تحميل رواية «النغم الحزين» PDF
بقلم فطيما يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ النغم الحزين بقلم فطيما يوسف.
رواية النغم الحزين الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فطيما يوسف
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
اول ما فتح عيونه لقاها نايمه زي الملاك وشها صافي وهادي ومرتاح لاول مره يشوفها بالهيئه اللي خطـ.ــفت انفاسه وخصوصا انه نال من نعيم قربها وبقت مراته قولا وفعلا،
وخيوط الشمس الأولى بدأت تتسلل من ورا الستاير الشيفون الناعمة، كأنها بتستأذن عشان تنور وش “نغم” اللي كانت نايمة كأنها ملاك لقت راحتها بعد طول عذاب، الجو في الأوضة مليان بريحة العود والمسك ، “نغم” فتحت عيونها بشويش، ولمست الهدوء اللي حواليها، ولأول مرة تحس إنها مش خايفة من بكرة، ولا مرعوبة من “خيال “سمير” اللي كان بيطاردها حتى في نومها،
لفت وشها الناحية التانية، لقت “سند” صاحي، ساند دراعه على المخدة وبيتأملها بنظرات كأنها شلالات عشق ودفا لأول مرة تحس بمعناهم، عيونه كانت بتقول كلام ملوش آخر، وابتسامته الصافية كانت كفيلة تدوب أي جليد في قلبها، قرب منها ورفع ليده بشويش، وبطرف صوابعه مشى على خدها برقة تهلك القلب، وهمس بصوت دافي ومنخفض كأنه ترتيلة عشق:
ـ صباح الخير يا “نغم” حياتي، صباح الجمال اللي نور دنيتي وفرح قلبي اللي كان عطشان ليكي من سنين وسنين.
” نغم” وشها احمر بكسوف ومحبة، ودارت وشها بخجل وهي بتبتسم برقة:
ـ صباح النور يا “سند” قلبي، إنت صاحي من ميتى؟ وليه لما صحيت ساكت اكده واصل ؟
وكملت وهي بتمط شفايفها برقة ودلال:
ـ اوعاك تقول انك سهران ولساتك منمتش لحد دلوك وهتتعب وياي اكده؟
“سند” ضحك ضحكة رجولية هادية، وقرب منها أكتر لحد ما أنفاسه السخنة لمست وشها، وقال لها بهيام:
ـ أتعب؟! حد يتعب وهو بيتأمل في وش القمر ليلة تمامه يا نغمي؟ أني لو فضلت أبص في عيونك داي العمر كلاته، مهملش ولا أزهق واصل، أني حاسس إني اتولدت النهاردة، حاسس إن السنين اللي فاتت داي كلاتها كانت تيه وضلال، والنهاردة بس لقيت طريقي ليكي وبيكي، السنين اللي فاتَت كانَت عمر ووياكي عمر تاني خالص.
“نغم” طلعت إيدها وحطتها على صدره العريض بتملك، وحست بدقات قلبه اللي كانت بتدق باسمها، ونطقت بصوت رقيق كأنه عزف على الحان اللهفة والشوق:
ـ تعرِف يا “سند” أني كنت بخاف من الصبح، كنت بخاف من الشمس لما تطلع وتفكرني إني لساتني في السجن، بس النهاردة، الشمس طالعة بتبارك لي، طالعة تقول لي إن “سندك” جارك، وإن الأمان بقى له دار وعنوان.
“سند” مسك ايديها يدها وباس باطن كفها بحرارة وشغف، وبص لها بعيون كاسيها العشق وقال:
ـ وأني هوعدك يا “نغم”، وعاهدت ربي في صلاتي، إني هكون ليكي السد العالي اللي مهتعديش منيه ريح توجعك، وهكون ليكي الضل اللي يحميكي من شمس الأيام المرة، أني بعشقك يا بت الناس، بعشقك عشق مهعرفش أوصفه بكلام، عشق محفور في قلبي وفي دمي اللي بيجري في عروقي.
قربت “نغم” منه ودفنت راسها في حضنه، واستنشقت ريحته اللي بقت هي الأكسجين بتاعها، وقالت بهمس ودلال:
ـ أني أستحقك يا سندي صُح، والنهاردة بس عرفت إن ولكن اللي كنت بقولها دي كانت وهم، إنت شيلت كل العوائق، ودوبت كل المخاوف، وخلتني أنثى من جديد، خلتني أحس إني ملكة على عرش قلبك الواسع دي.
“سند” ضمها لحضنه بقوة وتملك، كأنه خايف تطير منيه، وبدأ يغازلها بكلمات دوبتها في غرامه:
ـ أنتي مش بس ملكة، أنتي الروح اللي ردت في الجسد، أنتي “النغم” اللي بيداوي جروحي، يا نغمي أني لو أطول أهد الدنيا وأبنيها ليكي من دهب مهتغلاش عليكي، بس أني معيش غير قلبي دي، تقبليه ويكون ليكي سكن؟
“نغم” رفعت راسها وبصت في عيونه بعشق وغرام ملوش حدود وقالت برقة وهي بتتمسح في صدره:
ـ أقبله؟! دي أني عشت وموتت علشان أنول الرضا في قلبك دي، أني ملكك يا “سند”، ملكك في الحلال وفي النور، ومههملش حضنك واصل مهما حُصل، إنت الأمان والضمان، وإنت الحبيب والسند.
“سند” قرب من جبينها وطبع قبلة طويلة ، كأنه بيمضي عهد جديد للأبد، والجو حواليهم كان ساكن، مفيش غير صوت أنفاسهم اللي اندمجت مع بعض، وصوت العصافير بره اللي كانت بتغرد كأنها بتغني ليهم ألف ليلة وليلة. في اللحظة دي، “نغم” نسيت الكون كله، ونسيت هموم الدنيا كلها، مكنش في عقلها وقلبها غير “سندها” اللي بيحاوطها بدراعاته، وبيسقيها من كاس عشقه اللي مبيخلصش ،
ونزل “سند” لمستوى شفايفها وهمس لها بكلمة أخيرة قبل ما يغرقوا في بحر غرامهم من جديد:
ـ أني فداكي يا نغمي وربي يشهد علي إنك من اهنه ورايح عشق “سند” اللي ، الليلة داي هي تاريخ ميلادي الحقيقي يا أغلى من روحي.
وقرب منها وهو بيعيش معاها معنى القُبلة الحقيقة ومعنى القرب الحقيقي اللي بتملكه من احساس الأنثى الطبيعية اللي مكانش متخيل إنه ممكن يدوق طعمه ويدوب في شهده في يوم من الأيام ، كانت بين ايديه ناعمة ورقيقة واللي زود هيامه بيها وخلاه بيلهث ويتمنى اكتر واكتر من قربها أنه هو اللي بيعلمها اصول القرب اللي مليان مشاعر الاحتياج والرغبة لأنها كانت متعودة في علاقتها الأولى على العـ.ـنف والغصب لدرجة انها فكرت إن دي معنى العلاقة الحميمة اللي بين راجل وست وكرهتها بسببه لكن مع “سند” بلمساته وهمساته وجنونه بيها دوبها وداب وياها في أجمل ليلة حب بالعمر كله.
******
في زاوية بعيدة عن الدوشة، وتحت ظل أشجار النخيل اللي بتتمايل مع نسمات العصر وكأنها بتشهد على أحاديث القلوب الخبيثة، كان “علي” قاعد وعينه بتلمع ببريق غامض، بيراقب “شيماء” وهي بتقرب بخطوات متعثرة، وبتفرك كفوفها بتوتر ظاهر،
أول ما وصلت ووقفت قدامه، كانت أنفاسها متلاحقة وكأنها كانت بتجري في سباق مع الزمن، وعيونها اللي بتشبه عيون المها زاغت يمين وشمال برعب، سألها بصوت واطي وناعم زي الحرير وهو بيقوم يقف قدامها:
ـ اتأخرتي ليه يا “شوشو”؟ قلبي كان واكلني عليكي وكنت لساتني هقوم أدور عليكي في كل حتة، وقلت إنك تهتي عن المكان ومعرِفتيش تاجي .
بلعت ريقها بصعوبة وهي بتبص للأرض، وصوتها المبحوح الرقيق خرج مهزوز :
ـ معلش يا “علي”، الطريق كان واعر واني كنت خايفة حد من معارفي يشوفني، انت خابر زين إن خروجي دي لو حد عرف بيه من أهلي مهيعدوهاش على خير، واني واثقة فيك وفي كلامك بس الخوف ساكن جوف قلبي .
وكملت بعيون زايغة:
ـ أصلي ممتعوداش أقابل شباب خالص،وأول مرة أروح مكان غير الجامعة وبيتنا.
رسم على وشه ابتسامة عريضة مليانة مكر ودهاء، وقرب منها خطوة وهو بيحاول يطمنها بنظراته اللي بتوحي بالبراءة المزيفة، ومد إيده وعدل لها طرحتها بإهمال مقصود خلى جسمها كله ينتفض من لمسته، وهمس لها بصوت أجش فيه نبرة تمثيلية متقنة :
ـ يا حبيبتي إنتي كيف بنتي وأختي أو حبيبتي مثلاً، أني “علي” اللي وهب حياته ليكي ولعيونك اللي جننوني، تفتكري إني ممكن أضرك واصل؟ أني رايد مصلحتك ورايد إننا نبدأ نمشي موضوع جوازنا في النور وقدام الخلق كلاتها، بس إنتي لازمن تساعديني وتديني الأمان كيف ما أني هديكي روحي.
رفعت عيونها اللي بتلمع بالدموع وبصت له بامتنان ساذج وقالت له:
ـ وعارفة إنك راجل وزينة الشباب يا “علي”، بس إيه اللي انت رايده مني ودلوك بالذات؟ كلامك في التليفون خوفني وخلاني معرفاش أنام طول الليل من كتر التفكير.
اتنهد بتمثيلية بارعة وهو بيقعد تاني وبيشاور لها تقعد قصاده، وبدأ ينسج خيوط المكيدة بذكاء شيطاني :
ـ بصي يا “شيماء”، أني حكيت لأمي عليكي، والست الوالدة من يوم ما سمعت عنك وعن أدبك وأصلك الطيب وهي نفسها تشوفك، قالت لي يا واد يا “علي” هات لي العروسة اللي خطـ.ــفت قلبك وتفكيرة وجيبها لي البيت أشوفها وأملي عيني منيها، وأني ملقيتش وقت أحسن من دي علشان تقابليها وتعرفي إن دخلتك لبيتنا هي اللي هتنور دنيتنا كلاتها.
أول ما سمعت كلمة البيت، عيونها برقت برعب وانتفضت من مكانها وكأنها اتلمست بكهربا، وصوتها علي بنبرة دفاعية:
ـ لااااه يا “علي”! بيت إيه اللي أجي فيه لحالي؟ إنت خابر زين إن دي كَبيرة قوي في حقنا وفي حق الأصول والعُرف، لو رايدني بجد جيب ست الكل والدتك وتعالوا بيتنا وادخل من الباب كيف ما الأصول بتقول، لكن أجي لك البيت مستحيل يا واد الناس، مهقدرش أعمل كدة واصل.
“علي” هنا بدأ يلعب على وتر المشاعر والذنب، غير نبرة صوته للزعل المفتعل وبص لها بكسرة مزيفة وقال:
ـ بقى اكده يا “شيماء”؟ بتخوني “علي” اللي اتمسك بيكي قصاد الدنيا؟ أني مقلتش تعالي والبيت فاضي، أمي هتكون موجودة ومستنياكي بلهفة، وبعدين أني رايدك تشوفي البيت اللي هنعيش فيه، رايدك تحسي بيا وبمكانتك جواي، هو إنتي مش واثقة فيا للدرجة داي؟ أني قلت إنك بتحبيني وهتقفي جاري لحد ما نقنع الكل بجوازنا، أتاريني كنت واهم فيكي وفي حبك.
نظراته المكسورة خلت قلبها يضعف، والسم اللي بيبخه في كلامه بدأ يسري في عروقها، وقفت محتارة ما بين تربيتها وخوفها على شرفها وسمعتها، وما بين حبها اللي هي شايفاه طوق نجاة، وقالت بصوت مخنوق:
ـ والله واثقة فيك يا “علي” وعارفة إنك مهتأذينيش، بس الظروف واعرة، والناس مهترحمش، اني خايفة حد يشوفني داخلة ولا خارجة ويُبقى موتي على يد أهلي وقتها، وعارف إني اتعلَقت بيك كمان .
قرب منها وحاصرها بنظراته اللي بتوحي بالثقة العمياء وقال لها وهو بيمسك طرف إيدها بضغط خفيف ومطمن، وهو بيلف خيوط شبكة العنكبوت حوالين قلبها البرئ بمكر وخبث:
ـ محدش هيشوفك واصل، البيت في حتة هادية، وأمي هتكون في استقبالك على الباب، أني رايد بس ساعة زمن واحدة، تكسبي فيها رضاها وتاخدي منها بركتها، ووقتها مهيهمنيش حد واصل وهروح لبوكي وأقول له؛ أني رايد “شيماء” وافقي يا “شوشو” متخليش الخوف يضيع لحظاتنا الحلوة.
سكتت “شيماء” لفترة طويلة، صراع شغال جوة عقلها بين العيب والحرام، وبين الحب والسراب اللي “علي” رسمه لها ببراعة، كانت حاسة إنها ماشية في طريق ضلمة بس نور عشقه هو اللي بيجذبها، وأخيراً اتكلمت وهي بتهز راسها يمين وشمال بحيرة تدبـ.ــح القلب:
ـ اديني فرصة أفكر يا “علي”، الموضوع مهواش سهل واصل، لازمن أحسبها زين، ولازمن أشوف هقدر أخرج من البيت من غير ما حد يحس بيا إزاي، دي مخاطرة كبيرة قوي إني أدخل بيت شاب .
هنا “علي” عرف إنه بدأ يسيطر على تفكيرها، فابتسم بسمة “نصر” خفية ملمحهاش غير الشيطان اللي ساكن جواه، وقال لها بمنتهى الهدوء الماكر:
ـ معاكي يا حبيبتي، خدي وقتك وفكري زين، بس متبعديش كتير، أني والست الوالدة مستنيينك بفارغ الصبر، وعارف إن عقلك هيقول لك إن “علي” هو سكنك وأمانك اللي مهيفرطش فيكي مهما حُصل.
ودعها بنظرات فيها “عشق” مصطنع، ومشي وهو بيصفر بانتصار، ومن جواه بيتوعد لها بليلة يكسر فيها شموخها ويوقعها في شباكه اللي نصبها بكل مكر، أما هي ففضلت واقفة مكانها، عيونها بتلاحق طيفه، وبداخلها صوت خفي بيصرخ فيها اهربي، لكن قلبها الضعيف كان بيخرس الصوت ده بكل قسوة، وهي مش عارفة إنها بتبدأ أول خطوة في طريق الهاوية اللي مرسومة لها بكل غل تحت ستار الحب.
********
الجو كان شاحن بالتوتر والقهر في فيلا “عزيز المهدي”، القصر كان كأنه سجن ضيق في عيون “سمير الناجي”، اللي واقف وسط الصالة ، ورجليه مش شايلاه، وعيونه بتلف في السقوف العالية والنجف اللي يجهر العين، وحاسس إنه غريب ومكسور وسط الناس دول اللي أجبروه إنه يعتذر عن غلطه ولو مرة واحدة في حياته،
“غالية” كانت قاعدة على الكرسي بتغلي من جواها لكن قدرت تمسك أعصابها وترسم وش الطيبة علشان الموضوع اللي في دماغها يمشي زي ماهي عايزة، وجنبها ابنها اللي وشه لسه مخطط بالكدمات، وحاطط لزقة كبيرة على جبهته، وماسك الموبايل في ايده وعيونه فيها شماتة تحرق الحجر،
نطقت “غالية” بصوت حاد وناشف وراسمة على وشها ابتسامة صفرا:
ـ منور يا “سمير” ، ولا نقول يا “سمير بيه”؟ أظن المحامي بتاعك فهمك إننا وافقنا على الصلح هنا في بيتنا، علشان حق ابني يرجع له قدام عينيه وفي وسط بيته، يالا يابطل، وريني الهمة اللي كانت فيك وإنت بتمد ايدك عليه في وسط الناس .
“سمير” بلع ريقه اللي كان طعمه مُر زي الحنظل، وعروق جبهته برزت وهو بيحاول يمنع نفسه إنه يتهور ويقلب الترابيزة عليهم، ونطق بصوت واطي ومخنوق:
ـ أني جيت لبيتك يا”عزيز” باشا علشان أقول إني غلطت، والصلح خير، والست الوالدة الحاجة “رابحة” وصتني إني أجبر بخاطركم، وأحب على راس أخوي ولدك والصلح خير .
ابنها ضحك ضحكة مستفزة ووقف قدام “سمير” ، ورفع الموبايل وبدأ يصور “فيديو” وقرّبه من وش سمير قوي:
ـ لااا يا “سمير”، إحنا متفقناش على كدة، إنت لسة هتنقنق بصوتك الواطي ده؟! أنا عايز اعتذار رسمي وبالأصول اللي إنت عارفها، قول دلوقتي ، أنا بستسمحك يا “رامز” بيه وسامحني على سوء أدبي، ووطي راسك شوية وإنت بتقولها علشان الفيديو يطلع مظبوط والناس تعرف مين اللي وطى للتاني.
“سمير” غمض عيونه بقوة، وصور “نغم” جت قدام عينيه، بس المرة دي مكنش حب، كان غل أسود، حس إن “نغم” هي اللي جابته للوقفة دي، هي اللي خلته يهرب من الصعيد ويقع في ايد العيال دول، وفتح عيونه اللي بقت حمراء زي الدم، وقال بصوت مهزوز من الغضب:
ـ أني هستسمحك انت وهقول لك وسامحني يا واد الأصول وحقك علي في بيتك ووسط أهلك وهتصورني كمان ؟!
كانك اتوحشتك يد ” سمير الناجي” يا بن البندر !
قربت منه امه الحاجة “رابحة” وهمست بأمر قاطع:
ـ اعتذر يا واد احنا اتفقنا على ايه ، بطل بقى طريقتك داي خلينا نُخلص من الموضوع الهباب دي .
بلع ريقه وسمع كلامه أمه وهو بيعتذر بصوت عالي ونبرة مكسورة لأول مرة “سمير” يجربها ويجرب الذل والانكسار ،
“عزيز ” قرب منه وحط ايده على كتفه بتقل، ونطق بنبرة فيها تهديد مبطن:
ـ عفارم عليك يا “سمير”، كدة إنت اشتريت عمرك واشتريت خاطر الحاجة “رابحة” اللي عملت كتير علشان تنقذك، المحامي بتاعي دلوقتي بيتنازل عن المحضر، بس الفيديو ده هيفضل ذكرى معانا، لو فكرت يوم بس تهوب ناحية ابني، الفيديو ده هيكون على كل تليفون في الصعيد، فاهم يا ابن الناجي؟
“سمير” ملقاش كلام يقوله، سحب ايده من تحت ايد “رامز” ولف ضهره وخرج من الفيلا وهو بيجري كأنه هربان من المـ..ـوت، أول ما ركب عربيته وقفل الباب، صرخ بكل قوته صرخة هزت أركان العربية، وضرب الدريكسيون ببوكسات متتالية وهو بينوح من الغيظ وأمه قاعدة جنبه بتهديه:
ـ ياولاد الجزم! بقى أني “سمير الناجي” يتعمل فيا اكدة؟! عيل سيس كيف دي يصورني فيديو وأني هعتذر له؟! والله ما ههنيكم بالصلح دي، والله يا “نغم” لادفعك تمن الفيديو دي دم من عروقك، أنتي اللي نحستيني ودمرتي حياتي، أني راجع البلد يا “نغم”، ووريني “سند” بتاعك دي هيفيدك بإيه دلوك .
فضلت امه تطبطب عليه وتهديه ، وداس بنزين وطلع بالعربية بأقصى سرعة وهو بيضحك ضحك هستيري، وعقله مكنش بيفكر غير في “نغم” وسند، وازاي هيحرق قلوبهم زي ما قلبه اتحرق في بيت “رامز” النهاردة، وإن”سند” و”نغم” هما السبب في ذلته مش اللي عمله .
**********
الجو في الدوار كان هادي هدوء يسبق العاصفة، “دعاء” كانت قاعدة في الصالة وماسكة الموبايل بتبص فيه بتوتر، وعقلها شغال زي الطاحونة، بتحسب الوقت اللي “سما” بنتها هتقضيه في الساحل، وخايفة “سند” يتصل في أي وقت فجأة، سمعت صوت عربية “سند” بتقف بره، قلبها وقع في رجليها واتنفضت من مكانها، وشها بقى لونه أصفر زي الليمونة، وبقت تلف حوالين نفسها مش عارفة هتعمل ايه، مكنتش متوقعة رجوعه بالسرعة دي قبل معاده،
دخل “سند” الدوار بخطوات رزينة وتقيلة، ملامحه كانت جامدة كأنها منحوتة من صخر الجبل، وعيونه فيها نظرة غامضة تخوف اللي يبص فيها، “نغم” كانت ماشية جنبه، وشها منور بس فيه قلق من منظر سند اللي اتغير أول ما قربوا من البلد، دخل “نغم” على بيتها وطلع لولاده، أول ما شافته “دعاء”، حاولت ترسم بسمة باهتة على وشها وقربت منه وهي بتقول بصوت مهزوز:
ـ حمد الله على السلامة يا “سند” ، نورت دارك ؟
جاوبها بسماجة:
ـ الله يسلمك يا “دعاء” ، كيفك والعيال أخبارهم ايه؟ وهما فين نادي عليهم اتوحشتهم قوي.
هزت راسها وجاوبته بنبرة مهزوزة وهي بتبلع ريقها بصعوبة:
ـ أصل…ها، بقول لك ايه يا اخوي ادخل ريح إنت من تعب السفر ولما تصحى هتلاقيني عاملة لك عشوة ترم عضمك.
“سند” مَرَدش عليها، قلع العباية بتاعته ورماها على الكرسي ببرود، وبص لها نظرة فحصتها من ساسها لراسها، ونطق بكلمة واحدة هزت كيانها:
ـ فين “سما” سألتك عنيها مردتيش؟
“دعاء” بلعت ريقها بصعوبة وحاولت تداري لجلجتها:
ـ “سما”؟ “سما” يا حبيبي في أوضتها، لساتها نايمة، إنت خابر البت هتسهر طول الليل في المذاكرة وتعبت، فقلت أسيبها تنام وتصحى براحتها .
“سند” قعد على الكرسي وحط رجل على رجل، وطلع سيجارته وولعها بهدوء يقصف العمر، وبص في ساعته وقال بنبرة باردة:
ـ نايمة لحد دلوك؟! الوقت داخل على العصر يا “دعاء”، روحي صحيها رايدها في كلمة، وكمان “مازن” فين؟
“دعاء” بدأت تفرك في إيديها ورجلها بتخبط في بعض:
ـ “مازن” راح مع الواد “علي” يشتري حاجات وجايين، و”سما” يا “سند” سيبها دلوك، البت تعبانة والله، لما تصحى هخليها تاجي لك لحد عندك تشوفها وتطمَن إنها بخير.
“سند” نفخ دخان السيجار في الهوا وبص لـ “نغم” اللي كانت واقفة مراقبة المشهد بصمت، لما “دعاء” بعتت لها رسالة تستنجد بيها، ورجع بص لـ”دعاء” وسألها تاني بنفس البرود المرعب، بعد ما قام من مكانه ودخل أوضتها ملقهاش، وبص حواليه في البيت مش شايفها وكل ده و”دعاء” واقفة ورا “نغم” مرعوبة:
ـ قلت لك فين “سما” يا “دعاء”؟ أني طلعت أوضتها وملقتهاش، ودخلت الحمام ملقتهاش، الدار فاضية البت فين؟ وهتكذبي علي ليه وهتقولي إنها نايمة ؟
وبصوت عالي هز اركان البيت وهو بيقعد على الكنبة وبيحاول يكشف كذبها:
ـ بتك فين يا هانم ، انطُقي؟
هنا “دعاء” حست إن الأرض بتتهز تحتها، وصوتها بدأ يعلى بشويش وهي بتحاول تدافع عن كدبتها:
ـ وه! هتكون فين يعني يا “سند”؟ تلاقيها نزلت الجنينة ولا راحت تقعد مع واحدة صاحبتها ، إنت لساتك داخل وهتعمل جنازة؟ اهدي بس واني هروح أشوفها لك.
“سند” قام وقف فجأة، وطول قامته خلى “دعاء” ترجع لورا بخوف، رمى السيجارة في الطفاية بقوة ونطق بصوت زي الرعد:
ـ لحد ميتى هتكذبي يا واكلة ناسك؟! لحد ميتى هتستغفليني وتفتكري إني طرطور في داري؟! “سما” مسافرة الساحل مع أصحابها، مسافرة من غير علمي ومن غير إذني، وبعلمك إنتي ومساعدتك، صُح ولا لاه؟!
“دعاء” انصدمت، الموبايل وقع من ايديها على الأرض، وبقت تبص لـ”سند” بذهول وهي مش مصدقة إنه عرف، وصرخت بانهيار، وهي بتحاول تقلب الترابيزة عليه:
ـ مين اللي قال لك؟! “جليلة” الخدامة صُح؟ والله لاقتـ.ــلها البومة داي، والله لاهد الدار على راسها!
“سند” قرب منها ومسكها من دراعها بقوة خلتها تصرخ، وعيونه بقت تطلع شرار:
ـ “جليلة” اللي بتشتميها داي هي اللي صانت عرضي في غيابي، هي اللي عرفتني إن مراتي اللي كنت مأمنها على بيتي وبناتي، هي اللي بتدبر لبتي السفر والفسح من ورا ضهري! إنتي إيه يا شيخة؟! مفيش في قلبك ذرة خوف من ربنا؟! بتسفري بت لساتها مكملتش العشرين سنة لحالها مع شوية عيال صايعين؟!
“دعاء” بدأت تبكي وتنوح وهي بتحاول تفك ايديها من ايده:
ـ البت كانت مخنوقة يا “سند”! كانت هتموت من حبستك ليها وتحكماتك الزايدة عن اللازم وياها، قلت تفك عن نفسها تلت أيام وترجع قبل ما تاجي، إيه اللي حُصل يعني؟! هما كلهم بنات من عائلات كبيرة اهنه وصحباتها وياها، ليه مكبر الموضوع ورايد تبهدلنا؟!
“سند” زقها بعيد عنه لدرجة إنها وقعت على الكنبة، وبص لها بقرف وقال:
ـ مكبر الموضوع؟! العرض والسمعة بقوا موضوع متكبر حداكِ” يا “دعاء”؟! أني اللي كنت فاكرك بنت أصول وهتصوني غيبتي، أتاريكي إنتي اللي بتفتحي الباب للخراب! “سما” ترجع النهاردة، قسماً برب السماء لو الشمس غابت و”سما” مش في الدار، لهتكون ليلتك سودة على دماغك ودماغ اللي جابوكي!
ولما ترجع حسابي وياكي عسير، هوريكي الجحيم على الارض وهتتمنى الرحمة مني مهتطوليهاش.
