رواية أنا من قتلهم الجزء الثاني عشر 12 بقلم آية عيسى أنا من قتلهمرواية أنا من قتلهم الحلقة الثانية عشر آسر وقف في مكانه متسمر، الصورة كانت بتترعش في إيده وكأنها قطعة حديد سخنة.. عينه اتعلقت في ملامح ياسين الواضحة في الصورة، نظراته لنور….. الصدمة كانت أقوى من إن عقله يستوعبها!
ببطء شديد، رجله خانته ومقدرتش تشيله، وقع على ركبه في قلب القبو، وسط ريحة الموت والقرف اللي مالي المكان.. دموعه بدأت تنزل، لأول مرة في حياته، آسر اللي مبيعرفش الخوف ولا الضعف، بيبكي! بكى من غير صوت، دموع حارة نزلت تحرق خده وهو باصص للأرض بذهول ، وبصوت مبحوح، ضعيف، طالع من أعماق روحه المطعونة قال بنبرة تدمع العين: —ياسين؟! إزاي… ده.. ده صاحبي، وعشرة عمري وأخويا من أيام الكلية!
لا لا لا أكيد فيه حاجة غلط.. إزاي يعمل كدا؟ طب.. طب لحظة، لو هو اللي عمل كدا —مع إن ده مش مقنع خالص لعقلي —إزاي يقتـ.ـل مراته ونور عينه؟! إزاي؟ وإيه علاقته بمريم والناس دي كلها؟ للدرجة دي أنت مريض ومخبي ورا وشك الهادي ده شياطين؟! طب.. طب أنت عملت كدا ليه؟ استفدت إيه من حرق قلوبنا كلنا كدا؟!
من الصدمة وهول الموقف، قام وقف على رجله وهو مش متزن، فضل يهز راسه يمين وشمال بجنون، والعساكر واقفين ورا مبرقين ومش فاهمين حاجة من اللي بيحصل.. وفجأة، محسش بنفسه إلا وهو بينفجر زي البركان، وبدأ يكسر في كل حاجة قدامه بهيستيريا وغل، يقلب الترابيزات، ويحدف البرطمانات في الحيطة يفرتكها، والعساكر رجعوا لورا برعب وصدمة ومش عارفين هو بيعمل كدا ليه! غضب آسر وعروق رقبته برزت، وعينه بقت حمرا زي الدم، وصرخ بأعلى
صوته والصدى رن في القبو: —موتك على إيدي!! موتك على إيدي يا ياسين!! إزاي كنت بتغفلني؟ إزاي كنت بتبص في عيني وبتبكى وتقول صاحبي وأخويا؟! إزاي كنت ماسك القضية بقالك خمس شهور وبتقول دماغك هتنفجر من التفكير، وأنت اللي سايق الليلة كلها؟! إزاي طلعت مريض ومختل بالبشاعة دي؟ معقول.. معقول أكبر مجر.م أنا بدور عليه يكون قدام عيني ليل نهار؟ اللي انا بحضنه و بهون عليه عيشته يطلع هو؟! لا لا لا.. أنا مش مصدق، عقلي هيطير!
وبعدين إزاي نفذت كل القرف ده وأنت كنت قاعد قدامي في المكتب؟ كنت بتخرج إمتى ومن ورايا إزاي؟! الصدمة كانت أكبر بكتير من استيعابه وقدرة تحمله.. بص للصورة تاني بتركيز، وفجأة لمعت في دماغه فكرة، ونزل إيده وقال بنبرة فيها شك: —لأ.. أكيد.. أكيد مش هو اللي حط الصورة دي هنا بالسهولة دي عشان يكشف نفسه! أكيد حد غدر بيه ووقع الخيط ده في إيدي.. وعاصم! هو عاصم الكلـ.ـب! التفت آسر للعساكر وصرخ فيهم بصوت هز جدران المكان: —بسرعة!!
اقفلوا كل المداخل والمخارج بتاعت البلد يالااااا! بلغوا الكمائن وكل الجهات، عاصم هيحاول يهرب ويهاجر بطريقة غير شرعية برا مصر.. عايزه يجي قدامي حي، فاهمييييين؟! رجع بص لصورة ياسين اللي في إيده، وبكى تاني، بس المرة دي الدموع كانت دموع غضب وغل رهيب وعين بتتطاير منها الشرر.. شال عينه ببطء ونظر لصور الضحايا المتعلقة على اللوحة الكبيرة، ولفت نظره آخر صورة.. صورة كريم! عين آسر برقت فجأة والصدمة اتجددت في عروقه،
وقال بصوت مرعوب: —كريم!! ياسين قال إنه رايح المستشفى بنفسه عشان يطمن عليه ويحميه من الاغتـ.ـيال.. لأ! ده راح هناك عشان يخلص عليه بنفسه ويدفن السر قبل ما ينطق بكلمة! والله ما هسيبك يا ياسين.. والله ما هسيبك! لف وشاور للعساكر بصرامة وعصبية: —شيلوا جـ.ـثة أسامة فوراً، وسيطروا على المكان بالكامل واقفلوا القبو ده.. أنا ماشي حالا! …………………………………………… على الناحية الأخرى.. مراد خرج من المديرية، وقف في نص الشارع وسقف
بإيده وقال بضحكة خبيثة: —ااااه.. فلت منه وشككته إني هعمل حاجة.. هيهيهي! ميعرفش الأهبل إني رايح أجيب له مرطب وزبدة كاكاو تاني بدل اللي اتسرقت.. يالا، على الله بس يطمر فيه! بس بصراحة.. ده أخويا وحبيبي وعايز القـ.ـتل! وقف في مكانة فجأة وبرق ولطم على صدره وقال: —لحظة بس.. أنا إزاي هدخل الصيدلية أطلب البتاع ده؟ يا حوستك السودا يا مراد يا ابن أم مراد!
