عادت رفل الى الشقة و الافكار تعصف برأسها، فهل طلب حمزة لقائها هو اختبار ما من لله، لأنها كانت تخون زوجها بتخيل حمزة هو من تقضي الليالي معه؟
لكن ماذا يريد؟ ما هذا الشيء المهم تلك الاهمية الضرورية التي تجعله تواقاً لحد الهذيان لرويتها؟
كلها تساؤلات غداً ستجاب عليها. كانت سعاد كعادتها تنتظر وقت عودتها من الجامعة حتى تتناولان الغداء لكن رفل رفضت تناوله لان شهيتها مسدود و احشائها تكاد تتمزق من شدة القلق و التفكير لذلك فكرة ادخال الطعام في جوفها جعلتها ترفض بعناد اصرار سعاد ان تتناول الطعام.
دخلت حجرتها و القت نفسها بثيابها على السرير، امسكت الوسادة و دفنت وجهها داخلها ثم أجهشت بالبكاء و قد تصاعدت حرارة من جوفها جعلتها محمومة طيلة اليوم، دقت سعاد الباب عدة مرات بعد ان قلقت على الفتاة.
دخلت و هي تقول بقلق :
- أصبحت الساعة الثامنة... هم.. هيا انهضي و كفاكِ كسل، لقد احظرت لكٍ شطيرة و كوب شاي.
وضعتهم على المنضدة و هزت رفل و هي تكمل :
- هيا أستيقظي يا كسولة، لما كل هذا النوم، غداً لديك دوام فيجب ان تحفظي بعض الساعات تناميهم أخر الليل، ام ستذهبين للجامعة و انت الليل كله لم تنامي.
لكن عندما لمست يدها و تحسست الحرارة تضاعف قلقها:
- رفل بنيتي، أنهضي هل تعانين من حمى، هل يؤلمك شيء؟،، يبدو انك تعانين من نزلة برد.
هزت رفل التي فتحت عينياه بتثاقل و راسها يكاد ان ينشطر من شدة الالم و جمجمت لسعاد القلقة:
- دعيني انام ، اشعر بنعاس قاتل و رأسي يؤلمني.
- كفاك نوم، ستزداد حمتك (اخذت تعدل وضعيتها الى الجلوس) عليك تناول الطعام ثم تناول الدواء. اتمنى ان أجد دواء في الخزانة. تفضلي الشطيرة،، هيا لا تجبريني ان اقحمها في فمك، أحسنتِ، امضغيها جيداً بينما اذهب للبحث عن الدواء.
شعرت رفل بعد ان اتمت اكل الشطيرة انها تحسنت و ربما حمتها كانت لأنها جائعة فهي لم تأكل شيء منذ طعام عشاء اليوم السابق و زاد قلقها من تهيج اعصاب معدتها فكما يقولون انها الدماغ الثاني تتأثر الاعصاب فيها بتهيج المشاعر.
عادت سعاد تحمل كأس ماء مع شريط اقراص لنزلة البرد و مسكن الالم. لم تعترض رفل على اخذهم بل تناولتهم بامتنان لان شعور الم داخل رأسها يكاد يفتك بها.
عندما شعرت سعاد ان رفل تحسنت بعد ساعة نهضت تسخن طعام العشاء الذي لا زال في وعائه و كالأم الحنون اخذت تفتر فوق رأس رفل كالنحلة الطنانة ارغمتها ان تملئ بطنها فوق الشبع ثم حرصت ان تعد لها شاي الزهور. و اخيراً كلت عن حركتها الدؤوبة بعد ان أطمئنت على حالة رفل، ذهبت بعدها ترقد في فراشها مخلفة فتاة حائرة مهزوزة الارادة ، اوصلها اضطرابها للهذيان.
غفت اخر ساعات الليل و استيقظت منهكة يخبرها عقلها انه لم يأخذ كفايته من الراحة و النوم. لكن كان على اليوم ان يبتدئ حتى ينقضي. انها لا تستطيع أيقاف حركة تيار الزمن كان لا بد كالقدر تماماً ان تقابل هذا اليوم حمزة ليحدث بعدها سلسلة من الاحداث الكارثية.
مضى الوقت أسرع مما توقعت لأنها تدرك في صميمها انها لا ترغب في هذا اللقاء، رغم عدم الرغبة التي استوطنت كيانها لكنها تدرك انه لقاء ضروري لا مناص منه.
