري إن الحاجة اللي ما هحسهاش وما أحبهاش ما أعملهاش.
ـ بس انتِ بطريقتك وبكلامك داي هتخلفي الطبيعة البشرية اللي ربنا خلق الست عليها؟
ـ أهو ربنا خلق الستات كلاتها هتحس بالحاجة داي إلا أني ما هحسش بيها واصل، وفي كتير منهم هيقضوا حياتهم وهيعيشوها من غير ما اللي قدامهم يحس، أما أني هحس بالوجع والقرف من الموضوع دي، وكمان بطني هتوجعني في كل مرة كنت هحاول غصب عني، لكن كل محاولاتي بقت بالفشل، أني ما عايزاش الموضوع دي يا “سند”، فطلعني من دماغك وروح اتجوَز، وإذا كان على العيال اطمَن عليهم، أني ما هسيبش البيت ولا هتطلق منيك.
كانت جابت آخره خلاص لما صارحته بكلامها ده قولًا وفعلًا، حاول معاها كتير بكل الطرق إن هي تبقى إنسانة طبيعية، حتى لو كان هيمارس حقوقه معاها كزوج بطريقة الشدة مرة واللين مرة تانية والمسايسة مرة تالتة، لكن في كل مرة كانت تثبت له إن هي مش قادرة تمارس الموضوع ده وفوق طاقتها، فنفخ بضيق وشاور على الباب وهو بيقول لها:
ـ روحي نامي جنب ولادك، بس يكون في معلومك إني راجل وليّ حقوق، وهتجوَز.
ردت عليه وهي بتتتاوب وكأنه قال كلام عادي خالص:
ـ تُبقى كسبت فيّ جَميل وعِملت فيّ معروف وريحتني من تلاك، خليني أربي عيالي بهدوء، وألف مبروك مقدمًا.
مع كل رد بترده كان بينصدم أكتر، إزاي تكون دي ست طبيعية زيها زي أي ست، وكل ده متحملها علشان بنته وابنه ما يتأثروش، لأنه هيحبهم أكتر ما بيحب نفسه، وقعد يكلم حاله:
ـ ربنا يسامحك يا أمي على الجوازة داي اللي ما كنتش رايدها من الأول، وانتِ تقولي لي يا بنت خالتك يا هغضب عليك، ربنا يسامحك.
******
وبتمر الأيام و”نغم” ارتاحت نفسيا لحد ما في مرة لقيت طليقها داخل عليها براجل غريب فسألته:
ـ مين دي يا “سمير” ؟ وايه اللي جابك حداي اهنه؟ اللي بيناتنا انتهى وربنا خلصني منيك ومن عشرتك السودة.
“سمير” كان بيبص لها بشوق ورغبه واخدها على جنب وهو بيقول لها:
ـ وحشتيني يا نغومتي، وحشني حضنك وايامك ودلعك ليا ولياليكي، ما هعرفش اشوف ست غيرك.
نفضت ايديه وهي هتبص له بقرف:
ـ وه هو دلوك حليت في عينيك! قبل سابق كنت هتموَتني في يدك وهتقولي يا باردة ومكنتش في نظرك ست كيف الستات.
وكملت كلامها وهي بتحذره بغضب:
ـ بعد يدك داي عني كاني لسه هجد عليك واصل! عِملتها قبل سابق واختت مني نصيبك قبل ما تجبرني على جوازي منيك، لكن دلوك ما هسمحلكش تعملها يا “سمير” وسيبك من حوار وحشتك لأني خلاص الحمد لله ربنا خلصني منكم ومن عشرتك للابد وما هتعرفش ترجع لي تاني ابدا مهما عِملت، ودي حكم الله شوف بقى هتعارض حكم الله كيف ؟
مرر لسانه على شفايفه وهو بيتغزل فيها وفي شراستها اللي دايما مخلياه مش قادر يبعد عنها ولا يسيبها ولا يفكر في ست غيرها كانها مرض لزق فيه طول عمره:
ـ أهي قِوتك وشراستك داي هي اللي مخلياني اتمسَك بيكي وما قدرش ابص في الدنيا لست غيرك، ويكون في معلومك يا بت الناس اني قدرك ونصيبك، واذا كان على الحل معلوم؛ ربنا اللي شرع الطلاق بالتلاتة هو اللي شرع الحل وياه.
ضحكت على كلامه بسخرية وهي بترد عليه:
ـ اها، مين اللي قال الكلام دي يا ناصح زمانك؟! هتألف في شرع ربنا كمان اللي ما تعرفش عنيه حاجة واصل؟
طب كنت اعرِف شارع ربنا في شرب الخمرة والقرف اللي هتشربه كل يوم والتاني بدل ما انت عايز ولادك تعيش وياك في الحرام عاد؟
شاور لها على الراجل اللي جايبه معاه وهو بيصدمها بتفكيره وكلامه:
ـ شايفه شرابة الخرج اللي هناك دي، هيتجوَزك ليلة واحدة بس وبعد اكده هيطلقك ولما يحصُل هتخلصي عدتك هترجعي لي وربنا اللي قال اكده؟
شهقت بخضة وهي هتضـ.ــرب على صدرها بحسرة على حالها:
ـ يا حزنك يا “نغم” يا مرك يا “نغم” على المرار الطافح اللي هتعيشي فيه، بقى انت جايب رجالة تعرضني عليهم، وكمان تجوَزني على كيفك من المقطوع دي علشان أرجع لك، منك لله يا بَعيد منك لله؟!
ـ دي قرار ما منوش رجعة ولازمن تعرِفي ان اللي في دماغي هنفذه مهما حُصل وهتتجوَزيه يعني هتتجوَزيه؟
لما سمعت منه الكلام ده ما بقتش شايفه قدامها غير إنها شالت التحفة اللي قدامها وجريت على الراجل اللي هو جايبه وفي لمح البصر ضـ.ــربته على دماغه ودم الراجل ساح وبقى يولول زي الحريم :
ـ اه يا دماغي قتـ.ــلتني بت المجانين، عايز تجوَزني المجنونة داي؟!
لاااه ما مستغنيش عن عمري أني ،منك لله يا “سمير” منك لله أني هموت بسببك.
خلص كلامه وجري من قدامهم لما شافها رايحة تجيب حاجة تانيه تضربو بيها فوقف “سمير” قدامها بغضب وهو بيهـ.ــددها:
ـ يمين بعظيم اللي عِملتيه دي ما هيعديش بالساهل يا مرة انت، واذا كان دي غار في داهية فيه غيرَه كَتير وما هحلكيش وهترجعي لعصمتي يعني هترجعي، وانتِ اللي بداتي تتحديني وانتِ خابرة زين اللي هيتحدى “سمير الناجي” مصيره هيُبقى عامل كيف؟ واللي في دماغي هنفذه برده.
خلص كلامه وسابها ومشي فلقت نفسها بتلعنه وهو خارج قولا وفعلا ودخلت حضنت ولادها وهي بتعيط جامد بسببه لارحمها وهي عايشه معاه ولا رحمها وهي مطلقة منه،
ومرت الأيام والحال هو نفسه الحال كل يومين يجيب لها واحد شكل، لحد ما في يوم رايحة تجيب بنتها الصغيرة من الحضانة زي كل يوم لكن الداده المسؤولة عن الحضانة قالت لها:
ـ البنت باباها جه اخدها من نص ساعة قال ان هي تعبانة وهتروح تكشف، بصت لها بخضة وهي بتسألها:
ـ بنتي تعبانة كيفها وجرى لها ايه؟
جاوبتها الدادة وهي بترفع ايديها باستسلام:
ـ والله ما حصلهاش حاجة في الحضانة بس هو جه وقال ان هي عِندها ميعاد كشف فاديناها له.
“نغم” مشيت من قدامها وهي مصدومة، هو عمره ما جه اخد بنته من الحضانة ولا اهتم بيهم من الأساس فطلعت تليفونها واتصلت عليه، ما رضيش يرد عليها في الأول لحد ما خلصت الرنة كاملة والقلق بقى يضـ.ــرب في صدرها ضـ.ــرب، فضلت ترن عليه لحد ما رد عليها وهي هتسأله بلهفة:
ـ فين بتي يا “سمير” وديتها فين مش عوايدك تروح تاخدها من الحضانة؟
رد عليها بكل برود وهو بيصفر صفيره المزعج كالمعتاد:
ـ بتي وياي وما هتشوفيهاش تاني واصل علشان تُبقي تعرِفي تتحديني كيف يا بت الخمورجي والخدامة.
هنا الصدمة نزلت على قلب “نغم” زلزلته وما بقيتش عارفة تعمل ايه وقلبها من الرعب طب في رجليها…
رواية النغم الحزين الفصل الثاني 2 - بقلم فطيما يوسف
رواية النغم الحزين – الفصل الثاني
بنتي وياي وما هتشوفيهاش تاني واصل علشان تُبقي تعرِفي تتحديني كيف يا بت الخمورجي والخدامة.
ما كان منها إلا على إنها تطيع أمره وهي موطية راسها في الأرض رغم كل اللي عمله فيها إلا إنها مضطرة:
ـ بتك مهترجعلكيش إلا لما توافقي على اللي أني رايده، والراجل اللي هجيبه لك تتجوَزيه تتجوَزيه غصب عنك، يا إما يمين بعظيم ما هتشوفي بتك ولا ولدك تاني، ولا عينك هتندرهم، وهعلمك كيف تبقي تتحديني وتردي علي الكلمة بكلمتها.
فضلت تعيط في التليفون وتترجاه، وهو قلبه قاسي وجامد ولا حياة لمن تنادي، فروحت جري على البيت، قعدت تحت رجلين حماتها وهي بتترجاها إنها تأثر على ابنها ويرجع البنت لحضنها:
ـ الحقيني ياما، ابنك راح أخَد بتي من الحضانة، وقال لي اني مهشوفهاش تاني، وبيهدَدني اني لو ما اتجوَزتش واحد من الرجالة اللي هيعرضني عليهم علشان يجبرني أرجع له، أحب على يدك وعلى رجلك كماني، خليه يرجع لي بتي، ما لهاش ذنب في اللي هيحصُل بيناتنا، أحب على يدك.
حماتها ست قوية ومفتَرية جدا عليها، لأنها شايفة إن هي أقل منهم بكتير، وإن ابنها جاب لهم العار لما دخل واحدة زي دي بيتهم، فبعدت يديها وهي حاسة بالاشمئزاز منها، وردت عليها بكل جبروت:
ـ بعدي يدك داي يا بت عني، هتنسي نفسك ولا إيه؟ أني الحاجة “رابحة” ستك وتاج راسك، ما ترفعيش المقامات ما بيني وما بينك، وبعدين داي بته يعمل فيها اللي على كيفه، هو في أب هيأذي بته عاد؟! انتِ اللي غاوية وجع راس، وهتكبري المواضيع، وبعدين ما تسمعي كلام جوزك وتعملي اللي هو رايدَه علشان ترجعي تتلمي انتِ وهو وعيالك في بيت واحد، ولا انتِ هتتكبري وناسية حالك؟ انتِ بت مين؟ دا احنا شاريينك بملاليم من أبوكِ الشمام.
عيطت “نغم” دموع قهر ووجع، الدنيا كلاتها جاية عليها، وعارفة إن هي مش هتاخد مع حماتها حق ولا باطل، لأنها مش بتطيقها من الأساس، وبقيت مش عارفة تروح فين ولا تيجي منين، ما لقيتش غير الوحيد اللي بيقف جنبها كل مرة وبيجيب لها حقها، فجريت على المصنع بتاعه، وأول ما وصلت كان معاه ناس في مكتبه، أول ما شاف منظرها وعينيها المورمين من البكا خرجهم فورًا، وطلب منها تقعد وسألها بقلق:
ـ مالك يا ست “نغم” هتبكي ليه عاد، ايه اللي حُصل لدي كلاته؟ اقعدي واستريحي الاول.
“نغم” ما كانتش قادرة تاخد نفسها لأن ولادها دول أغلى حاجة في حياتها، وما كانتش متوقعة إن “سمير” يلعب معاها اللعبة القذرة دي ويتحول بالضغط عليها بولادها، فحكيت له اللي حصل واللي هو عايزه منها، وفي آخر كلامها:
ـ كيف يعني أتجوز أي راجل هيجيبه لي؟! ما مقتنعاش بيه الحوار داي خالص يا أبو مازن، ما قادراش أتحملها على كرامتي ولا على نفسي ولا على ولادي، أدخل عليهم راجل غريب، ولا أني رايدة الجواز من واصل، هو كرّهني في الجواز والرجالة كلاتها، وفي الآخر ياخد بتي وعايز يحرمني منيها.
“سند” مش مصدق اللي بيسمعه، معقول أخوه يعمل كده ويجيب رجالة ليها ويعرضها عليهم، فسألها بتأكيد:
ـ كيف الكلام داي عاد يا بت الناس، الكلام داي تضيع فيه رقاب عاد؟
أكدت له “نغم” وهي بتمسح دموعها بطرف جلابتها:
ـ والله هو داي اللي حُصل يا سي “سند”، جاب لي لحد دلوك تلاتة رجالة، وكل مرة أخلص منهم بأعجوبة، ولما ملقاش مني فايدة ولا رجا راح خد البت من الحضانة وقال لي إن ما كنتيش توافقي على اللي هقول لك عليه ما هتشوفيهاش تاني واصل، أني عايزة بتي، رجع لي بنتي يا سي “سند”، دي ما يعرفش عنيها حاجة وزمانها مفلوقة من العياط دلوك، وكمان هيضـ.ــرُبها عمال على بطال.
شال مفاتيحه ولبس عبايته وأخدها معاه وخرج، ركب عربيته، ركبت جنبه، وأول ما مشي بالعربية اتصل على أخوه، فرد عليه على طول:
ـ إنت فين يا “سمير” دلوك، أني عايزك ضروري؟
رد عليه بكل برود:
ـ عايز إيه، أني ما فايقش للشغل دلوك ولا قادر أفتح عيني من الأساس؟
“سند” أخده على قد عقله وما رضيش يقول له إن “نغم” عنده واشتكت له، وطلب منه:
ـ في ورق مهم لازما يتمضي ولازم تمضي عليه وياي علشان الصفقة تمشي يا ابن أبوي، وأني هاجي لك لحد عنديك، بس قول لي لا مكانك فين، ويا رب ما يبقاش خمارة من اللي هاجي لك فيها كل مرة.
قال له على مكانه من غير ما يشك فيه، وبعد أما قفل معاه المكالمة طمّن “نغم” :
ـ بطّلي بُكا عاد، وبعدين هتسيبك من الضعف اللي فيك داي إمتى يا ست “نغم” ؟!، لازمن تكوني قوية علشان تقدري تربي ولادك، مش كل حياتك هتقضيها عياط وبُكا على اللي راح وعلى اللي جاي، الدنيا مليانة هموم وكل واحد فيه همه اللي مكفيه، ومش كل الناس هتعيط، شكلك اكده اجمدي عاد.
ـ طب بذمتك كل الناس حالتها زي حالتي يا أبو مازن؟ أني ما شفتش يوم فرح في حياتي، ولا في بيت أبوي ولا في بيت جوزي، ولا شفت الحنية غير من أمي اللي عايشة مذلولة تحت رجلين أبوي، وما عارفاش هروح فين ولا أجي منين من أخوك، أعمل إيه؟ ولا اللي زيي الستات الضعفا اللي ما لهمش مأوى ولا مكان، ولا حتى شهادة أشتغل بيها وأصرف على عيالي، ما ليش غير ربنا هو اللي يخفف عني، والبُكا هو الحاجة الوحيدة اللي من حقي أتنفس بيها عن وجعي.
ابتسم لها برجولة وهو بيشجعها إنها تستمر باستعانتها لربنا سبحانه وتعالى:
ـ ما تقلقيش، أني جارك وعمري ما ههملك تتبَهدَلي، ولا إنتِ ولا عيال أخوي، ولو حُصل منه أي شيء تعالي لي طوالي وما تخافيش، عايزك تطمني طول ما أني جارك ما حدش هيقدر يمسك، و”سمير” إنتِ واخدة على معاملته، حاولي تهوديه وتاخديه على قد عقله وما تعانديش وياه، وبخصوص الرجالة اللي هيعرضهم عليكي أني همنعه من الموضوع داي خالص.
بصّت له بعيون مبتسمة من بقى لها كتير ما شافتش البسمة ولا الفرحة، وهي هتسأله بلهفة:
ـ بجد يا سي “سند” هتخليه يبَعد عني؟ إنت ما تعرفهوش، راسه أنشف من الحجر الصوان، وعمره ما هيتنازل عن اللي في راسَه أبدًا مهما حُصل؟
لما شاف ابتسامتها حس قد إيه إنها مظلومة ومقهورة تحت رجلين أخوه اللي شافت على ايديه بهدلة ما تستحملهاش ست في حياتها، وهو من النوع اللي ما يحبش يبهدل الستات أبدًا حتى لو كانوا مين، لا كرامته ولا رجولته تسمح له بكده:
ـ صدقيني وخليكي واثقة فيّ عاد، ولازمن تكوني قوية علشان تتحملي اللي جاي، إنت بقيتي ست بطولك ومعكيش راجل، ولازم ولادك يشوفوكي قوية.
حرّكت راسها وحاولت تاخد نفسها علشان “سمير” ما يشوفهاش ضعيفة، هي بتستقوى بـ”سند” جدًا من أول جوازها، وكل مشكلة هو اللي واقف لـ”سمير” زي اللقمة في الزور، ودايمًا بيدعمها لأنه عارف إن هي ما لهاش حد،
وصلوا لمكان “سمير” ، وأول ما شافها جاية مع “سند” قرّب منهم ولسه هيتهجم عليها وهو بيجزّ على أسنانه بغضب، “سند” رفع يده ومسكها في ايديه وهو بينبّهه:
ـ حذاري تمد يدك على حرمة أيا كانت مين قدّامي، اوعاك تعملها تاني يا “سمير” ، ولازمن تحط في اعتبارك إن اللي هيمد يده على حرمة ما يُبقاش راجل، عاد استرجل بقى وخليك جدع ولو مرة في حياتك.
“سمير” بصّ لها بعيون مليانة غضب وهو بيتوعد لها:
ـ مش كل مرة هو اللي هيحميكي مني، وحسابك معاي بعدين، وهو إنت اللي بداتي ودخلتيه ما بيني وما بينك.
“سند” هو اللي رد عليه وهو بيأمره أمر لا نقاش فيه:
ـ فين “سما” بتك علشان أمها تاخدها وتمشي من السكات، يا إمّا إنت عارف إيه اللي هيحصُل، ما تخلّينيش أهينك قدّام الخلق، واوطي راسك وإنت عارفني زين، وما حدش هيقدر يحوشك من يدي يا “سمير” ، وانت خابر زين إن اللي هيشمتوا فيك كَتير لو أخوك بهدلك قدّام الخلق، من السكات هات البنت.
دخل جاب البنت من عند صاحبه اللي قاعد عنده، وكان بيتفق وياه علشان يتجوز “نغم” ، وكان واثق ومتأكد إنها هتوافق المرة دي بسبب ضغطه عليها، وأول ما البنت خرجت جريت على حضن أمها وهي بتعيط، أخدتها “نغم” وقعدت تحضنها جامد وتبوس فيها من كل حتة، كأنها غايبة عنها بقى لها سنين مش يا دوب ساعات، وأخدتها و”سند” شاور لها على العربية:
ـ خدي بتك يا أم محمد واسبقيني على العربية، وأني جاي وراكي.
أخدت البت وجريت من قدّامهم وهي ماسكاها زي الكماشة في حضنها، وهو قرّب من أخوه وحذّره تحذير قاطع:
ـ شوف بقى لو مخرجتش الأطفال الصغيرين من لعبتك العفشة داي، ما حدش هيوقف لك غيري، وراعي إن إحنا إخوات، وأبوك اتجلط بسببك وبسبب مصايبك، وما متحمّلش البلاوي اللي هتعملها كل يوم والتاني في طليقتك، لمّ حالك يا “سمير” علشان ما حدش هيحوشك من يدي بعد اكده، وما حدش هيلومني ولا هيقول لي بتعمل اكده في أخوك ليه؟
وسابه ومشي، وأول ما دخل العربية عند “نغم” دّورها ومشي، كانت بتبص له لأول مرة بنظرة تمني إن ليه ده ما يكونش نصيبها في يوم من الأيام بدل “سمير” اللي مرّر عيشتها وكرهها في الجواز والرجالة، وحتى المعاملة بين الست والراجل كرهتها بسببه، وجواها بقت مش طايقة سيرة أي راجل ولا حاسة إنها محتاجة لوجود راجل في حياتها، بسبب إن هو كرهها في الرجالة كلاتهم، وشكرته بامتنان على وقفته معاها:
ـ ما عارفاش أشكرك على إيه ولا إيه يا سي “سند”، ربنا يخليك للغلابة اللي زيي، طول عمرك هتنصر الحق على الباطل وطول عمرك سيد الرجال والله.
بصّ لبنت أخوه اللي منكمشة في حضن أمها وهو هيرد عليها:
ـ لا شكر على واجب، إحنا خوات، ولو كان لي أخت وجوزها كان هيأذيها زي “سمير” ما بيعمل فيكي، أني كنت هقفله، ولازمن لما تحتاجي لي ما تتردديش أبدًا، الإخوات لبعضهم.
أما عند “سمير” وصاحبه اللي اترعب لما شاف “سند” وهو واقف قدّام أخوه وأخد البنت بدون ما “سمير” يتردد يديها له، فقرّب منه وهو بيبلغه:
ـ طلّعني أني من الحوار بتاع طليقتك داي يا عمنا، أني مش حمل أخوك ولا حمل أذيته، داي كان هيذغّر لي ولا كأني واكل قوته، بصراحة اكده ما ناويش على موتي معاك، تغور الفلوس اللي هتضيعني وتطير رقبتي.
“سمير” كل مرة الموضوع يتأجل أو يبوظ يبقى مش طايق نفسه ويصمّم أكتر على اللي في دماغه، وحاول يقنع صاحبه اللي كان قاعد معاه لكن كان رافض خوفًا من “سند”، لحد ما جات له فكرة وعرضها على “سمير”:
ـ طب ما أني حداي فكرة أحسن يا “سمير” ، ولو حُصلت إنت الكسبان، وكمان ما هتدخلش حد غريب على مرتك، وهي مهتقدرش تعترض كماني.
“سمير” عيونه زاغت من كلام صاحبه وسأله:
ـ فكرة إيه داي يا أبو عمو اللي هتحل لي المشكلة المعصلجة داي؟ قول يا فقيق زمانك؟
جاوبه صاحبه بفكرته اللي عمرها ما تخطر على بال حد:
ـ مفيش أحسن من أخوك هو اللي يتجوَز طليقتك، وهو طبعًا عمره ما يبصّ لها وهيلتزم بوعده معاك، وكمان ما يحبش يفرّق بيتك ولا يفرّق بينك وبين طليقتك، يتجوزها شهر ويطلّقها، وبعدين تخلص عدتها وترجع لها.
ـ واه واه يا مخبول، في دماغك بقى عايزني أروح لأخوي “سند” اللي إنت كنت واعيله دلوك، هيطربق الدنيا فوق نفوخي، أقول له اتجوَز طليقتي؟! كأنك ما تعرفوش عاد!
ـ وماله يا عمنا، جرّب حظك وقول له إنك ما هتتنازلش عن اللي في راسك، يا امّا عليّ وعلى أعدائي هقتـ.ـلهم وهقــ.ـتل حالي، وذنبنا هيُبقى في رقبتك وشيله الهم والغم من تلاك، وهو عارف إنك مجنون وممكن تعملها، بس اضغط هبابة.
ـ أني عارف أخوي عمره ما يوافق على الحل المخربط على دماغك دي، أخوي راجل وعنده عزة نَفس وكرامة ورجولة ومهيقبلهاش.
ـ بس إنت توكّل على الله وقول له، واديهم كارت تهديد هو وطليقتك، اعمل فيها أي حاجة، وهو كل مصلحتك علشان ترجع لها طالما هتعشقها قوي اكده.
“سمير” أخد الكلام من صاحبه وقعد يفكر فيه يمين وشمال ويحسب أموره ويشوف هيعمل إيه، الحل دي حلي في عينيه جدًا، وبقى يخطّط ويرسم هيعمل إيه، وساب صاحبه وراح على بيت أبوه علشان يبلّغ أخوه باللي في دماغه وباللي صاحبه دلّه عليه.
******
ـ ألا قولي لي يا “مهرة” ، كل يوم هتاجي من الناحية الغربية للمدرسة كأنك كنتِ في طريق سفر، وشكلك تعبانة وإنتِ جاية المدرسة، هتاجي منين داي؟ داي عكس طريق بيتكم تمامًا؟
“مهرة” اتوترت من سؤال صاحبتها، مش حابة أي حد يعرف أي حاجة عن تفاصيل الشغل اللي هي بتشتغله، ولا حابة إن حد يعرف إن هي بتشتغل أصلًا، فردّت عليها وهي بتودّي وشّها الناحية التانية:
ـ أبدًا، هوصل أمي بالشغل اللي معاها حدا المحطة، وبعدين هرجع على المدرسة، ما إنتِ خابرة إنها تعبانة كيف وهتشقى عليّ أني وأختي، وهخرج من المدرسة هروح أقابلها وآخد منيها الحاجة، وهي هتقضي كم مشوار للبيت وترجع وراي.
ـ آها، شايلة إنتِ مسؤولية أكبر منك يا “مهرة” ، الله يعينك يا صاحبتي، لو احتجتيني في يوم هتلاقيني، وممكن أجي معاكي في المرواح على الأقل أسلّيكي طول الطريق.
ـ لااااه… ما محتاجاش حد ياجي وياي، ولا أني رايدة أعمل لك مشاكل ويا أمك، ويلا راجعي عشان داخلين امتحانات إعدادية، وأني عايزة أجيب مجموع، ما تضيّعيش الوقت عاد.
وفضلت “مهرة” تراجع وتستغل الوقت، لأنها لازم تدخل التمريض اللي نفسها فيه، وتخرج برّه البلد نهائي، وخلصت ودخلت الامتحان، وخرجت راحت على مكان الشغل كالمعتاد، وهي بتتلفت حواليها ليكون حد شايفها، وأول ما وصلت ابتدت تغيّر هدومها في المكان المتعوّدة عليه ورا محطة القطر، مكان مهجور، بتغيّر هدومها بتاعة المدرسة لهدوم الشغل، وتخرج تلقط رزقها في نفس المكان كل يوم، وبعد ما اشتغلت شوية، اتنين ستات من بعيد بيكلموا بعضهم:
ـ ما ملاحظاش البت داي هتاجي كل يوم المكان دي وتضيّع علينا رزقنا؟ البت داي باين عليها مش سهلة، وما ينفعش إنها تفضل في منطقتنا كَتير.
ـ عندك حق يا بت، إنتي مشيفاش اللي رايح واللي جاي؟ هيديها بالخمسات والعشرات لحد ما جيبها اتملى على الآخر، وكل يوم والتاني على دا الحال.
ـ طب هنعملوا إيه؟ هنسيبوها اكده تاكل منّنا لقمة عيشنا؟ قومي نروح لها، هي شكلها عيلة صغار، نخوّفها بكلمتين، ما نخليهاش تاجي المكان اهنه تاني.
وقاموا الاتنين راحوا عليها، كانت قاعدة على جنب بتاخد نفسها من اللف ورا العربيات، وبتبيع الورد والمناديل، وأي حاجة بتيجي في سكتها بتبيعها علشان تقدر على المسؤولية اللي اتوضعت فيها، وقربوا منها الاتنين الستات، واحدة منهم زغدتها في كتفها وهي بتقول لها بقسوة وبتبرق لها عينيها بطريقة تخوّف:
ـ قولي لي يا بت، إنتِ هتشتغلي تبع مين؟ وانهي معلم اللي جايبك في المنطقة داي؟ إنتِ ما تعرِفيش إن داي منطقتنا إحنا الاتنين، وما حدش يقدر يقرب لها واصل؟ انطُقي، من المعلم اللي هيشغّلك وهيتعدى على شغل غيره ومنطقته؟
“مهرة” طبعًا مش غبية وفاهمة الحوارات دي كويس جدًا، بصّت لهم هم الاتنين بعيون هتطق شرار بنظرة ترعبهم أكتر من نظرتهم، وحطّت الفلوس في شنطتها ولفّت على وسطها وربطت عليه شال جامد علشان ما حدش يقدر ياخد الشنطة، وبصّت لهم هم الاتنين واتكلمت بصوت قوي وهي بتحذّرهم:
ـ بالكِ إنتِ يا وليّة يا قرشانة منكِ ليها، إن فكرتم تقربوا مني عاد، ولا تستخدموا أسلوب البلطجة داي وياي، ما هتشوفوش إلا كل شر مني، أني ما هجيش ناحيتكم واصل، وكل يوم هشوفكم وإنتوا هتتحدّتوا عني وتبصّوا لي في لقمة عيشي، وأقول فكّك منهم طالما بَعيد عنك، أمّا هتقربوا مني وهتفكروا تؤذوني، يُبقى إنتوا ما تعرفوش مين “مهرة الحناوي” ؟
ردّت عليها واحدة فيهم وهي بترفع شفتها باستنكار على طريقتها وقوّتها:
ـ ما أبقاش إلا حتة عيلة زيك ما تجيش لحد ركبتي، هتقف تتفرد وتتني علينا؟ فوقي لنفسك يا بت، داي إحنا ناخدوكي ورا سكة القطر اهنه، ونعرفك مقامك زين، وما هتقدريش علينا، وهنرجّعك لأمك خسرانة وعدمانة.
الكلام استفزّ “مهرة” وفي لمح البصر وبكعب جزمتها داست على رجلها جامد، وقعت وما اتحمّلتش ضربتها، والتانية ادّتها ضربة في بطنها وقعتها في الأرض، ووطّت عليهم هم الاتنين وهي بتهدّدهم:
ـ يمين بعظيم بحق الأرصفة اللي هترمي عليها صبح وليل، ومن واني عيلة صغار، اللي هتقرب مني فيكم لأبلّغ عنكم إنكم هتتاجروا في الشمال، وما تفكروش إني ما أعرفكوش، أني عارفة كل اللي شغالين حواليا في المنطقة، هيعملوا إيه ومتوظفين فيها كيف، ودرساكم زين على الآخر، هروح للمخبر اللي مشغّلني في المنطقة اهنه، وهخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكم، وهحبسكم، فأنـي سايباكم تاكلوا عيش، وابعدوا عني، وما تقولوش داي عيلة هنعرف ندوس عليها بجزامنا، اللي قدّامكم داي شدّت لقمتها من بق الكلب ذاته، اللي أول ما هتسمعوا نحيبه هتجروا من قدّامه من رعبكم منه، فاشتروا نفسكم وابعدوا عني.
الاتنين سمعوا كلامها وقاموا فرّوا خوفًا منها ومن كل اللي تعرفه عنهم، ولا تكون فعلًا شغّالة مع مخبر، وأقسموا إن هم ما هيجوش المنطقة هنا تاني بينهُم وبين نفسهم، لأنهم مش مستغنيين عن عمرهم، وكان من بعيد متابعها واحد من كبار الشحاتين اللي بيجي يتابع المنطقة، وشاف الموقف كله قدّامه، وبقى يبصّ لها بنظرات كلاتها إعجاب، وحطّها في دماغه اللي عملها ألف سيناريو والكاميرا
بتاعته هترصدها من أول ما دبت رجليها في المنطقة لحد ما روقت على الاتنين الستات وفروا مرعوبين من عيلة صغيرة والخوف هيضرب قلوبهم ضرب .
********
ـ إيه اللي جابك اهنه يا “نغم” وسايبة بيت العز والهنا اللي هتعيشي فيه وجاية بعيالك في الخرابة اللي أبوك وأمك عايشين فيها؟
“نغم” بصّت لأبوها وهي حاضنة ولادها، ودموعها القريبة نزلت على وشّها، قرّبت منه وقعدت تحت رجليه، ومسكت يديه تترجاه وهي بتتحايل عليه:
ـ جاية أحتِمي فيك يا أبوي، طليقي ما سايبنيش في حالي، والنهاردة خـ.ـطف بتي، وكل يوم هيعرضني على رجالة علشان يجوزني واحد فيهم ويرجع لي غصب عني، وكلاتهم حالتهم زي حالته، شمّامين، تاويني عندك أني وعيالي، وأنّي والله ما هكلّفك لقمتهم، يا دوبك عايزين حيطة تسترنا، إن شاء الله يسترك دنيا وآخرة يا أبوي.
أبوها ضحك بسخرية على كلامها، وشدّ يديه منها وهو بيبص لعيالها اللي قاعدين في حضن ستّهم بتلاعبهم:
ـ كانك ما وعيّاش ولادك ولاد مين يا بت؟ عايزة تعيشيهم في خرابة وهم عايشين في قصر يا وش الفقر إنتِ؟!
ارجعي زي ما كنتي، ولا عايزة تحرمي خواتك من الخير اللي هييجي لهم من ورا جوازتك داي؟ طليقك اللي بتتحدتي عنه بالشين داي لسه جاي امبارح شيّة وشويات لأمك وخواتك، والنهاردة جاية تطلّعي فيه العيوب الفطسانة يا وش الفقر.
ـ يا أبوي هو هيعمل معاكم اكده علشان يجبرك إنك تتخلّى عني وما تحابيش عليّ ولا أني ولا عيالي، أني خبراه زين وعارفة دماغه هتفكّر كيف، إحنا ما محتاجينش منيه حاجة واصل، وأنّي ما هكلّفكش، هم عيالي بس خلّيني في حِجَاك يا أبوي، أني اتمرمطت من اليوم اللي دخلت فيه البيت داي من طليقي وأمّه اللي كنت هشتغل خدامة تحت رجليها طول النهار والليل، وما كانش هيطمر فيها لما خدت صحّتي وشبابي.
أبوها كان في عالم تاني وهو بيشرب البلا الأزرق اللي ضيّع بناته بسببه، ومهما “نغم” تترجاه يقفّل قدّامها كل الطرق، لحد ما طردها من البيت هي وعيالها، بعد ما فتح شنطتها وأخد كل الفلوس اللي فيها بدم بارد، من غير ما يختشي من ربنا كعادته، أهم حاجة عنده الفلوس اللي تجيب له الكيف بأي طريقة.
ورجعت “نغم” بعيالها على أكتر مكان بتختنق فيه بسبب محاصرة “سمير” ليها، والناس اللي هتتكلّم عليها بسببه، وهم يشوفوه طالع ونازل عندها، وهيقولوا في سمعتها اللي ما حدّش يستحمله، ولسه هتاخد عيالها وتطلع على دارها، حماتها وقفت لها على الباب من برّه، لأن الدوّار بتاعهم منفصل لتلاتة أجزاء، جزء خاص بـ”سمير” ومراته وعياله، وجزء خاص بـ”سند” ومراته وعياله، وجزء خاص بأبوهم وأمّهم بس، كله في مكان واحد، كانت واقفة لها مستنّياها مخصوص علشان تسمّعها الكلام اللي سمعته من الناس وتسمّم بدنها زي عادتها:
ـ حمد لله على السلامة يا سنيورة، ولما إنتِ هتموتي على جوزك قوي اكده وهترمحي وراه في كل حتّة، ما رايدهاش تسمعي كلامه ليه بدل ما إنتِ فضحانا في البلد كلاتها؟ وهيقولوا إنك عايشة وياه في الحرام، بالك، إنتِ خلاصك هيكون على يدي يا بت حناوي الخمورجي.
“نغم” كانت لسه واخدة جرعة تقوية من “سند”، وعلّمها إنّها ما تسمحش لأي حد في الدنيا يغلط فيها، حتى لو كان مين، طالما هي ما بدأتش بالغلط، ولازم تاخد حقّها أول بأول، لأن طول ما هي بتسكت، طول ما الكل هيدوس عليها، وطول ما هي شايفة نفسها ضعيفة، الكل هيستضعفها ويديها فوق دماغها، ردّت عليها لأول مرة، لكن بقوّة مصطنعة حاولت تستدعيها بشتى الطرق:
ـ إذا كنت أني بنت حناوي الخمورجي، فإنتِ كمان حداكي نفس الصنف يا حماتي، ما ابنك ما شاء الله مش خمورجي بس، لا داي رد سجون كمان، وما حدّش فلت من أذاه في البلد، الصغير والكبير هيكرهه، يعني لا تعايرني ولا أعايرك، الهمّ طايلني وطايلك.
“رابحة” بقت واقفة مصدومة وهي فاتحة بقّها على وسعه، وقعدت حواجبها بذهول وهي بتسمع لكلام “نغم”، لأول مرة في حياتها تتكلم معاها بالطريقة داي، فقرّبت منها ومسكتها بدراعها وهي بتهزّها بعـ.ـنف:
ـ حرق اللي جابوكي يا واكلة ناسك، كيف يا بت تتحدّتي وياي بالطريقة الشين داي، وكمان هتعلي صوتك على أسيادك وهتسوّيني بيكي يا عِرّة الحريم؟ داي أني هخلّي نسوان البلد كلاتها تتفرّج عليكي النهاردة من اللي هعمله فيكي يا بت حناوي علشان تحرمي تردّي عليّ بعد اكده واصل.
ابنها “محمد” بقى فاهم طريقة جدّته واللي هتعمله مع أمه، ما هو مش صغير في أولى ابتدائي وبقى واعي شوية، جري على دوّار عمو “سند” اللي دايماً أمه بتجري عليه وهو بينهج:
ـ الحق يا عم “سند”، الحق، ست “رابحة” هتمسك أمي وهتضـ.ـربها وعمالة تبهدلها على الآخر، وأمي ما قادراش تصدّ قصادها، الحق أمي يا عم “سند”.
“سند” نفخ بضيق من أمه وأخوه، وخلاص ما بقاش متحمّل طريقتهم والطريقة اللي بتعاملوا بيها مع “نغم”، وكل يوم والتاني فضايح إذا كان من أمه ولا من أخوه، فلبس جلابيته وجري على أمه، وقبل ما تمدّ يديها وتنزل بالقلم على وش “نغم” كان رافع يديها وواقف قصادها وهو بيقول لها بصوت هادي علشان هي أمه طبعاً:
ـ ليه يا حاجة تنقصي بحالك وبقيمتك اكده؟ ليه تمدّي يدك عليها وهي في مقام بتك وتسمّعي الناس بينا بالشكل داي يا أمي؟ داي بني آدمة، حرام عليكِ تتبهدليها قدّام عيالها كل يوم والتاني بالشكل داي عاد.
أمه كانت بتحاول تفكّ نفسها من ايديه بعـ.ـنف وهي بتجزّ على أسنانها بغضب، وهتحلف قدّامهم إنها لازم تضـ.ـربها:
ـ وسّع يا “سند”، سيب يدي، إنت ما تعرِفش هي قالت إيه، قليلة الرباية داي اللي جاية من ورا الزرايب، بت الخمورجي، هتعلي صوتها عليّ وهتساوي راسها براسي؟ لازم أقطـ.ـع لها لسانها اللي هتتعالى بيه على ستّها وتاج راسها. وسّع يدي يا ولدي.
هنا ابن “نغم” نطق وهو بيقول لسته بقوة:
ـ حرام عليكي يا سِتّي تُضـ.ـربي أمي، إحنا كنا داخلين دارنا وانتِ اللي جيتي شتمتيها، حرام عليكي يا سِتّي، كل يوم تُضـ.ـربي أمي، حرام عليكي.
ـ والله عال، حتى العيال اللصغيرة هتردّ عليّ، ما مربياش ولادك إن ستّهم وما ينفعش يعلو حسهم عليّ وما يدخلوش في كلام الكبارات، وانتِ قاعدة تاكلي وتشربي وتحشي كيف البهايم، وحتى تربية العيال فاشلة فيهم.
“سند” علىَّ صوته وهو بيشدّ أمه علشان يوديها ناحية دوّارها ويخلّص من الحوارات اللي ما بتنتهيش داي كل يوم:
ـ بزياداكي عاد، يلا يا حاجة ارجعي على دارك، الناس هتتفرّج علينا وما ينفعش اللي بيحصُل داي، إنتِ الكبيرة وانتِ اللي جيتي حداها وهتعيّطيها كل يوم والتاني.
“نغم” قرّبت منها وهي بتعيط وبتسألها السؤال اللي كانت كاتماه في قلبها من سنين، وهي حاسة بحرقة من جواها:
ـ إنتِ ليه هتكرهيني قوي اكده؟ أني عمري ما عِملت لك حاجة من ساعة ما دخلت البيت داي غير كل خير، و تحت رجليكِ علطول، هعمل لك كل اللي إنتِ رايداه حتى من قبل ما تطلبيه، هخدمك بعيني قبل يدي، عمرك ما عملتي في سلفتي اكده كيف ما هتعملي معاي، بالرغم من إنها عمرها ما ناولتك بقّ ميّة، ليه هتعايريني بذنب مش ذنبي وهتجيبي سيرة أبويا وأمي كل ما هتشوفيني، مع إنهم ما هيعتبوش دوّارك أبداً.
وكمّلت كلامها وهي بتعيط وبتبص لابنها اللي واقف يطبطب عليها ودموعه نازلة على وشّه، قهر على أمه اللي كل يوم تتبهدل قدّامه، وكل داي هيتسجّل في قلبه:
ـ ليه تخلي منظري قدّام ولادي بالشكل داي وتقهري قلبهم على أمّهم، وانتِ هتعامليني كأني حشرة، مع إنهم هيشوفوني تحت رجليكي؟ هم مش دول أحفادك، ابن ولدك اللي على الحجر، والمفروض يكونوا أقرب لقلبك من أي حد، حرام عليكي كل اللي هتعمليه فيّ، وكل اللي عملتيه قبل سابق، ما مسامحاكيش يا حاجة.
لأول مرة “سند” بصّ لها بنظرة مختلفة، نظرة واحد عايز ياخد الست دي اللي اتبهدلت واتمرمطت ويخبّيها جوّه ضلوعه ويدافع عنها على الذل اللي هي شافته، نظرة راجل صعيدي جدع، شايف ما يقبلش الظلم أبداً، وشايف واحدة قدّامه بتتمرمط كل يوم والتاني علشان بس أبسط حقوقها في الحياة، تاكل وتشرب وتعيش وتربّي ولادها، بقى عايز يسحبها لصدره ويطبطب عليها كأنه أخوها ويبوسها من راسها وهو بيعتذر لها عن كل اللي بيبهدلوها، ومش قادر يعمل أكتر من اللي بيعمله، لقى نفسه بيبصّ لها بعيون كلها تشجيع على قوّتها، وهو بيصبّرها وبيقوّيها قدّام أمه:
ـ حقّك عليّ أني يا أم “محمد”، إنتِ والله خيرة الناس وخيرة الستّات، واللي هيقول في حقّك كلمة عيب مردودة له عند ربنا، يعلم ربنا إنك من ساعة ما دخلت البيت داي وهتحترمي الكبير والصغير، ولسانك ما هيقولش غير حاضر ونعم، وإذا كانت أمي هتشدّ عليكي بكلمتين، ست كَبيرة، امسحيها فيّ أني، يلا خدي ولادك وادخلي على دارك، خديهم في حضنك وما تعيطيش قدّامهم أبداً، وتعودي إنك ما تخافيش طول ما ربك وأني موجود.
خلص كلامه ليها وسابها ومشي، ودخل لأمّة وهو هيحذرها بكل هدوء من غير ما يعلي صوته، بعد ما رمى السلام على خالته:
ـ لو سمحتي يا حاجة بزياداكي عاد، بهدلة في أم “محمد” مش كل يوم والتاني، هتشتميها الشتايم الشنيعة داي وتفرّجي الخلق عليها وعلينا إحنا كمان، راعي إن أبوي راجل مريض وما هيتحملش الحاجات داي واصل، اكبري بمقامك يا أمي، مش هقول لك أكتر من اكده.
خالته بتحب “نغم” جداً، لأنّها كل لما تيجي بتعاملها كويس أحسن من أختها اللي في بيتها، فبصّت لأختها وهي بتنصحها:
ـ والله العظيم حرام عليكي يا “ربحة” اللي هتعمليه في الغلبانة داي، بنات اليومين دول لو ابنك اتجوز واحدة منهم ما هتشيلكيش فوق راسها كيف البنية الغلبانة داي، ما هتخليكيش تشيلي قشاية من الأرض، وكمان لسانها زين ووشّها ولا طلة القمر، وإذا كان ابنك خسرها ما تخسريهاش إنتِ كمان، البنية زينة، والله ما هتلاقي زييها تاني، وخصوصاً إنك ما حداكيش بنتة يشيلوكي لما تكبري ولا يصيبك شين لا قدّر الله.
بصّت لها “ربحة” وهي تستنكر كلامها:
ـ وه عاد هتفولي عليّ في وشي يا بت أبوي؟ ما عايزاش حاجة من حد واصل، يوم رجلي ما تشيلنيش بفلوسي أجيب مليون واحدة تخدمني وتقعد تحت رجلي، ما عايزاهاش من وشّ البوم داي.
ضـ.ـربت أختها كفّ على كفّ وهي بتستعجب من طريقتها وقسوتها:
ـ نفسي أعرف عِملت لك إيه علشان تكرهيها الكره داي كلاته؟ مش “دعاء” دي بتي ومرت ولدك، إلا إنها ما هتكونش رحيمة بيكي كيف البنية داي، وبعدين هتأمني الغريب بفلوسك على صحتك؟ الدنيا ما بقتش فيها أمان، وما يخافش عليك غير اللي منك اسمعي كلامي وافتكريه في يوم من الأيام.
*******
مرت الايام وقاعد “سند” مع “سمير” اللي خلاص قرر انه يفاتحه في الموضوع بعد ما وزنه مرة واتنين وتلاتة وعشرَة في دماغه:
ـ شوف يا اخوي دلوك أني عايز ارجع لمرتي وعيالي وحكم الشرع ما ينفعش الا لما تتجوَز وهي ما راضياش بأي راجل من اللي هجيبه لها علشان تتجوَزوه وهترتكب فيهم مصايب وفي الاخر كانت هتـ.ـموت واحد بالسكينة واني عايز اعيش واتلم وياهم وبصراحة اكده اكتر أني هعشقها ورايدها وهحلم بيها ليل ونهار وما طايقش بعدها عني ولا هطيق ان راجل تاني يكون في حياتها بعد اكده فما فيش غير حل واحد في يدك انت علشان تلمني اني ومرتي وعيالي.
رفع “سند” حاحبه بملل من كلام اخوه ورد عليه:
ـ ولما انت هتعشقها وهتموت عليها قوي اكده ليه عملت فيها البلاوي السودا داي كلاتها يا ولد ابوي؟! ما كانت في يدك ونصحتك ان ما لهاش غير طلقة واحدة وبعد اكده ما هتلاقيهاش عاد وما فيش حل خالص للموضوع اللي في راسك دي يُبقى لازم تنساها وتتحمل نتيجة اخطائك وظلمك وجبروتك عليها وهي حرة في حياتها تتجوَز ما تتجوَزش تقعد جنب عيالها تربيهم انت ما ليكش صالح بيها عادي وشيخ البلد والعمدة حكموا عليك باكده.
“سمير” هز راسه بلهفة وهو هينطق عرضه بكل سهولة وكانه بيقول كلام عادي جدا:
ـ لااه يا اخوي في حل فايتك وانت اللي بيدك تحل مشكلتي وتجمعني على مرتي وعيالي واوعدك وعد رجاله يوم ما ارجع لها هشيلها في عيني وما هعملهاش حاجه تاني واصل بس تقف جنبي.
سأله “سند” باستغراب علشان يجيب اخره:
ـ حل ايه اللي انت هتتحدت عنيه غير انك تجيب لها رجالة يتجوزوها علشان الموضوع دي مرفوض تماما يا ابن ابوي.
نطقها مرة واحدة قدام “سند” خلاه فتح عيونه بصدمة:
ـ تتجوَزها انت وتكتب عليها الشرع هيحلل للراجل انه يتجوَز طليقة اخوه عادي وبعد شهر تطلقها واني ارجع لها، وكمان أني عارف انك هتعتبرها كيف اختك وعمرك ما هتبص لها وما هامنش حد عليها غيرك يا اخوي، احب على يدك تقف جاري واني والله عمري ما هعمل لك مشاكل تاني وهمشي على الصراط المستقيم.
“سند” هب واقف مكانه وهو مصدوم من اللي سمعه مش مصدق ودانه ورد عليه:
ـ انت مجنون يا “سمير” كيف تفكر في الحل الملعون دي انت عايز “سند” الناجي اللي كل رجالة الصعيد بحالها شرقها وغربها هتحلف برجولته يبقى شرابة خرج ويتجوَز واحدة متطلقة بالتلاتة؟
“سمير” بقى واقف مرعوب من هيئه “سند” وغضبه وبقى يبلع نفسه بصعوبه وخايف منه وحاول يرد عليه وهو بيستجمع قوته بصعوبه:
ـ يا اخوي احنا هنقول ان انت هتتجوزها جواز عادي وانك رايد تلم عيال اخوك مش بالمفهوم اللي وصل لك ودي اللي هيخلي الناس كلاتها تُنطقه في البلد وما حدش هيشك واصل في الاتفاق اللي بيني وبينك صدقني؟
رفع “سند” عصايته في وش اخوه وهو بيرفض تماما:
ـ ولو جبت إذاعة في البلد شرقها وغربها هتقول الكلام اللي هتقوله دي ما هيحصلش يا ولد ابوي مش اني اللي اقبلها على كرامتي بالشكل دي، وبعدين اني راجل متجوز وحداي مره وعيال وما رايدش اتجوز تاني عاد.
“سمير” شاف التصميم في عيون “سند” فقلب على الناحيه التانيه:
ـ طب يمين بعظيم على يمينك يا “سند” يا اخوي لو ما وقفتش جاري لا هعمل اللي ابليس ذات نفسيه ما اعملهاش وهموتهم بيدي كلاتهم وهموت حالي وراهم وانت هتشيل ذنبنا وهموت ابوك وامك بحسرتهم على اللي هعمله فيا وفي احفادهم طالما معايزش توقف جار اخوك واصل.
خلص كلام وتهديده وسابه ومشي و”سند” بقى قاعد على الكرسي دافن وشه بين ايديه وحاسس ان الدنيا كلها جايه عليه وهتشيله فوق طاقته علشان هو الكبير وهو اللي لازم يحل المشاكل وهو اللي لازم يتحمل كل اللي هيحصل وهو اللي هيشيل مكان ابوه في كل زرعهم وحالهم ومالهم واخوه هيعيش شبابه وهيطيح في الارض بالطول والعرض وفي الاخر ما هيلاقيش حضن حنين يحتويه من وجع الدنيا وبلاويها اللي هيشيلها فوق دماغه،
وجواه عارف وواثق ان اخوك هيبهدل الدنيا وهيبهدل عياله وطليقته وما هيفوتهمش في حالهم.
*******
الحق يا سي “سند” في فضيحة في البلد كلاتها هتتفرِج عليها ،الحق بسرعة .
“سند” انتفض من مكانه من كلام البواب كان قاعد جنب ابوك بيمضيه على أوراق تخص الشغل فسأله وهو مخضوض:
ـ مالك يا غراب البين انت حُصل ايه انطُق؟
البواب بقى ياخد نفسه بصعوبة وهو بيرد عليه من كتر الجري اللي جريه:
ـ سي “سمير” لقط الست “نغم” وهي راجعة من السوق بطلباتها وكان شكله سكران على الاخر وهيعتدي عليها في الشارع قدام الخلق وما حدش راضي يحوش عنيها وبهدلها خالص وقطع لها هدومها وهو غايب عن الوعي قربت منيه علشان أفوقه طلع مسدس كان هيطخني بيه وما حدش قادر عليه.
رد ابوه بلسان تقيل:
ـ يا ستار استر يا رب يا ستار استر يا رب قوم يا ولدي الحق البنية استرها بعد اخوك ما فضحها وفضحنا قدام البلد كلاتها قوم يا ولدي.
جري “سند” مع البواب كانت قرب البيت ما كانتش بعيدة لقاها مرمية على الأرض هدومها اللي ساتراها متقطعة وحجابها مرمي على الأرض وهو هيضـ.ـربها وهي هتحاول تدافع عن نفسها ومش قادره تصد قدامه كان فاكر ان المكان ده جانبي وما حدش هيشوفه وهو بيعتدي عليها لكن صوتها جمع البلد عليه في لمح البصر لحد ما وقعت اغمى عليها وبرده مش سايبها في حالها والناس هتتفرج وهتصور اللي هيحصل بالموبايلات، قرب “سند” منه وفي ثانية كان رافعه من عليها ونزل عليه ضـ.ـرب باللكمات قدام الناس لحد ما وقع اغمى عليه من كتر الضـ.ـرب والشرب وأمر البواب يسحبه لحد العربية ويجيبوا على البيت وهو قرب من “نغم” وقلع جلابيته وعمته وسترها قدام الناس اللي فضلت تدعي له وشالها وراح بيها على البيت وطلب الدكتورة تجيلها وتشوف اللازم معاها، لحد ما فاقت كانت “دعاء” قاعده جنبها هتواسيها على اللي هي فيه، فخبط “سند” على الباب علشان يدخل يطمن عليها:
ـ عامله ايه دلوك يا ام محمد؟ مش أني قايل لك لو لمحتيه في اي مكان تبَعدي عنيه وتتصلي علي وتحتمي باي حد علي ما اجي لك؟
عيطت “نغم” وهي بتحكي له:
ـ والله ما لحقت اني كنت ماشية من شارع جانبي ما فيهوش حد اختصار للبيت علشان ارجع للعيال وما كنتش أعرِف ان هو هيراقبني في الرايحة والجاية وفجأة لقيته قدامي سكران وما دريانش وحُصل اللي حُصل.
وكملت كلامها وهي هتفتكر كلامه ليها:
ـ من ساعة الموضوع اللي في دماغه واللي عرضه عليك وانت رفضت وأني كمان رفضت وهو حالته ما يعلم بها إلا ربنا وهيسوء فيها كل يوم عن اليوم اللي قبله واني ما عدتش متحمَلة عاد يا ريتني اموت.
“دعاء” مش فاهمه حاجة من الكلام اللي بيقولوه وقررت تسأله لكن لما يطلعوا شقتهم علشان تفهم وحاولت تهدي “نغم” وشجعتها بدون ما تخاف من “سند” :
ـ شوفي يا “نغم” انت بصراحة سايباه يبهدل فيكي عمال على بطال اني لو منك اروح القسم اعمل في بلاغ واسجنه وتستريحي منيه ومن قرفه، لكن انتي هترفضي وهتقولي مهسجنش ابو ولادي عاد ومضطره تتحمَلي القرف اللي انت هتتحمليه دي.
ـ ما اقدرش يا “دعاء” دي ابو بتي ما اقدرش اسجنه، وبتي وولدي يبقوا ذنبهم في رقبتي الخلايق كلها ما هتبصلهمش لما يعرفوا ان ابوهم مسجون ورد سجون كل شوية، أني هتحمَل كل حاجة علشان خاطر ولادي اللي لولاهم كان زماني طفشت وهجيت من البلد كلاتها ومحدش عرف لي طريق، لكن ولادي هم الشوكة اللي في ضهري اللي مضطرة أتحمَل ألمها لحد ما يكبروا.
********
في أوضة “دعاء” و”سند” في نهاية اليوم سألته “دعاء” بفضول:
ـ موضوع ايه دي اللي هتتحدت عنيه “نغم” واللي اخوك طلبه منكم انتو التنين وانتم رافضين وهيحل المشكلة كلاتها ما تخبيش عني علشان ما اعرِفش من خالتي وقتها هزعل وياك جامد؟
“سند” ما كانش طايق نفسه ورد عليها:
ـ على اساس هيفرق زعلك من عدمه في علاقتي وياكي؟! بَعدي عني الساعة دي اني ولا طايق حالي ولا طايق نفسي ولا طايق الدنيا كلاتها، تعرِفي مكان ما تعرِفي شيء ما يخصنيش .
ـ ماشي يا “سند” خليك فاكر ردك علي دي وطريقتك اللي هتتعامل بيها وياي.
وسابته والفضول هياكلها ونزلت على خالتها اللي قعدت جنبها وهي بتسألها وهي طبعا كانت خايفة تقول لها عن اللي “سمير” عايزه من أخوه لكن فضلت تتحايل عليها لحد ما جاوبتها بعيون زايغة:
ـ “سمير” رايد أخوه يتجوز طليقته وبعد هبابة يطلِقها وهو يرجع لها تاني ونخلصه منيه الموال المهبب دي لكن هو ما راضيش ولا هي راضية.
ـ واه يا خالة كيف الكلام ده هو ينفع الاخ يتجوَز طليقة اخوه؟
ـ هيقولوا الشرع ما يحرمش يا بتي وطالما الشرع ما هيحرمش ايه المانع؟الا اذا كنتي انتي اللي هترفضي وقتها.
“دعاء” حست إنها فرصة علشان تخلص من ملامات “سند” اللي ما بتنتهيش وزهقه وعصبيته عليها هي والعيال وحاسه انها عايشة في قلق وتوتر بسببه طول الوقت بسبب علاقتهم الزوجية اللي مش في دماغها نهائي وردت على حماتها باللي صدمها:
ـ وماله يا خالتي ما يتجوَزها طالما ما هيفرجش علينا الناس كل يوم والتاني وطالما حلال وشرع ربنا ايه المانع عاد؟
ـ واه يا بت اختي كانك ما هتغيريش على جوزك وعايزه تجوَزيه لواحدة غيرك بالسهولة دي، اللي هيجري في عروقك ده دم ولا مي؟
ـ ربنا قال متنى وثلاثة ورباع واني مش هعترض على شرع ربنا يا خالة، وبعدين دي جواز صوري يعني اني شايفة انك تضغطي على ولدك “سند” انه يوافق وبصراحة اني ولادي هيتأثروا بسمعة عمهم وولاد عمهم وهو كل يوم والتاني هيفضحنا في البلد، اني عندي بنت وهخاف على سمعتها، اكده محدش هيفكر يخش بيتنا في يوم من الايام بسبب ولدك الصراحة بقى.