ده أنت كنت لسه بتتريق عليه وبتتنمر على طوله وعرضه و انه شحط قد الباب ودخل يطلب زبدة كاكاو! لأ لأ لأ.. وعلى إيه الفضايح دي؟ أنا هخلي البت أختي هي اللي تجيبهالي بالحب، وأديهاله بكرة في مكتبه وأنا حاطط رجل على رجل. ولسه بيلف ضهره وهيتحرك عشان يرجع المديرية تاني، كان عمال بيحسبن على كل الأشكال اللي عرفها في حياته .. وفي وسط ما هو شغال حسبنة، تليفونه رن في جيبه بصوت عالي. نفخ مراد بضيق ولوى بوزه وقال: —ااااه.. كملت!
مصيبة جديدة وأكيد جاية على دماغي أنا! طلع التليفون وبص في الشاشة، أول ما لقى اسم “آسر باشا” اتنفض في مكانة، عدل وقفته بسرعة وحط التليفون على ودنه وقال بجدية مصطنعة: —تمام يا فندم! سليم قدامي في المكتب ومتحفظ عليه وزي الفل، دا أنا أكلته علقة سخنة غسيل ومكواة هرى جـ.ـثته، تحب أشويه لك كمان ولا إيه؟ .. بس لحظة يا باشا بجد، الواد غلبان و…
قاطعه آسر بنبرة صوت عصبية جداً، لدرجة إن مراد استغربها والابتسامة اختفت من على وشه، آسر زعق فيه: —تعالى بسرعة على المستشفى اللي فيها كريم.. اخلص فوراااا! وقبل ما مراد ينطق حرف، آسر قفل الخط في وشه. مراد وقف يبص للتليفون بذهول، وقلب عيونه بملل وقرف من العيشة وقال: —منكم لله كلكم.. واحد واحد! أنا طهقت وربنا وجبت آخري.. هي حصلت تقفلوا في وشي كمان؟! ماشي يا آسر باشا، لما أشوف آخرتها معاكم إيه!
….. البارت طويل اوى يا جماعة بجد … طالبة انكم تركزوا فيه …….. …………… عند ياسين في المستشفى، كان واقف قدام أوضة كريم.. وعيونه ظهرت فيها نظرة شر مرعبة، وابتسم بسخرية وغل وهو بيمتم بصوت واطي: —لازم أقـ.ـتلك عشان أتوهم أكتر.. أنت بريء يا عيني ههه بس لازم أعمل كدا.. وبعد كدا هطلع السطح وأخلص على نفسي وأرتاح! لف عينه ببرود للعسكري اللي واقف جنبه، وكان العسكري ده واحد من رجلته المزروعين، شاور له بعينه وقرب منه
وقاله بنبرة فحيح مكتومة: —اعمل نفسك ممرض، وادخل اقـ.ـتله كمان شوية بحقنة مسممة.. اخلص ها؟ وخلي أخته المتخلفة دي متشكش في أي حاجة.. يلا! أومأ العسكري راسه بطاعة عمياء.. وفضل ياسين واقف في الطرقة حاطط إيده على سلاحه، وبص له وقال بنبرة غامضة وعيونه ضلمت تماماً: —هانت يا نور.. هجيلك كمان شوية…. ولسه بيلف ضهره وهيتحرك ويمشي في اتجاه السطح.. فجأة رن صوت في آخر الطرقة زلزل المستشفى كلها، صوت آسر وهو بيزعق
بكل ما أوتي من قوة وغضب: —ياسيييين!!! اقف عندك!! ياسين في جزء من الثانية رجع لملامحه الطبيعية الباردة، ورسم علامات الضيق والزهق على وشه، ودارى نظرة الشر وقال بكل هدوء ومكر: —خير يا آسر؟ فيه إيه يا صاحبي؟
آسر مكانش بيرد، كان بيتقدم منه ببطء نسبي وعروق وشه بارزة، وأول ما وصل قدامه، رفص كل قواعد الزمالة ولكمه بإيده بقوة وعنف على وشه لدرجة إن ياسين لَف لورا، والعساكر اللي واقفين في الطرقة كلهم استغربوا وانصدموا ومبقوش فاهمين حاجة! على صوت الزعيق والضرب ده، باب الأوضة اتفتح ومريم طلعت برعب، أول ما آسر لمحها زعق فيها بهيستيريا: —ادخلي جوة واقفي الباب عليكي أنتِ وأخوكي!! اخلصيييييي!!
مريم قفلت الباب بسرعة ورعب وهي بتموت من الخوف. في اللحظة دي، كان العسكري الخاين المكلف بقـ.ـتل كريم لسه بيلف عشان ينسحب وينفذ خطته في الأوضة من الباب التاني، بس آسر لقطه بعينه الذكية، وشاور لعسكري من رجالة القوة بتوعه وصاح فيه: —اقبضوا على الكـ.ـلب ده حالا!! ياسين مسح الدم اللي نازل من بقه ببرود، وبص لآسر وقال بنبرة مستفزة: —خير يا صاحبي؟ في إيه لكل ده؟ آسر عيونه احمرت من كتر الغل وصرخ فيه وهو رافع سلاحه في وشه:
—متقولش يا صاحبي!! متقولش يا صاحبي يا مجرم يا مختل!! اتسعت عيون ياسين للحظة واحدة، وبعدين ملامحه اتحولت تماماً، وضحك ضحكة هستيرية شريرة رنت في الطرقة، وعيونه نظراتها اتغيرت وبقت تلمع بجنون مريب.. آسر نظر له برهبة وصدمة من التحول ده، وقال بصوت مرتعش: —د.. ده بجد؟! يعني.. يعني هو أنت فعلاً؟! هز ياسين رأسه بابتسامة واستسلام كامل وقال: —تمام.. تمام أوي! كنت قلقان من كدا، إنك تكشفني في الآخر.. سبحان الله!
