في قلب الحلبة الكبرى، اجتمع أهل المدينة وأعيان الممالك في صباح تنافس نادر.
كان المكان يعج بعبير الشموع الزهرية وأصوات الحفيف الهادئ لأقمشة الفساتين الطويلة والبدلات الرسمية التي يرتديها الحضور.
وقف المعلق على منصة خشبية مرتفعة، مرتديًا بذلة رسمية مزينة بخيوط فضية، وقبعة أسطوانية،
ممسكًا بعصا خشبية منحوتة، وصوته الجهوري يملأ أرجاء القاعة:
أيها السادة والسيدات! مرحبًا بكم في هذا اليوم الذي سنشهد
فيه اختبار شجاعة وقوة ودهاء المقاتلين من الممالك الثلاث!
فلنرحب بأول المتنافسين!
فُتحت أبواب القاعة الكبيرة ببطء، وخرج رجل طويل نسبيّا، جسده رشيق، ليس ضخمًا ولا مفتول العضلات،
بل بدا خفيف الحركة. كان شعره الأحمر الداكن
مربوطًا للخلف بخيوط سوداء، تتدلى بعض الخصلات القصيرة على جبينه، تلمع تحت الأضواء
كجمر خافت.
تقدم بخطوات هادئة وواثقة، كأنه ضيف ودود جاء بابتسامة دافئة، لا مقاتل دموي. توقف في منتصف الحلبة، انحنى تحيةً للجمهور، ثم رفع رأسه
بابتسامة هادئة، بريئة في ظاهرها، تخدع كل من يراها للوهلة الأولى. همس بعض الحضور بإعجاب:
يا له من شاب مهذب!
يبدو مسالمًا تمامًا!.
لكن خلف تلك الابتسامة، في عمق عينيه السوداوتين، ومض بريق ماكر، يشبه لمعان خنجر خفي،
كأنه يراقب الجميع ويقرأ أفكارهم واحدةً تلو الأخرى، يقنعهم أنه في صف الجميع، وأنه جاء لينافس منافسة عادلة وودية... بينما في الحقيقة،
لم يأتِ سوى لشيء أعمق بكثير.
رفع المعلق صوته بحماسة:
هذا هو المتنافس الأول... كاكوزان رو! الحارس الأول للملك إمبراطورية كو!
عُرف بابتسامته الهادئة وولائه الظاهري،
وكأن قلبه أبيض كالياسمين... لكن، من يدري ما الذي يختبئ خلف تلك الابتسامة الحمراء؟!
في تلك اللحظة، كانت لوسيا تحدق فيه بشدة،
عيناها تتسعان تدريجيا، وجهها شاحب،
وصدرها يعلو ويهبط بسرعة. تقدمت فجأة نحو أكيتو، انحنت عليه، وهمست في أذنه بشيء قصير، لم يسمعه أحد. ما إن سمع أكيتو همستها،
حتى اتسعت عيناه بذهول، كأن صاعقة ضربت عقله.
وقف بسرعة من مقعده، وراح يحدق في كاكوزان رو،
ثم تقدّم خطوتين، وكأنه يريد رؤيته عن قرب،
عيناه تتحركان بلا تركيز،
وكأنه يبحث عن دليل يثبت ما سمعه للتو.
أما كاكوزان ، فقد التفت بنظراته الهادئة نحو أكيتو
ولوسيا، حدّق فيهما لحظة، بدا وكأنه لا يعرفهما إطلاقًا،
رفع حاجبه قليلًا بحيرة طفيفة،
ثم أعاد ابتسامته الهادئة، تلك الابتسامة الخادعة التي تخدع الجميع وكأنه لا يرى شيئًا خارج دوره في هذه المنافسة.
عادت لوسيا لتجلس، ورفعت عينيها إليه، هذه المرة لم تكن نظرتها جامدة،
بل صارت نظرة غاضبة، حادة، مليئة بوعدٍ بالانتقام. شفتاها انغلقتا في خط مستقيم، وجسدها متشنج،
وكأن كل ذرة في دمها تصرخ.
-سأقتلك بيدي، مهما طال الزمن.
شعر الجمهور بشيء غامض في الأجواء،
لكنهم لم يدركوا السبب الحقيقي،
بينما المعلق يواصل بحماسه المعتاد:
والآن! استعدوا لاستقبال
بقية المتنافسين! كل واحد منهم يحمل سرًّا وقوةً مختلفة، من سيثبت نفسه،
ومن سينهار أمام العيون؟!