ـ قومي يا “دعاء” قومي من قدامي علشان اني هحط صوابعي العشرة في الشق منك ومن برودك يا بت اختي، خليكي اكده نافرة جوزك لحد ما يهرُب ويطفش من عشك بسبب انك ما هتديهوش حق واصل، كانك ما فاكراش اني ما عارفاش اسلوبك وياه؟!
كل يوم زعيقَه وخناقَه هيوصل لي وهو يا حبة عيني متحمَل قرفك علشان اختي وما اخسرهاش، كتمة على نفسي وساكتة وشاربة حسرة ولدي وقهرته على شبابه، ما لكيش صالح بالموضوع دي روحي لاولادك اللي واكلين راسك وما شايفاش في الدنيا غيرهم حتى نفسك.
*******
اتجوَزها ياولدي اخوك فضحنا في البلد كلاتها ، هي حُصلت يتهَـ.ـجَم عليها ويعريها قدام الخلايق علشان اللي في راسَه، أني خايف على العيال من بطشَه يا “سند” .
وكمل كلامه وهو بيكح بالعافية ومش قادر ياخد نفسه:
ـ أني بقيت راجل عاجز ومهخرجش من أوضتي لو كنت بصحتي كنت وقفتلَه وهديته لكن هو جاب لي الشَـ.ـلل وأمك منها لله هتقويه علي وهتتعامَل وياه على إنه الحيلة بتاعها وميهمهاش العار ولا الفضايح عاد .
“سند” بقى محاصر من جميع الجوانب ومبقاش عارف يلاحق على مصايب اخوه وغير مشاكله مع مراته اللي مبتنتهيش ورد على أبوه بطاعة:
ـ حاضر يابوي هجيب المأذون …
رواية النغم الحزين الفصل الثالث 3 - بقلم فطيما يوسف
رواية النغم الحزين – الفصل الثالث
في أوضة “دعاء” و”سند” كانت مستنياه علشان تتأكد من اللي سمعته من خالتها وأول ما وصل بص لهيئتها باستغراب ولوجودها أصلا في المكان رمى السلام بجمود وسألها:
ـ خطوة عزيزة اللي جابتك لحد اهنه عاد؟ اوعي تقولي إنك بقيتي كيف الحريم اللي هتستنى جوزها علشان اتوحشها؟! والله لو حُصل يا “دعاء” لا ادبح عجل وافرِقه على اهل البلد كلاتها.
“دعاء” حاولت تكون هادية وتمسك أعصابها وما تمسكش على كلامه وقالت له:
ـ هم كل الستات ورجالتهم ما هيتجمعوش في أوضة نومهم إلا علشان الموضوع اللي في دماغك دي؟! ولا انتم الرجالة علشان ما هتِشتغلوش غير شغلانة واحدة الموضوع دي مسيطر على دماغكم، احنا كبرنا عاد وحدانا عيال أصغر عيلة فيهم في الإعدادية.
ابتسم “سند” بسخرية على كلامها وهو بيقلع جلابيته ورماها على الكرسي قامت من مكانها فورا وشالت الجلابية ونفضتها كويس وحطيتها في شماعتها في الدولاب لانها بتحب الترتيب والنظام جدا ورد على كلامها بنفس طريقة السخرية:
ـ كبرنا ! تعرفي مشكلتك ايه يا “دعاء” انك مفكرة حالك الوحيدة اللي هتتعبي وانك الأم اللي ما فيش منك في الدنيا اتنين، وان الستات مخلوقين في الدنيا علشان ينضفوا ويشوفوا أمور البيت ويربوا العيال بس، وان الدنيا بتقف بعد الخلفة ما بين الرجل ومرته، لأخر مره هقولك يا بت الناس تعالي هاخدك أعرضك على دَكتورة زينة تعرف سبب البرود اللي حداكي دي ايه وأكيد له حل صدقيني انتِ حارمة نفسك من أهم إحساس في الدنيا الست هتعيشه .
وكمل كلامه وهو شايفها بتحاول تكبر نفسها في السن علشان تحبط محاولاته دايما في انها تكون ست سوية نفسياً في معاملتها معاه:
ـ وبعدين سن ايه ومين اللي كَبير يا “دعاء” ؟! إنتي يدوب حداكي خمسة وتلاتين سنة وأني اكبرك بسبع سنين يعني انتِ كست في عز شبابك وأني كراجل في مرحلة شبابي .
حاولت تتهرب منه ومن الكلام في الموضوع اللي مبيبطلش كلام فيه ليل ونهار وقالت له :
ـ مش أني عرفت الموضوع اللي كنت هتخبيه عني اللي رايده أخوك “سمير” منيك وكنت مرايدش تعرِفني .
اتنفس بضيق من تهربها ولكن قرر يجاريها في الكلام علشان يعرف رأيها في الموضوع وسألها:
ـ طب وانتِ رأيك ايه يا حرمنا المصون في الموضوع كمجمل ؟
اتحمحمت بهدوء وهي بتحاول ترتب كلامها قبل ما تقوله لأن “سند” طريقته صعبه جدا في الكلام معاها حسب ما هي متخيله لأنها مش شايفه نفسها غلطانة في أي حاجة:
ـ طب أني هقول لك رأيي من الناحية العقلانية، احنا دلوك عايشين في بيت واحد عيالنا وعيالهم ولاد عم وهي حداها بنت واني حداي بنت وما ينفعش كل يوم والتاني أخوك يسمع بينا الناس هيقولوا اعـ.ـتدى على طليقته وضـ.ـربها وبهدلها الناس اكده هتاكل وشنا، فخلينا نكون معترفين ان اللي هنعمله دي علشان مصلحة العيال قبل الكبار، فأني شايفة إنك توافق على الاقتراح اللي اخوك قاله وتتجوَزها ونستريح من الفضايح وكمان عيالنا الناس ما تبصلهمش بصة شينة.
“سند” كان واثق ومتأكد إن ده هيبقى رأيها هي ما عندهاش مشكلة خالص إنها تتنازل عنه لأي ست، ما عندهاش مشكلة ان هو يتجوز عليها ،كان قاعد هيتجنن إن ازاي دي تكون ست أصلا فسألها وهو بيحاول يحافظ على هدوئه هو كمان لأن العصبية مع “دعاء” ما بتجيبش فايدة، لأن البرود طبعها أصلا فاتكلم بسخرية:
ـ ياه لو كل الستات زيك اكده يا “دعاء” هيحللو لجوازتهم انهم يتجوزوا التانية والتالتة عادي، حالات الطلاق هتُبقى قليلة، ما شاء الله عليكِ وعلى عقلك، طب فين منظرك وبرستيجك اللي دايما هتتحدتي عنيهم لما الناس كلها تعرف ان جوزك اتجوَز وجاب لك ضرة؟
كانت عارفة إن هو بيسخر منها وبيتريق عليها لكن خدت كلامه بمحمل الجد وحاولت تكون باردة زي ما هو متعود وردت عليه:
ـ والناس مالها ومال جوزي هيتجوَز ولا هيطلِق، ما حدش عارف البيوت والحيطان هتداري ايه يا “سند” ، لكن أني هقولك الحل اللي في مُصلحتنا كلاتنا، وبصراحة أكتر أني صعبان عليا “نغم” سلفتي على اللي هيحصُل لها وانت عارف، كيف ما هتقول أني متعلمة وما هرضاش الظلم لحد وكمان يُبقى معاك ست تانية تشوف احتياجاتك اللي ما هقدرش عليها ونعيش عيشة فل احنا الكل .
هز راسه وهو بيبص لها بصة كلها دهشة من تفكيرها واتكلم وهو حاطط ايده تحت دقنه وبيحرك وشه بطريقة ساخرة:
ـ ايوه ايوه، وصلت وياكي للي كنت رايد أسمعه، الحوار مش حوار إنك خايفة على ولادك ولا خايفة على سلفتك كيف ما هتقولي، الحوار كلاته حوار إنك رايدة تريحي دماغك من الراجل اللي هيعيش وياكِ وما هتتحمليش طلباته وإنه عايز يعف نفسه بمرته؟!
الحوار كلاته ترييح دماغ، تصدِقي بالله أني عايش وياكِ علشان خاطر العيال ولولا ولادي ما كنت هبص في خلقتك يا “دعاء” .
وكمل كلامه وهو بيعرض عليها الأمر كله من كل الجوانب علشان يصدمها شوية بدل ما هي الفرحة هتنط من عينيها من ساعة ما عرفت الخبر:
ـ طب واللي خبرتك ما قالتلكيش إن الجوازة هتكون صورية واني وهي هنعيش مع بعض مدتنا كيف الاخوات، يعني هبقى في مقام أخوها الكبير وهرجع أطلِقها تاني علشان ترجع لأخوي ويرجع يبهدل فيها تاني وبرضه ولادك الناس هتتحدت عنيهم بالشين علشان سمعة عمهم هتجيب لهم العار كيف ما هتقولي؟
ابتسمت بخبث وهي بتقرب منه وبتحضن دراعه وبتعرض عليه تفكيرها واللي هي فكرت فيه كتير قبل ما تفاتحه في الموضوع:
ـ مش لما تتجوَزها الاول وبعدين نشوف حوار الطلاق دي يا اخوي، وبعدين أخوك لازم يتربى ويعرِف إنها ضاعت من يده لما انت اتجوزتها ولازمن يعرِف ويحس إن هي ما هترجعلوش تاني، فنطول مدة الجواز علشان نعلِمه كيف يحافظ على مرَته بعد اكده، اما اللي هيبقى بيناتكم انتو التنين لما يتقفل عليكم باب واحد يحلها الحلال ولو دخلت عليها داي حلالك ومحدش هيقدر يلومك.
“سند” ما بقاش طايقها ولا طايق كلامها ولا طايق ان هي تقعد جنبه فنزل ايديها من كتفه وبص لها بصة مرعبة خلاها بعدت عنه وهي بتبلع أنفاسها بصعوبة:
ـ طب قومي روحي على الأوضة بتاعتك ما طايقش اشوف وشك ولا طايق حتى ريحة نفسَك، اني بقيت اشوفك يا “دعاء” هحس اني شفت الشيطان بذات نفسيه، كان يوم ما يعلم به إلا ربنا لما بقيتي على ذمتي وخلفت منك عيال كمان، روحي دي انتي ست تسد النَفس.
خرجت “دعاء” وهي بتجري من قدامه لأنه لما بيتعصب ممكن يمد ايده عليها بسبب استفزازها ليه واول ما خرجت كان حاسس بوجع بيضـ.ــرب في قلبه لدرجة انه وجعه وصله لإحساس قهر الرجال اللي هيستعيذ منه الإنسان، كان ساند على سريره بيفكر في الموضوع وانه ازاي يقبلها على نفسه كراجل ويجيبها يمين ويجيبها شمال وفجأة جت صورة “نغم” قدامه غصب عنه، الكل عمال يكلمه عليها إن هي هتبقى مراته حتى “نغم” ذات نفسها اترجته إنه يكتب عليها علشان يخلصها من اللي هي فيه، ولقى دماغه راحت لحتة تانية خالص بيتخيلها وهي معاه ومقفول عليهم باب واحد، إزاي واحدة تبقى بالجمال والرقة والضعف اللي بيحبهم كل راجل في الست تكون معاه في مكان واحد ومحرمة عليه وغير كمان إنها مراته وغير كمان إنه محروم إنه يعيش حياته زيه زي أي راجل بسبب برود مراته،
وفي اللحظة دي بالذات “سند” حس ان قلبه بيدق جامد مجرد ما يتخيل صورة نغم قدامه وفضل التفكير يجيبه يمين وشمال لحد ما راح في النوم وهو ساند على السرير مكانه،
وشكل ما يكون ربنا بيبعت له الاستخارة في منامه إنه يعمل اللي الكل بيطلبه منه وان اللي هم شايفينه هيكون الصح، جات له في الحلم وهي وهو في اوضتهم ومقفول عليهم باب واحد ونايمين جنب بعض وعينيهم اتلاقت كان حاسس في الحلم بإحساس غريب ولقي نفسه بيقول لها:
ـ إنتِ طلعتي جميلة قوي كيف الغشيم دي ماكانش هيقدر النعمة اللي في يده ؟
كانت نايمة جنبه ووشهم مقابل لبعض وعيونهم اتقابلت بنظرة لأول مرة تحصل ما بينهم، كانت بتبص له بتمني هي كمان وعيونها الحزينة لأول مرة الابتسامة بتحضنها وهمست برقة :
ـ شكل ما يكون ربنا خلاه يعمل اكده فيا علشان تُبقى انت نصيبي الحلو وعوضي الجميل .
غمض عيونه من رقتها وهو بيسمع صوتها الناعم كأنه نغم فعلا على اسمها واتكلم بصوت متأثر من دلالها:
ـ “نغم” اسمك على مسمى، معقولة الرقة داي كلاتها كانت هتتخبى ورا الدموع والحسرة.
ـ وانت كنت “السند” اللي هيبدل النغمة الحزينة لفرحة عمرها ما شافتها من يوم ما وعيت على الدنيا القاسية داي .
دقات القلوب هنا اللي كانت هتحكم بينهم، إحساس أول مرة يتحس وكأنهم في حلم جميييييل وفجأة جه يقرب منها ويلمس ايديها كل ده وهو بيحلم بيها صحي على صوت ابنه وهو بيفوقه من حلمه الغريب الجميل وأول ما فتح عينيه نظرته لـ”نغم” وللي جاي اتغيرت تماما وإحساسه بقى في حتة تانية خالص، وهما السبب كلهم في الإحساس اللي وصل له وبقى مالي قلبه وعقله ناحية طليقة أخوه اللي كان دايما بيعتبرها زي أخته تماما وعمره ما فكر فيها غير كده، وقام “سند” من نومه علشان يشوف هيعمل ايه وهيمشي الموضوع إزاي لكن مش قبل ما يقعد مع “سمير” ويتكلم معاه في كل حاجة تخص الموضوع بعد كده وهيسيب نفسه لتدابير ربنا سبحانه وتعالى .
******
بعد ما خلصت الجري ورا إشارات المرور علشان ترجع لأمها وأختها، وقاعدة ورا سكة القطر تشوف ربنا رزقها بإيه، بصت لقت اللي قاعد قدامها وهو بيبص لها بطريقة غريبة وبيقول لها:
ـ شاطرة، تعرِفي إنك اللي يشوفك يقول عليكِ عيلة صغار، لكن أني متابعك من زمان، وعارف إنك بت بـميت راجل، وما فيش غيرك اللي هتمسك معاي إمبراطورية الشحاتين، واللي أني أبقى المعلم بتاعهم، اسمك إيه بقى يا شاطرة؟
“مَهرة” قامت من مكانها منفوضة، وهي بتخبي فلوسها اللي أهم حاجة عندها في الدنيا، حتى أهم من نفسها، وحاولت تبص له بعيون قوية وهي بتسأله:
ـ انت مين يا جدع انت، ورايد إيه مني، وتعرِفني منين علشان تقول لي الكلام دي؟
بص لها “سيد الأعرج” وهو بيلاعب لسانه جوة بقه بطريقة كأنه بيتحـ.ـرش بيها، وحاول يقرب منها، شايفها عيلة صغيرة وهيقدر عليها علشان يعمل اللي بيعمله مع كل بنت، يخسرها أغلى ما تملك علشان تبقى تحت ايديه يديه بعد كده وتعمل اللي هو عايزه بدون ما تعارض، لكن أول ما مد ايديه عليها نزلت بأسنانها غرستها في ايديه بعزم قوتها، وأول ما سنانها سابت ايديه وهو بيتوجع شالت دبشاية كبيرة وراحت نازلة على راسه من ورا، وهو كان موطي ماسك يديه من الوجع لدرجة إن أسنانها خلت ايديه جابت دم، وما لحقش يفوق لقى خَبطة على دماغه خلتِه بينزف دم من كل حتة، وقالت له وهي بتجري:
ـ مش كل الطير اللي يتاكل لحمَه، يا أعرج، فاكرني ما هعرفكش؟ من يوم ما جيت المنطقة داي وأني هسمع عنك من كل اللي هيشتغلوا تحت يدك، وهعرِف إنك غدار وقليل الرباية.
كان واقف بيتنطط زي العيال الصغيرة، ما اللي زي “سيد” أصلًا جبان، وبيعتمد على إنه يشغّل الستات اللي بيذلهم بعلاقاتهم معاه سواء كان غصب عنهم أو برضاهم وراه، لأنه ما يقدرش يواجه راجل، وعلى صوته بغضب شديد وهو بيتوعد لها وهي بتجري:
ـ هجيبك يا بنت ال… لو في بطن أمك ولازمن هعلّم عليكي كيف ما علّمتي علي، واعملي حسابك أول ما تاجي المنطقة بكرة هتلاقي ألف مين مستنيكي.
خرجت له لسانها وهي بتجري وقالت له:
ـ مش لما تشوفني تاني يا أعرج، خلاص آخر يوم ليا في المنطقة داي، وما هتشوفنيش تاني عاد، والعلامة اللي علّمتها عليك تستاهلها، و كل يوم لحد ما تموت تفضل تبص على يدك علشان تشوف سناني اللي غرست فيهم، وتقول عيلة صغيرة علّمت عليك يا واطي.
كان بيلف ويدور حوالين نفسه وهو حاطط ايديه على دماغه من ورا وهي بتنزل دم:
ـ وحياة أمك لا أجيبك لو كنتِ في آخر بلاد المسلمين، وحياة أمك لأنتقم منك لو حتى بقيتي مرة عجوزة، وفي يوم من الأيام هخليكي تبكي.
روحت “مهرة” على بيتهم بعد ما اشترت الحاجات اللي هتحتاجها في سفرها لمصر، وهي بتودّع كل حيطان البلد اللي شافت فيها طفولتها الضايعة، البلد اللي أخدت من صحتها وهناها لدرجة ما يتصورهاش بني آدم، وهي رايحة مكان هتكون فيه لوحدها عيلة صغيرة يا دوب ما تعرفش غير المسكن اللي هتقعد فيه، وسايبة كل اللي حيلتها لأمها، اللي أول ما دخلت ارتمت في حضنها وقالت لها:
ـ خلاص يا بتي نويتي إنك تسافري على مصر؟ ما كان ماله التعليم اهنه وتكوني جاري وجار أختك، انتِ عارفة إننا ما هنستغناش عنك يا “مَهرة”، وما هنعرفش نعيش من غيرك، ولا حد هيقف لأبوكي ويقدر عليه غيرك، فكري تاني يا بتي، أني تعبانة، ورجل برة ورجل جوة، أختك الصغيرة ما حدش هيحوش عنيها لو أبوكي استقوى عليها.
“مهرة” حضنت أمها وهي بتبوسها من راسها، وحاولت تقويها لأنها شايفة نفسها في مكانة غير اللي هي فيها، ولازم تتعلم لأن التعليم هو اللي هيرفعها من مستواهم اللي عايشين فيه، وهيرحمها من شغل الشوارع، وكانت قاتلة نفسها في الإعدادية علشان تجيب مجموع التمريض اللي يدخلها مستشفى الحسين تتعلم فيها، هي طموحها أكبر من كده بكتير، وحاولت إنها تخفف عن والدتها:
ـ ما تقلقيش يا أمي، أني هاجي كل سَبوع لما أخلص دراسة الخميس، وهمشي السبت، يعني ما هفوتكوش على طول، وكمان “نغم” أختي أني وصيتها عليكم، أي نعم جوزها “سمير” الله ما يرحموهاش هو وحماتها اللي ربنا ينتقم منيهم، بس موصياها إنها تخلي بالها منيكم، وبعدين أني قبل ما أمشي هنبه على أبوي إنه لو عِمل حاجة فيكم غير اللي إحنا متفقين عليه هو عارف إيه اللي هيُحصل.
“شيماء” أختها قربت منها وهي بتعيط، وماسكة في ايديها لأنها الوحيدة اللي بتديها الأمان في الدنيا بعد اللي شافته من وهي طفلة صغيرة:
ـ حرام عليكِ يا “مهرة” تهمّليني لأبوكي يبهدلني، أني ما هعرفش أعمل حاجة من غيرك، ولا حتى المذاكرة، انتِ عارفة إني ما هروحش دروس وهعتمد عليكِ في كل حاجة.
نزلت “مهرة” لمستواها وهي حاضنة وشها بين ايديها، وبتقويها بكلامها وبتديها دعم نفسي:
ـ شوفي يا “شيماء”، انتِ لازم تعتمدي على حالك يا حبيبتي، انتِ قوية من وانتِ صغيرة، وأني هعلّمك تكوني قوية كيف، وتعرِفي تردي عن اللي هيؤذوكي، انتِ ما بقيتيش عيلة صغار، انتِ دلوك أولى إعدادي، وبعدين أني مش ههملك، وهاجي آخر الأسبوع أراجع معاكي كل اللي هتحتاجيه في دروسك، وكمان أني هسيب لك التابلت اللي كنت هاخد عليه الدروس، وهشحن لك النت علشان تقدري تذاكري من عليه، ولا تروحي ولا تاجي، وبالنسبة لأبوكي ما تخافيش، أني ما هخلّيوش يقرب ناحيتك خالص.
وبعد ما اطمنت عليهم، سافرت “مهرة” وسابت لهم الصعيد كله علشان تشق طريقها، ومرت السنين وجريت بيها، وخلصت دبلوم التمريض وجابت فيه مجموع عالي، وكل ده وهي لسه شغالة بين إشارات المرور بتلقط رزقها علشان تقدر تصرف على تعليمها، وعلى أمها المريضة، وأختها “شيماء” اللي دخلت كلية الآثار لأنها برده جابت مجموع عالي جدًا.
******
قاعد “سند” مع “سمير” بيتفق معاه على اللي هيحصل، وقال له:
ـ شوف يا “سمير” أني هعمل اللي انت رايدَه وهكتب عليها، لكن في شروط قبل ما هعمل اكده، وافقت عليها كان بها، ما وافقتش يُبقى الموضوع دي عمره ما هيُحصل، وإذا كنت اتنازلت فمش علشان خاطرك انت، علشان خاطر بوك اللي انت جلطته وهيموت بسببك وبسبب عمايلك الهباب.
“سمير” مش مصدق الكلام اللي بيقوله “سند”، وعيونه لمعت بالفرحة، وحرك راسه بموافقة:
ـ كل اللي هتقول عليه يا اخوي هعمله وهنفذه أيا كانت شروطك إيه، بس أهم حاجة إنك هتخرجني من الورطة داي وهتنقذ أخوك.
بدأ “سند” كلامه وشروطه، وكان “سمير” بيسمعها وهو ساكت:
ـ أول حاجة، طول ما هي على ذمتي ما عايزش لسانك يخاطب لسانها، ولا عينيك تبص لها، ولا توجه لها أي كلام، ولو عايز حاجة تخص ولادك تعرِفها منيها تقول لي عليها، وأني أعرفها منيها وأقولها لك، ما تقابلهاش في أي سكة وتبص لها، ولا توجه لها كلام، ولا حتى تعرض عليها مساعدتك، طول ما هي على ذمتي، طول ما هي في حمايتي هي والعيال، يمين بعظيم إن جيت ناحيتهم يا “سمير”، ولا كلمتهم، ولا حتى بصيت لهم، ولا بعت لها رسالة على الموبايل كمان، هتشوف مني وش عمرك ما شوفتَه في حياتك، لدرجة إن يدك لو اتمدَت عليها هيِبقى عِندي استعداد أقطعها لك عادي.
“سمير” اترعب من تهديد “سند”، وبقى يبلع أنفاسه بصعوبة من كلامه الشديد وتعنـ.ــيفه له، ووافق على كلامه من غير أي اعتراض:
ـ حاضر يا اخوي، لو عايزني كمان أسافر الشهرين اللي هتتجوَزهم فيها أسافر، ما عنديش مانع علشان تكون مطمن، هروح أتابع الشغل اللي في الجهة الغربية، وما هتشوفش وشي خالص.
بص له “سند” بعيون مليانة قوة، وهو بيعرفه اللي صدمه:
ـ أني ما هتجوزهاش شهرين وهطلِقها يا “سمير” ، مدة الجواز سنة بحالها، علشان الناس ما تتكلمش عنينا، ولا تقول إني اتجوزتها علشان خاطر ترجع لك بعد اكده، وبرده دي شرط، عاجبك توافق على اكده تمام، ما عاجبكش نفضها سيرة، ويا دار ما دخلك شر.
“سمير” اتصدم من الشرط داي واعترض عليه:
ـ سنة بحالها يا “سند”يا اخوي، حرام عليك، انت اكده هتحكم عليّ بالموت، انت مالك ومال الناس عاد، إحنا هنعمل حاجة ما تغضبش ربنا، علشان ترجع لي مرتي تقوم تخليني أصبر سنة بحالها؟
“سند” حرك راسه بتصميم وهو بيشدد على الشرط داي بالذات:
ـ أيوه، سنة بحالها يا ابن أبوي، علشان بعد اكده تتعلَم الأدب، وتعرف إن الله حق، وتبطل تفضحنا وتجرسنا في كل حتة، ويكون في معلومك هتخلى بأي شرط أني ما هسميش عليك واصل، وعلشان انت اللي هتحطنا في الصورة اللي الناس هتشوفني فيها داي، وهتجبرني بقلة أدبك وتجبرك على الضعفا أني أعمل حاجة ما مقتنعش بيها واصل، يُبقى لازمن ، ولازمن تتعلَم الأدب وتعرِف إن الله حق، لو تمام هبلغها وهعرفها كل حاجة، ونتوكل على الله ونجيب المأذون طوالي.
وكمل “سند” كلامه وهو بيأكد عليه:
ـ ويكون في معلومك، في خلال السنة داي كلاتها، معايزش مشكلة منك ولا مع قريب ولا مع غريب، ما تاجيش قصادي، عشان لو جيت تحت يدي يا “سمير” ما هرحمكش، ولا تروح تقوم أمك عليها كيف ما كنت هتعمل وهي على ذمتك، كل حاجة تخصها تنساها يا ابن أبوي لحد السنة داي ما تخلص على خير، وبعدها ربنا يخلق في قضاة ألف رحمة.
“سمير” وافق على كل كلامه من غير ما يعترض، لأنه ما قدّاموش حل غير كده، لازم يتحمل علشان يرجع لها ويرجع يعيش معاها تاني، بيعشقها وبيحبها حب جنون، ومش عارف يشوف ست غيرها أبدًا، حتى لو كان بيتعامل وياها بمنتهى العنف والشدة واللاإنسانية، إلا إن اللي في دماغه في دماغه ومصمم عليه.
*****
الباك
في بيت حناوي كانت “مهرة” رجعت آخر الأسبوع زي ما هي متعودة علشان تطمن على أمها وأختها، وقاعدة جنبهم، شكلها اتغير تمامًا، بقت عروسة زي القمر، ملامحها ظهرت أكتر وجمالها فاق الحدود، كانت قاعدة وسط أخواتها، وفي الوقت داي كانت “نغم” قاعدة معاهم بتعرفهم إن هي خلاص هينكتب كتابها على “سند”، وأول ما مهرة سمعت اكده بصت لنغم وهي مصدومة:
ـ كيف هتنساقي وراهم من غير ما يكون لك رأي ولا شأن، كيف الحيوانات بالظبط يا “نغم” ؟ لساتك ما تعلَمتيش تخربشي، لساتك ما تعلمتيش تدافعي عن حقك ووجودك في الحياة، لدرجة إنك تتجوَزي أخو جوزك وبعد اكده يطلقك علشان ترجعي لـ”سمير” تاني؟
هنا ردت أمها وهي بتستنكر كلامها وبتدافع عن “نغم” :
ـ طب وهي هتعمل إيه يا مهرة يا بتي؟ أدي الله وأدي حكمته، وما بيديناش حاجة نعملها لها، انتِ عايشة في مصر بقى لك سنين وما تعرِفيش “سمير” عِمل فيها إيه، وخصوصي بعد ما طلقها الطلقة الأخيرة، كان عامل زي الطور الهايج، هيبهدلها في كل مكان وهيضـ.ــربها، وآخرته هددها وخطـ.ــف بتها واعتـ.ــدى عليها في الشارع قدام الناس كلاتها وعراها كمان، هنستنى لما يقـ.ــتلها هي وعيالها علشان القوة اللي هتتحددي عنيها؟
” نغم” كانت بتعيط بحرقة من كلام “مهرة” ومن الضعف اللي هي فيه، ومن الأمور اللي انجبرت عليها في حياتها كلاتها، كانت حاسة إن جواها مكسور وبيتقطع، حاسة إن الموت عندها أهون من الحياة اللي هي عايشاها، فردت “مهرة” على كلام أمها وقامت واقفة وهي بتشاور لهم بدهشة:
ـ يعني إيه يا أمي الكلام اللي هتقوليه دي؟ ما تعتمد على روحها وتشتغل زيِها زي أي ست، وتربي عيالها وتسيب لهم البيت وتاجي تعيش وياكم اهنه، وتعيش بكرامتها وتختار حياتها الصح ولو مرة واحدة في عمرها كلاته.
هنا اتكلمت “نغم” من بين دموعها وهي بتحكي اللي جواها والمرارة اللي عايشة فيها من كل اللي حواليها:
ـ قولي لي هاجي اهنه فين يا “مهرة” ؟ أعيش ويا أبوكي أني وبتي وابني، وهو ما هيشوفش غير كيفه، في أوضة وصالة وحمام يا دوب هياخدوكم بالعافية، حتى الحل دي كنت هعمله إن شاء الله أنام على الأرض أني وعيالي، وجيت لأبوكي وترجيته وبوست رجليه علشان يرحمني ويقويني أني وعيالي، لكن رده عليا إني أعمل اللي طليقي هيقول لي عليه.
كنت عايزاني أعمل إيه؟ أجي أقول لك اصرفي علي وعلى عيالي كيف ما هتصرفي على أمك وأختك؟ كنت عايزاني أتحمَل إن ولادي يضيعوا مني وأبوهم ممكن يئذيهم بدم بارد عادي علشان بس ينفذ اللي في دماغه؟ أعمل إيه وأني متعلق في رقبتي طفلين مسؤولين مني؟ الحاجة الوحيدة اللي كانت هتخليني أعمل اكده وياه بقلب جامد إن يكون حداي أب رحيم يقف قصاده ويقول له إن قربت من بتي هقطع لك يدك، أو يكون لي أخ أتشّد بيه قصاد أي حد، لكن هو عارف إن ما ليش حد، ولا حداي شهادة أستند عليها، ولا هيسيب لي مال أتنفس بيه من وراه، كان مخنقها عليا علشان ما أفلتش من يده، وكلاته كوم وأمه كوم تاني، كانت هتطعني في شرفي وهتسمع بيا الناس كيف ولدها، الموضوع مش كيف ما انتِ شايفاه خالص يا بت أبوي، انتِ ما تعرِفيش، زي ما انتِ ما هتضحي وهتشتغلي علشان أمك وأختك ونفسك، أني كمان ضحيت علشانهم وعلشان ولادي، بس الفرق بيناتنا إني كنت الكبيرة وأبوكي باعني لواحد زي “سمير” بكل سهولة، يعني أني كنت كبش الفدا أو وش الطلعة كيف ما هيقولوا لأبوكي، واللي كنت هكنزه من بيت جوزي وهصب في حجره، اسكتي يا أختي اسكتي وسيبيني باللي أني فيه.
“مهرة” ما كانتش متحملة دموع أختها ولا القهر والضعف اللي هي فيه، فشدتها في حضنها والاتنين بقوا يعيطوا ويبكوا من اللي الزمن عمله فيهم ورماهم فيه، وشجعتها إنها ترفض:
ـ ارفضي يا “نغم” ، واختاري نفسك لمرة واحدة في حياتك، ارفضي وروحي اشتكيه، الحكومة دلوك هتدي لي الست حقها ثالث ومثلث، والناس هتشهد وياكي إن هو كان هيعتدي عليكي، وهيوفر لك مسكن ونفقة غصب عنيه، صدقيني.
“نغم” كانت ساندة على كتف أختها وهي بتعيط، وعارفة إنها لو عملت اللي أختها بتنصحها بيه مش هتعرف تاخد لا حق ولا باطل في قانون “سمير” الظالم اللي هيضربها من تحت لتحت:
ـ ولما أروح اشتكيه وأقول إنه هيضـ.ـربني، ويروح يجيب هو وأمه شهود إن ست مش محترمة ويتكلموا في شرفي علشان ياخدوا مني العيال كيف ما هو قال لي قبل اكده وهددني؟ وقدرته وفلوسه تخليه يعمل كل حاجة، وبعد ما ياخد مني العيال اللي أمه هتكرههم علشان هما ولادي، ما هعرفش أعيش يا بت أبوي من غير ولادي، “سمير” ظالم هو وأمه وهيودوني للهلاك، ومش بَعيد يلبسوني أي تهمة علشان يسجنوني ويعملوا فيا كيف ما بدالهم علشان بس ما أخرجش عن طوعهم، هي لاقية خدامة تحت رجليها، وهو لاقي واحدة هيتعامل وياها بمنتهى القذارة وهتسمع كلامه علشان عارف في النهاية إن ما ليش حد يقف له، يعني الحكاية كلاتها يا بت أبوي في أبويا.
طبطبت أمهم عليهم وهي بتعيط على حالها وحال بناتها وضعفهم وقلة حيلتهم، وحاولت تهديهم:
ـ تعالوا اقعدوا جاري يا بنات، لازمن تعرِفي يا بت يا “مهرة” إن الشكوى لغير الله مذلة، وإن قانون الظالم على الضعيف اللي ما حداهوش أي حاجة يدافع بيها عن حاله هيمشي في الزمن اللي احنا فيه دي، وما لكوش أعمام يوقفوا أبوكم عند حده، وأني كمان ما ليش خوات رجالة، لازم نطاطي للريح علشان تعدي، واعملوا حسابكم إن دولة الظلم ساعة، أما دولة العدل ألف ساعة، ولا بد هيجي يوم تترد فيه المظالم، واللي هيفتري بقوته وجبروته ربنا هيحط عليه، وربنا عالم إحنا صبرنا قد إيه على نصيبنا وتعبنا علشان بس أشوفكم قدامي وانتو هتحبوا بعضكم وهتخافوا على بعضكم، ربنا ما يفرقكوش أبدًا، ودايمًا أني هدعي لكم، وكمان يمكن يا بتي جوازك من “سند” يكون الرحمة اللي هتاجي لك من عند ربنا، لأنه الوحيد اللي كان هيقف جارك وعمره ما خذلك، وطول عمره هيدافع عنيكي على قد ما يقدر، لازمن نصبر ولازمن نتحمَل الاختبار اللي ربنا وضعنا فيه علشان ما قدامناش غير الصبر.
********
هي مين الأوزعة اللي هتمشي مبهدلة في حالها داي ولابسة نضارة كعب كوباية والبنطلون بتاعها هيبان من تحت الشوال اللي هتلبسه؟
سمعته وهو بيتريق عليها زي ما بيتريقوا عليها كل يوم، داي المعيد بتاعهم قاعد مع الشلة شوية طلبة فاشلين اللي بيسقطوا كل سنة، وهو أصلًا متعين واسطة من أبوه في الجامعة، وكل يوم تسمعهم وهم بيتكلموا عليها وبيتريقوا على شكلها ولبسها، فبصت عليهم ودموعها نازلة من تحت النضارة الكبيرة اللي لابساها وواكلة نص وشها، وقربت منهم وهي بتلومهم بلطف:
ـ حرام عليكم، كل يوم والتاني تقعدوا تتريقوا علي، وما يبقاش محتواكم غير “شيماء” القصيرة اللي بنضارة كعب كوباية جت أو راحت؟! انتو ما تعرفوش قول الله لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرًا منهم، خصيمي فيكم ربنا يوم القيامة، ما مسامحكوش واصل على تريقتكم علي في الرايحة والجاية.
قام “علي” من مكانه وهو بيشاور عليها بصباعه بتحقير من فوقها لتحتها، وهو بيبص لها باشمئزاز:
ـ وانتِ يا بتاع انتِ هتعرفينا الحرام من الحلال إياك؟! وبعدين خيرًا منهم كيف؟! هو انتِ هيبقى فيكِ إيه أحسن منينا علشان تستشهدي بالآية داي؟! روحي اجري بصي لنفسك في المراية يا شماء.
طبعًا ما تقدرش ترد عليه، لأنها لو طولت في الكلام وردت علشان تاخد حقها هتسقط، أو هيشيلها المادة بتاعته، أو هيسلط أبوه عليها لأنه مركزه كبير جدًا في الجامعة تحت العميد على طول، فأخدت كلامهم ومشيت وهي بتعيط جامد، شافتها صاحبتها من بعيد فندهت عليها وأخدتها في حضنها زي كل يوم وهي بتهديها:
ـ كل يوم هتسمعي كلامهم وهتبكي، قلت لك دول فاضيين وصايعين وما وراهمش أي حاجة واصل غير المسخرة والمقلتة على خلق الله عاد، كبري دماغك وخليك مركزة في مذاكرتك، هي اللي هترد عنيهم، لما تبقي حاجة في يوم من الأيام يا حبيبتي.
حطت يديها على وشها وهي بتشهق من العياط جامد، وردت على صاحبتها:
ـ هو بكره دي هياجي امتى عاد؟ هيجي اليوم اللي هقدر أرد فيه وأدافع عن حالي وعن كل اللي ظلموني ميته؟
ميته هحس إني إنسانة ليها حقوق على اللي حواليها يراعوها، وأهمهم ما يدسوش علي وما يجرحونيش؟ حقوق البني آدمين العادية اللي هتعيشها كل بنت من أول ما تتولد لحد ما تموت؟ ميته هياجي اليوم اللي يعدي علي من غير ما نجرح وما أبكيش فيه؟ ميتى يا رب ميتي؟
خلصت كلامها وهي بتبكي لدرجة إن صاحبتها أخدتها في حضنها، هي عارفة عنها كل حاجة لأنهم أصحاب من وهم صغيرين ودخلوا نفس الكلية، وطبطبت عليها وهي بتشجعها:
ـ هقول لك ميتي يا “شيماء” لما تخلصي تعليمك اللي تعبتي علشان تاخدي كليتك ويبقى ليكي مكانة، هتجبري الناس تحترمك منيها، انتِ السنة اللي فاتت جبتي امتياز وطلعتي التانية على الدفعة، كل ما تتقدمي في طريق علامك لحد ما تستلمي شهادتك، كل ما قوتك هتزيد، والناس اللي كانت هتأذيكي هتنجبر إنها تبص لك بنظرة تانية خالص، إن الله مع الصابرين، وأني خابرة زين إنك صبرتي كَتير، بس اتوكدي إن ربنا لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
******
راجعة “مهرة” من الكُليّة تعبانة مش قادرة تقف على رجليها، وأول ما دخلت شافت شاب لابس جلابية قاعد مكان البواب، أول مرة تشوفه في المكان، ماسك كتابة وبيقرا فيه، فقربت منه وسألته:
ـ السلام عليكم، مين حضرتك وقاعد اهنه ليه مكان عم عبد الجواد؟
دَوّر “نعمان” وشّه علشان يشوف مين صاحبة الصوت الصعيدي اللي بتسأله، وأول ما رفع عينه وبص لوشّها انصدم من الكائن اللي واقف قدّامه، لقى بنت آية في الجمال، وعيونها فيهم نظرة قوة غريبة، أول مرة يشوفها،
“نعمان” حس إحساس غريب أول ما شافها قدّامه، رغم إنه قابل ستات كتير جدًا، إلا إن الوش دا بتركيبته وبنظرة عينيها كان غريب وعجيب، ودا الإحساس اللي وصل له من مجرد نظرة واحدة بس.
ولأن “نعمان” ماهر جدًا وخبير في معرفة أي بني آدم قدّامه، وصل له إن دي مش زي أي بنت، فاتحمحم وجاوبها:
ـ أني يا سِتّي “نعمان” البواب الجديد اللي مكان عم “عبد الجواد” ، استلمت النهاردة الصبح، يا ترى أنفع أكون بواب عمارتكم ولا ما أنفعش؟
كانت واقفة قدّامه مربّعة يديها على صدرها، بتقرا معنى نظرات عينيه اللي فضلت مسهمة عليها شوية، وقالت له:
ـ طب وردّ السؤال كان هيحتاج منك تقف تتنّح لي المدة داي علشان تردّ عليّ، ولا هو السؤال صعب قوي اكده يا أستاذ “نعمان”؟
رفع كتابه قدّام عينيها وهو بيردّ عليها بخفّة:
ـ باشمهندس “نعمان” من فضلك يا آنسة، وأدي الدليل اللي يثبت أني باشمهندس؟
رفعت حاجبها بدهشة من طريقته التلقائية معاها، وكأنه عارفها من زمان:
ـ بواب وباشمهندس! ثم أني مالي باشمهندس ولا غيرَه، يعني المهم إنك إنت اللي استلمت مكان عم “عبد الجواد” ، بس أني رايدة أطمن عليه، هو حُصل له حاجة؟ حاكم هو بلدياتي، وهو اللي كنت هسكن على حسّه اهنه، وما قالِيش إنه هيسيب العمارة امبارح.
جاوبها وهو معجب جدًا بشراستها في الرد:
ـ صاحب العمارة بدّل مكاني أنا وهو، خد العمارة اللي كان شغال فيها أبوي لأنها خفيفة وطلبات السكان فيها مش كَتير، وإنتِ عارفة إنه راجل كبير وما بقاش حملهم، وانا جيت هنا مكانه لأن العمارة شغلها كتير، فما يفرقش معانا أنا وأبويا، هي دي كل الحكاية يا سِتّي، أما عم “عبد الجواد” حي يرزق وصحته عال العال الحمد لله.
شاورت له بيديها قبل ما تتحرك:
ـ إنت هتحكي لي قصة حياتك ولا إيه؟ أني مالي ومال الحوارات داي كلاتها.
خلصت كلامها وسابته ومشيت، وبصّ على أثرها وقال بابتسامة ليها ألف معنى ومعنى، وهو بيحكّ يده في دقنه:
ـ لا دا إنت شكلك حكايتك حكاية، وجمالك مقوّي قلبك يا بنت الصعيد، ويانا يا إنت في العمارة دي، أما كنت أخليكي إنتِ اللي تقعدي جنبي وتحكي لي قصة حياتك.
وقبل ما تدخل باب شقتها اللي في البدروم بتاع العمارة، واللي يُعتبر جنب شقته المخصّصة ليه، نده عليها:
ـ طب إيه؟ إنت كده غفلتيني وضحكتي عليّا، ما قلتِليش اسمك إيه؟ ينفع تمشي من غير ما أعرف اسمك يا…
ابتسمت على طريقته معاها اللي واخدها العشم قوي، وكأنه عارفها من زمان، وردّت عليه وهي بتقفل الباب:
ـ “مهرة”، اسمي “مهرة” يا باشمهندس.
أول ما سمع الاسم حسّس على شعره من ورا وهو بيقول لنفسه:
ـ أوبا “مهرة”، أني قلت برضه كده، الهيبة والطول والهيئة اللي في عينيكي ما تقولش أبدًا إن اسمك “عفاف” ولا “دلال” ولا “آمال”، لا… “مهرة”، “مهرة” يعني.
كان مفكّر إنها مش سامعاه، لكن كان عندها فضول إنها تقف ورا الباب تسمعه وهو بيتكلم، ولما قال آخر كلامه ابتسمت، ولأول مرة تبتسم ابتسامة ما تفهمش معناها ولا تعرف سببها إيه، بس الأهم من ده كله إن “المهرة” ابتسمت.
*******
قبل ما يخرجوا للمأذون نده “سند” على “نغم”:
ـ بعد إذنك يا ست “نغم” رايدك في كلمتين.
“نغم” بصّت على حماتها اللي بصّت لها بكره وقالت لها:
ـ قومي يا سنيورة شوفيه رايد إيه منك، خلّينا نخلص من المسرحية الماسخة داي؟
قامت “نغم” ودخلت معاه وهي حاسّة بالانكسار وموطّية راسها في الأرض، طلب منها إنها تقعد واتكلم معاها بهدوء وهو بيأمرها:
ـ ليه موطّية راسك؟ ارفعي راسك، وبعد اكده ما توطيهاش تاني لأي مخلوق حتى لو كان مين، إنتِ كمان شوية هتبقي مرت “سند” الناجي، ترفعي راسك وتتكلَمي بكل كبرياء مع أي حد أيا كان مين، واتحامي فيّا، بزياداكي ذل عاد يا بت الناس، وداي أول حاجة لازمن تعرِفيها إنك طالما هتتسمي على اسمي، حتى لو كانت الظروف لجوازنا مختلفة وأيا كان مسماها، برضه إنتِ مرتي، ومرتي يعني كرامتها من كرامتي واحترامها من احترامي.
رفعت راسها ليه وعينيها مليانة انكسار، فقرب منها شوية وهو بيديها شنطة وبيطلب منها:
ـ اتفضلي الشنطة داي فيها هدوم ليكي، البسيها واقلعي الهدوم السودة اللي هتلبسيها داي، وما رايدش أشوفك بيها تاني، وعايزك قدّام المأذون ترفعي راسك وتبتسمي، واعملي حسابك إنك داخلة مرحلة جَديدة وحياة جَديدة ما فيهاش حزن ولا بكا بعد اكده.
أخدت منه الشنطة وهي بتشكره برقة، وعيونها ابتسمت أخيرًا:
ـ شكرًا جدًا لحضرتك، وهدية مقبولة، تسلم يدك.
حب يشاغبها علشان يخرجها من مود الحزن والكآبة اللي هي فيها:
ـ حضرتك مين داي! خلاص أني هبقى جوزك كمان دقايق، ومن اليوم وطالع اسمي “سند”، ما تقوليش يا سي ولا حضرتك ولا الكلام دي تاني، وفي حاجة كمان لازمن تعرِفيها، إحنا هنخرج من دوّار أبوي، مش هنروح على دارك إنتِ و”سمير”، هنروح على الدار اللي جنبي، أني جهزتها علشان تكون دارك الجَديدة، ما أحبّش أكون في مكان كان يسكنه وغيري قبل سابق، حتى لو كان أخوي.
حرّكت راسها وقالت الكلمة اللي لسانها متعوّد عليها تقولها للكل:
ـ حاضر اللي تشوفه.
ابتسم لها برجولة وهو بيطلب منها:
ـ تمام، أني هخرج دلوك وهسيبك تغيّري خلجاتك على أقل من مهلك، خدي راحتك وما تتعجّليش، كلاتنا هنبقى في انتظارك، اقفلي الباب على نفسك زين من جوّه بالمفتاح وإنتِ هتغيّري هدومك، وحداكي كل شيء هتحتاجيه.
كان قاصد إنه يرفع من نفسيتها وروحها المعنوية علشان يحسّسها إن هي إنسانة، ومن حقها تكون على راحتها، ومن حقها تعمل زيها زي أي ست في الخصوصيات اللي زي دي، الحاجات اللي الكل سلبها منها وهي من حقها، هو هيرجعها لها واحدة واحدة، لأنه راجل جدًّا، واللي بيعمله معاها من أصول الرجولة اللي كانت لازم تتعامل بيها طول حياتها، وبعد ما خرج، حضنت الهدوم وهي بتبتسم لأول مرة براحة وامتنان، وشكل القدر هيبدأ يخفّف من وجعها واحدة واحدة، وقربت الهدوم من وشّها وهي بتشم ريحتها الجميلة، وبتكلم نفسها لأول مرة زيها زي أي بنت، وهي بتحط يديها على قلبها وبتتنفّس بصوت عالي، كأنه كان حابس أنفاسه في وجوده من رجولته وهيبته قدّامها:
ـ يا نهار أبيض، داي أني مقدراش أخد نفسي من أولها اكده، يا رب هوّن عليّا اللي جاي لما يتقفل علينا باب واحد، حتى لو كيف الأخوات.
أمّا عند “سند”، لما خرج لوحده، أمه قربت منه وهي بتتكلم بتهكّم:
ـ أمال فين الست البرنسيسة؟ هنقعد نستناها كَتير ولا إيه؟ ولا هي مفكرة نفسها عروسة بحق وحقاني؟
“سند” أخد ايد أمه ومشاها جنبه وخدها في مكان جانبي بعيد عن كل الموجودين علشان يقول لها الكلمتين اللي لازم تسمعهم منه:
ـ في كلمتين عايز أعرِّفك بيهم يا أمي، وتخلي بالك منيهم زين علشان نكون على نور من الأول، بعد ما المأذون يكتب الكتاب بإذن الله، وقتها “نغم” هتبقى مرتي وعلى ذمتي، وطالما بقت مرتي يبقى احترامها من احترامي، ما حدّش يعلي صوته عليها، ولا يقول لها كلمة ما ترضيش ربنا، ولا يطلب منها حاجة تعملها، أي حاجة تعملها تكون برضاها من غير ما حد يأمرها، حتى لو كان إنتِ يا أمي، اللي نفسك فيه اطلبِيه مني، وأني هجيب لك ولو ألف واحدة تعمل لك اللي إنتِ رايداه، أمّا هي هتُبقى مرتي يعني من اليوم ورايح، “نغم” زيها زي “دعاء” الاتنين نفس المعاملة ونفس الكلام.
أمه بصّت له بغضب وهي بتعترض على كلامه:
ـ يعني إيه؟ لسه ما اتجوزتهاش وهتتفرد وهتتني عليّ؟ ولا هي لحقت تسخنك على أمك السنيورة اللي هتفكر حالها ست الدار بعد اكده؟
“سند” حاول يمسك أعصابه قدّام أمه علشان ما ينفعش يعلي صوته عليها ولا يتعصّب:
ـ هي ملهاش صالح بالكلام اللي هقوله لك دي، ولا تعرف عنيه حاجة، هي لو كانت بتُنطق من زمان ما حدّش كان قدر يذلّها ويمرمطها السنين اللي فاتت داي كلاتها، وعلشان هي كانت على ذمّة راجل، ما كانش ينفع أتدخل في أي حاجة تخصّها، لكن من اليوم وطالع كل حاجة هتخصّها هتخصّني، وكل حاجة هتضايقها هتضايقني، فعلشان نعيش كلاتنا في سلام وراحة، وما حدّش يعلي على التاني، كل واحد يعرف اللي ليه واللي عليه، أني ولدك، واللي إنتِ رايداه في أي وقت حتى لو كان نص الليل أو آخره أني هعمله لك، أمّا هي لااه.
جزّت على أسنانها بغضب وردّت على كلامه قبل ما تسيبه وتمشي:
ـ حاضر يا ابن بطني، يا اللي هتقوّي بت الخدامة عليّ من قبل ما تُبقى على ذمتك، بعد اكده هضـ.ــرب لها تعظيم سلام، ولو رايدني أحبّ على مداسها كمان ما يضرّش علشان تنبسط.
استفزّته بكلامها، لكن حاول يحافظ على هدوءه لأن داي أم مهما كانت، وقال لها:
ـ بعد إذنك يا أمي، أني كلامي واضح، ويا ريت ما تجيبيش سيرة لا أبوها ولا أمها تاني ليها ولا لأي مخلوق، أبوها وأمها الله يسهل لهم، إحنا واجبنا نحترم الناس مهما كانوا، والفلوس عمرها ما كانت بتعلي البني آدمين ولا توطّيهم، بعد إذنك يا أمي، ما رايدش مشاكل، وأني واثق ومتوكد إنها هتفضل تحترمك، وعمرها ما هتغلط فيكي، وعمرها ما هتبدأ أصلًا بالغلط واصل.
قادت نار من جواها بسبب كلامه وتحذيراته ليها، وهي عارفاه ما يحبّش حد يجي على اللي منه. ورغم اللي “دعاء” عاملته فيه، إلا إنه كان عامل لها اعتبار واحترام في الدوّار كلاته، ومحدّش كان يستجري يقول لها فين ولا منين، حتى خالتها.
خرجت “نغم” وهي لابسة الهدوم اللي “سند” جابها لها، من زمان ما لبستش هدوم جديدة، لأن “سمير” كان دايما حارماها من كل حاجة تستحقّها علشان ما تشوفش نفسها حلوة، علشان تفضل دايما تحت رحمته، ولأول مرة الكل يشوفها بالجمال ده، كلهم بقوا متنّحين قدّامها، كان “سند” بيتكلم مع المأذون، وما كانش شايفها ولا شايف طلتها، ولما لاقاهم كلهم عمالين يسمّوا عليها وعلى جمالها، التفت هو كمان علشان يشوف هم بيتكلموا عن إيه، وأول ما دوّر وشّه وشافها، عينيه اتسهمت عليها، وكأنها خدت جمال كل الستات اللي في العالم، وكأنه هو كمان ما شافش ست في جمالها ولا رقّتها ولا نعومتها، وهي اللي زادت الهدوم جمال على جمالها، وكلهم عينيهم على الاتنين اللي واقفين قصاد بعض، ونظرات العيون ليهم هي اللي بتحكمهم…
ونكمل الحلقة الجاية.
رواية النغم الحزين الفصل الرابع 4 - بقلم فطيما يوسف
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
قبل القراءه حبيباتي معذره ان الفصل نزل متاخر شويه المهم انا نازله المعرض ان شاء الله يوم الجمعه عايزه اعرف مين اللي هيجي نتقابل يا بنات نفسي اقضي معاكم اليوم بجد هسيب لكم بقى الفصل قراءه ممتعه حبيبتي وعايزه رايكم ريفيوهات على الجروب تكسر الدنيا
في جُنحِ الليلِ، حينُ يَسدلُ الظلامُ أستارَه،
أجلسُ أنا وعَتَمتي على ضوءِ الشموعِ المُوقدة،
أُحاكمُ ليلةً خاصَمَني فيها القمرُ،
وتواطأ عليَّ فيها القَدَرُ بلا رحمة،
تُطوِّقني أنفاسُ أُنثى،
هواها محرَّمٌ عليَّ كالحُلمِ الآثم،
وتمضي بيننا لحظاتٌ على حدِّ الخطر،
كأنَّ القَدَرَ قد ألقاها في طريقي امتحانًا لا نجاةَ منه،
يا ليلةً تلمعُ في سمائِها نجمةٌ مُعتِمة،
لو أشرقت، لخجلَ من نورِها الشمسُ،
وانحنى القمرُ،
وتوارتِ النجومُ خجلاً من بهائِها،
ومنذُ الآن دقَّ جرسُ الخطر،
أيُّها القلبُ، تأنَّ،
في حضرتِها لا تتمنَّ،
وفي حُسنِها لا تتغنَّ،
وفي قُربِها فِرَّ بقلبك،
واهْرُبْ وكُن حَذِر.
خرجت “نغم” بهيئتها اللي تخطف الأنفاس وكلهم بقو واقفين متنحين من جمالها حتى “سند” ، مش مصدق إن الفستان اللي جابه لها هيطلع عليها بالجمال ده، ويغير شكلها وهيئتها لدرجة إن كلهم عيونهم مصدومة من جمالها المتخبي تحت العباية السودا ،
أول ما خرجت قرب منها ومد ايده ليها بحركة شياكة ورجولة منه قدامهم، وبصت له بامتنان وخجل وقعدوا الاتنين جنب بعض وعيون “رابحة” هتاكلها بنظراتها اللي هتحرقها ، أما “دعاء” كانت بتبص لهم بنظرة مختلفة المرة دي ولوهلة حست بالنقص من نظرات جوزها لسلفتها،
بعد ما خلص كتب الكتاب قرب منها وهمس لها لما لاقى الكل مشغول عنهم:
ـ طالعة مبهرة بالفستان ، دي العباية السودا هتخبي وراها مواويل.
ابتسمت بخجل لهمسه وشكرته بنظرة زلزلته، وخلص كتب الكتاب وأخدها وراحوا على الدوار بتاعهم لوحدها وولادها راحو عند امها وأول ما دخلوا قال لها :
ـ نورتي بيتك ومُطرحك، النهاردة طلتك كانَت مختلفة هتتحسدي عليها.
وكمل كلامه وهو بيسألها :
ـ قولي لي بقي يا “نغم” تحبي تختاري أنهي أوضة تكون خاصة بيكي واختاري أوض الأولاد كمان؟
كانت واقفة قدامه بأنفاس محبوسة مش قادرة ترفع عينيها في عينيه ، كل اللي جواها اتلخبط في يوم وليلة ، مجرد انه نطق اسمها من شفايفه بالرجولة دي والهيبة اللي مالية صوته والحنان اللي في نظرة عينيه ، حاجات كتير قوي مش متعودة عليها في إنها تتعامل حلو زيها زي أي ست، وأخيراً صوتها طلع بالعافية قدامه:
ـ أي مكان يا سي “سند” كفاية إنه أمان وكفاية إني هنام من غير قلق ولا بهدلة.
قرب منها خطوتين لحد المسافة ما انعدمت بينهم وبص لها بنظرة كهربتها، خليتها واقفة بأعصاب مهزوزة وقال لها :
ـ طب هو أني مش منبه عليكِ إن الألقاب تتشال بيناتنا وبلاش نحاول نقلل من حالنا.