” نغم” حاولت تتدخل وتهدي ” سند”:
ـ اهدي يا “سند” ، الموضوع ميتلمش بالزعيق، خلينا نفكر هنرجع البت إزاي ونلم الدور قبل ما حد يحس بينا والفضايح تملا البلد بسبب صوتك العالي.
” سند” بص لـ” نغم” بنظرة فيها وجع وقهر، ورجع بص لـ” دعاء” وقال اللي صدمها بفحيح وعيون بتطق شرار:
ـ الفضيحة والعيب حصلوا خلاص يا “نغم”، لما تآمن لبتها إنها تسافر من ورا أبوها،
ووجه أنظاره لـ”دعاء” وحذرها بنبرة قاتلة لا تقبل النقاش:
اسمعي يا “دعاء”، إنتي من اللحظة داي ملكيش قعاد في الدار دي، وجزاكي عندي هو الطلاق، دلوك هسيبك محروقة بنار اللي عملتيه لحد ما البت تعاود، ووقتها هرميكي لبيت أبوكي بالهدوم اللي عليكي، والدار دي ملمحش طيفك فيها تاني!
إنتي لاتؤتمني حتى على ضناكي اللي مخلفاهم.
“دعاء” قعدت تصوت وتلطم على وشها: ـ هتطلقني يا “سند”؟! علشان خاطر سفرية لبتي يومين مع أصحابها تفك عن نفسها، ومكنتش أعرِف انك هتزعل أو إن الموضوع هيكبر اكده؟!
حرام عليك يا “سند” طول عمرك هتظلمني وهتاجي علي، وردود أفعالك على غلطي الغير مقصود والعادي هتكبِره، بس كله كوم وعيالي كوم تاني .
وبعيون بتلمع بالشر هددته وهي خارجة عن وعيها:
ـ لو فكرت تحرمني منيهم في يوم من الايام هحـ.ـرق الدنيا باللي فيها ومهسميش على حد واصل حتى نفسي، الا ولادي يا “سند”.
سند نزل لمستوى على الأرض وأخد الموبايل اللي وقع منها، وشافه وفحصه ولقى فيه رسايل “سما” وصورها وهي في العربية،
وفجأة مسكها من شعرها بعـ.ـنف وقال لها بصوت واطي ومخيف رعبها:
ـ بتهددي مين يا أم عقل مخبول إنتي؟!
هتهددي جوزك أبو عيالك وبكل بجاحة وسلاطة لسان مهتعترفيش بجُرمك وهتعلي صوتك كمان؟!
وكملت بنبرة صوت وصل الغضب فيها لمنتهاه وهو بيقومها من على الأرض وماسكها بقوة خلاها ترجف وتترعش وبيهزها بعـ.ـنف:
ـ وربي وما أعبد لهحبسك في الأوضة داي من غير لقمة ولا مية لحد ما تموتي بقهرك كيف ما انت هتقهريني على عيالي وهتضيعيهم من يدي ، سنين واني متحمَلك ومتحمَل غشمك وعجرفتك، سنين وأني اللي أصلحه في عيالي تهديه بغبائك وإهمالك في تربيتهم يا “دعاء” .
عروقه برزت من شدة الغضب والدنيا بقت تدور بيه من حواليه وهو حاسس بخنقة من كلامها وجبروتها في ردها عليه ، “نغم” حست بحالته وقربت منه وهي بتحاول تهديه:
ـ إهدى يا ابو “مازن ” أعصابك مشدودة قوي والعصبية والغضب مهيحلوش حاجة، هي أكيد متقصدش كانت هتفكِر إن الدنيا اتطورت وهتشوف صاحباتها اللي في البلد هيروحوا معاها عادي ، أرجوك معايزينش فضايح والسواق اللي أخدهم هيرجِعهم وهي أكيد مهتعملش اكده تاني واصل.
بص لهم بجمود وطلب منها بأمر لايقبل النقاش :
ـ اتصلي على العربية اللي وديتهم يرجعهم وأني هقابله ولما نرجع لينا كلام تاني، وأيامك من النهاردة هتُبقى سواد على راسك .
خرج “سند” من الدوار وهو كيف الإعصار، ركب عربيتة وداس بنزين وطلع على طريق الساحل وهو بيحلف إنه هيربي بنته وهيربي مراته، والمرة داي مفيش رجوع، مفيش تسامح للي يمس عرضه ويهدم كرامته، حتى لو كانت مراته وأم عياله.
“نغم” فضلت واقفة في الصالة، بتبص لـ”دعاء” اللي واقعة على الأرض ومنهارة، وحست بحزن كبير على حال البيت اللي كان المفروض يكون سكن وأمان، وبقى ساحة حرب بسبب الغيرة والجهل، ودعت من قلبها إن “سند” يرجع بالبنت بخير من غير ما يغضب ولا يتعصب عليها ويفرج عليهم الناس،
لحد ما اتقابلوا وركبها عربيته وحاول بقدر الإمكان يكون هادي ويسمع نصيحة “نغم” إن البنت ملهاش ذنب في الصراعات اللي بينه وبين “دعاء” واختلافهم على تربيتها، وحاول يهدي أعصابه ولقى كافيه على الطريق بص لبنته وهو بيحاول يتناسى اللي حصل وقال لها بابتسامة رسمها على وشه بالعافية لما لقاها مرعوبة وحاضنة نفسها بملامح باهتة والذعر اللي على وشها يتحكي فيه حكاوي:
ـ تعالى ننزل الكافيه دي يا “سما” يا حبيبتي هعزمك على المشروب المفضل اللي هتحبيه وبالمرة نتحدت ويا بعض شوية علشان اتوحشتك قوي .
البنت لسه مرعوبة ومش مستوعبة وخايفة من أبوها إن يكون ده الهدوء اللي يسبق العاصفة، وخصوصاً إن أمها دايما تردد في ودانها عن طباع أبوها الصعبة، نزلت ومشيت جنبه ودخلوا الكافيه وطلبوا الطلبات وبعدين سألها بهدوء وهو بيحاول يخلى أعصابه هادية:
ـ قولي لي يا “سما” عِملتي ايه في اليوم اللي قعدتيه برة بيتك طول النهار النهاردة ؟
بلعت “سما” ريقها بصعوبة، وحست بلسانها اتقطب من الخوف، عيونها كانت بتلف في المكان حواليها بزيغ، وكل كلمة كانت “دعاء” بترددها في ودنها عن جبروت “سند” كانت بتترسم قدامها كأنها كابوس، فركت إيدها المرتعشة تحت الطرابيزة، وردت بصوت واطي ومبحوح كأنه طالع من بير غريق:
ـ م.. مـ..ـعملتش حاجة يا بوي، كنا قاعدين على البحر، واتغدينا، و.. وكنا هنعاود والله قبل الليل ما ليل، بس الطريق هو اللي كان واعر وزحمة.
“سند” سحب نفس طويل، وكتم بركان الغضب اللي كان بيفور في صدره لما سمع كلمة البحر، مكنش متخيل إن بنته، لحمه ودمه، تكون بالبساطة دي بتكذب عليه وهي بتبص في عينه، قرب الكرسي بتاعه شوية، وحط إيده على إيدها اللي بتترعش، ونطق بحكمة الأب اللي رايد يلم شتات ضناه:
ـ يا “سما” يا بتي.. بصي لي يا حبيبتي وارفعي راسك، أني النهاردة مش جاي أحاسبك حساب الملكين، ولا جاي أهد المعبد فوق راسك، أني جاي أقول لك إن البنت المحترمة الرقيقة اللي أي شاب محترم يتمناها، هي اللي في احترامها بتبقى كيف الدرة المكنونة في صدفها، والصدف دي يا بتي هو البيت وهو الأصل، لما تخرجي من صدفك من ورا ظهري، إنتي مش بتكسري كلمتي أني بس، إنتي بتقهري قلب “سندك” اللي ملوش غيرك في الدنيا، بوكي اللي ميتمناش غير إنك تُبقى ست البنات .
“سما” هزت راسها بسرعة، ورسمت نظرة الندم اللي أمها علمتها تلبسها وقت الزنقة، وقالت بنبرة تمثيلية متقنة:
ـ حاضر يا بوي، أني أسفة، والله ما كان قصدي أكسر كلمتك، بس أصحابي ضغطوا علي، وامي قالت لي روحي فكي عن نفسك شوية.
“سند” اتنهد بوجع لما سمع سيرة أمها، وعرف إن السوس نخر في عقل البنت خلاص، كمل كلامه وهو بيحاول يوصل لقلبها:
ـ يا بتي، الدنيا بره مش وردي كيف ما هتشوفي في الموبايلات والسيما. الدنيا بره دي ديابة لابسة لبس بني آدمين، والواحد من دول لو لقى بنت هاربة من طوع أبوها، بتُبقى فريسة سهلة في يده، أني بخاف عليكي يا “سما” من نسمة الهوا الطايرة، بخاف إن حد يلمح طرفك ويفكر فيكي سوء، الأصول اللي إنتي شيفاها حبسة، هي في الحقيقة سور عالي بيحميكي من الوحوش، أوعديني يا بتي، إنك مهما حُصل، متعمليش حاجة من ورا ضهري تاني، وإن بوكي “سند” هيفضل هو سرك وأمانك قبل أي حد في الدنيا.
“سما” رسمت ابتسامة باهتة وقالت بصوت ناعم:
ـ أوعدك يا بوي، “سما” من النهاردة مهتعملش غير اللي يرضيك، وإنت فوق راسي من فوق وكلمتك سيف على رقبتي.
لكن من جواها.. كانت بتضحك بسخرية مرة، وعقلها شغال زي النار وهي بتكلم نفسها بزهق:
ـ يا بوي على الموشحات دي! إنت فاكر إنك بكلمتين هتمسح اللي في دماغي ؟ إنت رايد تحبسني في الدوار وتتجبر علي، وتقول لي درة وصدفة! أني شفت الدنيا بره، شفت الحرية واللبس والضحك، ومش هسيب حياتي تضيع في سجن الصعيد بتاعكم دي، عيش في أوهامك يا “سند” بيه، وصدق إن بنتك بقت قطة مغمضة، بس الأيام جاية وهتعرف إن “سما” بت “دعاء” مهيتحكمش فيها حد.
“سند” شاف الخضوع في عيونها، فصدق بقلبه الطيب إن بنته رجعت لصوابها، مسح على شعرها بحنان وقال:
ـ عفارم عليكي يا “سما”، دلوك بس قلبي ارتاح، يالا نشرب العصير ونعاود الدوار، “نغم” مستنيانا وهتعمل لك الأكل اللي بتحبيه، ومن النهاردة صفحة جديدة يا بتي، مهفتحش فيها سيرة اللي حُصل واصل، بس خليكي قد الوعد.
“سما” قامت معاه وهي بتعدل طرحتها ببرود، وبتمثل إنها البنت المطيعة، وهي من جواها بتخطط للمرة الجاية اللي هتخرج فيها تروح عن نفسها بعد ما أفسد عليها رحلتها اللي كانت مستمتعة بيها جدا ، بس المرة دي هتكون أذكى بكتير، وهتعرف إزاي تداري خطواتها عن عين الصقر اللي هو أبوها.
ركبوا العربية و”سند” حاسس إنه انتصر في معركة الاحتواء، وهو مش خابر إن البذرة اللي زرعتها “دعاء” في قلب “سما” ، بقت شجرة شوك مسمومة، مهيقطعهاش غير زلزال يهز أركان البيت كله ويخرج المستخبى للنور،
بعد ما وصلوا وبنته رجعت البيت وقف في نص الدوار، وبص للسماء وحمد ربنا إن بنته رجعت لحضنه وقدر يحتويها، وهو مش عارف إن الحضن ده بقى بارد، وإن البنت اللي كان بيفديها بروحه، بقت هي الثغرة اللي هيدخل منها الخراب لداره .
***********
بعد مرور بعض من الأيام ،
الطريق من الصعيد لحد بيت “سمير” كان طويل، بس في عيون “سند” كان خطوة واحدة، قلبه كان بيغلي الرسالة اللي شافها في موبايل “نغم” ، الرسالة اللي “سمير” بعتها وهو مفكر إن “نغم” لسة المكسورة اللي تحت طوعه، وصل “سند” للمكان اللي فيه “سمير” وأمه الحاجة “رابحة” قاعدين يلموا هدومهم علشان يعاودوا البلد بعد ما “سمير” خلص موضوع الصلح المذلول،
دخل “سند” الشقة اللي هما فيها فجأة، وبمجرد ما “سمير” شافه، اتعدل في وقفته وحاول يرسم القوة الزايفة على وشه، ونطق بسخرية:
ـ وه! “سند” بيه اهنه بذات نفسه؟ إيه اللي جابك يا أخوي؟ ولا العشق خلى عقلك يطير وجيت تطمَن على “نغمك” اللي هملتها لحالها في الدار؟
“سند” مَرَدش بكلمة، قرب من “سمير” ببطء والشرار طالع من عيونه، وفجأة، نزلت يد “سند” على وش “سمير” رن في أركان الشقة كلها، لدرجة إن “سمير” اترنح ورجع لورا بصدمة، والحاجة “رابحة” صرخت وضربت على صدرها:
ـ يا مري! هتضرب أخوك الصغير يا “سند”؟! في إيه يا ولدي اتهبلت في عقلك واصل؟!
قطع يدك اللي هتمدها على اخوك وأني واقفة يا كبير يا عاقل .
“سند” بص لأمه بنظرة خلتها تسكت من الخوف، ورجع بص لـ”سمير” اللي كان ماسك وشه وباصص له بغل وذهول، وزعق فيه “سند” بصوت زي الرعد:
ـ “نغم” اللي بتنطق اسمها على لسانك الزفر داي، هي مرتي وحلالي يا “سمير”! الرسالة اللي بعتها لها وبتهددها فيها شفتهاو فاكرني مهعرفهاش؟! فاكر إن “سند الناجي” هيهمل حريمه لواحد صايع وضايع كيفك يهدد فيهم؟!
“سمير” ضحك بمرارة وهو بيمسح دم شفايفه:
ـ مرتك؟! ونسيت العهد يا “سند”؟ نسيت إنك قلت لساتك معتبرها أختك أتاريك طلعت خاين للعهد وخدت اللي كان نفسي فيه، ودلوك جاي تعمل علي راجل وبتُضربني؟!
“سند” مسكه من رقبة جلابيته ورفعه لفوق وقرّب وشه من وشه ونطق بفحيح مميت:
ـ العهد انكسر لما إنت بنفسك سلمتهالي وجوزتها لي بعقد شرعي سليم وعلى سنة الله ورسوله وبشهادة الخلق! العهد ضاع لما بعت لها تهددها بـ الدبـ.ـح وإنت لساتك بتوطي تحب على يد الأكابر علشان تطلع من مصيبتك!
اسمع يا “سمير”، وربي وما أعبد، لو لمحت اسم “نغم” على لسانك تاني، أو فكرت تهوب ناحيتها ولا ناحية عيالها، لهكون قاطع خبرك ودافنك في الجبل للديابة، وأمك اللي هتنصرك في الباطل شاهدة علي!
“رابحة” حاولت تتدخل وهي بتبكي علشان تحاول تأثر عليه:
ـ يا “سند” يا ولدي، استهدي بالله، أخوك كان مكسور ومظلوم في الغربة، متبقاش إنت والزمن عليه، ومش “نغم” داي اللي هتقاتلوا بعضكم علشانها حرام عليك يا ولدي، بلاش توصلوها لدم بيناتكم!
“سند” زق “سمير” بعيد عنه لدرجة إنه خبط في الحيطة، وبص لأمه وقال لها بوجع:
ـ إنتي اللي دلعتيه يا حاجة لحد ما بقى “عويل”! إنتي اللي خلتيه يفتكر إن “نغم” ملكية خاصة ليه يبهدلها كيف ما رايد! “سمير” النهاردة اعتذر ووطى راسه للي ظلمه علشان أكابر ومكنش هيعرف يصد قبالهم، ودي جزاء اللي يفتري على خلق الله، بس قسماً بالله يا “سمير”، لو رجعت البلد وعملت حركة واحدة تضايق “نغم” أو تكسر خاطرها، لهكون ناسي إنك أخوي، وهعاملك معاملة الغريب اللي اعتدى على عرضي، فاهم ولا لاه؟!
“سمير” كان باصص في الأرض وجسمه بيترعش من الغيظ والقهر، مكنش قادر يرد لأن هيبة “سند” وجبروته في اللحظة دي كانت مرعبة، “سند” كمل كلامه وهو بيعدل عمامته وبيلبس عبايته ببرود:
ـ أني راجع دلوك، ، بس حط في بالك يا “سمير” الدار اللي فيها “نغم” ، متبقاش دارك، والمكان اللي فيه “سند”، متبقاش ليك فيه كلمة، أني ربيت وسترت، وإنت اللي خربت وهدمت، ودلوك وقت الحساب.
نزل “سند” من الشقة وساب “سمير” شايط في مكانه، و”رابحة” قاعدة تعيط وتدعي على “نغم” اللي شافت إنها هي سبب الفرقة بين عيالها، أما “سمير” فبص لأمه وعيونه كانت بتلمع بشـ..ـر مهينتهوش بهدلة “سند” ونطق من بين سنانه:
ـ والله يا “سند”، لادفعك تمن القلم دي غالي قوي، إنت والنغم الحزينة بتاعتك، أني راجع الصعيد، وهنشوف مين اللي كلمته هتمشي في الآخر.
“سند” ركب عربيته وهو حاسس إنه برد نار قلبه شوية، بس عارف إن “سمير” مهيسكتش، وإن المواجهة الجاية هتكون مجزرة، بس اللي يهمه دلوك إنه وصل الرسالة؛ إن “نغم” خط أحمر، واللي يقرب منها يلبس كفنه.
داس بنزين وهو بيفكر في “نغم” ، وكيف هيرجع لها وهو شايل الهموم والاوجاع إللي في قلبه دي كلها، بس وسط كل ده كانت صورة “نغم” وهي بتضحك له هي اللي بتديله القوة يكمل، وحلف في نفسه إنه هيفضل “سندها” لحد آخر نفس في عمره، حتى لو وقف ضد أخوه وأمه والدنيا كلها، عشقه الضايع بقى بين ايديه ومش هيحل وعده ليها بالحماية والأمان والعشق غير الموت.
************
الشقة كانت غرقانة في سكوت يقطع القلب بعد ما “سند” مشي وساب وراه بركان قايد في صدر أخوه، “سمير” كان قاعد على الكنبة، حاطط ايده على خده اللي لسة معلم فيه أثر قلم “سند” ، وعيونه كانت زايغة وشاردة في الفراغ بغل ملوش آخر، أما الحاجة “رابحة”، فكانت بتلم الهدوم في الشنط بِإيد بتترعش، وكل شوية تبص لابنها الصغير بحسرة ووجع، وشايفة إن الدنيا مستكتراه عليها وكلهم هيوجعوه وهيهينوه،
“سمير” نطق فجأة بصوت مبحوح كأنه طالع من جحر تعابين:
ـ شفتي يا ياما؟ شفتي ولدك “سند” العاقل، الراجل اللي كان هيقول الأصول والقيمة، ضربني كيف؟ ضربني علشان خاطر “نغم”! علشان خاطر الواحدة اللي كانت خدامة تحت رجلينا واصل!
“رابحة” رمت الجلابية اللي في يدها وقعدت جاره، وطبطبت على كتفه بحنية مفرطة:
ـ معلش يا “سمير” يا ولدي، اخوك عقله طار، “نغم” الساحرة لفت عليه بجمالها ومسكنتها لحد ما خلت الأخ يضرب أخوه، أني كنت حاسة إن في حاجة غلط من وقت ما شفتها قلعت الأسود ولبست الوان وضحكتها مسمعة الدار، بس مكنتش أظن إن “سند” هيخون عهده وياك عياناً بيانًا اكده!
“سمير” ضحك بسخرية مرة، وعيونه برقت بشر:
ـ عهد إيه يا ياما؟! “سند” لمسها، أني متأكد من نظرة عينه ومن خوفه عليها، “سند” كسر كلمتي وكسر عهدي ودخل على “نغم”، وبقت مرته صُح مش بس على الورق، إنتي مشفتيش دافع عنيها كيف؟! دي كان رايد يقـ.ــتلني علشان رسالة موبايل!
“رابحة” شهقت وضربت على صدرها:
ـ يا مصيبتي السودة! لو حُصل اللي بتقول عليه دي يبقى يا خراب الديار! يبقى “سند” نسي إنها كانت مرت أخوه، ونسي إنك لساتك رايدها وعينك فيها، واصل يا ولدي مهصدقش إن “سند” يعملها، دي متربي على يدي وعارف الحلال والحرام، كيف يمد يده على حاجة تخص خوه؟!
“سمير” قام وقف وبدأ يلف في الصالة بوعيد:
ـ الحلال والحرام مابقاش ليه مكان في قلب “سند” دلوك، العشق عامي قلبه، بس وحق الذل اللي اتذليتَه النهاردة على يده، وحق القلم اللي نزل على وشي، مههنيكم ببعض واصل، لو كانت “نغم” محرمة علي، هتبقى محرمة على الدنيا كلاتها، والدار اللي جمعتهم، هتبقى هي قبرها وقبر عشقهم دي.
“رابحة” وقفت قدامه وحاولت تهدي روعه:
ـ استهدى بالله يا “سمير”، إحنا دلوك راجعين البلد، ولازمن نكون أذكى منيه، لو واجهناه باللي في دماغنا هيعند أكتر، إحنا لازمن نراقب ونشوف، ونعرف الحقيقة من لسان “نغم” نفسها، الستات مبيعرفوش يداروا، واني هعرف أجرجرها في الكلام لحد ما تعترف لي بكل اللي حُصل بيناتها وبين “سند”.
“سمير” بص لأمه بنظرة خبيثة وقال:
ـ وإنتي فاكرة إنها هتقول لك يا ياما؟ “نغم” دلوك مستقوية بـ”سند” ، وشايفة نفسها ست الدار، بس ورب وما أعبد، أني راجع و هيكون حسابها معاي عسير، لازمن نرجع يا ياما، لازمن نرجع ونشوف “سند” هيعمل إيه لما يواجهني في وسط الدوار وقدام بوي “عبدالعزيز” بعد ما ابنه البكري المتربي الكبير اللي الكل هيحلف بأدبه وكلمته نقض وعده وياي ولازمن تُبقى خراب على الكل.
“رابحة” هزت راسها بموافقة:
ـ صُح يا ولدي، “عبدالعزيز” لو عرف إن “سند” كسر العهد وضربك علشان “نغم”، مهيسكتش واصل، بوك هيبته في البلد متهزش، وكلمته سيف، وهو اللي كان شاهد على إن الجوازة داي سترة وبس، لو عرف إنها قلبت عشق وغرام، هيقلب الدينا على راس “سند” و”نغم” هيجيب لك حق بس اهدى ياولدي متتهورش.
“سمير” كمل كلامه وهو بيجهز شنطته بغيظ:
ـ تمام يا ياما، إحنا نلم حالنا ونعاود، وخليه هو دلوك غرقان وياها، مهوش خابر إن اللحن اللي هيسمعه الجاي هيكون نواح وبكا، أني هربيك يا “سند”، وهعرفك إن “سمير الناجي” لو وطى راسه مرة، بيعرف يقطع رقاب عشرة بعدها، ويالا بينا نهم بالرحيل، البلد وحشتني، وريحة الانتقام بقت في مناخيري أقوى من أي ريحة تانية ومهفوتش حقي واصل حتى لو بموتي.
“رابحة” بصت لـ”سمير” بخوف ممزوج بحزن بولدها اللي طالع لها في الجبروت، ورفعت إيديها للسماء ودعت بقلبها إنها تخلص من “نغم” اللي شافت إنها هي اللي خربت مودة ولادها، وهي مش خابرة إن نار الفتنة اللي هي قادتها مع “سمير” ، هتـ.ـحرق الدوار كله ومحدش هيطلع منيها سليم.
قفلوا الشنط وخرجوا من الشقة، وقلب “سمير” كان بيحسب الدقايق لحد ما يوصل الصعيد، مش علشان ينام ويرتاح من تعب السفر، لكن علشان يبدأ أول فصل في ملحمة الدم والغل اللي ناوي يكتبها بدم “نغم” و”سند” ، والشك اللي زرعه في عقله عن كسر العهد بقى هو المحرك اللي بيحركه، وبقى مستني اللحظة اللي هيواجه فيها “نغم” وجهاً لوجه، علشان يشوف في عيونها أثر لمسات ” سند” وعشقها ليه، هما اللي هيقوه على الانتقام والشر ووقتها مهيرحمهاش واصل .
*******
ـ أني رايد مرتي ترجع لي يا اخوي يابن أمي وأبوي ياللي استحليت غيابي ونقضت عهدك وياي، مع إني كنت مشهد عليك بوي وامي ترجعها لي وانك مجرد جواز على الورق وانت خالفت اتفاقنا.
وكمل كلامه وهو بيقوم من مكانه وغضب الدنيا ماليه ووقف قدامهم هما الاتنين، وبيتحدو بعض بنظراتهم الحادة زي الصقور، أما هي كانت قاعدة مرعوبة وجسمها بيرتعش بالرغم من انه طمنها بدل المرة عشرة قبل ما يجتمعوا في الجلسة دي، وإنها في حمايته ومحدش يقدر يمسها ولا حتى بكلمة وإن حصل هيقلبها جحيم على الكل، لكنها كانت قاعدة حاطة وشها في الأرض وبتفرك ايديها في بعضهم بتوتر وحالتها يبان عليها الرعب والأعمى ياخد باله من خوفها وده طمن “سمير” وخلاه واثق انها هتطلق من أخوه الليلة بمجرد ما تشوفه هتكش في جلدها وهتترعب متنفذش اتفاقهم هما التلاتة:
ـ ها يا اخوي هتوفي بوعدك وهترجع لي امانتي حداك ولا هنقلبها مجزرة والأخ يقاتل أخوه مش يعاديه؟
هنا نطقت “رابحة” وهي مرعوبة من وقفة ولادها الاتنين قدام بعضهم ولأول مرة تجرب الخوف والرعب وقامت وقفت بين ولادها الاتنين وهتفت بملامح صارمة وحادة وصوت مليان جبروت وهي بتبص لـ”نغم” باسمئزاز:
ـ ما عاشت الحُرمة ولا كانت ولا هتكون اللي تخلي ولاد الناجي يقاتلوا بعضهم علشانها وإن كان ولابد أقـ.ــتلها أني بيدي وأقول كلبة وغارت في داهية وولادي يقفوا كيف الجبال الشامخة ضهرهم في ضهر بعض وتغور الحرمة داي وتاجي بدالها عشرة .
وكملت وهي بتبص لـ”سند” بتحدي وجبروت:
ـ ها يا ولدي هتوفي وعدك ويا أخوك ولا هتقلبها حريق ونـ.ـار ودمـ.ـار تضيع فيه رقاب، وقبل ماتجاوب اعقلها يا ولدي؟!