آسر وجه سلاحه على دماغ ياسين بالظبط وثبت إيده وقال بعين بتدمع: —سلم نفسك بدل ما أقـ.ـتلك هنا وأخلص من قرفك! ياسين قلب عيونه بملل وسخرية وقال: —وأنا كدا كدا ميت.. أوعى تكون فاكر إني خايف أموت على إيدك؟ لأ.. أنا بس خايف من حاجة واحدة، إني منفذش اللي في دماغي! قال آسر بغضب وهو بيضغط على الزناد: —وإيه بقى اللي في دماغك يا مريض؟! تغيرت عيون ياسين تاني للنظرة المريضة وقال بضحكة باردة:
—إني أبقى.. أبقى.. ههه.. الضحية الـ ٢٥! هو أنا مقولتلكش؟ مش أنا هتمم اللعبة دي وأموت نفسي؟ موتي هيبقى على إيدي مش على إيد حد تاني.. بس كنت مستني لحد ما كريم يموت الأول، بس شكله كدا مش هيعملها والطلقة ماجتش في مقتـ.ـل.. هه، اللعبة بتنتهي بس للأسف مش زي ما خططت بالمللي!
آسر مكانش مصدق من هول المفاجأة وبشاعة المرض اللي في دماغ صاحبه.. ولسه ياسين بيتحرك بسرعة وبيسحب سلاحه عشان يخلص على نفسه ويضرب رصاصة في دماغه، آسر اتقدم بسرعة رهيبة وسيطر عليه، مسك إيده وضغط عليها بكل قوته وأخد السلاح منه بالعافية ورماه على الأرض وصاح فيه: —ده بعينك!! دا أنا هنفخك.. هموتك بإيدي بس في السجن، سامع؟! ياسين لوى بوزه ببرود وقال: —تؤ تؤ تؤ.. أزعل منك، أنا اللي اموت نفسي!
وفي وسط ما آسر موجه سلاحه ليه وعيونه بتدمع من كتر الغدر والكسرة والصدمة في عشرة عمره.. جه مراد بيجري وينهج وبيلقط نفسه بالعافية وقال: —خير يا آسر باشا؟ منك لله رجليا سابت من كتر الجري وراكم.. بس مراد اتسمر في مكانه والكلمة وقفت في زوره لما رأى آسر موجه السلاح في وش ياسين بالظبط، برق وقال بذهول: —خير يا باشا؟! في إيه؟! قال آسر وهو لسه مثبت نظراته وسلاحه على ياسين: —اقبض عليه وكلبشه!! مراد انصدم
و فتح بقه من الذهول وقال: —إيه؟! آسر زعق بصوت هز المستشفى: —سمعت قولت إيه؟! دا أمر يا حضرة الظابط.. اخلص فوراااا!! مراد نفخ بقلة حيلة وقال: —أوووف.. حاضر! ياسين لسه باصص لآسر بابتسامة سمجة ومستفزة وقال لمراد: —نفذ أمر رئيسك يا مراد.. اخلص متضيعش وقت. مراد قرب وهو بيطلع الكلبشات ولوى بوزه وقال: —يكون أحسن برضه.. الحمد لله إنها جات منكم وخلصنا من القرف ده!
تقدم مراد وبسرعة حط الكلابشات الحديدية في إيد ياسين.. وفي اللحظة دي، آسر من كتر غله مبقاش قادر يستحمل نظراته المستفزة، رفع سلاحه وضربه بقوة على دماغه من ورا.. الضربة كانت شديدة لدرجة إن ياسين فقد الوعي تماماً ووقع على الأرض زي الجثة الهامدة. آسر زعق بصوت عالي للعساكر: —بسرعة!! انقلوا الكلـ.ـب ده على المديرية وتحت حراسة مشددة.. عشان حسابي لسه هيبدأ معاه هناك! مراد بص على ياسين المرمي على الأرض بذهول،
وضرب كف على كف وقال بصدمة: —يا مراري.. الواد فطس في إيدنا! ……….. البارت طويل و لسه الاعترافات جاية و محتاجة تركيز………. نفخ آسر بضيق عارم لما العساكر سحبوا ياسين وهو فاقد الوعي عشان يودوه، وقف في مكانه ثانية، ورفع إيده مسح الدموع اللي على وشه بعنف وقهر وهو بيحاول يستوعب الد.بحة اللي اتد.بحها في صاحبه. مراد بص لآسر بذهول والفضول بياكله وقال: —أنا مش فاهم حاجة خالص.. في إيه يا باشا؟ وإيه اللي بيحصل ده؟! بص له آسر بنظرة
حادة ومليانة إرهاق وقال: —هتفهم كل حاجة في وقتها.. روح أنت دلوقتي على المديرية وأنا جاي وراك فورا، هأمن المستشفى الأول.. اخلص امشي قدامي! نظر إليه مراد ولوى بوزه ووشه اتقلب وقال بقـ.ـرف وتلقائية: —يع! .. عيشة تقصر العمر فعلاً! ولف ضهره ومشى بسرعة وهو بيبرطم. آسر نفخ بعمق عشان يهدي ضربات قلبه، وقرب من الأوضة ونده على مريم من ورا الباب.. مريم فتحت الباب بالراحة وطلعت وعينيها مرعوبة وقالت بتوجس:
—فيه إيه يا حضرة الظابط؟ إيه اللى حصل برة؟ وماله ياسين باشا كان ماله؟! نظر إليها آسر بعمق، ونبرة صوته اتغيرت وبقت هادية وفيها لمحة شفقة حقيقية على حالها وحال أخوها اللي بقوا ضحايا في لعبة مريضة، وقال لها: —خدي بالك من نفسك ومن أخوكي.. فاهمة؟ أنا هأمن المستشفى هنا بالكامل، ومش عايزك تخلي أي دكتور أو ممرض يدخل يديه أي حاجة أو حقنة .. فاهمة كلامي كويس يا مريم؟
أومأت مريم براسها بسرعة وخوف وهي مش مستوعبة كم المؤامرات ده، وآسر لف ضهره وخرج جرى بأقصى سرعة من المستشفى وفي اتجاهه للمديرية عشان يواجه الشياطين اللي مستنياه هناك! ……………. ركزوا في الاعترافات ……….. في المديرية عند أوضة التحقيق… ياسين كان متكلبش على الكرسي ومتكتف كويس أوي، راسه كانت مايلة لورا ولسه مغمى عليه من أثر ضربة آسر. آسر دخل الأوضة، وقف قدامه وبص له بغل وكسرة وعروق إيده بارزة من كتر العصبية.