وكمل كلامه وهو بيتمعن في ملامحها الجميلة لأول مرة وهما لوحدهم، بنظرات طبيعية مابين راجل ومعاه واحدة ست لوحدهم، والست دي كمان بقت مراته اللي الكل أجبره إنه يقف قدامها الوقفة دي ، غصب عنه وطبيعي مشاعره تجاهها تاخد منعطف تاني بعيد عن اي وعود وعهود ، الطبيعة اللي ربنا أمر بيها كل راجل وست متجوزين لما يكونو لوحدهم ، حسابات العقل بتتلغي والقلب والمشاعر والاحتياج هما اللي بيحكمو ونطق اسمها للمرة التانية في نفس اللحظة برجولة دوبتها من أول لحظة جمعتها بيه :
ـ أني لسه نادهك باسمك عادي جداً جدا يا “نغم” بدون اي مشاكل ، جربي اكده تحسسي نفسك انك مش قِليلة، جربي تحسي إنك بقيتي حرة طليقة في إحساسك ومشاعرك ، جربي تتنفسي العدل والحرية والكرامة بقلب جامد دي حقك يا “نغم” .
غمضت عيونها وهي بتسمع كلامه المليان رحمة ومودة وسكينة من اللي كانت عارفاهم وكانت بتسمع عنهم بين الأزواج بس ولا مرة عاشتها ، سرحت بخيالها وهي بتحفر جواها أول كلام حصل بينهم دلوقتي وكله مشاعر صادقة، لكن لقت جواها بينبهها انها تفوق لأنها فترة ومش هتطول وعند ما وصلت للنقطة دي فتحت عيونها واتبدلت نظرة الأمان لنظرة خوف وبلعت أنفاسها بصعوبة وبدأت تشرح له مخاوفها:
ـ طب وهو لما أتعوَد على الحاجات داي إني أحس بالأمان والكرامة والحرية وإني دايما أعمل اللي هرتاح لَه وهيرضيني وفجأة وبدون مقدمات وبعد ما بقيت أبتسم من قلبي ألاقي كل الحاجات داي اتسلبت مني وخلاص هرجع للي كنت فيه تاني وقتها شعوري هيتقبلها كيف؟ وقتها هلاقيك فين علشان أتسند عليك علشان أتداري فيك من أيام المرار اللي رجعت أعيش جواها تاني ؟
خلصت كلامها وبص لعيونها اللي الدمعة ساكناها ومبتفارقهاش وجواه اتهز من ضعفها وقلة حيلتها وخوفها ، استفزه خوفها من اللي جاي وهي بقت معاه ، مش قابلها على رجولته ولا على نفسه إنها تكون واقفة قدامه ولسه خايفة حتى وهو بيطمنها ، قرب منها ولقى نفسه تلقائي بدون أي تفكير لأي ظروف ولا وعود بيحط ايده على كتفها وبيجبرها إنها تبص له وبنبرة صوت قوية وخشنة وعدها:
ـ طول ما انتي معاي معايزش اشوف لمعة الدمع في عيونك أبدا يا “نغم”، وحطي في بالك اللي اتعوَدت على إنها تعيش بكرامة وراس مرفوعة هتتعوَد تخربش اللي هيدوس لها على طرف بعد اكده، أني بأكد لك إني هأمنك وهكون مأمنك من كل غدر ، إنتي موعياش إنك اكتبتي على اسم “سند” ؟
موعياش إن اللي يخصوني لازمن يكونوا أقويا وإنتي من اهنه ورايح لازمن تبتسمي علشان الدنيا تضحك لك، اوعاكي تخافي ولا تشيلي للدنيا هم .
بنفس نبرة الضعف وصوت مهزوز وبنغمة تدوب اي راجل قدامه ست ضعيفة وبتتحامى فيه نطقت بشجن:
ـ ولما يفوت الوقت وترجع تفوتني ومتكونش موجود جاري يا “سند” وتمشي واني أرجع وقتها هلاقيك فين وادور عليك علشان أتحامى فيك ومهلاقيش قدامي غير الحزن أعمل ايه وقتها ؟
قلبه دق بدقات سريعة من نطقها لاسمه، من شجنها، من صوتها اللي مليان نغم حزين، وهو عمره ما جرب الإحساس ده قبل كدة مع “دعاء” اللي حياته معاها عاملة زي الماية الساقعة في عز البرد لما تتكلم معاه عن كل حاجة إلا احتياجاته للمشاعر زيه زي أي راجل، بس “نغم” ست حقيقية عندها فيض من المشاعر والأحاسيس محرومة منهم هي كمان، وبكدة اجتمع قلبين بنفس المشاعر ونفس الاحتياج ونفس الحرمان ونفس الوجع، فقرب من وشها ولقى نفسه بيسحبه بين ايديه وبيقرب شفايفه من جبينها وباسها منه برضا عن اللي بيعمله وهو بيهمس برجولة دوبتها في عز ضعفها:
ـ مهمشيش يا “نغم” حتى لو الظروف جبرتنا مهتخلاش عنك، كنت قبل سابق في ضهرك وهحاول اسندك وإنتي حتى كيف أختى وكنت هقف له وبردو مهفوتكيش مهما طال العمر والشعر شاب اطمني يا بت الناس .
كانت بترتجف وهي بين ايديه بصدمة من قربه المفاجئ وحنانه الطاغي، أول مرة حد يقرب منها ويبوسها من راسها ويحسسها بحنانه ورجولته ، كانت دايما بتضرب على راسها وعمرها ما جربت إحساس ناعم زي ده ولا حتى من أبوها، ولعبة المشاعر بدأت تدق باب النغم الحزين وسند اللي كله سند وحماية واسم على مسمى، مقدرتش تنطق بولا كلمة ، أما هو في رقبته وعد إنه ميخونش ولا يغدر وكل اللي بيعمله معاها دلوقتي إنه بيزرع جواها الثقة بنفسها وبيديها حبة رجولة على حبة اطمئنان على حبة أمان لأن ضعفها بيستفزه جدا وهو أكتر حاجة يكرهها في الإنسان اللي قدامه إنه يرضى بالضعف والظلم ، بعد عنها وهو بيتحمحم وشاور على الأوضة اللي جنب أوضته:
ـ روحي الأوضة دي هترتاحي فيها اكتر، واسعة والشمس هتدخلها من كل مكان ، وكمان فيها براندة صغيرة عملتها لك وجبت لك فيها روايات كَتيرة في مكتبة صغيرة علشان عارف على قد معلوماتي الصغيرة إنك هتحبي القراءة، وللمرة المليون اجبري عينك على البسمة، واجبري نفسك وكلك على التفاؤل علشان تعرِفي تربي عيالك زين وميطلعوش ضعفا .
ابتسمت النغم الحزين لأول مرة من قلبها ، ابتسمت براحة وقررت إنها تدي لنفسها فرصة تتنفس الفرح وتعبي قدر الإمكان منه علشان في وقت حزنها يكون عندها ذكريات حلوة وطاقة من الأمل مخزونة جواها وشكرته بامتنان وعيونها المليانة بلمعة الدموع بقت مليانة فراشات الاطمئنان:
ـ حاضر ، هسمع الكلام وهاخد بالنصايح وطالما فيه روايات هقرأها لأول مرة بدون ضغط ومن غير ما أتخبى من حد طالما هتكون نفسيتي في السما ، شكراً على حاجة زينة هتعملها وياي ، شكراً على انك أخ بمعنى الكلمة هتطمني وهطمن لوجودك ، شكرا يا “سند” .
ابتسم لها برجولة وسابها ودخل على الأوضة بتاعته وهو بياخد نفسه بصعوبة من ضغطه على نفسه وحاول يتحكم في أعصابه قدامها قدر الإمكان ، من وقت ما حلم بيها ونظرته ليها اتبدلت تماماً ، كانت في الحلم بين ايديه ناعمة وجميلة وأسرته في منامه ومن وقتها وهو بيعاني وبيحارب كل شعور بيتولد جواه ومش عايزه يكبر، قلع عمامته وطلع سجايره دخل على البلكونه اللي جنب بلكونه نغم واللي هي معموله بنفس الطريقه في الديكورات بس بدل مكان الكتب كان محطوط مرسم لانه غاوي الرسم جدا وبيعشقه من وهو طفل صغير لكن ما بيحبش يمارس هوايته الا مع نفسه من غير ما حد يشوفه وقعد يناجي قلبه على ضوء القمر والهدوء وكل لما يهرب من التفكير فيها دماغه ما توديهوش الا ناحيتها شكل ما يكون حكم القدر كان في صفها معاه ، حكم القدر بخليه ما يبطلش تفكير فيها لسبب ما يعلمهوش الا ربنا .
أما هي دخلت أوضتها وارتمت على سريرها وهي بتبتسم وحاطه ايديها على قلبها اللي بيدق دقات سريعة مش فاهمة معناها لكن لأول مرة في حياتها تجرب دقات قلبها من غير ما تفهم معناها غير إنها ليها إحساس وطعم أجمل من الخيال.
*******
ـ خدي اهنه يا بت يا “سعدية” تعالي رايدة أسألك على حاجة ،خدي يا بت بقى لي كَتير ما قعدتش وياكِ، تعالي هعزمك على كوباية عصير قصب ونفضفض مع بعض شوي.
“سعدية” مشيت جنبها وهي مستغربة إن إزاي دي تعزمها على عصير قصب وهي بخيلة جدا فردت عليها بدهشة :
ـ هتعزميني على عصير قصب! كيف دي انت ما هيهونش عليكي الربع جنيه، هتربطي الجنيه باستك يا “جليلة” من ميتى واصل يا بت طقم الحنية دي هينزل عليكي ؟!
شدتها من ايديها وقربت من ودنها وهي بتسألها بفضول:
ـ تعالي بس تعالي ما تُبقيش غشيمة اكده وترفصي نعمة ربنا، قولي لي يا بت هو سي “سند” بيه اتجوَز مرت اخوه بحق وحقاني ولا الناس هتقول كلام وخلاص؟
“سعدية” برقت من كلامها وأكدت لها:
ـ هو الجواز بقى حق وحقاني وغيرَه يا بت؟! ايوه اتجوَزها، وبعدين هي مش مرت أخوه هي طليقة أخوه يا معدومة المفهومية انتِ، ولا الناس لقيت لها جنازة وتشبع فيها لطم وما هيبقلهاش سيرة غير “سند” بيه والست “نغم” الغلبانة المجبورة على أمرها داي.
“جليلة” خبطتها في كتفها وهي بتهزر معاها:
ـ يا بت ما تبقيش قفشة اك دده ههزِر معاكي، انتِ لحد دلوك ما وعيتيش قصدي، يعني الجواز منظرة علشان ترجع لاخوه اللي مطلِقها بالتلاتة كيف ما الناس ما بتقول ولا هيتجوَزها جواز عادي خابرة قصدي يا “سعدية”؟
“سعدية” حطت ايديها تحت دقنها وهي بتفهم معنى كلامها والمقصد من وراه وسألتها:
ـ ده انتِ دماغك دماغ شياطين يا بت، وأني ايش دراني بالمواضيع اللي هتقوليها داي، كل اللي أعرِفه إنهم اتجوَزوا وكتب كتابَه عليها ليلة عشية وكمان أخدها وراح على دوارهم، ومرَته وأمَه كانوا هيحضروا كتب الكتاب كمان هو الموضوع ممكن يكون زي ما هتقولي؟
ـ واه يا هبلة كيف هتقعدي في دوار هتعرفيش اللي فيه؟ الناس في البلد كلاتها هتتكلَم على الجوازة داي وهتقول إن البيه بتاعكم اتجوَز مرت أخوه صورة، وإنه لا مؤاخذة طلع ريش على ما فيش ورضي على حالَه إنه يتجوَزها لمدة وبعدين يطلِقها علشان أخوه يرجع لها.
ـ وهي الناس كانت دخلت جوة القلوب وهتعرِف الجوازه هتمشي كيف؟ ولا الناس ما وراهاش غير في “سند” وبيته يتكلموا عنيه قطـ.ــع لسانهم، ما فيش حد في البلد كلاتها كيف “سند” بيه، ولو هو متجوَزها صورة كيف ما الناس هتقول يا مخبولة انتِ ليه هيروح وياها دوارهم وهيقفلوا بابهم على حالهم، قـ.ــطع لسانهم اللي هيتحدتوا ويعيدو ويزيدوا في سيرة سيدهم وتاج راسهم.
“سعدية” ادت لها الكلام ده في قلبها وجريت على “رابحة” وقلبها ودماغها شايطة بسبب اللي سمعته، وأول ما وصلت قعدت تحت رجليها وهي بتحكي لها كل اللي سمعته من “سعدية” وفي آخر كلامها :
ـ الناس كلاتها في البلد ما وراهاش سيرة غير جوازة سي “سند” بيه من الست “نغم” يا حاجة، وهيقولوا كلام عفش كيف اللي قلته لك دي، وأني علشان خيرك هيغرقني من ساسي لراسي أول ما سمعت الحديت العيب دي جيت أقول لك على طول.
“رابحة” بقت قاعدة تسمع الكلام وهي بتغلي من جواها وسألتها:
ـ اُنطقي، مين اللي بلغتك الكلام دي يا بت يا “سعدية” أني رايداها تاجي لي اهنه، قومي هاتيها لي وتعالي.
“سعدية” طبعا خافت تقول لها ان بنت خالتها هي اللي قالت الكلام ده فماطلت معاها في الكلام:
ـ أني كنت هجيب العيش من الطابونة وسمعت طراطيش الكلام ده من الحريم ما هعرفهمش كلاتهم يا ست “رابحة”، وبعدين هو المهم مين اللي قال! المهم الكلام اللي هيتقال.
كان “سند” دخل بالصدفة وسمع كل الكلام اللي “سعدية” بتقوله ورد عليها وهو بيغلي من جواه لأن الناس بقت شايفاه صورة وبرواز لراجل رضي إنه يبقى محلل عن أخوه ولقى نفسه بيقول لها:
ـ وهو الجواز اللي الناس هتفهمه في الموضوع دي يا واكلة ناسك هيكون فيه عيال؟! بلِغي اللي قالت لك على لسان الناس انهم هيشوفوا ولد ” سند” من مرتَه التانية اللي اتجوَزها على سنة الله ورسوله بعد تسع شهور من دلوك، وحديت الحريم دي اللي هتسمعيه بره ما تاجيش الدوار اهنه وتحكيه تاني مره تانية يا اما هقـ.ـطع لك لسانك.
ما يعرفش هو قال كده إزاي قدامهم لكن كلام الناس وطريقتهم وتفكيرهم في الموضوع من أول يوم جواز ليه من “نغم” فتح نـ.ــار جوه قلبه ورجولته ما يقبلهاش على نفسه، وده اللي كان خايف منه ورغم إن أخوه بعد عن البلد علشان الناس ما تشكش في نزاهة الموضوع؛ إلا إنه من جواه بقى مش طايق نفسه، وشكل الموضوع كبر في عقول الناس مش هيبقى ليهم سيرة غير “سند” وجوازته.
“سعدية” قامت مشيت وأمه قعدت جنبه وهي بتسأله بقلق:
ـ كيف الكلام اللي هتقوله دي يا ولدي انت ما خابرش الاتفاق اللي بينك وبين اخوك انت اكده هتقلبها نـ.ــار يا “سند” وما حدش هيقدر يطفيها، بلاش اللي في دماغك يا ولدي وخليك كيف ما انت راجل هتوفي بالعهود دي اخوك ما تخسرهوش عشان كلام الناس اللي هيودي ولا هيجيب.
غمض عينه بتعب من المشوار اللي اتحط فيه غصب عنه وما كانش في حسبانه انه هيبقى في صراعات ما بينه وما بين أخوه في يوم من الأيام بسبب موضوع حساس زي ده، ورد على أمه وهو بيقوم علشان يخرج بره البيت اللي بيخـ.ــنقه وبيضغط عليه من كل النواحي:
ـ اللي عايزه ربنا هو اللي هيكون يا أمي، أني همشي وراي شغل كَتير في المصنع ويا ريت لو البت داي اتكلَمت في الموضوع دي تاني ما تبلغنيش هي هتقول ولا هتعيد ايه.
******
خارجة من بعد الفجر على طول وواخده في وشها وهي مستعجلة زي العادة بتاعتها علشان تشتغل شوية قبل ما تروح شغلها قبل الكلية بتاعتها، كان في الوقت ده “نعمان” راجع من صلاة الفجر ولقاها واخده في وشها من غير حتى ما تصبح فلقى نفسه بينادي عليها بغيظ لكن بطريقة تبان هزار :
ـ خدي هنا يا آنسة هي دي وكالة من غير بواب ولا ايه؟ أظن أنا البواب المسؤول عن العمارة والمفروض لما تكوني خارجة ما تاخديش في وشك كده وترمي السلام، ده احنا حتى لسه متعرفين على بعض امبارح ولا إنتِ شايفاني قرطاس لب ولا حاجة.
التفتت ليه وهي عمالة تبص حواليها تشوف هو موجه كلامه لمين وما كانش فيه غيرهم هم الاتنين فبصت له وهي بتسأله بنبرة قوية:
ـ هو انت هتوجه الكلام دي لمين يا بشمهندس ؟
بص حواليه زيها بالظبط ونفس تعابير وشها وهو بيرد عليها بدعابة وبيحرك ايديه قدام وشها بخفة:
ـ العيون العسلية الخطيرة دي بتقول ان مش نظرك ضعيف خالص هو في غيري وغيرك واقف في المكان يا آنسة علشان ما تعرفيش أنا بوجه كلامي لمين؟
كانت واقفة مندهشة من طريقته التلقائية معاها وكأنه يعرفها من زمان وبيلوم عليها عادي جدا:
ـ مش واخد بالك إنك هتتعامل وياي كاننا صحاب أو خوات أو معرفة قديمة، أني لسه شايفاك اهنه في العمارة امبارح على فكرة، هحس إن العشم واخدك شوية وياي، وطي سقف العشم شوية يا باشمهندس.
غمز لها بشقاوة وهو بيحاول يجر معاها كلام:
ـ اوطي سقف العشم؟! مفيش الكلام ده نهائى ، هو بعد ماعرفت إن اسمك “مهرة” وطبعك “مهرة” وأفعالك أفعال المهرة، ده يا باشا أنا والعشم بنسلم عليكي وبنقول لك خلاص يا عمنا إنتي اتحطيتي جوه دماغ البشمهندس وتحت الميكروسكوب .
رفعت حاجبها وهي بتبص له من فوقه لتحته بسخرية وقربت خطوتين منه :
ـ لا تكون فاكر إن جو الغمز وحوارات الشبحنة داي هتجيب معاي وهسبلك عيوني وهتكسف من كلامك بقى وأطير فوق السحاب علشان الحبة اللي هتعملوهم مع كل بنت ؟
ولا تكون فاكر إني جاية من الصَعيد وهبلة وخام وقلبي هيرفرف من كلامك وسحر عيونك والحوارات بتاعت السبعينات اللي اتهرشت من زمان داي ؟!
وكملت كلامها وهي بتحذره:
ـ من الاخر خليك في كتابك وبوابتك وشغلك وسكة ودغري اكده أني طريق وانت طريق، مليش أني في جو التسبيل دي خالص.
اصطنع قدامها الخشونة وهو بيبص لها بنظرات تحذير زيها بالظبط:
ـ جرى إنتي يا عم الشبح واخدة في وشك زي القطر كدة ومش عاملة حساب للجيرة حتى، ولسانك زي المبرد، طب ما تهدي إنتي وتسيبك من التفكير الشمال ده .
وكمل كلامه بنفس الخفة المقبولة وهو بيبتسم لها:
ـ هو أنا عملت ايه لده كله يعني علشان دماغك تروح للجو العاطفي ده، آمال لو قلت لك اللون الاسود عليكي طلقة ، ولا لو قلت لك مثلا إيه الوش القمر اللي الواحد اصطبح بيه على الصبح ده يانهار نادي، ولا لو قلت لك بقى عيونك خطفوني من أول نظرة كنتِ عملتي ايه لده كله يا عم الشبح انتي؟
كانت من جواها هتموت وتضحك على طريقته وكلامه ومرحه معاها لكن مسكت نفسها بالعافية، واتكلمت بنبرة أهدى شوية لأنها بتفهم في البني ادمين كويس جدا، وطريقته المرحة باينة ليها إنها مش متصنعة:
ـ لاااه انت سايكو سايكو ودماغك فاضية وأني معِنديش بربع جنيه وقت لحديتك الفارغ دي، أني ماشية عاد .
سبقها بخطواته ووقف قدامها وفجأة مسك ايديها وهو بيسألها بفضول وكل ده علشان يتكلم معاها ويضيع وقت لأنها بتجذبه جدا بطريقتها الشرسة :
ـ طب مش تقولي رايحة فين بالشنطة دي في الفجر ولا انتي فاكرة علشان عايشة لوحدك هنا ما لكيش راجل يقول لك رايحة فين ولا جايه منين؟! لا يا باشا من هنا ورايح خطواتك محسوبة، وتقولي لي هتيجي امتى وهتروحي امتى وهتخرجي امتى؟ طالما انتي متغربة بعيدة عن اهلك.
في لحظة ضغطت على ايده ضغطة لدرجة انه سمع طقطقة صوابعه بين ايديها، برغم من قوته الجسمانية إلا أنها غفلته بحركتها دي لما مسك ايديها فجأة وردت على كلامه بنبرة مليانة سخرية:
ـ ايدك لا توحشك يا باشمهندس خليها جنبك احسن واوعاك في مرة تانية تفكِر تمد يدك علي، أيا كانت الأسباب ما هسمحش باكده واصل، دي أول حاجة، تاني حاجة إن شاء الله اكونش مكتوبة على بطاقة التموين بتاعتك علشان تسألني رايحة فين وجايه منين؟ انت ايه حكايتك بالضبط على الصبح ما فهماش والله؟
كان ماسك ايده بيبص لها مرة ويرجع يبص لـ”مهرة” مرة تانية في نظرة غريبة هي ما فهمتهاش ، وابتسم لشراستها وردها :
ـ لا بقى مش انا بتاع جيم وعضلات ومعايا الحزام الأسود إلا إنك غفلتيني على فكرة، وبعدين ما الحكاية مفهومة اهي يا ماما، انا بقول لك أنا مسؤول عنك مكان ابوكي اللي في بلدك واعتبريني واصي عليكِ من دلوقتي يا شبح.
ما قدرتش تمسك نفسها المرة دي وابتسمت لدرجة إن بسمتها خلت قلبه يدق بين ضلوعه بفرحة هو ذات نفسه مش مستوعبها لأنها واضح جديتها جدا في التعامل معاه وصعبة جداً في تقبل الكلام ما بينهم واستغل الفرصة وغازلها:
ـ ايوه هو ده، هي دي الابتسامة اللي بيقولوا عليها فتح باب وعلامة رضا وقبول يعني بقى في ميل ما بينا، وما تحاوليش يا “مهرة” انك تغيري مفهوم معنى الابتسامة دي عندي علشان مهما حاولتي مش هتقدري خلاص، معناها ثبت في دماغي ان احنا بقي في قبول بينا وخلاص هنمضي العقود ايه رايك؟
هزت راسها بعدم فهم وهي بتسأله بتعجب:
ـ عقود ايه يا بني ادم انت هو انت داخل تشطب فيلا ولا حاجة عاد ؟
ولا طريقتك داي ما شاء الله فاتحها على البحري معاي وبجد انت غريب قوي يا باشمهندس ؟
شور بايده بلا مبالاة في الهوا وهو بيجاوبها:
ـ يا ستي ما غريب الا الشيطان هتدخلي الشيطان بينا ليه، وبعدين انا كده عِشري باخد على البني آدمين بسرعة ،والبني آدمين همل كمان لازم ياخدوا عليا بسرعة، من الآخر أنا طمعان في صينية بطاطس بالفراخ النهاردة وعمال ألف وأدور من الصبح علشان بقى لي كتير ما اكلتهاش ونفسي أكلها من ايد بنوتة حلوة صعيدية قمر وبالأمارة اسمها “مهرة”.
بصت في ساعتها لقيت ان الوقت جري جدا واتأخرت عن ميعاد شغلها ومش هتقدر تحقق التارجت اللي بتحققه كل يوم فبصت له وهي متغاظة منه:
ـ يا شيخ الله يسامحك على العطلة اللي انت عطلتها لي داي علشان خاطر بطنك وصينية البطاطس، ما عايزاش أدعي عليك واحنا في الفجر روح الله يسهل لك انت وصينية البطاطس بتاعتك.
على صوته وهي بتجري :
ـ طب ايه هتعمليها لي ولا هتطنشيني يا “مهرة” هانم ؟
بصت له وهي بتبتسم من بعيد ولتاني مرة تضحك الـ”مهرة” من قلبها بسبب خفه دم “نعمان” .
******
ـ أني خايفة قوي من موضوع المتحف المصري الكَبير اللي الكلية كلَفتني بيه وياكم، وحاسه اني ما هعرفش ولا هكون قد المسؤولية داي هترعب من جواي.
شجعتها صاحبتها وهي بتحاول تقويها وتقوي عزيمتها وتعرفها قيمتها كويس جدا:
ـ يا بنتي خليكي واثقة في حالك هبابة، ولو ما كانَتش إدارة القسم اختارتك انتِ بالذات وواثقين فيكِ بسبب المقالات اللي هتعمليها والعملي اللي هتنجحي فيه كل مرة ما كانش هيُبقى دي مكانك، اثبتِ يا “شيماء” واقوي ما لكيش صالح نهائي باللي هيحبطو عزيمتك، انتِ ما شاء الله عليكِ محاضِرة لبقة جدا وما حدش غيرك هينفع للموضوع دي صدِقيني.
فركت “شيماء” أصابعها بتوتر وهي خايفه من اليوم ده جداً:
ـ انت ما شايفاش قعدوا يتريقوا علي لما عرفوا بالموضوع وقالوا انهم هيفضلوا يضحكوا لما هيشبعوا في الرحلى داي شكل ما يكون ما فيش غيري محتوى المقلته بتاعتهم عاد، واني كمان ما هعرفش ارد ولا اصد قصادهم وهخاف يكسفوني قدام الغربا.
طبطبت صاحبتها على ضهرها وهي بتحمسها اكتر علشان ما تخافش وتديها الثقة إنها تتقدم من غير ما تبص وراها:
ـ شوفي يا “شيماء” كليتنا داي رايدة البنت القوية لانك هتسافري وهتروحي وهتاجي كَتير بسبب شغلك في المستقبل في مهنة الإرشاد السياحي، وكمان هتحب انك تغيري من شكلك وحالك وما تبصيش وراكي ولا تلتفتي للآراء السلبية اللي ممكن تعطلك عن نجاحك، وطالما الجامعة شافتك مناسبة يُبقى انتِ مناسبة وما لناش صالح بالتافهين اللي ما وراهمش شغلانة غير يبصوا لدي ولدي، ما ترديش عليهم ولا حتى ملامحك تبان عليها الزعل، خليهم يحسوا إنك ما هتبصلهمش واصل من الاساس ولا هتسمعيهم وهما هيسكتوا لوحدهم لما هيلاحظوا تجاهلك على سخريتهم.
“شيماء” خدت نفس طويل وحكت الوجع اللي هي عايشه فيه:
ـ طب كل حاجة هقدر عليها وهستعين بربنا، إلا حاجة واحدة بس إني أغير من شكلي، ما عِنديش إمكانيات لا أغير من هدومي اللي موضتها قدمت من زمان ولا أغير نضارتي كعب الكوباية كيف ما هيقولوا عليها، هعملها كيف داي؟
صعبت على صاحبتها جداً لدرجة إنها أخدتها في حضنها وهي بتهديها:
ـ المشكلة إنك قصيرة شوية عني وكمان جسمك ضعيف وأني الهدوم بتاعتي ما هتاجيش على مقاسك خالص، والله لو كنا جسم واحد لكنت سلفتك طقم من عندي تحضري بيه ويا ستي ما كنتش هاخده ااني خالص والله.
بكت في حضن صاحبتها وهي حاسة بالعجز من كل الظروف اللي حواليها اللي تخليها تقعد في البيت ما تخرجش منه بسبب كل حاجة وأهمهم الفقر والاحتياج اللي أبوهم سايبهم يعانوه وكل همه الكيف والمزاج،
وفي الليلة اللي كانت هتسافر فيها عرفت أختها “مهرة” ان هي هتيجي لمصر علشان تزور المتحف المصري الكبير بتكليف من الجامعة هي وصاحبتها وقالت لها ان هي هتستناها هناك، وكانت فرحانة جدا انها هتشوف أختها، وجه اليوم اللي خلاص هيستعدوا للسفر حاولت تلبس أحسن ما عندها وتظبط نفسها لكن برده شكلها طلع هو هو، ولما جه ميعاد تنظيم الأتوبيس اللي هيوديهم ركبوا كلهم وأثناء ما هم ماشيين في الطريق اتكلمت واحدة من اللي دايما بيتريقوا عليها وهي بتتكلم مع صاحبتها بس صوتها عالي وقصدها تسمع “شيماء” :
ـ ما فهماش إدارة الجامعة ما هتشوفش الأشكال اللي هنبقى وراها وهي هتُبقى القائدة بتاعتنا؟! مش المفروض يختاروا واجهة تكون زينة لينا وليهم، بالذمة داي منظر واحدة هتقف تشرح لنا وتشرح للأجانب اللي موجودين اللي هم هيقولوا عليه الدنيا اتقلب حالها.
“شيماء” طبعا سمعت كل كلمة قالتها لكن صاحبتها جنبها مسكتها من ايديها وشددت عليها وحذرتها بعينيها إن هي تبين أي رد فعل للكلام اللي بيتقال والسخرية اللي بتسمعها، وحاولت على قد ما تقدر إنها تتكلم معاها وتجذبها في الكلام لحد ما لقوش فايدة ان هي تستجيب لسخريتهم منها علشان يبوظوا لها مزاجها وتغلط ويبينوا لإدارة الجامعة إنهم غلطانين في اختيارهم، قامت واحدة فيهم ووقفت قدامها وهي مربعة ايديها قدام صدرها ووجهت لها الكلام قدام الكل:
ـ إلا قولي لي يا “شيماء” ما لقيتيش طقم أحسن من دي تلبسيه، وكمان مش كنتي تجيبي عدسات تقضي بيها الرحلة بدل النضارة الغريبة داي، انتِ طالعة مع ناس مش قليلة، كنتي المفروض تهتمي بنفسك وبمظهرك أكتر من اكده ولا ما حداكيش حد يفهمك ويوعيكي الحاجات داي، بصراحة منظرك يكسف.
“شيماء” كتمت في نفسها وسكتت لكن عيونها لمعت بالدموع من تحت النضارة وصاحبتها اللي ردت بدل عنها:
ـ هم قالوا لك إننا رايحين الكباريه ولا رايحين الساحل الشمالي يا آنسة انتِ؟! احنا رايحين رحلة للعلم والإفادة، مش رايحين للمسخرة وللبس والمنظرة، وبعدين مالها ما هي طالعة كيف القمر ولولا إن هي اكده وانك هتغيري منيها ومن شطارتها ما كنتيش هتقعدي تعلقي لها المشنقة، مالك إنتي ومال لبسها كل واحد حر يلبس اللي على كيفَه وقت ما يريد وكيف ما يريد، ما لكيش صالح بيها عاد يا إما هبلغ مشرف الرحلة يشوف صرفة معاكي انتِ والبنات اللي ورا.
جه الدكتور “علي” وسألهم لما سمع الدوشة:
ـ في ايه صوتكم عالي وعاملين دوشة ليه يا بنات؟
هنا اتكلمت صاحبة “شيماء” وهي بتعترض على طريقة البنات:
ـ بعد اذنك يا دَكتور احنا عايزين ناخد مكان قدام اني و”شيماء” بعيد وحدينا حتى لو جنب الشباب.
ـ دي ليه ان شاء الله يا أستاذة ممكن أفهم ايه اللي بيحصُل هنا احنا رايحين تكليف ومشوار مهم من الجامعة والطريقة اللي بيناتكم ما تنفعش، ولا انتم عايزين ناخد أقل جامعة في التقدير بسبب شغل البنات اللي ملهوش عازة دي.
ردت عليه البنت:
ـ البنات عمالين يتريقوا على “شيماء” وبيتكلموا بطريقة مش زينة هم ما لهمش عازة لابلبسها ولا بشكلها، وأظن الجامعة هي اللي مكلفاها إنها تكون قائدتنا وهي اللي هتقوم بالمهمة قدام الوفد السياحي زي ما حضرتك عارف.
بص الدكتور “علي” على “شيماء” بنظرة استحقار وسخرية بسبب منظرها وكسفها قدامهم هو كمان:
ـ طب ما هما عنديهم حق يا آنسة المفروض ان انتِ واجهة للجامعة ومن المفروض ان مظهرك يكون لائق يعني بصراحة مظهرك دي ما ينفعش نهائي.
خدت كلامه في قلبها وانصدمت من طريقته وسخريته هو كمان عليها قدامهم وبقت واقفه نفسها الأرض تنشق وتبلعها من نظراتهم، وحتى هو كمان المفروض كان يديهم درس في عدم السخرية، عليها إلا إنه صدمها برده عليها، فشدتها صاحبتها وقعدوا بعد ما أخدتها في حضنها وحاولت تهديها وهي بتبص لهم نظرة استحقار وبتحسبن عليهم بعد ما قعدوا يضحكوا على كلام الدكتور “علي” وكسفته ليها خلاهم زادوا أكتر:
ـ اقسم بالله ربنا لا هيعزك وهينصرك النهاردة عليهم والأجانب كمان هيطلبوا يتصوروا معاكي من حلاوتك وطلاقة لسانك وطريقة شرحك وهيكبسهم وهيرد كيدهم في نحرهم.
الأتوبيس وصل قدام المتحف المصري الكبير اللي كانت منظره من بره بس يخـ.ــطف الأنفاس من عظمته والحضارة اللي باينة على واجهته من بره لوحدها تحكي حكاوي ولا ألف ليلة وليلة من جمالها، نزلت “شيماء” ولقت أختها “مهرة” مستنياها جريت عليها وحضنتها وقعدت تعيط جامد في حضنها فضلت تسألها على الشيء اللي مزعلها ومخليها مقهورة بالشكل ده ما رضيتش تحكي لها إلا إن صاحبتها قالت لها:
ـ بصراحة البنات فضلوا يتريقوا عليها وعلى لبسها، وان ازاي تكون دي واجهة الجامعة في خطوة زي، دي وعمالة أقول لها إن الناجحين ما لهمش علاقة بالمظهر ولا بالشكل بس، بصراحة هما منهم لله أحرجوها جامد.
“مهرة” اتجننت لما سمعت كده وجزت على أسنانها بغـ.ــضب لأنها ما بتحبش حد يجي على اخواتها، و”شيماء” بالذات دي كانت بتقف لابوها الند بالند علشان “شيماء” وانه مزعلها فااديت لها شنطة كانت جايبة لها فيها حلويات بتحبها، وكمان كذا طقم شيك علشان تروح بيهم الجامعة وشكل ما يكون ربنا عمل كده علشان يرسم البسمة على وش “شيماء” فقربت “مهرة” منها وهي بتاخدها في حضنها وبتناولها الشنطة:
ـ خدي دي و روحي بسرعة على الحمّامات اللي موجودة اهنه، وغيري الطقم اللي إنتِ لابساه، وخدي كمان كنت جايبة لك كذا طقم عدسات بمقاسك، لسه شارياهم ليكي، شيلي النضارة والبسي أي عدسة فيهم، أني جايباهم كلاتهم بلون عينيكي، واظبطي الحجاب، وجايبة لك ميك أب خفيف حطي منيه، وانجزي بسرعة، أني مستنياك هناك أني وصاحبتك.
“شيماء” ابتسمت وهي مش مصدقة نفسها، وقعدت تبوس “مهرة” من كل حتة وتشكرها، وأخدت منها الشنطة وجريت على الحمّامات، وغيرت هدومها بسرعة، وعملت كل اللي قالت لها عليه، ولفت الحجاب بطريقة جميلة جدًا، ولبست العدسات وخلعت النظارة، وبتبص على نفسها في المراية اتبدلت 180 درجة من هيئتها ولبسها وشكلها، وحتى الهدوم اللي جايباها لها “مهره” زي صاحبتها اللي بيلبسوها في الجامعة، وباين عليها غالية جدًا، وكانت السعادة والفرحة مرسومة على وشها زي الأطفال الصغيرين بطقم العيد.
أما عند “مهرة” برة، كانت مصممة إنها تعرف اللي جرحوا أختها وجم عليها وبهدلوها، وصاحبتها شاورت لها عليهم، وقررت إن بعد أختها ما تخلص يومها هترد لهم القلم قلمين علشان ما تشتتش أختها في موقف مهم زي ده، اول ما شافتها “مهرة” فتحت لها دراعها بالأحضان ومسكت ايديها ودورتها حوالين نفسها زي الأميرة وهي مبهورة بهيئتها اللي تخـ.ــطف الأنظار لأن ملامحها جميلة جدا وصغيرة:
ـ: تعالي بقى أخبيكي عن العيون علشان هيحسدوكي لحد ما ياجي وقت الوفد، أكيد انتم متفقين على ميعاد، عايزاكي تخرجي لهم بمنظرك دي تقهريهم، عايزاكي كمان تقعدي تراجعي اللي هتقوليه واللي هم متفقين عليه معاكي علشان رايداكي تكسري الدنيا النهاردة يا قلب اختك يا جميلة .
شددت “شيماء” على حضنها وقالت لها:
ـ انتِ اللي قلب اختك وروحي ربنا يخليكي ليا يا اللي دايما ستراني ودايما ملبساني الغالي وعمرك ما هتستخسري فيا حاجة واوعدك في يوم من الأيام أرد لك الدين اللي في رقبتك ليا يا أعظم أخت في الدنيا كلاتها.
ـ ديون ايه يا عبيطة انتِ انت بالذات يا شيماء بتي اللي ما خلفتهاش مش اختي الصغيرة يلا اقعدي راجعي يالا .
مسكت أوراقها وقعدت تراجع لحد ما حفظت اللي هتقولـة كويس، وخلاص جه وقت الوفد اللي هتطلع فيـة “شيماء” تشرح قدامهم بطلاقة، والكل أعمال يدور عليها ويسأل عنها، وهي جت في الوقت المظبوط زي الملكـة، والكل التفت لها وهم بيبصوا على هيئتها اللي تخطف الأنفاس، وتغيرت 180 درجـة، وعينيهم بقت مبرقة من الصدمـة، حتى علي اللي كان بيتريق عليها بقى واقف مصدوم من جمالها ومن التغيير، وإن إزاي دا حصل، وكلهم بقوا يضربوا كف على كف،
“شيماء” عدت من جنبهم وهي مرفوعـة الراس، بتبص على الوفد الأجنبي وبتبتسم ببراءة، ورحبت بيهم بطلاقة، وطلعت قدامهم وبدأت شرحها، وكان حاضر الفنان “محمد خميس” المشهور بالارشاد السياحي كان حاضر معاهم :
هنتكلم عن مراحل تطور القبور فى مصر القديمة ،فى بداية الأمر الدفن كان بيتم فى حفر عادية وبعد ذلك تم تطوير الأمر فى الاسرتين الأولى و التانية وبقي يتم فى مصاطب ،والمصطبة كانت عبارة عن بناء مستطيل مائل الجانبين وكانت عبارة عن جزئين جزء تحت الأرض يتم فيه وضع الميت و ضغط الأساس و الجزء الخارجى و هى ككل تسمى مصطبة،
الذى أطلق على مكان الدفن مصطبة العالم الفرنسى ‘اوجست مرييت’،
تم تطوير الأمر بعد ذلك من مصطبه لعدة مصاطب ودا ظهر فى هرم الملك زوسر واللى عمله مهندسة ايم حُتب وجاء بعد كدا معانا الهرم الكامل زى هرم سنفرو و الاهرامات اللى موجودة فى الجيزة والأمر تطور اكتر فى الدولة الحديثة وظهر وادى الملوك ودا الملوك عملوه عشان يأمنوه أكتر من السرقة و يتلاشوا أخطاء غيرهم.
وخلصت “شيماء” وهي بتتنقل من شرح لشرح، ومن إجابة لإجابة، والكل بقى مجبور بيها، وبعد ما خلصوا كلاتهم طلبوا يتصوروا معاها، ومبهورين بجمالها الفرعوني الجميل الهادي بملامحها البسيطة، حتى الفنان “محمد خميس” قرب منها وهو بيشيد بلباقتها قدام أصحابها اللي كانوا واقفين مصدومين من كل اللي بيحصل قدامهم، كانوا مفكرين إنهم هيفضلوا يضحكوا ويتريقوا ويسخروا على “شيماء”، وإنها هتبقى أضحوكة العالم والسوشيال ميديا من اللي هيحصل بسبب التفاهات اللي في دماغهم:
ـ بسم الله ما شاء الله عليكي يا آنسة، كنتِ ممتازة جدًا في شرح كل اللي بينطلب منك، وكل الأسئلة اللي إنتِ اتسألتيها جاوبتي عليها، إيه رأيك تكوني من ضمن الفريق بتاعي؟ أنا كده بحب أخـ.ــطف المميزين، وشغلك معايا مش هيعطّلك عن الكليّة نهائي.
هنا الدكتور “علي” هو اللي اتدخل في الكلام وحس بحاجة غريبة خلته هو اللي يرد عنها:
ـ هتبقى من ضمن الفريق بتاعك كيف يا فنان وهي من الشرق وانت من الغرب؟! يعني جامعتها وبلدها من مكان وانت من مكان تاني خالص فللأسف مش هينفع.
هنا “مهرة” اتدخلت في الكلام وهي بتوجهه للدكتور ” علي” اللي رد بالنيابة عن اختها:
ـ وانت مالك هترد بالنيابة عنيها ليه؟ لو سمحت ما تدخلش في حاجة ما تخصكش يا دكتور.
وبصت للفنان وهي بترد على عرضه:
ـ ممكن حضرتك تدينا الرقم الخاص بك وهرد عليك في أقرب وقت وهنحسبها وهنشوف هينفع ولا لاااه.
وبعد ما الوفد مشي وخلاص مهمتها انتهت وقبل ما يتوزعوا كل واحد فيهم على كيفه والمكان اللي يريحه قبل ما يمشوا بصت لهم “مهرة” وهي بتنده لهم وتشاور عليهم بسبابتها باستحقار:
ـ دلوك ماشيين بعد ما المسرحية خلصت، يا شوية بني آدمين ما عندكمش ريحة الإحساس ولا الدم، كيف تهينوا زميلتكم وتسخروا منها علشان لبسها ولا هيئتها ولا شكلها، وفي الآخر هي أحسن منكم كلاتكم، ومتفوقة ومتميزة أحسن من مليون واحدة بتلبس فيكم، قسمًا بالله إن سمعت واحدة فيكم وجهت كلمة واحدة لأختي “شيماء” تاني ولا جرحتها بأي حاجة، لا هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليها، وهوريكم كيف “شيماء” وراها رجالة مش حريم، أيا كان مين اللي هيغلط فيها هتُبقى أمه داعية عليه في ليلة قدر، وأظن إن أختي كانت البرنسيسة الملكة عليكم النهاردا، وشرفت جامعتها، وكمان الكل كان عمال يتصور معاها كيف النجوم اللي في السما بالظبط، يا تافهة منك ليها ليه.
وأخدتها ومشيت وهي حاضناها وبتبوسها من راسها بعد ما أخدت حقها منهم وعزمتها على الغدا وشبعوا من بعض قبل ما ترجع لبلدهم تاني .
******
عند “نغم” و”سند” عدى على جوازهم شهر الاجواء هادية مابينهم وكل واحد فيهم بيبعد عن التاني على قد ما يقدر ، في اليوم ده كان هيبات عند ” دعاء” وقررت إنها تاخد شاور وتعمل لنفسها كوباية قهوة فرنسية، علشان تقرأ رواية جديدة من اللي “سند” جايبهالها ،
وكمان نيمت ولادها ، كانت خارجة من الحمام وهي لابسة البورنس وشعرها مفرود على ضهرها وواقفة في المطبخ بتدندن برقة ووشها وهيئتها وهي مرتاحة تحبس الأنفاس، وفجأة رجع “سند” بعد المفروض اللي يرن عليها كثير علشان يعرفها ان هو جاي لكن هي حاطه الموبايل في الاوضه وبعيد عنه ففهم ان هي نامت لانه بيستاذن قبل ما يجي علشان تكون على راحتها لانها لحد دلوقتي بتقعد قدامه بعبايتها وحجابها واول ما دخلت وشافها واقفه في المطبخ كانت بتحاول تشب علشان تجيب برطمان السكر كان واقف مصدوم من هيئتها وشكلها اللي لأول مرة يشوفهم بالشكل ده… وعيونه تنحت واتسمرت مكانها….
رواية النغم الحزين الفصل الخامس 5 - بقلم فطيما يوسف
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
اهدئ قلبي من خفقانك وتمهل وأبصِر تلك العيون المائلة على خدود قمري،
فيمرُّ عبيرُها نسيماً إذا لاحَ، وحينها يُربِكُ قلبي ويَسلبُني هدوئي،
لها من الحُسنِ سِحر إذا أقبلَ أثقلَ الروحَ حُبًّا وشغَفًا يُشتِّت يقيني،
كأنَّ الجمالَ استعارَ ملامحَهُ منها، فتجلّى في صورةٍ حيّة أربكت وجداني،
أيعقَلُ أن يتركني هذا الجمال لنارِ الشوقِ تُذيـبُ مهجتي وتُضني صبري؟
وآه ياقلبي فبسمتها تُوقِظُ قلباً أرهقَهُ السُّهادُ، وتمنحهُ صحوة حرماني،
فوجنتيها عنّابيّةُ الحياء، ورموشُها وعدٌ يُغازلُ النظرة وضاع في حضرتهم هناي،
وفي حضورها تُصبحُ الأمنياتُ صلاةً، ويغدو الصباحُ أمانة وصار الاشتياق لها مُبتغاي،
أخبروها إنَّ للأحبابِ قلوباً فتحتْ للمحبّةِ بابها، وأنَّ الهوى الغلّابَ إن مرَّ، لا يَسألُ القلبَ عن قوّتِه ولا قسوته،
فإن كانَ لا بدَّ للوصلِ موعدٌ، فليأتِ الحُلوَ، ولتسكنَ الروحُ بعد طولِ لوعة وفقدانِ.
✍️✍️✍️
كانت خارجة من الحمام وهي لابسة البورنس وشعرها مفرود على ضهرها وواقفة في المطبخ بتدندن برقة ووشها وهيئتها وهي مرتاحة تحبس الأنفاس، وفجأة رجع “سند” بعد ما فِضل يرن عليها كتير علشان يعرفها ان هو جاي لكنها كانت حاطة الموبايل في الأوضة وبعيدة عنه، ففهم ان هي نامت لأنه بيستأذن قبل ما يجي علشان تكون على راحتها، هي لحد دلوقتي بتقعد قدامه بعبايتها وحجابها، واول ما دخل وشافها واقفة في المطبخ كانت بتحاول تشب علشان تجيب برطمان السكر كان واقف مصدوم من هيئتها وشكلها اللي لأول مرة يشوفهم بالشكل ده، وعيونه تنحت واتسمرت مكانها، ولا قادر يرفع عيونه بعيد عنها وبقى زي المجذوب بيشوف منظر رغم إنه متجوز من بقاله سنين إلا إنه عمره ما شاف “دعاء”، بالشكل ده كل لبسها في البيت وحتى وهي نايمة ترنجات وبالنسبة لها كده قمة الشياكة، ولقى نفسه بيمشي زي المسحور وهي بتحاول تجيب السكر مش عارفة، وقف وراها وكل ده وهي مشغلة أغنية وبتدندن معاها وما حستش بوجوده نهائي، وفجأة بصت لقت اللي واقف وراها وايده سبقتها علشان تجيب لها اللي هي عايزاه، اترعبت وقلبها طب في رجليها ودورت وشها علشان تشوفه، لقيت نفسها في حضنه ومتحاصره ما بين ايديه وما بين المطبخ، في مشهد خلاها مش قادرة تتنفس ولا عارفة تتحرك، لأول مرة أنفاسه تبقى قريبة من أنفاسها، لأول مرة تشم ريحته اللي كانت بتسبقه عن قرب، بقت واقفة بتبلع أنفاسها بصعوبة وما قدرتش انها تواجه عينيه، فغمضت عيونها وهي أصلا مش مستوعبة الموقف اللي هي فيه، أما هو حالته ماكانتش تفرق عنها كان واقف قدامها ملهوف عليها الشهر اللي عدى عليهم وهو كل يوم بيفكر فيها وبيتمنى قربها أكتر من اليوم اللي قبله وده إحساس انجبر قلبه يحسسه له كل ساعة وهي على ذمته، خصوصا إن هي رقيقة جدا، وهادية ووجودها في المكان زي الملايكة ده كله غير هيئتها، وأول مرة يشوف شعرها، طبيعي مد ايده تحت رقبتها بيلمس شعرها لأول مرة ولقى نفسه بيشمه وبيستنشق ربيعه، أحاسيس متلخبطة جدا ما بينهم هما الاتنين وخصوصاً إنه اول مرة يعيش التفاصيل دي، ولا هي كمان عمرها اتحطت في موقف زي ده، ونطق لسانه أخيراً باللي خلى كل خلية في جسمها تتكهرب من قربه ونفسه وحركاته:
ـ إنتي جميلة قوي، ورقيقة زي النسمة ، كنتي هتتخبي فين عني، ولا قادر أقرب ولا قادر أبعد، ولا قادر أقطف نعيم هناي وياكي يا بت الناس، ليه هتعملي فيا اكده؟
بلعت أنفاسها بصعوبة شديدة، قلبها بيدق بين ضلوعها بنبضات سريعة لأول مرة تختبرها، رجليها كانت زي الهلام على الأرض وخايفة تقع من طولها من كتر ما أعصابها سايبة، واتكلمت أخيراً بحيرة هي كمان من أمرها، وخصوصاً إنها لازم تحبه غصب عنها، طليقها مشافتش معاه يوم حلو وهو هناها ومناها من أول ساعة دخلت بيته واتكتبت على اسمه، عرفت معاه يعني ايه راجل بجد، لقت نفسها وعاشت حاجات بحريتها في بيته معاشتهاش عمرها كله :
ـ طب ليه مرنتش علي قبل ما تاجي كنت هسهلها عليك وهتشوفني كيف ما متعوَد ؟
رفع وشها بإيديه وهو بيطلب منها بتأثر:
ـ طب ليه هتغمضي عيونك يا “نغم” افتحيها وإنتي هتتحدَتي وياي، علشان تعرِفي وتقري جوة عيوني انتي عمِلتي فيا ايه دلوك.
وقرب من ودنها وهو بيهمس برغبة:
ـ إنتي زلزلتيني بهيئتك داي، هديتي كل أسوار الصد اللي هبنيهم في قلبي وعقلي ورجولتي من تلاكي في لحظة .
خلاص مبقتش متحملة انها تسمعه ولا جسمها مساعدها، و محاصرته لها ما كانتش طبيعية اي راجل في مكانه طبيعي ان هو ينجذب لمراته اللي مكتوبه على اسمه حتى لو كانت طريقة جوازهم على اتفاق انهم ما يقربوش من بعض، فلقت نفسها بتحط ايديها على صدره وبتبعده عنها وهي بترجاه بصوت طالع بالعافية:
ـ ارجوك ابعد عني هدخل البس هدومي واخرج لك وحقك علي انك جيت لقيتني بالشكل ده بس اني ما كنتش اعرف انك هتاجي دلوك .
كان زي المسحور وهو واقف قدامها ولا قادر يبعد ولا قادر يسيبها ولقى نفسه بيمسك ايديها وبيقربها من شفايفه وما بقاش قادر يسيطر على نفسه وهي كل ذرة فيها ما بقتش متحملة وبقت بتبلع أنفاسها بصعوبة، مشاعر بتختبرها لاول مرة في حياتها وكل ما يقرب كل لما الرعب يزداد جواها صورة سمير مرسومه قدام عينيها وهو بيبص لها بغضب فبدأت تحاول تفلت ايديها من ايديه لكن هو كان متشبس بيهم جامد زي المغيب قدامها ولقى نفسه ما بيستجبش لكلامها وحضن وشها بين ايديه الاتنين ولسه هيقرب من شفايفها لقى دموعها نازلة على وشها وهي بتترجاه تاني انه يبعد:
ـ احب على يدك يا سند تبعد عني سمير لو عرف هيقتلني ومش هيسمي علي انت ما تعرفش هو هيعمل فيا ايه سيبني ادخل اغير هدومي والبس حاجة على راسي.
اول ما قالت الكلمتين دول وجابت سيره سمير وهم في اللحظه دي حس ان كرامته وجعته قوي وما قبلهاش على نفسه انها تجيب سيره راجل وهي على ذمته لا وكمان بتعلن قدامه إنها خايفة منه بعد عنها وخلع عمامته حدفها بزهق وبص لها بعيون بيطقوا شرار:
ـ كام مرة قلت لك ما تخافيش طول ما انت معاي؟
انت ما ينفعش اصلا تجيبي سيرة راجل تاني على لسانك وانت على ذمة راجل يا هانم.
وكمل كلامه وهو خرج عن شعوره وما بقاش عارف هو بيقول ايه بسبب انها جابت سيرة سمير وخوفها منه وهي على ذمته:
ـ من باب الاحترام لما يكون جوزك واقف قدامك تتعلمي انك تحترميه وتقدريه وما تجيبيش سيرة راجل تاني على لسانك واقسم بالله يا نغم لو سمعت سيرته تاني على لسانك طول ما انت على ذمتي باي شكل من الاشكال لا هتشوفي وش عمرك ما شفتيه عاد.
حطت ايديها على وشها وهي بتعيط جامد من كلامه الشديد ونظراته النارية وزهقه وغضبه عليها واتكلمت من بين شهقاتها:
ـ والله العظيم غصب عني انت عارف ان جوازنا اني وانت مش بالطريقه الطبيعيه اللي تخليني اكون مطمنة او انك يعني… تقرب مني بالشكل دي وخصوصي اننا لحالنا وممكن قربنا يتطور والله العظيم غصب عني .
مهما تعيط ومهما تحاول تحلي كلامها الا انها جرحته في كرامته واحساسه وراجل زي سند ما يرضاش على نفسه حاجه زي دي وخصوصا انه كان رافض الجواز من الاساس بسبب المواضيع دي فكمل طريقته الغاضبة:
ـ ايا كان طريقة الجواز احنا متجوزين على سنة الله ورسوله قدام الدنيا كلاتها هيعرفوا ان انتي على ذمة راجل مش شرابة خرج ولا تجيبي سيرة سمير ولا غيره قدامي ولا قدام اي حد مرة تانية يا نغم المرة الجاية أقسم بالله ما هعرف امسك حالي وهتشوفي مني تصرف عمري ما عملته في حياتي مع اي واحدة ست في الدنيا.
خلص كلامه والبرطمان اللي هي كانت عايزاه شالوا وحدفه بعيد لدرجة انه نزل متكسر 100 حتة وعفاريت الدنيا كانت بتتنطط قصاد عيونه بغضب بسببها ولأول مرة يحس إن هو غضبان منها بالشكل ده لما شافت طريقته اترعبت وراحت تنظف مكان القزاز المكسور بالراحة وفجاة سمعت صوت على البوتاجاز كإن حاجة بتتحرق وكانت ناسية ان هي حاطة القهوه على البوتاجاز لحد ما نشفت خالص قامت جري وراحت تمسك القهوه بايديها من غير ما تاخد فوطة في ايديها تحميها من حرارة الكنكة وفجاة صوتت وايديها اتحرقت خرج من الاوضة بتاعته جري على صوتها وهي بتعيط جامد قرب منها وهو بيسألها بهلع:
ـ حصل ايه هتبكي ليه عاد؟
كانت ايديها بتحرقها جدا وفضلت تحركها في الهوا من شده وجعها وجاوبته من بين دموعها:
ـ يدي اتحرقت مسكت الكنكة وهيا سخنة وشايطة اه ما متحملاش وجع يدي هتوجعني قوي.
مسك ايديها واخدها ناحية التلاجة وطلع قطعة ثلج وحطها في مياه وقال لها:
ـ حطي يدك فيها بسرعة على ما اروح اجيب لك مرهم حروق من الصيدلية جارنا علشان العيال نايمين وخلاص ما تبكيش عاد اتحملي لحد ما اجي لك بسرعة.
فضلت حاطة ايديها وطبعا التلج والمياه الساقعة كأنهم مخدر وهدوا الوجع ونزل بسرعة وهو بيجري لقى والدته قاعده في جنينة البيت فبتساله:
ـ على فين يا ولدي لساتك داخل البيت دلوك ومالك هتجري وهترمح اكده ليه الدنيا ما هتطيرش عاد؟
جاوبها وهو ملهوف على الخروج بسرعة:
ـ ما فيش يا أمي “أم محمد” يدها إتحـ.ــرقت من البراد هروح الصيدلية أجيب لها مرهم حروق وراجع طوالي هتحتاجي حاجه اجيبها لك واني جاي؟
اول ما سمعته قال الكلام ده انتفضت من مكانها زي ما يكون لدغها عقرب وعيونها لمعوا بالغضب وسالته:
ـ اني واعية ان اليوم دي بتاع “دعاء” مرتك كيف تطلع لضرتها في يومها من اولها بعد شهر جواز هتفرق بينهم في المعاملة يا ولدي وبعدين انت المفروض ما تطلعش تبات حداها واصل ولا انت لك راي تاني وعايز تخسر اخوك وكمان تخسر مرتك أم ولادك اللي هتفضل واحدة زي اللي انت متجوزها دي عليها ما يصحش يا ولدي.
“سند” كان في الوقت ده جاب آخره بسببهم كلهم وقرب من أمه ولأول مره يعلي صوته وهو غضبان غضب شديد:
ـ لو سمحتي يا امي ما حدش يجيب سيرة مرتي على لسانه وما حدش ليه صالح باللي بيناتنا، وطالما هي على ذمتي لا تجيبي سيرة اخوي ولا غيره، هي على ذمة راجل واذا كان على البيات بت اختك ما هيفرقش معاها وجودي من الأساس ما هتحسش بيا يا أمي، ولا هتحس إن ليها راجل ولا الراجل ده ليه احتياجات ولا لا واظن انت خابرة زين اقصد ايه من كتر ما هشتكي لك منها ومن كتر ما هشتكي لامها ومحدش فيكم قادر عليها ولحد دلوك اني مخليها على ذمتي علشان ولادي ما يتأثروش.