كان واقف قصادهم وقفة الأسد ملك الغابة وهو بيطمنها بعينيه لما لقى دموعها هربوا من عينيها ومقدرتش تتحمل تكتم وجعها وقهرتها من كلام “رابحة” عنها وكأنها بقرة هيسوقوها
على كيفهم ومفيش مانع يضحوا بيها عادي جداً ، واقف بقوة وشموخ من غير ما يهتز له شعرة واحدة ولا هايب كلامهم ولا تهديدهم، وقبل ما يسألهم السؤال الأهم والفيصل في الموضوع رد على كلامها العنـ.ـيف بنفس القوة والجبروت بل ويزيد عنها في تحديه ليهم:
ـ شوفي يا حاجة قبل اي حاجة كلامك عن الحرمة اللي انتي هتتحدتي عنيها ميخصناش في حاجة لأن حريمي اللي على ذمتي يخصوني وقبل ما واحدة فيهم يصيبها شين هكون ميت وعهدي ونفسي اتقطعوا من على وش الدنيا ودي أول هام .
وسألها السؤال اللي لا كان على بالهم ولا خاطرهم وهو بيبص لـ”نغم” وبيقدمها قدامهم وعيونه في عيونها :
ـ تاني هام أدي الجمل وأدي الجمال هسألها السؤال اللي هيفض الموضوع التافه دي وهنشوف جوابها قدامكم وأيا كان اللي تريده هيُحصُل.
وبصوت حنين اتبدل في لمح البصر ونظرة مليانة وعود بالأمان وعهود بالحماية سألها وهو محاوط كتافها الاتنين بإيديه:
ـ قولي يا “نغم” هل انتي نافرة العيشة وياي ورايدة ترجعي له وهتعيشي وياي مغصوبة ولا رايدة جوزك اللي انتي على ذمتَه دلوك؟
كانت مرعوبة وبتنتفض وبمجرد ما حط ايديه على كتفها وبعت لها نظرة الأمان ووراها نظرة الحماية ومعاهم صوته المليان حنية ليها خلوها استجمعت قوتها وبلعت ريقها بصعوبة في موقف مهيب للجميع وكلهم واقفين بيبلعوا أنفاسهم بصعوبة من ردها الا هو كان واقف مطمن و بيبعت لها البسمة والحنية على طبق من دهب، لحد ما قررت انها تتحدى الشر لأول مرة وتقف في وشه وهي مطمنة إنها ورى درع حصين هيهد الجبال علشان خاطرها ، وفجأة اتحركت ووقفت ورا ضهر “سند” وده خلى “رابحة” و “سمير” قلوبهم تشتـ.ـعل نـ.ـار ، وعيونهم تطق شرار وقالت اللي صدمهم :
ـ أني جوزي يُبقى “سند” وهعيش وهمـ.ـوت واني على ذمته ومريداش راجل غيرَه واصل.
في لمح البصر بدون حسبان لإيد الغدر ونظرات الشيطان شكل ما يكون كان ن
واثق من ردها ومجهز رد فعله على مخالفتها ليه ، سحبها في لحظة من ورا ضهر “سند” ونزل على وشها بالأقلام وهو بيزعق بغضب جحيمي:
ـ سلمتي له نفسك يا فاجر، خونتيني وياه هقتـ.ـلك بيدي.
لسه “سند” هيمد ايده يسحبها وغضب الدنيا مالي وشه وملامحه وهيقلبها جحيم وهيرد له القلم عشرة في موقف مهيب خاطف للأنفاس ، وقفت “رابحة” قصاده تمنعه عن أذية أخوه اللي طلع مطوة من جيبه و….
حبايبي بعتذر لكم جدا عن التاخير والله ابني رجله مكسوره من قبل العيد ومش عايزه اقول لكم انا كل حاجه بالنسبه له ام ومُدرسه ومَدرسه ودروس وحرفيا مش مالكه وقت خالص وربنا الاعلم انا كتبت لكم الفصل ده ازاي طويل جدا جدا بس حقكم عليا اعذروني وادعوا له بالشفاء ويا رب الفصل يعجبكم
رواية النغم الحزين الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فطيما يوسف
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
أَيا سَنَداً سَقَى الأَرضَ دِمَاءً، لِيَحْمِيَ زَهْرَةً ذَاقَتْ شَقَاءَ،
رَمَيْتَ الرُّوحَ فِي كَفِّ المَنَايَا، لِتَمْنَحَ خَافقِي عاشقك الهناءَ،
نَغمٌ أَنا وَفي صَدرِي أَنِينٌ، وَأَنْتَ العَزْفُ الذي يَمْلَؤُنِي رَجَاءَ،
فَلا تُسقيني جُنُونَ الخَوْفِ فِيكَ، فَقَلْبِي لا يُطِيقُ لَكَ البَلاءَ،
فـحُدُودُ الشَّرِّ بَيْنَنَا سُدُودٌ، وَهواكَ قَدْ أَذَابَ الانْحِنَاءَ،
فَخُذْنِي لِلأَمَانِ فأنت بيتي، وَصُنْ عَهْدًا سَمَا فَوْقَ السَّمَاءَ،
نَمُوتُ مَعاً وَلا نَمْضِي فِرَاقاً، فَمَوْتُ العِشْقِ خَيْرٌ مِنْ البقاءِ.
✍️✍️
المطوة لمعت في إيد “سمير” زي عين الشيطان، وفي اللحظة اللي “رابحة” حجزت فيها “سند” بجسمها وهي بتصرخ:
ـ همل أخوك يا “سمير” متمسكوش في بعض علشان خاطر حرمة، استهدى بالله يا ولدي .
كان “سمير” فقد عقله تماماً، الغيرة والغل والذل اللي شافه على ايد “سند” اتجمعوا كلهم قدام عيونه في اللحظة دي ،
“نغم” في الوقت ده صرخت صرخة شقت السكوت، وهي شايفة “سمير” بيتهجم عليها بالمطوة عشان يغسل عاره الزايف، بس “سند” في لمحة عين، وبقوة وحش كاسر، زق أمه بشويش بعيد عنه، ومد إيده الشمال صد بيها ضربة المطوة اللي كانت رايحة لصدر “نغم” ، فغرزت في دراع “سند” وشقت اللحم والدم بقى يسيل من كمه شلالات على جلابيته البيضا،
الدوار كله اتجمّد لما سمعوا صوت الخناق والصويت وجريوا عليهم ، ” سمير” برقت عينه بصدمة وهو شايف دم أخوه الكبير بيسيل بسببه، و”نغم” وقعت على ركبها وهي بتشهق بالبكا وماسكة ايد “سند” المضروبة:
ـ “سند”! يا مري.. آااااااه يا قلباااااااااي ، قلت لك يا “سند” الشر مهيسبناش في حالنا مصدقتنيش، اوعاك تسيبني يا “سند”، آاااه.
كل ده وهي حضناه وبتبكي وخايفة من “سمير” يكمل ضرباته، ويقـ.ـتل أخوه، والرعب والخوف جواها ازداد أضعاف وخصوصاً إنها عارفة كويس إن”سمير” غشيم ومبيهمهوش حد ومؤذي لأبعد الحدود،
وأمه جريت عليه وهي بتصـ.ــرخ جامد وسحبته لحضنها:
ـ ولــــــــــــــــدي… لااااه يا “سند” متقهرش قلب أمك عليك يا ابن عمـــــــري ، قلت لك بلااااااااش يا “سند”، مهتحملش الوجع لواحد فيكم .
وفضلت تبكي وهي بتفتش في كل جسمه وقلبها اطمن لما الطعـ.ـنة صابت دراعه،
لكن “سند” متهزش، ولا حتى ملامح وشه اتغيرت من الوجع ولا من بكاء أمه، بص لـ”سمير” بنظرة مميتة خلت المطوة تقع من إيده على الأرض برنة مرعبة، وقرب “سند” من أخوه ودمه لسه بينزف، ومسكه من رقبة جلابيته بايده السليمة ورفعه لفوق بقوة لأن بنيانه قوي، لحد ما رجلين “سمير” مطالتش الأرض، ونطق بصوت هادي لكن مرعب أكتر من الزعيق:
ـ الدم اللي سال دي.. هو دم الأخوة اللي إنت قطعت حبالها دلوك يا “سمير”، المطوة اللي دبتها في أخوك ونتشت بيها ضلعي نتشت كمان اسمي من قلبك وياها يابن أمي وأبوي ، أني مكنتش رايد توصل لكده، بس إنت اللي اخترت الدم، والدم مبيغسلوش غير الدم.
“رابحة” ارتمت تحت رجلين “سند” وهي بتصوت وتلطم:
ـ أحِب على رجلك يا ولدي! سيبه يا “سند” دي خيك الصغير، دي طيش شباب، صدقني مكنش يقصدك انت يا ولدي! ابوس رجلك يا ولدي انت الكبير متأذيهوش وتضيعنا وتضيع نفسك!
“سند” بص لأمه بنظرة فيها خيبة أمل مريرة، وزق “سمير” لبعيد لدرجة إنه خبط في العمود الرخام ووقع وعيونه برقت من الصدمة والخوف، ولف لـ”نغم” ، اللي كانت بتترعش ومنهارة، سحبها لحضنه باليد السليمة وسترها بجسمه، وبص للكل وقال بكلمات قاطعة زي حد السيف:
ـ اسمعوا يا أهل الدار كلاتكم واسمعي يا حاجة “رابحة”، من اللحظة داي، “سمير” ملوش أخ اسمه “سند”، و”نغم” بقت خط أحمر، اللي يلمح طيفها بسوء، هقـ.ــطع رقبته ولو كان من لحمي ودمي، والدم اللي نزل مني النهاردة، دي مهيعديش بالساهل وفيه كلام كَتير ، واللي قلته هو اللي هيكون، وهو اللي هكون غسلت بيه كل اتفاقاتكم القذرة على إنكم تخالفوا شرع الله اللي ضللتوني بيه في الأول ودخلتونا في لعبة أني وهي مكانش لينا ذنب فيها واللعبة قلبت بجد وهي مرتي على سنة الله ورسوله.
وكمل وهو بينهج من وجع دراعه :
ـ أني هعمل مجلس شيوخ لكبارات البلد ومهعديش أصول الأخوة والبنوة ومهكونش كيف ولدك الفاقد دي وأقاتـ.ـله لكن ويمين الله لو ماتقاش شري ورجع مطرح ما كان بعد حكم المجلس وفضل مكمل في جبروته ومفكِر اكده هيخوفنا ببطشه ما هسمي عليك يا ابن أبوي وهدخلك الحبس بيدي .
وبص لدراعه اللي بينزف بحزن ، وقطع حتة من شاله وربط الجرح ببرود، وبص لـ”سمير” المرمي على الأرض وقال:
ـ قوم يا عويل، قوم وخد بعضك وفارقنا. الدوار دي مهيلمناش سوا تاني، ليك حقك في كل اللي يملكه أبوي هيوصلك لحد عندك، بس رجلك متخطيش عتبة المكان دي تاني، وإلا وربي يا “سمير”، لهيكون كفنك متفصل على مقاسك قبل ما تلمس شعرة من مرتي.
“نغم” كانت بتشهق وهي بتبص لـ”سند” بعيون هتنطق بعشقه، فداها بروحه، وحماها بدمه، حست إن الراجل ده مش بس جوزها، ده ضلع الأمان اللي بعتهولها ربنا، “سند” أخدها ومشى بيها لدارهم، وساب “رابحة” بتولول فوق راس “سمير” ، والدوار اللي كان عنوان للهيبة، بقى ريحته دم وغدر، والشرخ اللي حصل، مفيش قوة في الأرض هتقدر تداويه تاني.
“سند” راح داره، وقفل الباب وراه برجليه، ومفيش دقايق و”رابحة” جابت دكتور يطهر جرح “سند” ويشوف اللازم وهي بتطبطب عليه بخوف حقيقي ، ومابين نظرات الرعب على ابنها بتتبدل في لمح البصر بنظرات حارقة قاتلة لـ”نغم” وفيها ألف وعيد ووعيد ليها ،
خلص الدكتور ومشي وهي اطمنت على ابنها ونزلت وهي سايبة قلبين مكويين بنار عشقهم اللي مش بإيديهم ،
وبص “سند” لـ”نغم” اللي لسه بتبكي، وقرب منها وهمس في ودنها وهو بيتحامل على وجعه:
ـ اهدي يا “نغم” اهدي يا حبيبتي متخافيش محدش هيقدر يمسك ولا ياجي ناحيتك إنتي وولادك طول ما أني عايش على وش الدنيا ، الدم اللي سال مني دي قليل عليكي، أني فداكي بعمري كله.
وكمل وهو بيقرب من وشها بشفافية ونطق بفرحة رغم جرحه اللي بينزف وهو بيفتكر إنها وقفت قدامهم وقالت إنه هو جوزها وحبيبها لحد آخر عمره:
ـ والأهم من دي كلاته إنك نطقتيها، إنك اخترتيني قدام الدنيا كلاتها، والنهاردة بس.. “سند” اتولد من جديد في حضنك، إنتي متتصوريش كلمتك داي عِملت فيا إيه ، لأول مرة هحس إن مهم واني وجودي وقلبي ليهم أهمية عند حد .
وكمل بحزن على حال أمه وأخوه ومراته”دعاء” كمان:
ـ طول عمري هتشاف على إني الكَبير اللي لازمن يتحمَل غلطات الكل، اللي لازمن ياجي على نفسَه علشان يصلح أخطاء غيره، لا أم كنت هلاقيها وقت ضيقتي اترمي في حضنها، ولا أخ كان هيشد يده بيدي ويشاركني همومي وتعبي، ولا ست أحبها وتحبني ووقت ما الدنيا تضيق بيا ألاقيها بتطبطب علي .
وبص جوة عيونها بعشق وتملك ونظرته ليها كانت كفيلة إنها تدوب في عشق راجل رماه القدر في حضنها هدية ودرع أمان، وهو بيحضن وشها بإيده السلمية وصوابعه بتلمس ملامحها برغبة كأنه زي المسافر المحروم ورجع في حضن وطنه الآمن :
ـ لازمن لما ألاقي الحب والقلب اللي يحس بيا أتمسك بيه وأدافع عنه وأفديه بروحي، متخافيش يا “نغم” حياتك قبل حياتي ، وموتي قبل موتك ولا إن حد يمس شعره منك.
حطت ايديها على ايده اللي حاضنه وشها وغمضت عيونها وهي بتسند بوشها على كف ايده اللي حمتها واحتوتها ودافعت عنه، وقبلت باطن ايديه بشفافيها الدافية بعشق ووله، هما اتنين عاشقين لبعض بيحكم عليهم الزمن بالفراق والموت في عز سعادتهم اللي يدوب ملحقوش يتهنوا بيها:
ـ بعد الشر عنك يا قلب “نغم”، أني كلي لك، وزيك بالظبط مدقتش معني الحب ولا طعم الدفا ولا السكينة والهدوء إلا على يدك.
وفي لحظة اتبدل أمانها لخوف من اللي جاي، دموعها نزلت من عينيها وحس بسخونتها على كف ايديه اللي حاضنة وشها بتملك، وكملت كلامها:
ـ شكل الزمن مرايدش إننا نعيش ونحب ونقرب يا “سند”، دلوك العدواة اللي بالكلام اتقلبت لدم، والمعارك هتُبقى كَتيرة، وأخوك بايع روحه للشيطان ومهيفوتناش نعيش لحالنا اكده من غير ما يخلص على حد فينا أو عيالنا.
والدموع الصامتة انقلبت لشهقات شديدة خارجة من روحها المجروحة مش من عينيها وهي بتطلب منه اللي صدمه:
ـ طلِقني يا “سند” ودي قرار نهائي ممنوش رجوع، أرجوك طلِقني ، احنا معدناش ننفع لبعض.
برق عيونه بصدمة وهو بيسمع كلمتها ، ده مدخلش جنتها ونال من نعيم قربها غير ليلة واحدة، كان قلبه بيدق بوجع شديد اكتر من وجع دمه اللي نزفه،
واتسمر في مكانه، والدم اللي كان بينزف من دراعه حسه فجأة كأنه تلج، مكنش وجع الجرح هو اللي شل حركته، لكن كلمة طلقني نزلت على قلبه كأنها رصاصة غدر من أقرب الناس، سهم نظره في عيون “نغم” بذهول، شفايفه اتهزت بكلمات مكنتش راضية تطلع، وعيونه اللي كانت مليانة نصر وعشق من دقيقة واحدة، انطفت وبقى فيها سواد الحزن المر،
سحب إيده من على وشها ببطء كأنه لمس نار، ونطق بصوت مبحوح، مخنوق بالوجع والكسرة وهو بيردد كلمتها:
ـ طلقني؟! بالبساطة داي يا “نغم”؟ بعد كل اللي وصلنا له اني وانتِ وعدينا بيه؟ بعد ما وقفت قدام أمي وأخوي وهقف قصاد الدنيا كلاتها واشتريت قربك؟ دلوك جاية تقولي لي معدناش ننفع لبعض؟
“نغم” كانت بتبكي بنشيج يقطع القلب، وحاطة إيدها على بقها عشان تكتم صرختها، لكن سند مقدرش يسكت، الوجع جواه كان أكبر من إنه يتكتم، فجر بركان عتابه وهو بيقرب منها بخطوات مهزوزة:
ـ إنتي خابرة الكلمة داي عملت فيا إيه؟ وأني اللي قلت لقيت السكن، قلت لقيت الحب والراحة بعد شقا العمر، أتاريكي إنتي أول واحدة رايدة تهربي واحنا في أول الطريق! إيه.. خفتي من “سمير”؟ خفتي واني معاكي يا “نغم”؟
“نغم” ردت بشهقة وجع وهي بتتمسك بكف ايديه:
ـ خايفة عليك إنت يا “سند”! خايفة الدم اللي سال النهاردة يكون أول القطر، أني مش حمل إني أشوفك ميت بسببي، ولا حمل إني أكون الغرزة اللي قطعت مودة الأخوات، سيبني أبعد يا “سند” وخد إنت الأمان والراحة بعيد عني وعن البلاوي اللي وراي انت مليكش ذنب.
“سند” ضحك ضحكة وجع عالية، ضحكة فيها سخرية من القدر، وقرب منها ومسك كتافها بإيده السليمة وهزها بعـ.ــنف ممزوج بحب جارف:
ـ أمان؟! وراحة؟! هو أني عرفت طعم الأمان والراحة غير بين إيديكي يا “نغم”؟ إنتي فاكرة إنك لما تمشي، أني هعيش؟ أني هبقى جثة ماشية على الأرض، قلبها مدفون تحت رجليكي! “سمير” ملوش عندي أخوة من وقت ما فكر يلمس شعرة منك، وانه يرفع سلاح على مرت أخوه مهما كان اللي بيناتنا يُبقى هو اللي نهى رابط الأخوة.
خد نفس طويل وهو بيحاول يهدي أعصابه علشان يخليها تستوعب أنهم بقوا قلب واحد:
ـ اني هعشقك وحياتي اللي هتخافي عليها مستعد أدفع قدها ألف مرة ولا إني أفرط فيكي ليلة واحدة.
سكت شوية وهو بيبص في عيونها اللي غرقانة دموع، ونبرة صوته اتحولت من الغضب للحزن اللي يدوب الصخر:
ـ أني طول عمري سند للكل، بس النهاردة كنت مستني أكون سند لنفسي فيكي، كنت مستني إيدك هي اللي تلم جرحي، مش هي اللي تطعني في مقتلي بكلمة الفراق يا “نغم”، وربي وما أعبد ما تخرجي من الباب دي إلا على كفني، ووقتها بس قولي طلقني براحتك.
“نغم” انهارت تماماً ورمت نفسها في حضنه، وبقت تبكي في صدره وهي بتعتذر بشهقات متلاحقة:
ـ حقك علي يا “سند” حقك على قلبي اللي خاف عليك أكتر من روحه، أني غبية أني مكنتش خابرة إن الكلمة هتوجعك اكده، بس والله من خوفي، والله من ناري اللي قايدة جواي، خايفة عليك من يد الغدر وكله بسببي .
لانت ملامحه، وضمها لحضنه بقوة بالرغم من وجع دراعه، ودفن راسه في رقبتها وهو بيستنشق ريحتها كأنه بيستمد منها الحياة، وهمس لها بصوت دافي زي الحلم:
ـ ولا كلمة واصل يا “نغم” مسمعش كلمة فراق تاني، إنتي النفس اللي طالع وداخل في صدري، حد بيطلب يقطع نفسه بيده؟ أني لولاكي مكنتش عرفت يعني إيه حب بجد، يعني إيه قلب يدق بلهفة وخوف.
بدأ يمشي إيده برقة على شعرها، وصوابعه بتداعب خصلاته السوداء، ورفع راسها بشويش بإيده السليمة لحد ما عيونهم اتقابلت في نظرة شوق دمرت كل حصون الخوف، همس لها بمكر وهو بيقرب من وشها :
ـ يكون في معلومك عاد الجرح اللي في يدي مهيخفش غير بلمسة يدك، والوجع اللي في قلبي مهيهداش غير لما أحس إنك ملكي وقربي لآخر العمر يا نغمي، أني عاشق، والعاشق مهيسيبش حقه، وإنتي حقي اللي ربنا كرمني بيه بعد صبر سنين.
“نغم” غمضت عيونها باستسلام، وحست بدفا أنفاسه بيمسح دموعها، وهمست بضعف وعشق:
ـ أني ملكك يا “سند”، ملكك لحد ما التراب يغطيني، وسامحني على خوفي، إنت الأمان اللي ملوش بديل.
طبع قبلة حانية وطويلة على جبينها، كأنه بيختم بيها عهد أبدي، وبعدين نزل لمستوى شفايفها وهمس بكلمة أخيرة قبل ما يغرقوا في سكون الليل وجمال القرب:
ـ طيب لازمن تعرفي الليلة داي مهيقطعهاش واصل دموع ولا خوف، الليلة داي ليلتنا إحنا وبس، وخليهم يضربوا راسهم في الحيط، “سند” لقى “نغمه” واللحن النهاردة لحن حياة مش لحن وداع.
قرب منها أكتر، وبلمسات رقيقة مثيرة بدأ يدوب خوفها، ويحول شهقات بكاها لآهات عشق صامتة، تحت ضوء قمر كان بيشهد على ولادة أعظم قصة حب ، قصة اتكتبت بدايتها بالفراق واتختمت بشهد الوصال.
********
ـ جرى ايه يا “يونس” بيه انت استحليت القعدة عندك؟! فوق يا سيادة الرائد، ورانا مهمة لازم تتم، اعمل حسابك ان القيادة بتبلغك ان ميعاد تنفيذ مهمتك قرب جدا في خلال يومين اعمل حسابك علشان ترجع لمكانك تاني .
بلع ريق بصعوبة قبل ما يرد على القائد بتاعه وهو بيبص للمكان حواليه بنظرات وداع بتحـ.ـرق روحه وحاسس ان أنفاسه بتتسحب منه بمجرد مابتدت المكالمة ورد بطاعة :
ـ تحت أمر سعادتك يا فندم أنا جاهز لأي وقت لتنفيذ أوامر القيادة ومستني خطة التحرك من حضراتكم.
رد عليه القائد وهو بيحذره:
ـ خلي بالك من نفسك ساعة تنفيذ مهمتك لأن العملية دي صعبة ومش زي أي عملية قبل كده، لازم تكون حذر جدا وعينك وسط راسك، عايزينك ترجع سليم لوالدك يا سيادة الرائد.
اتنفس بأنفاس بطيئة وهو بيجاوبه بضياع:
ـ تمام سعادتك يا فندم ، ربنا معانا .
*******
داخل قاعة المؤتمرات الكبيرة بالجامعة، كان الجو مشحون بالرهبة، بتناقش “مهرة” في أدق تفاصيل رسالتها، كانت واقفة ورا المنصة الخشبية، وشها شاحب من التوتر لكن عيونها كانت بتلمع بذكاء وإصرار، وصوتها كان طالع بثقة خلت الدكاترة يبصوا لبعض بإعجاب،
وفي آخر القاعة، بعيد عن زحمة الزملاء، كان واقف “نعمان” لابس قميصه البسيط المكوي بعناية، وساند ضهره على الحيطة بوقفة فيها شموخ، كان ماسك موبايله، مبيصورش القاعة ولا اللجنة، كان الموبايل متوجه “لمهرة” وبس، كأن العالم كله اختفى ومفضلش غيرها ،
بين كل جملة وجملة كانت بتقولها، كان بيبتسم ابتسامة خفيفة، ونظراته كانت مليانة فخر بيها، عيونه كانت بتقول لها كلام كتير ، وفي لحظة “مهرة” اتلاقت عينها في عينه وسط القاعة، حسيت بعزوة طمنت قلبها، كأن نظرة “نعمان” هي الدرع اللي بيشجعها وبيديها الثقة والأمان ،
نعمان استغل انشغال اللجنة، وبعت لها رسالة في لحظتها وهي واقفة، الموبايل بتاعها نور قدامها على المنصة، شافت طرف الرسالة:
ـ ارفعي راسك يا ست البنات، العلم النهاردة بيتشرف إنه انكتب بإيدك، أنا فخور بيكي لدرجة تخلي قلبي هيطير من صدري.
“مهرة” ابتسمت بحب وسعادة، والثقة زادت في صوتها لحد ما اللجنة أعلنت منح الباحثة”مهرة حناوي” درجة الماجستير بامتياز مع مرتبة الشرف، القاعة اتقلبت زغاريد وتصفيق، والكل جري يبارك، لكن “مهرة” مكنتش شايفة غير “نعمان” اللي فضل واقف مكانه، اكتفى بهزة راس مبروك، واختفى بشويش قبل ما حد يلاحظ وجوده ، علشان ميلفتش الإنتباه ليها من أصحابها اللي حواليها،
خرجت “مهرة” من الجامعة، لقت “نعمان” مستنيها عند العربية، عيونه كانت كانت بتبص لها بتركيز شديد، بتحفر ملامحها الجميلة جواه، قرب منها ونطق بصوت دافي وهادي:
ـ ألف مبروك يا دكتورة “مهرة” النهاردة الدنيا نورت بيكي صح، وربي يعلم إن الفرحة اللي في قلبي ميوصفهاش كلام ، وفخور بيكي لأبعد مما تتخيلي .
“مهرة” كانت طايرة من الفرحة، وقالت له بلهفة:
ـ الله يبارك فيك يا “نعمان” لولا وجودك وتشجيعك لي في الليالي الصعبة مكنتش وصلت لاهنه بالسرعة داي ، شكراً إنك جيت وشكراً على كل حاجة حلوة هتعملها وياي، بجد وجودك فرق معاي قوي.
“نعمان” فتح لها باب العربية اللي كان واخدها من صاحبه بفروسية وشياكة، وقال بابتسامة واثقة:
ـ الشكر لله يا حبيبي ، ودلوقتي يا برنسيس مفيش ماجستير بيعدي كده من غير احتفال يليق بمقامك العالي، إحنا النهاردة هنتغدى برة، وفي مطعم يليق بيكي وبجمالك، عامل لك عزومة أخر شياكة .
