الفصل 22 | من 32 فصل

الفصل الثامن و العشرون: عندما كانت أمي طفلة

المشاهدات
8
كلمة
652
وقت القراءة
4 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18



فتحت لوسيا عينيها ببطء…

الضوء الخافت يتسلل من النوافذ العالية، والجدران القديمة تحمل آثار الزمن. أمامها صفوف من الأسرّة الصغيرة، وأصوات ضحكات تتردد في المكان…

إنه مأوى للأيتام.

رمشت بعينيها في ارتباك، كأنها انتقلت إلى عالم آخر، ورأت مجموعة من الأطفال يلعبون معًا في منتصف القاعة. وسط تلك الضحكات والحركة،

لفت نظرها وجه طفلة صغيرة تجلس على الأرض ممسكة بدمية. توقفت لوسيا عندها،

شعرت بقلبها يضطرب، الكلمات خرجت منها

همسًا دون أن تشعر:

-مَن… هذه؟

اقتربت منها محاولة لمسها، كانت خطواتها بطيئة

وهي تتقدّم أكثر نحو الفتاة الغامضة، وكأن قوة خفية تدفعها للاتجاه إليها. مدت يدها بخوفٍ وتردد، أصابعها ترتجف من القلق، حتى كادت تلمس رأس الفتاة.

لكن فجأة—!



اخترقت يدها الرأس بسهولة، كأنها تخترق ضبابًا بلا شكل. اتسعت عيناها بدهشة، وسحبت يدها بسرعة وهي تتراجع إلى الخلف، أنفاسها تتسارع.

رفعت بصرها إلى الفتاة مرة أخرى، ثم عادت لتنظر

إلى نفسها… لتكتشف الحقيقة الصادمة. جسدها كان شبه شفاف، كالزجاج الذي يمرّ الضوء من خلاله.

قلبها خفق بعنف، حاولت الصراخ لكن لا أحد التفت

إليها.مدت يدها لتجذب أي شيء حولها، لكن

يدها مرت من خلال الكرسي القريب دون أن تترك

أي أثر. حينها فهمت الحقيقة القاسية:

لم يكن أحد يراها.



نادت إحدى الأنـسَـات الطفلة بصوت دافئ: "روجينا!"

ابتسمت الطفلة الصغيرة فور سماع اسمها، ووقفت بسرعة وهي تمسك دميتها بإحكام.

وقفت لوسيا في مكانها، عيناها تتسعان بدهشة،

وقلبها يدق بعنف. شيئًا فشيئًا بدأت الحقيقة تتكشف أمامها… الطفلة الصغيرة التي كانت تحاول لمسها،

لم تكن مجرد طفلة عادية. كانت والدتها عندما كانت صغيرة.



كان احساسها يقول لها. راقبت لوسيا بصمت

كيف اقتربت روجينا من الأنـسَة. فتحت الأنـسَة

ذراعيها، واستقبلت الطفلة بابتسامة دافئة، ثم جاء

معها رجل وامرأة يقفان إلى جانبيها.

قالت الأنـسَة بصوت هادئ، مليء بالحنان:

"هذان سيكونان والداك، روجينا."



ابتسمت روجينا بعفوية، وقالت بصوت طفولي:

"والداي؟ هذا رائع!"

ثم أمسكت بيديهما الكبيرتين، وتوجهت معهما نحو المكان الجديد، بينما لوسيا تتبعها بخطوات هادئة،

قلبها يفيض بمزيج من الفضول والدهشة.

قالت روجينا وهي تلوح بالدمية الصغيرة:

"أنا اسمي روجينا، وهذه لعبتي الصغيرة شهرزاد."

ثم قالت: "أمم… أبإمكان شهرزاد القدوم أيضًا؟"

ابتسمت والدتها الجديدة، ومسحت على رأسها بلطف:

"نعم، بكل سرور!" مع ذلك، لوسيا تتابع روجينا،

وهي تشاهد الطفلة وهي تتوجه

إلى بيتها الجديد.



هناك، استقبلها بحفاوة: أخوها الأكبر وأختها الكبرى، وأخذوا يلعبون جميعًا معًا، يضحكون، يركضون،

وهي تشعر بالدفء العائلي لأول مرة.



ولوسيا بقيت تتابع بخطوات صامتة، كأنها ظل خفي يسير وراء طفولتها.

رأت روجينا تكبر عامًا بعد عام…

صارت تركض في أزقة القرية، شعرها يتطاير

مع الريح، وضحكتها تملأ المكان.

كبرت الطفلة وأصبحت فتاة يافعة، تحب مساعدة الآخرين. كانت تمضي وقتها في المأوى القديم تلعب

مع الأطفال الأصغر منها، وتقص عليهم الحكايات

وهي تحمل شهرزاد – لعبتها القديمة التي لم

تتخلَ عنها.مع مرور الوقت، كوّنت روجينا

صداقات كثيرة؛صديقة مرحة تدعى إيلينا، تحب الغناء وترافقها دائمًا.شاب من أبناء القرية اسمه مارك. يساعدها في إحضار الماء.

وجارتها سارة، التي كانت تشاركها الأسرار

والضحكات.حياتها كانت تبدو عادية، مليئة بالبساطة والدفء.



لكن في أعماقها، كان هناك شعور دائم بالبحث…

بحث عن شيء أكبر من القرية، عن مغزى مختلف لحياتها.ذات يوم، بدأت تتغير ملامح الأحداث…

ازدادت مسؤولياتها مع أسرتها، وأصبحت

أكثر نضجًا وهدوءًا. كانت تساعد والدتها في شؤون البيت، وترافق والدها في الأسواق، تراقب الناس

بعينيها الفضوليتين.لكن ما لم تكن تعرفه روجينا

هو أن قدرها كان يقترب منها بخطوات بطيئة.

ذلك القدر الذي سيتجسد في شخص واحد… جوهان،

الذي سيقلب حياتها كلها رأسًا على عقب.



في أحد الأيام، خرجت روجينا مع مارك لتحضر الماء

من البحيرة العميقة داخل الغابة.

كانت تحمل الدلو الخشبي بين يديها، والهواء البارد يلامس وجهها. أوراق الأشجار تتراقص فوقها،

وصوت المياه يتلألأ في الأفق.

وبينما كانت تقترب من حافة البحيرة،

توقفت فجأة… رأت على الجانب الآخر شابًا واقفًا بصعوبة، جسده مثقل بالجروح، وثيابه ممزقة وملطخة بالدماء.



اتسعت عينا روجينا، رفعت صوتها بخوف وقلق:

"هل… أنت بخير؟"

رفع الشاب رأسه ببطء، وعيناه كانتا مرهقتين لكنهما ثابتتان. لم يجب مباشرة، بل اكتفى بالنظر إليها،

كأنما كان يتوقع أن يراه أحد في ذلك المكان.

تقدمت روجينا خطوة صغيرة نحو ضفة الماء،

قلبها يدق بعنف، تنظر الى عينه، التي بدت غريبة،

واحدة سوداء، والثانية بيضاء، بينما يدها ما زالت

تتمسك بالدلو.

لم تكن تعرف من هو، ولا من أين أتى،

لكنها شعرت أن تلك اللحظة ستكون بداية شيء لا يُنسى.


ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...