سألته بغضب بدون ما تعتني بأي كلمة من اللي قالها عن تقصير “دعاء” ناحيته:
ـ معناته ايه كلامك دي يا “سند” يا ولدي؟! معناته انك ما هتوفيش بالوعد اللي وعدته لاخوك معناته ان المزغودة اللي فوق دي هتفرق بينك وبين اخوك وهتغويك بلبسها وچلعها وهتنسيك وعدك وعهدك قدام اخوك هي الرچوله معناتها انك ما حدش يجيب سيرتها قدامك علشان انت راجل وما معناهاش انك واخد وعد وعهد على حالك انك تلتزم بالاتفاق اللي بينك وبين اخوك.
وكملت كلامها وهي بتضرب بايديها الاثنين على رجليها:
ـ يامرك يا “رابحة” على اللي هتشوفيه واولادك هيقتلوا بعض علشان واحدة ما تسواش يامرك يا “رابحة” لما يعاود “سمير” ويطالب حقه في مرته اللي انت وعدته انك هترجعها له وفي الاخر حليت في عينيك وهتبص لها مجرد ما يدها اتلسعت هتجري كيف العيل الصغير الملهوف علشان تداويها في حاجه تافهة ملهاش ريحة اللازمة عاد.
“سند” بقى جايب اخره من كل الضغط اللي حواليه و”دعاء” اللي بتدافع عنها مش حاسة بوجوده او بمعنى اصح اليوم اللي يروح يبات فيه عند نغم بيبقى اسعد يوم في حياته وبسبب كلام امه اللي سممت بيه بدنه وقف قدامها وبقى يلومها بس بطريقة قاسية شوية زي طريقتها معاه بالظبط:
ـ يا امي حرام عليكي حرام عليكي بچد طول عمرك هتستغلي اني الكبير واني لازمن اخلي بالي من كل اللي حوالي ابوي واخوي وارضنا وشغلنا ومرتي وعيالي وانتي وكل طلبات اللي حوالي لكن عمرك ما فكرتي في ابنك عايش كيف؟ حتى لما كنت هشتكي لك من بت اختك كنتي هتدافعي عنيها وهتقولي الله يعينها كفاية عليها ولادها، أصبر عليها يا ولدي طب مين اللي هيقدر يتحمل اللي أني متحمَله واصل،
ما فيش مرة جيتي على ولدك الصغير وقلتي له اقف جار اخوك في الشغل، حتى لما كان هيغلط مع اي حد كنت هتحمَليني غلطه وهتقولي انت الكبير وما كانش ينفع تسيب اخوك يغلط،
ويوم ماطلق مرته كلاتكم بقيتوا تلوموني في الرايحة والجاية علشان انفذ طلبه اللي قعد شهرين بحالهم يلف علي وعليكم علشان انفذه، ويعمل بلاوي في خلق الله وفي مرته علشان يلوي دراعي لحد ما ابوي طلب مني اني اعمل اللي هو رايده طب اني فين من دي كلاته؟
وكمل ملامه وهو عارف انه لا هيجيب حق ولا باطل معاها لانها مش شايفه غير سمير العيل الصغير اللي قعدت 10 سنين علشان تخلفه بعد ما خلفته وكانت فاقدة الأمل انها تخلف بعد “سند” تاني ومن يوم ما جه الدنيا وهي بتهنن وتدلع فيه لحد اخلاقه ما باظت وبقى يستقوى على خلق الله و”سند” هو اللي يشيل البلاوي بتاعته :
ـ للمرة المليون والأخيرة يا أمي ما لكيش صالح باللي بيني وبين مراتاتي، قبل سابق كنتِ خالعة يدك من مشاكلي اني وبت اختك وكنتي هتقولي ما عايزاش اخسر اختي رغم ان بتها هتعمل فيا اللي ما فيش راجل يتحمَله، وكل دي كنت هعديه واقول علشان خاطر امي وخالتي وولادي، لكن توصل انك هتمشيني وهتقولي لي اعمل ايه وما هتعملش ايه وهتعملي حساب ولدك اللي سبب المصايب اللي احنا فيها كلاتها وما هتعمليش حسابي؛ الله الوكيل اللي هتشوفه وش تاني لـ”سند” غير اللي كنتوا هتشوفوه من جبل هموم وبلاوي هتحطوها على كتافه وهو هيفضل صالب طوله ومتحمَل وكمان هتعاتبوني، دي ايه العيشة اللي هتقصر العمر دي.
خلص كلامه وسابها ومشي تضرب كف على كف وتاكل في نفسها :
ـ يا مرك يا “رابحة” على اللي هتشوفيه على يد ولادك اللي هيقـ.ــتلوا في بعض بسبب مرة ،يامرك يا “رابحة” الواد شكله عشقها والخوف والرعب عليها هيطل من عينيه طل واخوه لو رجع بعد المدة اللي متفقين عليها هتُبقى عيشة هباب، بوه لازم يعرف كل الكلام دي ويشوف صرفة وياه.
وقبل ما تدخل عند جوزها طلعت عند دعاء مرات ابنها وبنت اختها وهي شايطة منها واول ما دخلت طلبت منها بزهق:
ـ تعالي يا مقصوفة الرقبة انتي ادخلي ورايا على الاوضه بتاعتك واقفلي الباب ما عايزاش ولادك يسمعوا اللي هقوله لك.
دعاء شافت منظرها ودخلتها عليها حست بقلق من جواها وسالتها وهم داخلين الاوضه وقفلوا على نفسهم الباب:
ـ مالك يا خالتي هتتحدتي وياي اكده ليه وهاين عليك تاخديني قلمين ولا كأني قتلت لك قتيل عاد اديني ما شفتكيش النهارده واصل، مسحولهة طول النهار مع العيال والبيت وما عرفتش انزل لك اوعي تكوني واخدة على خاطرك مني علشان خاطر اكده.
بصت لها رابحه من فوقها لتحتها وهي مغلولة منها بسبب برودها:
ـ خليكي حياتك كلاتها ما وراكيش حاجة غير المقشة والجاروف وتسرحي لبنتك العروسة اللي حداها 16 سنة شعرها وما هتخليهاش تعمل وياك حاجه في البيت وتريحك واصل يا بت اختي، وتاجي على اخر اليوم تكوني مرمية على السرير شكلك شكل البهيمة عاد.
دعاء فتحت بقها بصدمة من طريقة خالتها معاها واعترضت على بهدلتها وانها بتشتمها:
ـ وه وه اباي عليكي يا خالتي، هي وصلت للشتيمة وتقولي عني اني بهيمة عاد ودي كلاته لجل ما اني هاهتم بأحفادك وبيتي كيف اي ست في الدنيا وبعدين اني ما حباش ابهدل بتي وما حبهاش تعمل حاجة واصل خليها تتچلع في عز ابوها ولما تتجوز مسيرها هتعمل لما هتشبع.
ضحكت عليها بسخريه واستهزئت بكلامها وحججها الفارغة:
ـ ايوه علشان تُبقى ترجع لك تاني يوم صباحيتها بالكحك سخن كيف ما احنا موديينه علشان هتخرج من بيت ام ما هتعلمهاش تكون ست بيت كيف وهيقولوا عليها الكاتعة راحت الكاتعة جت امال ايه ما هي امها شايلة دماغها وحاطة مكانها بلغة ة هتفكر بيها من ميتة والبنتة ما يطلعوش متعودين على شغل البيت وبنتك كلها سنتين ولا ثلاثه وهيتقدم لها العرسان وهي ما هتعرفش تعمل حتى كوباية شاي وطول النهار قاعدة قدام المخروب المحمول لما عينيها قربت تبقى عميانة وانت هتجيبي لها الاكل وهي قاعدة قدام التلفزيون ومربعة وهتوكليها في بقها كمان.
وكملت كلامها وهي بتقرب منها وعينيها هتطق شرار بسببها وبسبب عمايلها :
ـ ولما انت حنينة قوي اكده ومخليه بيتك يشف ويرف وهترعي ولادك وهتحطي لهم اللقمة في بقهم ما هتاخديش بالك من الراجل الطول بعرض اللي هيعيش وياكي اللي هيرجع من شغله تحطي له صينية الوكل وياكل لوحده من غير ما تقعدي تفتحي نفسه وتاكلي وياه هتتجمعي انتي وولادك على طبلية واحدة وتاكلي كيف البهيمة وما هتراعيش جوزك ولا هتستنيه انتي وولادك لحد ما طلعوا ما يعرفوش عن ابوهم غير انه بنك فلوس يكبش ويديهم وخلاص، ليه ما هتعفيش جوزك وتدي له حقه الشرعي يا بنت اختي واللي هتعمليه ده ما فيش واحدة ست في الدنيا تعملوا وما فيش راجل في الدنيا يتحمله وانا اللي غصباه إنه يكمل وياكي ولولاي كان زمانك متطلقة وراجعة دار ابوكي مطلقة بعيلين وهتخسري الهنا اللي هتعيشي فيه في حجا جوزك.
ما كانتش عارفه السبب اللي حماتها غضبانه وبتديها كلام زي السم بسببه واول ما خلصت كلامها ردت عليها بتريقة وكانها ما قالتش حاجه خالص:
ـ ايوه قولي بقى كده انك جايه علشان خاطر تفتحي الموال اللي ما هينفضش ده ومش عيب على ولدك انه يخرج سر بيته ومرته واللي بيناتهم بره عيب ولا مش عيب يا خالتي؟
ـ الكلام دي لو اني واحدة غريبة او ان حماتك مش خالتك يعني كيف امك وعلشان اكده ولدي هيشتكي منك وانت عارفه انه راجل ما يتكلمش في المواضيع دي كثير لكن انت امورك واضحة عفي جوزك اللي هيبص لبرة وبقى ليكي ضرة دلوك خليكي كده ما تحسيش بالنعمة اللي في يدك يا بت اختي معاكي راجل ألف من تتمناه وانت البعيدة غشيمة وباردة.
ـ جرى ايه يا خالتي عاد حرام عليك هتشتميني وما قادراش ارد عليك ما هو اتجوز ما يروح يعف نفسه مع مرته التانية ويسيبني في حالي مع ولادي ولا هو ما فيش قدامك غير “دعاء” اللي كل شوية تاجي تسمعيني الكلمتين السم دول بسببهم اعمل ايه اني غصب عني ما ريداش الموضوع ده واصل هو بالعافية يا خالتي.
ـ تصدقي وتؤمني بالله انك عيلة غشيمة وباردة ويكون في معلومك اني لحد دلوك ما اشتكتش لابوكي ومتحملة قرفك مع ولدي السنين اللي فاتت داي كلاتها، يمين بعظيم يا “دعاء” الصبح هتروحي وياي للدكتورة اللي سند ولدي قال لي عليها علشان تتعالجي من برودك دي .
وكملت كلامها وهي بتحذرها:
ـ وحذاري تقولي يعف نفسه مع مرته الثانية وانت خابره زين انه متجوزها هيئة وصوره علشان ترجع لجوزها تاني يعني ما تريحيش ضميرك وتنامي وتشخري وتسيبي جوزك اللي متحمل بلاوي منك ما حدش يتحملها واصل .
ـ يوه يا خالتي هتغصبوني على حاجة ما لقيتهاش واصل اني قرفت من الموضوع ده ومن كتر الكلام فيه عادي الكلام في المواضيع الخاصة اللي بيني وبين جوزي داي عيب نتحدث فيها واصل.
ـ ما تزوميش يا “دعاء” ولا تعترضي ما تُبقيش غلطانة والغلط راكبك من ساسك لراسك وتقولي أفسر ايه خاص ولا زفت على دماغك اني اقسمت يمين اني مهخسرش ولادي بسببكم انتم الحريم لما يمسكوا في بعضهم علشان عقلك اللي مدريانش باللي هيحصل بعد اكده ، يعني انتوا الحريم بالنسبالي إهنيه في البيت ما تسوش تلاتة تعريفة إلا ولادي وانتم إخبطوا راسكم في الحيطة وهتعملي اللي هقول لك عليه وإلا يمين بعظيم وما يبقاش شعري دي على راسي لا هقول لابوكي واعمامك وهحكم عليك الدنيا كلاتها وهشهد انك مرة ناشز لجوزك .
خلصت كلامها وسابتها ومشيت وهي بتنفخ خرجت لقت بنتها قاعدة على الكنبه وماسكه الموبايل في ايديها وخلصت كيس الشيبسي اللي في ايديها ورميته على الارض قربت منها ومسكت الموبايل بكل حده حدفته بعيد وهي بتقول لها :
ـ هو انتي يدك اتشلت يا بت “سند” لما هتاكلي وترمي على الارض كيف العيال اللي هترضع؟
قومي المخروب ده ما عايزاش اشوفه في يدك تاني وخليكي كيف البنات وشوفي اللي هيتعمل في البيوت ايه وساعدي امك اللي هتچلعك چلع ماسخ داي .
البنت شهقت وهي مخضوضة على موبايلها وجت تروح عليه علشان تجيبه مسكت ستها ايديها وهي بتحذرها بحدو:
ـ جرى ايه يا بت عاد هتبصي لي بقرف اكده ليه ما دريناش اني ستك علشان تجيبيني من فوقي لتحتي بالمنظر دي.
البنت جابت موبايلها وهي بتبص له بحسره الشاشه بتاعته اتحرقت وطبعا ده خلاها خرجت عن شعورها وزعقت قدام ستها وعلت صوتها عليها:
ـ جرى ايه انتي يا ستي عاد؟! كسرتي لي الموبايل بتاعي حرام عليك اعمل اني ايه دلوك
ليه الهمجية دي ما كنتي تقولي الكلمتين بتوعك دول من غير ما تلمسي الموبايل ولا تكسريه لي.
رابحه ما اتحملتش طريقه كلام البنت وقربت منها وفجاه نزلت على وشها بقلم خلى دعاء بقت واقفه مصدومة وشهقت وهي حاطة ايديها على بقها:
ـ هتشتمي ستك يا قليلة الرباية وهتعلي صوتك عليها ما انتي لو لقيتي ام تربيكي كنت عرفتي ما ترديش علي ولا تشتميني لكن امك ما فاضياش غير انها تأكلك مام وتنيمك ننه يمين بعظيم يا جنى ان عليتي صوتك علي تاني ولا شتمتيني لا هكون قايله لبوكي هخليه يقطع لك لسانك .
امها قربت منها وهي بتاخدها في حضنها وبتلوم خالتها:
ـ ليه اكده يا خالتي تضربيها على وشها حرام عليكي كنتي عرفيها غلطها من غير ما تمدي يدك عليها وعلى وشها كمان؟
رابحه كانت غضبانة غضب شديد بسببهم وهبت في وشهم بصوت عالي:
ـ اقفلي خشمك عاد بنتك هتشتم ستها قدامك بدل ما تشيلي ميت شبشب وتضربيها على راسها انها كيف تشتمني هتلوميني كمان هي داي الرباية اللي قاعدة تربيها لاولادك وما شايفاش غيرهم يا دعاء ؟
ولا نافعه في شرق ولا نافعه في غرب ودي من غضب ربنا عليكي علشان هتعصي جوزك، ولدك لساته في اولى دبلوم وهيشرب الفيب اللي هيقوله عليه وبتك قليلة الرباية هتشتم ستها وكل دي ابوهم ما يعرِفش حاجة بسبب انك هتبعديهم عنه، وقت ما يكون موجود وكل ما يسألك عنيهم تقولي له زين وتطمنيه على الفاضي من هنا ورايح البت دي ما تشيليش المخروب دي تاني اما الواد اني ما هقدرش عليه أبوه لازم يعرِف كل حاجة.
اول ما سمعت ان هي هتقول لأبوه قربت منها وهي هتتوسل لها:
ـ أحب على يدك يا خالتي ما تجيبيش سيرة لابوه، دي لو عرف هيقتـ.ــله فيها وخصوصي ان هو منبه عليه بلاش الحاجات داي، ابوس يدك يا خالتي بعدي “سند” عن “مازن” .
ـ تمام لو شفته بيشربها تاني هقول لابوه يعني انت المسؤولة قدامي دلوك عن ولدك والمخروب اللي هيشربه ده وهيقول الشباب كلاتهم هيشربوه يا ستي لو لمحت ولا لو شميت ريحته وهو هيشرب المخروب ده مرة تانية ما هتشوفيش يوم عدل وياي يا بت اختي.
وسابتهم ومشيت وهي بتشتم فيهم وبعد ما مشيت فضلت “دعاء” تبوس راس بنتها وتعتذر لها عن اللي ستها عملته فيها من غير ما تعرفها غلطها ولا انها شتمتها وعلت صوتها عليها وبصيت لها بقرف كل اللي فارق لها القلم اللي هي أخدته وكان هاين عليها تعيط عشانها.
******
الشاي بتاعك له طعم مختلف جداً يا دكتورة، بحس إنه متكلف وبيكيف الدماغ قوي .
ابتسمت له ابتسامتها الساحرة اللي بتبين غمازاتها وهي بتشكره بخجل:
ـ ماهو من يد صَعيدية عاد لازمن يكيف ويظبط المزاج، حداكم الستات اهنه في مصر هتخاف على يدها حتى من عمايل كباية شاي .
كان بيشرب الشاي وهو بيستطعمه بتذوق ممتع ومبسوط قوي في الكلام معاها، مش بس كدة ده بيستنى كمان الساعة اللي بتخلص فيها كل اللي وراها وتيجي تقعدها معاه مخصوص:
ـ طب قولي لي قدامك قد ايه وتاخدي الماجستير يا دكتورة “مهرة” ؟
علشان بلدكم في الصعيد تفتخر بيكي زي ما دايما بتقولي .
اتنفست بعمق وهي بتستشعر طعم كلمة دكتورة منه، وجاوبته وهي بتشاور بإيديها كأنه بتقول له لسه بدري :
ـ يووه يا بشمهندس “نعمان” لسه بدري على كلمة داكتورة داي، أني لساتي مأخدتش لقب حكيمة واصل، لساتي هعافر .
وكملت كلامها وهي كمان بتسأله بفضول:
ـ بس مش غريبة عاد تُبقى في كلية هندسة وتشتِغِل بواب هتجيب وقت للجامعة والمذاكرة منين؟
اتحمحم ودور وشه وهو بيرد على سؤالها :
ـ لا ماهو أنا ببدل أنا وواحد صاحبي والحقيقة إني لازم أشتغل علشان أقدر أصرف على نفسي وأهو نوايا بتسند الزير ، علشان أبويا راجل كبير وعندي اخوات وبكافح زيك علشان أوصل لحلمي بردو .
وفضلوا يتكلموا مع بعض زي كل يوم لا هو عايز الوقت يخلص ولا هي عايزة حكاويه وأسئلته تخلص .
*******
ـ مناديل يا بيه ، مناديل يا هانم، سايق عليكي النبي يا هانم تشتري مني مناديل عايزة أرجع لأمي العيانة وأخواتي ما كلوش من امبارح .
سألتها الست وهي جوة عربيتها وبتطلع فلوس :
ـ انتي ماشاء الله جميلة قوي على الشحاتة والبهدلة دي ، اسمك ايه يا بنتي ؟
جاوبتها وهي بتمسح جبينها من العرق في كم جلابيتها المقطعة :
ـ أكل العيش يا ست هانم، أني كبيرة أخواتي وملهمش غيري ، واسمي “مهرة” ياست هانم .
الست ركنت على جنب وشاورت لها انها تركب جنبها وبعد ما ركبت سألتها:
ـ انتِ منين يا “مهرة” أنا شايفة إن طريقة كلامك بتقول إنك صعيدية ايه اللي حدفك من الصعيد وجابك مصر علشان تشتغلي في الزحمة دي؟
جاوبتها وابتسامة الرضا باللي مقسوم لها مرسومة على وشها زادتها نور لدرجة ان الست كانت بتتمعن في ملامحها الجميلة وهي بتتعجب جواها؛ إن ازاي واحدة بالجمال ده تتبهدل البهدلة دي :
ـ الحمدلله يا هانم على نعمة ربنا، رزقني بالصحة والعلام والدين والأخلاق وجمال الطلة وعندي خوات بالنسبه لي الدنيا باللي فيها وامي ست مريضه هتغسل كلى كل يومين وجيت في مصر اهنه علشان اكمل علامي والحمد لله خلصت معهد تمريض ودخلت الكلية وهحضر دلوقتي التدريبي علشان الماجستير نفسي أبقى دكتوره في كليه التمريض.
الست بصيت لها بدهشه وهي بتسالها:
ـ معقوله انت في كليه تمريض انت بتتعلمي اصلا؟
بلعت ريقها بخجل وهي بتجاوبها بكل فخر:
ـ طبعا بتعلم وبشتغل وهصرف على امي وخواتي وكمان هجتهد في اعلامي علشان عايزه اوصل لمستوى عالي وبعدين مش كل البنات اللي هيشتغلوا بين الاشارات وهيسعوا على اكل عيشهم يبقوا قصدهم يمدوا يدهم للي رايح واللي جاي ده شغلانه شريفه وحلال اكل منها عيش واصرف بيها على اخواتي وعلى نفسي والحمد لله قطعت ثلاث تربع مشوار الطريق وقربت اوصل لحلمي.
ـ بس ازاي بتقدري تواصلي بين تعليمك واجتهادك فيه كمان وشغلك انت تقريبا ما بتلحقيش تستريحي.
من جواها السؤال ده سبب لها انزعاج داخلي من كتر التعب اللي هي فيه كل يوم بسبب الشغل والتعليم لانها ما بتستريحش نهائي عيونها لمعت بالدموع لكن مهره عاديه مستحيل الدمعه تنزل من عيونها بسهوله:
ـ كلمه الراحه مش للي شبهي يا هانم انا تقريبا مش بنام غير ساعتين ولا ثلاث ساعات في اليوم والليله علشان اقدر اواصل واقدر اوصل لحلمي واحققه وبرده بقول الحمد لله على نعمه ربنا علي.
الست فتحت دراعها الاثنين وعيونها كمان لمعوا بالدموع وهي بتطلب منها:
ـ ممكن أحضنك يا “مهرة” ، انا بجد منبهرة بيكي، بجد مش مصدقة في بنات في الدنيا زيك في حين ان البنات دلوقتي بقوا حاجه فظيعه جدا في حياتهم وفي دلعهم انت بجد قدوه لازم تظهر للعالم لازم البنات يشوفوا مثال حي زيك للتضحيه والحب والاحتواء لدرجه انك بتضحي حتى بساعات نومك اللي المفروض جسمك يستريحها علشان خاطر اللي حواليك قبل نفسك انا من حسن حظي اني قابلت واحده زيك واتعرفت عليها واتكلمت معاها انت بجد احسن مني ومن اي ست في الدنيا، صدق المثل اللي قال الايد الشقيانه كسبانه.
مهره اترمت في حضنها وعيونها لسه بيلمعوا بالدموع شكل ما يكون ربنا بعت لها الست دي في الوقت ده علشان يخفف عنها التعب الشديد اللي هي حاسه بيه بسبب شغلها وجامعتها والمسؤوليات اللي على كتافها الست بقت تحضنها جامد وتطبطب عليها وبعدين خرجتها من حضنها وطلعت موبايلها وطلبت منها:
ـ ممكن ناخد صوره مع بعض وعايزه كمان تمسكي المناديل علشان انا هبقى فخوره بيكي وانا بتصور معاكي وعمري ما هنساك يا مهره وعلى طول كل اما اجي المكان ده هدور عليك وهسال عنك وكمان عايزه رقمك وايه رايك نبقى اصدقاء على فيسبوك؟
حركت راسها بموافقه وهي بتمسح دموعها وبتعدل حجابها لكن قبل ما توافق على الصوره:
ـ طب هتصور كيف يا ست هانم واني مبهدله اكده لبسي مش حلو ولا شكلي حلو ومتبهدل من التراب لبسي مش حلو ولا شكلي حلو ومتبهدل من التراب بتاع الشارع طول النهار خليها مره ثانيه.
الست ابتسمت وهي بتناولها مرايه قدام وشها وأعجبت بملامحها الجميلة:
ـ تعرفي انا اللي شدني ليكي وخلاني استغربت من الشغلانه اللي انت بتشتغليها دي وخلاني اطلب اتصور معاكي هو شكلك الملائكي وملامحك الجميله بجد بجد لو بصيتي هتلاقي براءه في وشك تبارك الله تخلي اي حد يقول انك بنت ناس واو وما تفرقيش عن اي بنت ، ده انا اللي اتشرف اتصور معاكي والله يا مهره .
وقربت منها واتصورت معاها وهي مبتسمه والغمازات اللي في وشها زادوها جمال على جمالها والاثنين اخذوا ارقام بعض وبقوا اصدقاء كمان على الفيسبوك، وقبل ما تنزل مهره من العربيه لقيت الست بتخرج فلوس من شنطتها وبتديها لها وهي بتقول لها:
ـ ممكن تقبلي المبلغ البسيط ده مني واعتبريه هديه مني ليكي علشان اول مره نتقابل هبقى مبسوطه قوي لو خدتيه مني.
مهره رجعت ايديها بالفلوس وهي بتبتسم بكبرياء:
ـ معلش يا هانم اني ما اقدرش اقبل منك الفلوس دي مهما حاولتي وياي كفايه ما عرفت بيكي وكفايه الحضن اللي انت اديتيه لي وحنانك عليا ونظره الفخر اللي انا شايفاها في عينيك تجاهي بالنسبه لي اهم من فلوس الكون كلاتها أني عمري ما اخذ قرش من حد ما تعبناش فيه ولا عمري همد يدي لحد مهما كان اني احب اشتغل واخد فلوس على شغلي غير اكده ما هقبلش من اي حد حاجه واصل.
ـ والله يا بنتي انت بجد حاجه مش موجوده في الدنيا انا بجد مبهوره بيكي وبجد فخوره ومبسوطه اني قابلت حد زيك النهارده صدفه انت من النهارده بقيتي صاحبتي جدا وان شاء الله اتواصل معاكي وابقى اعزمك على الغدا في اي مطعم بره بجد نفسي اقعد معاكي كتير واتكلم معاكي كثير جدا .
وقبل ما تنزل سحبتها لحضنها تاني وهي بتطبطب عليها بحنان وسابتها مهره ونزلت وهي بتسعى على اكل عيشها ورزقها وبتنادي:
ـ مناديل يا باشا مناديل يا بيه اللي عايز مناديل للبيع؟
من بعيد كانوا بنتين راكبين العربيه بتاعتهم والاشاره واقفه وواحده فيهم شافت مهره فشهقت بصدمه وهي بتشد صاحبتها وبتقول لها:
ـ الحقي شوفي مين اللي هناك دي بصي بسرعه قبل ما تمشي وقبل الاشاره ما تفتح.
صاحبتها بصت واول ما شافت مهره فتحت بقها بصدمه وهي بتقول:
ـ يا نهار ابيض هي دي مهره اللي معانا في الجامعه انا مش مصدقه والله دي بتمشي في الجامعه تقول يا ارض انهدي ما عليك قدي ده لسه مديه الواد شادي امبارح درس محترم في الاخلاق علشان بس طلب رقمها بتبيع مناديل في الشارع شحاته؟!
ـ انا بجد مصدومه انا كمان من المنظر ده بسرعه طلعي الموبايل علشان نصورها فيديو ده هتبقى ليله في الجامعه بكره واخيرا هرد لها القلم اللي ضربته لي على وشي في الجامعه 10 اقلام لما اخليهم كلهم يتفرجوا عليها ويشوفوا اللي كانوا فاكرينها بنت الحسب والنسب طلعت شحاتة في الشوارع.
وطلعت البنت الموبايل وهي بتصور مهره فيديو وبتقرب الكاميرا منها وبتعمل لها زوم علشان تجيبها بوضوح علشان ينفذه اللي هم بيخططوا له ويكسروا مناخيرها وينتقموا منها لانها رفضت تبقى من شلتهم وما كانتش بتديهم اي اهتمام وكل وقتها في الجامعه كانت موفراه لمذاكرتها وما كانتش بتهتم بحد فيهم نهائي وبعد ما صورت الفيديو قعدت تتفرج عليه:
ـ يا نهار الوان شايفه الهدوم اللي لابساها عامله ازاي وسخه ومبهدله ولا شكلها المبهدل ولا منظرها وهي بتوطي على العربيات تبيع مناديل للناس ده هتبقى ليله كبيره قوي في الجامعه بكره واحنا بنفرجهم على فيلم مهره الشحاته في ثوبها الجديد ده انا لما خليتها تعيط وتبكي بسبب القلم اللي ادته لي ما بقاش انا.
******
كان قاعد قدامها ماسك ايديها وهو بيدلكها لها بالمرهم اللي اداه له الدكتور وبيطمنها وهي بتتوجع :
ـ خلاص يا عيوطة متبكيش عاد ، المرهم دي هيهدي الوجع هو بس هتحسي بحرقان شوي لحد ما يشد الحـ.ـرق والالتهاب اللي هتحسي بيه دي هيهدى خالص .
كانت بتبص له وهو بيداويها بحنان وبتقرأ الخوف في عينيه عليها ، أول مرة حد يخاف عليها بالشكل ده ، أول مرة حد يحس بوجعها في حياتها، كان بيلف لها الشاش والقطن حوالين الجرح اللي في ايديها بعناية، وبعد ما خلص بص لها بحنان وهو بيخفف عنها :
ـ خلاص اها يا ست “نغم” هانم كل حاجة بقت تمام، ويدك زمانها بقت زينة دلوك ومهتحسيش بالوجع، صُح ولا ايه ؟
ابتسمت له وهي بتجاوبه برقة وخجل ، كان قاعد تحت رجليها وهو بيداوي ايديها :
ـ تسلم يدك ، مبقتش توجعني والوجع هدي، منحرمش منيك ولا من حنانك ولا من رجولتك وطيبتك وياي، عمري ما شفت الحنان اللي هتتعامل بيه وياي في حياتي غير على يدك يا “سند”.
كان شعرها اللي بيلمع نازل على وشها المحمر من شدة الخجل وأول ما سمعها بتتكلم بالرقة دي ، لقى نفسه بيقوم وقعد جمبها ومد ايده رفع خصلاتها الدهبية من على عيونها وبقى يحرك ايديه على وشها الجميل بتأثر وهو بيتغزل فى ملامحها :
ـ طب هعترف لك باعتراف أني كمان، صوتك وشكلك دلوك ورقتك فى الكلام مشفتش زيهم قبل سابق عاد، يعني كيف ما انتِ هتشوفي وهتحسي حاجات جَديدة عليكي، يعني انتي النهاردة بهيئتك داي تسحري الراهب بذاته.
وقام من قدامها قبل ما يفقد أعصابه ويقرب منها وهو أصلا مسحور بجمالها وبريحتها اللي تجنن وهو بيتجه ناحية المطبخ، فندهت عليه بتسأله :
ـ داخل المطبخ ليه هتحتاج حاجة أعملها لك ؟
ابتسم لها وهو بيشاور لها تقعد :
ـ خليكي يا ستي هعمل لك فنجان القهوة اللي كنتي رايداه وهشيل القزاز من على الأرض وهرجع لك طوالي .
كانت من جواها مبسوطة جداً وهي بتبص له وأحاسيسها متلخبطة جواها وهي بتعيش معاه حاجات جميلة عمرها ما كانت تتخيل إنها تحسها ، زي أبطال الروايات اللي دايما بتقرأ عنهم، كان هو كمان شايفها وهي متنحة له وعيونها مركزة معاه ومن جواه مبسوط منها ، عمل لها القهوة وحط بدال السكر قطعة شيكولاتة وخرج لها بالقهوة ومد لها الكوباية بابتسامة دوبتها وفتت أعصابها ومبقاش عندها قدرة للتحمل:
ـ اتفضلي يا ست البنات اجمل فنجان قهوة هتشربيه في حياتك ،
مظبوط ظبطة هتخليكي تتمزكي وانتِ هتقرأي رواياتك اللي لحست دماغك .
أخدتها منه وبدأت تدوقها وفعلاً كانت مختلفة عن اللي بتعملها ، لها طعم ومذاق جميل جداً، فابتسمت له هي كمان ابتسامة خلته بقى هاين عليه يشيلها ويدخل بيها أوضته ويتنعم بحلاله معاها وهي بتشكره برقة ونعومة:
ـ فعلاً جميلة جدا، وطعمها يشهي قوي ، كفاية إنها من يدك وانك تعبت حالك ووققت علشان تعملها لي .
ـ طب ايه سر حبك في القهوة مع الروايات بالذات ممكن أفهم ؟
كانت فرحانة من جواها باهتمامه بيها وبكل تفاصيلها وخصوصا لما يكون بيسالها عن أحسن حاجة بتحبها في يومها وبدأت تتجاوب معاه في الكلام وجاوبته بحماس :
ـ شوف الاتنين مشتركين في حاجة مهمة قوي وهي إنهم بيظبطوا المزاج جدا فعلشان اكده هحب أشربها وأني هقرأ وخصوصاً بقى لما أكون متابعة رواية قيد التنزيل يعني هتنزل حلقة بحلقة ببقى متحمسة قوي ومتشوقة إني أخد قهوتي واروح انعزل مع حالي وأنسى كل حاجة وأقعد أقرأ وأسرح بخيالي مع الأبطال ، أبتسم لبسمتهم، وعيوني تطلع فراشات لرومانسيتهم ، وادمع لحزنهم واكده يعني .
رفع حاجبه باندهاش وهو بيسألها :
ـ ياه للدرجة داي الكاتب هيقدر يوصل لك الاحساس دي وانتِ هتقرأي لدرجة هتحسي كل الحاجات داي .
ـ وه امال ايه، الكاتبات اللي هتابعهم عباقرة في إنهم يوصلوا لنا الاحساس دي ، لدرجة إننا هنحس إن الأبطال دول حقيقيين وبنقلق عليهم كماني ونفضل ننزل ريفيوهات ونصيح للكاتبات على اللي هيعملوه في الأبطال.
ـ لاااااه، دي حاجة ملك خالص هتحزنو على ابطال من ورق ومش موجودين اللي في خيالكم بس ؟
ـ لااا دي عالم تاني وجميل وحالم وخيالي وحاجة منتهى اللذة، ممكن أبعت لك رواية تقرأها وبعد لما تخلصها هتطلب غيرها لما تحس حلاوة القراءة وتدخل في العالم دي .
ـ لاااه ياستي معايزش اني هشيل هم الحقيقين والخيالين كمان الله يسترك بعدي عني اللي فيا مكفيني .
ضمت حاجبها بدهشة وهي بتسأله:
ـ ليه مين مزعلك ومخليك تتنهد بوجع اكده وملامحك شايلة الهم دي كلاته ؟
اتنهد بأنفاس عالية :
ـ حاجات كَتيرة قوي ، متشغليش بالك بيا أهم حاجة متزعليش علشان هبيت فيكي من شوي وأني كنت السبب ان يدك اتحرقت .
ـ وه ! هو اني اقدر ازعل منك من الأساس ، انت بالذات تعمل اللي على كيفك وياي يا “سند”.
سألها بمشاكسة:
ـ واشمعنا أني بقى بالذات يا أستاذة؟
ابتسمت برقة وقالت له :
ـ علشان انت راجل زين قوي ومفيش منك اتنين، أني الرجالة اللي شفتهم في حياتي كلهم مايلقش عليهم اسم رجالة واصل ، أما انت يا بخت الأيام اللي جمعتني بيك .
كلامها ونظرتها وطريقتها في وصفه خلت قلبه يدق بين ضلوعه وقرب منها ولقى نفسه بيحضن وشها بين ايديه وسند جبهته بجبهتها وبقى يتنفس أنفاسها ، وهي لما عمل كدة رجع لها نفس إحساسها بالخجل وجسمها بيتفكك مجرد ما يقرب منها :
ـ دي أني اللي يا بخت الأيام اللي جمعتني بيكِ، مشفتش في رقتك داي قبل سابق ، جميلة انتِ يا “نغم” في كل حالاتك.
وكمل كلامه وهو بيقرب من شفايفها لتاني مرة ومقدرش يمسك نفسه معاه وبدأ يدوب طعم الحلال معاها بإحساسها ، وهي مقدرتش تمانع ولا قدرت تبعد ، هو ساحر سحبها لأول طريق القرب ومقدرتش تتحرك غير إنها تبادله قربه بخجل شديد وبرقة وبهدوء عصفت بكيانه، أول مرة يدوق طعم القبلة اللي فيها احساس بين ايدين حلاله لحد ما خلاص …
رواية النغم الحزين الفصل السادس 6 - بقلم فطيما يوسف
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
أيها الزمن أما آن للمتوجعين أن تمضي أيامهم بارتياح!
فنحن نطلب الفرح ونسير مثقلين بالجراح، نقصد دربًا واحدًا فتبعثرنا السُّبل ونضيع بلا اتجاهٍ واضح، ونُسمّي التعلّق حبًّا وهو في حقيقته استباحةٌ للروح وانقسامٌ لا يُحتمل ولا يُستراح، نبكي على ما فات ولا نرى من يبكي علينا، ونتعلّق بما ضاع كأن الفقد لم يكن كافيًا للإيضاح، فليس كل ما نُحبّه يُنال، وشتّان بين حبٍّ يُحيي القلب، ووجعٍ نُدمنه ببراءةٍ وسذاجةٍ وانشراح.
وكمل كلامه وهو بيقرب من شفايفها لتاني مرة ومقدرش يمسك نفسه معاه وبدأ يدوب طعم الحلال معاها بإحساسها ، وهي مقدرتش تمانع ولا قدرت تبعد ، هو ساحر سحبها لأول طريق القرب ومقدرتش تتحرك غير إنها تبادله قربه بخجل شديد وبرقة وبهدوء عصفت بكيانه، أول مرة يدوق طعم القبلة اللي فيها احساس بين ايدين حلاله لحد ما فجأة انتفضت من بين ايديه من شدة الوجع بعد ما ماضغط على ايديها المحـ.ـروقة بدون قصد ودموعها كأنهم كانو حاضرين:
ـ آه يدي هتوجعني قوي .
بلع انفاسه بصعوبة وصدره بقى في صعود وهبوط بسبب بعدها المفاجئ عنه بعد ما قرب منها وداق من شهد قربها واحساسها المختلف من مجرد قبلة لدرجة إنها نسته نفسه ونسته انها مجروحة في ايديها، فاعتذر لها بذوق :
ـ وه هتوجعك قوي! حقك علي عاد والله ما كنت أقصد، خلاص متبكيش هخلي بالي بعد اكده.
كانت قاعدة مكسوفة جداً قدامه ونبضات قلبها بتتسارع جواها لدرجة إنها شكت إنه ممكن يكون سمع صوت دقات قلبها السريعة،
ولما أخيرا رفعت عيونها واتلاقت بعيونه شافت فيهم نظرة الرغبة اللي هي حافظاها كويس، فاستأذنت منه وقامت وقفت :
ـ بعد اذنك هدخل أوضتي عايزة انام هحس بدوخة شوي .
قام زي الملهوف هو كمان وقرب منها شوية وهو بيسألها بخوف:
ـ ليه هتحسي بالدوخة والصداع ، تحبي انزل أجيب لك حبوب للصداع ؟
ابتسمت برقة لحنيته عليها وطيبة قلبه، عمرها ما كانت تتخيل إن حد ممكن يحن عليها في الدنيا دي بالشكل الكبير ده وشكرته:
ـ منحرمش منيك ولا من حنيتك وطيبة علي ،بس اني معايزاش اتبعك وياي، وكمان اني لما هنام الصداع هيروح وهبقى زينة .
ربع ايديه قدام صدره وهو بيسألها علشان يضيع وقت ومتمشيش من قدامه، بقى حاسس انه رجع مراهق أو شاب صغير بيتعلم ابجديات العشق اللي عمره ما عاشها قبل كدة معاها، كان وجودها وطلتها قدامه وابتسامتها ونعومتها ورقتها حاجات عمره ما شافها قبل كدة:
ـ أولا لسه بدري على النوم، على حد علمي إن اللي هيحب القراءة ممكن ينام على نفسه والكتاب في يده، وكمان القهوة اللي عملتها لك هتمشي لك الصداع، وبالمناسبة عاد مقلتليش رأيك فيها يا “نغم”؟
جواها اهتز من طريقته وبقت واقفة متنحة قدامه وهي بتكلم نفسها بصوت داخلي غير مسموع:
ـ لا والله أني مش كدك ولا قد نظراتك ولا همسك دي، يختييي على أيامك اللي جاية يا “نغم” هتصدي قصاد دي كيف.
ووعيت لنفسها وهي كانت تايهة في ترنيمة صوته الرجولية وهو بينطق اسمها وجاوبته بصوتها الهادي الرقيق:
ـ على فكرة أني قلت لك رأيي في القهوة وشكلك هتنسى بسرعة، وقلت لك إنها زينة وتسلم يدك .
شاغبها وهو بيرفع حاجبه بمكر وقرب منها وسند على باب أوضتها وبقى واقف قدامها وقال لها :
ـ اصل من حقي انسى بصراحة، في حاجات اكتشفتها وشفتها النهاردة خلتني بقيت واقف مكاني هتنح من جمالها ورقتها، وفي مشكلة كَبيرة كمان مقادرش متمنهاش ومقادرش أقرب لها، قولي إنتي محداكيش حل لحالتي داي ، أو مقابلكيش حد من أبطال رواياتك حالته كيف حالتي وتدليني هيتعامل وياها كيف ؟
سندت راسها هي كمان على الباب قصاده وكلامه وطريقته وسحبه ليها في الحوار نساها نفسها وجاوبته :
ـ بص هو في الحالة دي البطل بيكون مشغول باله بحاجة جَديدة دخلت حياته، ومخلياه بالحالة داي، فشوف بقى ايه المستجد عليك خلاك بالحالة داي بس قبل ما تفكر وتشوف، قل لي انت الحاجات داي باسطاك ولا هتعكِر مزاجك ، ولو بسطاك خلاص توكل على الله وتعمق فيها، أما لو هتعكِر مزاجك بلاش منيها خالص.
وكملت والحزن اترسم على وشها وهي بتخرج اللي في قلبها :
ـ على الاقل انت هتملك رفاهية رفض اللي هيضايقك واللي هيتفرض عليك، اما اللي زي حالاتي هيسوقوها كيف الغنم ويحطوني مكان ماهم هيريدو معنديش حرية الاختيار.
خلصت كلامها ولمعة الدمع في عيونها وللأسف عيونها مقدرتش تسيطر وفرت الدمعة منها، اول لما شافها قرب منها ومسح دمعتها بسبابته ونظرات عيونه بتتألم علشان احساس الوجع اللي في هتحس بيه، ولقى نفسه بيحضن وشها بين ايديه وثبت نظرات عيونه جوة عيونها وهو بيطلب منها :
ـ ارجوكي بزياداكي خوف عاد، إنتي خلاص بقيتي في أمان، تعالى يا “نغم”، ارتاحي اهنه على صدري وقولي لي هتحسي بايه دلوك وانتِ هتسندي على ضلعك الآمن .
رخت راسها على صدره وهي بتحاول تنظم أنفاسها، ولما قربت منه سمعت نبضات قلبه اللي مش مبطلة دقات جواها زي نبضات قلبها بالظبط، كانت حاسة في اللحظة دي إنها جوة حضن الأمان، حضن بالنسبة لها حصن حصين من غدر الأيام والناس، أول مرة تلاقي الدفى اللي هي حاسة بيه على صدر راجل احتواها، اول مرة تجرب حضن رحيم بيخفف وجعها لمجرد دمعة وحتى من غير ما تشتكي،
الدنيا كفيتها أوجاع وصدمات وهو في حضن واحد كفاها امان وحنان ، لقت نفسها بتتمسك بحضنه وبتتمرمغ براسها جواه شكل ما تكون بتعبي جوه ضلوعها من الحنية والاحتواء قدر كافي يخلوها تكمل وتعرف تصد على الهجمات اللي بتترشق لها من كل صوب وحدب، لحد ما سمعته وهو بيهمس لها بصوته الرجولي المبحوح بتأثر من حركاتها الناعمة:
ـ ها ، قولي لي هتحسي بايه دلوك يا “نغم”؟
جاوبته بنفس نبرة الهمس وهي متمسكة في حضنه قوي بإحساس صادق نابع من جواها باللي زلزل كيانه وخلاه بقى مش قادر يمسك أعصابه معاها:
ـ ياريت حضنك كان مدينة وليا عقد ايجار فيها حتى كنت أسكنها مدى الحياة واقفل بيبانها علي ومهخليش بمفاتيح واقفال وارمي نفسي جواها واهرب من العالم كلاته وأستكفى بحضنك .
خرجها من حضنه وهو حاضن وشها بين ايديه تاني وبيعترف لها هو كمان، والاتنين نفس معنى النظرات، نفس إحساس الفقد، نفس إحساس الاحتياج، الاتنين بيجربوا مع بعض مشاعر لأول مرة يحسو بيها وجواهم قد ماهو مرتاح ومطمن في اللحظة دي قد ماهو خايف ومرعوب من لحظة فقدانها، وعند قلبه وعقله ما جم للنقطة دي انها ممكن تضيع من بين ايديه بعد ما لقاها وجرب معاها احساس الحب اللي اول مرة يدق بابه في اللحظة دي بالذات:
ـ هعترف لك اني كمان إني لو حضنك دي كان نهر وأني عطشان هقرب منيه واغرق حالي جواه واحس بنعيمي جواه، على فكرة أني زيك تمام معرفش يعني ايه قرب حبيب من حبيبه وانتي خابرة زين “دعاء” والبيت كلاته اهنه عارفها وعارفين كد ايه هي صلبة وجامدة من جواها، يعني مش انتي لوحدك اللي اتحرمتي من معنى الحنان، أني نفسي أعرفك بعيون تانية يا “نغم”، اعرفك بعيون غير اللي خلتنا نتجمع مع بعض ونُبقى في الموقف دي، نفسي اني وانتي ندي فرصة لبعضنا إننا نتعمق جوانا وكل واحد فينا يخرج للتاني كل اللي في قلبه بدون خوف ولا رعب من اي حاجة ولا حتى من اللي جاي، ايه رأيك؟
ابتسمت له وهي بتهز راسها برضا عن كل اللي قاله، واخدها من ايديها ودخلوا البراندا اللي بتطل على أرضهم من ورا علشان يعرفوا يقعدوا ويحكوا مع بعضهم من غير ما حد يقلقهم ولا يحسسهم أنهم بيعملوا حاجة غلط، وكل واحد فيهم قعد يحكي للتاني عن كل حاجه عنه وعن اللي بيحبه واللي بيكرهه واللي محتاجه واللي مش محتاجه واللي نفسه فيه واللي مش نفسه فيه لحد ما ناموا على نفسهم مكانهم، ما كانوش عايزين يفارقوا بعض حتى في نهاية اليوم، وكانت بالنسبة لهم الليلة دي زي ليالي ألف ليلة وليلة اللي الملك كان بيقعد فيها جنب الملكة وهي تقعد تحكي له الحواديت وهو يسمع لها وفي آخر الليل يناموا على حكاوي بعض وهما في حضن بعض وناسين الزمان والمكان والناس وكل اللي فاكرينه انهم مش قادرين يبعدو عن بعض.
*******
كان مستغرب جدًا بعد ما خلّص صلاته، ولما شاف صاحبه الشيخ “صالح” بصّ له بنظرة غريبة، أوّل مرّة يشوفها منه، وسابه ومشي من غير ما يتكلم معاه،
قام بسرعة ولحقه بعد ما خرجوا من المسجد، وهو بينادي عليه:
ـ ـ “شيخ صالح” جرى ايه يا جدع بقى، داي مقابلة تقابلها لي بعد رجوعك من السفر ست شهور كاملين ما شفتش صاحبك فيهم، فين الحضن؟ وكمان ما كلمتنيش علشان نتقابل زي كل مرة، هو أني مزعلك في حاجة واصل يا شيخنا؟
ردّ عليه الشيخ “صالح” وهو ماسك سبحتُه في إيديه وبيستغفر ربنا، بس مش قادر يكتم في قلبه اللي سمعه:
ـ هو انت كنت عِملت حساب للصحوبية يا “سند” ؟! ولا عِملت حساب لربك في العملة الهباب اللي انت عِملتها واللي ما تليقش عليك كراجل صَعيدي هيحترم دينَه وهيحترم ربَه؟
“سند” لحد دلوقتي مستغرب الشيخ “صالح” وكلامه، وما يعرفش هو يقصد إيه، ولكن قرب منه وسأله بصوت واطي عن مقصده علشان يفهم طريقة كلامه ومعاملته معاه متغيرة كده ليه:
ـ وه يا “صالح” هو الموضوع كبير قوي اكده؟! طب ما تاجي نقعد في اي مكان وتفهَمني مقصدك إيه لأني ما فاهمش أني إيه الجريمة اللي عِملتها علشان خاطر تتحدت وياي بالشكل دي؟
ومشيوا هما الاتنين وراحوا في مكان جانبي بعيد عن أي حد المكان اللي متعودين يقعدوا فيه لما يكون فيهم واحد عنده مشكلة،
“سند” و”صالح” أصحاب جداً من وهما أطفال صغيرين ، وأول ما وصلوا بدأ الشيخ “صالح” يعاتبه:
ـ بقى أرجع من السفر الاقيك متجوَز محلل يا “سند” ، رضيتها على حالك كيف يا صاحبي وانت عارف ان الموضوع دي حرام ومن أكبر الحرام كماني؟
“سند” استغرب من كلامه وسأله لأنه ما يعرفش تفاصيل عن المحلل زي ما الناس بتعمل عادي الموضوع ده بالنسبة لهم، ده غير طبعا ان السؤال جرحه جدا وهو ده اللي كان خايف منه بسبب الجوازة دي، وما كانش عايز يعمل الموضوع ده كله بسبب الأسئلة والنظرات اللي الناس هتلومه عليها:
ـ أني مفاهمش حاجة يا شيخ ممكن تفهمني حرام كيف و ربنا اللي حلله في القران الكريم إن المطلقة من جوزها تلت طلقات لو عايزه ترجع لطليقها تتجوَز وبعدين حلال انها ترجَع له عادي.
الشيخ ضـ.ــرب كف على كف وهو بيستهزأ بكلامه وبقى يزوم بغضب ،وجاوبه بالتفصيل:
ـ والله الناس داي أحوالها غريبة يا جدع حتى الدين هيحرفوا فيه على كيفهم وهيتجوزوا ويعيشوا في الحرام ويتطلقوا ويعيشوا في الحرام ويرجعو ويتجوزوا تاني ويعيشوا في الحرام وهما ما فاهمينش يعني إيه جواز وطلاق؟! ويعني إيه حدود شرع الله اللي تتهز لها سبع سماوات؟! هي الدنيا خُربت من شيء شوية.
وكمل كلامه وهو بيفهمه معنى المحلل زي ما ربنا سبحانه وتعالى قاله في القرآن الكريم، وزي الرسول صلى الله عليه وسلم ماوضحه:
ـ المحلل مش معناه إن الراجل يطلق مرتة في ساعة الغضب الطلقة التالتة وبعدين يروح يشوف لها راجل يتجوَزها علشان ترجع له تاني، المحلل له شروط ومن أهمها إن جواز المطلقة ما لهوش علاقة بطليقها نهائيًا، يعني تتجوَز جواز طبيعي على سنة الله ورسولة ولا في نيتة ولا في نيتة إنها بتتجوَز عشان تطلق وترجع لطليقها تاني، الجواز بيكون طبيعي جدًا بعيد عن الزوج الأول، ولازم إن يدخل بها، واذا ما ارتاحتش مع الزوج التاني وشافت إن الحياة بينهم مستحيلة ومقدراش تكمَل وياه، والأسباب تكون بَعيدة كل البعد عن طليقها الأولاني في عدم ارتياحها في المعيشة، تقدر تطلق، ووقتها الشرع حلل لها إنها ترجع لجوزها تاني.
“سند” برق عينيه بـصدمة وهو بيسمع كلام الشيخ وما كانش متوقع ان ده حكم الشرع زي ما ناس كثير جدا مش عارفين حكم الشرع في الموضوع اللي زي ده وساله:
ـ يعني ايه موقفي يا شيخ من الجواز داي، والله العظيم أني كنت رافض، واخوي خطف بنتة وبهدل مرته وعراها في الشارع، وكل يوم هيجيب لنا فضيحة، وآخر مرة كان ماسك ولده بالسكينة كان هيجيب أجله وهو شارب وعميان، وابوي هو اللي أمرني إني اتجوَزها علشان أمنع الفضايح وخوفًا على العيال منيه، وخصوصًا إنه هيعمل بلاوي للناس كلاتها وما هيهمهوش حد واصل، وعِنده استعداد يحارب أي حد يقابله ويموته كمان، اخوي مجنون وأني خابرة، وانت كمان يا شيخ خابرة زين وعارف قد ايه هو كان هيعمل مشاكل وانت كنت هتتدخل فيها وبرضه ما كانش ليها حل، وكان كل يوم والتاني يجيب لمرتة رجالة ويعرضها عليهم وبهدلها آخر بهدلة، والحوار مش شكل ما انت فاهم عاد.
الشيخ “صالح” اتنهد وهو بيسأله عن تفاصيل الجواز:
ـ طب انت اتفقت وياه على ايه يا “سند” في الموضوع دى؟
“سند” كان غضب الدنيا في عينيه، بيتنفّس بسرعة بسبب كلام الشيخ “صالح”، وحاسس إن كرامته كراجل وكبرياؤه انهدروا في الأرض بسبب أخوه، وهو طول عمره بيتضرب بيه المثل في الأخلاق والرجولة والشهامة، وبدأ يحكي التفاصيل:
ـ اتفقت وياه إني هتجوزها سنة، وهو في السنة داي ما يكونش موجود فيها ويبعد عن البلد نهائيًا وما يجيبش مشاكل، وبعد السنة يحلها الحلال.
هنا الشيخ “صالح” قرّر إنّه يوقّف المهزلة دي، ويعرّفه إنّ ده حرام، ويعرّفه الصحّ اللي لازم يعمله في الموضوع ده:
ـ شوف يا “سند” لو طلقتها دلوك اخوك هيرجع يغصبها إنها ترجع له ومفكر إن اكده حلال، وما حدش في الدنيا داي هيقدر يقف قصاده ويوقفه عن الرجوع ليها، وهيُبقى حرام في حرام، وهو مقتنع من جواته إنها خلاص طالما اتجوَزت يُبقى الرجوع حلال، وفي الوقت داي انت ما ينفعش تطلِقها وما ينفعش تعيش وياها على إنك مؤقت في حياتها وترجعها لها تاني، الحل لازم إنك تدخل بها دخولًا طبيعيًا كزوج وزوجته في نيتكم إنكم تكملوا حياتكم مع بعض بعيدًا عن اخوك نهائيًا، وهو داي حكم الشرع، حتى لو طلقتها علشان خاطر ترجع له رجوعها من اخوك حرام بعد ما دخلت بيها، لأنك في الوقت داي هتكون نفذت المحلل بطريقة حرام كيف ما الناس ما فاكراه، يعني انت يا صاحبي لازمن تتعامَل وياها على إنها زوجة تانية، وعلى إنها جوازة طبيعية بعيدًا عن أي حوارات في دماغ اخوك ووالدتك اللي أكيد هتقف جار اخوك زي كل مرة.
أوّل ما الشيخ خلّص كلامه، “سند” حسّ إن هموم وجبال الدنيا كلّها طبقت على صدره، وما بقاش عارف يعمل إيه ولا يتصرّف إزاي، والدنيا كلّها بقت في عينيه أضيق من خرم الإبرة، لإنه عارف إن أخوه مش هيسكت، وإنّها هتقلب نار ودمار، ولا أمّه هتسكت:
ـ انت عارف يا شيخ كلامك داي هيعمل ايه بيني وبين اخويا وامي، وهيعمل ايه لما يرجع يقول لي أني عايز مرتي نفذ الاتفاق اللي اتفقت وياي عليه؟ هعمل ايه وقتها يا شيخ؟ داي نار هتفتح على الكل، ما حدش هيقدر يطفيها لو مين بالذي انت عارف، “سمير” وجبروته وقله عقله، وكمان هيمشي يشيع في البلد أني اخدت مرتة منيه، وإنه له في رقبتي وعد وعهد ما هنفذوش، وهيفتكرني خاين الوعد.
الشيخ “صالح” رد عليه بحزم:
ـ شوف يا “سند” الرسول عليه الصلاة والسلام قال المؤمنون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرّم حلالًا، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وشرع الله ما فيهوش اخوي ولا ابوي ولا قريب ولا غريب، شرع الله فيه حدود لازم إنها تتنفَذ، وخصوصًا في أمور النسب والجواز، ما يُبقاش عيشتك في الحرام وعيشة أخوك في الحرام وتاجي أطفال في الدنيا من الحرام بسبب قلة عقول الناس، وزي ما كنت هتُقف له بالمرصاد في كل حاجة، لازمن تقف له بالمرصاد في الموضوع داي بالذات، وأني وياك ما هسيبكش، أني وشيوخ البلد والعمدة كمان.