مراد كان واقف ورا آسر، بيبص لياسين وبيبص لآسر ومش قادر يسكت من كتر الحيرة، فقال بصوت واطي: —طب أنا عاوز أفهم.. في إيه؟ هو ياسين عمل إيه لكل ده؟ لف له آسر ونظر له بحدة وعين حمرا وقال بنبرة تخرس: —هتعرف كل حاجة في وقتها.. روح اقعد مع سليم دلوقتي واخلص، وجيب تقارير الطب الشرعي من ياسمين.. يلا! مراد نفخ بضيق ولوى بوزه كالعادة وقال وهو خارج: —أوف.. أنا هرمي نفسي من فوق السطح وأخلص من قرفكم ده كله.. عيشة تخنق!
قفل مراد الباب وراه، وآسر راح قفله بالمفتاح كويس أوي عشان مفيش مخلوق يدخل عليهم. مشي ببطء، حط سلاحه على جنب على الترابيزة، واتقدم من ياسين.. وقف يبص في ملامح صاحبه وعشرة عمره، ودمعة واحدة سخنة سقطت من عينه رغماً عنه، وقال بصوت مخنوق من الوجع: —مش مصدق.. بتقتل القتيل وتمشي في جنازته؟ أنت عا.ر علينا ! إزاي كنت ممثل بارع كدا؟ إزاي عشت معايا بالوش ده؟ أنا دلوقتي هفهم منك كل حاجة.. كل حاجة يا ياسين!
اتقدم آسر خطوة، ورفع إيده وضربه بالقلم بقوة على وشه عشان يفوقه. فاق ياسين مخضوض، وفضل يكح جامد ويهز راسه، ولما استوعب هو فين وبص حواليه وعينه جت في عين آسر.. اختفت الخضة فجأة، ورجعت نفس الابتسامة السمجة والمستفزة على وشه، وقال بنبرة باردة ومستهزئة: —سبحان الله! كنت بقعد هنا مكانك بالظبط.. أحقق مع الناس عشان أألف وألفق لهم التهم على مزاجي! آسر مفيش ثانية وكان موجه له قلم تاني أقوى من الأولاني صوته رن في الأوضة،
وزعق فيه بغضب أعمى: —اخرس!! اخرس خالص.. أنت دلوقتي هتعترف بكل حاجة بالمللي، وهتفهمني الحكاية دي كلها من أولها لآخرها.. سامع ياض؟! ياسين لسه باصص لآسر، وضحك ضحكته المستفزة وقال بنبرة يائسة بس مليانة تحدي: —طيب.. هحكيلك، كدا كدا أنا ميت….. قعد آسر على الكرسي المواجه ليه، سحب نفس طويل عشان يهدي ضربات قلبه اللي كانت بتسمع في ودانه، وبص لياسين بنظرة جمر وعتاب مخنوق وقال:
—يالا.. احكي لي من الأول خالص، إزاي نفذت جرايمك دي كلها؟ انطق! ياسين للحظة واحدة عينه لمعت بحزن حقيقي غريب، وراسه مالت لورا وهو بيبص للسقف وقال بنبرة مكسورة: —هي.. هي السبب في كل حاجة! ضيق آسر عينه وقال بحدة: —مين؟! رد ياسين بنبرة مريضة، عينه برقت فيها بملامح الهوس والتملك: —نور.. نور دي كانت حب عمري، لكن هي مكانتش شايفاني أصلاً.. حبيتها من ٦ سنين ولسه لحد الآن بحبها ومش قادر أشيلها من دماغي!
كنت لسه ظابط جديد وببدأ ابني نفسي، شوفتها أول مرة في مول كبير.. خطفت عيني من أول نظرة. روحت ليها وعرفت منها إنها مصممة أزياء، أُعجبت بجمالها أوي وبأسلوبها.. وطلبت منها نتعرف وهي وافقت عادي، كانت مفكرة إني عايز أكلمها عشان تصمملي أزياء لشغلي.. كلمتها لمدة سنة، كانت أحلى سنة في عمري كله!
كنت بحضر ليها أي معرض أو أي مناسبة تخصها، أشجعها وأحميها من أي حد بيحاول يقرب منها أو يضايقها، وهي بصراحة استغلت ده لأني ظابط وبخلص لها حاجتها.. في يوم انا اتعرفت على عاصم في معرض من المعارض، كان رجل أعمال كبير وقتها.. بس مكنتش أعرف إنه مجرم كبير وبيغطي على الجرايم بفلوسه.. شوفت عاصم يومها وأنا مع أسامة.. أصل أنت متعرفش، أسامة ده كان صاحبي من الأول خالص ومع بعض على الحلوة والمرة، بس هو غبي وعشان غبي خلصت عليه في الآخر.. المهم، لقيت عاصم ده واقف مع نور وبيتكلموا، اتعصبت أوي واتجننت من فكرة إن فيه راجل غريب بيكلمها أو بييجي جنبها..