ركبت “مهرة” وهي مبسوطة، ولما “نعمان” وقف بالعربية قدام واحد من أفخم المطاعم اللي بتطل على النيل، المطعم اللي الحجز فيه محتاج فلوس كتير، شهقت بصدمة وبصت لـ”نعمان” برعب:
ـ “نعمان”! إنت وقفت اهنه ليه؟ المطعم دي غالي قوي يا “نعمان” ، دي العشا فيه يخلص مرتب شهر كامل ليك! لا يا أخوي، خلينا نروح أي حتة بسيطة، أني مش رايدة أكلفك فوق طاقتك، وإنت خابر الظروف والايجار والمصاريف، يالا بينا من اهنه أرجوك.
“نعمان” وقف العربية، وبص لها نظرة ثبات خلتها تسكت، حط إيده على طرف الدريكسيون وقال بنبرة فيها عزة نفس رهيبة:
ـ “مهرة” إنتي شايفة “نعمان” إيه؟ فقير؟ ولا علشان بواب مش هعرف أعزمك في مكان كويس ، بس النهاردة أنا عايز أحتفل بيكي ومن يوم ما اتقابلنا وعرفت إنك هتناقشي الرسالة فضلت أحوش من وقتها علشان لحظة زي دي .
وكمل كلامه وهو بيبتسم لها بنظرة دوبتها ، خلت عيونها تطلع قلوب، وكأنه ساحر بيعرف يلعب على أوتار المهرة:
ـ أنا النهاردة عايز أبقى سلطان بيكي، الظروف والفلوس دي ورق بيتحرق تحت رجليكي ، وملهمش لازمة لو مكنوش هيسعدو اللي بيتعب فيهم ، أنا لو أطول أبيع عمري كله عشان أشوف الضحكة دي في عيونك وانتي قاعدة في أحسن مكان، مش هتردد ثانية واحدة.
“مهرة” حاولت تعترض:
ـ بس يا “نعمان” ..
قاطعها بصوت حنين لكن قاطع:
ـ مفيش بس بقى النهاردة إنتي الملكة، وأنا الفارس اللي عايز يفرح بالأميرة بتاعته، المطعم ده وغيره فداكي يا “مهرة” ، وفدا ضحكتك اللي بترد فيا الروح، متكسريش بخاطري، وادخلي برجلك اليمين، خلي المكان يتشرف بيكي.
نزلت “مهرة” وهي حاسة إنها في حلم، “نعمان” كان ماشي جنبها بخطوات واثقة، مكنش باين عليه الارتباك اللي بيصيب أي حد بسيط بيدخل مكان فخم زي ده، بالعكس، كان بيتعامل مع الويتر بلهجة هادية، كأنه متعود على الأماكن دي من سنين،
قعدوا على ترابيزة بتطل مباشرة على النيل، الهوا كان بيرد الروح، و كان بيختار لها الأصناف الفخمة بذكاء وكأنه خبير، “مهرة” كانت بتبص له بدهشة، وسألته بهمس:
ـ “نعمان” إنت حد بجد جميل قوي ، انت إزاي جدع وشهم وحاجة مبقتش موجودة اليومين دول خالص بجد،
وأني جنبك هحس إني مع حد مختلف فعلاً، هحس إني مع فارس طالع من الروايات، حد مبيخافش من حد ولا بيهمه أي حاجة في الدنيا.
“نعمان” سند كوعه على الطرابيزة وقرب منها، وبص في عيونها بنظرة كلها عشق وهمس لها:
ـ القوة دي بستمدها من وجودك يا “مهرة” إنتي اللي خلتيني أحس إن الدنيا لسة فيها نقاء، وإني مستعد أحارب العالم كله عشان أحافظ على النقاء ده، متفكريش في اللي فات ولا في اللي جاي، خليكي في اللحظة دي أنا فداكي الدنيا باللي فيها، ولو طلبتي النجمة اللي في السماء، هجيبهالك لحد عندك، وإنتي عارفة إن “نعمان” كلمته سيف.
ردت عليه بــرقة وقالت بصوت مليان حب:
ـ وأني مش رايدة نجوم يا “نعمان” أني رايدة الأمان اللي هشوفه في عيونك، رايدة السند اللي حسيته وأني بناقش رسالتي وحسيت وقتها إن فيه حد في ضهري، رايدة إنك تفضل جنبي، لأنك أغلى عندي من أي مظاهر في الدنيا.
ابتسم بوجع مخفي، وجع حد عارف إنه عابر سبيل في حياة جميلة مش بتاعته بسبب ظروفه اللي صارحها بيها من قبل مايعترف لها بحبه، بس قرر يعيش اللحظة معاها ويسيب نفسه لتدابير القدر ، مسك كف إيدها خلت جسمها كله ينتفض، وقال بوشوشة:
ـ طول ما فيا نَفَس هفضل ادعمك، وهفضل جنبك ظلك اللي بيحميكي،
ممكن تاكلي بقى يا دكتورة الأكل هيبرد.
وكمل بغمزة دوبتها:
ـ ويكون في معلومك النهاردة عيد قلبي قبل ما يكون عيد نجاحك.
بدأو ياكلوا وهما بيضحكوا تحت أضواء الشموع، و”مهرة” بتعيش أجمل يوم في عمرها.
******
في مجلس مهيب الدوار كان زحمة ، والجو فيه مكتوم كأن الهوا خايف يخرج ، العمدة “منصور” قاعد في صدر المجلس وعلى يمينه شيخ البلد، وقصادهم كبارات العيلة وكم شيخ من الأزهر استدعاهم الشيخ صاحب “سند” بوقارهم وعمامتهم البيضا، في وسطهم كان “سند” قاعد ودراعه ملفوف بالشاش، وعيونه للأرض بهيبة المحترم، وجنبه صاحبه الشيخ “عبد الجليل” اللي كان عينه على “سمير” اللي قاعد وشيطانه راكبه، وجنبه أمه “رابحة” اللي بتفرك في سبحتها بغل وبصات سم لـ “نغم” اللي كانت قاعدة جنبها ،
العمدة خبط بعصايته الأبنوس على الأرض، وصوته رن في القاعة:
ـ اول شي إحنا النهاردة مش جايين نولع نار، إحنا جايين نطفيها بشرع الله، “سند الناجي” و”سمير الناجي” ولاد راجل واحد، وعيب اللي بيحصُل دي يوصل للدم والمجالس كمان ،اتفضل يا فضيلة الشيخ، قول كلمتك اللي تخلص الليلة داي في اللي الشيخ حكاه لك .
رد شيخ من شيوخ الأزهر ، وهو بيبص لـ”سمير” بنظرة هادية وقال:
ـ شوف يا “سمير” اسمع واعقل الكلام كويس الجوازة اللي حصلت بين أخوك ومراتك السابقة، أنتم كنتم فاكرينها سترة وحاجة حلال ترجع لك طليقتك ، والنيات كانت لله ومتعرفوش عن الجريمة دي حاجة ، لكن يا بني المحلل في شرع الله بيبقى تيس مستعار وملعون صاحبه لو كان باتفاق، و “سند” أخوك علشان بيخاف ربنا وانت اللي أجبرتهم بأفعالك الشيطانية على الجواز دخل بمراته بنية الجواز الصح، وبقت مرته شرعاً وقانوناً، وهي دلوقتي محرمة عليك حرمة أبدية طول ماهي على ذمة أخوك لأنها بقت مرات أخوك اللي دخل بيها بحلال الله وإنها تطلق منه وترجع لك يبقى جوازه منها باطل ورجوعها ليك باطل وده شرع ربنا .
“سمير” اتنفض من مكانه وصوته علي بوقاحة:
ـ حرمة إيه وكلام إيه يا شيخنا؟! دي مرتي! دي اللي خلفت لي عيالي! “سند” خان العهد، اتفقنا يتجوَزها ويرجعها، قام استحلها لنفسه، إزاي الشرع ينصف الخاين ويقول له مبروك عليك لحم أخوك؟! أني مريدش أسمع كلام واصل، “نغم” لازمن تطلق وتعاود لي، وإلا الأرض دي مهتشيلناش إحنا الاتنين!
العمدة زعق فيه بغضب:
ـ اقعد يا ولد! إنت بتعلي صوتك في حضرة الكبار والعلماء؟! الشرع مبيجاملش حد، والشيخ هيقول لك حرمة أبدية، يعني لو السما انطبقت على الأرض، “نغم” متبقاش ليك واصل طول ما هي على ذمة أخوك ، والاتنين معايزينش طلاق والاتنين رايدين بعضهم في الحلال ليه تفرقهم؟!
عيشكم انقطع مع بعض يا “سمير” يابني .
“رابحة” دخلت في الحوار واتكلمت بصوت واطي لكن مليان خوف ورعب من الجاي:
ـ يا حضرة العمدة، يا ناس حسوا بيا ولادي هيضيعوا مني ، يرضيكم حرمة تاجي تفرق بين ولادي؟! “سند” ضحك علينا، و خد اللي ملوش حق فيه، أني رايدة حق ولدي “سمير”، رايدة العهد اللي انكسر يرجع، هو اتفق وياه إنه هيرجِع له مرته يُبقى ميرجعش في كلمته واصل ونقصر الشر والأخين ميمسكوش في بعض عاد.
الشيخ رد عليها بحزم:
ـ يا حاجة “رابحة” العهد اللي يخالف شرع الله ملوش قيمة، فالمؤمنون عند شروطهم أه ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال إلا شرطا حرم حلالاً أو حلل حراما، “سند” مغلطش، هو لم عرض أخوه وصانه، ولما لقى المودة في الحلال كمل وخصوصاً لما عرف إنه حرام يطلقها ويرجعها له، والبنية نطقت قدامنا كلنا وقالت رايدة “سند”، والشرع مبيجبرش حرمة على راجل نَفَرته.
وكمل الشيخ وهو بيحذر “سمير”:
ـ فيا “سمير” ، لو قربت من من أخوك أو مرَته، إنت كده بتعصى ربنا قبل ما بتعصى العرف، وهتبقى منبوذ وسطنا لا حد يكلمك وهنعتبرك بتحارب شرع الله ورسوله وهنفذ فيك حكم ربنا في اللي هيحاربه.
“سمير” كان بيلهث من الغيظ، عيونه كانت حمرا وبتلف في وسط المجلس كأنها عيون ديب محبوس، بص لأخوه “سند” اللي كان ساكت بوقار، وقال بنبرة واطية ومخيفة:
ـ ماشي يا عمدة، وماشي يا مشايخ، الشرع ينصفه، والعرف يطبطب عليه. بس وحق ذلي وقهرة قلبي، وحق الكسرة اللي كسرتوها لي النهاردة، مههنيكم ببعض واصل. “نغم” لو مهتكونش لي، مهتكونش لغيري، والدوار دي لو ملمنيش بالحق، هيلمنا بالدم.
العمدة وقف وضرب الأرض بالعصاية بكل قوته:
ـ اسمع يا ولد الناجي! دي آخر تحذير ليك، لو لمحتك بس مهوب ناحية دار أخوك، أو مسمع مرَته كلمة تجرحها، هرميك في الحجز بيدي، وهخلي كبارات البلد يوقعوا عليك حكم النفى من البلد كلاتها، إنت دلوك بتهددنا في وشنا؟!
ولا رايدنا نوالس وياك ونخالف شرع الله ونطلقها منيه بالباطل وتعيش وياها في الحرام واحنا نُبقى لا مؤاخذة شرابة خرج ، خوك بينفذ شرع الله وانت اللي أجبرتهم على اكده، ولا هو كان رايد الجواز من أساسه ولا هي كماني .
“سند” قام وقف بهدوء، قرب من “سمير” وبص في عينه بجمود، واتكلم برزانة وصوت مسموع بحيث الكل يسمع:
ـ أني عفوت عن دم دراعي النهاردة عشان خاطر بوي وأمي، لكن من اللحظة دي، لو خيالك بس عدى من قدام بابي، هعتبرك غريب معتدي، وأني في داري مههملش حقي،
“نغم” مرتي، وشرفي، وأم عيالي الجايين، والي هيقرب منها يُبقى بيقرب من قبره.
“سمير” ضحك ضحكة صفرا، ولف ضهره وخرج من المجلس بطريقة غير محترمة من غير ما يسلم على حد، ووراه أمه بتجري وتنادي عليه، الكل كان عارف إن “سمير” مش بتاع صلح، وإن الشر اللي في قلبه سكن وعشش، شيخ البلد بص للعمدة وقال له بتخوف:
ـ الواد دي وراه مصيبة يا عمدة، الشر هيطقمن عينيه ، والغل مالي قلبه اللي شافه النهاردة هيخليه يعمل المستحيل عشان يحـ.ــرق قلوبهم.
العمدة اتنهد بضيق وبص لـ”سند” :
ـ خد مرتك يا “سند” وحصن دارك زين، إحنا عملنا اللي علينا وياه وحكمنا حكم الشرع والدين ووبخناه، “سمير” بايع نفسه للشيطان، والجلسة دي كانت عشان نبري ذمتنا قدام ربنا، لكن الشر اللي في النفوس مايعلم بيه غير اللي خلقها ، والغدر بياجي في لحظة لا على البال ولا الخاطر.
“نغم” قلبها طب في رجليها وهي بتسمع كلام العمدة وشيخ البلد عن شر “سمير” وغدره وبنتها على رجلها بتحضنها جامد وعيونها وقلبها زارهم الرعب و اللي مهما “سند” حاول يطمنها عمرها ما هتطمن،
“سند” هز راسه بجمود، وانتهى المجلس وعقله شغال، كان عارف إن “سمير” مش هيهدى، وإن الحرب الحقيقية لسة مبدأتش، بس المرة دي هو مستعد، ومستعد يضحي بالدنيا كلها عشان “نغمه” اللي لقاها بعد طول عذاب، وخصوصاً إن هو بينفذ شرع الله،
أما “سمير” ، فكان ماشي في ليل الصعيد، والغل بياكل في صدره، وبص لبيت أخوه من بعيد وقال بفحيح:
ـ عيشوا ليكم يومين يا عشاق الغدر والخيانة ، عيشوا وتمنوا، بس اللي جاي أسود من سواد الليل دي، و”سمير الناجي” مهيطلعش خسران واصل، حتى لو كانت التمن حـ.ــريق يحـ.ــرق الكل وأني قبلكم.
*******
عند “دعاء” في أوضة “سما” كانت كأنها ساحة حـ..ـرب، صوت تكسير الإزاز والتحف كان رنينه بيخرم الودان، و”سما” واقفة في نص الأوضة زي المجنونة، شعرها منكوش وعيونها طالع منها شرار الغل، مسكت الفازة الكريستال ورزعتها في الحيطة وهي بتصوت بأعلى صوت عندها:
ـ بيكرهني! بوي بيكرهني ورايد يدفني بالحيا! دمر حياتي وكسر بخاطري قدام أصحابي، خلى شكلي زفت والكل بيضحك علي دلوك!
“دعاء” دخلت تجري، وشها مخطوف من الرعب، ارتمت على بنتها وحضنتها بقوة وهي بتعيط ونواحها مالي المكان:
ـ اهدي يا ضنايا، اهدي يا قلب أمك، حقك علي، والله ما يرضيني كسرة قلبك داي واصل، انكسر قلبه اللي كسر فرحتك يا “سما”.
“سما” زقت أمها بعـ.ــنف وهي بتنهج بوجع:
ـ اهدي إيه يا ياماما؟! إنتي خابرة يعني إيه يسحبني من وسط أصحابي كيف العيلة الصغيرة؟ إنتي خابرة “لارا” و”بيري” هيقولوا علي إيه دلوك؟ هيقولوا بنت “سند الناجي” محبوسة في زريبة مواشي مهتخرجش منيها! أني كرهت العيشة اهنه، كرهت الصعيد وكرهت “سند” والي جاب سند! ما هما كمان صعايدة اشمعنا أني ؟
“دعاء” رجعت حضنتها تاني وبتطبطب على ضهرها بغل مكتوم، وعيونها كانت بتلمع بشـ..ـر وهي بتكلم نفسها:
ـ ماشي يا “سند” قهرت بنتي وكسرتها، والله ماهسكت لك بعد اكده واصل ، وبصت لـ”سما” وقالت لها بنبرة ناعمة زي الحية:
ـ وربي يا بنتي لهعوضك، قسماً بالله لهخليكي تسافري وتتفسحي وتعملي كل اللي نفسك فيه، هخدك وأسفرك “مصر” ولا “الساحل” لحالنا، وهنصرف وننبسط ومهخليش حد يكسر لك كلمة واصل، بس اهدي دلوك عشان خاطر أمك.
“سما” بصت لأمها بقرف ومسحت دموعها بضهر إيدها:
ـ أسافر معاكي إنتي؟! وأعمل إيه بيكي يا ياماما؟ أني رايدة أصحابي، رايدة الجيل بتاعي، رايدة أعيش سني اللي بوي رايد يدفنه في الطين دي، إنتي وبوي بتضيقوا علي الخناق، إنتي بتوافقيني في السر وتخافي منه في الجهر، وأني اللي بقع في النص!
“دعاء” اتنهدت بوجع وقالت:
ـ والله لهتكلم وياه تاني، وهقنعه يفك عنك شوية، وهخليه يسيبك تروحي وتاجي، بس اهدي عشان “سند” راسه ناشفة ودلوك هو قايد نـ..ـار من اللي إنتي عِملتيه، خلي الموجة تعدي وأني هعرف أشوف لك صرفة وياه.
في اللحظة داي، الباب اتفتح ودخل “مازن”، كان واقف مكسور ومهموم، شاف المنظر والأوضة اللي اتدمرت، فرفع إيده وسند على الباب وهو بيتنهد بضيق، و قرب منهم بخطوات تقيلة، ونطق بصوت فيه رزانة أكبر من سنه:
ـ وبعدهالك يا “سما”؟ هتفضلي تصرخي وتكسري لحد ميتى؟ بوي خايف عليكي، بوي شاف الدنيا احسن مننا وعارف إنها مهياش أمان لبنت لحالها، ليه مش رايدة تفهمي إن “سند الناجي” بيحمينا مش بيسجننا؟
“سما” لفت له بحدة وصوتها علي:
ـ إنت تسكت واصل! إنت خايف منه عشان زعق لك وهملك، جاي دلوك تعمل فيها الواعظ؟ إنت لو أخ صُح كنت وقفت جاري ودافعت عن حقي في إني من حقي أتنفس وأخرج مع أصحابي عادي ، مش تدارى كيف الفيران وتخلي بونا يتحكم فينا اكده وكاننا عبيد عِنديه، إحنا في القرن الخامس والعشرين مش في عصر أبو جهل .
“مازن” غمض عيونه بقلة حيلة من كلام أخته وقرب منها ووقف قصادها وعيونه فيها نظرة عتاب حزينة وهو بيتكلم معاها بهدوء زي ما ابوه موصيه:
ـ يكون في معلومك أني مكنتش خايف ولا زعلان من ابوي وهو بيزعِق لي بسببك وانك سافرتي من غير ما اعرِف ولا اخد بالي، أني كنت خجلان من حالي ومنيه، بوي بص لي نظرة حسستني إني عيل صغير ومنفعش أكون راجل ، اني كنت عايش في البيت وتاركه ومهملك لحالك وإنت بتخططي تخرجي من ورا ضهرنا، بوي لما زعل مني، زعل عشان أمانتي ضاعت وهو موصيني عليكي ، مش عشان هو جبار، يا “سما”، بوي شايل الدوار كلاته على كتافه، وأماننا هو همه الأول، وانتي بتدبـ..ـحي كرامته بهبالك دي!
“دعاء” زعقت في مازن بغضب:
ـ اكتم يا “مازن”! إنت طالع لأبوك في قساوته وعقله الناشف ، أختك محـ.ــروقة ودمها بيغـ.ــلي وإنت جاي تزيدها؟!
غور من قدامنا دلوك، روح شوف بوك اللي إنت فرحان بيه هيفيدك بإيه وأهو هملك ونسي إن ليك وجود أصلاً وداير ورا الست مرته ومفضيش لينا من الاساس!
“مازن” بص لأمه بذهول، وحس إن البيت ده مابقاش بيت طبيعي، بقى نفق مظلم الكل فيه بيحفر للتانيط بص لأخته بكلمة أخيرة قبل ما يخرج:
ـ براحتكم، كسروا واصرخوا، بس خدي بالك يا “سما”، بوي لو قلبه قسى بجد، مهتلاقيش حد يحميكي من غدر الدنيا بره، وأني.. من النهاردة مليش كلام معاكي، أني هحاول أصلح اللي انكسر بيني وبين بوي، عشان أثبت له إن ابنه صُح، مش خيال مآتة شكل ما إنتي شايفة.
خرج “مازن” ورزع الباب وراه، و”سما” رجعت تترمي في حضن أمها وتشهق بالبكا، و”دعاء” فضلت تطبطب عليها وعقلها شغال زي بوابير الحريق، بتفكر إزاي تخلي “سما” تسافر تاني بس المرة دي بخطة أذكى وهي مفكرة كده انها بتسعد بنتها وواثقة إن هي مربياها صح وعمرها ما تعمل الغلط أبداً.
*******
“سند” كان قاعد على الكنبة الخشبية العريضة في وسط الصالة الداخلية، شامر كم جلابيته ودراعه الملفوف بالشاش باين، و”نغم” كانت قاعدة تحت رجليه، ماسكة قطنة ومطهر وبتمسح حولين الجرح برقة تخاف تلمس الجلد، في اللحظة دي، دخلت “جليلة” اللي بعت لها “سند” علشان تشوف طلبات “نغم” وهي بتنهج، عيونها بتلف في المكان زي الرادار، و”سند” لم لمحها من طرف عينه، فابتسم ابتسامة مكر، وقرر يخليها تشوف بعينيها اللي عايز كل أهل البلد يعرفوه ،
مد إيده السليمة، ورفع دقن “نغم” بشويش لحد ما عيونهم اتقابلت، ونطق بصوت دافي ومسموع لـ”جليلة” اللي عمل نفسه مش واخد باله من وجودها وهي واقفة مسمرة مكانها :
ـ براحة يا “نغم” قلبي أني هقول الوجع مهياجيش من يدك، دي يدك هي اللي فيها الشفا.
“نغم” ابتسمت بخجل وهي شايفة “جليلة” واقفة بتبص لهم بذهول، وحاولت تسحب ايديها، بس “سند” قبض عليها بتملك وقال لها بنبرة عابثة بصوت عالي علشان يوصل لـ”جليلة” :
ـ وه لساتك هتخجلي من “سند” ، وبعدين ليه هتشيلي يدك من يدي عاد ، احنا عرسان جداد وكمان موجوع ورايد منك تطبطبي على جرحي لحد ما احس إني مرتاح عاد .
“جليلة” بلعت ريقها بدهشة، وقالت بصوت مهزوز لنفسها:
ـ يا مري.. ده إنتوا.. إنتوا صُح كيف ما بيقولوا؟! أني قلت دي جواز كلام وباترينا عشان تعاود لـ”سمير” جوزها بس اللي شايفاه دي ميقولش اكده ابدا.
“سند” ضحك بزهو، وسحب “نغم” وقعدها جنبه، وحاوط كتفها بدراعه السليم، وبص لـ”جليلة” وهو بيوجه لها كلامه وكانه لسة شايفها:
ـ وه هتقفي عندك مسهمة اكده ليه يا واكلة ناسك ، وبعدين مش قبل ما تدخلي على راجل ومرته تستأذني يا بهيمة إنتي .
ردت عليه بلجلجة:
ـ حقك علي يا سي “سند” بيه، بس انت بعت لي وقلت لي أدخل طوالي علشان الست “نغم” بتجيب طلب وانت نايم.
ـ خلاص يالا شوفي وراكي ايه عاد مفاضيش لحواراتك داي .
سابتهم ودخلت وهي من جواها فرحانة له وشمتانة في “دعاء” وهي بتكلم نفسها بصوت واطي:
ـ يالا أحسن يا بوز الاخس إنتي ، اهو فايتك وبيدلع نفسه مع ست البنات ، بت كيف القمر لاااه داي تقول للقمر قوم وأني أقعد مكانك ،
دي إنتي ولية غشيمة فيه حد يسيب راجل كيف سي “سند” بيه دي يضيع من يده .
وكملت في نفسها بنبرة فيها سخرية:
ـ بس احسن بردو إنتي مليقاش عليه خليه مع لهطة القشطة اللي برة داي .
أما “سند” أخد “نغم” ودخلوا أوضتهم ومش مبطل دلع فيها، وكان بيسمعها أحلى كلام:
ـ تعرفي إني هعشقك عشق ملوش آخر يا “نغم” روحي، ونفسي كل اللي حوالينا والدنيا كلاتها في البلد يعرِفوا قولي إن “سند ونغم” بقوا روح واحدة في جسدين، وانك فعلاً مرتي على سنة الله ورسوله، وفي قلبي السلطانة اللي ملكتيني بهواكي.
“نغم” كانت دايبة في لمساته، ونظراته ليها كانت فيها لهفة وعطش لراجل لقى ضالته بعد سنين تيهة، مالت براسها على كتفه، وهمست برقة:
ـ حاسة إني هحلم، حاسة إنك حاجة حلوة في خيالي هفوق منها في أي وقت ومهلقهاش، انت بجد في حياتي يا “سند” ولا دي حلم ؟
“سند” قرب منها وباسها برقة خلت جسمها كله ينتفض، وقال لها بهمس :
ـ حلم ! لاااه يا نغمي اني وانتي حقيقة
أني رايد الدنيا كلاتها تعرف إنك “حرم سند الناجي”، وانك بقيتي ملكه وحبيبته وروحه.
ورفع خصلة شاردة من على عينيها وهو بيثبت ايده السليمة على رقبتها وبيقرب من وشها بيشفايفه وبيتنفس أنفاسها:
ـ الحب معاكي طعمه غير يا “نغم”، أحاسيس ومشاعر جوايا عمري ما جربتها .
كان الجو حواليهم هادي، مفيش فيه غير صوت الأنفاس اللي بتعلا وتهدى مع كل كلمة حب بتتقال، “سند” كان باصص في عيون “نغم” بنظرة غرقانة لهفة، كأنه بيقرأ فيها تاريخ حياته اللي جاي، وإيده كانت بتقرب ببطء وهي بتقرب من وشها، لحد ما لمست صوابعه طرف خدها بحنية خلت “نغم” تغمض عينيها وتستسلم للسحر ده، وهمست له برقة:
ـ تعرِف كلامك دي هيخلي قلبي يدق بطريقة غريبة، كأنه بيغني لحن أول مرة يسمعه، الحب معاك مش بس مشاعر، دي حالة من الأمان عمري ما كنت أتخيل إنها موجودة.
اللمسة منه مكنتش مجرد تلامس بسيط، كانت رسالة محملة بكل الأحاسيس اللي “سند” مقدرش يوصفها بالكلام، ملمس إيده الدافي على بشرتها كان بيحسسها بأمان غريب، كأنها كانت تايهة ولقيت طريقها، مالت براسها شوية على كفه، وكأنها بتطمن لوجوده، وفي اللحظة دي مكنش فيه صوت غير دقات قلبهم اللي بقت مسموعة بوضوح وسط السكوت اللي مالي المكان، ونطق اسمها بوله دوبها:
ـ إنتي”نغمي” الرقيق الهادي .