“سند” بقى قلبه بيدق بنبضات سريعـة بسبب اللي هيحصل، وأبواب الشرّ اللي هتتفتح عليه من “سمير” وعلى “نغم” وولادها، وعلى ولاده هو كمان، وغير ده كلّه من أمّه اللي هتقف له بالمرصاد هي كمان في الموضوع ده، وشكل اللي جاي عاصف على الكلّ، ودلوقتي بقى هو مُجبر بشرع ربّنا إنّه ينفّذ حكم الشرع في جوازه من “نغم”، وإنّه لازم يدخل بيها بنيّة العيشـة الحلال والستر ما بينهم همّ الاتنين، ومش عارف هيجيب بال منين يعيش وياها زيه زي أيّ راجل وستّ، وهو بيفكّر في اللي جاي واللي ما يبشّرش بالخير أبدًا، وسأل الشيخ بتوجس :
ـ طب دلوك يا شيخ أني أعرِف إن ما بني على باطل فهو باطل، اكده عقد جوازي منيها باطل ولا ايه مفاهمش حاجة دلوك ؟
جاوبه الشيخ بالتفصيل علشان يكون على علم وراحة :
ـ شوف يا “سند” إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ، انت كتبت العقد على يد مأذون بطريقة صحيحة وسليمة وأهلها وأهلكم باركوا وهنوا وكمان العقد مفيهوش شرط بتحديد المدة وإلا اكده يُبقى باطل، وطالما كل دي مش موجود يبقي جوازك منيها مناقصهوش غير انك تفهمها إن اللي حُصل دي حرام وانك لازمن تتمم جوازك منيها ، وكمان لازمن تشيل من نيتها وتفكيرها فكرة الرجوع لاخوك نهائي وانت كمان تعقد النية من جواك انك تدخل بيها على انها زوجتك حلالك بعيد عن اتفاقك وعهدك الباطل دي مع اخوك، وكماني تعيشو ويا بعض اكده قدام العالم كمان .
ـ طب ياشيخ الناس في البلد كلاتها هتتحدت عنيه الموضوع دي واني معارفش اشيل الفكرة الشين داي من راسهم كيف ؟
ـ بسيطة يا “سند” أخرج بيها قدام الخلق ويدها في يدك، عرف الناس بالطريقة انها تخصك، وكمان تعقد النية إنك تخلف منيها وداي نصيحتي ليك خوك لو رجع ولقاها شايلة عيلك في بطنها هيتهد شوي ومهيقدرش يتحدت واصل واها اديك بتكسب وقت على ما خوك يستوعب هو ووالدتك ، انت هتتعب وهتعاني وهتشوف العجب وأني عارف بس انت حطيت حالك بين قاب قوسين أو أدنى.
وكمل كلامه بخفة وهزار وهو بيدخل السرور على قلبه لأنه شايف توتره و عصبيته:
ـ وبعدين يا جدع انت صحتك عال العال الله أكبر هتكفي مرة وتنين ، واحدة تزعلك التانية تتمنى رضاك، وهتهيص في العسل وارمي ورا ضهرك بلا “سمير” بلا عز الدين .
ابتسم “سند” على دعابة صاحبه الشيخ “صالح” وقال:
ـ الله يحزك يا شيخنا والله ضحكتني وأني الهم والحزن مالي قلبي .
ـ اضحك يا عم وطول ما انت ماشي بنور الله هيخرجك من أشد الضيق ومتقلقش أني مهسافرش غير لما اطمَن عليك وهتلاقيني جارك في كل ضيقة ، بس الاول قول للحاجة إني هاجي لها بكرة بعد صلاة الجمعة وخليها تطبخي لي المحشي والملوخية اللي هحبهم علشان هتحدت وياها في الموضوع دي ومهفوتهاش إلا وهي مقتنعة .
ـ تفتكر يا شيخنا هتقدر تقنع الحاجة “رابحة” وتزحزح تفكيرها انت خابر زين إن الموضوع لما يتعلِق بـ”سمير” اخوي بتُبقى دماغها دماغها يابس كيف؟
ـ متقلقش وعلى رأي المثل الزن على الودان ، ماهو شرع الله مفيهوش تهاون واحنا بينا عيش وملح سنين ولازمن تقتنع مهما حاولت تعاند اني وراها .
ـ على الله التساهيل يا شيخنا.
ـ الله يسهل لك انت يا صاحبي النهاردة ليلة الخميس شد حيلك ونفذ شرع الله علشان تكون مستريح وربك ميُبقاش غضبان عليك واصل.
******
دخلت الجامعـة، والبنات كلّها عمالة تبصّ عليها ويضحكوا، الشِلّة اللي دايمًا بتبعد عنها واللي دايمًا ما بتحبّش تجتمع معاهم في أيّ مكان، لكن من ساعة ما دخلت وهي حاسّة بنظراتهم الغريبة وتنمّرهم عليها، وكالعادة سابتهم ومشيت، لإنّها ما عندهاش وقت تضيّعه مع الشِلّة دي، لحدّ ما “نانوا” صاحبتها الإنتيم شدّتها من إيديها وهي بتسألها:
ـ إنتِ يا “مهرة” مش حاسّة بحاجة غريبة في الجامعـة النهارده؟ أنا قلت إنّك عارفة اللي بيحصل حواليك، ما إنتِش شايفة البنات كلّهم والشباب عمالين يبصّوا لك إزاي؟
“مهْرَة” استغربت من كلامها، وهي مش فاهمة معناه ولا عارفة تقصد إيه:
ـ يعني ايه يا “نانو” مقصد كلامك؟ أني ما فهماش حاجة واصل، وبعدين ما انتِ خابرة زين البنات اهنه ما هيبطلوش تنمّر على اللي رايح واللي جاي، وأني عامله مشاكل وياهم كلاتهم، وبصراحة اكده ما فاضياش ليهم عاد.
“نانو” بلعت ريقها وسألتها بخجل وهي بتتلجلج في الكلام:
ـ إنتِ كنتِ قلتي لي قبل كده إنّك شغّالة علشان تقدري تصرّفي على نفسك، ممكن أعرف إنتِ بتشتغلي إيه؟
“مهْرَة” اندهشت من سؤالها، فردّت عليها بسؤال تاني:
ـ ايه السؤال الغريب داي يا “نانو”، ومالك انت بشتغل ايه ولا مش بشتغل؟ احنا اصحاب بس، داي خصوصيات ما ينفعش حد يتدخل فيها ولا يسألني عليها، كيف ما انتِ ليكي خصوصيات أني ما هسألش عليها واصل.
ضمّت صاحبتها شفايفها بضيق وفهمت إنّ “مهرة” ما تعرفش أي حاجة عن موضوع الفيديو المنتشر في الجامعـة كلها. طلعت موبايلها وهي بتعتذر عن سؤالها، لإنّ “نانوا” متربيّة جدًا، وهي صاحبة “مهرة” الوحيدة، والوحيدة اللي “مهْرَة” تثق فيها في الجامعـة كلها.
ـ يبقى إنتِ ما تعرفيش حاجة عن الفيديو؟ أنا والله ما أقصد أسألك أي سؤال محرج، ولا أقصد أتدخل في خصوصياتك، بس إحنا أصحاب وما ينفعش أشوف فيديو زي ده منتشر في الجامعـة وما تشوفيهوش، لازم تعرفي كل حاجة بتحصل حواليكِ.
“مهرة” كانت مستغربـة، فيديو إيه اللي بتتكلم عنه، والحوار كله غريب بالنسبه لها. ولحد دلوقتي طبعا ما كانتش فاهمة حاجة، لإنها ما تعرفتش وما دخلتش جروب الجامعـة عشان تعرف عن موضوع الفيديو كمان، اللي انتشر النهارده بسرعة الصاروخ في الجامعـة كلها.
وأول ما وريتها الفيديو، “مهرة” برّقت عينيها بصدمـة من اللي شافته؛ مصورينها وهي شايلة الصندوق على رقبتها وبتلف بين الإشارات تبيع مناديل ورفايع، وكاتبين كمان كلام سخرية عنها، وعن إنها ما تشرفش وجودها في الجامعـة، ولا إنها المفروض تكون في مكانة مرموقة زي اللي موجودة فيها في الجامعـة، لأن كل الدكاترة بيقدّروها جدًا لامتيازها وجهدها عن باقي أصحابها،
وهي بتتفرّج على الفيديو ما اهتزتش وابتسمت بفخر ، وادّت الموبايل لصاحبتها، وهي بتسألها بكبرياء وشموخ:
ـ ماله بقى اللي في الفيديو؟ واحدة شغالة وهتصرف على حالها بكرامة وشرف، وعمري ما مديت يدي لواحدة في الجامعة، وعمري ما استقصدت حد في فلوس ولا استلفت حاجة من حد ايا كانت، ايه طول عمري من ساعة ما دخلت الجامعة اهنه، وأني في حالي، وحتى العزومات اللي البنات كانت هتعزمني عليها في أعياد ميلادهم ما كنتش هروحها وكنت برفض أي حاجة من أي حد، مالهم ومال شغلي.
فجأة بصّوا هما الاتنين وراهم، لقوا نصّ الجامعـة تقريبًا واقفة وراهم، واللي صورتها الفيديو جت ووقفت قدامها، وهي بتعرض لها شاشة الموبايل وبتتكلم بسخرية قدام كل اللي واقفين، وكانها ماسكة كنز في إيديها:
ـ مناديل يا باشا، مناديل يا بيه! رفايع يا باشا، رفايع يا ست! يلا مين عايز!
مش كنتِ تقولي لنا يا “مهرة” هانم، يا اللي كنا فاكرينك سلالة الحسب والنسب، إنك بتشتغلي شحاتة بين الإشارات؟ عشان كنا نيجى ننفعك ونشتري منك بدل ما إنتِ ماشيـة تمدي إيدك للغريب؟ أصحابك أولى بيكي، وإحنا على الأقل هنكرمك ونديكي فلوس زيادة عشان إنتِ صاحبتنا برده.
“مهرة” ما اهتزتش من كلامها، ولا حتى اتوجعت من جواها، لإنها شايلة قلبها من زمان ومحكمة عقلها في كل تصرفاتها وفي كل ردود أفعالها على أي حد يفكر يقف قدامها. قربت منهم، وهي بتربع إيديها حوالين صدرها ورافعـة راسها بكبرياء وشموخ، وردّت عليها باللي أفحمها:
ـ بصراحة ما يشرفنيش أبيع لحد زيك، أني كل زبايني ناس محترمة هتقدر اليد الشقيانة، وبعدين مبخصكيش ولا انتي ولا قطيع البعير اللي سايقاهم وراكي دول علشان فاكرة حالك هتكسريني بالفيديو الأهبل دي.
وكملت كلامها بقوة وهي بتبص لهم بنظرات حادة ومرعبة زي نظرات الصقر لدرجة إنهم استغربوا جدا من نظرة القوة اللي في عينيها وإنها متهزتش ولا انهارت من فضحيتهم ليها، وهبت في وشهم شكل ما يكون الأسد المحبوس خرج من عرينه :
انتِ ما تعرِفيش مين هي “مهرة الحناوي” اللي قدامك داي، هتشتغل من وهي عيلة صغيرة علشان تصرف على نفسها وعلى أمها المريضة، وسبت بلدي في الصَعيد وجيت اهنه، قلت مصر وأهلها بلد الكرم وبلد الخير، بس لما جيت ودخلت الجامعة والسنين اللي فاتت اللي قضيتها اهنه وياكم شفت في عيونك انتِ واللي حواليك دول الغل والكره والحقد من واحدة احسن منكم كلاتكم الف مرة، كفاية إني هطلع من الاوائل عليكم، وكفاية إن دكاترة الجامعة كلاتهم هيقولوا لي نفسنا بناتنا يبقوا زيك، أني عمري ما مديت يدي لواحدة فيكم ولا عمري شفت نفسي اقل منكم، وإن كنتِ هتعملي الحفلة داي كلاتها علشان تكسريني فوقي لنفسك، “مهرة” ما هتنكسرش واصل وهفتخر بأصلي وشغلي، وهديكم كمان عناوين الإشارات اللي هشتِغل فيها كل يوم، وتعالوا صوروني كيف ما هتصوروني واعملوا كيف ما هتعملوا، همشي رافعة راسي وهشتغل وهنجح وهسبقكم وهكون قبلكم، والاولى دايما يا بتاعه بابي ومامي، وهدوس عليكم بجزمتي علشان أني شيفاكم أقل من أقل صرصار .
وكملت كلامها بنفس القوة وهي بتشاور بايديها باستحقار على اللي واقفين كلهم:
ـ ويكون في علمكم كلاتكم ان سمعت حد فيكم هيجيب سيرتي في الجامعة الله الوكيل لهساوي وشه بالأرض، واتقوا شر الحليم إذا غضب، أني ولا فاضية لكم ولا فاضية لقلة أدبكم ولعدم ربايتكم، وعلى رأي المثل الكلاب تعوي والقافلة تسير وأني القافلة شوفوا بقى انتم تبقوا مين .
خلصت كلامها، وأدّت لهم ضهرها وهي حاضنة كتبها بين صدرها ورافعـة راسها بشموخ وكبرياء، خلتهم كلهم يقفوا يضربوا كف على كف، ومن جواهم مرعوبين من كلامها ونظراتها وطريقتها، وطلعتهم قليلة قوي في نظر نفسهم، بقوا يبصّوا للي بعتت لهم الفيديو نظرة استحقار، وفي منهم اللي راح وراها عشان يعتذر لها ويقول إنهم ما كانوش فاهمين، لكن هي كانت ماشيـة في طريقها لقدام، وسايبة اللي وراها بيعتذر، وحتى ما بصتلهمش، لإنها مقرّرة إنها عمرها ما تبص ورا أبدًا مهما كان، ولا تسامح اللي يجرحها مهما اعتذر،
ودخلت للمحاضرة، وطبعًا كانت الدكتورة قدامها وقت قبل ما تيجي، طلعت على المنصّة مكان الدكتورة، وكان كل الطلاب اتجمّعوا، مسكت المايك ورمّت عليهم السلام بابتسامة وبشاشة أدهشت اللي كانوا واقفين بيتريقوا عليها من شوية، وكانوا مفكرين إنهم هيكسروها، وهي بتبلغهم:
ـ مساء الخير عليكم، دلوك أني خلصت تلخيص المادة اللي هتعمل لكم رعب “علم التشريح”، ملخصها التلت كتب بتوعها وكمان كل المحاضرات اللي الدَكتورة اديتها لنا بالتوجيهات اللي فيها، وعملتها المذكرة اللي طلبتوا مني، وأني طبعا استأذَنت من الدَكتورة وقالت لي إن أني اعملها لكم. دلوك هتتفضلوا تحجزوا وياي، والحجز بالدفع، وكل اللي هتحجز فيكم نسختها هتوصل لها بكره، وخلي بالكم ما حدش هيعرف يصور غير من النسخ الأصليه بتاعتي، لأنكم لو صورتوا من بعضكم، الكتابة هتطلع مشوشة عندكم، واظن داي تعبي ومن حقي إنكم تقدروني فيه.
طبعًا المادة دي مسبّبة لهم رعب شديد، لإنها تلت كتب وكمان صعبة جدًا، ودي كانت بالنسبة لهم المادة الماستر اللي ممكن يشيلوها بسبب صعوبتها، فكلهم قربوا منها والتفّوا حواليها، وهم بيحجزوا معاها، وملهوفين كمان على إنهم ياخدوا منها التلخيص للمادة،
و”مهرة” اندمجت معاهم، ولا كان أي حاجة حصلت من شويه، وبقت تاخد فلوس الحجز اللي هي طالباها فقط، بدون زيادة، ولو جنيه واحد هي ما بتاخدش، غير حقها اللي تعبت فيه. وده اللي خلى البنتين اللي فضّحوها يفضلوا واقفين مصدومين، إنهم شايفين كل ده متجمّع حواليها، بالرغم من إنهم كانوا مفكرين إنها هتنكسر وهتوطي راسها في الأرض بسببهم، وكل البنات هينبذوها لدرجة إن الناس كانت ممكن تتعقّد وما تجيش الجامعـة تاني، ويخلصوا منها،
وهم اللي بقوا واقفين في الجنب، منبوذين.
*******
ـ ايه دي معقولة داي “شيماء” أم نضارة كعب كوباية اللي كانت هتلبس بنطلون رجل الفيل هيطل من تحت الجيبة ؟!
ردت التانية وهي بتبص عليها من بعيد :
ـ تصدِقي عندك حق ، البت شكلها اتغير تماماً، وهتلبس لبس كيف ما احنا هنلبس واحسن كماني،اتعلَمت تلبس وتجيب منين الحاجات الحلوة داي ؟
ردت واحدة تالتة وهي بتحذرهم:
ـ بس انتي وهي مش فاكرين اختها لما شافتها في المتحف وهبت في وشكم ، فككو من “شيماء” لا احسن اختها تاجي تفرج عليكم الجامعة تاني وتتفضحوا تاني .
اتكلمت واحده تانية:
ـ “شيماء” اللي هتتحددوا عنيها داي وهتتريقوا على خلقتها البت “هند” شافتها وهي بتغير في المتحف بتقول لك شعرها كيف الحرير وأسود سواد الليل، ورقبتها بيضا كيف القشطة، يعني هي مخبية ورا اللبس الواسع دي جمال مش في واحدة فيكم نهائي.
كان واقف من بعيد بيسمع الحوار بتاعهم ومن كلامهم ركز مع “شيماء” وهيئتها وبقى بيبص لها بنظرة إعجاب مليانة مكر، فقرر يقرب ويجرب الصنف اللي شكل “شيماء” ويضمها من ضمن البنات اللي ضحك على عقولهم، وخصوصاً إن “شيماء” من البنات الخام جداً وهو عمره ما جرب النوع ده زي “شيماء” نهائي، وكلام البنات عنها خلاه قرر وماشي بخطواته الماكرة ناحيتها علشان يصطاد الغزالة الجديدة المتخبية ورا ستار الحشمة ،
وصل عندها كانت قاعدة بتراجع المحاضرة اللي أخدتها، وقف على مسافة محسوبة، لا قريبة قوي ولا بعيدة، كإنه داخل في إطار رسمي جدًا، وصوته طالع هادي ومتزن:
ـ مساء الخير يا آنسة “شيماء”.
رفعت راسها بسرعة، أول ما سمعته، اتفاجئت
قامت تقفل الكشكول نص قفلة، واتعدلَت في قعدتها تلقائي وردت عليه:
ـ مساء النور يا دكتور، بخير الحمد لله.
هز راسه بابتسامة خفيفة، ابتسامة دكتور شاطر في إخفاء نواياه:
ـ مش محتاجه تقفلي المراجعة ، أني مش جاي أعطلك اني هعرفك سوسة مذاكرة ومراجعة ومهتحبيش تضيعي وقت .
قالها بنبرة لطيفة، بس فيها سلطة ناعمة،
إيديها فضلت ماسكة القلم، ومشدودة شوية، ومستغربة من طريقته اللطيفة ومبادرته في الكلام معاها:
ـ اصل كنت معدي ولقيتك قاعدة لوحدك، وافتكرت لا تكوني محتاجة حاجة في السيكشن اوضحها لك .
اتوترت من كلامه واهتمامه الغريب ونظراته وعرضه للمساعدة:
ـ آه… لااا، الحمد لله ممحتجاش حاجة .
بص على الكشكول، مش مباشرة، كإنه مهتم بالمادة مش بيها، علشان ميبانش إنه بيرسم عليها:
ـ واضح إنك بتركزي قوي، معظم الطلبة بيجروا على الكافيه بعد المحاضرة وكأنهم كانو في المعتقل .
ابتسمت ابتسامة خجولة، وجاوبته بهدوء :
ـ بحاول مضيعش وقت علشان المواد صعبة شوي، علشان مستواي ميقلش .
رفع حاجبه بإعجاب خفيف وبيتعامل معاها بتقل:
ـ ودي نادر جداً في ان بنت تهتم الاهتمام دي كلاته بمذاكرتها، واني متعاملتش مع بنات جد قبل سابق زيك اكده.
سكتت ومعرفتش ترد على كلامه، حسّت إن كلامه أكبر من مجرد تعليق عادي،
قعد على الكرسي اللي قدامها، من غير ما يستأذن، وفجأة قلبها دق من طريقته دي ولحد دلوقتي مش قادرة تفهم ، وقال لها:
ـ تعرفي…
وقف شوية، وكمل:
ـ أني دايمًا بستغرب الطلبة اللي شبهك.
ـ شبهي؟
قالتها بتردد، وكمل هو :
ـ آه. الهادية، اللي بتقعد في آخر القاعة فاكرة إن محدش واخد باله منها.
بلعت ريقها وردت عليه :
ـ يمكن علشان مش بحب الفت النظر ليا ، وكمان هحب ابعد عن اللي هيأذوني بنظراتهم ولسانهم السليط.
ميل بجسمه لقدام وهو بيحاول يجر كلام معاها:
ـ بس دي غلط يا “شيماء” مينفعش تُبقى ضعيفة والمفروض ما تسمحيش لحد يهينك حتى لو كان مين .
رفعت عينيها له، بسرعة، وبعدين نزلتهم تاني :
ـ أني شخصيتي انطوائية شوية، ومهعرفش ادافع عن حالي، بس الحمد لله أني زينة وليا ملايكة هتدافع عني .
ابتسم بمكر ورد عليها:
ـ واضح انك هترضي بقليلك، علشان كلمة كويسة داي مش كفاية.
سمعت نصيحته وحاولت تواجهه هو الأول لأنه كان من ضمن المؤذيين ليها :
ـ هو حضرتك عايز ايه بالظبط وايه اللي انت رايده من ورا الحوار دي وياي ، إذا كنت حضرتك من ضمن اللي كانو هيأذوني نفسياً.
اتحمحم وهو بيحاول يمثل الخجل ورد عليها:
ـ طب اني عرفت غلطي وجيت اعتذر عن طريقتي وياكي قبل سابق ونفتح صفحة جديدة ونُبقى اصدقاء ايه رأيك.
كانت متوترة جدا واعصابها مهزوزة بسبب نظراته ليها، وردت عليه وهي موافقة على عرضة بطيبة :
ـ تمام يا دكتور اني موافقة نفتح صفحة جديدة.
ـ عاش قوي يا “شوشو” تسمحي لي ادلعك عادي احنا بقينا صحاب، وعلشان اكده حابب اقول لك ان ضحكتك قمرر، وقلبك طيب قوي وأني هحب أصحاب القلوب الطيبة جداً.
ابتسمت بخجل على كلامه وغزله المبطن وهو شاف الابتسامة حس من جواه إن طريقه معاها سهل جداً ومش هتاخد في ايده غلوة .
*******
كانت قاعدة ببجامة بنص كم وشعرها مفرود على ضهرها ووشها متزين بالميكب وكانت طلتها ولا طلة القمر وريحتها الحلوة سابقاها،
سمعت جرس الباب بيرن ، قامت تفتح بصت لقت رابحة في وشها، احساس الخوف اتملك منها وحاسة إن رجليها مش شايلاها وخصوصاً لما سمعتها بتتكلم بتريقة وهي بتبص لها من فوقها لتحتها بنظرتها الكريهة….
رواية النغم الحزين الفصل السابع 7 - بقلم فطيما يوسف
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
أنا امرأةٌ وضعني القدرُ في طريقِ الشوكِ، فمَدَدْتُ قَدَمَيَّ دونَ وَهَنٍ،
تَعَلَّمْتُ أن أَمْشِي على الجِرَاحِ بثباتٍ، وأن أُخْفِي أَلَمِي خَلْفَ صَمْتٍ شَامِخٍ،
لَمْ أَنْحَنِ لِرِيحٍ، وَلَمْ أَسْقُطْ أَمَامَ عَاصِفَةٍ، بَلْ ازْدَدْتُ صَلَابَةً كُلَّمَا اشْتَدَّ الْوَجَع والألمِ،
صَهَرَتْنِي المِحَنُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا أَقْوَى، لَا أَشْكُو وَلا أَسْتَجْدِي أحداً مهما طال الزمنِ،
حَتَّى لَقَّبُونِي بالمرأة الْحَدِيدِيَّةِ، لَا لِقَسْوَةٍ قَلْبِي، بَلْ لِأَنَّنِي لَمْ أَنْكَسِر أبداً وأسير خطواتي بأملِ،
أَحْمِلُ أُنُوثَتِي كَرَايَةٍ، وَقُوَّتِي كَسَيْفٍ، وَكِبْرِيَائِي كَدِرْعٍ ولم أنظر ورائي بعزمِ الهممِ،
وَأَمْضِي فِي دَرْبِي وَرَأْسِي مَرْفُوعٌ، أَعْلَمُ أَنَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ رحمِ الْأَلَمِ، لَن يَهْزِمُهُ شَيْءٌ أبدا .
✍️✍️✍️
كانت قاعدة ببجامة بنص كم وشعرها مفرود على ضهرها ووشها متزين بالميكب وكانت طلتها ولا طلة القمر وريحتها الحلوة سابقاها،
سمعت جرس الباب بيرن ، قامت تفتح بصت لقت “رابحة” في وشها، إحساس الخوف اتملك منها وحاسة إن رجليها مش شايلاها وخصوصاً لما سمعتها بتتكلم بتريقة وهي بتبص لها من فوقها لتحتها بنظرتها الكريهة:
ـ والله ونضفتي وبقيتي تلمعي ولا نجوم السيما يا بت حناوي بعد ما كنتي مقشفة والجلابية السودا ما هتتقلعش من على جتتك.
وكملت كلامها وهي بتزق الباب وهي واقفة وراه:
ـ ايه هتفضلي واقفة متنحة لي كَتير ومش هتقولي لي اتفضلي والله، وبقى ليكي مكان قافله عليه بابك ليل ونهار، وما هتساليش على اللي قاعدين وياكي في البيت؟
“نغم” بلعت ريقها بصعوبة وجواها مرعوب وقلبها بيدق من بقى لها كتير مستريحة من طلة “رابحة” ومن كلامها اللي بيسمم بدنها لأن “سند” مانعها إن هي تنزل وتروح لامه علشان مش عايز مشاكل ما بينهم هم الاتنين ولا عايز حد يسمع بيهم زي ما كانت عايشة مع “سمير” والدنيا كلها كانت بتسمع بيها كل يوم وفتحت الباب ورحبت بيها:
ـ لااه طبعا كيف؟ اتفضلي يا حاجة البيت بيتك ومحدش يقدر يمنعك تاجي بالليل أو في نص الليل.
دخلت “رابحة” وعلى وشها علامات النفور من “نغم” وأول ما قعدت طلبت منها بكبر وهي حاطة رجل على رجل في وشها:
ـ ايه هتفضلي واقفه متنحة لي كَتير ومش هتقولي لي اتفضلي والله، وبقى ليكي مكان قافله عليه بابك ليل ونهار، وما هتساليش على اللي قاعدين وياكي في البيت؟
“نغم” حركت راسها بموافقة وجواها بيدق بخوف ورعب من طريقة “رابحة” وكلامها ونظراتها ليها ولكل مكان في الشقة شكل ما تكون مستكترة عليها الراحة والنعمه اللي “سند” عيشها فيها ودخلت تعمل لها فنجان القهوة وهي بتدعي إن ربنا ينجيها من “رابحة” ودماغها وشرها وعملته لها وخرجت ناولته لها:
ـ اتفضلي يا حاجة فنجان القهوة كيف ما هتحبي مظبوطة على الشعرة.
أخدت منها القهوة وبدأت تستطعمها وبعد ما لقيتها عجبتها وطلبت من “نغم” إنها تقعد وهدت نبرة الكلام بتاعها شويه لدرجة إن “نغم” استغربت من طريقتها اللي أول مرة تتكلمها معاها بهدوء كده:
ـ تسلم يدك يا “أم محمد” اقعدي جاري عايزاكي في كلمتين على الماشي اكده .
قعدت “نغم” وهي مرعوبة من الكلام اللي هتسمعه واللي هي عارفاه وبدات “رابحة” كلامها بنبرة هادية خالص علشان هي مش عايزه مشاكل مع “سند” بسببها:
ـ قولي لي بقى هسالك سؤال وتردي علي طوالي من غير لف ولا دوران يا بت حناوي، انتِ رايدة ايه من ولادي ولا هتسحري لهم فين علشان اروح المكان داي ينجدنا منيكِ ومن عمايلك، أني جبت اخري خلاص وياكِ.
اتلجلجت “نغم” والخوف والرعب اتملكو منها بسبب نظرات حماتها القوية وبسبب كلامها الشديد وحست إنها هتعيط وهي قاعدة قدامها لكن حاولت تتماسك أعصابها وردت عليها بهدوء:
ـ هو أني كنت عِملت ايه لدي كلاته يا حاجة علشان خاطر تقولي لي الكلمتين دول، هو اني بتاعت اسحار ولا الكلام الفاضي داي، أني من ساعة ما جوزتوني الجوازة داي وأني ما هخرجش من الشقة ولا هروح يَمين ولا شمال ولا هكلم حد ولا هتحدت مع صنف مخلوق واصل.
زمت “رابحة” شفايفها بتهكم وهي بترفع حاجبها باستنكار لكلام “نغم” وجابتها بنظرة من عينيها من فوقها لتحتها وهي بتسألها:
ـ الا قولي لي يا بت حناوي هو ولدي “سند” هيشوفك بهيئتك داي، اصل احنا متفقين إن الجوازة على الورق وبس، ولا انتي ليكي رأي تاني رايدة اسمع منيكِ.
حركت “نغم” راسها برفض وهي بتحاول تلم شعرها ولقت تحجيبه جنبها لبستها على راسها:
ـ لاه، يا حاجة هلبس حجابي وعبايتي وقت ما يكون حدانا اهنه، وبعدين اني ما فهماش حاجة انتي تقصدي ايه بكلامك دي؟
ـ اصل شايفاكِ ما هتنزليش من شقتك، وطلعت عليكي لقيتك متزيَنة كيف العرايس على سنجه عشرة، فأني حابة اقصر الطريق عليكي وافهمك إن اللي في دماغك مش هيحصُل، ما هتقدريش تفرقي بين ولادي ولا تقيدي حبل الدم بيناتهم، وتفضلي على ذمة “سند” وتتحامي فيه، أني اللي هقفلك لو اللي في دماغك داي هو اللي انتِ رايداه.
ـ اني ولا رايدة حاجة ولا عايزة أفرق ما بين ولادك، ولا رايدة جواز من الأولاني ولا رايدة أكمَل مع التاني، كل اللي اني رايداه اني اعيش اني وولادي في أمان بَعيد عن ابنك “سمير” واللي في دماغك يا حاجة ما حصـُلش .
ـ شوفي بقى في حاجة فايتاكي، وقلت اطلع ارميها في حجرك نصيحة مني من الحاجة “رابحة” علشان ما تقوليش إني منبهتكيش يوم ما تحصُل، انتِ دلوك اتجوَزتي راجل تاني غير ابو عيالك، ويوم ما تفكِري تغدري وتكملي في الجوازة داي وتغري ولدك الكبير وتعلقيه بيكي وبدلعك الماسخ وبلبسك والحاجات التافهة داي الموجودة في كل ست وتقدر أي ست تعوضها له، هاخد منك ولادك بحكم من المحكمة علشان اتجوَزتي، لأن أمك ست مريضة وعلى فراش الموت، والمحكمة هتحكم ليه بحضانتهم من أول جلسة، وكمان هاخدهم وهعيش ويا “سمير” في المكان اللي هيعيش فيه، وما هتشوفيهمش تاني واصل لو ما نفذتيش اللي هقول لك عليه.
” نغم” اتصدمت من كلام حماتها وآخر حاجة في الدنيا كانت تفكر انها تسمعها هو التهديد ده وعيونها لمعو بالدموع وهي بتترجاها:
ـ أحب على يدك يا حاجة طلعي ولادي من الحوارات داي واني هعمل اللي إنتي رايداه، بس بلاش ولادي ما ليش غيرهم في الدنيا، والله ما عِملت حاجة من اللي في راسك داي واصل.
ابتسمت “رابحة” بانتصار وهي بترد عليها بقوه وجبروت ماليين صوتها ونظراتها وحتى قعدتها:
ـ حلو قوي بعد اكده ترجعي تلبسي عبايتك السمرا وحجابك على راسك تاني، ما هتقلعيهمش واصل، ومهما يحاول ولدي يقرب منك قيراط تبعدي عنيه أربعة وعشرين وتكرهيه فيكي، وما يشوفش منك إلا النكد والهم والغم علشان يطفش من العيشة وياكي بدري بدري ونخلُص منيه الموال دي، وحاجة كمان اوعاكي تقولي له على الاتفاق اللي بيني وما بينك دي، يا إما ما هخلي لك يا “نغم” وهعمل اللي في راسي وهحـ.ــرق قلبك، كله إلا ولادي إنهم يمسكوا في بعض علشان حرمة.
هزت “نغم” راسها بموافقة وهي مغلوبة على أمرها لأنها ما تقدرش تستغنى عن ولادها ولا تقدر تعيش يوم واحد من غيرهم وهي عارفة إن “رابحة” قوية وممكن تنفذ تهديدها لو ما عملتش اللي هي قالت لها عليه:
ـ حاضر يا حاجة هعمل لك اكده، والله ما هقول لـ”سند” حاجة، بس بلاش ولادي وبلاش تاخديهم مني وتروحي تعيشي عند “سمير”، هو دايما كان هيضربهم وما هيعرفش عنهم حاجة وما هيحنش عليهم واصل، صدقيني أني ما ليش غرض في أني أكمل الجوازة داي، كل حاجة عِملتها علشان خاطر ولادي وكل حاجة هعملها علشان خاطر ولادي، وانتو اللي أجبرتوني عليها الجوازة داي .
ابتسمت “رابحة” بخبث وهي بتطبطب عليها بحنية زايفة:
ـ جدعة يا “نغم” وأوعدك إنك لما تطلقي وترجعي لـ”سمير” هخليه كيف الخاتم في صباعك ويعاملك زين، وما هخليش حد يسمع بيكم تاني واصل، بس اسمعي الكلام وامشي وراي وسيبيكي من “سند” والوعود الواهية اللي هيوعدك بيها، كل داي علشان ينولك، وهو الراجل هيعوز ايه من الست غير جسم يتمتع بيه، وبعد ما يزهق هيقول لها أمك في العِشّة ولا طارت، طول ما أنتي هتنفذي اللي هقول لك عليه طول ما أنتي هتُبقي في أمان أنتي وعيالك.
وكملت كلامها وهي بتأمرها تنزل تخدمها وكل ده علشان تفضل تذلها وتبقى تحت ايديها تستعبدها طول النهار لحد ما يجي عليها الليل تنام مهمودة من كتر التعب:
ـ وحاجة كمان ارجعي انزلي تاني للدار وحشتني ريحة وكلك وغسيلك لهدومي ما حدش هيعرف يعملهم غيرك.
بصت لها ” نغم” بحزن وهي بتعرفها أوامر “سند”:
ـ والله إن كان عليا يا حاجة، إنتِ عارفاني ما هحبش القعدة، بس سي “سند” محرج عليا إني أنزل تحت، وقال لي لو جيتي ولقيتك في الدوار تحت هيبقى يومك مش فايت، لو عايزاني أنزل أعمل لك اللي إنتِ رايداه من عيوني، قولي له يديني الإذن، وأني من النجمة هكون تحت رجليكي.
خلصت كلامها وتهديداتها، وسابتها ونزلت، أما “نغم” فضّلت تعيط وتشهق جامد من الظلم اللي هي حاسّة بيه بسبب حماتها وجبروتها وتهديدها، وشكل اللي جاي وأيامها مع “سند” مش هتعدي بالخير، وقررت إنها تنفّذ اللي هي عايزاه بالحرف الواحد.
*******
راجع من شغله وقلبه بيسبقه قبل خطواته وهو حاسس انها وحشاه جداً ، قعدته معاها اليوم اللي كان بايت عندها لسه حافظها بكل تفاصيلها ومعلمة في قلبه قبل عقله، وخصوصاً بعد كلام الشيخ “صالح” معاه، إنه لازم يقرب منها وانها حلاله ، شكل ما يكون ربنا جعله سبب علشان عذاب ضميره وهو كان بيفكر فيها وفي كل تفاصيلها ليل ونهار،
الليلة اللي فاتت قضاها عند “دعاء” كعادته ليلة باردة بيصاحب فيها وحدته،
وصل أخيراً البيت وطبعاً قبل ما يدخل رن الجرس وبعدين دخل ،
كانت لسه خارجة من المطبخ وسمعت الجرس عرفت انه هو اللي جاي لقيته في وشها، استغرب جداً شكلها، لكن رمى عليها السلام ببسمة صافية:
ـ ازيك ياللي اني من غيرك مهعرفش اشرب شاي ولا قهوة ولا عارف احكي الحكاوي اللي حداي لمين؟ بصي أني من غيرك تايه توهان وكل دي في ليلة واحدة بس.
وكمل كلامه وهو بيغمز لها بشقاوة وكل ده وهو قاصد يفتح معاها مواضيع:
ـ شكلك ليكي تأثير كَبير وبعد اكده مهقدِرش على بعدك واصل .
قابلت طريقته معاها وغزله ببسمة خالية من الروح ووش متصنم قدامه وهي بتشكره بطريقة ناشفة:
ـ متشكرة لذوقك، ادخل احضر لك العشا ؟
رفع حاجبه باندهاش من طريقتها الناشفة:
ـ الله ، إنتي تعبانة ولا حاجة ؟
وكمل كلامه لما لقاها مبتبصلهوش من الأساس:
ـ وبعدين هو احنا مش كنا بطلنا حوار العباية والطرحة اللي على راسك دي يا “نغم” هانم ولا ايه اللي هيدور في دماغك واصل توعيني ليه ؟
دارت عيونها بعيد عنه وهي بتبلع ريقها بصعوبة ومش عارفة ترد عليه بإيه، وعملت نفسها مشغولة بترتيب المكان وجاوبته بصوت واطي وبكلام مختصر:
ـ عادي يعني داي طبيعتي في البيت ودي اللي المفروض يتم بيناتنا يا “أبو مازن” .
ـ “أبو مازن” ! لااااه بقى إنتي فيكي حاجة متغيرة … قالها بتعجب من طريقتها الناشفة معاه في الكلام ومن اختصارها للإجابة وكمان من وقت ما جه وهي بتداري عيونها عنه لقى نفسه بيشدها من دراعها وبقت محاصرة بين ايديه الاتنين وعيونه بتبص لها بنظرة لوم شديدة وسألها:
ـ انتي مالك فيكي ايه بالظبط وحالك انقلب اكده ليه مرة واحدة يا “نغم” ؟
مكنتش قادرة تتكلم ولا تقول له على القهر اللي سمعته من أمه، مش قادرة تبوح وتكشف عن اللي في قلبها وهي عارفة إنه هيريحها، وكل لما تبص له وتشوف في عينيه نظرة الأمان ليها وأنها متخافش تفتكر تهديد حماتها إنها هتاخد عيالها وتحرمها منهم وهي اتحملت ده كله علشان خاطر عيالها :
ـ أني زينة ومفيش حاجة عاد، صدِقني، المرة اللي فاتت ومكنتش بعبايتي وحجابي كانَت صدفة، واحنا بيناتنا اتفاق وأظن انت عارف .
هزها من كتفها ومن جواه حاسس بنار بتشب بين ضلوعه، كان مفكر ان الليلة اللي قضوها مع بعض وهما بيحكوا كل حاجة عن حياتهم هتقرب منهم اكتر، ودلوقتي بالذات وبعد كلام الشيخ نظرة الإعجاب اللي كانت في عيونه ليها اتبدلت لعشق فضاح عيونه ونبضات قلبه بيصرحوا بيها ، غير كلام الشيخ اللي ثبت إعجابه ليها وبنى ليها جواه برهان قوي إنه يقرب وينهل من رحيقها وهو هادي البال ومطمن، وقرب منها وهو مش قادر ميقربش، ثبت نظراته اللي بتتمناها بشدة، ورغبته فيها كل يوم بتزيد عن اليوم اللي قبله وهو بيحضن وشها بين ايديه، وبيهمس لها برجاء:
ـ أني مفاهمش إيه سبب تغييرك دي يا “نغم”، ولا هفهم ليه رعشة جسمك داي دلوك وانتي بين يدي، أني كنت جاي ملهوف لقعدتنا وسهرتنا سوا كيف أولة امبارح ، كنت هاجي ملهوف اني أطلع لطلتك البهية، آجي الاقاكي مهمومة وملتمة حالك اكده.
وكمل كلامه وهو بيشاور على المكان حواليهم:
ـ انتي اهنه هتعيشي في مملكتك محدش هيعيش وياكي فيها، البسي اللي على كيفك واللي يحلى لك، البسي اللي هيريحك .
وفجأة لقى نفسه بيرفع ايديها وبيبوسها برقة زلزلتها وخلت أعصابها سايبة، وكمل كلامه بصوت مبحوح وهو بيسألها:
ـ طمنيني جرح يدك عامل ايه دلوك، وكمان ليه هتنضفي بنفسك هي البت اللي بعتها لك الصبح علشان تشوف طلباتك مخلتيهاش تعمل اللي انتِ رايداه ليه وانتِ تقعدي كيف البرنسيسة تعملي اللي هتحبيه.
مكانتش قادرة تقف قصاده ولا قادرة تقاوم نظرات عيونه ولا همساته ولمساته الحنينة الناعمة اللي عمرها ما جربتها، جواها صراع كبير ما بين إنها عايزة تقرب ومابين كلام حماتها وعند ما افتكرت كلام حماتها شدت ايديها من ايده برفق، وهي بتحاول تبعد ايديها عنه:
ـ لاه عادي اصلي ممتعوداش على القعدة والمكان حوالي مكركَب.
وحاولت تتهرب منه وهي بتسأله:
ـ اروح اجهز لك العشا واحطه لك على السفرة وهدخل انام لأني مصدعة شوي.
رفع حاجبه وجواه بقى مخنوق ومش طايق نفسه من تجاهلها، كل لما يقرب قيراط هي تبعد عشرة، كل لما يطنش تجاهلها ويحاول يفهم اللي جواها وحالتها اللي مش طبيعية تتهرب ومتحكيش، جاب آخره منها مش متحمل طريقتها ولا متحمل إنها تضيع الليلة اللي بيتمناها معاها وكان ممني نفسه بيها، نبرته الحنينة اتبدلت لصوت عالي ومليان ضيق:
ـ أني لحد دلوك عمال اطبطب وأهنن وأدلع وأطمن الهانم انها متخافش من أي حاجة طول ما أني موجود، هحاول اعمل كل اللي هيقربني منك كل ساعة وكل دَقيقة وانتي بتحاولي بكل قوتك انك تعملي حساب لكل اللي حواليكِ إلا أني، ولآخر مرة هسألك يا “نغم” مالك، وايه اللي بدل أحوالك ؟
مين اللي خوفك وخلاكِ حتى ترتعشي وانتِ بين يدي بالشكل دي ؟
كان ردها عليه الدموع والشهقات اللي صوتها على، كان القهر والضعف اللي ساكن عيونها، كان الصمت اللي قرب ينفـ.ـجر جواها من حكم اتجبر عليها من حماتها وهي مش قادرة تتكلم، واقفة على حفرة من وقدامها نار ووراها بنزين لا قادرة ترجع لورا ولا تقدم لقدام:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله ، هو إنتي العياط عِندك أسلوب حياة، طب اعمل إيه دلوك علشان أفهم حالتك داي سببها ايه؟
ولا المفروض إني أنجم وأشوف الطالع علشان أعرِف سبب حالتك المهببة داي!
كتمت شهقاتها وهي بتحضن وشها بين ايديها، قرب منها تاني ومن جواه بيتحسر على حالتها، وشدها لحضنه وبقى يطبطب عليها وحاول يهديها:
ـ طيب ممكن تهدي، أرجوكِ يا “نغم” اني رايد أساعدك، مقادرش اشوف دموعك، ولا قادر اوصل لسبب حزنك وقهرك، ولا عارف اعمل إيه تاني علشان أخليكي تنسي الخوف من اي حد أيا كان، ارمي حمولك كلاتها علي وأني هشيل عنك يا “نغم” ، خليكي واثقة انك بقيتي تهميني قوي، وها قولي لي بقى عاملة لنا عشا ايه النهاردة وهتتعشي وياي.
حاولت إنها متحسسهوش بحاجة وهي عارفة إنه لو عرف ان امه قالت لها حاجه او هددتها هينزل يبهدل الدنيا وساعتها “رابحة” هتنفذ تهديدها وهتاخد منها العيال فمسحت دموعها وجاوبته بابتسامة صافية وقررت إنها تتجاوب مع حنيته عليها ولو بالظاهر وجاوبته:
ـ متقلقش علي اني زينة، وحاضر هتعشى وياك وكمان “محمد” زمانه راجع من درس القرآن ويتعشى ويانا،
أني عاملة كفتة ومكرونة وسلطات، الوكلة اللي هتحبها.
ابتسم لها وهو بيخلع حجابها من على راسها وشعرها البني اللامع ساب على ضهرها فاستغل الفرصة وقرب منها وهو بيمسك خصلات شعرها بين ايديه وبيتغزل فيهم بعد ما رمى حجابها بعيد عنهم:
ـ تعرِفي إنك قمر قوي وانتِ بشعرك وعلى حريتك، ياريت بلاش تلبسيه تاني واني موجود، وكمان بلاش العباية السودا داي ، هتُبقى زينة قوي في البجامات.
وكمل كلامه وهو بيغمز لها بعبث خلاها بقت مش على بعضها:
وخصوصاً اللوك الأخير اللي شفتك بيه آخر مرة .
وشها احمر وبقت واقفة قدامه بأعصاب سايبة ومش قادرة تبص جوة عيونه، أول مرة تقابل في حياتها البطل الحقيقي اللي كان بيزورها في أحلامها، أول مرة تقابل راجل بجد لدرجة انه بيمهد لبوسة ايديها ببسمة وغمزة وطبطبة وحنية، “سمير” كان كل يوم يجرها لحضنه بالضرب والإهانة والغصب على عشرته:
ـ انت ربنا وهبك قلب حنين وطيب قوي، انت كمان تقريباً نسخة واحدة ومفيش منك اتنين في الدنيا كلاتها.
شاغبها وهو بيسحب ايديها الاتنين وبيحضنهم جوة ايديه برغبة:
ـ هو انتِ محداكيش كلام حلو تقوليه لي غير اني طيب وحنين وجدع؟!
وغمز لها وهو بيكمل بمكر:
ـ مفيش انت وحشتني قهوتك، وحشني ريحة أنفاسك وسهرة كيف المرة اللي فاتت، وحشني قربك مني ونقضي ليلة نحكي فيها لبعض يومنا كان عامل كيف وخصوصاً إني كنت هبات امبارح بعيد عنك، الحاجات داي اللي بتقولها كل ست لجوزها كان هيغيب عنها ليلة بحالها؟!
ـ جوزها… كلمة خرجت منها بدهشة وجواها مهزوز جدا ومتوتر ومكسوف من همساته ونظراته، فخطف هو الكلمة من لسانها وهو بيقطب جبينه بدهشة من تردد الكلمة على لسانها بطريقة غريبة:
ـ آه جوزك ولا المأذون اللي كتب الكتاب والناس اللي حضرت وباركت وهللت للعروسة وعقد الجواز اللي مطبوع عليه صورتي وصورتك والحاجات داي كلاتها متدلش إني جوزك ولا ايه يا أستاذة ؟!
وقرب منها وهو بيمسك دراعها لأول مرة بغضب شديد ونظرته ليها ألف معنى ومعنى بسبب إحساس الغيرة اللي شب بين ضلوعه بسبب استنكارها لكونه جوزها:
ـ واعملي حسابك يا “نغم” ماضيكي القديم تنسيه واصل وحكاية الجواز الصوري داي مهتدومش ورجوع لـ”سمير” مهيحصُلش، والكلام دي تحطيه حلقة في ودانك متنسيهوش واصل، وصبري وياكي الشهرين دول على إتمام جوازنا ماهو إلا تمهيد علشان تاخدي على وجودي وطبعي وأعرِفك زين وتعرفيني زين لأني مهحبش الغشم في علاقتي بين وبين مرتي.
وكمل كلامه وهو بيأكد عليها كلمة إنه جوزها:
ـ وانتِ مأمورة انك تطيعي جوزك فهماني زين جوزك.
شهقت بصدمة من كلامه ونظرات الرغبة اللي في عيونه ليها وخصوصاً إنها بقت صريحة قولاً وفعلاً ولسانها نطق وهو بيرجف ونظرات الهلع اللي في عيونها بتحكي حكاوي :
ـ كيف الكلام دي يا “سند” انت اكده هتفتح باب نار علينا اني وانتِ مهينسدش واصل ، نار هتـ.ـحرقنا كلاتنا ومهنعرفش نطفيها ابدا، لازمن تتراجع عن اللي في راسك دي وننفذ الاتفاق، أني مهقدرش لا على “سمير” ولا الحاجة واصل هيبهدلوني .
نظرات الغضب قادت عيونه ولمعت بضيق شديد وغيرة وإحساس الرجولة والكرامة وإحساس إنه بيهينهم وياه بسبب كلامها خلاه زاد في غضبه أكتر وعلى صوته :
ـ كانك متجوَزة عيل اياك ممتجوزاش راجل يا هانم؟!
هو أني في وجهة مش راجل كفاية علشان مقدرش ادافع عن أهل بيتي ؟!
ولا انتِ مفكرة إني هرضى اكون شرابة خرج في يد الحريم و”سمير” تلعبوا بيا الكورة على حسب راحتكم ؟!
لازمن تحطي في اعتبارك إني مش هعمل غير اللي قلت لك عليه دلوك، وللمرة المَليون هقول لك بلاش اسلوب المسكنة والضعف اللي هتعيشي فيه دي انتي بقيتي مرت “سند الناجي” اللي طليقك اللي هتترعبي منيه دي كان هيخاف ويكش بمجرد ما يسمع صوتي ويحس بوجودي، كان هيفر من مكانه بمجرد ما يعرِف إني وصلت .
بكت بشدة ودموعها الحبيسة نزلوا على وشها وهي جواها نفسها تعيش وتكمل وياه، نفسها في قربه وحضنه وضمته وعيشته كلها هي امنياتها، حتى أحلامها وهي نايمة مش عايزة حد يزورها فيهم إلا هو، لكن المكتوب مفيش منه مهرب ولا مفر ، وردت عليه باللي زاد غضبه أكتر :
ـ اللي في دماغك مينفعش يحصُل أبدا ولازمن تعرِف ان طليقي دي يُبقى أخوك ابن أمك وأبوك، لازمن قبل ما تفكِر تقرب ناحيتي تفكِر وقتها انك هتبعد مسافة الحب والأخوة بينك وبينَه وهتقرب مسافات من الدم مهتنتهيش يا “سند” .
ضرب الكنبة برجله والعصبية والغضب قلبوا معاه لجحيم وهو خلاص وصل معاهم كلهم لطريق مسدود:
ـ اخوي ، اخوي! ملعون ابو الإخوة اللي هتنقص من رجولتي وتخليني شخشيخة في يده ويضحك الخلق علي كمان،
ملعون ابو الدم اللي هيجري في عروق الجبان دي اللي هيفضحنا كل يوم والتاني وسط الخلق وأني اللي المفروض أتحمَل بلاويه شرق وغرب وليل ونهار تحت مسمى اني الكَبير،
خلاص وقت الدلع والمسايسة والتنازل عن الكرامة والرجولة ليه انتهى عاد، لازمن يتعلَم إن فيه عقاب لقلة أدبه، لازمن يتحرم من أي نعمة ادهاله ربنا ومهيحافظش عليها علشان يُبقى كيف الرجالة صُح، لازمن يسيبه من الأنانية اللي هيعيش فيها ويفكِر في اللي حواليه قبل ما يفكِر في حالَه ، من الآخر انسي اللي في دماغك دي يُحصُل يا “نغم” ، خلاص اسمك بقى مرتبط باسمي لحد ما اموت .
شهقت بصدمة والخوف من اللي جاي زلزل كيانها والخوف على عيالها قبل نفسها خلاها نطقت باللي جواها:
ـ فكرت في حالك وفي كرامتك وفي رجولتك ويا اخوك، وفكرت في شكلك ومنظرك قدام الخلق، ونسيت اهم شي، نسيت إني حداي عيلين منيه هيطولهم أذاه وظلمه وجبروته، نسيت إني مهملكش في حياتي ثمرة حب وخير غيرهم يا “سند” ، كانك مواعيش خوك هيعمل فيهم إيه، وهيستغلني ويذلني بيهم كيف؟! انت اكده هتفتح بيبان نار علي اني وعيالي من اخوك وامك وحتى مرتك واني أضعف مما تتخيل إني أسدها .
ـ بطلي بقى تعيشي في الخوف والرعب ، بطلي تخافي وانتي بقى معاكِ السند الحقيقي اللي كان هيسندك صُح وإنتي حتى على ذمته ، فكري في نفسك وسعادتك واختاري “نغم” ولو مرة واحدة في حياتك علشان لو اختارتي نفسك وسعادتها وجربتي تعيشي معنى السعادة وراحة البال صدقيني هتستقوي وطالما استقويتي يُبقى هتدافعي عن وجودك وكرامتك كست بيدك وسنانك، ووقتها اللي هيفكِر يضرك ولا يقرب من عيالك هتاكليه بسنانك وكل، عيالك ممحتاجينش أم ضعيفة كانوا هيكبروا ويشوفوها بتتهان وبتنضرب وبتتبهدل كل يوم وهتسكت، اكده هيورثوا الضعف وقلة الحيلة منك ومهيعرفوش يدافعو عن حالهم أبداً.
ـ طب ولما ياخدوهم مني علشان اتجوَزت وبردوا هيتبهدلوا وهيتذلوا اكتر ما هيعيشوا وياي وقتها اعمل ايه قل لي ؟
ـ محدش هيقدر يقرِب منك ولا منيهم طول ما أني عايش وفيا الروح ، محدش هيقدر يمسك ولا بكلمة طول ما انتي على ذمتي واصل .
وكمل كلامه وهو بيحاول يهدى ونبرة الغضب اتبدلت لنبرة حنان وهو بيسقيها من جرعات الأمان وبيزرعها جواها علشان تطمن وهو بيمسح دموع عينيها:
ـ اتعودي دايما تتمسكي بحقك في انك تعيشي وتتنفسي بحرية، اتعودي انك تقفشي قفش في اليد اللي هتمسح دموعك وتحن عليكي، اطمعي في حقوقك اللي ربنا ادهالك بشراهة وامسكي في سعادتك بقبضة من حديد، اتعودي يا “نغم” انك تتنفسي الحب الحقيقي بدل الغصبانية، اتعودي تقولي في وش اللي هيخلي حياتك جحيم أني مهخافش بكل قوة ولسان متشبس وقتها هتحسي انك في مركز قوة وعيالك كمان .
اتململت بضعف بين ايديه اللي حاضنه وشها وعيونها الاتنين مغمضين، كانت في اللحظة دي بالذات أشبه بالقمر من براءة وشها بين ايديه، حالة الضعف والاستكانة اللي هي فيها بين ايديه خلت قلبه بدق يدق من تلاها برغبة ومبقاش قادر يسيطر على أعصابه، ولقى نفسه بيهمس لها بصوت رجولي خشن من فرط إحساسه بيها وقربه منها وحالة الضعف اللي هي فيها:
ـ “نغم” اني محتاجك قوي ، محتاج قربك ورقتك ونعومتك، محتاج نكون واحد ونقرب من بعض، محتاج أحس اني جوزك وأسكن حضنك ووقتها هتطمني اكتر واني كمان هطمن اني لقيت نعيمي بين ايديكي .
جسمها اتفكك من كلامه وريحة أنفاسه، وتصريحه من رغبته بيها، مشاعر جديدة عليها عمرها ما جربتها ومش عارفة تقرب ولا تبعد، تجاريه وتسرق من الزمن وياه سعادتها وهناها وتنسى كل الضغوط اللي حواليها وعند الكلمة دي افتكرت نظرات “رابحة” القوية وتهديداتها ، واللي كانوا أقوى بكتير من جيوش العاطفة اللي هيصبها عليها،ولقت نفسها بتحاول تفك جسمها من قبضة ايده وهي بتترجاه بضعف زلزل كيانه اكتر :
ـ طب ممكن تديني فرصة استوعب وافكر وأخد عليك يا “سند”، اديني فرصة ادواي فيها ضعفي وأقوي قلبي وأمهد لنفسي الخطوة الكبيرة دي علشان أقدر أكون معاك كيف ما تتمنى؟
ابتسم لها برجولة وهو بيحضن وشها بين ايديه وبيبوسها من عيونها اللي بيلمعوا بالدموع وقال لها بنظرة أرجفتها :
ـ من عيوني يا “نغمي” اني أصلا مهحبش الاستعجال في أمور القرب، هحب لحظات البدايات اللي هتخليني أبنى جواي ليكي أنهار من العشق اللي هسقيكي منها وقت ما تكوني جاهزة، بس اوعديني إنك مهتتأخريش علي .
دارت عيونها بعيد عنه وهي بتوعده:
ـ حاضر يا “سند” حاضر هوعدك، ممكن بقى أدخل اشوف الوكل .
لسه هتمشي شدها من ايديها وهو بيبص لهيئتها بعدم رضا :
ـ قبل ما تدخلي المطبخ ادخلي أوضتك واخلعي العباية داي والبسي اللبس اللي هتحبيه واللي أني عحب أشوفك بيه ، ولازمن تتعوَدي تلبسيه قدامي وقدام عيالك علشان ميتعودوش إني في وجودي هتتلتمي اكده، لازمن ياخدو على وجودي في حياتك اني جوزك مش مجرد عمهم.
حاولت تتهرب منه وهي داخلة على المطبخ:
ـ حاضر ، بعدين هدخل اغير .
نفخ بضيق من تصميمها:
ـ وبعدين وياكي يا “نغم” أني مهحبش اسلوب التطنيش وتكبير الدماغ دي، ولا هحب كمان إنك تاخديني على كد عقلي، واللي خلق الخلق اجي أخلعها لك اني العباية اللي شكلها يسد النفس داي ، هكرها عليكي يا شيخة، مهحبهاش واصل ومهحبش اشوفك إلا وانتي في أبهى صورة وشعرك مفرود على ضهرك .