أهمل يوسف هذه المرة تفاصيل مهمة حتماً كانت مهمة. فلو انه رتب لسائق خاص بها فما كانت لتجرؤ ان تخرج من حرم الجامعة بسلاسة دون خوف من رقيب او حسيب. لو انه وضع حراس على شقته لعلم ان زوجته تأخرت ساعتان عن موعد قدومها. هذه التفاصيل كانت لتمنع ذهابها و تخاطر بوقوع غضبه على رأسها. لكن القدر كان حليفة رغم اهماله .
فعندما توجهت رفل لمنزل حمويها السابقين تأخرت نصف ساعة في كلام فارغ نصفه عتاب و نصفه الاخر اعتذار. تملصت رفل اخيراً بقولها انها ستتأخر ان لم تغادر الان.
ذهب اسعد مع امه و رفل للمركز حيث لم تحسم الى الان قضية حمزة المظلوم. فرغم ان عائلته قد اوكلت محامي له لكن لا يستطيع القانون ان يواجه القانون، فقانون الشر و المكر امام قانون الحق يستنزف الكثير من الوقت. كان ها لصالح يوسف الذي قرر ان يفرج عن حمزة بعد قضائه لستة اشهر في الحبس.
كان حمزة؛ الذي قضى اربعة اشهر في الحبس مع العذاب العقلي الذي ينهكه؛ شخصاً مختلفاً عن حمزة السابق. كانت المرارة طاغية على محياه، عيناه مكدودتان الفتا الدمع. بينما جسده اصابه الهزل كما اصاب النحول وجهه و لحيته النامية كانت مشعثه جعلته كالمتسولين تماماً.
لم يعر بالاً لتحية امه و اخيه كان نظره على يمامته التي ايقن اشد اليقين انه كسرها و لا مجال لإصلاح ما كسرت يداه.
اشار لامه و أسعد بان يخرجا بأي حجة ممكنة و يتركانه معها. ما ان خرج الاثنين حتى وثب وثبتين و احتضن كفي رفل يقبلهما بحرارة و الدموع تفيض من عينيه وهو يدمدم بصوت مسموع انه اسف.
ثم أحتضنها بقوة يعصرها على صدره فلم تستطع ان تحرك عضلة من جذعها الاعلى، لكن الحق يقال انها لم تحاول ان تتحرك او ان تدفعه، كانت باحتياج هذا الحظن و هذا اللمسات التي تتخل شعرها من تحت الحجاب، تحتاج الى هذه الهمسات التي تطرب قلبها، تحتاج الى تلك الانفاس التي تشلها.
كم كان الفرق كبير و شاسع بين زوج حنون عطوف و زوج قاسي عنيف. فهذا الزوج تذوب بين احضانه بينما ذاك تتجمد عند اول لمسه على بشرتها. من بين تلك الغشاوة التي ضببت على افكارها برز نور الواقع، انها متزوجة لشخص اخر الان. انتزعت نفسها انتزاعاً من بين يدي حمزة و نظرت له بحزم مع حزن لا يخفى يشوبه عتاب كثير.
- انت الان محرم علي، لقد جئتك بناء على ترجيات أختك. فقل ما تريده حتى اعود لمنزلي.
حاول حمزة ان يقترب منها لكنها سددت له ضربه نارية اوقفته عن الحراك حتى اسبل يديه الى جانبه.
- انا أسف رفل، أغفر لي خطئي، ارجعي تحت عصمتي، لقد أخطئت لقد جننت لكن الان ادرك حماقتي، حتى لو بقيت طول العمر هنا لن افرط بكِ مرة اخرى.
- ما اسهل الكلام، من يفرط مرة سيفعلها عشرة.. هل هذا ما اردت قوله؟ ان تتكرم علي و تعيدني تحت جناحك لأكون زوجتك، تريد ان ترجعني الان بعد كل ما واجهت من ذل و همس و لمز من الاقارب، بعد كل ما وصل لمسامعي من كلام كان متعمد ان اسمعه،، ماذا تظن يا حمزة انهم سيقولون عن فتاة مطلقة و زوجها في السجن. لو أعطيتني مال الدنيا كله ما رجعت لك. انت خائن لم تستطع ان تحافظ زواجنا. انت دمرتني دمرتني.