مدت ايديها ولمست كفه ببطء، وهي بتتشابك مع كف ايده في حركة مليانة حنية، وكأنها بتحاول تحفر اللحظة دي في ذاكرة الروح، سحبت نفس عميق، وغمضت عينيها لثواني وهي حاسة بدفا كفه بيسري فيها، وهمست له بنعومة دوبته:
ـ “نغم” .. الاسم طالع منك له رنة تانية خالص لما هتقوله، بحس إن الدنيا كلها هديت، ومبقاش فيه غيرنا في الكون كلاته، ملمس إيدك، ونظرة عينك اللي مليانة لهفة، هيخلوني أنسى أي تعب أو خوف،
تعرِف بحس إن روحي بتطير في سما تانية خالص، سما مفيهاش غير حبك وبس.
قرب “سند” منها أكتر، وهمس في ودنها بكلام طالع من أعماق قلبه، نبرة صوته كانت واطية ودافية زي نسمة صيف، خلت جسمها كله يقشعر من كتر الرقة، الكلمات كانت بتطلع منه بترتيب مدهش، بتوصف إزاي حياته اتغيرت من يوم ما شافها، وإزاي طعم الدنيا بقى مختلف في عينه:
ـ أحاسيسك اللي هتقولي إنك أول مرة تجربيها، أني كمان عايشها معاكي بكل تفاصيلها، اللمسة منك هتهز كياني، والهمسة بتخلي نبضي يسابق الزمن، إحنا مش بس بنحب، إحنا بنرسم لوحة مفيش فنان يقدر يقلدها، خليكي دايمًا القريب، خليكي الكتف الحنين والضحكة واللمسة اللي بتطمن قلبي.
“نغم” كانت بتسمع وهي حاسة إنها في حلم، إيديها اتشبكت في إيده بتلقائية، وصوابعهم ضمت على بعض بقوة، وكأنهم بيتعاهدوا إن مفيش قوة في الدنيا تقدر تفرقهم، الهمسات كانت بتملى الفراغ اللي بينهم، واللمسات البسيطة على الكتف وشعرها كانت بتأكد إن المشاعر دي حقيقية وصادقة لأبعد حد، في اللحظة دي، كان الحب هو البطل الوحيد، والوقت وقف بيهم وكأن الكون كله اتلخص في ملامحهم ونظراتهم اللي بتقول كل حاجة من غير ولا حرف زيادة،
“نغم” حست بقلبها بيدق زي الطبل، ومشاعر اللهفة والشوق اتملكوا منها، “سند” بدأ يلمس وشها بايديه بجرأة وعشق، ويقرب من شفايفها ببطء خلى عقلها يوقف، وفجأة “نغم” قامت وقفت بارتباك شديد وهي بتنهج:
ـ ثواني هدخل الحمام وهعاود لك، معلش.
“سند” ابتسم لها ورجع راسه لورا وهو بيبص لها برغبة:
ـ مستنيكي يا “نغم” بس متهملنيش كتير، الشوق واكل قلبي، والدقيقة عندي بسنة.
“نغم” مشيت للحمام وقفلت الباب وراها بالمفتاح، سندت ضهرها على الباب وهي بتنهج وبتمسح على وشها بارتباك ، فتحت درج في كابينة الحمام وطلعت منه شريط برشام منع الحمل، إيدها كانت بترتعش وهي بتطلع حباية، وبلعتها بسرعة من غير مية، وعيونها كانت مليانة وجع وخوف،
بصت لنفسها في المراية وهمست بكسرة وهي حاطة ايديها على قلبها بتهدي من ضرباته وكانت متوترة جامد:
ـ سامحني يا “سند”، سامحني يا حبيب عمري، أني مقدرش أجيب عيال في نار الحـ..ـرب داي، “سمير” مهيسيبناش نعيش، وأني مش رايدة عيالي يتيتموا ولا يشوفوا اللي شفته، حقي أحميهم قبل ما يجوا، وحقك علي إني بخبي، بس الأيام جاية وهتعرف إني عملت اكدة عشان حبنا يعيش مش عشان ينتهي.
مسحت وشها، وظبطت لبسها وشعرها، وخدت نفس عميق عشان ترسم ابتسامة باهتة، وخرجت لـ”سند” اللي كان مستنيها بلهفة الأسد اللي رايد يضم فريسته، وهي شايلة في قلبها سر ممكن يهد كل اللي بناه “سند” معاها في عشقهم في لحظة لو عرفه.
*******
ـ ايه دي انت مين ياعم الحاج وفين “نعمان” ؟
جاوبها عم “عبد الله” ببسمة بشوشة:
ـ أنا حارس العمارة الجديد يابنتي ، البواب القديم ساب شغله هنا وانا استلمت مكانه.
انصدمت من اللي سمعته ، من امبارح وهو اختفى مرة واحدة وكل لما تحاول ترن عليه موبايله مقفول تماما حتى ايميله على فيسبوك اتقفل وما بقاش موجود، والواتساب بتاعه برده مقفول وبقت مصدومة مش عارفة توصل له، وحتى هو كمان ما قالهاش انه هيمشي ودخلت على شقتها بتحاول توصل له بأي طريقة مش عارفة، وعدى يوم والتاني والتالت وهي بتحاول توصل له كأنه فص ملح وداب.
رواية النغم الحزين الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فطيما يوسف
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
رجعت “مهرة” من شغلها مطلعتش شقتها، رجليها سحبتها لمكتب “الحاج مرسي” صاحب العمارة، الراجل اللي هي عارفة إنه مبيشغلش عنده حد إلا لما يفتش وراه، خبطت على الباب ولما فتح لها، دخلت وقلبها بيدق بسرعات رهيبة ، خايفة تسمع عنه شر أو يكون جرى له حاجة:
ـ أني جاية أسألك ليه مشيت “نعمان” يا حاج وقطعت رزقه وهو كان طالب ومحتاج للشغل دي جامد ؟ وكمان رايدة أسألك فين عنوانه ولا أهله لأن هو ليه فلوس حداي ومشي من قبل ما ياخدها؟
الحاج “مرسي” ، كان قاعد بيعد رزمة فلوس في إيده، نفخ دخان سيجارته بلامبالاة ورفع نظارته وهو بيبص لها بلا مبالاة:
ـ والله يا دكتورة “مهرة” أنا ذات نفسي معرفش عنه حاجة، “نعمان” جالي الفجر من أسبوع وشه مكنش يتفسر، حط المفاتيح قدامي وقالي يا حاج ” مرسي” حاجتك اهي، لازم امشي وأسيب العمارة لظرف طارئ ملوش تأجيل، وانا هقطع عيشه وهمشيه ليه طالما كان شايف شغله كويس .
“مهرة” مسكت في طرف المكتب بصوابعها المرتعشة، وعيونها بدأت تلمع بدموع الحيرة:
ـ ظرف طارئ إيه يا حاج؟
طب إزاي تسيبه يمشي كده من غير ما تعرف رايح فين؟ طب ساب عنوان؟ رقم تليفون ليه؟ أي ورقة تدل عليه؟
الحاج”مرسي” هز كتافه بقلة حيلة وقام وقف:
ـ يا بنتي وأنا مالي وماله؟ الراجل جاب لي المفاتيح، وسلمني الأوضة نضيفة، همسك فيه وأقصص وراه ليه بقى، وبعدين الجدع حر يا ستي مش عايز يكمل شغل هنجبره يعني، وحوار ورقه هو مكانش مقدم في الوزارة علشان ناخد منه غير صورة بطاقته ولما جه يمشي خدها معاه .
مهرة سهمت بدهشة وهي مش عارفة أي طريقة توصل له بيها واتكلمت بحدة:
ـ يعني ايه هو انتو أي حد هياجي لكم هتشغلوه اكده واصل من غير ما تعرِفوا أصلَه وفصلَه، كيف الكلام دي يا حاج؟!
اكده لو جه بلطجي علشان يشتِغل هتشغلوه عادي واحنا نُبقى في خطر .
الحاج “مرسي” اتنهد بضيق:
ـ يا دكتورة “مهرة،” الراجل كان حاله حال نفسه، وعمره ما عمل مشكلة، وأنا استجدعته وقلت شاب غلبان وشقيان ومكانش بيعمل مشاكل ، وبعدين ياستي الجدع جه وفارق من غير ما حد يحس بيه وفي الاخر هنطلعه بلطجي يعني؟!
“مهرة” ارتمت على الكرسي وهي بتنهج، حست ببرودة بتسري في جسمها كله. همست بصوت مخنوق بالوجع لنفسها:
ـ يعني إيه؟ يعني هو كان خيال؟!
كان بيضحك عليّ؟ طب واللحظات؟ والضحك؟ والعزومات اللي عزمها لي؟
الحاج مرسي طبطب على المكتب وقال بنبرة خالية من المشاعر:
ـ الأكيد إن “نعمان” ده لقى شغلانة تليق بجامعته ومركزه التعليمي ، ومسابش وراه خيط واحد يوصل له، وأنا مهتمتش بالموضوع ده لأن الحمد لله لا ضرر ولا ضرار من ناحيته ، أنا نصيحتي ليكي، انسي إن كان فيه بواب بالاسم ده.
خرجت “مهرة” من المكتب وهي حاسة إنها تايهة في ضباب، قعدت على سلم العمارة، في نفس المكان اللي كان “نعمان” بيقعد فيه يقرأ كتبه بهدوء، حطت إيدها على الرخام، حست ببرودة المكان، كأن قلبه هو اللي ساب لها البرودة دي ومشي، ومن جواها هتموت من القلق عليه ،
بكت بحرقة وهي بتكلم نفسها:
“إنت مين وفين يا ” نعمان”؟ شاب غلبان ولا شيطان ضحك عليّ؟ ولا ملاك كان بيحميني وراح لمصيره؟
قامت من مكانها ودخلت شقتها وجريت على دولابها طلعت هديته وفتحت الكتاب اللي اشتراه لها لأول مرة، وبتقربه منها وهي بتشم ريحة عطره في الكتاب اللي سحبتها لحضنها كأنها بتعبي ريحته جواها علشان قلبها يبطل رجف، هتموت من القلق عليه وجواها بيأكد لها إنه عمره ما يختفي إلا إذا كان حصل له حاجة، جواها بيقول لها إنه كان صادق في عشقه ليها وعمره ما يغدر أبداً،
طلعت الكتاب من حضنها وفتحته واستغربت لما لقت صفحة من نصه متنية ، فتحتها ولقت قلمه معلم على كذا جملة قرأتهم بصوت عالي:
ـ أحيانًا نرحلُ لا لأننا نرغبُ في الرحيل
بل لأن بقاءنا يُثقلُ قلبَ من نحب فنختارُ الغيابَ بصمت ونتركُ قلوبَنا خلفنا تُناديهم
فـأصعبُ حبٍّ هو ذاك الذي نستطيعُ إكماله
ثم نختارُ أن ننهيه بأيدينا، لا ضعفًا بل خوفًا عليهم منّا، أو خوفًا علينا منهم، فـثمةَ أناسٌ يبقون فينا مهما ابتعدوا كأنهم تركوا أرواحهم وسافروا فنقضي العمر نحاولُ أن نجد مثلهم فلا نجد، فإن غبتُ يومًا دونَ تفسير
فتذكّر أنني حاولتُ أن أقول الكثير ولم أستطع
وأن صمتي لم يكن بُعدًا بل كان وداعًا طويلًا بلا صوت .
دموعها نزلت زي الشلالات على عيونها بقهر ولأول مرة المهرة تخاف وتضعف، فهمت معنى رسالته وإنه كان عارف إنه هيمشي وانصدمت في اللحظة دي صدمة عمرها وأخيراً نطق لسانها مع دموع عينيها وهي حاطة ايديها على قلبها اللي بيدق بعـ.ـنف ومن شدة دقاته كأنه بيهز ضلوعها:
ـ ليه يا “نعمان” دي أني حبيتك وكنت اول حب واول دقة قلب وأول منفس جميل لـ”مهرة” ماشافتش في حياتها الا الوجع والشقى والظلم والقهر؟!
جالك قلب تعمل فيا اكده يا “نعمان” ؟!
آاااه ومليون آااه على وجع قلبي، ليه خنتني وحبيت ما كنت تفضل عنيد وتحارب الدنيا الوحشة وحدك.
ومسحت دموعها الغزيرة وهي بتمسك موبايلها وتطلع صورهم وسهمت نظراتها على صورته وهي بتبكي ومنظرها يقطع القلب:
ـ خايفة أظلمك ويطلع صابك أذى وأنى معرفاش أوصل لك ، وجوايا هيقول لي إنك مشيت بمزاجك وخنت عهد الحب اللي بيناتنا.
وعند الكلمة دي مسحت دموعها بقوة المهرة المعهودة وبصت للفراغ بنظرات مرعبة وكملت:
ـ وحياة قلبي اللي حبك، وهواك وأخلص لك، ووثق فيك وفي الأخر يلقى الغدر منك وطلعت إنت اللي مفارق بمزاجك ورجعت لي ندمان؛ الله في سماه ياخاين ميثاق الحب اللي اديته لك لا أخليك تندم ندم عمرك، وأوريك وش المهرة اللي عمرك ما تتمنى تشوفه يا “نعمان” .
ورجعت تبكي تاني بوجع يشق الجبال من القهر :
ـ ياااااااارب خفف عني ياااااااارب مقدراش أتحمَل يارب، تعبت في حياتي وجع وحرمان لما استكفيت ومهتحملش إنه يطلع غدار، اكده قلبي هيموت وهو لساته مولود جَديد عوده أخضر، هون على قلبي ياااااااارب.
وفي نفس اللحظة الليل كان رامي سواده على البحر، والموج بيخبط في الصخر بصوت عالي كأنه صرخة مكتومة في صدر غريق، “نعمان” كان واقف لوحده، بعيد عن كل الأضواء، بعيد عن العالم اللي سابه وراه، وبعيد عن “يونس” اللي لسة ملامحه ملامح حـ..ـرب. الهوا البارد كان بيخبط في وشه، بس مكنش قادر يطفي النار اللي قايدة في جوفه،
سند إيده على السور ، ونزل راسه وهو بيتنفس بصعوبة، كأن الهوا انعدم في الرئة، وكأن كل نَفَس بياخده بيتحول لنصل حامي بيقطع في نياط قلبه، الشوق لـ “مهرة” مكنش مجرد اشتياق، ده كان “نزيف” داخلي ملوش علاج.
ـ آه وألف آه يا “مهرة” آااااه .
نطق اسمها بصوت مبحوح، صوت مكسور، الهمسة طلعت منه تايهة وسط صوت الموج، لكنها كانت محملة بوجع سنين تيهة، غمض عيونه بقوة، فظهرت ملامحها قدامه فوراً، ضحكتها اللي كانت بتنور ضلمة أيامه، نظرة عينيها اللي كانت بتخترق حجب السر اللي شايله، ولمسة إيدها اللي كانت بتمسح بؤس المهمة الصعبة اللي بيقوم بيها ،
قلبه كان بيدق بدقات تقيلة، مجهدة، كأنه شايل فوق طاقته بدأ يلوم نفسه بصمت قاتل:
ـ ليه خليتك تحبيني يا “مهرة” ؟ ليه سمحت لقلبي يفتح بابه ليكي وأنا عارف إن طريقي آخره سد؟ ليه سحبتك لجنة وهمية وأنا عارف إن نـ.ــار الواقع مش هترحمك؟”
الحزن اتملك منه، حزن مغصوب عليه، حزن الراجل اللي لقى وطنه بعد غياب، وفجأة صدر له أمر بالنفى للأبد، كان حاسس بالظلم، مش ظلم الناس، لكن ظلم الظروف اللي خلت أحلى حاجة في حياته هي أكتر حاجة بتعذبه دلوقتي ،كان بيتقهر وهو بيتخيلها بتعمل إيه؟ بتبكي؟ بتنادي عليه؟ ولا بدأت تلعن اليوم اللي شافت فيه وشه؟
طلع موبايله بإيد بتترعش، موبايل تاني خالص غير اللي كانت بتكلمه عليه، فتح الاستوديو وراح لصورتها اللي صورها لها من بعيد وهي بتضحك وسط زمايلها في الجامعة يوم المناقشة،
ثبت عينيه على ملامحها، والحنين شده لآخر مدى، كبّر الصورة على الشاشة لحد ما ملامح وشها ملت الفراغ، وبدأ يحرك صوابعه على الشاشة ببطء شديد، كأنه بيلمس جلدها الحقيقي، كأنه بيطبطب على خدها اللي أكيد غرقان دموع بسببه، كان بيلمس ملامحها في الصورة بلهفة المجنون، وعيونه كانت بتلمع بوجع السنين وهو بيعتذر لها كأنها حقيقة:
ـ حقك عليّ يا ست البنات.. وحقك على قلبي اللي مقدرش يبعد، ومقدرش يكمل، أنا مقهور من جوايا يا “مهرة” ميت ألف مرة في الساعة وأنا بتخيل إنك شايفة “نعمان” خاين وغدار.
الخوف من اللي جاي كان بياكل قلبه، هو رايح لمهمة مصيرية، مهمة مفيهاش رجوع بسهولة، ولو رجع.. هيرجع بوش تاني، بمكانة تانية، وبحقيقة ممكن تهد الثقة اللي بنتها “مهرة” فيه، كان بيسأل نفسه برعب:
ـ يا ترى لو رجعت لك بالحقيقة يا “مهرة” هتسامحي؟ لو عرفتي إن “نعمان” الغلبان مكنش غير قناع، هتقبلي “يونس” ؟ ولا هتعتبري إني استغليت ضعفك واحتياجك للأمان عشان ألعب بيكي وأنا زيك وقعت في هواكي وعشقتك ومقدرتش أحارب انجراف مشاعري ناحيتك .
اللحظة دي كانت هي القبر الحقيقي لـ”نعمان” ، كان حاسس إنه لو “مهرة” مسامحتوش، حياته كلها ملهاش لازمة، حتى لو نجح في مهمته، حتى لو العالم كله سقف له النجاح عنده كان نظرة رضا من عيون المهرة، والنهاردة هو خسر النظرة دي بايده.
قرب الموبايل من شفايفه، وباس صورتها برقة وجع، ودمعة سخنة نزلت من عينه لمست الشاشة، كأنها رسالة منه ليها مش هتوصل لها، همس بكسرة تقطع القلب:
ـ يمين الله يا “مهرة” ما حبيت ولا هحب غيرك، ولا عرفت معنى السند إلا وأنا جنبك ،لو العمر في بقية، هجيلك وهترجاكي تسامحي وتغفري لحد ما تصفحي، ولو الموت سبقني فاعرفي إني مت وأنا شايل اسمك بين ضلوعي.
قفل الموبايل وحطه في جيبه بحركة سريعة كأنه بيخبي كنز، ورفع راسه للسما اللي كانت خالية من النجوم، وخد نفس طويل، ورسم على وشه ملامح الجمود اللي بتفرضها عليه مهمته،
دلوقتي مفيش مكان لـ”نعمان” الضعيف، دلوقتي مفيش غير “يونس” المحارب اللي لازم يخلص شغله، حتى لو كان التمن هو قلبه اللي سابه أمانة على سلم العمارة، في انتظار رحمة المهرة اللي ممكن ماتجيش من أساسه ووقتها هيبقى ده الموت اللي بالحياة لـ”نعمان” لااا “يونس نعمان الهلالي” .
*******
ـ صُح الكلام اللي سمعته دي يا “سند” وهيدور في البلد كلاتها ولبانة في بق العيال اللصغيرة قبل الكَبيرة ؟؟
بقى أغيب عن البلد شهرين ارجع الاقى كل دي حُصل؟!
وبصت لأختها وكملت:
ـ كيف دي كلاته يُحصُل يا خيتي بين ولادك الشباب يقاتلوا بعضهم علشان حرمة؟
جاوبتها “رابحة” بقلب مفطور على حال ولادها وحال “سمير” اللي مشي من ساعة اللي حصل ومتعرفش عنه حاجة:
ـ آه يا خيتي آه على المرار الطافح اللي أختك فيه ، يا خيبة بالويبة على رجالتي اللي خلفتهم وكبرتهم هيقاتلوا بعض واني واقفة في نصهم لحد ما أجلي ياجي على يدهم.
وكملت وهي بتضرب على رجليها بحسرة:
ـ والتاني اللي فر ومعرفاش ليه طريق جرة وممكن يلبد لأخوه في اي مكان ويغدر بيه زي ماهو غدر بيه هو كمان.
رد “سند” وهو بينفخ بضيق :
ـ بلاش كلامك دي يا حاجة اللي يرضى عنيكي ، أني ولا هخاف ولا ههاب من غدر حد، ابنك لو راجل يواجهني وجها لوجه، وأني مغدرتش بحد ولا غصبت حد على حاجة، وهو اللي مصمم يشعلل النـ.ـار بيناتنا.
اتعصبت وصوتها علي وقلبها مولع نـ.ـار :
ـ بس يا ولدي بس، انت اللي راكب راسك وانت اللي بيدك تفض الموال المهبب دي، وقلبي وربي مرضينش عنك يا “سند” ، علشان انت اللي بيدك تلم أخوك في دارَه وتحابي عليه، ممسامحكش يا ولدي .
هنا ردت أختها وهي بتعرض عليهم حل المشكلة من وجهة نظرها لكن اللي نطقته جنن “سند” وخلاه اتعصب ومش شايف قدامه ونظرات عيونه انقلبت لجحيم كان هيبلعهم ولولا انها خالته وهي أمه كان أدبهم على كلامهم وتخطيطهم، في الوقت ده كانت “نغم” جت وقدمت لها واجب الضيافة وجت تمشي صممت إنها تقعد وتسمع الكلام اللي هتقوله:
ـ شوف يا “سند” يا ولدي أني هحل لكم المشكلة داي وهقطع بحور الدم اللي هتشب بينك وبين خوك، انت اتجوَزت “نغم” علشان إصراره عليك انك تتجوزها ومرايدش تطلقها علشان تحميها من بطشه ويده الطويلة،
ابني “موسى” لما رجع من بلاد برة وشاف اسم النبي حارسها لما كانت مطلقة من “سمير” عجبته وكان متفق وياي إننا نتكلم عليها بعد ما عرف إنها الطلقة التالتة وومنهاش رجوع، وإنتي عارفة إنه مطلق هو كمان علشان يعني مش بيخلف، فهو كان عايز يتجوزها وهيشيل ولادها في عينيه وهياخدهم ويسافر برة بعيد عن “سمير” خالص وظلمه ليها، واكده تُبقى اتحلت المشكلة والأخ يفضل جار أخوه، و”سند” ممعتبرهاش مرته ومتجوَزها من الاول شوي وهيطلِقها بس مرايدش يسيبها لأخوه علشان يبهدلها.
“نغم” انصدمت وهي بتحط ايديها على بقها بتكتم صدمتها وعيونها بتبرق لـ”سند” اللي كانت عيونه بتنطق جحيم وفجأة هب من مكانه وشد “نغم” من ايديها بعيون محمرة بغضب وأمرها:
ـ اطلعي على شقتك ومتنزليش الدوار دي تاني مهما حُصل.
كانت متسمرة مكانها وهي مصدومة وكأن رجلها اتثبتت في الأرض وبقها مفتوح على وسعه بذهول لحد ما انتفضت على صياح “سند” :
ـ لساتك هتقفي مكانك يااالاااااااااا .
جريت من قدامهم وقلبها بيدق برعب على “سند” وخايفة من اللي هيحصل وخصوصاً اللي اتقال مكانش سهل على أي راجل،
في الوقت ده كان السكون في الدوار يسبق العاصفة، “سند” واقف زي الصقر، ملامح وشه كانت بتتحول لكتلة من الغضب المكتوم وهو بيسمع كلام خالته، “نغم” جريت من قدامه ودرجات السلم كانت بتزيق تحت رجليها المرعوبة، لكن روحها فضلت متعلقة عليهم تحت، مستنية الانفـ.ــجار،
“سند” لف ببطء، وعيونه كانت حرفياً بطلع شرار، بص لخالته “نظيرة” اللي قاعدة ومربعة رجليها وكأنها حلت معضلة الكون، وبص لأمه “رابحة” اللي كانت بتهز راسها بالموافقة على كلام أختها، وضحك ضحكة مكتومة، ضحكة وجع وسخرية، خلت “رابحة” تقبض على جلبابها بخوف وقال:
ـ “موسى”؟! موسى ولدك يا خالة؟ هو دي الحل اللي جاي بيه من بلاد برة؟ تقطعي بحور الدم اللي هتقولوا عنيها بإنك تدبـ.ــحي كرامتي في نص داري؟
خالته “نظيرة” ردت ببرود يحـ.ــرق الدم وهي شايفة إنه مكبر الموضوع:
ـ وماله “موسى” يا “سند”؟ دي واد خالتك يعني كيف “سمير” ومتعلَم ومعاه شهادات، وكمان مطلق مش على ذمته مرة زيك، يعني مفيش واحدة هتنكد على “نغم” ، وهياخدها ويعيشوا برة، واكده “سمير” هيتحط قدام الأمر الواقع وينسى “نغم” ويطلعها من راسه ماهو البَعيد عن العين بَعيد عن القلب ، وتنطفي النار بين وبين أخوك يا ولدي .
“سند” قرب منها خطوتين، ووطى بجسمه لحد ما بقى وشه في وشها، وفحيح صوته كان أرعب من طلقات الرصاص وهو بيشاور لهم بايده بتحذير قاطع:
ـ شوفوا انتو الاتنين “نغم” مرتي” يا خالة، خابرة يعني إيه مرتي؟ يعني شرفي، يعني عِرضي، ولدك ” موسى” دي وهو بيفكر في اللي في راسه دي مكنش عارف إن البيت دي فيه راجل؟ كيف يجرؤ يحط عينه على حريم الناجي، وإنتي واقفة قدامي بتقوليها بملء بقك؟ هو أني متجوَز ست من الشارع عشان كل واحد يجي يرمي بياضه ويقول هاتها؟
وبصوت عالي رعبهم:
ـ ايه اتجنيتوا اياكم في عقولكم المريضة داي ؟!
رابحة اتدخلت وصوتها طالع بحسرة:
ـ ما هو دي الحق يا ” سند” إنت متجوَزها عشان سبب وانت خلفته وقلت هتفضل تحميها، والكل خابر وحتى أهل البلد إنها من مش ليك واصل، وإنك واخدها عهد ووعد، وبدل ما الكونتيسة تعيش طول عمرها خايفة من ” سمير” وهتغويك بخوفها الباطل دي، فتروح لـ”موسى” مش غريب واخوكم التالت وتعيش حياتها بعيد عنك انت وأخوك، وإنت ترجع لحياتك ولو عايز تتجوز اللي تليق بيك وتملى عليك حياتك تاني غير داي انت حر وتفض بحور الدم اللي بينك انت واخوك أني تعبت حرام عليكم.
“سند” انتفض وكأن أمه ضـ.ــربته بسـ.ـــكين في ضهره، صوته زلزل أركان الدوار:
ـ ومين اللي قال لكم تدوروا على حلول وتدخلوا في اللي ملكوش فيه من أصله؟!
مين اللي نصبكم حكام على اللي جوه صدري ويخصني؟
أني “سند الناجي” يا أماي، اللي لو واحدة اتكتبت على اسمه شرعاً وقفل عليها بابه، بتبقى محرمة على رجالة الأرض لحد ما يوريني فيها الموت!