وقرب منها وهي بيشدها لحضنه وبين ايديه :
ـ ها، هتدخلي دلوك تظبطي حالك ولا أظبطه لك أني بطريقتي اللي مش هتضمني اللي هيحصُل بعديها .
بعدت عنه بسرعة وهي بتجري على أوضتها قبل ما يتهور وخلعت العباية السودا اللي هي ذات نفسها بتكرهها ورميتها بطول دراعها وهي بتبص لها بكره وغيرت هدومها ولبست بجامة تايجر بأكمام وفردت شعرها على ضهرها وبصت لنفسها في المراية وهي مرعوبة لا حماتها تعرف، لكن حاولت تهدي أعصابها وتشحن جواها قدر الإمكان من كلام “سند” علشان تتقوى بيه ، وخرجت وهي مكسوفة منه ومن شكلها الملفت للنظر، لدرجة انه لما شافها وجه أنظاره ليها وتنح قصادها ونبضات قلبه وعروق رقبته برزت وهو بيحاول يمسك نفسه إنه ميقومش يقرب منها ويشيلها ويدخل بيها جنته ويدوق من جنة عيونها وخجلها وجمالها اللي دوبوه،
ولقى نفسه بيبعت لها غمزة وبسمة ونظرة دوبتها وبوسة في الهوا وكلمتين غزل :
ـ كيف القمر في ليلة تمامه، أني اكده هضيع منك ومهقدرش على الصبر ولا هقدر على المقاومة يا نغمة عمري .
اتكسفت من غزله واكتفت بابتسامة حالمة رقيقة اترسمت على وشها الجميل وسابته ودخلت على المطبخ تكمل الأكل ومفيش دقايق وابنها جه لقى عمه قاعد بيتفرج على التلفزيون، جري عليه وهو بيحضنه:
ـ عمي “سند” اهنه، اني هحبك قوي يا عمي.
حضنه “سند” بحنان وهو بيرد عليه :
ـ وأني كمان هحبك قوي يا قلب عمك، ها قل لي سمعت القرآن النهاردة زين ولا كسفتنا؟
ابتسم له الطفل بسعادة وهو بيحكي له بحماس:
ـ سمعت زين قوي يا عمي والشيخ خلى العيال يسقفو لي جامد وقال لي إن صوتي حلو قوي في التلاوة واني لازمن أروح مكان اكده هيعلمني أصول التلاوة صُح لاني حداي موهبة لازمن تُستغل صُح، وكمان طلب مني اني لازمن اجيب امي وياي الحصة الجاية لأمر ضروري .
نطق “سند” بغيرة وهو بيردد باستنكار:
ـ امك مين داي اللي تاجي وياك؟!
لاااه اني اللي هروح وياك وهشوف الشيخ دي رايد ايه واللي فيه الصالح اني هعمله لك يا حبيبي .
ونادى على “نغم” وهو بيقول لها :
ـ احنا هندخل البراندا هاتي لنا الوكل هناك وابقي صحي “سما” تاكل ويانا هي كمان .
واخده ودخل على البراندة وقعد يسأله أسئلة كتير والولد يجاوب بحماس لحد ما سأله السؤال اللي قعد يلف ويدور لحد ما وصل له :
ـ تعرِف انك بقيت راجل وهتخلي بالك من والدتك واختك في غيابي واي حد هيزعلهم هتقول لي طوالي ومهتخبيش عني واصل حتى لو امك قالت لك متقوليش لازمن تعرِفني كل اللي هيزعلوها حتى لو كانت ستك “رابحة” بنفسها.
كان عايز يوصل لحاجة معينة في دماغه متأكد إنها حصلت و”نغم” مرضيتش تحكي له ومفيش غير الولاد هما اللي هيعرفوه، ولقى “محمد” وشه حزن فسأله:
ـ مالك يا “محمد” قلبت وشك اكده ليه هو في حد مزعلك ولا حاجة؟
جاوبه الطفل ببراءة وحزن:
ـ احنا يا عمي ما صدقنا استريحنا من ابوي وبهدلته لامنا وبهدلته لينا وضربه عمال على بطال لينا ، تاجي ستي “رابحة” تشندل عيشتنا اهنه كمان وتبهدل امي وعلت صوتها عليها جامد النهاردة، هي ليه ستي “رابحة” هتكره أمي قوي اكده يا عمي ؟!
“سند” نظراته اتبدلت واللي كان شاكك فيه بذكائه عرفه وسأل “محمد” بلهفة:
ـ بهدلتها كيف يعني يا “محمد” احكي لي يا حبيبي متخافش.
زاغت نظرات الطفل بخوف وهو ببجاوبه:
ـ مهقدرش افتن يا عمي امي علمتني إن الفتنة حرام وأشد من القتل ، وهي نَبهت علي منقلش كلام الكبار ولا اركز فيه ، وكمان أول ما ستي جت خلتني ادخل الأوضة أقعد أحفظ وردي ونبهت علي كمان مرميش ودني معاهم، وكل اللي كنت هسمعه هو صوت ستي العالي على امي وهي غضبانة وبعد ما مشيت خرجت لقيت امي مفلوقة من العياط.
اخده “سند” لحضنه وباسه من راسه بعد ما لمح لمعة الدمع في عينيه وطبطب عليه بحنان ودماغه بتودي يمين وشمال ودلوقتي عرف ايه سبب قلبة “نغم” وتغيرها واتأكد من اللي كان شاكك فيه وقرر انه يلاعب امه بهدوء زي ماهي بتلاعبه.
******
كان قاعد مستنيها زيّ كل يوم علشان تخرج تقعد معاه، من بقالها أسبوع وهي بترجع وبتخرج بترمي السلام عليه بطريقة ناشفة، وما بقتش تخرج تشرب كوباية الشاي معاه زيّ ما هي متعودة كل يوم، وبقى مش قادر يعرف إيه السبب، ولا قادر ما يسألش عنها ولا عن أحوالها، وكمان حاسس إنها وحشته، اتعود على وجودها في المكان، واتعود على قعدتهم مع بعض، وكان قاعد مستنيها، وأوّل ما وصلت رمت عليه السلام بجمود زيّ عادتها الأسبوع دي، وقبل ما تدخل شقتها نادى عليها:
ـ بعد إذنك يا “مهرة”، عايز أتكلم معاكي في كلمتين، ممكن ترجعي؟
ردّت عليه من ضهرها من غير ما تبصّ له:
ـ ما فاضيـاش، وراي مذاكرة وامتحانات، عايزة أخلصها بعدين.
قرب منها بخطوات سريعة قبل ما تدخل، ووقف قصادها وهو بيسألها:
ـ مالك يا “مهرة”؟ شكلك متغيّر، هو أنا زعلتك في حاجة ولا ضايقتك علشان المعاملة الناشفة دي بقالك أسبوع، ممكن أفهم في إيه؟
اتعصّبت عليه، لأنها من ساعة اللي حصل في الجامعة ونفسيتها متدمّرة، ورافضة إنها تتعامل مع أي بشر، حاسّة بالانكسار، حاسّة إنها مش عايزة تتعامل مع أي بني آدمين على وجه الأرض، واختارت العزلة وشغلها ومذاكرتها بعيد عن أي إنسان، لأن دي شخصية “مهرة” لما تحسّ بالانكسار:
ـ جرى إيه يا باشمهندس عاد؟ إنت هتدخل وراي الشقة كمان؟
رفع حاجبه بدهشة وهو مستغرب جدًا طريقتها الناشفة، فردّ عليها:
ـ لا بقى يا “مهرة”، في إيه إنتِ؟ ممكن أفهم بقى حصل مني إيه للمعاملة دي؟ ولا إنتِ بتحبي تخاصمي البني آدمين وتبعدي عنهم من غير أي سبب؟ بصراحة أنا مش هسيبك غير لما أعرف في إيه بالظبط.
ـ لا حول ولا قوّة إلا بالله، هو إنت كنت وليّ أمري ولا جوزي ولا خطيبي حتى علشان خاطر العشم اللي واخدك قوي دي؟ أني ما عايزاش أتكلَم ويا حد، ولا رايدة أتعامل ويا حد، ولا عايزة أشوفك ولا أشوف غيرك، ولا أتحدّت وياك ولا أتحدّت ويا غيرك، أني اكده طريقتي صعبة، فأحسن لك تبَعد عنّي.
ـ على فكرة إحنا بينا عيش وملح وجيران، وكمان أظن إن في الشهور اللي قعدناها مع بعض اتعرفنا على بعض بما فيه الكفاية، وكمان بقى في بينا مشاعر مختلفة، وإنتِ فاهماني كويسة أنا أقصد إيه، فلو سمحتي مش عايزين الناس في العمارة تسمع بينا، وتعالي نقعد نتكلم، قولي لي مالك ومين اللي مزعلك، يمكن تلاقي عندي الحل يا ستّي اللي يريّح بالك وأعصابك ويهدي التوتر اللي أنا شايفه في عينيكي ده، أنا سامع نبضات قلبك وإنتِ واقفة قدّامي من كتر ضغطك على أعصابك مع أي حد، حتى أنا، “مهرة” ، “نعمان” ؟
ـ ثواني بس اكده، مشاعر إيه اللي هتتحدّت عنيها داي إن شاء الله يا باشمهندس؟
ـ ما تحاوليش تداري إحساسي وإحساسك اللي اتولد بيني وبينك يا “مهرة”، ولمّحت لك عنه قبل كده ميت مرة، وكل مرة بتهربي، وكل مرة بقول مش وقته، لكن ما وصلش إنك تتجاهلي كل حاجة مرة واحدة كده، وتعدّي عليّ من غير ما أعرف يومك كان عامل إزاي، ولا أعرف عنك أي حاجة، بعد ما كنتِ بتقعدي معايا وتحكي لي كل حاجة صغيرة وكبيرة عن يومك، وأنا كمان بحكي لك، وفي الآخر عايزاني أتجاهل كل ده، وعادي كأن ما فيش أي حاجة بيني وما بينك.
لأوّل مرة دموعها المحبوسة تنزل، لأوّل مرة تضعف بسبب كلامه، لأوّل مرة حدّ يشوفها وهي بتعيّط ومكسورة، ولأوّل مرة تحسّ إنها عايزة ترمي حمولها واللي جواها على حدّ، دايمًا كانت بتشيل حمول كل اللي حواليها، ودايمًا كانت بتخفّف هموم أي حد بيتعامل معاها، أمّا هي عمرها ما اشتكت ولا كلّت ولا ملّت، لكن “نُعمان” له طريقة معاها خلاها لأوّل مرة تضعف، ولأوّل مرة تبكي، ولأوّل مرة مش قادرة تمسك أعصابها،
أمّا هو اتجنّن لما شاف دموعها وبكاها، مش مصدّق إن دي “مهرة” البنت القوية اللي كل يوم تحكي له على مواقفها، وتحكي له على أصحابها اللي في الجامعة اللي بيضايقوها، وإزاي هي بتردّ عليهم، بقى واقف قلبه بيتقطّع من جواه علشان دموعها، وبقى يبلع أنفاسه بصعوبة وطلب منها:
ـ أنا كنت عارف إنك مش طبيعية، وكنت عارف إن فيكي حاجة، أنا قلبي عمره ما يكذب عليّ أبدًا، ممكن يا “مهرة” تيجي نقعد وأعمل لك كوباية قهوة تظبط دماغك، وتحكي لي فيكي إيه، علشان أنا والله العظيم ما هسيبك غير لما أعرف.
مشيت جنبه وهي حاسّة إنها عايزة تتكلم وترمي حمولها على حدّ، ولأوّل مرة عايزة تحكي عن اللي وجعها، وعن اللي جواها من غير أي قيود، وقلبها بيقول لها إن “نُعمان” أحسن حد ممكن تحكي له، وتخرج له سرّها وتعترف له عن اللي في قلبها من غير ما تخاف،
مسحت دموعها بالمنديل اللي في ايديها، وهو راح لها بالقهوة ومدّ ايده بابتسامة مرسومة على وشّه وقال لها:
ـ أحسن فنجان قهوة من ايد الباشمهندس علشان خاطر ستّ البنات الدكتورة “مهرة”، اللي خلاص على وشك مناقشة الرسالة وهتبقى دكتورة، فهمي رسمي نظمي، ممكن تبتسمي علشان تقولي لي رأيك في القهوة وبعدين نتكلم.
أخدت منه القهوة وابتسمت له ابتسامة عابرة، وبدأت تحكي له عن حياتها من وهي طفلة صغيرة، وعن شغلها اللي حتى أهلها ما يعرفوش عنه حاجة، وعن كفاحها طول عمرها في إنها تبقى حاجة، وكل ده وهو قاعد يسمع ومصدوم من اللي بيسمعه، إن إزاي تكون البنت الرقيقة دي اتبهدلت واتمرمطت بالشكل ده، وكل ده وهي بتحكيه دموعها سابقة كلامها، شكل ما يكون الدموع المحبوسة جوّه عيونها أخيرًا أطلقت سراحها إنها تعبّر عن وجعها، وكمّلت حكاويها اللي توجع أي حدّ عليها وهو بيسمعها:
ـ وفي الآخر، بعد ما صوّروني واستغلّوا اني بسعى لوكل عيشي، وللهمّ اللي هشيله على كتافي، عملوا لي فضيحة في الجامعة بالفيديو، أي نعم أني ما سكتّلهمش، وأخدت حقي منيهم تالت ومتلت، وخلّيت أكترهم ياجي وراي ويعتذر لي، لكن جوّه قلبي حسّيت بالانكسار من المجتمع العقيم اللي إحنا عايشين فيه، اللي هيحاسبوني على عمل شريف من غير ما أمدّ يدي لحدّ، ولا أطلب حاجة من حدّ، ولا عمري رميت نفسي على حدّ، ومن وقتها وأني نفسيتي متدمّرة.
بقى قاعد يسمع كلامها وهو مصدوم من كمّ الظلم والقهر اللي هي عاشته:
ـ ياه يا “مهرة” على اللي إنتِ عشتيه وشوفتيه في حياتك، عمري ما كنت أتخيّل ولا أتصوّر اني أقابل حدّ زيّك في حياتي بكمّية الكفاح والصبر والعزيمة والقوة اللي جواكي، أنا بجدّ مش مصدّق،
أنا كنت مفكّرك بتخرجي الصبح بدري وبتخرجي بالليل تشتغلي مثلًا ورديات في أي مكان علشان خاطر تقدري تدفعي الإيجار وتصرفي على كليتك، لكن عمري ما كنت أتخيّل إنك شايلة الحمل التقيل ده على كتافك، حمل أبوكي اللي بيستنزفك، وحمل مرض والدتك، وحمل تعليم أختك، وحمل البيت اللي هتصرفي عليه أكل وشرب ومعيشة، إنتِ بجدّ يتعمل لك تمثال على اللي إنتِ عايشاه ده.
ـ أني كل اللي أني عايزاه إن الناس تسيبني في حالي، ويرحموني من نظراتهم ومن تنمّرهم عليّ، ناس هتشوفني شحّاتة، وناس هتشوفني بمدّ يدي وبستعطف الناس، وناس شايفاني غنيّة، وكل اللي أني بعمله علشان عايزة فلوس من جيوب الناس، وأني والله عمري ما مدّيت يدي لحدّ وأخدت منه جنيه مش من حقي، أني هشتغل بين الإشارات من وأني عيلة صغيرة، وهكسب منها اللي يكفيني المصاريف اللي ملزومة بيها كل شهر، ربنا هيبعت لي رزقي من بيع الرفايع والمناديل اللي هبيعها.
سألها وهو بيحاول يخفّف عنها:
ـ معلش بس دي شغلانة صعبة جدًا عليكي يا “مهرة”، وكمان مؤذية لنفسك ولأعصابك، وفيها ضرر كبير جداً عليكي، وفعلاً نظرات الناس ما بترحمش، زيّ ما إنتِ ما بتقولي، ليه ما تشتغليش مثلًا في مستشفى ولا في عيادة دكتور، ولا تقفي في محلّ وقت فراغك؟
ضحكت بسخرية على كلامه وقالت له:
ـ لو هشتغل كيف ما إنت هتقول، في عيادة دَكتور أو في مستشفى، يا أمّا هاخد وردية طول الليل وبعدين أروح على كليتي وأرجع على المستشفى تاني، وما هلاقيش وقت أرتاح فيه، وكمان هاخد فلوس قد إيه آخر كل شهر علشان أقدر أسدّ الالتزامات اللي في رقبتي؟ أني واحدة هحتاج كل شهر مبلغ لا يقلّ عن عشرة أو ١٢ ألف جنيه.
أبوي لوحده هياخد مني كل شهر أربع آلاف جنيه علشان يسيب أمّي المريضة في حالها وما يأذيش أختي ويسيبها تكمّل علامها، أختي هتحتاج مصاريف لجامعتها، والبيت هيحتاج مصاريف واحتياجات لا تقلّ عن خمس آلاف جنيه في الشهر، والدنيا بقت غالية، وكل حاجة بنجيبها بطلوع الروح، غير الإيجار بتاع الشقة اللي هعيش فيها، ومصاريف جامعتي كَتير، ربنا الأعلم أني هلفّ حوالين نفسي من المصاريف كل شهر لحدّ ما أخلص وأختي تخلص ونشتغل والمصاريف تقلّ عليّ شوية، ولو فكّرت أروح لمستشفى أشتغل فيها مش هيدّوني أكتر من أربع أو خمس آلاف جنيه، وكمان أني واحدة بخرج أبيع وبسعى على رزقي وبشتغل، وربنا بيكرمني، وما برجعش غير لما أخلص الحاجة اللي معاي كلاتها.
ـ طب إنتِ إيه اللي مزعلك لما إنتِ أخذتي حقك منهم وردّيتي عليهم وأفحمتِهم في وسط الجامعة، وجم اعتذروا لك على اللي هم عملوه؟ ليه حسّيتي بالانكسار؟ وليه تاعبة أعصابك وتاعبة قلبك معاكي؟ وليه الدموع المحبوسة دي كلها يا “مهرة”؟
ـ الدموع والانكسار بسبب نظرة المجتمع ليا، لما هم بيجلدوني علشان بخرج أشتغل وبسعى بالحلال، واقتحموا خصوصيتي وصوّروني علشان يتريقوا ويضحكوا عليّ، أمال ولادي في المستقبل لو عرفوا إن أمّهم كانت بتبيع مناديل بين الإشارات هيبصّوا ليّ بنفس نظرة الناس اللي بتبصّها ليّ داي؟ الموضوع جوّه قلبي أصعب ممّا تتخيّل، أني واقفة على مفترق طريق، لا قادرة أسيبه ولا قادرة أتعايش معاه.
ـ ولادك أصلًا لازم يفتخروا إن أمّهم ستّ عظيمة، عملت اللي ما فيش راجل يقدر عليه، شالت مسؤولية إخواتها وأمّها وأبوها ومستقبلها وحياتها فوق كتافها من وهي طفلة صغيرة، اللي زيّك يا “مهرة” يتعمل له تمثال، واللي زيّك أصلًا الناس تتشرّف تقعد معاها وتتعامل معاها، علشان كده مش لازم تتأثري بكلام الناس، اللي لا بتسيب الصالح ولا الطالح في حاله، الناس بتبقى قاعدة تتريق على اللي قاعد، وعلى اللي شغال، وعلى اللي نايم، وعلى اللي عيان، الناس ما بتسيبش حدّ في حاله مهما كان فاضل، حتى شيخ المسجد بيتريقوا عليه.
ـ إنت بتحاول تخفّف عنّي علشان تخلّيني أهدى، لكن مين داي اللي هيرضى في يوم من الأيام يتجوز واحدة زيّي؟ وخصوصًا إن عمري ما هخبي عليه شغلانتي واصل، ولا هخبي عنيه حياتي وظروف أهلي، وأي حاجة تخصّني، مين داي اللي هيرضى بواحدة زيّي يا “نُعمان”؟ ممكن تجاوبني…
رواية النغم الحزين الفصل الثامن 8 - بقلم فطيما يوسف
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
أخبروني عن شعورِ عاشقٍ مبتدئٍ في الهوى،
حين يطرق الحبُّ قلبه لأول مرةٍ فيرتجف ولا يدري أفرحٌ هذا أم ابتلاء،
ثم حدّثوني عن عاشقٍ ذاب في عشق محبوبٍ لم ينله، ويسهر الليل شوقاً علَّهُ يحظى باللقاء،
يكتوي بالشوق ويحيَا على وعدٍ لا يجيء، ملتاعًا بصبرٍ موجِع، وقلبه يدق نبضاته وهو ينتظر نجمه اللامع في السماء،
يرتشف مرارة الحرمان كأنها قدره الوحيد،
ومع ذلك يجد في وجعه لذّةً خفيّة لا يفهم سرّها ولكنه يتمنى اقترابها كالماء والهواء ،
فما الحب إلا للحبيب الأولِ وإن أضنى القلب واكتوى ومن الهجر والشوق التوى إلا أن له حلاوةٌ تُنسيه كلَّ عناء.
ـ إنت بتحاول تخفّف عنّي علشان تخلّيني أهدى، لكن مين داي اللي هيرضى في يوم من الأيام يتجوز واحدة زيّي؟ وخصوصًا إن عمري ما هخبي عليه شغلانتي واصل، ولا هخبي عنيه حياتي وظروف أهلي، وأي حاجة تخصّني، مين داي اللي هيرضى بواحدة زيّي يا “نُعمان”؟ ممكن تجاوبني ؟
جاوبها بمنتهى البساطة والوضوح :
ـ ايه اللي ميخلكيش حلم شاب يا “مهرة”؟!
بل ويتمنوكي كمان.
وكمل كلامه وهو بيوصفها بعيونه اللي شايفاها:
ـ انتي بنت بميت راجل، جميلة جمال مش طبيعي، قوية، يعتمد عليكي، وشيلتي حمل جبال على اكتافك محدش يقدر يشيله غيرك، إنتي حلم لأي راجل يا “مهرة”، ولازمن يكون عندك ثقة في نفسك، أما بخصوص شغلك فده مش عيب خالص على فكرة، ومن هنا بقول لك … وكمل كلامه وهو بيبص لها بعيون بتلمع بالإعجاب بيها اللي ملهوش حدود:
ـ انا لو ظروفي كويسة وتسمح إني أرتبط وأختار إنسانة بجد، بنت جميلة ، ناجحة، طموحة، ومتعلمة ومثقفة مش هتكون إلا إنتي يا “مهرة”، بس أنا مقدرش أطلب منك إنك تستني واحد زيي قدامي سنين وسنين على ما اخلص وأبني مستقبلي، مش عايز أظلمك جنبي وتقعدي مرهونة سنين ملهاش عدد .
وبدل نظرته اللي مليانة شقى وهو بيحكي ظروفه لنظرة مليانة حب كبير وهو بيعترف لها :
ـ انا جوايا مشاعر ليكي كبيرة قوي، مشاعر كل يوم بحاول اتحكم فيها وأكبتها جوايا علشان متحسيش بيها وفي الآخر العيون فضاحة هتكشف المستخبي جوايا وأكيد إنتي حاسة بكدة، إنتي متتصوريش الاسبوعين اللي فاتو دول وانتي بعيدة عني ومكناش بنتكلم مع بعض كنت هتجنن، حاسس إني ناقصني حاجة كبيرة قوي، ناقصني روحك وضحكتك الحلوة ، وتلقائيتك معايا في الكلام ، كان ناقصني طلتك يا “مهرة” .
“مهرة” جواها كان بيرقص من الفرحة وهي بتسمع الكلام ده من “نعمان” بالذات، بالرغم من إنها في الجامعة اتعرض عليها من أصحابها عروض جواز وحب الا إنها مكانتش بتدي فرصة لحد يقرب منها، مكنتش بتحس مع ولا واحد فيهم أي إحساس، إلا “نعمان” له طريقة بتخليها تنجذب له غصب عنها، تشتاق لقعدتها وياه زي ماهو بيشتاق، بتتلكك إنها ترجع وتتحجج في كوباية الشاي اللي متعودين يشربوها مع بعض علشان بس تقعد وترغي معاه، ولما سمعت اعترافه سألته :
ـ معاناته ايه كلامك دي يا “نعمان” ممكن تفهمني بشكل أوضح ؟
جاوبها بكل صراحة ووضوح:
ـ ايوه يا “مهرة” اللي انتي فهمتيه صح جداً ، أنا بحبك يا “مهرة” من أول يوم عيني جت في عينيكي، واول مرة أحب بنت وأتعلق بيها بالشكل ده هو انتي يا “مهرة” ، مكنتش قادر اعترف علشان مش عايز أظلمك معايا لكن لما شفتك قدامي بالشكل ده دلوقتي وبالانهيار ده وثقتك في نفسك اهتزت مقدرتش اكتمها جوايا يا حبيبتي ، مقدرتش مقولش انك تتحبي وانك مرغوبة، وانك أجمل بنت شفتها في حياتي،
وكمل كلامه وهو بيتحمحم وبيداري عيونه بعيد عنها :
ـ وفي نفس الوقت مقدرش اكون أناني وأظلمك معايا علشان مليش مستقبل وطريقي طويل .
“مهرة” شجاعة جداً واعترفت له هي كمان باللي هي حاسة بيه تجاهه، وهي جواها نفسها تكون زيها زي أي بنت تحب وتتحب وتبقى مرغوبة، نفسها تخرج من قالب البنت الراجل اللي حياتها كلها مسؤوليات وتتنفس الحب اللي ياما بتسمع عنه :
ـ من القلب للقلب يا “نعمان” ، بس ليه الإحباط دي، ليه مستقبلك مش مضمون كيف ماهتقول ؟!
انت هتُبقى باشمهندس والمستقبل قدامك مش وراك، هتعب وياك وهنعافر وهنكون يد واحدة لحد ما نكون حاجة نفتخر بيها قدام نفسنا.
ـ ياه يا “مهرة” لسة بعد المعافرة دي كلها مع أهلك ونفسك ومستقبلك هتعافري معايا أنا كمان ؟!
إنتي متستحقيش كدة يا “مهرة”، إنتي تستحقي حد يتقلك بالدهب، تستاهلي واحد يخليكي ملكة مش واحد تعافري معاه تاني، وانا مقدرش أظلمك معايا ابدا ولا أرضى لك كدة .
ابتسمت “مهرة” أخيرا وهي بتخرج اللي جواها من مشاعر متضاربة وقلبها العنيد مش شايف غيره:
ـ تعرِف يا “نعمان” البنت منينا هتحس إنها عايزة تكسر الدنيا علشان مين؟
علشان راجل وقت ضعفها يقويها ، وقت ما تحتاج سند بجد تلاقيه ، راجل مجرد ما يحس إنها غابت عنيه كأن روحه بتنسحب منيه ويعمل المستحيل علشان يشيل عنيها تعبها ويبقى بيتقطع من جواه لدموعها، البنت مننا مهتحتاجش راجل بنك يكبش ويديها وتلاقيه معاها من غير روح ، ولما تحس وياه بالأمان وإن في حاجة جواها متعرِفش هتحكيها لمين، ولا سر من أسرار حياتها هتخبيه حتى عن أهلها وتحكيه له هو؛ تُبقى وقتها حست انه الوحيد اللي هترمي حمولها وهمومها على صدره وهو هيشيل، فيه حاجات متُشتراش بكنوز الدنيا كلاتها، واني شفت فيك السند يا “نعمان” وعلشان اكده رميت أسراري وحمولي وهمومي عليك بدون ما أخجل منيك.
حاول يتهرب بعيونه بعيد عنها وهو بيبلع ريقه بصعوبة ورد عليها:
ـ طب ممكن بس تطمنيني عنك الاول وهديتي ولا لا؟ انا مش حابب اشوف ضعفك ده تاني يا “مهرة”، انا اتعودت عليكي أسد واقف شامخ ، جبل ما يهزه ريح .
ابتسمت له وهي بتتنفس الأمل الجديد معاه وجاوبته:
ـ اطمَن يا باشمهندس “نعمان” انت ادتني جرعة ثقة بنفسي تخليني أبلع اللي يقف قصادي ويحطني في دماغه.
خلصت كلامها وقامت علشان تدخل شقتها فلقى نفسه بيمسك ايديها وبيسألها:
ـ انا مشبعتش من قعدتك لسه رايحة فين ، وبعدين عدي بقي انا ليا كام كوباية شاي عندك الايام اللي فاتت دي كلها.
ضغطت على ايده بشدة لدرجة انها وجعته نفس الوجع زي قبل كدة وشدت ايديها من بين ايديه وهي بتقول له بشراسة:
ـ لاااه يا مصراوي انت متقكِرش انك بعد كلامك دي واعترافاتك ليا باللي جواك هسمح لك تمد يدك عادي، لااااه اني “مهرة” بردو و المهرة ميلمسهاش إلا حلالها .
عـ.ـض على شفايفه وهو بيحرك ايديه بسبب حركتها المفاجأة وهو بيقول لها بخفته المعتادة:
ـ تصدقي بالله خرجتيني من الجو الرومانسي والكلمتين الحلوين اللي كنت هروق عليكي فيهم، بالهمس واللمس والنظرات الجريئة ونعيش لحظة حلوة زي بتاعت روميو وجوليت، بس انتي وش فقر يا صعيدية وملكيش في المعاكسة نصيب .
رفعت حاجبها باستمتاع للكلام معاه وردت عليه:
ـ ايوه اني وش فقر والمرة الجاية لو فكرت تمد يدك يا روحي مش هتضمن النتيجة اني غشيمة في ردود أفعالي وخصوصي في الحاجات داي.
ـ لااا وعلى ايه أنا هبقي باشمهندس قد الدنيا وايدي دي هتبقي راس مالي ومش مستغني عنها، هسبل وهعاكسك من بعيد لبعيد يا بطل.
ـ يووه يا دي بطل بتاعتك داي هو في بطل بيعيط بردو انت واخد فيا مقلب على فكرة .
بص لها بنظرة إعجاب مليانة مشاغبة وعبث وهو بيتغزل فيها:
ـ لا بقى من الناحية دي انا البشمهندس وانا اللي اعرف إمكانيات اللي قدامي بالظبط، وإنتي اه بطل وخطيرة جدا.
حدفته بعلبة المناديل اللي كانت جنبها وهي بتهزر معاه:
ـ لاااه بقى دي اسمه تـ.ــحرش لفظي ونظري، تعرف يا “نعمان” انك قليل الأدب .
ـ يعني هيبقى ولا همسات ولا لمسات ولا قلة أدب يا شيخة “مهرة”، ده يبقى عيب في حق نعمانك.
ـ لااااه، اني هدخل انام علشان انت دماغك لحست خالص واني مريقاش لتفكيرك الشمال دي خالص.
شاغبها وهي ماشية بخفته:
ـ متنسيش تاخدي الوسادة الخالية في حضنك علشان جرعة الحنان ونظرات عيوني اللي دوختك يا بطل تسليكي طول الليل .
رمت له نظرة مليانة رضا وابتسامة وهي داخلة شقتها وبعد ما دخلت وقفلت على نفسها الباب وقفت وراه وهي حاطة ايديها على قلبها اللي بيدق دقات سريعة من سعادتها باعتراف “نعمان” إنه بيحبها، وهي بتفتكر كلامه وغزله اللي ميتنسيش وهيفضل معلم في قلبها.
******
صبح الصباح والشمس طلعت تنور الكون بضوئها القوي اللي بيفرض سيطرته في السما وبيجبر النهار إنه يشق طريقه ليوم جديد، كان قاعد مع أمه على السفرة بيفطر معاها وقال لها بمغزى:
ـ جرى ايه يا حاجة “سمير” موحشكيش ولا ايه عاد بقى له شهرين وزيادة غايب عنيكي وانتِ مهتسأليش عنيه خالص، مش مصدِق حالي والله!
دي لما كان يغيب عنيكي سبوع واحد كنتي هتقعدي تبكي وتقولي هات لي خوك اتوحشته مش بعادة يعني ؟!
مطت شفايفها بحزن وهي بترمي اللوم عليه زي عادتها :
ـ ماهو انت السبب يا ولدي ، انت اللي غربت خوك الصغير وبعدته عن حضني وحكمت عليه الحكم الشين دي، كان فيها ايه عاد لما يُحصُل اللي تم ويقعد في دارَه لحد اتفاقكم ما يتم وترجَع لَه مرَته يا “سند” ؟
اتعصب جامد لما سمع منها كلمة مراته ولحد دلوقتي أمه شايفاها مش راجل انه رضي بحاجة زي دي وكانت هي السبب في إنه يوافق بضغطها عليه ، ولقى نفسه غصب عنه رمى اللقمة من ايديه وهو بيقول لها اللي خلاها اترعبت من جواها بدون خوف منها :
ـ مبقتش مرَته هي دلوك مرتي وعلى كتاب الله وسنة رسوله وهو اللي جوزها لي بنفسَه وهو اللي اتحايَل علي وعليها هي كمان، بزياداكي عاد يا حاجة الحديت في الموضوع دي،
وكمل كلامه بعيون مليانة قوة والغضب كاسيها لدرجة إنها اترعبت من حدته معاها:
وبزياداكي كمان تهديد من تحت لتحت لأي حد يخصني يا إما ورب المعبود ولدك الشمام الفاقد اللي هيخليكي تتجبرتي على خلق الله أسجنه لك وأريح الخلق كلاتها منيه وانتي خابرة زين اني أقدِر أعملها، بس لحد دلوك هراعي إنه أخوي وهتحمَل بلاويه.
عقلها بقى يودي يمين وشمال وخافت لا تكون “نغم” حكت على كلامها معاها وتهديدها ليها وقالت له من تحت لتحت :
ـ هو اني كنت قربت منيكم ولا شقتك الجَديدة اللي نقلت المحروسة فيها كنت دخلتها من وقتها ولا هو خدوهم بالصوت قبل ما يغلبوكم عاد يا ولد بطني البكري؟!
ياللي هتعلى صوتك على أمك ومهتراعيش اني أمك ومن حقي عليك وواجب كمان طاعتي ورضاي.
بص لها بنظرات غير مفهومة وهو بيجاوبها الجواب اللي طمنها وخوفها في نفس الوقت لأن “سند” مش سهل ولا بيرضى إن حد يجي ناحية أي حاجة تخصه طالما بيعمل الصح مع الكل، ومهما أمه تحاول تسيطر عليه زي ما هي مسيطرة على “سمير” ما بتقدرش مهما عملت:
ـ وهو انتِ يا أمي ينفع تهدَدي مرتي ولا تقولي لها كلمة عيب وهي مرت “سند الناجي” ؟! ايام ما كانَت على ذمة ولدك “سمير” كنتي هتسيبيه يبهدَلها ومفكِرة اكده انه هيربيها، لكن اني غير مرتي لو غلطت فيكي تشكي لي منيها واني اللي اجيب لك حقك وأخليها تحب على راسك كمان، لكن ما حدش يعلي صوته عليها ولا يزعِلها ولا يحسِسها بالخوف طول ما اني عايش على وش الدنيا، كيفها كيف “دعاء” بالظبط ما هتفرقش حاجة عنيها واظن كلامي واضح.
كلامه ليها بيقول إن “نغم” ما قالتلهوش على مقابلتها وتهديدها، لكن طريقة وعيده وتحذيره ليها خلاها قايدة نار من جواها وهي بتسأله السؤال اللي قالقها وبينهش في قلبها وعقلها ومخليها خايفه من اللي جاي اكتر من اللي راح:
ـ معنى كلامك وتحذيرك دي ايه يا “سند” يا ولدي؟! معناته انك مش هتنفذ وعدك ويا اخوك وهتقيد النـ.ــار بيناتكم؟!
خبرني عاد علشان استعد واعمل حسابي والبس الاسود عليكم انتو التنين عشان حرمة ما تسواش.
اتعصب بشدة وغضب على امه وعلى صوته بسبب طريقتها واستفزازها ليه:
ـ حاسبي على كلامك يا أمي اني اللي بقت مرتي وعلى ذمتي تسوى الدنيا باللي فيها وكرامتها من كرامتي يعني لما هتغلطي فيها يُبقى هتغلطي في ولدك واظن اني ما استحقش منك اكده واصل،
وبعدين حوار الوعود اللي بيني وبين اخوي طلعي حالك منيها هنتحدت فيه الموضوع دي بعدين، الأهم من دي كلاتَه ان ولدك المحروس عِمل مصيبة في البلد اللي هيعيش فيها دلوك وضـ.ــرب واحد لحد ما عدمَه العافية وهو سهران في الكباريهات اللي واخد عليها والواد دي عمل فيه محضر واتقبض عليه، وبعت لَه محامي وخرجَه بكفالة على ذمة القضية، وياريتَه استكفى باللي عِمله وانه دلوك على ذمة قضية، لا دي كمان راح هدَده ان ما كانش يتنازَل عن المحضر هيقـ.ـــتله قدام خلق الله.
اول ما سمعت الخبر قلبها طب في رجليها وبقت تلطم على وشها وهي بتسأله وبرده بترمي اللوم عليه وصوتها علي بغضب شديد:
ـ ولما حُصل لاخوك اكده ما قلتليش من وقتها ليه وهتقعد اهنه تولول على حريمك وسايب خوك في محنته داي يا “سند” لحد ما يدخل السجن تاني ووقتها ما هنعرفش نعمل وياه حاجة.
مط على شفايفه بأسى وهو نفسه يصـ.ــرخ ويقول؛ إنه مش من حقه يتحمل بلاوي غيره حتى لو كان اخوه، وكل مرة امه هتسيبه وهو الغلطان وتمسك فيه هو وترمي ملامها عليه بطريقة صعبة لكن رد عليها:
ـ كيف كل مرة يا أمي هتسيبي ولدك وبلاويه وهتمسكي فيا أني وترمي اللوم علي؟!
بس ميجراش اعملي وقولي ما بدالك وياي واللي يحلى لك وأني المفروض إني كَبير وهتحمَل، بس هحب أعرِفك يا امي ان الحوار بتاع خوي دي حُصل أول ما سافر طوالي وأني لما عرفت سافرت لَه في نفس اليوم ومهديتش إلا لما خرجته ومن وقتها وأني هبعت مراسيل للي عِمل وياه اكده وهحاول وياه علشان يتنازَل ومحبتش اقول لك وقتها وقلت منقصاش قلق من بلاوي اخوي وهشيل الشيلة لوحدي وياه .
وكمل كلامه وهو بيهدي نبرة صوته وبيطلب منها:
ـ بس انتِ المفروض تروحي له وتقعدي وياه قد سبوعين اكده واتحدتي وياه، وادي له في جنابه علشان يتصلح حاله، وكمان تقنعيه إنه يروح يعتذر ويحب على راس اللي كسر له ضلوعه لأنه رافض يتنازل من غير اعتذار ولدك وقدام الخلق اللي أهانَه قدامهم.
ـ مين دي اللي هيعتذر ويوطي راسَه لمخلوق هو اتجن في عقله إياك الواد دي وميعرِفش مين “سمير الناجي”؟!
ضحك “سند” بسخرية على عقل امه وتفكيرها وهو بيجاوبها:
ـ لاااه يا حاجة “رابحة” هو ميعرِفش مين “سمير الناجي”، علشان هو كمان ولد ناس وكمان واصلين في البلد ،وولدك اللي ابتدى بالغلط واعتدى عليه وفيه شهود وكاميرات في الهباب اللي كانوا هيسهروا فيه وكل حاجة متسجلة، ولو ابنك ما عمِلهاش وراح اعتذر هيتسجن كد عشر سنين اكده.
ـ يا مرك يا “رابحة” كل ده بسببك يا “سند” علشان لو كان خوك ما سافرش ولا اتغرب بَعيد عنينا ونفذ حكمك ما كانش حُصل اللي حُصل ولا كنت خليته يتذل للغريب، حرام عليك.
ضـ.ــرب “سند” كف على كف وهو بيرد عليها:
ـ وهو ولدك لما كان هيقعد جارك ما دخلش السجن قبل اكده بسبب اعتدائه على خلق الله بردك يا حاجة وراح وطى راسنا كلاتنا واعتذر وحب على راس اللي بهدله في البلد اهنه علشان خاطر يتنازَل!
انتِ اللي ما شايفاش ان ولدك هيعمل المصايب لو كان عايش جوه برج مشيد، اني بلغتك باللي حُصل، رايدة تروحي لَه براحتك، ما عايزاش انتِ حرة بس اني عِملت اللي علي ولما يتسجن ما تجيش تقولي إني قصرت كعادتك يا امي.
قامت بلهفة قبل ما يخرج وهي بتترجاه:
ـ على فين يا ولدي مش هتخليني اروح لاخوك وكمان ما هتاجيش وياي هتسيبني اروح لحالي اكده؟
حس بانتصار من جواه والتفت لها :
ـ اني كنت حداه من عشر ايام يا امي، رايدة تسافري لَه العربية هتاخدك من الدار للدار، وكمان خدي وياكي البيت “سعدية” علشان تكون تحت يدك هناك آني وراي مشاوير لازمن اعمِلها وشغل ما ينفعش يتعطَل، وكمان انت هتقعدي وياه عشر ايام وما هقدِرش اعطل نفسي واسيب بوي وولادي والبيت لوحدَه.
اول ما شافها طلعت تحضر شنطتها نادى على “سعدية” وهو بيطلب منها :
ـ خدي اهنه يا “سعدية”، اعملي لي كوباية قهوة مظبوطة وتعالي رايدك في كلمتين.
ـ حاضر يا سي “سند” بيه هعملك كوباية قهوة زينة تظبط لك المزاج على الآخر.
ودخلت تحضر له القهوة فطلع موبايله وبعت رسالة لـ”نغم”:
ـ حضري حالك هنسافر الإسكندرية بالليل هنقعد كام يوم هناك ، قدامك اليوم كلاته تشوفي محتاجة ايه وابعتي لي واللي ناقصك إنتي والعيال هبعت لك .
كانت نايمة وصحيت على صوت رسالة فتحت الموبايل لقتها رسالته ولما قرأت محتواها مبقتش مصدقة نفسها لأنها هي اللي قالت له إن هي نفسها تروح اسكندرية وتقضي فيها أسبوع وإن عمرها ما راحتها، مش مصدقة ان هو هينفذ لها رغبتها بالسرعة دي، لكن ملحقتش تفرح وحماتها جت في دماغها فبعتت له فويس بصوت هادي:
ـ أمممم… صباح الخير يا “سند”، طب هنسافر كيف وأمي “رابحة” هتوافق؟
سمع رسالتها وصوتها الرقيق وهي لسه صاحية من النوم واتأثر برقتها جداً لكن اول ماجابت سيرة “رابحة” رد عليها بصرامة:
ـ ملكيش صالح عاد بحد واصل، اني حر أني ومرتي أعمل اللي على كيفي وأروح مكان ما اروح ، بطلي تضييع في الوقت وقومي جهزي حالك وعيالك .
جت “سعدية” بالقهوة أخدها منها وطلب منها:
ـ اعملي حسابك هتسافري ويا الحاجة “رابحة” مصر وهتقعدي وياها عشر أيام.
وكمل كلامه بمغزى وهو بيطلب منها:
ـ تشوفي واحدة مكانك تاجي تراعي الدار علشان أبوي وكمان تشوف طلبات “دعاء” وبعد الحاجة ما ترجع تعرِفيها انها هتاجي دوار “ام محمد” وهتشتِغل فيه علطول وتشوف طلباتها .
سألته بتلقائية:
ـ وه هتجيب واحدة تخدم الست “نغم” من غير علم الحاجة “رابحة” يا سي “سند” بيه ؟!
اتعصب بسبب غبائها هي كمان ورد عليها بسخرية:
ـ ومعيزاش أخد رأيك إنتي كمان في الموضوع دي يا واكلة ناسك ؟!
يمين بعظيم إن ما عملتي اللي قلت لك عليه لا أقطع خبرك يا سخامة انتِ.
وكمل كلامه وهو غضبان بشدة:
ـ قبل ما تمشي تجيبيها وياريت تكون حد موثوق منيه.
وسألها بمغزى وهو له هدف عايز يوصل له:
ـ كنت سامع إن حداكي بت خالتك اللي كانت هتاجي لك الدوار اهنه شوفيها اكده خليها تعمل حسابها وتاجي من النهاردة وتعرِفيها اللي قلت لك عليه .
حركت راسها بطاعة:
ـ أه “جليلة” بت خالتي والله كانت هتحتاج الشغل يا سي “سند” بيه ، اول ما أقول لها لما هتصدق تاجي اهنه.
سألها بخبث وهو واثق انها اللي اتكلمت قبل كدة في سيرة جوازه من “نغم”:
ـ اه معلوم ، مش هي داي اللي كانت عتعيد وتزيد في اللي ميخصهاش مع اهل البلد يا “سعدية”؟!
بس يالا آني قلبي طيب ومهحبش اقطع رزق حد، بس تعرفيها انها لما تاجي ليا قعدة وياها ولو معجبتنيش ماهتلزمنيش واصل .
“سعدية” عيونها زاغت من ذكائه وفطنته عليها وحاولت تدافع عنها:
ـ والله البت “جليلة” داي غلبانة وملهاش ذنب يا سي “سند” بيه وهطلة اكده واللي قالته كان سمع من الناس عاد.
ـ خلاص يا واكلة ناسك روحي شوفي الحاجة “رابحة” هتحتاج ايه وهتمشوا ميتى بس ابعتي للبت داي تاجي قبل ما تسافرو.
خلص كلامه وقهوته وابتسم من جواه بعد ما نفذ اللي هو عايزه وقرر يطلع عند “دعاء” وولاده يقعد معاهم اليوم قبل ما يسافر .
*******
دخل البيت وهو بينده على ولاده ومعاه شنطة في ايديه، حطّها على الكرسي:
ـ يا “مازن”، يا “سما”، إنتوا فين؟ يا “دعاء”؟
“دعاء” كانت قاعدة في أوضتها بتنضّفها، وشايلة السراير ومنزّلة الحاجات اللي فوق الدولاب، وعاملة حملة تنظيف للأوضة بتاعتها، وعارفة إن “سند” هيروح يبات عند “نغم” النهارده، وعلشان اكده استغلت اليوم.
وكانت مشغّلة أغاني جنبها ومش سامعة لحد، لحدّ ما بصّ لقى بنته خارجة من المطبخ وحاطة السماعات في ودانها، مش سامعاه وهو بينادي عليها، كانت خارجة على الصينية كانز وشوكولاتة، فقرب منها وهو بيبتسم:
ـ يا سلام على الروقان بتاعك يا ستّ “سما”، يا ترى الحاجات الحلوة داي لمين؟ أني كنت جايب لكم المكسرات اللي هتحبيها وشوكولاتة، وقلت أجي أقضي معاكم اليوم النهارده قبل ما أسافر.
وبصّ حواليه وهو بيسألها:
ـ أمال ماما فين؟ وأخوكي ما شايفهمش عاد، وبنادي عليهم وما حدّش سامعني ولا ردّ علي؟
اتلجلجت “سما” وهي حاسة بتوتر شديد، لكن حاولت تداري على سؤاله وهي بتسأله:
ـ هتسافر فين يا بابا؟ ما قلتش يعني إنك هتسافر أي مكان؟
شال السماعة من ودانها وهو بيجاوبها:
ـ هسافر الإسكندرية، إيه رأيك لو عايزة تاجي وياي إنتِ وأخوك؟ وتقولي لماما كمان إنّي هاخد ولاد عمّك علشان عمرهم ما خرجوا ولا راحوا مصايف، وطلبوا منّي إنّي أوديهم، فلو حابين تيجوا ويانا ما عنديش مانع، وهو نكون صحبة زينة وكمان تروحوا عن نفسكم شوي.
البنت حرّكت راسها برفض، وهي حاسة إنها فرصة إنها تستريح من أوامر وتحكّمات أبوها عليهم، وخصوصًا لو عرف اللي جوّة:
ـ إحنا مش جاهزين يا بابا، خلّيها مرّة تانية عاد نبقى نتفق ونحدّد ونشوف هناخد إيه ويانا، في حاجات ناقصة كَتير، وما أعتقدش إن ماما حابة تروح، إنت عارف يعني هي ما هتحبّش المصايف.
اتلفّت حواليه يمين وشمال وهو بيسألها:
ـ طب براحتكم، سألتك عن أمّك وأخوك فين؟ والحاجات داي واخداها لمين، ليكي إنتِ وماما؟
البنت حسّت إن ما فيش مفرّ من أسئلة أبوها، فجاوبته وهي بتبصّ بعيونها في الأرض، علشان هي عارفة الزعابيب اللي هتحصل دلوك:
ـ أصل أخوي “مازن” جايب صاحبه قاعدين في البرندة جوّة، وطلب منّي أجيب له حاجة ساقعة وشوكولاتة وأدخلها لهم.
“سند” أوّل ما سمع الكلام اللي قالته اتنفض من مكانه، وفجأة طيّر الصينية اللي في ايديها، وقعتها على الأرض، والكوبايات القزاز اللي عليها وقعت، اتكسرت وعملت صوت جامد، وهو بيسألها بفحيح:
ـ هنسيبنا من اللي جايب صاحبه جوّة دي، وأنّي محرج عليه ما يجيبش شباب في البيت اهنه، حسابي معاه بعدين.
وكمل كلامه وهو بيبصّ على منظرها وبيمسك هدومها اللي هي لابساها وبيحرّكها بعصبية رعبت البنت:
ـ كنتِ هتدخلي تديهم ضيافتهم بشعرك وهدومك اللي هتلبسيها داي؟ ودراعك اللي باين، ورجلك اللي باينة؟!
ما هو العيب مش عليكي، العيب على أمّك، وعلى العِرّة اللي هيتحسب راجل عليّ، حداه ١٦ سنة وما يعرِفش أصول الرجولة، ادخلي على أوضتك، وبعد اكده لما يكون حدّ غريب في البيت ما تخرجيش منها واصل غير بإذن منّي أني بس، وتكوني متحشّمة، إنتِ ما بقيتيش صغيرة، وحسابي معاكي بعدين.
ودخل على “دعاء” وهو بيفتح الأوضة وبينادي عليها بصوت عالي:
ـ دعاااااااااء، إنتِ يا هانم، يا اللي ما لكيش عازة في البيت.
“دعاء” أوّل ما فتح الباب شافت شكله، انتفضت من عصبيته وصوته العالي، لدرجة إن الكرتونة وقعت من ايديها من شدّة خوفها، وخصوصًا إن هو منبّه عليها أصحاب “مازن” ما يجوش البيت، ولا يطلعوا الشقة، ولا يروحوا الاستراحة، ويقعدوا في جنينة البيت قدّام اللي داخل واللي خارج. فردّت عليه وهي بتتلجلج:
ـ في إيه يا “سند”؟ هو إنت جيت ميتى؟
“سند” قرب منها، ومن غير ما يتكلم من شدّة عصبيته وغضبه نزل على وشّها بقلم، ووراه التاني، لدرجة إنها اتصدمت وهي حاطة ايديها الاتنين على وشّها، ونطقت بصدمة وهي مش مستوعبة إن “سند” بعد العمر داي كلّه يمدّ يده عليها:
ـ إنت هتضربني يا “سند” على وشي بالأقلام؟ هتمدّ يدك عليّ؟ شكلك اتجنّيت في دماغك لما تمدّ يدك على “دعاء” هنداوي؟ وهتفكّرني كيف مرتك التانية تضربوها وتسوقوها كيف البَهيمة عادي؟
ما شافش قدّامه، وكمل عليها ضرب وهو بيشدّها من شعرها. “سند” من النوع الحليم، لكن في وقت الغضب بيقلب لشرّ، لدرجة إن اللي قدّامه يخاف من شكله من شدّة العصبية اللي فيه، وردّ عليها:
ـ ما إنتِ لو أمّ نضيفة وهتؤتمني على ولادك اللي إنتِ هتزعمي إنك هتحبيهم، كنتِ حافظتي عليهم، سايبة لي بنتك تروح تدخل عند أخوها وصاحبه، وهي يعتبر ما لابساش هدوم واصل، وكمان شعرها مش متغطّي، وقاعدة في الأوضة وسط كنيسك وغسيلك، وما يهمّكيش إن حداكِ بنت المفروض ما تغفليش عنيها واصل، وكمان منبّه عليكي بدل المرّة ألف، أصحاب “مازن” ما يجوش البيت، ومنبّه عليه هو كمان، وحسابه معاي بعدين لما صاحبه يمشي من البيت.
اتعصّبت بشدّة وهي بتعيّط جامد بسبب شدّ شعره ليها:
ـ إنت بتعمل معانا اكده ليه؟ البنت لساتها صغيرة وقاعدة في البيت براحتها، وكمان ابنك لسه صغير وصاحبه لِساته صغير، عقلهم هيستوعبش الحوارات اللي في دماغك داي،
هيبصّ لها كيف وهو ما يعرفش الكلام داي؟ ولدي متربي، وبتي لِساتها صغيرة، تدلّع في بيت أبوها على كيفها.
وكملت كلامها وهي بتشهق جامد:
ـ وبعدين إيه؟ ما كانش ولدي يقعد قدّام عيني هو وأصحابه؟ أسيبه يخرج برّه يعمل اللي على كيفه وما بدالهوش؟ ولا يقعد قدّام عيني وأشوفه هو بيعمل إيه؟
ردّ عليها بعصبية وهو رايح وجاي في الأوضة، مش طايق نفسه ولا طايق ردودها ولا كلامها ولا أفعالها:
ـ على أساس إنك قاعدة شايفاهم هيعملوا إيه وهم قاعدين ويا بعض وقافلين على نفسهم الباب؟ وإنتِ مسحولة في الخرابيط بتاعتك داي؟ ولا هتراقبي ولا هتشوفي ولا هتتنيلي. اللي أني أقوله يتسمع يا “دعاء”، يمين بعظيم، اللي حُصل داي اتكرر تاني، وولدك جاب أصحابه اهنه مرّة تانية، لا هكون مكسّر له رجليه الاتنين، وما هخلّهوش يخرج الشارع واصل، وإن ما حافظتيش على بتك وراقبتيها وصحّحتي سلوكها البايظ، حسابي معاكي إنتِ. واتفضّلي اتصرّفي وناديه لي دلوك.
سمعت كلامه وهي بتعترض عليه، لكن على صوته زعق خلاها اتنفضت، وخرجت من مكانها من شدّة غضبه، وخافت لا تنضرب منه تاني، وراحت لابنها وندهت عليه. كان صاحبه سامع صوت زعيق في البيت، واستأذنه إن هو هيمشي، وأوّل ما خرج، أمّه قالت له وهي بتلومه:
ـ أهو، جاك كلامي، قلت لك بلاش تجيب صحابك الشباب اهنه في البيت يا “مازن”، وقلت لك إن لو أبوك عرف أو جه على فجأة هيبهدلنا، ما سمعتش كلامي، روح استلقى، ووعدك منّي، وأي حاجة هيقول لك عليها قول له سمعًا وطاعة من غير ما تردّ عليه.
“مازن” ما رضيش يتحرّك من مكانه، وهو مرعوب من أبوه، وعارف وقت غضبه بيبقى عامل إزاي:
ـ يعني يا ماما هتمنعيني من الخروج مع أصحابي؟ ولا عايزاني أجيبهم في البيت اهنه؟ أموت حالي علشان تستريحي إنتِ وأبوي؟ ما عرفش أعيش على حريتي ولا أخرج مع أصحابي. داي الموت أهون من اللي إنتوا هتعملوه فينا داي. حرام عليكم، إنتوا لا يمكن تكونوا أب وأم عادلين أبدًا.
“سند” لما لقى صاحبه خرج، جاله هو، وسمع كلامه اللي ما ينفعش يتقال، وسمع صوته العالي:
ـ وإيه كمان يا ابن أمّك؟ يا اللي هتقف تعلّي صوتك عليها وتهبّ فيها وتشتمها كمان؟ تسلم اليد اللي ربّتك وخلّتك بعد ما بقيت طولنا، هتعلي صوتك علينا؟ وهي ما هتقول لكش عيب؟ وهتعلفك كيف البهايم؟
ولسّه هينزل بالقلم على وشّه، “دعاء” وقفت قصاده ومسكت يديه وهي بترجاه وبتبوس يده:
ـ أبوس يدك يا “سند”، حقك عليّ، والله هعلّمه الأدب، بس بلاش تضربه، بلاش يا “سند”. “مازن” ما عادش صَغير، وكلاتها كم سنة وهيتمّ العشرين، حقك عليّ إنّي والله لأربّيه وأعلّمه الأدب.
“سند” كان جاب آخره، وأعصابه فلتت منه، وصوته علي:
ـ هم دول تربيتك، كل حاجة وحشة وسيّئة فيهم ما لهمش ذنب فيها، علشان دول نتاجك إنتِ، البنت سلوكها مش سويّ، وكل ما أكلّمك عنها تقولي لي ما لكش صالح، البنت تربيها أمّها، والواد كل ما أجي أؤدّبه تقفي بيني وبينه. أجي أكلّمه بالذوق وأفهمه يهاودني وياخدني على قدّ عقلي ويقول لي حاضر، ومن وراي يعمل اللي في راسه، واللي يخليه يروح في داهية، وياعالم إيه اللي بيحصُل منيه تاني.
وكمل كلامه وهو بيحذّره وبيسمّع بنته اللي واقفة على باب الأوضة:
ـ قسمًا بالله إن اللي أني قلته لو ما تنفّذش منكم إنتوا التنين، بعد اكده لاهتشوفو منّي وشّ عمركم ما شفتوه واصل.