ظلت أعين الجميع شاخصة نحو الباب، في انتظار المتنافسين القادمين،
بينما ظل كاكوزان رو في الحلبة، واقفًا بثبات،
يزرع ابتساماته المزيفة بين الحضور،
غافلًا ـ على ما يبدو ـ عمّا يتصاعد في قلب لوسيا
من نار لا تنطفئ. المعلق، بعد أن ثبت عصاه الخشبية
على الأرض بخفة، أعلن بصوته المهيب،
والشرر يلمع في عينيه:
والآن... استعدوا أيها السادة والسيدات،
فالمتنافسون القادمين قادمون من ممالكهم البعيدة،
يأتون حاملين شرفهم وأسلحتهم وقلوبهم المشحونة بالعزيمة! من سيكون البطل؟!
ثم فتح الباب مرة أخرى، دخل شاب قصير نسبيا، قوي البنية، شعره رمادي خفيف وعيناه سوداوان،
كان يحمل رمحًا طويلًا يلمع تحت الأضواء.
بدا جادًا تمامًا، لا يبتسم،
ولا يلتفت للجمهور. خطواته هادئة،
لكن كل من يراه يشعر بثقلٍ في صدره،
وكأن قوته تتسرب في الهواء
من حوله. المعلق بحماسة: المتنافس الثاني،
الجندي من كو، الذي يشاع أنه هزم عشرة جنود وحده في معركة حدودية!
إنه جاو !
وبعده بخطوات دخلت امرأة، شعرها الأسود قصير جدًا، عيناها رماديتان،
ترتدي درعًا معدنيًّا مزخرفًا بزخارف أرجوانية.
كانت تمشي بثقة، ظهرها مستقيم،
رأسها مرفوع، نظراتها باردة كالثلج.
المعلق: المتنافسة الثالثة، حارسة من حراس
الملك رايزا، تيسا!
دخل جميع متنافسين كو،
والآن سايران، تقدّم شاب طويل،
شعره الأزرق الداكن مربوط
للخلف، يحمل سيفًا عريض النصل يلمع بقوة.
نظراته هادئة لكن عميقة، كأنه في سبات لا ينكسر.
المعلق: المتنافس الرابع، حامل السيف الأزرق،
سيد المبارزين في سايران... هيروغامي!
خرج بعده رجل ضخم، جسده مليء بالندوب،
شعره أبيض كثلوج الشتاء، وعيناه صفراوان كعيني وحش. يبتسم بابتسامة عريضة، مليئة بالجنون،
وهو يشق طريقه للحلبة بخطوات ثقيلة.
المعلق: المتنافس الخامس، الوحش الأبيض،
الذي يُقال إنه لا يعرف الألم... راڤيل!
وبعده تقدمت فتاة صغيرة، تبدو في السادسة عشرة، شعرها الوردي القصير يغطي جانبًا من وجهها،
عيناها بنفسجيتان، تحمل خنجرين صغيرين،
حركاتها خفيفة كنسمة فجر.
المعلق: المتنافسة السادسة، أخطر قاتلة صامتة في سايران، ليا!
أكمل المعلق: والآن مع فرسان هذه الإمبراطورية الرائعة التي نظمت هذه المنافسات...روهيم!
بدأ الجميع بالتصفيق والصراخ،
تقدم من خلف البوابة، شاب في الثلاثينات،
ذو شعر رمادي وازرق، وعين زرقاء جادة،
المعلق: المتنافس السابع، أمير هذه الإمبراطورية..يوجي دي سايلا!
علت الهتافات والأصوات عند سماع اسمه،
بدا يوجي أنه فرح بردات الفعل التي أتت له،
لكنه تغير عندما سمع هتافات جمهور ساي، دخل ذو شعر بني وأسود، بعينين خضراء تبعث الفرح
و والسرور، رافعا يديه الاثنتين،
وهو يقول: ما لي لا أسمع الهتافات؟
وقبل أن يتكلم المعلق،
ردد جميع الجمهور: ساي! ساي!
ضحك المعلق وقال: يبدو أنه ليس علي أن اذكر اسمه، فهو مشهور في كل أنحاء هذه البلاد،
المتنافس الثامن.. ساي!
نظر يوجي إلى ساي نظرة هزيمة،
ثم التفت ساي إليه وهو يضحك ضحكة انتصار،
أراد يوجي أن يضربه لكن لوسيا أوقفته،
بعد أن أكمل وأخيرًا، تقدمت لوسيا، بخطوات هادئة، شعرها الأبيض الطويل ينساب خلفها كخيط ضوء في عتمة القاعة.
عيناها باردتان، لكن خلف برودهما بركان مشتعل. وقفت بثبات، ورفعت رأسها بثقة،
كأنها تقول للعالم كله
-أنا هنا... ولن أرحم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!