خالته “نظيرة” حاولت تلطف الجو بس بغباء أكتر:
ـ يا ولدي متصعبهاش، دي “موسى” بيقول إنه هيشيل ولادها عيال “سمير” في عيونه، يعني هيريحك من شيلة تَقيلة ومن عيال أخوك اللي هيشوفوا الحزن والغم والهم كل يوم.
هنا “سند” فقد السيطرة تماماً، خبط إيده على الطرابيزة اللي كانت قدامه، الكوبايات اتكسرت والازاز طار في كل حتة:
ـ شيلة تقيلة إيه؟! عيال أخوي هما عيالي، والدار دي دارهم، و”نغم” دي مرتي، و ولدك يا خالة لو لفظ بس باسم “نغم” تاني، والله ما هفرِقه عن “سمير” في عداوتي وياه، وهيكون حسابه معاي ملوش آخر، أني مش مصدق إن الحريم هما اللي بيخططوا كيف يخلوني أفرط في عرضي!
“رابحة” وقفت قدامه وبصت له بعين مليانة اتهام:
ـ إنت عشقتها يا “سند” !
عشقت اللي مش ليك؟
عشقت مرت أخوك يا خسيس؟
قول بقى إنك هتدافع عنيها اكدة عشان عينك منها من زمان، عشان كنت رايد مرت أخوك ! وعامل حجة إنك هتحميها عشان تداري خيبتك! “سمير” كان معاه حق يوم ما قال إنك كنت بتراقبها بعينيك وهو معلقها في رقبته.
“سند” اتصدم من كلام أمه، الوجع في عينيه كان بيبكي الحجر، هز راسه بأسى وقال بنبرة هادية بس مرعبة:
ـ دلوك يا أماي؟ دلوك بتنهشي في ولدك وتتهميه في شرفه عشان خاطر “سمير” اللي خرب دماغك وهج؟
دلوك ولدك الكبير اللي البلد كلاتها هتحلف بأخلاَقَه كان هيبص لعرض أخوه، للدرجة داي أني خسيس ومش راجل في عيونك ؟
الله يسامحك يا أمي، الله يسامحك.
وكمل كلامه بتصميم:
ـ ويكون في معلومك إيه يعني لو عشقتها هي دلوك حلالي قدام ربنا وقدام الخلق.
وأكد لها بكل قوة وتمسك باللي أدهشها :
ـ لازم تعرِفي إن “نغم” بقت مرت “سند”، واتطلقت من “سمير”، وحوار إني محطة في حياتها و اللي بيني وبينها هينتهى دي يتمسح من قاموس البلد كلاتها، واليوم اللي هسمع فيه إن حد فيكم فتح السيرة دي تاني، ميهمنيش لا صلة رحم ولا خالة ولا عمة ولا حتى أم.
“نظيرة” وقفت وهي بتعدل طرحتها بكرامة مجروحة:
ـ اكده يا “سند” ؟ بتطرد خالتك عشان خاطر عرضت مساعدتي عليك لحل مشكلتك مع أخوك؟ ماشي يا ولدي.
“سند” شاور للباب بإيد ثابتة وقلب ميت وهو بينبه على خالته:
ـ الدوار دي يدخله الرجالة اللي بيحفظوا الغيبة وبيصونوا العِرض، اللي يفكر يشارك في تقسيم الحريم على الرجالة، ملوش مكان وسطنا وابنك ميعتبش عتبة الدوار دي تاني وطريقي وطريق ولدك “موسى” بقى سد، وعرِفيه يمين بعظيم إن قابلني في طريق لاهكون مكسِـ.ــر عضامه بيدي، الخاين دي اللي مهيصونش بعينيه أهل البيت اللي هيدخله يا خالة.
خرجت “نظيرة” وهي بتبرطم بكلام مسموم، و”رابحة” وقفت تبص لـ”سند” بكسرة وجبروت في نفس الوقت، لكن “سند” مأداهاش فرصة تتكلم، سابها واقفة مكانها وطلع السلم بخطوات زي الرعد.
******
رجع “سند” لبيته و فتح الباب بقوة، دخل وعيونه كانت لسة محمرة، بص لها نظرة طويلة، نظرة تملك، نظرة عشق محرم بقى حلال بس متغلف بنيران الحـ..ـرب،
قرب منها، مسك دراعها بقوة كأنه بالطريقة دي بيثبت ملكيته ليها لكن القوة اتبدلت لحنية، وهمس قدام وشها وهو بينهج:
ـ سمعتي؟ سمعتي هما رايدين يعملوا إيه؟ رايدين يبيعوا ويشتروا فيكي وكأنك أمَه في سوق العبيد، كانك ملكيش راجل.
وكمل بغضب وهو حاسس إن برج من راسه هيطير ومش طايق الدنيا باللي فيها:
ـ هما لحد دلوك هيحطوا في دماغهم إني بديل ومجرد وقت في حياتك، لحد دلوك مهيحسوش إنك مرتي وبقيتي ملكي وبتاعتي، وعلشان اكده لازمن نخرِص ألسنتهم، هنروح أني وإنتي لدكتور علشان يشوف ليه الحمل متأخر احنا متجوَزين بقالنا اربع شهور وزيادة،
وقتها لما تربطنا العيال محدش هيقدر يفتح بقه بكلمة واحدة وكرامتي كراجل اتجوَزك على سنة الله ورسوله هتترد لي قدام الكل .
“نغم” هزت راسها ودموعها نزلت وجواها مرعوب من فكرة الحمل وحاولت تتناسى وهي بتأكد له :
ـ أني والله معايزاش غيرك يا “سند”، والله ما رايدة غيرك في الدنيا داي كلاتها، أني عارفة إنك مصدوم من اللي سمعتَه وليك حق تتضايَق.
وبعدت عيونه عن عيونه واتكلمت بقهر ووجع وسيلان دموعها على وشها كأنها أنهار :
ـ أني خابرة زين إني مهياجيش من وراي ليك غير وجع الراس والقهر والوجع، حقك علي يا “سند” .
“سند” شدها لحضنه بقوة كأنه بيدفنها بين ضلوعه، وصوته كان طالع زي الفحيح:
ـ مفيش قوة على الأرض هتاخدك مني، كلاتهم في كفة وانتي وحدك في كفة تانية واصل ، إنتي نغم السند، واليوم اللي هفكر فيه أسيبك، هيكون اليوم اللي بيشيعوا فيه جنازتي يا عمري الجاي والحاضر.
“نغم” استسلمت لحضنه، وهي بتتمسك بيه وبقربه وهي دافنة وشها في صدره العريض ، وما كان منه غير إنه شدد على ضمتها ودفن ايده في شعرها ومسك رقبتها بتملك وهمس بصوت أجش خشن وهو متأثر بقربها:
ـ أني محتاجك قوي يا “نغم” ضميني لحضنك قوي.
مسحت دموعها وهي بتضمه لحضنها جامد وقررت إنها تبدل الدموع لبسمة وتخلي كفها رقيق وحنين عليه في عز وجعه وهدت أعصابها ، قررت إنها تعيشه ليلة ولا ألف ليلة وليلة، تنسيه وتنسى معاه وجع الكون كله، وجه في بالها فكرة لأول مرة هتتجرأ تعملها وهمست له بدلال:
ـ أني مش هضمك لحضني بس يا سندي؛ لاااه أني هنسيك الدنيا باللي فيها، قل لي عِندك اعصابك تتحمَل دلال وغرام نغمك؟
وكملت بنفس طريقة الدلع وهي بتحط صباعها على شفايفه:
ـ انت بقالك تلت أيام بايت عند “دعاء” وبصراحة اتوَحشتك قوي.
“سند” كان لسة أنفاسه عالية، وصدره بيعلى ويهبط بحدة كأنه طالع من معركة، لكن لما سمع دلال “نغم” وهمسها اللي زي السحر، الدنيا سكنت فجأة، بص لعيونها اللي لسة مبلولة بالدموع بس فيها لمعة تحدي وأنوثة مكنش شافها قبل كدة،
وضمت شفايفها وهي بتقول له :
ـ بحبك يا نور عيني.
الكلمة نزلت على ودنه زي جمرة نار وسط التلج، بلع ريقه وصوته طلع أجش، خشن، ومحمل بشوق سنين كان حابسه ورا سد الحرمان من “دعاء” :
ـ تعرِفي يا “نغم؟ أني أعصابي فلتت من يوم ما شميت ريحتك لأول مرة، وريني يا مكارة وريني كيف السند هيتوه في بحر نغمه.
“نغم” سحبت إيدها من إيده برقة، وابتسمت ابتسامة خلت قلبه يتنفض من مكانه، مشيت بخطوات زي الفراشة، وراحت ناحية الصب اللي في ركن الأوضة، وشغلته، وبدأت أنغام “بتونس بيك” لوردة تملا الفراغ،
لفت له، وفكت طرحتها وسابت شعرها الأسود يليل على ضهرها، وبدأت تتحرك ببطء، بمرونة غريبة كأنها مش ماشية على الأرض، كأنها بتعزف بجسمها على دقات قلبه، ” سند” سحب كرسي وقعد، وعيونه مكنتش بتفارق سنتيمتر واحد منها، كان مبهور، مذهول، كأنه بيشوف “نغم” لأول مرة،
بدأت وردة تغني:
“بتونس بيك.. وإنت معايا..
بتونس بيك.. وبلاقي في قربك دنيايا..
لما تقرب.. أنا بتونس بيك.. ولما بتبعد.. أنا بتونس بيك..”
وهي بدأت تتمايل مع الأغنية، إيدها كانت بتتحرك في الهوا برقة الفراشة، ووسطها بيتحرك بدلال فطرى، لا فيه تصنع ولا فيه حركات مش مدروسة ،كانت بترقص بـعشق لسندها، كانت بتبص له بنظرات تدوبه، مرة تغمض عيونها وتلف حواليه، ومرة تقرب منه لحد ما ريحة عطرها الساحر تعبي صدره، وتلمس كتفه بإيديها وتلف تاني وتبعد، وهي بتبتسم له بسحر ودلال خلى “سند” يحس إنه مش قادر يتنفس من رقتها ونعومتها،
كان بيشربها بعينيه، ايده كانت ضاغطة على ايد الكرسي لدرجة إن عروقه برزت، كان عايز يقوم يضمها ويوقف الزمن، بس سحرها كان مكتفه، خلاه زي المسحور مش قادر يتحرك من مكانه، مبهور بجمالها اللي انفجر قدامه فجأة،
قربت منه وهي بتغني مع وردة بهمس، وعيونها في عيونه:
ـ وعينيك بتقولي كلام أحلى من أي كلام،أنت اللي بتسعد أوقاتي، وتأثر على كل حياتي، أجمل تأثير،
أرجوك ما تسبنيش وحديا، وإن غبت ولو حتى شوية، كلمني كتير.
“سند” مد إيده ومسك طرف وسطها برقة، وسحبها ناحيته بهدوء وهو لسة قاعد، بص في عيونها اللي بقت بتنور ضلمته بسحرها وقال بصوت واطي ومحشرج من اللهفة:
ـ أني مش بس بتونس بيكِ يا نغمي، أني بيكِ بعيش، وبغيرك بكون جسم مفيهش روح، إنتي النهاردة عملتي في “سند الناجي” اللي معملهوش فيه السلاح ولا النار.
حطت إيديها على كتافه، ومالت عليه لحد ما وشها بقى قدام وشه، وأنفاسهم اختلطت ببعض همست له وهي بتداعب شعره بكفها الرقيق:
ـ الليلة داي ليك وحدك يا سندي.. ليلة هننسى فيها الدنيا باللي فيه ، هدية مني ليك، يارب تعجبك ،الليلة مفيش غير “نغم” اللي دايبة في عشق “سند”.
“سند” قام وقف فجأة، وبحركة سريعة شالها بين إيديه كأنها ريشة، شهقت بضحكة ناعمة ولففت دراعاتها حوالين رقبته، بص لها بنظرة كلها جوع عاطفي، واشتياق ملوش آخر، وهمس في ودنها وهو بيقرب من سريرهم:
ـ إنتي سحرتيني يا”نغم” ، إنتي كنتي بتطلعي روحي وبترديها تاني، والليلة داي وربي في سماه ما هيخلص إلا وإنتي مطمنة إنك سيدة الكون، وسيدة قلب “سند” للأبد.
دفنت راسها في رقبته، وهي بتشم ريحته اللي بتمثل لها الأمان، وبدأت تهمس له بكلام عشق دوبه ،كلام محفور في الوجدان، وهو كان بيسمعها وهو حاسس إنه ملك الكون،
اللمسات كانت أرق من النسيم، والنظرات كانت أعمق من البحر، وفي اللحظة دي، كانت الدنيا برا عالمهم بتغلي، بس جوه مملكة “سند” و”نغم”، كان مفيش غير النغم اللي عزفه العشق على أوتار قلوبهم، ليلة دابت فيها كل الحواجز، وانصهرت فيها الأرواح قبل الأجساد، ليلة بيثبت فيها “سند” لنفسه قبل الكل، إن نغم مكنتش مرحلة في حياته، ” نغم” كانت الحياة اللي كان بيدور عليها وسط غبار المعارك.
******
مرت الأيام على “شيماء” وكأنها سنين من العذاب، أوضتها اللي كانت هي الأمان بقت سجن ضيق بيخـ.ــنق أنفاسها، “علي” اللي عيونها مكنتش بتشوف غيره بعد ماعلقها بيه وخلاها تعشقه كان متجاهلها تماما ، مبقاش يرد على رسايلها، وفي الجامعة بقى بيعدي من قدامها ببرود يقتـ..ـل، كأنه ميعرفهاش، كأنه مكنش في يوم من الأيام بيثبت لها حبه ليها ، كانت مخنوقة جداً لأنها اتعلقت بيه جامد ، والساعة بتعدي عليها دهر، ماسكة تليفونها وعيونها وارمة من كتر البكا، تسأل نفسها:
ـ “يا ترى أني غلطت؟ هل خوفي على نفسي وإني أحافظ عليها هما اللي ضيعوه مني؟
وبإيد بتترعش، ونفس مقطوع من الخوف، كتبت له رسالة أخيرة بدموعها وخصوصاً لما بتشوفه واقف مع البنات في الجامعة جواها بيتقطع من الغيرة :
ـ ليه الجفا دي كلاته؟ أني والله ما كان قصدي أشك فيك واصل، ولا أقلل من حبك ليا ، بس البنت لازمن تخاف وتحافظ على نفسها ،رد عليّ وطمن قلبي، أني من غيرك تايهة ومهعارفاش راسي من رجلي، وحشني كلامك معاي قوي يا ” علي” .
بعد ساعات من السهر والظنون اللي بتاكل في عقلها، جه الرد بارد، ناشف، وكأنه سـ..ـم بيسري في عروقها:
ـ اللي بيحب بيثق يا “شيماء”، وأني اخترتك إنتي بالذات من بين بنات الجامعة عشان أدبك وعقلك وجمالك ، بس الظاهر إني غلظت في اختياري، أمي لما عرفت إنك رفضتي تاجي، زعلت وقالت لي يا ولدي اللي متثقش فيك وإنتو على البر، مهتصونكش وإنتو في الدار، عموماً، لو لساتك باقية على اللي بيناتنا، نتقابل بكرة في الجامعة ونقفل الموال دي خالص.
بلعت ريقها بصعوبة وقالت له :
ـ طب خلاص لما آجي الجامعة بكرة تتصل بوالدتك في التليفون وأكلمها الاول تمام؟
جاوبها بتقل ومكر:
ـ تمام، براحتك بس خليكي خابرة زين انك مواثقاش فيا لحد دلوك .
وتاني يوم في الجامعة،
الشمس كانت حامية، بس “شيماء” كانت حاسة ببرودة في أطرافها كأنها في عز الشتا، وقفت ورا مبنى المدرجات مستنية “علي”، ولما جه، كان لابس قناع التقل والجمود، فقربت منه بضعف وهي بتأكد له ثقتها فيه:
ـ “علي” أني والله العظيم واثقة فيك، بس قلبي كان خايف، وكمان اللي هتطلبه صعب قوي .
ولما لاقته زعلان من كلامها عرضت عليه فكرة تطمنها قبل ما تنفذ اللي هي عايزاه:
ـ طيب عشان خاطري، خليني أكلم والدتك دلوك في التليفون، أمهد لمرواحي وياك هناك.
“علي” رسم ابتسامة نصر خفيفة وداراها فوراً، طلع تليفونه ببرود وقال:
ـ ماشي يا “شيماء” ، عشان تعرفي بس إنك غالية، وإنك ظالماني معاكي.
عمل اتصال، وفتح الاسبيكر وحط التليفون قدامها، صوت ست كبيرة ومجهدة ، صوت بيقطر تعب ونفس الوقت حنية، طلع من التليفون وهو بيتهدج:
ـ أيوة يا حبيبي.
رد عليها وهو بيبص ل”شيماء” في عيونها وهو قاصد يربكها بنظرات الهوى الكذاب:
ـ يا ست الكل “شيماء حبيبتي اللي كل يوم مزهقك كلام عنيها وعن حبي فيها واللي مطيرة النوم من عيني معاكي، واللي إنتي طلبتي تشوفيها بنفسك .
ردت الست في التليفون بحماس وطيبة خلت “شيماء” اطمنت :
ـ ايوه يا حبيبي ، هاتها وتعالى اني مستنياكم، معلش أني مريضة يا بنتي ومهقدرش أقوم من فرشتي واصل، ونفسي أملي عيني منك وأشوف العروسة اللي ابني اختارها قبل ما اموت ومتخافيش الدار دارك وأني كيف والدتك بالظبط.
وفضلت تكلمها وتطمنها انها هتنور البيت وتوصف مدى اشتياقها لشوفتها، في الوقت ده
” شيماء” حست إن جبل انزاح من على صدرها، صوت والدته كان طيب لدرجة تخلي الحجر يلين، لكن مكنتش تعرف إن “علي” المعيد المتنور، استغل “الذكاء الاصطناعي” وسجل نبرة صوت حريمي وبرمجها ببرنامج وهمي عشان تقول الكلام ده بالظبط، عشان يكتف آخر ذرة عقل باقية فيها، وقالت له بتشجيع:
ـ خلاص يا “علي” أني هاجي وياك مقدرش على زعل ست الحبايب، وكمان زيارة المريض واجب.
وركبت معاه، وكانت ماشية وراه زي المسحورة، وصلوا لعمارة في منطقة هادية، هادية زيادة عن اللزوم، مفيهاش حس ولا خبر. طلعت السلم وقلبها بيدق لدرجة إنها حست إن الناس في الشوارع سامعين خبطاته، “علي” طلع المفتاح وفتح الباب، وبص لها بابتسامة غامضة:
ـ اتفضلي يا ست البنات، نورتي بيتك ياقلب “علي” من جوة .
دخلت “شيماء” بتوجس وخجل ، عيونها بتلف في الصالة، بتدور على والدته، على ريحة الست الكبيرة اللي سمعت صوتها، وسألته:
ـ فين والدتك يا علي؟ البيت شكل ما يكون فاضي ومفيهوش حد .
“علي” قفل الباب وراه، وتكة المفتاح كانت في ودن “شيماء” زي صرخة رعب، وشه فجأة اتبدل، نظرة الحبيب العاشق الرزين اختفت، وظهر مكانها وحش” عيونه بتلمع بطمع مقرف في جسمها وملامحها، ولكن كمل بخبث:
ـ أمي تعبانة جوه يا ” شيماء” تعالي متخافيش يا حبيبي، هي مستنياكي في أوضة النوم بتاعتها عشان مهتقدرش تتحرك.
مسك إيدها وبدأ يجرها، وهي ماشية وراه ورجلها بتخبط في بعضها، لحد ما فتح باب الأوضة، ودخلت الصدمة كانت إن الأوضة فاضية، مفيهاش غير ريحة عطر رجالي نفاذة، وسرير مترتب ببرود مرعب. لفت له وهي بتنهج:
ـ فين أمك داي يا ” علي”؟ إنت قولت إنها اهنه فين الست اللي كَلمتني؟
اني عايزة اروح دلوك وسع من قدامي .
” علي” قرب منها، وحاصرها بينه وبين الباب اللي قفله بظهره، وبدأ يفك الكرافتة بتاعته ببطء مستفز:
ـ “أمي في علم الغيب يا شوشو ، الصوت اللي سمعتيه دي كان شوية تكنولوجيا، عشان تاجي برجلك لمكاني، أني من يوم ما شوفتك في المؤتمر بثوبك الجديد وأني هموت وأعرف إيه اللي مستخبي ورا النضارة الكبيرة داي والحجاب اللي قافلاه على نفسك وخصوصاً البنات اللي هيتحدتوا عن جمالك اللي هتخبيه والعبد لله مفيش بنت تستعصي عليه أبداً.
” شيماء” حست بدوخة ورعب، بلعت ريقها بصعوبة وصوتها طلع مخنوق:
ـ “إنت بتقول إيه؟ بعد عني يا “علي” ، إياك تقرب مني ، إنت خدعتني!
معقولة إنت طلعت بتمثل عليا الحب والغرام تطلع بالدنائة داي؟
وضربته في صدره بايديها الضعيفة وهي بتبص لعيونه بوجع وحزن لاول مرة يربكه ، بالرغم من انه وقع بنات كتير في حباله ووهمهم بحبه ووصلهم لنفس النقطة إلا إنه لأول مرة يحس بملام غريب وعجيب جواه:
ـ دي أني وثقت فيك وسلمتك قلبي الضعيف وحبيتك بجد يا ” علي” ليه اكده حرام عليك.
” علي” ضحك ببرود وحاول يسكت صوت العتاب اللي جواه واللي كل ثانية بيزيد، ويبعد نظرته عن عينيها وبدأ يقرب منها أكتر، إيده امتدت ببطء وشالت النضارة من على وشها، فظهرت عيونها واسعة، مبلولة بدموع القهر:
ـ يا جماله على العيون الفتاكة، دي إنتي هتداري ورى النضارة داي كنز يا شوشو.
وبحركة سريعة وقاسية، شد طرف الحجاب من على راسها، فوقع الحجاب على الأرض وانفجر شعرها الأسود الطويل، نزل على كتافها زي الشلال، غطى ضهرها وظهر لمعه تحت ضوء النجفة، كان وقف مبهور، بلع ريقه بصعوبة وهو بيبص لشعرها ولجمالها اللي فجأة بقى متاح قدامه:
ـ أوبا دي إنتي كنتي هتحرمني من جنة! كل دي كان مستخبي تحت الطرحة داي ، تصدقي اني النهاردة هوريكي حاجات في نفسك عمرك ماكنتي هتكتشفيها، هدوبك معاي يا جامد إنت.
بدأ يلمس شعرها بإيده، و”شيماء” كانت بتصرخ وتنفض إيده عنها بانهيار:
ـ بعد عني يا غدار! والله ما هسيبك، أني هفضحك في الجامعة وفي كل حتة! سيبني أمشي يا “علي” ، حرام عليك متضيعش فيا الحاجة البريئة وتسلبني أعز ما أملك، ارجوك فوق يا “علي” متستقواش على ضعفي وقلة حيلتي، فوق أني حبيتك بجد وصدقتك.
“علي” حول نبرته للين مصطنع، حاول يضمها وهو بيهمز بكلام عشق مسموم:
ـ يا حبيبتي اهدي، أني بحبك ورايد مصلحتك، إنتي دلوك هتُبقى مرتي قدام قلبي، مفيش داعي للخوف دي كلاته.
وبنظرة مرعبة طلب منها:
ـ استسلمي للي هيحصُل بيناتنا علشان مهحبش الغصب في القرب، عايزك تكوني وياي وفي حضني بإرادتك يا شوشو.
“شيماء” كانت بتقاومه بظوافرها، خربشت وشه وهي بتصرخ:
ـ مرتك في الحرام كيف يا مجنون انت؟!
فوق أني وثقت فيك يا بني آدم! سيبني أخرج من اهنه يا “علي” علشان اللي إنت رايدَه مني مش هتطوله غير بموتي.
لما لقى اللين منفعش معاها، وبدأت تدافع عن نفسها بعـ.ــنف، وشه قلب لسواد، وجذبها من شعرها بقوة خلتها تقع على ركبها وقسي عليها بالكلام وهو بيركب وش الشيطان الحقيقي:
ـ “إسمعي يا بت إنتي! إنتي اللي جيتي اهنه بمزاجك ومحدش ضربك على ايدك، بصراحة اكده انتي عجبتيني وهاخد اللي اني رايده منك يعني هاخده ورجلك فوق رقبتك هتسمعي الكلام وتبطلي عند ولا أوريكي الوش التانى.
ملقاش فايدة من محايلتها وهي بتضرب فيه جامد وبتدافع عن نفسها بشتى الطرق ، هــــ…ـــجم عليها زي المسـ.ــعور، بدأ يقـ.ـــطع في هدومها وهي بتشهق بالبكا وبتدعي عليه، رماها على السرير بكل جبروت، وثبت إيديها وهو بينهج، وعيونه كانت حرفياً بتاكل في ملامحها، وبدأ يقتحم عالمها الخاص واحدة واحدة بجبروت وسواد، وهي مغمضة عيونها وبتدعي إن الأرض تنشق وتبلعها قبل ما يطول شرفها اللي كان أغلى ما تملك،
كانت بتنازع تحت إيده زي عصفور مذبـ.ــوح، أنفاسها بتطلع بشهقات مكتومة كأن الروح بتفارق الجسد في كل لمسة غدر منه، وعيونها اللي كانت بتلمع بالأمل انطفت وبقت بتبص للفراغ بذهول وانكسار يشق الحجر، دقات قلبها كانت بتهز ضلوعها برعب وهي شايفة أحلامها بتتحول لرماد وشرفها اللي صانته بسنين العمر بيتداس عليه بجزمة الغدر في لحظة سواد. دموعها نزلت سخنة حرقت وشها، ومبقتش قادرة حتى تصرخ، صوتها اتخنق في حنجرتها وبقت بتشهق بصمت وهي حاسة ببرودة الموت بتسري في عروقها مع كل قطعة قماش بتتمزق من هدومها، واستباحة ايده لبرائتها، استسلمت بجسمها المرتعش وهي بتدعي ربنا إنها تموت في اللحظة دي قبل ما تشوف وشها في المراية تاني، وإحساس الغضب من نفسها ومن غباء قلبها كان أصعب عليها من وجع الاقتحام اللي كان بيحصل لكيانها كله، سابت روحها للريح تذريها وهي جثة هامدة فوق سرير الغدر، وهي مستنية النهاية اللي هتكتب ضياعها للأبد ولكن في لحظة
رواية النغم الحزين الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فطيما يوسف
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
كانت داخلة المكان وهي حاسة بالأمان
لكنها دلوقتي بقت شامة ريحة الموت. السكون كان مرعب، مفيش غير صوت أنفاس “علي” المتلاحقة اللي بتشبه فحيح الأفاعي، كانت جسمها كله بينتفض زي ورقة شجر في ريح عاتية، عيونها الواسعة اللي كانت دايماً بتلمع بالطهارة، دلوقتي غرقانة بدموع الخوف والذهول،
بصت لـ “علي”، لقت وشه اتبدل، الملامح الرزينة، ونظرة الحبيب اللي بيخاف عليها ، كل ده اتمسح، ظهر مكانهم وحش، عيونه فيها لمعة هوس غريبة، لمعة واحد مش بس عايز يرتكب جريمة، ده عايز يتشفى، عيونه مابتفارقش وش “شيماء” ، كأنه بيحلل كل رعشة في جفنها،
حست إن الأرض بتميد بيها، بلعت ريقها اللي بقى زي الشوك في حلقها، وقررت إنها تستنجد بآخر وسيلة عندها الهدوء واللين، وجواها مرعوب وخايف، رفعت إيديها اللي بتنتفض ولمست وشه بحنان غريب ، حطت كفوفها الصغيرة على خدوده في محاولة أخيرة لاستدعاء الإنسان اللي كانت فاكرة إنه جواه:
ـ “علي” بص في عيني يا واد الناس، أني “شيماء” اللي قولت لي إنك حبتني عشان أدبي وعقلي، ليه يا “علي” رايد تذبـ.ــحني بيدك؟ ليه رايد تهد المعبد على راسي وراسك؟
أرجوك هملني خليني أعاود بيتنا بشرفي وكرامتي، أرجوك متجرحنيش جرح الموت بيدك، فوق يا “علي” اللي انت رايد تسلبه مني دي أغلى ما أملك، وانت طيب ونظرة عيونك مهتقولش انك مغتـ.ـصب أبداً.