وسابهم وخرجنا على “دعاء” دخلت وراه الأوضة وحاول يهدي أعصابه شوية وبدا يتكلم معاها:
ـ من الواضح انك بتخليني اشوف من العيال حاجه واني موجود ولما باجي على فجاه بشوف حاجات ثانيه شكلك هتسستمي العيال على نظام الصمت في وجود ابوكم ولما يمشي اعملي اللي على كيفكم هي دي الامانه اللي بيناتنا يا “دعاء” ؟
وفضل يديها كلام في جنابها زي السم لدرجة انه هددها بالطلاق إنه هيحرمها من عيالها لأنها ام مش صالحة ليهم، وانه مش قاعد معاهم طول الوقت ولا عارف تصرفاتهم ولا افعالهم زيها وهي فضلت تترجاه انها هتخلي بالها منهم وتسترضيه،
بعد مرور ساعتين من الوقت قرر ان هو يقعد مع اولاده ويتكلم معاهم ويعرفهم الصح والغلط بنفسه ويراضيهم على عصبيته لان ده بسبب دلع امهم ليهم ونتاج تربيتها هي،
قعد معاهم واخدهم في حضنه وبدا يتكلم معاهم ووجه كلامه الاول لابنه:
ـ شوف يا “مازن” يا ولدي، إنت بقيت راجل، والراجل لازم يكون قدّ المسؤولية وقدّ اسم إنه راجل. الرجولة عمرها ما كانت بالعضلات ولا بالجيم ولا بالصوت العالي على أمك ولا أبوك، الرجولة إنك تحافظ على عرضك وشرفك، إنك تغيَر على أختك وتحافظ عليها، وما تخلّيش حد يلمح طرفها، ولا حتى أصحابك اللي إنت هتديهم الثقة زيادة عن اللزوم، وتقول هيعتبروها كيف أختهم، وإنت ما تعرِفش إنهم هيستحلّوا النظرة ليها، والنظرة ممكن تجرّ حاجات كَتير وراها ما نقدرش نسيطر عليها بعد اكده،
وأني لما أكون مانعك من حاجة ما تعملهاش، ما اسمهاش إني هجبرك ولا هحكم عليك، ولا أني هتجبّر عليك وهستخدم سلطتي كأب، لكن اللي هعمله وياك لمُصلحتك، عشان أطلعك راجل تغيَر على أهل بيتك وتحافظ عليهم بعينيك، يا ريت تسمع كلامي زين، وكل حاجة هقولها لك يا “مازن” بتكون في مصلحتك، علشان تُبقى راجل.
وبصّ على بنته وسحبها لحضنه وهو بينصحها هي كمان:
ـ وإنتِ يا بتي، البنت لما هتكبر وتبلغ لازمن تكون زينة وعِندها حياء، وكل حتة فيها تخبيها عن العيون، علشان هي جوهرة تستحق إنها ما تبقاش مباحة لأي حد، والعيون كلاتها ما تفتكرهاش سهلة وتبصّ عليها في الرايحة والجاية، لازمن تعزّي نفسك وتعرفي إن ليكِ رب أمرك بالاحتشام، وإن ما حدش يشوف طرفك غير اللي هيبقى جوزك حلالك في يوم من الأيام، البنت أصلها الحياء والأدب، وإنها تكون صعبة قصاد أي حد يفكّر إنه يستسهلها.
وخلص كلامه معاهم وهو واخدهم في حضنه وكل ده دعاء عماله تبص لهم بنظرات انهم يقولوا حاضر ونعم ويسمعوا كلام ابوهم من غير ما يعارضوه لكن اللي في القلوب في القلوب سيستم الولاد اتعودوا عليه منها ويا عالم هيروح بيهم لفين،
وفضل قاعد معاهم يتكلم في حاجات كتير علشان ينسيهم عصبيته عليهم وطلع المسليات اللي كان جايبها وبعد ما لقاهم اتراضوا منه، بلغ “دعاء” إنه مسافر مع “نغم” وخيرها لو كانت عايزه تيجي وطبعا رفضت كالمعتاد ومن جواها هتستريح منه ومن تحكماته عليها وعلى عيالها اسبوع بحاله، وبعد ما خرج من البيت حضنت ولادها وقعدت تبوس راسهم وتعتذر لهم على اللي حصل واخدت نفسها وهي بتقول لهم:
ـ خلاص ما تزعلوش ابوكم مش هياجي لمدة أسبوع كل واحد فيكم يعمل اللي نفسَه فيه آني أهم حاجة عِندي أشوف ضحكتكم واني ما احرمكوش من حاجة واصل.
*******
طب خلصتي تجهيز شنطتك وحاجتك اللي هتاخديها وياكي إنتي والعيال ولا لساتك معملتيش حاجة يا “نغم” هانم .
جاوبته بحماس وهي بتراجع الورقة اللي كتبت فيها كل اللي ناقصها ولقت انها حطت كل حاجة ومنسيتهاش وجاوبته بحماس في التليفون:
ـ لاااه ، خلصت والله العظيم، هنسافر ميتى بالظبط علشان تلاقيني جاهزة ولابسة اني والعيال ؟
جاوبها بحماس مماثل :
ـ هنتحرك الساعة تسعة بالليل إن شاء الله هكون خلصت كل الشغل اللي وراي.
وكمل وهو بيسألها :
ـ قولي لي بقى اشمعنا اختارتي الإسكندرية بالذات تقضي فيها الأسبوع دي ممكن أفهم إيه سر حبك للإسكندرية وخصوصي المنتزه؟
جاوبته بنبرة كلها سعادة وراحة:
ـ هحبها قوي، وهشتاق إني أزورها وهشوف الفيديوهات بتاعتها على النت بتُبقى جميلة قوي وكمان هحب اسمها وهشتاق أشم ريحة بحرها من زمان .
كان مستمتع بالكلام معاها وصوتها الرقيق وكان هاين عليه يكسر شاشة التليفون على أمل انها تطلع له منها وغازلها كعادته:
ـ حاسس اني متجوَز طفلة جميلة ورقيقة وأحلامها رغم بساطتها إلا انها بتأثرني.
وكمل كلامه وهو بيتمشى في مكتبه وهو حاسس انه رجع مراهق من أول وجديد وهو بيطلب منها بعبث :
ـ اه نسيت حاجة مِهمة أوصيكي عليها تحطيها في شنطتك، متنسيش البجامة التايجر حطيها في الشنطة علشان من وقت ما شفتك بيها وهي خطـ.ـفاني وروشاني ومجنناني .
ابتسمت بخجل وهي بتتنفس في التليفون بأنفاس بطيئة لدرجة إن سمعها ويكاد يكون حس بحرارة أنفاسها وكأنه شايفها قدامه وهو حاسس إن أثر كلامه عليها خلاها تتكسف ووشها يخجل، وأخيراً خرج صوتها بالعافية:
ـ طب هقفل بقى علشان ألحق ألبس أنى والعيال.
نطق اسمها بشجن زلزل كيانها:
ـ “نغم”، هتوحشيني على ما أشوفك ونتوكل على الله.
ردت عليه بكلمة سريعة قبل ما تقفل بسرعة من شدة خجلها :
ـ وانت كمان .
قالتها وقفلت بسرعة قبل ماهو يستوعبها وهي بتحضن التليفون وكأنها بتحضن هواها الضايع واللي ما صدقت لقته، أما هو بعد ما قفلت وسمع منها الكلمة اللي أسعدته وخلته هو كمان يطلع صورتها اللي صورها لها وهي نايمة بطبيعتها على صدره وهي حاضناه ببراءة في الليلة اليتيمة اللي سهرو فيها مع بعض، كان بيقرب الصورة ويبعدها وهو بيشوفها من جميع الجوانب وجواها بقى ملتهب بعشقها ويتمنى قربها، وقرر يبعت لها رسالة بعد ما قفلت:
ـ على فكرة بقى أني سمعتك زين قوي، وفيها إيه لو كنتي كملتيها عادي وقلتي لي انت كمان هتوحشني على ما أشوفك ، على فكرة مش عيب خالص.
استلمت رسالته وقلبها بينبض جواها بدقات سريعة، إحساس خجل على راحة على بداية عشق على مشاعر أول حب يدق قلبها كلها حاجات مخلياها تقرأ رسالته وعيونها بتلمع وفي الآخر كان ردها بإيموشن عيون جواها قلوب، اول ما استلم رسالتها بعت لها ايموشن قبلة بدون ما يخجل، “سند” بيضرب بمشاعرها الحقيقية ناحيته من غير ما يبالي إنها أول مرة تجرب المشاعر دي، واقف لها على باب قلبها بالمرصاد وخالف من جواه لا يقتحم حصونه من غير رحمة بيها علشان عقلها وقلبها ميلحقوش يستوعبوا غير انها تروح منه إليه،
خلاص استعدوا للسفر ووصل لعندها علشان ياخد الشنط ويمشوا ، أول ما طلع كان في ايديه شنطه فيها شويه احتياجات ليها وهو عارف ومتاكد انها مش عندها الحاجات دي فطلب منها انها تحصله على الاوضه بتاعتها،
استغربت جدا من طلبه وبقيت خايفه ومكسوفه ومش عارفه هو عايز ايه لانه اول مره يدخل عندها جوه اوضتها دخلت وراه وهي قلبها بيدق، واللي خلاها تتوتر اكتر ان اول ما هي دخلت قفل الباب وراها ،وهو كالعاده قرا على وشها مشاعرها المتوتره والخجل وعلامات الاستفهام فقرب منها وهو بيحضن اكتافها وبدا كلامه معاها وهو بيلعب باعصابها شويه:
ـ ايه مالك وشك اتلوَن بميت لون اكده ليه وكاني هخطُـ.ـفك مثلاً ؟
وكمل كلامه وهو بيقرب منها أكتر وبيلعب بأعصابها لدرجة انه حس بجسمها المهزوز وهو قدامه وحرارة أنفاسها المتوترة من قربه، ومكره معاها:
ـ لما داي حالتك وأني جاي اقول لك كلمتين عاديين، امال حالتك هتُبقى كيف لو قلت لك مثلاً انك شكلك كيف القمر وانتِ خجلانة؟
أو مثلاً هطلب منك حضن أو بوسة لجوزك علشان لساتي راجع من برة .
بلعت ريقها بصعوبة وبقت واقفة قدامه مش قادرة تصلب طولها كعادتها كل لما يقرب منها بالشكل ده، حاولت تفك نفسها من حصاره لكن مقدرتش، فنزلت عيونها في الأرض وهمست :
ـ طب في ايه هتحتاجه مني عاد علشان العيال واقفين برة، وبعدين انت قفلت الباب ليه ؟
جاوبها باستمتاع وهو بيشيل حجابها من على راسها خلاها اتوترت زيادة وحطت ايديها على شعرها ظن منها إنها كدة بتداريه، لأنها صبغته وغيرت لونه وقصته بسبب سعادتها لسفرية اسكندرية وأول ماشافه برق عيونه بانبهار لـلمعانه وشكلها متغير تماماً للأجمل فلمسه وهو متأثر من جمالها :
ـ وه! دي انتِ منوياش على خير ابدا وياي يا بت حناوي عاد ؟
اندهشت من كلامه ومن اندهاشه وسألته :
ـ وه! هي بت حناوي كان عِملت ايه يعني يا “سند”؟!
لف خصلات شعرها على ايديه وهو بيجاوبها :
ـ عِملت كَتير ولساتها هتعمل في “سند” المغلوب على أمرَه قدامها بلاوي، لما هي داي البدايات بتاعتك امال النهايات كيفها عاد؟
فهمت مقصده وهي شايفة في عيونه رغبته فيها فحاولت تبعد وهي بتترجاه:
ـ وه هترجع في كلامك عاد؟!
إحنا متفقين تديني فرصة أستوعب وجودك في حياتي، تديني فرصة أعرِفك وتعرفني وناخد على بعض، وانت بطريقتك داي هتعمل كيف الغزو على مشاعري ومهتخلنيش أعرِف استوعب ولا أفكِر حتى .
ـ طب بقول لك انتِ ملعون ابو الوعود اللي الإنسان هيوعدها بسببك يا بت حناوي وهطلع فيها عيل ومش كد كلمتي اياك، كيف انتِ عيونك ورقتك هيسحروني عاد واني مقادرش على الصبر عاد .
هربت بعيونها بعيد عن عيونه اللي محاصراها وهتاكلها وهي بتعرفه:
ـ طب دلوك احنا ورانا سفر وبالليل كمان والطريق طويل، والعيال واقفة برة متلهفين هما كمان للسفر وانت هتضيع الوقت اكده، وكمان قدامنا أسبوع بحالَه نقول ونستوعب على كيفنا، قل لي بقى في ايه لوقفتنا داي؟
ابتسم لها وهو واعي وفاهم تهربها منه، ومن جواه عارف إنها هتفضل تتهرب منه، فقرر يلاعبها لعبة الشوق واللهفة على مزاجه وهو أصلا مستمتع وياها باللحظات دي جداً،
ساب ايديها وطلع اللي في الشنط وفرجهم عليها وطلب منها:
ـ أولا العباية السمرا داي غيريها والبسي الطقم دي أشيك ومناسب للسفر وفي الشنط داي جبت لك كذا طقم علشان خروجاتنا هناك.
وطلع من شنطة تانية حاجة أول ما شافتها شهقت بفرحة وهي بتحضن الشنطة بسعادة واتكلمت بدهشة:
ـ ايه دي! معقولة جبتي لي مايوه إسلامي اللي كنت هشوفه في الفيديوهات وكنت هتجنن عليه، طب عرفت كيف اني نفسي فيه ؟
رفع ايده باستسلام وجاوبها وهو سعيد لسعادتها:
ـ أني هحس باللي هتحبيه وهجيبه لك ، وكمان اني من يوم ما بقيت مسؤولة مني وأني وعدت حالي اني مخليش نَفسك في اي حاجة كيف “دعاء” بالظبط .
سألته بتلقائية:
ـ هو انت جبت لـ”دعاء” مايوه قبل سابق؟
ابتسم وجواه مبسوط بنبرتها المليانة غيرة من غير ما تشعر وجاوبها وهو بيحرك راسه برفض:
ـ “دعاء” مهتحبش المصايف ولا البحر ولما كنت هاخدها هي والعيال كانت هتقعد قدام البحر ومهتحبش نزوله واصل .
وكمل كلامه وهو بيسألها بمغزى:
ـ بس معارفش هي الستات كلها اكده ولا هي بس اللي مهتحبش البحر؟!
طب انتِ هتحبي نزول البحر ؟
جاوبته بحماس وهي بتسقف على ايديها زي الطفلة الصغيرة:
ـ وه! أني هعشق نزول البحر وكمان هعرِف أعوم زين، خالي الله يرحمه كان هياخذني وياه على المركب اللي هيصطاد بيها وكان هيعلَمني العوم، واتعلَمته زين كمان ومن يوم ما مات خالي واني ما شفتش البحر تاني.
غمز لها بشقاوة وهو بيقول لها:
ـ دي عال قوي ، شكلها هتُبقى سفرية عال والبحر هيشهد عليكي وهعرِف نفسك هيجيب لحد فين في العوم وياي، يا أغرقك يا تغرقيني.
لاول مرة تفتخر بنفسها في حاجة وردت عليه:
ـ لااااه، بقي، في السباحة بالذات اني كنت هتسابق وياهم كلاتهم وكنت هغلبهم حكم انت متعرِفنيش زين أني كنت واني عيلة صغيرة شقية مووت.
وكملت كلامها ونبرة صوتها السعيدة اتبدلت لحزن وبأس:
ـ بس لما كبرت الدنيا ادتني على راسي ومرمطتني لدرجة اني نسيت يعني ايه مراحل طفولة ومراهقة كيف البنات، يالا الحمد لله على قضائه وقدره وحكمته في حياتي اكده.
قرب منها وسحبها لحضنه وهو بيبوسها من راسها وجواه حاسس بالقهر والوجع علشان وجعها، لما كانت مرات أخوه كان بينتفض من القهر عشانها من باب الأخوة علشان ظلم أخوه ليها وجبروته عليها، وما كانش بيسكت له ولا بيسكت لأمه على ظلمها، ودلوقتي بقت مراته وعلى اسمه مش قادر يشوف حزنها، ومن جواه عايز يمحي كل ذرة حزن علمت جوه قلبها وعقلها:
ـ خلاص بقى عاد يا “نغم” بطلي تفكِري في الماضي، اللي راح من العمر راح، بس لساتك هتعيشي بصحة وعافية ربنا وهبها لك، لازمن تنسي علشان ولادك يشوفوا على وشك البسمة بدل الدمعة اللي علطول هيشوفوها على وشك ، ويالا بقى البسي علشان نتوكل على الله .
ابتسمت ومن جواها كان نفسها تشدد على حضنه وتشكره على كل حاجة حلوة بيعملها علشانها، سابها وخرج وهي فتحت الشنط لقت جايب لها طقم شيك جدااا بجميع احتياجاته ، حتى الشنطة والنضارة والشوز والحجاب، حضتتهم زي الطفلة الصغيرة اللي جاي لها لبس العيد، وبدأت تلبس بسعادة مدخلتش قلبها غير لما اتجوزت “سند” اللي واقف معاها وكان السند فعلاً.
رواية النغم الحزين الفصل التاسع 9 - بقلم فطيما يوسف
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
تقدَّم أيها الفتى المغوار وانهل من قربها و رحيقها الفتَّان،
فالعشق ساحةُ قتالٍ لا يخرج منها القلب إلا غالبًا أو مكسورَ الجَنان،
إن أقبلتَ عليه ألبسك الشوق تاجًا وأوقد فيك نارَ الشوق والحنين،
وإن أدرتَ له ظهرك لاحقك حتى آخر النبض وآخر الأمان،
هو وعدٌ بالخلود وإن كان طريقه تعبًا وحرمان،
وفيه يُولد الإنسان من ضعفه قويًّا،
فالعشق امتحانُ القلوب، فهو إمّا حياةٌ تُعاش، أو وجعٌ يُعاش له، تقدم ولا ترضى لقلبك الهوان.
✍️✍️✍️
قبل ما يسافر “سند” جت “جليلة” الدوار عندهم علشان يتفق معاها، كانت قاعدة قدامه وهي مرعوبة من نظراته المليانة جمود، وخصوصاً إن بنت خالتها قالت لها إنه عرف كلامها مع اهل البلد، فبدأ كلامه :
ـ مش خابر أعرِفك إن الشغل في بيت “سند الناجي” غير وخصوصي إني دريت إن لسانك طويل وهيفشي في ودان البلد كلاتها بس هنعمل ايه ملقينش غيرك وعلى ما ندوِر على واحدة تانية معايزش منك غير السمع والطاعة ويسبقهم الأمانة .
“جليلة” أول ما سمعت إن الشغلانة اللي بتحلم بيها من زمان ممكن تضيع من ايديها وخصوصاً إن بنت خالتها بتحكي لها عن الهنا والعز اللي بتشوفه في البيت ده، وكرم “سند”
وأبوه اللي مغرقها هي وعيالها من أكل وشرب كسوة ومال، اترجته بلهفة:
ـ والله العظيم يا سي “سند” بيه إني هبقى من يدك داي ليدك داي ، مش هقول غير سمعا وطاعة ومهيهمنيش الا رضاك عني، وجربني إن لقيت مني غير اكده يُبقى بأدب، بس سايق عليك متمشنيش من الشغل اهنه اني محتجاه قوي.
بص لها بمغزى وهو بيطلب منها:
ـ تمام هجربك، هاتي لي ودنك معاي وافهمي زين اللي رايدَه منيكي وهتلاقيني بتصل بيكي في اي وقت علشان أشوفك هتعملي اللي هطلبه منك زين ولا لااه وإن عجبتيني ولقيتك مخلصة وعندك همة في اللي هطلبه منيكي يُبقى هتشوفي الخير كلاته على يدي ، اما لو قليتي وياي وقتها هتشوفي وش عمرك ما شفتيه .
حركت راسها بطاعة ووعدته:
ـ يمين الله لو قلت لي ارمي نفسك في النار هعملها يا سي “سند” بيه وإن ما كنت أبقى يدك اليمين اهنه مبقاش “جليلة” بصُح .
رفع حاجبه بانتصار وطلب منها:
ـ هتطلعي من النجمة لدوار أم “مازن” هتستلمي الشغل فيه لحد ما أعاود من سفريتي وبعدها هتاجي لدوار أم “محمد” ولما أرجع تكوني شفتي واحدة زينة وأمينة علشان تكمل مع أم “مازن” ، وقت ما أكلَمك في التليفون تردي علي بَعيد عن أي حد واللي هطلبه منيكي دلوك تنفذيه بالحرف الواحد من غير ما أي حد يدرى بيكِ ولا باللي هتعمليه واصل، معايزش مخلوق في الدوار كلاته يشك فيكي وفي اللي بطلبه منيكي ، ويمين بعظيم إن حد دري بحاجة واصل ولا حتى بت خالتك لا هقطـ.ـع لسانك خالص .
حركت راسها بطاعة وهي بتركز في كلامه كويس وأكدت عليه :
ـ طب والله العظيم لا هرفع راسك ومهتلاقيش حد في نباهتي ولا في ذكاوتي وانت هتجرِبني وهتشوف .
حك دقنه وبدأ يطلب منها هتعمل ايه بالظبط وهي مركزة في كلامه كويس وبعد ما أخلص معاها طلب منها تدخل تشوف طلبات ابوه ووصاها عليه وسمعت الكلام ونفذته، أما هو مسك موبايله وفتح الواتساب علشان يكلم “دعاء” ويعرفها اللي في دماغه وايده تلقائي راحت على الحالات بص لقى بنته منزلة حالة وهي بشعرها وبترقص وتغني مع أغنية، اتجنن من اللي شافه وطلع لعندهم تاني لقى نفس الحوار البيت هادي ومفيش صوت ، دخل على أوضة “دعاء” بهدوء وصحاها من النوم :
ـ ايه دي انت لسه مسافرتش عاد؟
جاوبها بغضب جحيمي وصوت واطي علشان الولاد ميسمعوش :
ـ ايه مهدودة طول النهار في شغل البيت ونايمة من المغرب يا هانم وسايبة بتك تعمل اللي على كيفها؟!
ماهي ملقياش رقيب ولا حسيب عليها فتعمل ما بدالها عاد .
نفخت بضيق وهي بتحاول تفتح عيونها بالعافية:
ـ يا ساتر يارب عِملت ايه إن شاء الله تاني ، انت راجع على فجأة أها لاقي البيت هادي وهي هتلاقيها بتذاكر جوة في أوضتها وروح اتوَكد بنفسك.
ضحك باستهزاء على اللامبالاة اللي هي عايشة فيها وطلع موبايلة وفتح الواتساب للخط التاني وكان مسجل رقم بنته عليه :
ـ اتفضلي شوفي بتك بت “سند الناجي” هتعمل ايه، هتترقص كيف الغوازي ، لو تفتكري إني منبه عليكي تعرفيها إن الحاجات داي ممنوعة وعرفتها هي كمان بدل المرة عشرة فتعمل ايه تخليني مشفش حالاتها ولولا إني جبت رقم جديد وسيفت رقمها حداي مكنتش شفت ولا عرفت حاجة ودي علشان انتي السبب يا “دعاء” .
برقت عينيها بصدمة وسألته:
ـ هو كل حاجة انتي السبب يا “دعاء”؟!
أمرك عجيب يا “سند”، شايفاك رايد كل يوم والتاني من ساعة العيال ما كبروا وانت هتحاول تفرض سيطرتك عليهم وهتحاول تطلعهم مش متربيين وكل شوي تتصيد لهم أخطاء في حين إنك لو بصيت حواليك هبابة هتلاقي البنت بتهزر هي وصاحباتها وكلاتهم هيعملوا اكده .
وطلعت موبايلها وبدأت تخليه يشوف حالات صاحبات بنتها وكل اللي شافهم عاملين زي بنته بالظبط وكملت كلامها:
ـ أظن البنات داي أباهتهم صعايدة زيك بالظبط واها كلاتهم هيعيشوا سنهم ومحدش هيقف لهم على الواحدة ، انت اكده هتعقد لي العيلين اللي حيلتي وهطلعهم مرضى نفسيين على حاجات تافهة الشباب كلاتها هتعملها.
“سند” مسح وشه بقلة حيلة وكأنه بينفخ في قربة مخرومة وعارف إن دماغها طالما مقتنعة بفكر معين يستحيل يقدر يغيره مهما عمل ومهما قال:
ـ تعرِفي اني حزين من جواي اني اخترتك أم لولادي، وأي سلوك سئ فيهم إنتي السبب فيه لأنك ممقتنعاش إنه غلط من الاساس، وإذا كان على أصحابها اللي هي هتعمل زيهم كيف ما بتبرري أني مليش علاقة بيهم نهائى ، ولو الدنيا كلاتها هتعمل الغلط وهتشوفه عادي اني مهشفهوش فتسمعي اللي هقول لك عليه دلوك وهتنفذيه رغماً عنك .
وكمل كلامه وهو بيسمعها اللي صدمها منه:
ـ دلوك هتدخلي بنفسك تواجهيها بالقرف دي وهتعرفيها إنه غلط وكمان هتسحبي منيها الموبايل وتعرف انه مهيباتش وياها تاني ، أني أصلاً كنت رافض حوار الموبايلات دي ، وتعرفِيها بنفسك إن دي عقاب علشان هتستهل نفسها وإن ديننا اللي احنا مأمورين باتباعه هينهانا عن الحاجات داي، وتعرفيها كمان إني معرفش حاجة عن اللي هتعمله دي وإن رفضت تديكي الموبايل تقولي لها إنك هتعرفيني واني وقتها هتصرف،
ومن بكرة إن شاء الله هتطلع لك بت خالة “سعدية” هتشوف طلبات البيت وهتبات اهنه في الأوضة الفاضية الدوار واسع .
شهقت بصدمة وردت عليه برفض تام:
ـ اني ما محتاجاش حد يشتغل وياي ولا رايدة حد يضايقني اني وعيالي وما نعرِفش نقعد على راحتنا، ما اشتكيتلكش علشان تَجيب لي حد يخدمني يا “سند” ، اني رافضة الموضوع دي رفض تام.
ورد عليها هو كمان بأمر قاطع لا يقبل النقاش:
ـ مش بمزاجك المرة داي يا “دعاء” ولما إنتِ ما هتحتاجيش حد يراعي مسؤولية البيت وياكي هتنامي من المغرب وسايبة عيالك يعملوا ما بدالهم ليه؟!
ما هو علشان إنتي هتهدي حيلك في البيت طول النهار وتنامي من المغرب وتصحي تاني يوم من الفجر تعيدي نفس القارة، يعني هتنامي وقت ما هم هيصحوا وهتصحي وقت ما هم هيناموا، ولا دريانة باللي هيجرى واللي بيحصُل حواليكي وهتقولي هم كبروا وهيشيلوا نفسهم، اما أدبهم واخلاقهم هتحطي في بطنك بطيخة صيفي ولا هتشيلي هم انهم في سن المراهقة ومحتاجين المراقبة منينا والحساب على كل تصرفاتهم، وعلشان اكده هتقومي دلوك تنفذي اللي قلت لك عليه من السكات،
ويكون في معلومك اللي هتاجي تساعدك لو اتعامَلتي وياها وحش ولا صدر منك اي تصرف عفش ليها هعرِف وههينك قدامها علشان اني عارفك جبروت لما ميعجبكيش حاجة بتهاودي اللي قدامك وتحاولي بكل الطرق تخربي من ناحية تانية.
ربعت ايديها على صدرها وهي بتسأله باستنكار:
ـ طب وان معملتش اللي إنت هتقول عليه ورفضت. وشايفة اكده إنه كبت لحرية العيال وانك هتفرض علي أشخاص في بيتي مرايدهمش واصل هتعمل ايه ؟
جاوبها بحدة وصرامة:
ـ يِبقى تروحي على دار أبوكي وورقتك هتوصلك وعيالي آني هعرف أربيهم زين بَعيد عن إهمالك وتفكيرك العفش اللي لايمت للتربية الصحيحة من أصله، وانتِ خابراني زين اللي هقوله مفيهوش راجعة.
اتنهدت بغلب من طريقته وأوامره وتصميمه وردت عليه بحدة:
ـ بس انت اكده تُبقى ظالم يا “سند” علشان تفرض علينا حاجات هتهدد راحتنا واستقرارنا اني والعيال واحنا رافضينها ومعايزنش وعايشين في سلام من غيرها وبيها هنعيش في قرف وغم .
رد عليها بحدة مماثلة:
ـ رفضك وقبولك دلوك ملهمش عازة حداي طالما ولادي هيضيعوا من ورا دلعك الماسخ وتربيتك اللي لا تمت للتربية بصلة يُبقى نمشيها أوامر يا بت الناس يا إما كل واحد ينام على الجنب اللي يريحه، ودلوك اتفضلي وأني هتفرج من بعيد وهشوف رد فعلك مع البنت وإنتي هتنفذي اللي قلت لك عليه بالحرف الواحد.
نفخت بضيق وقامت تنفذ اللي هو عايزه وهي مرغمة ومش طايقة نفسها وقال لها وهي خارجة بوعيد صارم:
ـ خلي بالك اني عارف انك هتداري عني حاجات كَتير تخص العيال وهعرفها صدفة بس يمين بالله يا بت خالتي إن اكتشفت مصايب لحالي من حد فيهم ما تلوميش إلا حالك والطبطبة اللي كنت هتعامَل بيها وياكي في أمورهم هتقلب جحيم على راسك مني ومتقوليش إني هنشغل بجوازة تانية ولا شغل هيسحلني لاااااه، هتلاقيني هطب عليكم في أي وقت متحسبيش حسبانه وانتي خابرة زين لما هحط حاجة في راسي هنفذها كيف .
دبت في الارض بزهق من تحكماته وراحت على بنتها تنفذ كل اللي أمرها بيه والبنت اتعصبت جامد وعلت صوتها بهستيريا لدرجة إن “دعاء” خافت لا “سند” يسمع صوتها فقربت من بنتها وقالت لها بتحذير وهي بتجز على سنانها بغضب :
ـ بس متعليش صوتك بوكي برة يا “سما” ولما يمشي هديه لك تاني بس كل اللي هقول لك عليه دلوك توطي وشك في الارض وتقولي حاضر ونعم .
البنت نفخت بضيق من الموقف ككل وبدأت تمثل الطاعة بعد كلام ونظرات أمها وخصوصاً إنها لمحت خيال ابوها جاي عليهم:
ـ حاضر يا ماما اللي تشوفيه ، اتفضلي التليفون أها.
أخدت “دعاء” منها التليفون وقفلته وقالت لها :
ـ اعملي حسابك التليفون مش هيبات وياكي تاني وهيفضل معاي طول الليل، علشان الفيديو اللي بتعمليها على الأغاني، إحنا مش بتوع الكلام دي حتى لو أغلب صحابك هيعملوه احنا لاااه ولو أبوكي عرف هيبهدلك وهتنزلي من نظره .
البنت بصت لورا وردت على امها بتقزز:
ـ إن شاء الله حاضر .
أما “سند” راح لابنه ودخل عليه الأوضة لقاه بيتكلم في التليفون ولما شافه قفل فقرب منه وقال له:
ـ جاي أخد حضن من ولدي حبيبي قبل ما اسافر اسبوع بحالَه مهشفكش فيه .
فتح دراعه وابنه سكن حضنه فبدأ يتكلم معاه:
ـ طمني لساتك هتصاحب ولد دهشان ولا بعدت عنيه كيف ما طلبت منيك ومتكذبش علي يا “مازن” علشان عارف بوك لو عايز يعرِف حاجة هيعرفها؟
جاوبه “مازن” بكل صراحة لأن ابوه بيكشف كذبه بكل سهولة:
ـ بصراحة يا ابوي ولا بعدت ولا قربت كلام وزمالة عادية يعني .
وكمل “مازن” وهو بيسأل أبوه:
ـ انت ليه يا أبوي هتبعدني عنيه هو ملهش ذنب إن ابوه هيتاجر بالمخدرات والحشيش؟
جاوبه “سند” وهو حاضن وشه برعاية وحنان وبيفهمه الصح:
ـ شوف يا ولدي من شابه أباه فما ظلم، انت ليه تصاحبه الله يسهل له هو وحورات أبوه وأمه، ليه تحط حالك موضع شبهات وخصوصي إن الواد دي هيشرب سجاير وأني محبكش تمشي وياه، باختصار يا ولدي الطيور على اشكالها تقع .
وكمل “سند” كلامه وهو بيكبر بابنه:
ـ أني هسافر سبوع وكنت رايد أخدكم وياي وانتو رفضتو بس طالب منك طلب يا “مازن”؛ رايدك تخلي بالك من أختك في غيابي ، تراقبها من بَعيد لبعيد من غير ما تمارس عليها رجولتك، لو شفتها هتعمل حاجة عيب عرفني راجل لراجل، وكمان متجيبش حد من أصحابك وتدخلهم على أمك وأختك في غيابي.
وكمل وهو بيسأله بتحفيز:
ـ ها يا “مازن” أني سايب راجل وراي أطمَن ولا مطمنش عليهم ؟
جاوبه “مازن” بحماس وجواه فرحان إن أبوه بيكبره:
ـ حاضر يا ابوي اللي تشوفَه، اطمَن وتوكل على الله وأني هخلي بالي منيهم.
شدد “سند” عليه وطلب منه:
ـ لو شفت حاجة مهتعجبكش على اختك تعرفها لها بحنية وهدوء داي أختك الوحيدة، تمام ؟
” سند” كان بيبني لقدام في علاقة الأخ بأخته لأنه فقد الثقة في “دعاء” فقرر هو اللي يفهم ابنه ويزن على ودانه علشان يبقى راجل وكمل كلامه وهو بيعرف “مازن”:
ـ وفي حاجة كمان حابك تعرِفها انت في أجازة دلوك اعمل حسابك إني لما أرجع هتنزل وياي المصنع علشان أني الشغل حمله تَقيل علي وانت ولدي الوحيد ولازمن أتسند عليك وبسم الله ماشاء الله قربت تُبقى طولي واللي زيك يشيل شغل مصنع بحالَه واعمل حسابك لو اتعلمَت سريع همسكك المصنع كلاته وتُبقى أصغر راجل أعمال في الصَعيد ويعتمد عليك كمان .
الولد اهتز من جواه من طلب أبوه وسأله:
ـ هو ينفع يا أبوي اشتغِل في السن دي وأمسك مصانع كمان؟
طبطب “سند” على ضهره وهو بيحفزه أكتر:
ـ أه أمال ايه أني مسكت شغل أبوي من وأني ابن ١٧ سنة، كنت اتعلَمت واتودكت في الشغلانة وجدك اعتمد علي، والواد لأبوه وأني شايفك أرجل من أي حد، ها ايه رأيك يا بطل؟
جاوبه “مازن” وهو بيسأله عن التفاصيل بحماس:
ـ طب هو الشغل دي متعب يا أبوي ؟
ـ شوفي يا “مازن” يا ولدي الشغل عمرَه ما كان متعب، بس علشان تُبقى راجل صُح وتنجح انت منك لنفسك لازمن تتعب وتجتهد علشان يُبقى ليك لنفسك حاجة خاصة وشغل وبيزنس بَعيد عن ابوك، كيف ماني عِملت هراعي شغل جَدك وليا مالي الخاص ومصانعي، فكل واحد هيعمل اللي هيقدر عليه، لازمن تتعب عشان تُبقى راجل وفي يوم من الأيام لما تُبقى اب زيي ولادك يفتخروا بيك.
وفضلو يتكلموا مع بعض وفي الآخر حضنه “سند” قبل ما يخرج ومن جواه حاسس بالقلق على ولاده وخصوصاً بنته ، لان ابنه هياخده معايا في كل مكان وهيشغلوا جامد بالشغل معاه أما “سما” مش عارف يتصرف معاها إزاي وخصوصا ان “دعاء” بتفسد كل حاجة بيعملها.
******
قاعدين قدام البحر بيفطرو والأولاد بيلعبوا على الشط وهو كان بيبص لملامحها الجميلة وضوء الشمس بيحضن ملامحها الجميلة ولمعة عيونها اللي بتشوف نور البحر لأول مرة في حياتها يتحكى فيها حكاوي، مبقاش قادر يسيبها تستمتع بالجو اللي هي منبهرة بيه ونفسه يتكلم معاها وسألها:
ـ ياه كد اكده هتحبي البحر ومبسوطة إنك هتقعدي قدامه لدرجة إنك ناسية الدنيا باللي فيها؟
بصت لها وعيونها مش عارفة تبص لعيونه علشان ضوء الشمس وجاوبته براحة لأول مرة تتنعم فيها في حياتها:
ـ مش هتصدقني لو أقول لك إني ممصدقاش إني هتنفس ريحة البحر المالح اللي ياما حلمت بيها، وضوء الشمس المخلوط بنسمة الهوا الخفية هيرد لي روحي يا “سند”،
انت متتصورش كد ايه مبسوطة بالقعدة داي وأني هشوف عيالي حوالي مبسوطين وبيتنفسوا أبسط حقوقهم اللي اتحرمو منيها سنين .
ابتسم بسعادة لفرحتها ومن جواه نفسه ياخدها في حضنه وتسند راسها على صدره وهي يطبطب عليها ويسقيها من الحنية اللي ياما اتحرمت منها ، وهو كمان اتحرم من قلب يحبه ويحتويه ويحس بيه كراجل عنده إحساس ومشاعر تجاه الست اللي معاه وعلشان كدة هو مبهور بالبدايات معاها لأنه هو كمان ملحقش يعيش ولا لحظة من اللحظات دي وقال لها :
ـ طب داي حاجة زينة خالص وأني هشهد وياكي أول لحظات عناق عيونك للبحر واستنشاق صدرك لهواه، تعرِفي أني ياما قعدت قدام البحر لحالي وكان جوايا احساس إني محروم من القعدة داي ويا حد يحسسني بالحاجات اللي هحسها وياكي دلوك، أني بجد بشكرك إنك جنبي ومعاي دلوك يا “نغم” .
ابتسمت لكلامه اللي باسطها جداً وردت على كلامه بنعومة ورقة وعيونها خجلانة تبص لعيونه:
ـ طيب وهو مين يشكر مين يا “سند”؟!
المفروض إني أشكرك على كل حاجة حلوة هتعملها وياي أني والعيال، من بقى لنا يومين اهنه وانت باسطني وهتفسحنا وتخرجنا في الأماكن اللي ياما حلمت إني أروحها ومكنش عندي أمل.
وكملت بحماس وهي بتوصفه من وجهة نظرها:
ـ انت بالنسبة لي دلوك عامل كيف مصباح علاء الدين اللي بينفذ كل حاجة هحلم بيها، بالنسبة لي الفتى الوسيم اللي يخلي أميرته تحلم بالجنة فيقدمها لها بدون أي عواقب في حين إني حياتي كلاتها كانت عقاب وعواقب ملهمش آخر.
حرك راسه وهو بيمط شفايفه باستمتاع وكلامها كيفه قوي :
ـ طب انتي وصفتيني في عيونك ، ممكن توصفي نفسك في عيوني أني لأن عقلك وطريقة كلامك ووصفك للمواضيع وفكرك عاجبني قوي، فرايد منك توصفيني وتوصفى نفسك بعيوني عاملة كيف؟ ولو جاوبتي صُح هيُبقى ليكي هَدية زينة قوي .
سكتت شوية وهي معلقة نظراتها بعيونه، وبتجمع الوصف اللي ممكن يوصفها بعيونه وبدأت تقول اللي حساه :
ـ أوقات هحسك هتشوفني كيف بنتك هتجيب لي كل اللي رايداه من غير ما اطلب، وأوقات هحسك هتشوفني كيف النسمة اللي بيمر طيفها على قلبك ويحسسك بأنك مبسوط وشعور من اللذة هيتملكك.
ودارت عيونها بعيد عنه وهي بتكمل:
ـ وفي احساس كمان هقول لك عليه بعدين في وقته .
برق عيونه بدهشة من تهربها وصمم انها تكمل :
ـ وه اكده غش ومفيش مهرب ولا تأجيل لأي حاجة يا هرابة، يالا بقى كملي لأنه أهم إحساس بالنسبة لي.
كانت محرجة منه ومكسوفة تكمل لكنه صمم إنها تقول باقي وصفها ليها بعيونه، ومع تصميمه بلعت ريقها بصعوبة واتكلمت وهي بتداري عيونها بعيد عن عيونه بهمس ناعم ورقيق:
ـ أمممم… في وقت بيوصل إحساسك بيا إني ملكك وكل حاجة فيا تخصك.
غمض عيونه وهو بيسمع كلامها وحالته متفرقش عن حالتها وحاول يسيطر على احساس انه فعلاً محتاجها ومحتاج يفرغ جواها شحنة الاشتياق لقربها، رقتها ، ونعومتها واحساسها جننوه ودوبوه وخلاص الصبر جاب آخره وقال لها :
ـ وبعدها لك عاد يا ست “نغم” هتعملي في السند ايه تاني؟!
طب حلو قوي اللي احنا وصلنا له دي المفروض نبني عليه بقى ولا إيه ؟
بزياداكي عاد استيعاب وعلشان نكون على نور إنتي خابرة زين اللي في القلوب فبلاش حتة حاوريني وحيريني وتعالى نقرب ووقتها مهنقدرش نبعد وهتحدى وياكي كل الظروف بس انتي اديني الإشارة.
وكمل بنبرة عابثة:
ـ أني مش هغلب وياكي وعارف اني لو قربت مهتقدريش تقاومي وتصدي ولا هتقدري تبعدي ، بس أني هحب التأني في أمور القرب، هحبها تاجي بالرضا والقبول التام منك ليا علشان محسش إني هعارك لهفتي ليكي لحالي .
عضـ.ـت على شفايفها بخجل وقالت له:
ـ طب ما احنا يعتبر بردوا في فترة التعارف والفترة داي حلوة ولذيذة وليها متعتها ولا ايه ؟
ـ خلاص شبعت منيها وجبت أخري واعملي حسابك هتاجي برضاكي يعني هتاجي، اصلك هتقاومي كيف وأني هسمع دقات قلبك وهقرأ نظرات اللهفة في عيونك يا نغمي.
جت ترد عليه لقت ولادها قربوا و”محمد” ماسك ايد أخته برعاية زي ماهي معلماه انه دايما يسندها وياخد باله منها في أي وقت وفي أي مكان وهو بيطلب منها:
ـ احنا جوعنا قوي يا ماما مع إننا لسة واكلين.
حضنتهم بحب وطلعت البرنس لكل واحد فيهم علشان يلبسوه لأن جسمهم مبلول :
ـ الماية هتجوع يا قلب ماما ، تعالى هعمل لكم ساندوتشات انتو التنين.
استأذنها “سند” وهو بيقوم من مكانه:
ـ هروح اعمل مكالمة شغل وجاي لك علطول.
ـ طب تحب اعمل لك ساندويتش مع العيال؟
غمز لها ببسمة دوبتها وهو بيجاوبها:
ـ لما أرجع ننزل البحر شوية علشان تعلميني العوم من ساعة ما جينا وانتي مجربتيش المايوه.
اتكسفت جامد من كلامه وتلميحاته وسابها ومشي وهي بدأت تتنفس بصعوبة شكل ما يكون وهو جنبها بيبقى حابس أنفاسها ،
راح بعيد شوية واتصل بـ”جليلة” :
ـ ايه يا “جليلة” الدنيا اخبارها ايه عندك عملتي اللي طلبته منيكي ؟
دخلت أوضتها وشغلت الراديو بصوت عالي وبعدت شوية عنه وهي بترد بصوت واطي علشان محدش برة يسمعها:
ـ ايوه يا سي “سند” بيه ولقيت حاجة غريبة قوي في أوضة البيه الصغير.
سألها بلهفة:
ـ لقيتي ايه انطقي بسرعة؟
جاوبته:
ـ والله حاجة أول مرة اشوفها في حياتي، بس صورتها وهبعتها لك على الواتس دلوك اهو شوفها.
وهي معاه على المكالمة بعتت له الصورة وأول ما استلمها انصدم واللي كان شاكك فيه طلع صح وطلب منها بهدوء:
ـ طيب يا “جليلة” رجعيها مكانها تاني كيف ما كانت بالظبط واوعاكي يحس ان حد فتش وراه لحد ما ارجع بالسلامة، طمنيني على “سما” .
حركت شفايفها بسخرية على حالة بنته ولكن جاوبته :
ـ هتنام بالنهار وهتسهر طول الليل قدام التليفون كل لما اقوم بالليل اشرب ولا أدخل الحمام القاها قاعدة قدامه هتضحك وتشغل أغاني كَتير .
اتجنن من اللي سمعه ولو واجه “دعاء” هتعرف إنه بيراقبهم ومش هتسكت إلا لما تمشي “جليلة” وقرر يسكت ويطمن عليهم من بعيد لبعيد ويكلم ابنه يخلي باله من أخته في النقطة دي بالذات، وطلب من “جليلة” :
ـ اسمعي اللي هقول لك عليه زين ونفذيه، تنزلي تحت عند الراوتر الأساسي تقطعي السلك اللي هيوصل الزفت النت دي على ما اوصل ولو اكتشفوا الموضوع دي وجابوا حد يشوفه تعرفيني ، يالا دلوك من غير ما حد يدرى بيكي نفذي اللي قلت لك عليه .
رجع لـ”نغم” وعلامات وشه اتبدلت من الراحة والنعيم اللي كانوا ماليين ملامحه لحزن وهم واضحين وضوح الشمس على وشه وفضل ساكت جنبها مدة من الوقت، قربت منه وهي بتسأله بقلق لما لاقته قعد وسند على الكرسي وغمض عيونه وهو بيتنهد بأسى :
ـ مالك يا “سند” جاي وشك حزين وساكت اكده ليه، هي المكالمة فيها حاجة ضايقتك ولا حاجة ؟
جاوبها باختصار وهو بيداري عنها همه:
ـ مفيش يا “نغم” متشغليش بالك، استمتعي بقعدتك وانبسطي.
حست بالقلق أكتر ولأول مرة بادرت بأنها تمسك ايده اليمين وحضنتها بين ايديها وهي بتوصل له إحساس الدفا والأمان وأنها لا يمكن تسيبه وهو مخنوق بالشكل ده :
ـ مهستمتعش أني من غيرك، ولا هحس بالراحة وشكلك حزين ومضايق، فضفض لي يا “سند” واحكي لي همومك، علشان حرام علينا تشيل همومنا كلاتنا وانت متلاقيش اللي يشيل عنك همك اللي هيطبق على صدرك ؟
حس بالدفى لأول مرة في حياته وهي بتطبطب على ايده، حنان عمره ما حسه لا من أمه الا مكانتش بتحن إلا على أخوه ولا من مراته اللي مش شايفاه من الأساس وقرر يتكلم ويعرفها كل اللي مضايقه وخوفه على ولاده، واتكلم وهو مغمض عيونه وساند راسه على الكرسي :
ـ ولادي الاتنين مش مستقرين نفسيا وأحوالهم ضايعة وامهم هتخبي عني كل حاجة تخصهم وعودتهم على الكذب وانهم يداروا عني كل حاجة، وكل لما أحاول اقرب منهم ميل تبعدهم عني أميال وتعبت منيها، وزهقت معاها ترغيب وترهيب ووعيد وتهديد وهدوء وعواصف مفيش ولا طريقة هتجيب معاها نتيجة وهتسوفني دايما أب متحكم وسليط، من وهما صغيرين هقول لهم الشرق وهي تدلهم على الغرب، والعيال ملهمش ذنب في أخطائهم بسببنا احنا الاتنين ، وبقتش عارف الاحق على المصايب والكوارث اللي اتبنت في شخصيتهم وتعبت ومن جواي مقهور عليهم .
حاولت تهديه وهي حزينة لحزنه ونبرة الوجع اللي بيحكي همومه بيها:
ـ متشيلش نفسك فوق طاقتها يا “سند” الشباب كلاتهم اكده وفترة المراهقة داي من أصعب الفترات وكل اللي في سنهم عنيدين اكده وأكتر الأبهات والأمهات هيعانوا مع ولادهم .
ـ بس الأب والأم هيكونو متفقين على أسلوب التربية ومحدش بيكسر كلام التاني، اما “دعاء” اجي أوجه العيال للصح من وراي تقول لهم كبرو دماغكم ، هعمل لكم اللي انتوا رايدينه ، طب الواد لما أرجع هاخده معاي الشغل وهخليه وياي في كل مكان كيف ضلي، البت بقى هعمل وياها إيه وهي داي الكارثة الكَبيرة.
ـ طب متزعلش حالك هوعدك لما نرجع البلد هتصاحب عليها وكل شوية خطاب منيها تاجي نقعد ويا بعض وهحاول اعمل وياها اللي أقدر عليه وأظن “دعاء” مهتمانعش واصل.
فتح عيونه بدهشة وهو بيسألها:
ـ بجد يا “نغم” هتعملي اكده وهتجريها ناحيتك؟
ـ وليه لاااه، معايزكش تشيل هم واصل من ناحية “سما” هي هتحبني وهتحب تقعد وياي وهحاول من تحت لتحت أوجهها للصُح واللي المفروض البنات الزينة تمشي عليه اطمَن والله لا تتعدل .
ابتسم أخيرا بأمل وهو بيحط ايده على ايدها وبيشكرها بعيون ولهانة بغرامها:
ـ قلبي هيقول لي انك هتُبقى وش الخير علي في كل حاجة، تعرِفي أني عمري ما حد سألني مالك أو فيك ايه؟
إنتي الوحيدة اللي حسيتي بيا من أول ما قعدت جارك وقريتي الحزن اللي مالي ملامحي وحسيتي بوجعي، هو عرفتي كيف ودريتي إني مهموم؟
جاوبته برقة تشبهها:
ـ علشان اللي هيهتم بحد وهيهمه أمره قوي هيفهمه من نظرة عينيه وهيحس بتنهيدة الحزن جواه.
شاغبها بغمزة شقية:
ـ كنت رايد منك إجابة تانية خالص يا نغمي، طلعتي مش سهلة بردو .
ابتسمت لكلامه وطلعت الفاكهة اللي هي جايباها اول معاها وعملت له طبق مشكل قطع تفاح وفراولة وبطيخ، ومعاهم الشوكة وعملت لنفسها هي كمان طبق وبدأوا ياكلوا باستمتاع وهما بيحاولوا ينسوا الهموم اللي مالية قلوبهم ، وكمان بدأ يأكلها بايده وهي من جواه مش مصدقة السعادة اللي مالية قلبها ، وبعد ما أكلوا سألها بمكر:
ـ طب إيه كنتي هتقولي انك سباحة ماهرة مش هتفرِجيني عاد المهارة داي ولا انتي كلام على الفاضي ؟
وبعدين أني واخد شط مخصوص علشان أعرف اشوف مهاراتك في السباحة واقيمك بنفسي ؟
اتحمست بشجاعة وقبلت التحدي:
ـ وه كانك هتفكِرني بمزع عاد وهقول اي كلام وخلاص!
طب هتشوف دلوك وانت قاعد مكانك هنزل اها واوريك “نغم” وهي كيف السمكة اللي هتتحدى الموج وتشاغبه كمان .
رفع حاجبه باستنكار وهو بيسالها:
ـ ليه هو انتي مفكِرة انك هتنزلي البحر لحالك واني هقعد اتفرِج عليكي يا هانم ؟
بلعت ريقها وهي بتسأله بخجل:
ـ امال انت هتنزل وياي البحر ؟
ـ ومننزلش سوا إن شاء الله يا حظي؟
شوفي بقى أني عايزك تظبطي دماغك ومتخلنيش اتعصب عليكي وتفكيرك واللي في دماغك دي تفسحيهم وتحطي فكر جَديد إني جوزك يا “نغم” .
ابتسمت وهي شايفة التملك والغيرة في نبرته وشدت ايده:
ـ طب خلاص عاد متُبقاش قفوش اكده يالا هننزل وهسابقك وهتخسر ؟
ضحك وهو بيتريق على طولها:
ـ حبيبتي انتي مواخداش بالك من فرق الطول بيناتنا، إنتي راسك هتاجي لنص صدري ، ودراعي أطول من دراعك يعني حوار السبق دي هتخسري فيه بلاش عناد وتحدي على الفاضي يا شبر واقطع إنتي.
جريت قدامه علشان تسبقه وتكسب التحدي وهو بيجري وراها بيحاول يرشها بالميه علشان ما تسبقهوش ويعطلها والاثنين بيهزروا مع بعض والسعاده ماليه قلوبهم واول ما نزلوا الميه بدات فعلا تعوم بمهاره وخفه وخصوصا ان جسمها رفيع لكن سبقها لانه طبيعي اطول منها وبعد ما دخل جوه نادي عليها وهو بيشاغبها بتحدي وبيغمز لها بشقاوة:
ـ اها شفتي خسرتي التحدي علشان تعرفي ان مش كل سباح ماهر يا نغمي ؟
بصت على ولادها من بعيد علشان تطمن عليهم لقيتهم قاعدين بيلعبوا بالالعاب ومشغولين بيها فقالت له وهي بتعوم بعيد عنه:
ـ كنت عارفة انك هتسبقني على فكرة بس هي روح الانثى اللي جواي هتخليني اتحداك، بس هدرب نفسي كَتير علشان المرة الجاية هسبقك يعني هسبقك.
سابها تلف وتدور حوالين الميه وتشاغب الموجه وهو مستمتع بانبساطها وفجاه ومن غير ما تحس لقيت نفسها متحاوطه بين ايديه وهو بيهمس لها:
ـ أخيرا استقريتي في مكانك الصُح يا نغمي، يا هلا وغلا والله اشتقنا للحظة الحلوه داي.
كانت مكسوفه من حصاره ليها وهي بتبص على اولادها وتشوفهم مركزين معاهم ولا لا وبدات تتململ بين ايديه وهي بتطلب منه:
ـ بعد يدك عني ما يصحش العيال يشوفوك وانت مقرب مني بالشكل دي ارجوك يا “سند”.
جاوبها وهو بيقرب منها اكتر ومتمسك بايديه حوالين خصرها :
ـ العيال بَعيد عنينا ونظرهم مش هيجيبنا وبطلي تضيعي اللحظات الحلوه بخجلك وخوفك انبسطي يا نغم وعيشي اللحظات الحلوة من غير ما تعكِريها.
وما سابلهاش فرصة إنها تفلت من ايديه وكان متمسك بيها وبقربها وبدلعها ورقتها وحركاتها التلقائية اللي دوبته بيها ، وعاش معاها لحظات عمره ما عاشها في حياته ولا هي كمان لدرجة إنهم نسيوا نفسهم لحد ما ابنها نادى عليها فطلعو من المية بعد ما قضوا وقت سعيد قرب بينهم أكتر، ايديهم في ايدين بعض والبسمة مالية ملامحهم اللي سكنها الحزن سنين
******
كانت قاعدة بتذاكر وفجأة تليفونها رن برقم غريب، ردت بأدب:
ـ السلام عليكم ، من معاي؟
جاوبها بشقاوة وهو ساند على السرير :
ـ مش هقول اني مين لما اشوف هتطلعي شطورة وهتعرِفيني ولا لاه ؟
الصوت مش غريب عليها لكن التليفونات بتغير الاصوات شوية لدرجة إنها اتحيرت وردت عليه بنبرة جادة :
ـ طب هتقول انت مين وهتتصل ليه ولا أقفل عاد؟
مط شفايفه باستمتاع وجاوبها:
ـ أني اللي وقعت في غرام قصيرة القامة ولا حدش سمى علي ، يرضيكي توقعيني في سحر عيونك وتسهريني الليل وفي الاخر متعرفيش كمان أني مين ، لاااه أني اكده زعلان يا شوشو وواخد على خاطري منك.
عرفته من طريقته وكلامه اللي كسفها، أول مرة حد يقول لها إنها جميلة، وانها سحرته، أول مرة شاب يشوفها بعيون انها أنثى وإنها متشافة وعلشان كدة كلامه وترها ونطقت بصوت بيطلع بالعافية:
ـ هو حضرتك الدكتور “علي” ؟
ـ طب هقول لك سحرتيني وسهرتي عيوني الليل وفي الاخر تقولي دكتور ؟!
قولي لي يا “علي” من غير ألقاب مش إحنا بقينا أصحاب عاد ولا إيه ؟
سألته بخوف من طريقته ودخلته الغريبة اللي مش متعودة عليها منه:
ـ هو حضرتك رايد ايه مني، وهما الصحاب هيتحدتوا ويا بعض بالطريقة داي؟
ـ عِندك حق، المفروض نقول حبايب علشان بجد يا شوشو أني شايفك بعيون بعيدة عن الصحوبية ورايد إني أعرفك أكتر وتعرفيني ، وبصراحة أكتر أني شايفك فتاة احلامي، وعايز اعتذر لك عن طريقتي وياكي واني كنت في يوم من الايام هضايقك، بس كيف ما هيقولوا ما محبة الا بعد عداوة .
استغربت كلامه وسألته برهبة من طريقته ودخلته الغريبة عليها:
ـ يا سلام! وهي المحبة داي ظهرت فجأة اكده يا دكتور “علي”؟! دي انت كنت هتشوفني كيف الراجل وبالنسبة لك هوا، دلوك هتشوفني فتاة احلامك، طب اصدقها كيف داي ؟
هدى نبرة صوته واصطنع الحزن في كلامه وهو بيجاوبها وبيحاول يداري نواياه الخبيثة ناحيتها في إنه يستحوذ على عقلها ويتسلى معاها :
ـ بصراحة…
سكت ثواني كأنه بيجمع كلامه وبيوزنه كويس، وبعدين كمل بصوت واطي محسوب:
ـ بصراحة أني كنت غِشيم، وما كنتش شايف زين، يمكن علشان أول مرة أشوفك كنت واخد فكرة غلط، فكرة سطحية، ودي غلطتي أني ما حاولتش أفهمك من الأول.
سكتت شوية، قلبها بيدق، عقلها مش مستوعب التحول المفاجئ ده، فقالت بحذر:
ـ يعني حضرتك شايفني دلوك غير الأول؟
ضحك ضحكة خفيفة، مش عالية، ضحكة مدروسة:
ـ شايفك حقيقية… بنت مش شبه حد، هادية وفيها حاجة تشد، حاجة تخلي الواحد يقف يفكر، ودي اللي حُصل معاي.