جريت عليها وعرفت منها إنه رجل أعمال عادي عايز يتعاقد معاها، يومها اتعرفت عليه وأخدنا الصورة اللي أنت شوفتها في القبو دي، واللي كنت ببص لنور فيها وملامحي مكشوفة. آسر كان قاعد بيسمع وهو مش مصدق كمية المرض والتملك اللي في كلامه، جز على سنانه وقال بنبرة قرف: —وبعدين؟ كمل! ياسين كمل وفجأة ملامحه اتغيرت لمرض أكبر وجنون واضح:
—لما لقيت رجال الأعمال زادوا أوي حواليها والمعجبين كتروا، اتعصبت أوي وولعت نار، وقررت آخد الخطوة وأخلص.. اتقدمت لها رسمي، بصتلي بتوتر وبرود وقالت لي: “أنت زي أخويا يا ياسين”.. مصدقتش نفسي!
قعدت سنة ونص أتحايل عليها وأحاول معاها، وده للأسف كان بيزودها تكبر وعناد، وكل ما أتقدم ليها أترفض، اترفضت كتير أوي.. لحد ما عرفت مين اللي كان بيوزها عليا ويكرهها فيا.. كانوا أصحابها البنات و معظمهم مصممين ازياء زيها، وكانوا ١٦ واحدة بالظبط!
قالوا لها: “ده حتة ظابط ومرتبه مش هيكفيه هوا، اسمعي الكلام واتخطبي لرجل أعمال يناسبك ويناسب مستواكي”.. هنا أنا اتجننت رسمي وشيطاني حضر، حاولت أكلمها كتير كانت بتعملي بلوك من كل حتة، ولو ردت عليا كانت بتهيني كتير أوي وتصغرني.. كسرتني وداست على كرامتي! وبعدها عرفت الصدمة الكبيرة.. إنها اتخطبت لرجل أعمال كبير!
هنا أنا أخدت صدمة عمري، قعدت أبكي كتير أوي بدموع حرقت عيني.. معقولة سنتين ونص من عمري وبكايا وتوسلي يروحوا هدر عشان الفلوس؟!
يومها معرفش إيه اللي اتغير فيا.. بقيت حاسس بغل فظيع وتملك أعمى، ونظرة عيوني اتغيرت ونفسيتي اتقلبت ١٨٠ درجة، وعقلي البوليسي اشتغل في الشر.. استنيت ٦ شهور كاملين عشان أكمل أول ٣ سنين من اصل الـ ٦ سنين بتوع الحكاية.. والـ ٦ شهور دول كنت قاعد فيهم بخطط بالورقة والقلم.. وكنت بحاول أبعدها عن خطيبها بدماغي والعب بيهم عشان الجو يخلو ليا، وفعلاً عرفت، وأي حد كان بيقرب منها كنت ببعده بطريقتي وبحط أي عقبة في النص تخرب الجوازة..
وبدأ انتقامي الشديد بعد ٣ سنين من حبي ليها.. بدأت بأصحابها الـ ١٦ اللي كانوا السبب في إني أبقى شيطان وماشي على الأرض.. صفيتهم واحدة واحدة، بس على مدار سنتين ونص، وكنت بقتل كل واحدة والتانية على فترات متباعدة عشان محدش يشك في الرابط، وكنت بغطي واحدة بواحدة عشان الحكومة تتوه في الأدلة وأخفيها براحتي.. لدرجة إن الـ ٣ محققين اللي مسكوا القضية قبلي قدموا استقالتهم من كتر الضغط والغموض، عشان أنا اللي أمسك القضية في الآخر
وألعب زي ما أنا عايز!
سأله آسر بذهول وقرف حقيقي وهو حاسس إن اللي قدامه ده مش بني آدم: —وإزاي بقى كنت بتخفي الأدلة من ورا المديرية والبحث الجنائي كله؟! ياسين ضحك ضحكة بسيطة أوي ومستفزة وهز راسه: —اتعرفت على دينا دكتورة الطب الشرعي، ومعايا أسامة رئيس فريق البحث الجنائي.. هما دول اللي كانوا بيغطوا عليا!
دينا كانت بتشرح جثث الضحايا وبتقول تقارير مزورة قدام الناس وبكل تمثيل وإتقان، وحتى قدامي في المكتب لما كنا بنقعد مع بعض عشان نحقق، كان الموضوع بيبان حقيقي بالمللي للناس وللإعلام، وأنا وصيتها بكدا.. إننا نبقى رجال قانون شرفاء قدام الناس و في مكان الشغل، بس وقت الجريمة وشنا كله بينكشف والكلابشات بتتفك.. أما بالنسبة لأسامة، فكان بيمسح أي بصمة ورايا ويصفي الأدلة ويورط ناس تانية ويزور التقارير.. وأنا ههه.. وأنا يا عيني كنت بقعد بشخصية الظابط المحنك، ألف حوالين نفسي في المكاتب وأعمل حوارات عشان أمسك وأقبض على نفسي!