صوتها كان طالع مبحوح، محمل بوجع السنين اللي قضتها بتصون نفسها عشان اللحظة اللي تلبس فيها الأبيض، كملت وهي بتمسح على وشه باستعطاف يقطع القلب:
ـ أني حبيتك يا “علي” والله حبيتك بصدق، سلمت لك قلبي اللي مسلمتهوش راجل قبلك، بلاش تخليني أكره نفسي وأكره اليوم اللي شوفتك فيه، سيبني أمشي يا “علي” ، والسر دي هيدفن معاي ومهحكيش لحد واصل صدقني ، والله ما هفتح بؤي بكلمة، بس بلاش تكسرني الكسرة اللي ملهاش جبر، حرام عليك شرفي يا “علي” ، أني ماليش غيرَه.
“علي” في اللحظة دي، ملمس إيدها الرقيقة على وشه خلاه يتصلب مكانة، العقدة اللي جواه بدأت تتحرك جوه عقله المريض، هو شايف قدامه تمثال من الطهر، شايف بنت بتمثل دور الملاك ببراعة لدرجة إنه بدأ يصدقها، عقل علي بدأ يصور له إن الهدوء ده هو قمة المكر، إنها بتحاول تغويه بالضعف عشان تداري زيفها هو جواه صرخة مكتومة بتقول:
ـ كدابة إنتي شبهها، هي كانت بتمثل الطيبة زيك اكده! إنتي بتمثلي عشان تخرجي من اهنه وتضحكي عليا تاني بوشك البرئ المخادع.
قرب وشه من وشها، ونبرة صوته كانت باردة زي حد السكين، وايده بتتحرك على جسمها بكل جرأة ووقاحة وكل لمسة منه ليها بتدبـ.ــحها:
ـ تمثيلك هايل يا “شوشو” والله العظيم تستاهلي جايزة الهدوء دي، واللمسة الحنينة دي، إتعلمتيهم فين؟ ولا دي بالفطرة عشان تداري اللي ورا النضارة والحجاب؟ أني مش بس هاخد اللي أني رايده، أني هكسر الصورة اللي إنتي فرحانة بيها داي،
عايز أشوفك وإنتي بتصرخي، عايز أشوف القهر وهو بيطلع من عينيكي بدل الدموع الكدابة داي.
وكمل كلامه وهو بيقرب منها بشفافية وبيستحل شفايفها بجرأة وهو بيفتكر بهيسترسة:
ـ تعرفي المدرسة بتاعتي زمان اللي كانت هتديلي درس خصوصي كانت زيك اكده مبهدلة في لبسها ولابسة نضارة وشكلها وريحتها يقرفوا، كانت هتستغل إن أمي هتسيبني وياها في الحصة وتروح تقضي مشاويرها وتعلمني أجرب معاها حاجات كيف اللي هعملها وياكي دلوك، المدرسة داي فضلت معاي من وأني طفل في الحضانة لحد ما رحت الإعدادي وهي كانت بتخليني أقرب منها وأعمل حاجات قذرة لحد ما أدمنتها وبقيت أني اللي هطلب قربها ومهيمنيش شكلها القبيح ولا ريحتها الوحشة ، تمن سنين همارس وياها حاجات عرفتها من وأني طفل صغير على يدها القذرة، وكانت هتتهدني إنها هتخطـ.ـفني وتدبـ.ـحني وتبيع أعضائي لو حكيت لأمي، كانت هتحملني ذنب إنها عانس ومفيش راجل هيطيق يبص في خلقتها، وعلشان اكده كان لازمن أقهر كل بنت تقف في طريقي .
وكمل وهو بيستبيح جسـ.ـمها بجرأة زي ماكان بيعمل مع مدرسته وهو بيبص لها بلعاب بيسيل بلهفة وعيون بتشع انتقام مخلوط بالرغبة فيها وخصوصاً إنها مش زي أي بنت وقعت تحت ايديه، كلهم سلمو له بسهولة ومفيش واحدة فيهم رفضت وبكت وانقهرت زي “شيماء” :
ـ والليلة ليلتك يا “شوشو”، هطيرك فوق السحاب، هخليكي تدمنيني وتدمني قربي وهمساتي ولمساتي، هخليكي تقولي لي كل لما أشوفك رايدة حضنك وقربك يا “علي”.
“شيماء” حست بـخذلان زلزل كيانها، الرجل اللي قدامها مش بس ضليل، ده مريض بيحارب طواحين ماضي في خياله،
بدأت تستنجد بـخالقها وبكل ذرة كرامة جواها:
ـ صدقني أني مهمثلش يا “علي” ! والله ما بمثل واصل! دي شرفي يا “علي” ، دي حياتي! لو لمستني، إنت مهتلمسش جسم، إنت هتلمس جثة! رايد تفتح بيتك وتعيش حياتك بعد اكده وإنت شايل ذنب صرختي في ودنك العمر كله؟ فوق يا “علي” فوق قبل ما النـ..ـار تاكلنا إحنا الاتنين.
“علي” ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة وجع وسخرية، ومسك إيديها اللي كانت على وشه، وضغط عليها بقوة خلت عضمها يوجعها:
ـ النـ..ـار قايدة فيا من زمان يا شوشو وإنتي النهاردة اللي هتطفيها، الطهر اللي إنتي بتدعيه دي هو اللي هيتـ.ــحرق الأول.
وبحركة غادرة، شدها من وسطها بقوة ورماها على السرير اللي قامت من عليه وهو بيحكي ماضيه ، “شيماء” صرخت صرخة هزت أركان الأوضة، وبدأت المعركة، هي بتدافع بضوافرها، بسنانها، بكل قوة الست اللي جواها، وهو بيحاول يكتم أنفاسها ويثبت إيدها، وسط الصراع،
“شيماء” عاشت في لحظة رعب حقيقي، لقت نفسها وجهاً لوجه مع المصير اللي خافت منه طول عمرها، “علي” كان بيحاول يقتحم عالمها بجبروت، وهي بتنازع كأن الروح بتطلع. وفجأة في قمة السواد، علي وقف فجأة،
بص لها، لقى عيونها مش فيها كره بس، كان فيها نظرة شفقة، نظرة خلت العقدة اللي جواه تتزلزل، “شيماء” في عز ضعفها، بكت بصوت واطي وقالت جملة واحدة علشان تحاول تفكره إنه إنسان مش حيوان:
ـ أني مسمحاك يا “علي” مسمحاك عشان إنت مريض وغلبتك شياطينك، بس افتكر إن ربي مهيسيبكش لو كملت ، بزياداك يا “علي” خلي لي شرفي ، بزياداك تنهش في لحمي.
الجملة دي، مع سكون “شيماء” المفاجئ واستسلامها للقدر، خلت “علي” يحس بـ ببرودة غريبة هو كان مستني البشاعة، مستني الشتيمة، مستني يسمع أقبح الألفاظ اللي بتغسله من جواه، لكن الهدوء والمسامحة في اللحظة دي، حسسوه إنه قليل جداً، إنه خسر المعركة قبل ما تبدأ، “علي” اتنفض من فوقها كأنه لمس جمرة نار، وبدأ ينهج بضيق تنفس، وعيونه بتلف في الأوضة بذهول،
“شيماء” لمحت في اللحظة دي الاطمئنان الغريب اللي ساد المكان لثواني، قعد على طرف السرير، وحط راسه بين إيديه وهو بيصرخ بصوت مكتوم:
ـ البسي هدومك واخرجي، اخرجي من اهنه! مش عايز أشوفك! غوري من وشي!
“شيماء” مكدبتش خبر، في لمح البصر، لمت بقايا هدومها المقطعة، لمت طرحتها اللي كانت مرمية في الأرض، وبسرعة البرق سحبت المفتاح وفتحت الباب، وخرجت تجري في الطرقة وهي بتنهج، قلبها بيخبط في ضلوعها كأنه عايز يهرب من جسمها،
نزلت السلم طيران، كأن رجلها مكنتش بتلمس الأرض وصلت للشارع، والجو كان بدأ يليل، كانت بتجري وهي بتحاول تداري هدومها المقطعة بطرحتها، عيونها بتلف يمين وشمال برعب، خايفة حد من جيران “علي” يشوفها، خايفة الفضيحة تسبقها في كل مكان،
فضلت تجري لحد ما وصلت لـ “شارع جانبي ضلمة، استخبت ورا عربية مركونة، وقعدت في الأرض وهي بتنهج بصوت مسموع، حطت راسها بين ركبها وبدأت تبكي بكا النجاة، وبكا القهر، هي نجت بجسمها، بس روحها اتجرحت جرح عمره ما هيلم.
طلعت موبايلها من جيبها بإيد بترتعش، كانت عايزة تكلم “سند” جوز أختها، بس تراجعت في آخر لحظة:
ـ لو قولت لـ”سند”، البلد هتشب فيها نـ..ـار، وأني هتفضح وهضيع في الرجلين.
مسحت دموعها بقوة، وقررت إنها تهرب لبيتها الآمن،
قامت وقفت، عدلت هدومها على قد ما قدرت، ومشت بخطوات سريعة وتايهة وسط زحام الناس، وهي بتحاول تقنع نفسها إنها لسة شيماء الطاهرة، وإن اللي حصل ده كان كابوس، بس أثر إيد “علي” اللي لسة معلم على كل مكان في جسمها كان بيقول لها إن الحكاية لسة في أولها، وإن الهروب هو مجرد بداية لرحلة تانية أصعب بكتير.
******
الليل كان رامي سدوله على بيت”حناوي”، البيت اللي جدرانه شربت من دموع البنات سنين طويلة، “نغم” كانت قاعدة على الكنبة ساندة ضهرها وحاضنة “مهرة” و”شيماء” تحت جناحاتها كأنها شجرة بتحمي فروعها من ريح عاصفة، الأوضة مكنش فيها غير ضي نور خفيف، خيالاتهم على الحيطة كانت بتبان ضخمة ومرعبة، زي ذكريات أبوهم “حناوي” المفتري اللي لسة مسيطرة على المكان رغم إنه شبع موت،
“مهرة” كانت دافنة وشها في كتف “نغم” ، وجسمها كله بينتفض برعشة مابتسكنش، و”شيماء” كانت مرمية في حجر “نغم” ، ماسكة في طرف عبايتها بضوافرها كأنها خايفة تقع في بير ملوش قرار، ساد الصمت لفترة، مكنش بيقطعه غير صوت نهيج صدورهم، لحد ما “نغم” حطت إيدها على راس “شيماء” وبدأت تمسد على شعرها بحنية مفرطة وقالت بصوت واطي:
ـ بوحوا يا بنات الحناوي، طلعوا اللي كابس على مراوح قلبكم، إحنا اهنه في بيت اللي ظلمنا، بس النهاردة مفيش حد هيقدر يرفع عينه فيكم واصل، قولي لي يا “شيماء” مالك يا صغنن؟ إيه اللي خلى عيونك تدبل ووشك يبقى بلون التراب اكده، وضحكتك البريئة اختفت؟!
“شيماء” أول ما سمعت سؤال “نغم” انـ.ـــفجرت في بكا يقطع القلب، صرخة مكتومة طلعت من أعماق روحها المكسورة، وقالت وهي بتشهق:
ـ “أني خايفة يا ” نغم” أني حاسة إني اتدبـ.ــحت وإني لسة ماشية على رجلي، أني كنت فاكرة إن الدنيا ضحكت لي لما خرجت من تحت يد أبوي حناوي ورحت الجامعة، قولت خلاص هبقى بني آدمة وليا قيمة، بس طلعت البشر نسخة تانية من أبوي،
حبيت إنسان بس طلع كرباج كان بيهديني بكلمتين حلوين عشان يكسر عيني، أني استنجدت بيه من قسوة الدنيا، أتاريه هو كان الغل اللي مستني ينهش فيا، أني كرهت نفسي يا ” نغم” كرهت اليوم اللي فكرت فيه إني ممكن أكون حرة وليا حق أحب وأتحب.
” نغم” ضمتها أكتر لصدرها، ودموعها هي كمان نزلت:
ـ يا وجع قلبي عليكي يا بت أبوي! الشباب دلوك ملهمش أمان، وإنتي يا حبة عيني طيبة ونقية، مشفتيش من الرجال غير وش القسوة، فصدقتِ أي ضحكة، بس وحياة الرب اللي خلقنا، حقنا من اللي ظلمونا وجم علينا ماهيضيع، اهدي، اهدي يا حبيبتي.
أما “مهرة” رفعت راسها ببطء، عيونها كانت تايهة ومزغللة، وبصت لـ”نغم” بضياع مرعب:
ـ وأني يا نغم؟ أني اللي كنت فاكرة إني الواعية’؟ أني اللي وقعت في فخ ملوش قرار، ‘نعمان’ اللي كنت هحكي لك عنيه وعن قصة حبنا ، غاب يا “نغم”، غاب من بقى له ست شهور مهعرفش عنيه حاجة واصل ، ومسابش وراه غير ريحة وجع، أني مش عارفة هو فين، ولا هو مين واصل! كنت بستناه في المواعيد اللي اتفقنا عليها، ومبيجيش، رحت أسأل عليه في كل مكان ملقتلوش حس ولا خبر، كأنه كان جني وطلع لي في المنام واختفى، أني مكسورة يا “نغم” ، مكسورة لإني حبيت خيال، ولإني مش عارفة لو كان جراله حاجة ولا هو اللي باعني ورماني .
“نغم” بصت لـ”مهرة” بأسى، ومسحت على وشها المخـ.ــطوف:
ـ “نعمان” دي أكيد وراه سر يا “مهرة”، وأني قلبي مش مطمن له من الأول، بس إنتي يا “مهرة” قوية، إنتي اللي كنتِ بتقفي قدام حناوي وتقولي له لااه، ليه دلوك سايبة خيال يهد حيلك؟
لازمن ترجعي المهرة اللي يتقال عليها يا جبل مايهزك ريح.
وكملت وهي حاضنة وشها بعيون قوية:
ـ دي احنا بنستقوى بيكي بعد ربنا يا “مهرة”.
“مهرة” ضحكت بمرارة وصوتها اتخنق بالدموع وهي بتحكي جرح قلبها الموجوع:
ـ عشان كنت فاكرة إن ‘نعمان’ هو اللي هينسيني سواد أيام أبونا، كنت فاكرة إنه الحضن اللي هيهربني من جبروت “حناوي” وقسوته، أتاريني كنت بتهرب من ‘نار’ لـ ‘جحيم’ ألعن، أني دلوك ماليش ملامح يا
“نغم” ، ماليش ضهر.
“نغم” اتنهدت تنهيدة شقت السكون، وبصت لبيت أبوهم القديم بوجع دفين:
ـ كله من تحت راسك يا “حناوي” إنت اللي زرعت فينا الخوف، وإنت اللي خليتنا ندور على الأمان في أي يد ممدودة لينا حتى لو كانت يد شيطان، ربيتنا بالغل والقسوة، فطلعتنا للدنيا مكسورين الجناح،
أني يا بنات أني شايلة من الهم جبال،
“رابحة” والية قاسية، وحالفة متهنيني بلقمة مع “سند”، وهتنكد علينا عيشتنا وهتخليها هم وغم ونكد .
“شيماء” رفعت راسها وبصت لـ”نغم” بدموع:
ـ “إحنا ملناش غير بعض يا ” نغم”
” حناوي” مات وسابنا في الغابة دي لوحدنا، والديابة مابترحمش.
” مهرة” مسكت إيد ” شيماء” وإيد “نغم” وبقت الإيدين التلاتة فوق بعض، بيترعشوا سوا في ضلمة الأيام:
ـ إحنا تلاتة وأمنا المريضة اللي نايمة جوة داي ، يعني عزوة رغم أنف كل اللي هيستقلوا بينا ، واللي يمس شعرة مننا، هنقطعه بسناننا. أني مش هسكت على غياب ” نعمان” لأني مشفتش منيه غير كل خير وخايفة يكون جرى له شين، هقلب الدنيا عليه، ولو طلع خاين، هخليه يشوف ويعيش قهر بعمره كلاته، وأنتي يا “شيماء” معيزاش أشوف دموعك دي تاني واصل، إنتي لازمن تكوني قوية، واللي يفكر يقرب منك هحـ.ــرق قلبه.
” نغم” ابتسمت بوجع، وقربت روسهم من بعض وبدأت ترقيهم بآيات من القرآن وهي بتدعي لهم”
ـ يا رب احمي اخواتي، يا رب استر عرضنا وانصرنا على اللي ظلمنا، إحنا ضحايا، والضحية دعواتها بتشق السما.
قضوا الساعات وهما في حضن بعض، يشتكوا ويحكوا عن خيبات الأمل اللي شافوها كل واحدة فيهم كانت بتفرغ القهر اللي في صدرها في حضن التانية.
*****
السكون كان لافف الدوار، والليل كان تقيل كأنه شايل فوق كتافه هموم عيلة “الناجي” كلها لكن جوه جناح ” سند”، الجو كان مختلف تماماً، كأن الزمن وقف عند عتبة الباب ورفض يدخل بالمنغصات والحروب اللي برا، الأوضة كانت هادية، مفيش فيها غير ضي خفيف، وصوت نَفَس ” سند” اللي كان عالي وبطئ، طالع من صدره المحمل بوجع كلام أمه وغدر أخوه اللي مبينتهوش،
كان قاعد ساند ضهره على طرف السرير، ورامي براسه لورا وهو مغمض عينه، كان باين عليه التعب، مش تعب المجهود، لكن تعب الروح اللي بتتحارب في أغلى ما تملك. فجأة، حس بلمسة رقيقة زي النسيم على كتفه، لمسة هو حافظها بالمللي، لمسة “نغم”،
قربت منه ببطء، كانت لابسة عباية بيتي رقيقة بلون السما، وشعرها الأسود اللي كان زي الليل تاني مفرود على ضهرها، قعدت وراه على طرف السرير، وبدأت صوابعها تتخلل شعره الكثيف بحنية مفرطة، بتمسح بيهم على جبهته كأنها بتطرد الغيم اللي شايله جواه:
ـ “سندي” مالك يا نور عيني؟ ليه شايل الهم جبال فوق كتافك واصل؟ أني حاسة بيك، حاسة بقلبك وهو بيدق بوجع وشايل شيلة فوق طاقتك.
“سند” مفتحش عينه، بس ملامح وشه بدأت تلين تحت إيدها، خد نفس طويل وطلعه بآه مكتومة:
ـ تعبان يا “نغم” تعبان من الدنيا والناس، وحتى من أقرب الناس، الكل رايد ينهش فيا، والكل باصص للي في يدي وكأنه سارقه، أني مش عارف أرتاح فين، كل ما أبني حيطة، يهدوها بهد كلامهم المسموم.
“نغم” مالت عليه، لفت دراعاتها حوالين رقبته من ورا، ودفنت وشها في كتفه العريض، وهمست في ودنه بصوت زي السحر:
ـ أرمي حمولك عليا يا “سند” أني اهنه عشان أكون الأرض اللي ترتاح عليها لما الدنيا تضيق بيكط سيبك من الحاجة ” رابحة” وكلامها، وسيبك من أخوك ، وسيبك من كل اللي رايدين ينغصوا عليك عيشتك، إنت من حقك تعيش وتحب وتتحب ، من حقك تختار اللي اختارك انت، من حقك تتمسك بالحاجة الحلوة الوحيدة اللي في حياتك، من حقك متتنازلش عن كل اللي من حقك، انت على حق يا “سند” وصاحب الحق لازمن تكون عينه قوية وميتهزش واصل.
“سند” فتح عينه وبص للفراغ بنظرة كلها عشق، مسك إيدها اللي على صدره وباس باطن كفها بلهفة:
ـ انتي الوحيدة اللي بتهوني عليا مرار الأيام يا “نغم”، أني لحد دلوك واقف قدام الكل هاكد لهم انك مرتي وهدافع عن حقي فيكي، مكنتش بدافع عنك بس، كنت بدافع عن روحي اللي لقيتها فيكي. بس وجع القلب لما ياجي من الأم بيبقى واعر قوي يا ” نغم” واعر لدرجة إنه بيحـ.ــرق الأخضر واليابس.
“نغم” قامت من وراه، وقعدت في الأرض قدامه، وجهاً لوجه، مسكت وشه بين إيديها، وبصت في عيونه بنظرة تملك وحب:
ـ بص لي يا “سند” بص في عيوني زين واحكي لي إيه اللي شايفه؟
“سند” تاه في سواد عيونها اللي كان فيه لمعة دموع مرقرقة:
ـ شايف نغمي لساته حزين ، شايف الدنيا اللي كنت محروم منها، شايف حب وعشق وراهم دفا ممزوج بخوف، شايف لمعة حزن في عيونك إنتي كمان يا “نغم”.
“نغم” ابتسمت ابتسامة دابت فيها كل همومه وحاولت تتماسك:
ـ وشايف سندك كمان، أني مش بس الست اللي هتحبها، أني السكن اللي ربنا أدهولك تعويض.
وكملت وهي بتلمس ملامحه بدلال:
ـ فاكر يا “سند” ؟ الليلة اللي رقصت لك فيها، النهاردة أني هغني لك بقلبي، مش بلساني.
و بدأت تحكي له حكاوي قديمة، حكاوي عنها وهي بنت حكاوي عن احلامها وكانت نفسها تطلع مهندسة كانت نفسها تحقق احلامها في تعليمها، كانت بتحكي له حكاويها القديمة علشان تخرجه من موجة الحزن والضيق بسبب الاحداث اللي عايشينها وبسبب انهم مش عارفين يتهنوا ببعضهم، كانت بتحكي بصوت واطي، نغمات صوتها كانت بتعمل تنويم مغناطيسي لروح “سند” الثايرة، بدأت تمسح بأصابعها الرقيقة على رقبته وصدره، بحركات دلال فطري، خلت “سند” يحس إن هي كل حاجه حلوه في الدنيا اتمثلت فيها،
سحبها لحضنه فجأة، ضمها بقوة كأنه بيخبيها جوه ضلوعه، دفن وشها في رقبته وشم ريحة عطرها اللي بتمثل له الأمان وهمس بصوت مبحوح خشن:
ـ أني محتاجك قوي يا “نغم” محتاج أحس إنك ملكي بجد، إنك حلالي اللي مفيش قوة في الأرض تقدر تنزعه مني، أني النهاردة كنت حاسس إني عريان قدام غدرهم، وانتي النهاردة وامبارح وكل يوم هتحسسني إني هتغطي بحنانك وحبك وعشقك المختلف .
“نغم” استسلمت لضمته، ورفعت راسها وبصت له بدلال وهي بتلعب في زراير جلابيته:
ـ وأني ملكك يا “سند”، ملكك بالروح قبل الجسم، أني دلوك مهتمناش حاجة من الدنيا واصل غير إني أسعد قلبك ونهون على بعض.
سند هز راسه بتصميم بعد ما سألها عن تأخير الحمل المدة دي كلها :
ـ ناقصنا بس حتة عيل يربطنا ببعض أكتو، عشان أخرس ألسنة الكل. عشان لما العيل يملى الدوار، محدش يقدر يقول؛ داي كانت مرَت فلان، عايز عيل يحمل اسمي واسمك، يكون هو الوتد اللي يربطنا ببعض أكتر.
“نغم” لمعت عيونها بخوف حاولت تداريه، بس بدلت الخوف بابتسامة غرام:
ـ طب الليلة دي يا “سند” رايداها ليلة يشهد عليها الغرام، بزيادانا كلام عن بكرة عاد، خلينا في النهاردة خلينا في نغمك اللي اتوحشتك قوي.
“سند” شالها بين إيديه برقة، وكأنها قطعة من الماس خايف عليها تخدش، بص لها بنظرة فيها رغبة و شوق راجل صام عن الحب سنين ولما لقاه، مش عايز يسيبه، حطها على السرير، ومال عليها وهو بيهمز بكلام عشقه ، كلام محفور في الوجدان، مبيطلعش غير في لحظات الصدق العارية،
اللمسات كانت أرق من النسيم، والنظرات كانت أعمق من البحر، سند في اللحظة دي نسى الدنيا باللي فيها مكنش فيه غير “نغم”، بصوتها، بريحتها، بدلالها اللي كان بيخليه يحس إنه سيد الكون،
كانت بتتعامل معاه بذكاء الأنثى اللي عارفة إن راجلها مهموم كانت بتبدل لمسة الحنية بلمسة شقاوة، وكلمة الحب بضحكة ناعمة، خلت “سند” يدوب بين إيديها، الساعات مرت وكأنهم في جزيرة لوحدهم، جزيرة مبيوصلهاش غير الموج الهادي بتاع عشقهم.
انتهت وصلة الغرام اللي بيسـ.ـرقوه من زمنهم و”سند” نايم وفي حضنه “نغم” ، وشه كان فيه “راحة” مكنتش موجودة من سنين.
******
في مكان مقطوع على أطراف المحافظة، بعيد عن العمار والناس، كان فيه مخزن قديم مهجور، ريحته تراب ورطوبة ، الجو كان غيم وسواد، والريح بتعوي برا كأنها بتمهد لمصيبة هتحصل، جوه المخزن ده كانت غالية قاعدة على كرسي خشب متهالك،
غالية مكنتش غالية اللي الناس عارفاها، الست الهادية اللي من عيلة راقية ومحترمة، النهاردة كانت كأنها غول طالع من الحاوي، عيونها كانت محجرة، والغل اللي جواها كان كفيل يحرق بلد بحالها،
قدامها كان واقف تلات رجالة، ملامحهم ترعب رجالة مطارديد من اللي مالهمش دية، عيونهم مفيهاش رحمة، وكل واحد فيهم شايل وراه تاريخ من الإجرام الكبير بتاعهم، واحد اسمه “عِكشة”، كان واقف بيسن مطواة في إيده ببرود، وبص لغالية بنظرة فيها طمع وسخرية:
ـ ها يا ست غالية، قولتِ اللي عندك، بس إنتي عارفة إن ‘سمير الناجي’ دي بعد ما سالنا عنه عرفنا ان هو مش أي حد، ده وراه عيلة ومن أصل صعيدي ووراه عزوه تبلع الزلط واللعب معاه محتاج قلب ميت.