عضّـ.ــت على شفايفها بتوتر وهي بتسمع منه كلام عمرها ما سمعته، ولكن حاولت تلملم أعصابها المفككة:
ـ بس الكلام داي كبير قوي، وإحنا ما نعرفش بعض، ولا أني هفهم حاجة في كلامك ولا في الحوارات داي عاد.
حس بتجاوبها وإحساس اللخبطة اللي جواها:
ـ ما هو علشان اكده أني بتكلم، علشان نعرف، مش يمكن اللي جاي يكون أحسن من اللي فات؟ويمكن تتولد بيناتنا قصة حب في يوم الايام يتحاكى عنها العشاق.
قالها وهو مغمض عينه، كأنه صادق، وهو في الحقيقة بيقيس رد فعلها، فحاولت تتهرب من كلامه اللي زلزلها:
ـ طب انتَ عرفت رقمي منين أصلاً؟ وبعدين كلامك دي حساه إنه مهيلقش علي.
سؤالها جه فجأة، نبرة شك خفيفة وده ضايقه لانه عايزها تلين معاه وتغرم بيه من أول همسة:
ـ من ملفك، طبيعي، أني دكتور، والطلبة أرقامهم معانا، بس صدقيني، أني عمري ما كلمت حد قبل اكده ولا كشفت مشاعري بالشكل دي ، انتي أول واحدة كسرت القاعدة علشانها.
قال الجملة الأخيرة بثقل، كأنه بيحطها في خانة مميزة، اتلخبطت، الإحساس بالاختيار الخاص بدأ يتسلل جواها ، وسألته:
ـ طب ليه أني بالذات مقدراش أقتنع؟
ـ علشان مختلفة، مش كيف الباقي، مش صوت عالي ولا ضحك زيادة ولا لفت نظر مصطنع، انتي حضورك هادي بيهزني ياشوشو.
سكت ثانية وبعدين أضاف:
ـ باختصار أني هحب الهدوء اللي فيه عمق.
حست إن الكلام بيدغدغ حاجة جواها، حاجة عمرها ما حد لمسها قبل كده، لكنها حاولت تمسك نفسها:
ـ بس داي كله كلام، والكلام ساهل وبصراحة هخاف أقرب من قلبي ومشاعري وفي الاخر اتوجع.
ـ عارف، وعلشان اكده مش بطلب منك حاجة، لا مواعيد ولا خروجات ولا كلام فارغ، بس عايز أتكلم، أسمعك، يمكن ألاقي نفسي وأني بسمعك.
خفض صوته أكتر:
ـ أني تعبان من غيرك يا شوشو.
الاسم طلع منه بسهولة، وكأنه متعود يقوله:
ـ يعني ايه تعبان من غيري؟
ـ من الوحدة، من إن الواحد يكون وسط ناس كتير وحاسس إنه غريب، يمكن علشان اكده لما شوفتك بعيون تانية حسيت إنك شبهي.
عرف كويس إمتى يدخل من باب الوجع اللي بيشد أي بنت ، سكتت، دماغها بيلف، قلبها لسه جديد على النوع ده من الكلام:
ـ بس… أني طالبة، وانت دكتور، وداي غلط.
ـ الغلط في الأذى، مش في الإحساس، وصدقيني أني عمري ما أذيكي أبدا، بالعكس، أني شايف نفسي حاميكي.
الجملة اتقالت بثقة مخيفة:
ـ حاميني من إيه، ومن مين؟
ابتسم وجاوب بثقة:
ـ من الدنيا، من الناس اللي ممكن تستغلك أو تكسر بخاطرك، أني فاهم الدنيا زين.
بدأت تحس بالأمان الكاذب، بالكلمة اللي كانت ناقصاها:
ـ طب هو ممكن حد يعرف بكلامنا سوا؟
ـ لااااه طبعاً ، محدش لازم يعرف، الخصوصية احترام، وأني هحترمك قوي.
وبسرعة غيّر نبرة صوته:
ـ ولو حابة نقفل دلوك علشان معطلكيش عن المذاكرة، نقفل، أني مش هزعل، وعلشان متحسيش إن كلامنا مع بعض هيضيع وقتك وأني عايزك ناجحة ومتميزة دايما.
التحدي الناعم ده خلّاها تتشبث أكتر ومن جواها فرحانة بكلامه رغم خوفها، اول مرة تختبر المشاعر دي وتحس انها مرغوبة:
ـ أني حاسة بالحيرة واللخبطة .
ـ سكت شوية وهو بيلعب معاها على وتر حساس:
ـ خليكِ على طبيعتك، وما تخافيش، أني مش زي ما كنتِ فاكرة صدقيني.
الكلمة الأخيرة نزلت جواها تقيلة، زي وعد، وقررت إنها تقفل علشان تفكر وترتب مشاعرها المتلخبطة وتوزن كلامه جواها:
ـ طب… هقفل دلوك علشان المذاكرة.
ـ ماشي، بس قبل ما تقفلي، خليكي فاكرة إن في حد مستني يسمع صوتك تاني، بس بطريقة تانية فيها ثقة.
صوته كان دافي، بالنسبة لها وبالنسبة له محسوب من كل كلمة ،
قفلت التليفون، قعدت تبص في الفراغ، الكتاب قدامها بس عقلها بعيد، لأول مرة تحس إنها مرئية، مختارة، ومع الوقت، من غير ما تحس، كانت أول خيوط السيطرة بتلف حوالين تفكيرها، ومن جواها وعقلها الباطن بيزين لها كلامه وبيوهمها انها مبسوطة ومرتاحة.
*******
قاعدين في البراندة قصاد البحر في أول ساعات الليل، وهو ناوي الليلة ينول المراد وتكون مراته قولاً وفعلاً، حركاته ونظراته ليها خلتها بعدت عنه شوية وهي بتترجاه والخوف الداخلي جواها من “رابحة” و “سمير” مسيطر على مشاعرها:
ـ انت بتتعجل وياي ومهتدنيش فرصتي ولا راحتي في اختيار الوقت المناسب.
جاوبها بشجن وهو بيقربها منه تاني بعد ما بعدت عنه، وكل كلمة وهمسة ونظرة منه بتدغدع مشاعرها وبتدوبها اكتر:
ـ أني لو مش متوكد إنك رايداني كيف ما أني رايدك يا “نغم” مكنتش زنيت وأصريت على قربك .
بلعت أنفاسها بصعوبة وعيونها لمعو بالخجل وقلبها بيدق بعـ.ـنف وهي بتحاول تتهرب بنظراتها بعيد عنه، وسألته بهمس رقيق :
ـ وانت اتوكدت كيف يعني من اللي هتقوله دي إذا كنت أني مصرحتش بيه ؟
قرب منها أكتر وحط فنجان قهوته جمبه ومسك ايديها اللي عمالة تفركهم في بعض بخجل، ونظراته ليها كفيلة إنها تهز جبل الجليد لأي ست فما بال إنها عشقته وعشقت قربه ودابت من محاولاته ليها وطريقته اللي بتسحرها، اول ماايديه لمست ايديها تلقائي لقى شفايفه بتحضنهم برغبة وتأثر من قربها وجاوبها بنبرة خشنة وشجن في لحظة بيحضرها القمر وبتشهد عليها نجوم الليل :
ـ لااااه، داي حاجات هتحسها القلوب وبصراحة ومن الآخر يا أني يا انتِ الليلة ومش هسيبك ولا هبعد ولا هقدر أفكر تاني .
وكمل بوله وغرام وهو بيعترف لها :
ـ أني عاشقك يا “نغم” ومش عيب إن الراجل يعشق مرَته مهما كانت ظروفهم، وعايزك ومحتاج قربك دلوك ومهقدرش ابعد تاني ، بلاش نضيع اللحظات الحلوة داي بعيد عن الدوشة اللي في البلد وتعالي أسحبك وياي لعالم صدقيني هتدوبي فيه وياي كيف ما أني دبت في هواكِ.
وكمل برغبة وهو بيسند جبهته بجبهتها وبيتنفس أنفاسها وروحه بقت ملهوفة لقربها :
ـ أني عايزك تكوني مرتي دلوك ممتحملش لهفة واشتياق.
كانت مغمضة عيونها واتسحرت من كلامه وخلاص مبقاش عندها قدرة للتحمل ولا المقاومة ولا إنها تبعد لحظة عنه، ولسه هيقرب من شفايفها وينول من حلاله معاها والاتنين يدخلوا دنيا جديدة من الإحساس عمرهم ما جربوها تليفونه رن فصل لحظتهم فاضطر يبعد عنها وهو بيقبلها من جبينها وبيعتذر لها بعيون ولهانة:
ـ حقك علي هرد على “مازن” وهرجع لك ، هقول لك هقفل التليفون خالص.
واخد جنب وهو بيرد على ابنه مينفعش إطلاقاً إنه يرن وميردش عليه في اي وقت ،
أما هي كانت في حالة من الإحساس واللهفة ليه ومشاعرها اللي بتطالب بقربه اكتر منه وهو كان خبير إنه يعرف يسحبها ناحيته ، قلبها كان بيتخبط وبيدق جواها لدرجة إن ضلوعها من شدة دقاته هتهتز جواها، حطت ايديها على قلبها وكأنها بتهدي ضرباته وخفقاته الشديدة ، وفاقت على صوت موبايلها هي كمان في رسالة جت لها على الواتساب ،
مسكت التليفون وشافت الرسالة لقتها من رقم غريب ، فتحتها وكان محتواها:
ـ اتوحشتك قوي يا بت يا “نغم”، لفيت مهما لفيت وهعرِف حريم كد ما هعرِف لكن انتِ بالنسبة لـ”سمير” حاجة تانية ، روحي وقلبي وياكي ، حافظي على نفسك على ما أرجع لك واياكِ تفرطي في نفسك علشان جسمك وكلك ملك “سمير الناجي” بس، اقفلي على حالك وبلاش تفكري تغدري والا يمين بالله هقـ.ـتلك وأقتـ.ـل عيالنا وأقـ.ـتل حالي بعدكم ، ومتقوليش لـ”سند” على رسالتي والا أذاي هيطول ولادك قبل منك وإنتي خابرة زين دماغي المفوتة ممكن تعمل ايه.
قرات الرسالة بأصابع مهزوزة والرعب اتملك من ملامحها والخوف على ولادها من تهديده المجنون رجع يسيطر على ملامحها وقلبها وكل ذرة في كيانها اكتر من الأول ، وفجأة لقت نفسها بتسحب شال محطوط جنبها وبتداري بيه نفسها وقامت تدخل اوضتها بسرعة وتقفل على نفسها ، كان “سند” خلص مكالمته وراجع لها بلهفة ، لقاها سايباه فشدها من ايديها باستغراب:
ـ على فين يا حبيبة قلب “سند” .
فجأة عيونها برقت برعب وسحبت ايديها من ايده وجريت من قدامه وقفلت على نفسها الباب بدرجة صدمته وخلته واقف مكانه بيتفرج على اللي عملته بذهول وأعصابه مشدودة وعيونه متعلقة بالباب اللي اتقفل في وشه وكأنه باب الجنة ….
رواية النغم الحزين الفصل العاشر 10 - بقلم فطيما يوسف
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
في زحامِ العمرِ حين تتيهُ الأرواحُ بلا أمان،
ويغدو اللِّقاءُ حلمًا بعيدًا لا يبلغهُ إنسان،
وفي ليلةٍ يشهدها القمرُ وتغازلها نجومُ السماءِ يتلهف عاشقان لعِناقٍ طويلٍ وحينها يسكنُ الشوق الجَنان،
فيـا سـَـعد مـن نـالَ حـبـيبـُه، ويـا سـَعد مـن لـهُ مـُحـب يُقاتلُ الحـياة لأجله دون ظمآن؛
فذاكَ لِقاءٌ تبلغُ فيهِ الرُّوحُ هناها بعد طولِ حِرمان،
وتذوبُ فيهِ المسافاتُ وتلمع العيون بنصرٍ ويصيرُ القلبُ وطنًا وسُكْنان،
فأقسم برب السماء الذي سوَّاها أنه عشقٌ متينٌ إذا صدقَ لا يُطفئهُ بُعدٌ ولا يطويهِ نسيان.
✍️✍️
ـ على فين يا حبيبة قلب “سند” .
فجأة عيونها برقت برعب وسحبت ايديها من ايده وجريت من قدامه وقفلت على نفسها الباب بدرجة صدمته وخلته واقف مكانه بيتفرج على اللي عملته بذهول وأعصابه مشدودة وعيونه متعلقة بالباب اللي اتقفل في وشه وكأنه باب الجنة، والحيرة زادت وأعصابه مشدودة وقلبه بيدق برعب من تحولها المفاجئ، من جواه مقهور على موجوع على مصدوم ، مش عارف يتصرف ازاي يروح وراها ويطلب منها تفتح الباب ولا يسحب نفسه وكرامته اللي اتهانت،
مسح على شعره وهو لسه مكانه بيبص للباب بأسى وبيفكر يمشى وميكررش محاولاته تاني ولا يذل نفسه معاها أكتر من كدة ولا يرجع ويحاول ويحاول لحد ما نفسيا تستقر وتستقبل علاقتهم بالترحاب ، وبعد تفكير طويل قرب من الباب وخبط عليه ولما قرب سمع أصوات شهقاتها اللي جننته:
ـ طيب ممكن تفتحي الباب وتقولي لي مبرر واحد للي حُصل دي، وليه البكا دي كلاته ؟
كد اكده قربي منك وان علاقتنا تُبقى طبيعية هتبكيكي يا “نغم” ؟!
وكمل كلامه بنبرة وجع وقهر سكن قلبه وخصوصاً لما صوت بكاها بيعلى أكتر وأكتر ، كان واقف حاسس كأن سككاين بتقطع في قلبه :
ـ طب ونظرة عيونك ودقة قلبك ولمعة الشوق واللهفة اللي شفتهم وحسيتهم وياكي دول كلاتهم كدب؟!
لو كدب يُبقى قلبي اللي حس بيكي وصدقك كداب وعمري ما هصدقه تاني وان طلت هخلعه من بين ضلوعي علشان ضحك علي ووهمني إنك هتعشقيني كيف ما هعشقك.
كانت واقفة ورا الباب بمنظرها اللي يفطر القلب وهي ساندة عليه بكفوفها وجبينها ومقهورة من جواها على وجعه قبل وجعها، كانت في قمة جمالها وشياكتها لكن حزينة وموجوعة وفي حيرة وخوف من “سمير” وخوف على ان حب “سند” يضيع من بين ايديها بسبب خوفها وضعفها ، وخصوصاً لما سمعت نبرته وعتابه ليها وكسرته على ايديها، مقدرتش تتحمل وجعه وحيرته وشوقها وخوفها على إنه يضيع من ايديها غلب خوفها من “سمير” على نفسها وولادها وفتحت الباب واتقابلت نظراتهم وفجأة ارتمت في حضنه وهي بتتمسك بيه، ومعاه وجوة ضلوعه بتحضن أمانها وعشقها الضايع، وبكاها منتهاش بل زاد للأكتر وكل ده وهو مستغرب منها ومن تحولها المفاجئ، خرجها من حضنه المتشبسة بيه وحضن وشها بين ايديه وهو بيسألها بعيون كاسيها القلق والأسى على حالتها:
ـ طيب ممكن تهدي يا حبييي وتحكي لي مالك يا “نغم”؟
ايه اللي حولك مرة واحدة اكده وخرجتيني من جنتك وبعد ما طلعتيني معاكِ سابع سما هبدتيني لسابع أرض ولحد دلوك هحايلك مع إنها صعيبة قوي على كرامتي يا بت الناس ؟
حاولت تهدي من بكاها وتطلع الخوف من دماغها وقلبها ونظراتها بتبص على صدر سند العريض وعقلها بيقويها إن صدره هو الضلع الحصين اللي عمره ما هيفشل انه يحميها، واتملمت بين كفوفه وشفايفها حرارتها وصلت لإحساسه خلته بقى ماسك نفسه بأعجوبة قدام ضعفها المليان أنوثة، ونطقت أخيراً بصوت ضعيف مهزوز وهي بتستعطفه:
ـ أني خابرة زين اني هغلط وخوفي هيحاول يخليني أخسرك ،
وعارفة كماني إني أستحقك يا “سندي” ولكن الظروف اللي حوالي هترعبني وممديانيش فرصة أتنفس عشقك ولا قربك.
وكملت كلامها وهي بتسأله بصوت مبحوح رقيق من أثر بكاها وهي بترفع عيونها المكسية دموع ومع انه منظر يخليه يشفق عليها إلا إنها حتى في عز ضعفها ولمعة عيونها بالدموع تملك جمال بيهز كيانه ، بيزلزل كل خلية صبر جواه ناحيتها ، والاتنين دقات قلوبهم بتعلن الحرب عليهم جوة ضلوعهم:
ـ هو انت ممكن تزهق مني وتبَعد عني وتنفرني بسبب ضعفي وقلة حيلتي ؟
اتنفس بأنفاس بطيئة وصدره بيعلى ويهبط في نفس اللحظة اللي بيحارب فيها قربها وبعدها في نفس الوقت وهو مازال حاضن وشها بين ايديه وفجأة لقى شفايفه بتقرب منها وبيقبل جبينها بحب وهو بيأكد لها:
ـ أولا أني قبل ما أقول أي حاجة رايد منك تطمني وإنتي وياي ، رايدك تعرِفي اني عمري ما هتخلي عنيكي يا “نغم”، حوار إني أزهق من النكد علشان بالي مش طويل دي غلط بس هزهق من النكد علشان خاطرك إنتي يا حبيبي، رايدك تفرحي وتنبسطي باللي اتحرمتي منيه، ولازمن تعرِفي إن ربنا هو اللي قدر لك اكده علشان من حقك تفرحي وتتنفسي الحب وتعيشيه .
خلص كلامه معاها وهو بيبص لها علشان يعرف ايه السبب التغير ده مرة واحدة، في لحظة سابها وراح يتكلم في التليفون رجع لقاها اتبدلت ١٨٠ درجة، ودماغه وقفت عند النقطة دي وهو مسهم نظراته عليها وتفكيره بيقول له؛ إن ممكن أمه تكون عرفت من “دعاء” سفرهم فـكلمتها تاني تهددها؟!
ألف سؤال وسؤال بيدور في باله لحد الحيرة ما لعبت بأعصابه وكل ده ونظراتها هي كمان زاغت واترعبت من صمته إنه يكتشف إن
“سمير” بعت لها، لحد ما قلبها دق بخوف وهو بيسألها بمغزى ونظرات غير مفهومة:
ـ هي الحاجة “رابحة” كلَمَتك ولا حاجة؟!
وياريت لو اتصلت بيكي واتحدتت وياكي في حاجة تحكي لي بدون ما تخافي.
بلعت ريقها بصعوبة وبقت واقفة قدامه مش قادرة تصلب طولها وتفكيره خلاص قرب يوصل للي مخوفها، وأسئلة جواها إنه لو عرف مش هيسكت وخصوصي إنه عشقها وهيغير عليها والحوار هيكبر بين أخ وأخوه وخصوصاً إن “سمير” الشر لعبته ولا بيهمه أخ ولا أب وأخيراً جاوبته بنفي بعد صمت خلى الشك زاد في قلبه أكتر ونبرتها مهزوزة وبتحاول تبعد نظراتها عن عينيه علشان ميكشفش كدبهم :
ـ لاااااه والله ما كلَمَتني خالص ليه هتقول اكده؟
منظرها وهيئتها ولجلجتها قدامه وهروبها من عينيه خلاه أتأكد إن شكه صح فحاول يجاريها ويهديها وبعد كده هو يدور وراها ويعرف إيه سر تغييرها المفاجئ، وسحب نفس طويل وهو بيقرب منها اكتر ورمى حجابها اللي حطاه على شعرها بإهمال وايديه الاتنين حاضنين رقبتها بتملك وسند جبينه على حبينها وهمس بصوت أجش خشن :
ـ طب ممكن تهدي بقى علشان ليلتنا تُبقى مباركة، معايزش نكد الليلة داي يا “نغم” أني رايدك بجمالك وأنوثتك ورقتك في عز صفا روحك ولهفتك علي.
وكمل كلامه وهمسه وهو بيرفع وشها وبيجبر عينيها إنها تستقر جوة عيونه:
ـ من الآخر مهتنازلش عن الليلة داي يا نغمي، أني قتيل قربك الليلة يا زوجتي العزيزة، ها قلتي ايه عاد؟
كانت مغمضة عيونها واتسحرت من كلامه وهمسه وصوته الدافي قرب مسمعها ، كانت بتتململ بين ايديه وهي بتتمسح فيه زي القط الوديع و أنفاسه الساخنة طيرت عقلها وخوفها وتفكيرها من كل حاجة ومحت كل خوف،
همساته ولمساته ليها وحنانه وأمانه كلها أحاسيس اول مرة تحس بيها، إحساس إنها ست وأنثى اول مرة تحس بيه في حياتها بالرغم من إنها كانت متجوزة قبل كده إلا إن مشاعر “سند” معاها حاجة تانية، وإحساس تاني كأنها طايرة فوق السحاب ودقات قلبها بتنبض جوة ضلوعها بخفقان شديد، أخيراً قررت إنها متضيعش لحظات السعادة من ايديها وهتسيب أمرها لرب العباد هو اللي يتولاها طالما ده حلالها، وزارت البسمة أخيراً
وش القمر وهي بتجاوبه برقة :
ـ قلت اللي يشاور عليه “سند” هو اللي يمشي ويكون ، بس اديني فرصة اخد شاور علشان حالتي مبقتش زينة خالص.
داعب أنفها وهو بيغازلها ومسك ايديها وخلاها تلف حوالين نفسها زي الأميرات:
ـ حبيبي كيف القمر ليلة تمامه ، وبعدين المثل هيقول ايه؛ الحلو حلو لو لساته صاحي من النوم، يالا روحي متتأخريش علي .
سابته ودخلت وأول ما اطمن انها بتاخد الشاور مسك الموبايل بتاعها وفتحه يشوف آخر مكالمة ملقاش مكالمات من حد، دخل على الوتساب وعيونه برقت لما شاف الرسالة من برة من رقم غريب، فتحها وقرأ محتواها، وعيونه برقت من شدة غضبه، وعروق رقبته برزت من الكلام اللي كاتبه أخوه لمراته، وقرر إنه هيجيب لها حقها منه لكن بعد ما يعدي الليلة وكمان مش هيكلمه قدامها، لكن من جواه نـ..ــار بتـ..ــغلي زي البركان بسبب غيرته عليها من أخوه وغضبه الشديد من إنه هددها وهي على ذمته، وده في حد ذاته عمر “سند” ما هيسكت عنه أبدا، وفي نفس الوقت جواه فرحة إن سبب تغييرها مش إنها ما حبتهوش، أو مش عايزاه، لكن بسبب تهديد أخوه الشديد ليها، وقرر إنه يسيب الموبايل وينسى الرسالة خالص ويعيش ليلته مع نغمه وبعدين يقرر هيعمل معاه ايه .
*******
طمنيني ياما نغم عامله ايه هتشوف حالها وهتتنفس حريتها وسند هيسيبها تعمل اللي على كيفها ولا هتعيش على النهج اللي كنت هعيشها عليه هتخاف وتكش ولساتها تحت رجليك هتخدمك طمنيني.
مطت شفايفها بسخريه وهي بتجاوبه بكل تلقائيه لانها واخده على نوعيه الكلام دي مع سمير بالذات ما بتحبش تخبي عنه اي حاجه حتى لو كانت هتولع الدنيا:
ـ اسكت يا ولدي البت بقت شايفة كيفها وهتلبس هدوم كيف المصاروة هدوم حتى “دعاء” مرت اخوك ما هتلبسهاش ولا عمرها جابتها وشكلها اتبدَل 180 درجة وبقت ولا الحور العين، وهتلبس الوانات وقلعت عبايتها السودا اللي كانت هتلبسها وشكل ما يكون صغرت عشر سنين وما شافتش الجواز قبل سابق.
وكملت شكواها وعلامات الحزن الحقيقي اترسمت على وشها:
ـ ولا عادت تخدمني ولا هتقول لي حتى صباح الخير ياما “رابحة” واخوك هيقف بيني وبينها كيف الشوكة في الضهر، وما هيخلينيش اقول لها حتى اغسلي لي جلابية وانت خابر زين إني خدت على وكلها وانها هي اللي هتخدمني وهتشوف أموري كلاتها، ومعارفاش أكل ولا لقمة من وقت ما اتعزلت لحالها بسبب أوامر أخوك والبيت حالتَه من بعد ما مشيت وهملتنا عفش قوي يا ولدي، شكل ما يكون انت سبت البيت وخدت الفرحة وياك.
وقربت منه وهي بتبص له بحزن وحطت ايديها على ضهره بحنية وسألته:
ـ هترجع ميتى يا “سمير” يا ولدي ما عارفاش أعيش من غير وجودك.
“سمير” من جواه اتغاظ والغيرة بقت تضـ.ــرب في عروقه بسبب اللي سمعه عن حالة “نغم” ، ما بقاش طايق نفسه وهو قاعد قدام أمه وعيونه بتلمع بغضب شديد ومن جواه خاف إن أخوه يكون نقض عهده معاه وسأل أمه وهو بيجز على اسنانه بغضب:
ـ قولي لي يا حاجة وصارحيني اخوي نقض عهده وياي وهيعيش ويا مرتي زوج وزوجة، ولا لساتَه باقي على العهد؟
احكي لي وما تخبيش عني حاجة علشان ما أحسش اني بقيت طرطور وان غيبتي هتخليهم ينسوا ان لساتاتي عايش على وش الدِنيا، وما حدش يطول حاجة تخص “سمير الناجي” وقتها هتبقى خراب على الكل واظن الغلط النوبادي يا حاجة مش من تلاي علشان تكوني شاهدة.
أمه عيونها زاغت لأن جواها شك إن في بينهم حاجة لكن مش متأكدة وجاوبته وهي حيرانة زيه:
ـ شوف يا ولدي هو لحد دلوك وقبل ما اجي لك أني كنت حداها ومن الواضح ان هي على عهدها وياك، واخوك من قبل ما يتجوَزها كان هيدافع عنيها وهيقف قصادي وقصادك علشانها يعني داي حاجة طبيعية منيه، بس برده “سند” خوك عمره ما ينقض عهده ابدا اطمَن يا ولدي اني مربياه راجل لا يخون ولا يغدر أبدا وخصوصي باخوه.
واتنهدت بحيرة ووجع لما افتكرت قضيته وسألته:
ـ بس طمني انت الاول على قضيتك اللي انت وقعت فيها، اخوك هيقول انهم ناس اكابر وان ولدهم ما راضيش يتنازَل عن القضية ولا يتراضى، قل لي المحامي هيطمنك ولا الموضوع ما يطمنش يا ولدي وانت ما هتتحملش تتسجن تاني، وأني مهتحملش قهرتك وكسرتك هيجرالي حاجة؟
ضرب على رجله بخوف وعيونه اتهزت لما جت سيرة القضية وشتم على أخوه ولام أمه:
ـ هو “سند” اخوي ما هيستريحش الا لما يفضحني؟!
كان لازمتها ايه يقول لك على حوار القضية داي؟
ولا هو طول عمره هيحب يطلعني عيل خايب وضايع وهو اللي على الحجر، طول عمره هيكرهني وهيغير مني وابوي هيقويه علي ما صدق اني وقعت في ضيقة راح قال لك، واني كنت فاكر انك جاية تشوفيني وانك اتوحشتيني وما قدرتيش على بعادي اكتر من اكده يا حاجة، وانك جايه تطمَني على ولدك اللصغير، اتاريكي جايه تشمتي فيا انتي كمان علشان حوار القضية دي وتسممي بدني على حاجة مقصدتهاش.
ضـ.ــربت على صدرها باستنكار من كلامه وهي بتقرب منه وبتشده لحضنها وبتطبطب عليه وبتبوسه من راسه ومن ايديه وبتصحح له مفهوم الخطأ وسوء الظن اللي دار في دماغه:
ـ لااه يا ولدي، لااه يا حبيبي اني ما هشمتش فيك عمري، ولا هسمم بدنك انت خابر زين اني هحبك كيف يا “سمير” ، دي اني دقت المر سنين وسنين علشان اجيبك للدنيا يا ولدي واحضنك بين يدي واشم ريحتك، رحت لدكاترة ما لهمش أول من اخر، وعِملت عمليات واتمرمط علشان تاجي للدنيا يا “سمير” واضمك لصدري وتبقى اخ لاخوك، أني جايه اطمَن عليك ونحل المشكلة اللي وقعت فيها، هو في ام هتشمت في ضيقة ولدها وخصوصي لما يكون اللصغير؟
بقى ينوح في حضن امه وهو بيشتكي لها اللي جرى له:
ـ أني في مصيبة يا حاجة وهلبس قضية شروع في قتل والواد ابن ناس اكابر وما راضيش يتنازَل غير لما اعتذر له قدام اللي ضربته قدامهم، وداي كَبيرة علي قوي ما قادرش اعملها وكمان عايز يصورني واني هعتذر له وينزلها على النت كيف ما الموبايلات صورتنا واني هضربه ونزلت على النت، يرضيكي ولدك يبقى مُسخة لخلق الله؟!
هنزل البلد كيف بعد اكده وهما رايديني اوطي على يد واحد وأحب عليها واستسمحه إنه يسامحني، الهيبة هتضيع يا حاجة واصغر عيل في البلد هيتريق عليا بعد اكده لو عِملتها.
طبطبت عليه وقلبها مولع من جواها على المصيبة اللي ابنها وقع فيها وخصوصا “سمير”، وسألته بحزم:
ـ ما عاش ولا كان على وش الدنيا اللي يقهر “سمير الناجي”، اطمَن يا ولدي، مابقاش “رابحة ” وشعري دي على راسي إن ما خلصتك منيه الموضوع دي قبل ما أعاود البلد، بس عرِفني عنوان البيت بتاع الواد دي بس .
خرج من حضنها وهو بيمسح وشه ودموعه بكمه وسألها باندهاش:
ـ عنوان البيت!
ليه يا حاجة رايدة تعرِفي عنوان البيت؟
رفعت ايديها في الهوا وجاوبته:
ـ مليكش صالح يا ولدي، انت ليك حداي إنك تُخلُص منيه الموضوع دي غير اكده متسألش .
اداها العنوان بالكامل وطلبت منه إنه يتصل بفكهاني وجزار ومحل جاتوهات وطلبت منهم طلبيات تملى عربية نص نقل علشان تنفذ اللي في دماغها وتنقذ ابنها .
********
خدي اهنه يابت يا “جليلة” ، تعالي قدامي دلوك يا بلوة إنتي.
أول ما سمعت صوتها وهي بتزعق جامد لوت شفايفها وهي بتكلم نفسها بصوت واطي:
ـ منك لله يا بعيدة على هدة الحيل اللي اني فيها بسببك من يوم ما جيت اهنه، ولية مفترية.
وعلت صوتها:
ـ نعم يا ست “دعاء” جاية اهو .
أول ما خرجت زعقت لها بصوت عالي واتكلمت معاها بطريقة كأنها بتستحقرها:
ـ خدي اهنه يا بقرة انتِ، أني مش منبهة عليكي الحافظات داي تغسليها وتنشريها بالفرشة ويدك مش تحطيهم في الغسالة ؟!
هو إنتي من اولها اكده مهتسمعيش الكلام وهتخالفي أوامري .
وكملت طريقتها الغير آدمية وهي بتأمرها:
ـ انجري من قدامي متنشريهمش وتروحي تفرديهم وتغسليهم بالفرشة تاني وتلمعيهم، رايدة اسمع صوت الفرشة والخرطوم واني قاعدة مكاني يا واكلة ناسك .
“جليلة” انصدمت من أمرها وعيونها برقت واعترضت وهي حاسة بالظلم :
ـ بس هغسلهم كيف وهما نضاف وزي الفل يا ست “دعاء” اكده حرام!
قربت منها وهي بتبص لها بعيون مليانة غضب وصوتها علي :
ـ وانتي بقي اللي هتعرِفيني الحلال من الحرام والله عال مبقاش إلا الخدامين كماني ، غوري من قدامي اعملي اللي طلبته منيكي وبعد ما تخلصي تنزلي المطبخ دي كلاته وتغسلي اللي فيه وتلمعيه تلميع.
“جليلة” بقت حاسة بالظلم والقهر من طلبات “دعاء” ورغم إن دي شغلانتها أصلا، كانت طول النهار تخرج من بيت دي لبيت دي وتعمل نفس الحاجات اللي بتأمرها بيها “دعاء” إلا إن طريقتها معاها غير آدمية والكره باين في عينيها ليها،
دخلت تعمل اللي قالت لها عليه وهي بتدعي وتحسبن عليها، وقبل ما تدخل سمعت صوت “سما” بتنادي على امها وهي بتقول لها:
ـ ماما ، تعالي رايداكي في حاجة مهمة بس تعالي ندخل الأوضة جوة .
دخلوا الأوضة بعد “دعاء” ما بصت على “جليلة” وشافتها ماسكة الفرشة وبتغسل وملهية، راحت هي وبنتها ودخلت الأوضة وأول ما الباب اتقفل جريت “جليلة” وراهم برجل هلامية علشان محدش يسمعها، واللي طمنها أكتر إن “مازن” مش موجود، ورمت ودنها على الباب وسمعت “سما” وهي بتطلب من امها :
ـ احنا اتفقنا على الجروب بتاعي أني وأصحابي إننا نطلع الساحل تلت أيام وملقتش وقت احسن من دي وأبوي مسافر، أني جهزت كل حاجة وهنطلع المغرب .
وكملت كلامها وهي بتمثل الحزن والضيقة:
ـ أني مخنوقة جداً ونفسيتي وحشة ، وكمان معرفاش اقعد على الفون كَتير بسبب الروارتر اللي هيفصل كل شوي، والشبكة اهنه عفشة وكمان مهخرجش من البيت واصل، أني اكده هموت يا ماما ويُبقى احسن كماني بدل العيشة الهم داي.
أمها حضنتها وهي مخضوضة من كلامها :
ـ يا حبيبتي يا بتي بعد الشر عليكي يا نور عيني ، يارب ما يضرني في حد فيكم أبداً، ومتدعيش على نفسك تاني، وكل اللي إنتي رايداه ونفسك فيه هعمله لك ياضي عين أمك ، بس الاول اطمَن بت شفيع بيه رايحة وياكي هي وبت شيخ البلد ؟
حركت البنت راسها بسعادة وجاوبتها:
ـ وه آمال ايه ، ما انتِ خابرة زين أني مهصاحبش غيرهم وانتي كماني اللي هتتفقي ويا العربية والسواق اللي هيودينا وهيفضل ويانا هناك علشان تطمَني علينا إننا بخير .
حضنتها “دعاء” ووافقتها على طلبها :
ـ تمام يا حبيبتي من العين داي قبل داي ، بوكي هيرجع من سفره كمان أربع أيام ولازمن ترجعي قبليه وإلا إنتي خابرة زين إنه ايه الله هيحصُل لو رجع قبلك وعرف بالسفرية داي، وخصوصي إن داي اول مرة تسافري لحالك من غيرنا .
وراحت ناحية الدولاب طلعت منه موبايل جديد بكرتونته وادته لها :
ـ خدي دي موبايل جَديد وفيه خط جَديد، علشان تعرِفي تتعاملي زين بعيد عن رنات وضغط ابوكي عليكي عارفة إنك هتتخنقي بس دي طبع بوكي ولازمن كلاتنا نتحمَله.
رجعت “جليلة” للحمام تاني تكمل اللي كانت بتعمله بعد اللي سمعته وقررت انها تخرج برة البيت خالص بأي حجة وتحكيه له اللي سمعته ، بس الحظ مسعفهاش إنها تخرج قبل سفر “سما” لأن “دعاء” كانت مركزة معاها جامد وحالفة لا تطفشها النهاردة،
وأخيراً قدرت تخرج من البيت بعد العشا وكلمت “سند” وحكت له على كل اللي سمعته فغضب جامد وهو بيزعق في التليفون:
ـ إنتي اتجنيتي ومعرفاش تشوفي شغلك ولا امرتك بيه ؟ ليه مقلتليش يا واكلة ناسك قبل البنت ما تسافر ولا تخرج من البيت؟
جاوبته بتعقل :
ـ لسببين يا سي “سند” بيه أولهم إن الست “دعاء” هتبهدلني وياها في البيت، وطول النهار من ساعة ما رجلي دقت عتبه البيت وهي هتمرمطني في شغل البيت ومش اي شغل عاد؛ دي من صباحيتها لغطستها وهي هتهد حيلي واني صابرة علشان خاطرك والاتفاق اللي بيناتنا،
وما خلتنيش أخرج غير لما اعمل الحاجات اللي هي امرتني بيها وكانت الست “سما” سافرَت،
ولو كنت قلت لك ولحقتها قبل ما تسافر كانت هتعرِف اني هتصنت عليهم لأن ما فيش حد في البيت غيري ولا حتى الحاجة “رابحة” كانت هتخبرك بيه الموضوع دي ولا حتى سي “مازن” الصغير كان موجود وقتها.
مسح “سند” على شعره بقلة حيلة من عمايل مراته وسألها:
ـ يعني هي خدت موبايلها القديم وياها ولا سابته في البيت؟
ـ لاااااه الموبايل ويا الست “دعاء” كيف ما انت أمرتهم وهي اشترت لها موبايل جَديد بخط جَديد اني سمعتها هتقول لها اكده، ونبهت عليها إنها تعاود من السفر كمان تلت أيام قبل ما حضرتك ترجع.
نفخ بضيق شديد وهو بيفكر هيعمل ايه ودماغه فضلت تجيبه يمين وشمال وما لقاش غير حل واحد غير انه يقطع اجازته ويرجع بكره ويكتشف بنفسه ان بنته مش موجودة ووقتها هيهد الدنيا على راس “دعاء” .
******
انتِ فين يا “مهرة” مستنيكي بقى لي كتير اتاخرتي قوي النهاردة في الجامعة انا محضر لك مفاجأة ما تتاخريش بقى.
استلمت رسالته وهي في المواصلات مروحة على البيت وردت عليه:
ـ خلاص اها هنزل من العربية و عشر دقايق و أوصل، يا ترى ايه المفاجاه اللي هتحضرها لي ياسي “نعمان” ويا رب ما يطلعش مقلب من المقالب اللي انت هاريني بيها بس المره دي ما هفوتكش لو طلع مقلب وهاخذ حقي منيك تالت ومتلت .
وصلت بعد عشر دقايق لقيته واقف مستنيها واول ما وصلت كان واقف في الركن الجانبي اللي دايما بيقعدوا فيه يشربوا الشاي مع بعض وفي ايده بوكس كبير حطه قدامها، وطلع بوكيه ورد وقدمه لها بشياكة ومنتهى الرومانسية، وكل ده وهي حاطه ايديها على بقها ومصدومة من المفاجأة اللي هو عاملها لها وعيونها لمعو بالدموع، عمر ما حد افتكرها بهدية ولا حد افتكر يقول لها كل سنة وهي طيبة بمناسبة عيد ميلادها حتى، و”نعمان” مش بس افتكر عيد ميلادها؛ ده عمل لها كمان عرض تقديم زي اللي بتشوفه في التلفزيون، أخدت منه الورد وحضنته وهي بتشمه وعيونها مغمضة بسعادة وقال لها :
ـ كل مليون سنة وانتي طيبة يا ست البنات حبيت أعمل لك حاجة بسيطة في يوم ميلادك تفرحك، حبيت أكون أول واحد يهنيكي بيوم ميلادك، وكمان يا ريت تقبلي مني الهدية البسيطة دي.
ابتسمت بسعادة غامرة وهي حاضنه الورد بتملك كانها حاضنه أغلى حاجة في الكون وبصت للهدية وعيونها لمعت بالفرحة زي الطفل اللي جاله لبس العيد، وعيونها اتسهمت جوه عيونه وهي بتشكره بامتنان و رِقة لأول مرة تعهدها في شخصيتها:
ـ وانت طيب يا “نعمان” اني ما مصدقاش ان انت كلفت حالك وصرفت الفلوس داي كلاتها علشان بس تفرح قلبي وتَجيب لي هدية عيد ميلادي، ما مصدقاش إن في إنسان في الدنيا افتكر عيد ميلادي وهناني بيه ، لااااه وكمان هتقدمه لي كيف نجوم السيما، تعرِف المشهد دي لو حلمت بيه واتمنيته عمره ما هيحصل كيف دلوك.
شاور لها بعيونه على البوكس بعد ما قعدوا الاتنين وطلب منها:
ـ ما تشكريش حبيب بيهني حبيبه في عيد ميلاده دي بديهيات لازم تاخدي عليها، ولازم تعرفي ان طالما في بينا مشاعر يبقى انتِ ليكي حقوق عليا، من حقك اني اهتم بيكي واهتم بكل حاجة تخصك، ممكن بقى تفتحي البوكس وتشوفي الهدايا اللي انا جايبها لك.
فتحت البوكس بفرحة وبسمة مرسومة على وشها ولأول مرة البسمة تكون خارجة من قلبها قبل ما تترسم على وشها وطلعت أول هدية وكانت عبارة عن رواية كانت نفسها فيها جدا واتكلمت عنها قدامه وهو طبعا منسيش وجاب لها الرواية وكانت ملفوفة بشريط ستان أحمر كانت هتفتحه فطلب منها بتصميم غريب:
ـ لااا ما هحبكيش تفتحي الكتاب بالذات غير لما تكوني لحالك يلا طلعي بقية الهدايا.
سمعت كلامه وبدات تطلع بقية الهدايا وأول حاجة طلعت في ايديها سلسلة فضة عبارة عن قلب مقفول طلب منها إنها تفتحه ولقيته كاتب فيها:
ـ “مهرة” وانتِ مهرة ويحق لك الدلال .
ابتسمت لأن دي أول كلمة قالها لها لما عرف اسمها وعمرها ما تنساها، وراحت تشوف الهدية التالتة بعد ما قفلت القلب ولبست السلسلة، كانت عبارة عن الكاب بتاعه اللي دايما تاخده منه وتلبسه كل لما تلاقيه لابسه فرفعت حاجبها باندهاش فوضح لها بخفة:
ـ ما تستغربيش أنا كل لما البسه الاقيكي بتاخديه من على راسي وبتلبسيه وبصراحة عينك فيه وعلشان كده سبته لك، وبرده ما فيش حاجه تتعز على حبيبي.
أخدت الكاب ولبسته هو كمان على راسها ومدت ايديها في الصندوق طلعت شوكولاتات كتير، وآخر حاجة رسالة في ورقة بخط ايده فتحتها لقيته كاتب فيها:
ـ أنا عمري ما قابلت حد شبهك، ولا أتخيل إن قلبي يشوف غيرك يوم،
وجودك في حياتي كان أحلى صدفة، وحاجة هفضل أحمد ربنا عليها دايمًا،
يمكن قصّرت في حاجات كتير، أو ماعرفتش أقول اللي جوايا صح، أو مقدرتش أعبر عن مدى أهمية وجودك في حياتي يا “مهرة” ،
بس صدقيني، كل حاجة كانت مني ليكي كانت طالعة من قلب بيحبك بجد
ولو في يوم حسّيتي إني ضايقتك سامحيني، وافتكريني دايمًا بالخير.
إمضاء: نعمان إلى حبيبة القلب والعمر والروح اللي عمرها ما هتتنسي ولا هتتبدل بحبيبة غيرها ولا حد هيسكن قلب النعمان وياخد مكانها لحد الروح ما تفارق الجسد “مهرة” ❤️💔.
لما قرأت رسالته على قد ما حست بالاطمئنان من ناحيته بإنه بيعشقها على قد ما حست بالخوف من كلامه، حطت كل حاجة في الصندوق وسهمت نظراتها جوه عيونه وهي بتسأله بخوف:
ـ رسالتك في الورقه هتخوفني وهتطمني في نفس الوقت يا “نعمان” ، وكمان هتحطي لي قلب سليم وقلب مكسور معناته ايه كلامك دي، لساتك هتحط في دماغك اننا ما ننفعش لبعض بسبب ظروفنا مع اني اكدت لك اني هكون معاك يد بيد وهنبني حياتنا سوا، ما بقتش مطمَنة من بعد رسالتك يا “نعمان” ، رغم المفاجأة اللي عِملتها لي الا ان رسالتك خوفتني قوي.
ابتسم بسمة غريبة وعيونه لأول مرة بتلمع بنظرة غريبة مهما حاولت تتعمق النظر فيهم مش هتفهم معناها وفي نفس اللحظة اتبدلت ابتسامته ونظرته لنظرة عاشق وهو بيطمنها:
ـ متخافيش يا “مهرة” واللي عايزه ربنا في علاقتنا هو اللي هيكون مش عايز انكد عليك ولا نفتح في حوارات ولا نقاشات مش وقتها النهاردة يوم ميلادك ولازم تكوني مبسوطة وتقولي لي ايه رأيك في الهدايا، طلع ذوقي حلو؟
حركت راسها بسعادة وهي بتحضن هداياه وكأنهم أثمن الأشياء:
ـ حلو ؟!
دي حلو كلمة قليلة قوي على اللي انت هتعمله معاي، بسطتني ووصلتني لقمة السعادة اللي ترضي أي بنت.
وكملت مدحها فيه وفي اللي عمله معاها وهي حاسة إنها راحت لدنيا جميلة غير دنيتها كأنها راحت الجنة على الأرض:
ـ انت متتصورش اني هحس إيه دلوك معاك يا “نعمان”، يعني اول دقة قلب كانت ليك طلعت صادقة ، أول مشاعر هحس بيها من جواي كبنت وولد كانت ليك، عرفت كمان إن قلبي مهيخونيش لما وثقت فيك وحبيتك، قلبي هيقول لي إن انت العوض من ربنا على شقى الأيام والليالي، قلبي دلوك سعيد سعادة تكفي الكون كلاته وانت السبب.
واتبدلت نظرات عيونها وهي بتفتكر كلام صاحبتها “نانو” عن الحب وجرح القلوب:
ـ تعرِف ليا صاحبة اسمها “نهلة” اللي دايما هروشك بحكاويها وهقول لك صاحبتي قالت وعادت، دايما تخوفني من الحب وإن البنت مينفعش تطمن لأي ولد، دايما تقول لي إن الولد قلبه هيحب ويساعي بدل الواحدة أربعة ، وإني مآمنش لأي ولد ولا أديله وعد بالحب والعشق مهما حُصل، هتسود الدنيا في عيني عن الولاد والحب واني كنت هسمع واطنش واقول حب ايه اللي هقع فيه اني مش بتاعت حب ولا غرام ، بس إنت طلعت لي من حيث لاأدري، دوبتني في غرامك وطلعت فارس جميل بعته القدر ليا يعوضني بمشاعر جميلة تغطيني من برد الأيام والسنين اللي عشتهم يا “نعمان”.
واتقابلت نظراتهم بعشق وغرام ودقات قلوبهم بتعلن عن حرب حب شديد لكن ياترى هل الحب هيستمر ؟
*******
ـ مساء الخير يا بتي، الست “غالية” والبيه “غريب” اهنه، حداي معاد من المحامي وياهم؟
ردت الخادمة وهي بتبص على الصناديق اللي وراها ملهاش أول من آخر :
ـ آه هما موجودين وفي انتظارك لكن ايه الحاجات دي كلها؟
بصت “رابحة” وراها وهي بتشاور على الحاجة وبتجاوبها:
ـ داي زيارة محبة وواجب كرم من صعيدية لأهل الدار خلي اللي هيشتغلوا حداكم يوصلوهم لجوة، ومتقلقيش الحاجات داي من أحسن وأغلى المحلات في البلد حداكم اهنه.
دخلتها لجوة كانوا في انتظارها ومقابلتهم ليها كانت ناشفة يدوب ترحاب عادي لحفظ ماء الوجه وأول ما قعدت اتكلمت براس مرفوعة ونبرة شامخة قوية :
ـ أني الحاجة “رابحة” مرت “عبدالعزيز الناجي” عين أعيان الصعيد شرقها وغربها ، حدانا من القصور ما اللي متنضرهوش العين ، وحدانا عزب وأطيان ومصانع تشتري مصر كلاتها ، حدانا الكرامة وعزة النفس تضيع قبالها رقاب، وإن شاء الله نضحي بعيالنا كلاتهم قصاد الكرامة وإن الراجل ميتهزش .
ردت عليها “غالية” بنفس القوة والشموخ والتفاخر بالأصل والفصل:
ـ يا مرحب يا حاجة “رابحة” في بيت النائب ورجل الأعمال “عزيز المهدي” اللي بيقعد جنب الوزرا والمستشارين وكبار البلد وعندنا من القصور والعماير والشركات اللي تشتري الصعيد بتاعتكم برده كلها، وبرده عندنا الكرامة وعزة النفس ما تشتراش بكنوز الدنيا، بس ابنك اللي غلطان وهو اللي اعتدى على ابني بالضرب الشديد لحد الموت لا قدر الله والسب والقذف والبادي أظلم وأظن انتو صعايدة وأهل الأصول ، وكل ده مصوراه كاميرات المكان اللي كانوا فيه، واظن انتي عارفة تفاصيل المحضر، فعايزين نجيب من الآخر على رأي الامثال البلدي بتاعتكم يا نحلة لا تقرصيني ولا عايزة عسل منك.
بصت “رابحة” لإيديها واتكلمت بقوة وجبروت واضحين في صوتها وهي بتقول لهم الحل بنبرة باردة :
ـ حداكي حق إننا هنفهم في الواجب والحق والأصول وعلشان اكده جيت بزيارة تليق بمقامنا قبل مقامكم عربون محبة يعني وفتح كلام، والدين شرع الدية وولدك يطلب من المال كيف ما يريد ويستكفى ، وفوقيهم كمان ولدي هيعتذر له.
ورفعت راسها وكملت وهي بتبص للمكان حواليهم بنظرات خاوية:
ـ هيعتذر له اهنه قدامكم وهيحب على راسه كمان ويطلب من صاحبَه السماح ويا دار ما دخلك شر ها اكده زين وعدانا العيب صُح؟
ناظرتها بقوة وهي بترمي لها الكلام كأنهم في ساحة حرب وكل ده وجوزها قاعد جنبها مبيتكلمش صامت، زي ما هي متفقة معاه إن ده حوار حريم ميدخلش فيه :
ـ لااا مش صح يا حاجة وما لهوش علاقه لا بالاصول ولا بالواجب، هو ابني ينضرب على مرأى ومسمع من الناس ويتصور ويتفضح وينزل على النت في كل الصفحات وابنك يجي يصالحه في خندق!
بذمتك ده يرضي ربنا، واذا كان على الفلوس انا ابني ما يكفهوش كنوز الدنيا بحالها ومش ناقص فلوس ولا مال، وبعدين يا حاجة اللي ما ترضيوش على ابنك ما ترضيهوش على ولاد الناس، ابنك لازم يعتذر قدام اللي ابني اتهان قدامهم ويتصور كمان واظن يبقى كده عدانا العيب احنا علشان ما كملناش في القضيه وابنك يتحبس فيها سنين ما يعرفش عددها، غير اللي احنا عايزينه وهيحصل يبقى القانون بقى ياخد مجراه.
ابتسمت “رابحة” بسماجة وقربت منها وهي بتشاور لها بإيديها إنها تقرب وده خلاهم استغربوا من حركتها وطريقتها الغريبة فقربت هي كمان فحذرتها بفحيح وصوت واطي أشبه بالهمس المميت:
ـ يُبقى اكده لامؤاخذة في الوصف تُبقي غشيمة يا “غالية”، وإن الموضوع دي متفضش قبل الجلسة اللي هوكل فيها أكبر محامين في مصر وهطلعه دفاع عن النفس وهجيب شهود إن ولدك هو البادي، ومش هخلي ولدي يتحبس يوم واحد ، بس وقتها رقبة ولدك الحيلة هتطير ومهتشوفيهوش تاني،واني حداي غيرَه وحداي أحفاد بدل الوِلد عشرة، وحدانا كمان القناصة كَتير ومهياخدوش في ولدك يوم واحد ، فنحلها ودِّي بيناتنا من الاول اكده ، ها قلتي ايه اني طولت وياكي وأني نفسي قصير مهحبش المناهدة عاد ؟
خافت “غالية” من تهديدها على ابنها رغم قوتها إلا انها اترعبت على ابنها الوحيد وردت عليها بتوتر لكن حاولت ترسم قوتها ببراعة:
ـ سبيني أفكر في الموضوع وهرد عليكي لكن مش خوف منك على ابني، علشان بس مبحبش الشوشرة وكمان ابوه عضو مجلس شعب ومش عايزين سمعتنا تتأثر .
قامت “رابحة” من مكانها وهي بتنفض جلابيتها بتقزز قدامهم وده خلاهم بصوا لها باستغراب لقوتها وجبروتها وقالت لهم وهي خارجة:
ـ قدامكم يومين بالظبط تفكروا وتتشاوروا وردكم علي هيكون بالتنازل ووعد مني الاعتذار واجب وهجيب ولدي اهنه تاني يوم التنازل يعتذر لولدكم.
خلصت كلامها وسابتهم ومشيت و”غالية” كانت قاعده جنب جوزها تضرب على رجليها بغيظ وغل من تهديد “رابحة” وبتتوعد لها:
ـ يمين بعظيم على يمينها ما همشيها قانوني يا عزيز وان ما كنتش اجيب حق ابني من عينيهم وينضرب ويتبهدل ويتصور زي ابني ما بقاش انا “غالية” طالما القانون مش نافع معاهم يبقى هي اللي جابته لنفسها.
سألها باستغراب:
ـ ايه الكلام اللي بتقوليه ده يا “غالية” يعني ايه هتتعاملي معاهم بنفس اسلوب البلطجة بتاعهم؟
احنا هنكمل في القضية وما لكيش دعوة بكلام الست المخبولة دي التهديد ده اخرها واولها صدقيني، انتي ما شفتيش ابنها الكبير محترم وكان بيتعامل بذوق جدا معايا علشان نخلص الموضوع في هدوء.
حركت راسها برفض:
ـ متهيأ لك إنه تهديد الست دي بجحة وعينيها قوية واللي زي دي هتضرب من تحت لتحت، وزي ما هي قالت انا ما عنديش غير ابني ده ومش مستعدة أجازف بحياته، لكن هعرف أجيب له حقه واضـ.ــرب من تحت لتحت زيهم، وان ما كنتش اضـ.ــرب ابنها علقة مـ.ــوت زي اللي خدها ابني ما بقاش انا.
معرفش ياخد معاها حق ولا باطل ومصممة على اللي في دماغها انهم هيتنازلوا وهترضى بالحل بتاعها وبعد كده هتاخد حق ابنها من عينيه وهتدي له علقة تجيب له كساح طول حياته وهو ده القصاص بالنسبة لها .
*****
الجو كان هادي كأن الدنيا واخدة نفس طويل قبل ما تبدأ حكايتهم، نور خافت بيغمر المكان ولمعة عينيهم أوضح من أي كلام،
نسمة هوا عدّت بينهم كأنها بتبارك اللحظة دي
كل حاجة حواليهم ساكتة، بس قلوبهم بتتكلم بصوت عالي، وأول نظرة بينهم كانت كفيلة تقول إن اللي جاي عمره ما هيكون عادي ،والوقت بينهم بقى أبطأ كأنه رافض يعدّي عشان يسيبهم في اللحظة دي،
إيديهم قربت من بعض بتوتر جميل، وكأن اللمسة الأولى وعد بحياة كاملة،
والسكون اللي حواليهم اتحوّل لحكاية دافية بتتكتب من غير ولا كلمة، وبعد ما صلى بيها ودعى لهم بالبركة والمودة والرحمة ، نطق وهو بيشيلها بين ايديه وبيحطها برفق على السرير وهمس لها وهو حاسس إن الجنة ونعيمها بين ايديه في اللحظة دي:
ـ هيقولو الأنفاس هتدفي في عز البرد واني مشتاق لدفي أنفاسك يا “نغم” ، أني لو هوصف لك كد ايه قلبي هيرفرف من الفرحة مهتصدقيش.
واعترف لها بعشقه ليها وهي في حضنه وبين ايديه:
ـ ياه يا “نغم” ياه مكنتش متخيل إني هعيش لحظة قرب طبيعية بين راجل وست كيف ماهعيشها وياكي دلوك .
قرب من رقبتها وهو بيدفن أنفاسه فيها وهمس باحتياج ومشاعر متلهفة لقربها:
ـ محتاجك قوي يا “نغم”، ومتلهف لقربك ونعيمك، محتاج منك تضميني قوي و أنسى الدنيا والناس وأنسى نفسي وياكي .
كانت بين ايديه مشاعرها مفككة ولمساته كأنها كهربا بتسري في جسمها، كانت متعودة على العلاقة اللي بالغصب والعــ.ـنف، علاقة مفيهاش أي رحمة ولا سكينة، اما “سند” خلاها تحس إنها ست وطلع من جواها أحاسيس ومشاعر من اللي كانت بتسمع عنهم بس أول مرة تعيشها وتجربها ، واتمسكت بحضنه جامد، ومتحملش صبر أكتر من كدة قرب منها ونال حلاله بين ايديه، ودخل عليها في لحظة بيحضرها القمر وبتشهد عليها نجوم الليل ، كانوا في حضن بعض تحت سما مليانة نجوم بتنور كأنها شهود على بداية حكايتهم
والقمر بدر منوّر وشوشهم بنور هادي مخلي كل حاجة حواليهم أجمل وأحنّ،
والهوا جايب ريحة ليل صافي، والكون كله ساكت إلا نبض قلوبهم وهو بيحكي اللي بينهم بأصدق المشاعر.