بكاء حمزة اوقف استرسال كلامها، ها قد نضب كل العتاب التي اردت ان تقوله لكن الكلمات التصقت في حلقها تأبى الخروج.
قال حمزة ببؤس عظيم:
- أجبرت يا رفل، لم أطلقكِ لأني رغبت الطلاق،، لقد أجبرت أجبرت.
دار عقل رفل و كادت تهوي من شدة حيرتها، صاحت به:
- أجبرت على ماذا، لماذا... هل تريد ان تبرر فعلتك بكلام سخيف.
- لا يا حبي، أقسم لكِ بالله اني لا اتعذر بشيء، كيف اقول الحقيقة لكِ دون ان أهشم رجولتي أمامك، لأربعة أشهر كنت اشعر اني ادنى من الصرصار و اني أحقر الحيوانات أني أتعذب اشد العذاب، نفسيتي تحطمت أصبحت جسد خاوي يا رفل.. ماذا عساي أقول؟.... يا رفل لم أطلقك باردتي لقد أجبرت صدقيني.
ما هذا الهراء الذي يتحدث به حمزة؟ لم تستوعب شيء رفل من حديثه سوى انه يلغو بكلامه دون فائدة.
- أفهمني يا حمزة، من أجبرك عقلك ام الشيطان؟
- انه الشيطان نعم انه الشيطان، من عساه يفصل بين زوجين قسراً و يدخل بينهما ليكون ثالث.
- لقد جننت يا حمزة، لقد جننت و اني لا افهم منك شيء... لقد وترتني قل ما في جعبتك يرحمك لله.
أمسك حمزة ذراعيها بقوة حتى ثبت حركتها و نظرت له بسخط و عينها تبرق بدموع محبوسة. قال يبث جنونه أكثر:
- انه الشيطان، لقد أجبرني ان اوقع ورقة الطلاق و أجبرني ان اطلقك شفهيا، لقد حبسني هنا ظلماً لكي يجعلني ارضخ تحت تهديده حتى اطلقك، لقد وجه المسدس لرأسي، لقد أجبرت هل تفهمين؟
صاحت به و قد تعجبت من هذا الجنون الذي نزل به ام انها الحقيقة؟:
- من هذا الشيطان، ماذا يريد مني لكي يفصلنا عن بعض.
- يريد ان يتزوجك، انه يريدك.
شهقت رفل بجزع كأن الموت في أعقابها، جحضت عيونها حتى اصبحت مرعبة ثم لكي تسد فمها عن صرخة قادمة رفعت يداها لفمها تخرسه فكان ان لمح حمزة خاتم ذهبي لم يجب ان ترتديه.
زمجر حمزة بشراسة :
- تزوجك الشيطان، اليس كذلك تزوجك؟ تكلمي هل هذا خاتم زواجكم.
هزت رأسها بعنف لا لتنفي بل لتهز الافكار حتى تسقط منها، قالت تكتبت خوفها و ضعفها:
- أتركني.. اتركني، دع يدي... ان لا سلطة لك علي يا حمزة، لقد طلقتني انتهى كل شيء يجمعنا لقد طلقتني. أتفهم.. انت السبب.
خارت كل قوى حمزة فوق ارضاً جاثياً مهزوم منهك، كبيت منهك يوشك سقفه على الانهيار كوطن انهكه الاحتلال. اما رفل فهربت كالمجنونة هربت لم تنتظر والدة حمزة او أسعد بل تركتهم واقفين مشدوهين ينظرون لاثرها و هي تخرج مسرعة.
هنا لعب القدر لعبته، لم تكن مصادفة مما لا شك بها، انه قدر متعمد ان شاء ان يكون أكرم متواجد في هذه الدقيقة ليراها و هي تخرج من الغرفة مسرعة ليجد حمزة الذي أثقل كاهله بالذنب جاثياً على الارض كالمهزوم في الحرب.
هل كان ذكاء منه ان تنقف فكره في راسه كما ينقف الفرخ قشرة البيضة؟ لذلك ذهب ليقرأ أسماء الزوار في السجل الذي يجب ان يدون كل زائر اسمه عليه. بالفعل كانت رفل الزوجة السابقة لحمزة و الحالية ليوسف هي من خرجت مسرعة من الغرفة.
هل كان ليمر هذا الخبر على يوسف دون ان يعلم؟؟؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!