وآه.. عاصم كان بيغطي هو كمان عليا بفلوسه ونفوذه. آسر الصدمة لجمته، عينيه وسعت ومبقاش قادر ينطق، صرخ فيه بذهول: —إيه؟! دينا كمان معاهم؟! وإيه اللي يجبر دينا وأسامة وعاصم إنهم يمشوا ورا واحد مختل زيك ويجروا ورا حبل المشنقة؟! ياسين ابتسم بسخرية وقال ببرود:
—بسيطة خالص.. دينا كانت متورطة في كذا قضية رشوة وتزوير قديمة، وكانت خلاص قريبة من حبل المشنقة وهتتكشف.. أنا لقطت الخيط ده وهددتها إنها لازم تبقى معايا وتسمع الكلام، وإلا هرميها بنفسي للنار وأقدم ورقها للمحكمة.. في الأول رفضت وخافت، لكن ضغطت عليها وابتزتها بكل الطرق، فاضطرت توافق تحت الضغط ده ومسحت لها الماضي بتاعها كله وبقت خاتم في صباعي.. أما بالنسبة لأسامة فده صاحبي زي ما قولتلك، هددته بإني همسح عيلته من على وش
الأرض لويت دراعه وحطيته تحت ضرسي، وورطته في كذا قضية قذرة من دماغي وبقى مجبر ينفذ كل اللي بطلبه منه.. كل التظبيط ده أخد مني ست شهور، عشان كدا كملت أول ٣ سنين من تخطيطي زي ما قولتلك.. واتبقى ليا ٣ سنين تانيين عشان أنفذ فيهم الانتقام، وكانت الخطة ماشية بالمسطرة.
قال آسر بصدمة من التفكير الجهنمي ده وعروقه بتغلي: —طب وعاصم؟ عاصم دخل اللعبة دي إزاي؟ ياسين رد ببرود:
—عاصم ده بقى اللي كان ناقصني في فريقي.. لأني كنت محتاج حد يغطي عليا بفلوسه الكتيرة ويهربني لو زنقت.. عرفت قبل ما أنفذ اللي في دماغي بشهر واحد إن عاصم ده مجرم كبير ونصاب وحرامي، وعليه كذا قضية تزوير وتهريب وتستر على مجرمين، والشرطة قالبة الدنيا عليه وعايزة تقبض عليه.. استغليت ده وروحت كلمته، وقولت له هغطي عليك بطريقتي ومنصبي وبلاغاتي، بس تمشي معايا في الطريق ده وتنفذ اللي هطلبه منك.. وطبعاً هو ما صدق إن فيه واحد تقيل بيحميه فوافق فوراً ومن غير تردد.
آسر كان باصص له بصدمة وكسرة مش قادرة عقله يستوعبها، دموعه كانت بتنزل بغزارة وقهر وهو حاسس إنه في كابوس مرعب ومش عارف يفوق منه.. معقولة صاحبه وأخوه يطلع بالشيطان ده؟! محسش بنفسه ومن كتر الغل والحرقة اللي في قلبه، اتنفض من على الكرسي وهجم على ياسين وبدأ يضربه بعنف وعمى بكل قوته وهو بيصرخ فيه بجنون! ……..
ياسين كان بيلقط نفسه بالعافية والدم نازل من وشه، وآسر تف عليه بقمة القرف والاشمئزاز، ورجع قعد على الكرسي وهو بيجز على سنانه، وقال وعيونه بتطلع شرار: —قولي بقى.. انطق واخلص، إزاي نفذت الجرايم دي كلها واحدة واحدة؟ تنهد ياسين بتعب وضحك ضحكة صفرا مستفزة، وسند راسه لورا وقال:
—قبل الجرايم دي، عايز أقولك على حاجة ذكية كنت بعملها بطريقتي وأسلوبي.. أنا كنت بخفي دايماً إن الـ ١٦ بنت دول أصحاب نور ، ومفيش أي رابط ظاهر بينهم في الدفاتر عشان محدش يشك فيا ولا يربط الخيوط.. وقبل ما أنفذ الجريمة بشهرين، وأنا وبخطط لكل واحدة من صاحباتها الـ ١٦، ظهرت واحدة رقم ١٧.. تعرف مين دي؟ ضيق آسر عينه بغضب وقرف وقال: —مين يا مريض؟ رد ياسين بنبرة هادية ومريضة: —دي نرمين.. اللي كانت مراتي بقا!
بصراحة خطفتني من أول نظرة وعجبتني أوي. قاطعه آسر بعصبية وصوت جهوري هز الأوضة: —هو أنت أي حاجة آخرها تاء مربوطة بتعجب بيها وتلطش فيها؟! اخلص وانطق! ضحك ياسين بسخرية وكمل: —المهم اسمع.. أنا استبعدتها من الخطة في الأول لأنها يا عيني كانت يتيمة ملهاش حد خالص، وبصراحة هي الوحيدة اللي موّزتش نور عليا خالص وكانت في حالها.. اتجوزتها، بس كنا كل يوم في خناق ومشاكل مع بعض، ومع كدا مكنتش عايز اسيبها او اطلقها ،…. تعرف ليه؟
بص له آسر بغل وعروق رقبتها بارزة وقال: —ليه؟ ياسين رد بكبرياء مريض وجنون: —عشان محدش يسيبني أنا.. أنا اللي أسيب براحتي، لكن حد يقرر يمشي من حياتي؟ لأ! نظر له آسر بغل من كمية المرض النفسي اللي متملك منه وقال: —طب قتلتها ليه طالما مكانتش في الخطة؟ ليه؟! ياسين عينه ضلمت وقال: —عشان في يوم طلبت مني الطلاق، وساعتها كنا الصبح.. لمحت في عينيها إنها بايعة ومش عايزاني، ومتحملتش الفكرة أبداً إن حد يرفضني أو يسيبني!