غالية رفعت راسها، ونظرة عيونها كانت أرعب من المطواة اللي في إيده صوتها طلع قوي :
ـ وقلبي اللي انقهر على ابني اللي لحد دلوقتي بعد الشهور دي كلها مش قادر يمشي على رجله؟
ابني اللي انكسر ضهره، وعمره اللي كان هيضيع في لحظة غدر من واحد فاكر نفسه سيد البلد دي ملوش تمن؟ أنا مش جاية أهزر، ولا جاية أقول لك اضربوه قلمين، أني جاية أشتري وجعه وقهره، عايزة وجع “سمير” يوصل للسما، وعايزة صرخته من الوجع تبرد ناري.
عكشة قرب منها خطوة:
ـ يعني المطلوب تخليص؟ نخلص عليه ونرتاح ولا نعمل ايه يا ست الناس؟
“غالية” صرخت بصوت مكتوم وهي بتخبط على رجلها بغل:
ـ لااااا، الموت راحة، وأنا مش عايزاه يرتاح! الموت رحمة و”سمير” ميشوفش الرحمة دي بايدي، أنا عايزاه عايش ميت،
عايزاه يمد إيده للقمة وميطولهاش، عايزة رجليه الاتنين اللي داس بيهم على ابني، يتدشدشوا، يتكسروا مية حتة لدرجة إن أشطر دكتور في البلد يقول مفيش أمل،
عايزاه يتجبس جبس ملوش فك، ويفضل عمره كله زاحف على الأرض زي الدود.
واحد من الرجالة اللي واقفين ورا عكشة، ضحك بـ هسهسة وقال:
ـ ده إنتي قلبك أسود قوي يا ست غالية ده كدة عذاب القبر أهون له.
غالية بصت له بحدة خلت الضحكة تقف في زوره:
ـ الأسود هو اللي عمله فينا، “سمير الناجي” داس على كرامة ابني، وكسر عضمه ولحد دلوقتي بعالج في كسوره وهو ماشي يدب في الارض، لازم ادوقه من نفس الكاس والفلوس دي مني ليكم، والضعف هتاخدوه لما الخبر يوصلني إن “سمير الناجي” دخل المستشفى وهو مش عارف يلم عضمه.
عكشة مد إيده وخد الفلوس، فتحها وبدأ يعد الرزم اللي جواها بتركيز، لمعة الفلوس كانت بتنعكس في عينه الطماعة. قفل الكيس وحطه في جيب عبايته الواسع، وبص لرجاله وأعطاهم إشارة:
ـ خلاص يا ست غالية.. اعتبري إن ‘سمير الناجي’ انتهى من اللحظة دي، هو بقى صيدة لرجالة عكشة، هنراقبه، وهنجيبه في مكان ملوش صاحب، وهنعمل فيه اللي يخليكِ ترقصي من الفرحة، بس خليكِ فاكرة احنا ما لناش علاقه بيه بعد كده وهنختفي ولا لينا في سين ولا جيم .
غالية قامت وقفت، وللحظة كانت هتتراجع لكن قوت نفسها، بس عيونها كانت ثابتة:
ـ أنا ميهمنيش تعرفوا مين ولا تروحوا فين، اللي يهمني إن المرة الجاية لما أسمع اسم “سمير” يكون الاسم ده ملحوق بكلمة ؛يا عيني عليه، عايزة أمه ‘رابحة’ تزوق المر اللي دوقتهولي، وتشوف ضناها وهو عاجز قدامها وهي مش قادرة تعمل له حاجة.
عكشة ضحك وباس طرف المطواة بإجرام :
ـ اطمني.. سمير الناجي هتقولي عليه يا رحمن يا رحيم في القريب العاجل يا ست هانم وان شاء الله ما تبقاش اخر شغله ما بينا.
غالية لفت وشها ومشت ناحية باب المخزن بخطوات تقيلة، بس فيها نوع من الجبروت اللي اتحول لانتقام ، نار الغل كانت مدفية عروقها، كانت بتفكر في ابنها، في نظرة الانكسار اللي في عينه وهو نايم على سرير المرض، وقارنتها بنظرة “سمير” اللي هتتحول لذل.
******
في ركن بعيد من مندرة الحريم، كانت “رابحة” قاعدة ومربعة رجليها بوقار زايف، ماسكة سبحتها وبتحرك حباتها ببطء، بس عيونها كانت زي عيون الصقر اللي مراقب فريسته. قدامها كانت قاعدة “دعاء”، اللي كانت دبلانة زي ورقة شجر في عز الخريف، دعاء كانت قاعدة ضامة رجليها لصدرها، وعيونها مابترفعش من الأرض، والهم واكل ملامحها لدرجة إن السواد اللي تحت عينيها بقى يحكي قصة لياليها اللي بتقضيها غم بسبب نكد بنتها وأبوها اللي مقفلها عليها،
رابحة اتنهدت تنهيدة طويلة ومصطنعة، وسابت السبحة من إيدها وقربت من دعاء، وطبطبت على كتفها بحنية مسمومة:
ـ “يا بنتي قلبي واكلني عليكي، أني مقدراش أشوفك هتدبلي اكده وأسكت، أني أمك قبل ما أكون حماتك، والي بيوجعك بيوجعني.
دعاء رفعت راسها ببطء، وعيونها كانت غرقانة بالدموع:
ـ هيعمل إيه الوجع يا خالتى؟ سند ابنك خلاص استقوى وبقى جبروت، شكل نغم سحرته، خلت عقله يطير، مبقاش يشوفني غير أم ضايعة وضالة واصل، وحتى لما بيطل في وشي، بقرأ في عينه الشفقة، وأني مش عايزة شفقة من جوزي يا خالة، أني عايزة أكون في نظره أم تصلح لعياله.
رابحة لوت بوزها بتمثيل متقن:
ـ وده اللي واجعني يا ضنايا منك، انك ما بتفكريش في جوزك كراجل وهلكه نفسك تحت رجلين عيالك بس ونسيتي انك ست، والراجل بيجري ورا اللي تدلعه وتملى عينه، والبت المسهوكة دي عارفة بتلعبها كيف، بس أني فكرت في حالك، وقولت لنفسي مفيش غير حل واحد يرجع “سند” لبيته الأولاني.. لازمن نعرف العيب فين يا “دعاء” ، الحقي جوزك قبل ما يضيع منك وتضيعينا معاكي وانت السبب في اللي احنا وصلنا له دي كلاته لو كنت ماليه عينيه من الاول ما كانش شاف غيرك ولا اتمسك باللي مش ليه.
دعاء اتنفضت بوجع:
ـ “عيب إيه يا خالة؟ أني سليمة ومفياش حاجة، وما تخرجيش من موضوع الاساسي وحزني على ولادي وانه مش هيخليني املك فيهم اي قرار ولا راي وتروحي بينا الموضوع تاني.
رابحة قربت وشها منها وهمست بفحيح:
ـ الخلفة والعيال كوم، والسرير كوم تاني يا واكلة ناسك، أني سمعت كلام، والناس بدأت تتوشوش في البلد، بيقولوا إن ‘دعاء’ راحت عليها وانها ما بقتش ماليه عين جوزها، وإن سند لقى في نغم اللي ملقاهوش فيكي، أني مش قصدي أجرحك، بس أني خايفة عليكي. سند لو فضل جنب نغم طول عمره انت هتتركني على الرف ومش هيبقى ليكي لازمة،ومش بعيد كمان يرميكي ويخلي نغم هي اللي تربي عيالك علشان هتبعدي عنه بكل الطرق وتخسري كل حاجه.
الكلمات نزلت على دعاء زي مية النار. الرعب النفسي بدأ يتملكها. رابحة بذكاء شيطاني لمست نقطة الضعف عند أي ست؛ أنوثتها، دعاء بدأت تشك في نفسها، تفتكر نظرات سند الباردة ليها، وتترجمها بإنها فعلاً بقت معيوبة
ورابحة كملت ضغطها:
ـ أني من عشمي فيكي، حجزت لك ميعاد مع دكتور كبير قوي في المحافظة. دكتور حريم بيفهم في حالتك وفي الحكايات دي، هروح معاكي بكرة، من غير ما حد يحس، ومن غير ما سند يعرف. نكشف ونشوف، لو فيه علاج يخلي الدم يجري في عروقك تاني وتبقي ست في حضن جوزك، يبقى كسبتي بيتك وجوزك وعيالك.
دعاء هزت راسها برفض وهستيريا مكتومة:
ـ “لا يا خالة.. أروح لدكتور أقوله إيه؟ أقوله جوزي مبقاش يطيقني؟ أقوله إني باردة؟ أني أموت ولا أعمل اكدة في نفسي.
رابحة ملامحها اتحولت للجمود والتهديد المبطن:
ـ “وهتموتي فعلاً يا دعاء لما تشوفي نغم وهي ماشية بكرشها في الدوار، وسند شايل ولدها على كتافه وناسيكي وولادك هيجروا ورا اخواتهم وينسوكي، المرة الشاطرة هي اللي تداوي علتها قبل ما تتفضح. أني حجزت والميعاد بكرة، وهتجي معاي غصب عنك، عشان خاطر ولادك، وعشان خاطر ترجعي سند لحضنك.
وفي اليوم التاني على طول راحو للدكتور ودعاء كان على وشها غضب ربنا ولما جه دورها حماتها شدتها:
ـ الدور عليكي يا دعاء.. قومي، اجمدي اكدة،وفكي بوز النكد إحنا جايين نعالجك مش جايين نتحاكم.
دخلت دعاء هي وحماتها للدكتور وسالها بعملية:
ـ خير يا ست دعاء بتشتكي من إيه؟
دعاء لسانها اتربط، مكنتش قادرة تنطق كلمة. الوجع اللي جوه صدرها كان أكبر من أي شرح. رابحة هي اللي ابتدت بالكلام بلسان زي المبرد:
ـ “والله يا دكتور، البنت دي متجوزة ابني من سنين وعندها ولاد، بس الفترة الأخيرة بقت بتحس انها مطيقاش جوزها ، بمعنى اصح اكده مبتحسش معاه بحاجة، وبقت تنفر منه ومن قربه، إحنا عايزين نعرف، هل دي مرض؟ هل محتاجة علاج، وهيبقى في تحسن لحالتها داي؟
الدكتور بص لدعاء بشفقة، وشاف دموعها وهي بتنزل بصمت على خدها وكسوفها من الدكتور:
ـ يا حاجة ، المواضيع دي محتاجة خصوصية، ومحتاجة كلام مع الزوجة لوحدها وممكن يكون الموضوع نفسي مش عضوي.
رابحة زعقت بحدة:
ـ نفسي إيه يا دكتور؟ اني قبل ما اكون حماتها اني خالتها وفي مقام امها ورايده اطمن عليها.
الدكتور طلب من دعاء تطلع على سرير الفحص في اللحظة دي، دعاء حست إن كرامتها بتتدبـ.ــح بجد، كانت حاسة إنها سلعة رخيصة بتتعرض على ميكانيكي عشان يشوف العطل فين، برودة السرير، وكشاف النور المسلط عليها، ونظرات رابحة المراقبة لكل تفصيلة، خلت دعاء تحس إنها عريانة قدام العالم كله.
الفحص كان تقيل ومؤلم نفسياً أكتر منه جسدياً، دعاء كانت مغمضة عيونها وبتدعي إن الأرض تنشق وتبلعها، كانت بتفتكر “نغم” وضحكتها وانها في يوم من الايام ممكن تاخد عيالها، وبتقارن بين عزة نغم وبين الذل اللي هي فيه دلوقت، لان اللحظه دي صعبه على كل ست،
بعد ما خلص الفحص، قعد الدكتور وكتب كلمات على الورق. رابحة وقفت فوق راسه:
ـ “ها يا دكتور؟ طمنا؟
الدكتور قلع نضارته وبص لدعاء بجدية شرح لهم بطريقه علمية وطبعا دعاء متعلمه وفاهمه كلامه:
ـ السبب العلمي لبرود الست بعد الختان بيرجع لإزالة “البظر” أو أجزاء منه، وهو العضو اللي بيحتوي على آلاف النهايات العصبية المسؤولة عن المتعة، وده بيعمل فقدان للمحرك الأساسي للإثارة وتكون أنسجة ليفية أو ندبات مكان الجرح بتخلي المنطقة فاقدة للإحساس أو بتسبب وجع وقت العلاقة، فالمخ بيترجم ده كخطر وبيهرب من الرغبة تماماً، أما طريق العلاج فبيبدأ من التأهيل النفسي لإزالة حاجز الخوف واكتشاف مناطق استثارة بديلة في الجسم، مع ضرورة إطالة مدة المداعبة واستخدام مزلقات طبية لتجنب الألم الجسدي، كما يوفر الطب الحديث حلولاً فعالة مثل جراحات الترميم لإظهار الأجزاء الحساسة المتبقية أو حقن البلازما والليزر لتنشيط الدورة الدموية وتجديد الأنسجة التالفة لاستعادة الإحساس الطبيعي تدريجياً.
رابحة ملامحها اتغيرت للغضب، مكنتش دي النتيجة اللي عايزاها، زي ما فهمت من كلامه بالعافيه هي كانت عايزة علاج يجيب من الاخر :
ـ يعني إيه يا دكتور؟ مفيش برشام؟ مفيش حقن اخترعوها الموضوع البرود دي اكيد الدنيا اتطورت والعلم اتطور؟
الدكتور هز راسه بيأس:
ـ الدوا في المواضيع دي يا حاجة صعب جدا ويكاد يكون مش موجود لكن احنا بنتبع أساليب معينة في العلاج بتاخد وقت شويه لكنها بتجيب نتيجة مع الوقت، وكمان هي محتاجه احتواء من جوزها اكتر من اكده.
خرجت دعاء من العيادة وهي حاسة إنها ميتة، رابحة كانت ماشية وراها بتهبد برجلها في الأرض وبترمي كلام زي السم:
ـ دكتور مبيفهمش واصل، قال احتواء قال! وقال دَكتور كبير وهيجيب الديب من ديله، أني لسة عندي حلول تانية، والمرة دي مش هتكون عند دكاترة، دي هتكون عند الشيخ اللي يفك السحر اللي معمول ليكي ولجوزك.
دعاء مكنتش بتسمع، كانت ماشية زي الآلة رابحة نجحت في حاجة واحدة؛ إنها دمرت الثقة اللي كانت باقية عند دعاء، خلتها تصدق إنها معيوبة حتى لو الدكتور قال غير كدة، الوجع اللي في قلب دعاء دلوقت كان كفيل يهدمها، وهي راجعة في العربية، بصت لمراية العربية وشافت وشها الدبلان وحست انها ما بقتش نافعه ولا ست ولا أم.
*******
السكون اللي كان لافف طريق النخيل كان سكون كداب، بيخبي وراه وليمة وجع، ملهاش آخر، “سمير الناجي” كان سايق عربية الدفع الرباعي بتاعته، وصوت الأغاني الصعيدية العالية مالي الكابينة، كأنه بيعلن للعالم إنه سيد المكان ومحدش يقدر يكسر عينه، سمير كان بيضحك، وفي إيده سيجارة دخانها مالي الجو، وبيفكر في الخطوة الجاية اللي هيحرق بيها قلب “نغم” ويدوس بيها على طرف “سند” وهو انه ياخذ ولاده منها بحكم محكمه علشان اتجوزت،
فجأة، وبدون أي سابق إنذار، ظهرت عربية نص نقل من طريق جانبي وسدت عليه السكة، سمير داس فرامل بكل قوته، قبل ما يستوعب إيه اللي بيحصل، كانت فيه عربية تانية جت من وراه وحاصرته، سمير مد إيده للتابلوه عشان يسحب سلاحه، بس باب العربية اتفتح بقوة غاشمة، وإيد غليظة شدته من رقبته ورمته في نص الطريق الترابي كأنه شوال رمل،
عكشة ورجالته نزلوا من العربيات، ملامحهم متدارية بشيلان سودا، مبيبانش منها غير عيون بتلمع بالشر والفلوس اللي خدوها من “غالية”، حاول يقوم، حاول يصرخ :
ـ بعدوا عني انتم ما تعرفوش اني مين؟
أني سمير الناجي يا كلاب!.
بس أول ضربة عصاية حديد نزلت على ضهره كتمت صوته وحولته لآهة مخنوقة،
عكشة اداهم الإشارة، وبدأ الكابوس، الضرب مكنش عشوائي، كان هندسة وجع، غالية طلبت إن رجليه تتدشدش، وعكشة كان بينفذ بالحرف والعصيان الخشبية بدأت تنزل على ركب سمير وسيقانه بدقة مرعبة، صوت تكسير العضم كان مسموع وسط صمت الغيطان، صوت طقطفة و”شرخ بيقطع القلب. سمير كان بيتقلب في التراب، بيحاول يحمي رجليه بإيده، فكانوا بياخدوا الإيد في سكتهم، وكان الايام بتدور ونفس اللي كان بيعملوا في نغم اتعمل فيه بس بطريقه ابشع،
بدأ يغيب عن الوعي، وجعه وصل لمرحلة مفيهاش صراخ، مرحلة الـ “غيبوبة” المؤقتة اللي الجسم بيعملها عشان يهرب من الألم. عيونه كانت شايفة خيالات، وشايفة النخيل وهو بيتهز فوق راسه كأنه بيودعه، عكشة وقف فوق راسه، وبص لرجلين سمير اللي بقت عبارة عن دم وعضم بارز، وتأكد إن العاهة بقت مستديمة، وإن سمير مش هيقف على رجليه تاني حتى لو اتعالج في بلاد برة،
رما عكشة سيجارته فوق جسم سمير المرمي، وركبوا العربيات واختفوا في الضلمة، وسابوا سمير غرقان في دمه، وسط طريق مقطوع، والكلاب الضالة بدأت تتجمع على ريحة الدم.
بعد ساعة في دوار الناجي،
الخبر نزل على الدوار زي الصاعقة، غفير من غفر البلد لقى سمير بالصدفة وهو راجع، وشاله وجري بيه على مستشفى المحافظة. “رابحة” كانت قاعدة بتشرب شاي مع “نظيرة”، لما دخل الغفير وهو بيصوت:
“يا مصيبتك يا دوار الناجي! سمير بيه اتقتل! سمير بيه دمه سايح في المستشفى.
رابحة قامت وقفت، الكوباية وقعت من إيدها واتكسرت مية حتة، وشها اصفر وبقى بلون التراب، صرخت صرخة هزت حيطان الدوار، صرخة أم شافت ضناها بيتدبح:
ـ ابني! سمير! يا مري يا خراب بيتي يا سمير!
نزلت رابحة السلم جري، ورجلها بتخبط في بعضها، ونظيرة وراها بتلطم، سند خرج من أوضته على الصوت، وشاف أمه وهي في حالة انهيار كامل:
ـ فيه إيه يا أماي؟ واصل ليه الصراخ دي؟
رابحة أول ما شافت سند، ملامحها اتحولت لـ وحش كاسر. جريت عليه وضربته بإيدها على صدره بكل قوتها، وهي بتشهق بالبكا والغل:
ـ إنت السبب! إنت اللي عملت اكدة! بعت رجالتك يقتلوا أخوك عشان خاطر الحرمة! عشان نغم اللي سحرتك! يا جاحد يا ابن بطني، تكسر ضهر أخوك وتخليه بين الحياة والموت؟
سند اتصدم، مسك إيد أمه وهو بيحاول يفهم:
ـ “سمير حصله إيه؟ وأني مالي؟ أني كنت نايم في امان الله، مخرجتش من الدوار واصل!
وعمري ما افكر اعمل في اخوي اكده يا حاجة بزياداكي ظلم عاد.
رابحة صرخت بصوت شرخ جدران الصمت:
ـ “كداب! إنت اللي قولت بلسانك إنك هتنتقم منيه، وإنك مش عايز تشوف وشه، الغفير هيقول ان سمير مدشدش في المستشفى، رجليه مكسورة وعضمه باين، والدكاترة بيقولوا إنه هيفضل مشلول طول عمره،
يا ندمي عليا! يا خسارة تربيتي فيك يا سند! لو سمير جرى له حاجة، لا إنت ابني ولا أعرفك، ودعوتي عليك هتلاحقك في كل خطوة، وربي يحرق قلبك على نغم زي ما حرقت قلبي على سمير!
سند حس إن الدنيا بتلف بيه. تهمة بشعة زي دي، ومن أمه؟ بص لحواليه، لقى عيون “دعاء” و”نظيرة” وكل اللي في الدوار بتبص له بنظرة اتهام، حتى الغفر كانوا بيتهامسوا، رابحة مسكت طرحتها وشدتها لدرجة إنها اتمزقت، وبدأت تلطم على وشها وتصوت وهي بتتهم ابنها قدام الخلق بأبشع التهم وقلبها قايد نار :
ـ “يا بلدي يا ناسي! شوفوا الكبير اللي بيقتل الصغير! شوفوا اللي باع أخوه عشان مرة! يا ريتني كنت مت ولا شوفت اليوم دي! يا ريتني ما خلفتك يا سند!”
سند حاول يكلمها، حاول يطمنها إنه ملوش ايد، بس رابحة كانت في عالم تاني زقته بقوة وخرجت تجري على العربية وهي بتنادي على السواق عشان يوديها المستشفى، سند وقف في نص المندرة، مكسور، مهزوم، ومظلوم. بص لـ “نغم” اللي كانت واقفة بعيد بتبكي بوجع وخوف، لقى إن الحرب اللي كان خايف منها بدأت فعلاً، وإن رابحة قررت إنها تحرقه بجد.
سند ركب عربيته وجري وراهم على المستشفى. الممرات كانت زحمة، وريحة الدم والمطهرات تخنق، رابحة كانت قاعدة في الأرض قدام غرفة العمليات، بتلطم وتدعي على سند بصوت عالي، والناس بتتفرج. سند قرب منها، بس هي بصت له بنظرة كره حقيقية، نظرة خلت الدم يتجمد في عروقه:
ـ امشي من اهنه معايزاش أشوفك! روح لمرتك، روح لنغم اللي خلتك تبيع دمك. لو دخلت عند أخوك، هصوت وألم عليك الناس وأقول هو دي القاتل، غووور من وشي، قتلت القتيل وجاي تمشي في جنازته.
سند انسحب بوجع ملوش وصف. قعد في ركن بعيد، وحط راسه بين إيديه. كان بيسأل نفسه:
ـ اه يا سند على وجع قلبك وعلى الظلم اللي هتتحمله من اقرب الناس ليك يا رب اللهم اني اشكو اليك ضعف قوتي وقله حيلتي وهواني على الناس.
سمير كان جوه العمليات تحت رحمة المشرط، ورابحة برا بتلطم وبتندم سند على اليوم اللي اتولد فيه، وسند واقف في مهب الريح، خسران أمه، وخسران سمعته، ومستني المصير اللي هيقرره إفاقة سمير لو فاق.
********
كان الليل في “شمال سيناء” مش مجرد ضلمة، كان سكون يسبق العاصفة، سكون بيقبض الصدر، وسط الصحراء والجبال اللي عاملة زي الأشباح، كان “يونس” واقف ببدلته العسكرية المموهة، والسترة الواقية اللي شايلة معداته، بس اللي كان شايله جوه صدره كان أتقل بكتير من السلاح اللي في إيده، “يونس” النهاردة مكنش “نعمان” الغلبان، كان المقدم “يونس الهلالي”، الصقر اللي رايح ينهي وكر عصابة إرهابية خططت لخراب كتير.
قبل ما تبدأ الإشارة، انسحب يونس ثواني بعيد عن القوة، طلع من جيبه المبطن صورة مهرة اللي مابتفارقوش بص لملامحها اللي منورة ، للضحكة اللي كانت هي السبب الوحيد اللي بيخليه يتحمل قسوة أيامه، مسح على صورتها بصباعه اللي عليه آثار تراب المعركة، وهمس بصوت مخنوق باليقين والوجع:
ـ يا رب.. ادعي لي يا مهرة، ادعي لي أرجع لك بالسلامة، المرة دي صعبة قوي يا أغلى ما عندي، بس وحياة غلاوتك عندي لو رجعت لهحكي لك على كل حاجة، همحي صورة ‘نعمان’ الخاين وأثبت لك إن ‘يونس’ مكنش بيعمل كدة إلا عشانك وعشان البلد دي. ادعي لي يا مهرة.. محتاج دعاكي دلوقتي بالذات.
قطع اللحظة صوت الجهاز اللاسلكي وهو بيعلن ساعة الصفر يونس باس الصورة وحطها في أقرب جيب لقلبه، وبنظرة تحولت في ثانية لكتلة من النار والجمود، لبس قناعه وأعطى إشارة الهجوم:
ـ يا رجالة.. توكلنا على الله مفيش رجوع، يا نصر يا شهادة.
انفـ.ــجر المكان بالرصاص، صوت الانفجارات كان بيهز الجبال، والدخان غطى الرؤية، يونس كان بيتحرك زي البرق، بيقتحم الوكر”
وهو في مقدمة القوة، مكنش بيهمّه الرصاص اللي بيصفر حوالين ودنه. كان بيضرب بدقة ومبيسيبش فرصة لعدو، نجح يونس وقوته إنهم يسيطروا على المدخل ويصفّوا عدد كبير من الإرهابيين، لكن العقدة كانت في القناص المستخبي فوق قمة الجبل،
في اللحظة اللي “يونس” كان بيأمن فيها خروج زمايله المصابين، لمح لمعة عدسة القناص من بعيد وبسرعة بديهية الضابط اللي بايع عمره، زق واحد من العساكر بتوعه بعيد عن مسار الطلقة، وفي نفس الثانية، كانت رصاصة غدر مسمومة بتخترق صدر “يونس”، بالظبط فوق الجيب اللي فيه صورة ” مهرة”
“يونس” محسش بالألم في الأول، حس بـ برودة مفاجئة بتسري في جسمه. وقع على ركبه، والأرض بدأت تدور بيه، السلاح وقع من إيده، وحط إيده على صدره لقى الدم بيغلي وبيسيل بين صوابعه، كان بيسمع أصوات زمايله وهما بيصرخوا باسمه:
ـ يا فندم! يا حضرة الرائد “يونس!”.
بس الأصوات كانت بتبعد بتبعد قوي وهو كان بيتلفظ الشهادة وايده على قلبه مكان صورتها وقال اخر كلمة:
ـ سامحيني يا أغلى من عمري هو ده اللي كنت عامل حسابه، مع السلامة يا “مهرة النعمان”
رواية النغم الحزين الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فطيما يوسف
بس الأصوات كانت بتبعد بتبعد قوي وهو كان بيتلفظ الشهادة وايده على قلبه مكان صورتها وقال اخر كلمة:
ـ سامحيني يا أغلى من عمري هو ده اللي كنت عامل حسابه، مع السلامة يا “مهرة النعمان”