في ساعتها كلمت دينا وعاصم وأسامة، وقولتلهم إني لازم أنفذ الخطة فورا عشان أضرب عصفورين بحجر واحد؛ أفش غلي فيها، وأبعد عني الشبهة تماماً ونقفل الليلة. سأله آسر بنبرة تقطر قرفاً وذهول: —ونفذتها إزاي يا ممثل يا قذر وأنت كنت واقف في وسطنا بتبكي بدل الدموع دم، والكل كان بيواسيك؟! ياسين ابتسم بمكر وقال: —خليت حد من رجالتنا يكلم مراد في المكتب ويقوله إنه القاتل والسر كله في حلق نور اللي حطيته في شقة سلمى من الاول…. آسر
قاطعه وفهم اللعبة: —لحظة.. ليه حطيت حلق نور من الأول؟ ياسين رد بضحكة خبيثة: —عشان ألعب معاكم شوية وادوخكم أكتر وأتسلى مكانش في دماغي وقتها اصلا اني اقتل نرمين…. المهم، طبعاً لما مراد قالي كدا، أنا اتعصبت بقى وعملت نفسي محروق ودمي بيغلي، قعدت أقرا ملف نور كذا مرة قدامكم وأنا أصلاً عارفه، وعملت نفسي مش لاقي حاجة من الملف المزور اللي قدامي وكنت بضحك على غبائكم..
ولما حطيت فردة الحلق التانية في دولاب مريم بخباثة… استنى انا مش فاكر انا اللى حطتيها و لا حد من العساكر .. هههه المهم… إني استنيت على كل ده ايام من ساعة ما طلبت الطلاق مني ، بس هي زودت الجرعة عشان كانت كل يوم بتطلب الطلاق مني … المهم ، مريم جات جري هي وأخوها وجابوها ليا بغباءهم.. عملت نفسي مصدوم ومذهول، وطب وإزاي؟ ومنين؟
والكلام ده.. استغليت اللقطة دي وروحت لأسامة في المعمل، وعشان كان فيه رجالة كتير واقفين في المعمل غيره وم ينفعش أتكلم، هو فهم بنظرة عين مني أنا عايز إيه.. طابق الحلق بفردة الحلق الأولى وقال بتمثيل متقن قدام العساكر: “عندك حق يا فندم، نفس فردة الحلق بالمللي.. بس أنا محتاج ملف المعاينة الأصلي” .. روحت أنا قايل له بتمثيل برضه: “ده في شقتي استنى وأنا هروح جرى أجيبه”
.. ووقتها أصلاً أنا كنت قاتل مراتي في الشقة بعد ما كلمتني الصبح وقهرتني.. نزلت وروحت الشقة عشان أدخل وأعمل نفسي انصدمت وأبكي وأعيط وألم الناس عليا.. وعلي فكرة، الدموع دي مكانتش تمثيل ، لأ.. كانت بجد لأني للحظة ندمت إني قتلت نرمين، بس ثواني ورجع وشي الحقيقي تاني.. وعملت نفسي شريف وبموت من الحزن وقولت محدش يشرح جثتها أو يقرب منها إكراماً ليها، عشان أبان زي ما قولتلك ضحية ومحدش يشك فيا أبداً.. وكدا بوم!
خلصت على أصحابها كلهم اللي هما كان عددهم ١٧ بالتمام والكمال! آسر في اللحظة دي كان بيغلي حرفياً، وصوت أنفاسه كان عالي وزي البركان اللي خلاص هينفجر ويفترس ياسين في مكانه من كتر القذارة والغدر اللي بيسمعه! ……………كملوا بتركيز……… قال آسر بصوت يرتعش من فرط الذهول: —كدا قبل نور كانوا ١٦.. ونور الضحية الـ ١٧، خلصت عليها إزاي؟ انطق! هنا نبرة ياسين تغيرت تماماً، وظهرت في عينيه لمحة حزن مريضة وهو بينفخ بضيق وقال:
—أبداً.. انا جمعت الشلة، وكانت يومها في فندق، الجريمة دي حصلت قبل ٦ شهور من دلوقتي.. انصدمت أول ما لاقتني قدامها، وبصيت في عيونها قوي، كانت نظرتي ليها مرعبة منكرش! وحشتني أوي.. بس قتلتها ودبـ.ـحتها بكل دم بارد وهي كانت بتطلع في الروح في حضني.. وبصراحة بكيت أوي أوي عليها.. واستلم المحقق التالت قضيتها لمدة شهر وفضل يدور بس استقال ، وأنا بقى بعدها استلمت القضية عشان أمسكها أنا وأمثل براحتي من غير ما حد يصدعني.
قال له آسر بنبرة تقطر قرفاً: —طيب كدا خلصت عليها وفشيت غلك.. ليه قتلت الـ ١٨ والـ ١٩ والعشرين اللي هي سلمى؟! رد ياسين ببرود مستفز: —أبداً.. كنت بحاول أزود الجرايم وأتسلى، عشان أبان يا عيني مقهور ومش قادر، وماسك في القضية بإيدي وسناني عشان أبعد الشبهة عني تماماً وألغبط الناس كلها.. وكنت بختار البنات اللي ملهومش ضهر ولا سند زي سلمى كدا عشان محدش يقلب الدنيا وراهم. تعجب آسر من بشاعة تفكيره الشيطاني، وقال له بعصبية:
—طيب ومريم ذنبها إيه هي وأخوها؟ عملوا لك إيه عشان تدمرهم؟! تنهد ياسين، وملامحه اتقلبت لشر وجنون بيأكد إنه مختل رسمي، وقال: —وأنا بدور على سلمى وبدرس تحرياتها كويس عشان أنفذ خطتي وأقتلها بعيداً عن صاحب العمارة —اللي أنا قبضت عليه بعد كدا وعملت نفسي بحقق معاه وأنا أصلاً دخلت لسلّمي وقتلتها بعد ما خليت حد من رجالتي يتوهه ويشغله عشان يفضى ليا الطريق
—المهم.. وأنا بنبش حوالين سلمى عرفت إن ليها صاحبة واحدة بس هي مأمنالها جامد، واسمها مريم، كانت بتجيلها وملازماها حرفياً.. لمعت عيوني واستغليت الفكرة، وقررت ألبسها هي القضية وألعب بعيلتها كلها! سأله آسر بحيرة: —وليه سيبتها وطلعتها براءة بعد ما لفقت لها التهمة وكلبشتها؟ ياسين لوى بوزه وقال بسخرية: —يوه! ما تركز معايا يا آسر.. أُعجبت بيها ….. بس تمام، حصل خير ههه.. وعشان كدا طلعتها براءة في الأول. نظر له آسر بغضب
كفيل يحرق المكان وقال: —كمل.. إزاي لعبت بعيلتها؟ ياسين كمل بنبرة فخر مريضة: —تمام.. لفقت لـ كريم التهمة من الأول عشان ده دكتور، والتقارير اللي زورتها كانت بتقول إن القاتل دكتور وعنده خلفية طبية، وهو لا كان دكتور تشريح ولا نيلة!
المهم.. انسحبت دقيقة واحدة من المديرية وحطيت الحلق بنفسي في دولاب مريم لما كان أخوها وأمها قاعدين عند مراد في المكتب برة وبيموتوا من الرعب و عايزين يعرفوا بنتهم عملت إيه ، و ده لاسباب اني اقتل مراتي و البس عيلتها التهمة و اقتل أمها في نفس الوقت …. فهمت كدا …….. ولما أخدت إفراج وروحوا البيت واكتشفوا الحلق وجروا عليا وسابوا أمهم لوحدها.. هنا أنا استغليت الفرصة
وقولت لمراد: “استنى خد اعترافاتهم وأنا هعمل حاجة برا المديرية وجاي” .. وروحت قتلت أمهم بإيدي! برضه لنفس السبب.. عشان أغطي على نفسي وأبعد كل الشكوك وأخلي الحكومة تلف حوالين نفسها، وعملت طريقة قتل تانية خالص عشان أشتتكم.. كل ده حصل في نفس الأسبوع اللي اتقتلت فيه سلمى، يعني ضحايا راحت كتير ورا بعض، وأنا بعترف إني كنت غبي وقتها إني طلعت برا المسار ووسعت الليلة. اتعصب آسر وضرب الترابيزة بإيده وصاح فيه:
—وليه بقى قتلت أسامة ودينا؟! ولحظة.. الكاميرا اللي أنا شوفتها في مكتبك دي كانت إيه؟! ياسين كح وقال وهو بيبلع ريقه بصعوبة: —هقولك.. قتلت أسامة بسببك أنت! لما جيتلي تعزيني من الصعيد أنا خوفت منك جداً.. تعرف ليه؟
لأنك ثعلب وذكي.. ووقتها وريتني الصورة اللي كان فيها أسامة، اتعصبت وقتها من نفسي ومن غبائه.. وأنت كنت قاعد تتحايل عليا إني أمشي وأرتاح بعد موت مراتي، عملت نفسي مُصر على الشغل عشان أبعد الشبهة، بس بعد كدا وافقت زي ما حصل قدامك، وروحت القبو وقتلته فوراً بعد ما مراد كشفه في المعاينة.. أما الكاميرا، فكانت بتسجل كل حاجة وأنت بتقرأ الملفات على مكتبي عشان أعرف أنت بتفكر في إيه وواصل لفين بالظبط! قال آسر بقرف واشمئزاز:
—يعني مراد وسليم ملهومش ذنب في كل ده؟ رد ياسين:
—لأ للاسف ملهومش ذنب وحبايبي.. وخليت حد من العساكر بتوعي يحط السكينة دي في مكتب سليم عشان التهمة الهبلة دي تلبسه ويبان هو القاتل.. لأنك عبقري وثعلب بجد وكان لازم أشغِلك في صحابي.. أما بالنسبة للكاميرا، فدي أنا زرعتها قبل ما أنت تيجي المكتب بساعة واحدة، وأنا قاعد بتمسخر وبتحسر على مراتي.. عشان عارف إنك ناصح وهتعرف تجيبها بعينك وتشك في اللي حواليك وتبعد الشبهة عني.. بص، أي جريمة عملتها من بعد نور كان هدفها الوحيد إني أبعد الشبهة عني تماماً.. وحكاية الكاميرا دي لففتك حوالين نفسك وخلتك تشك في مراد وسليم وتضيع وقت.
آسر مكانش مصدق التفكير الشيطاني والمتاهة المرعبة اللي عاشوا فيها بسبب مريض، وسأله وهو مخنوق: —ليه وصلت لـ ٢٥ ضحية؟ وكنت عايز تقتل نفسك في الآخر ليه؟ صرخ ياسين بجنون وعينيه برقت: —لأن نور ماتت وهي عندها ٢٥ سنة!! كان لازم أتمم الـ ٢٥ بيا أنا عشان أقفل اللعبة باسمها! بس للأسف أنت كشفتني يا آسر وبوظت القفلة! قال آسر وعينه بتدمع من كتر القهر والغدر: —يعني كلهم ناس بريئة؟
مريم وكريم ومراد وسليم وأم مريم.. كلهم ملهمش ذنب؟! ضحك ياسين ضحكة هيستيرية مستفزة وقال: —أيوا هههه.. أيوا كلهم برئيين! آسر مابقاش قادر يتحمل الكم ده من البشاعة والمرض، اتنفض من مكانه وهجم عليه وضربه ببوكس قوي في وشه، وزعق فيه: —عندك حاجة تانية تقولها يا كلـ.ـب؟! ياسين تف دم وضحك بشر وهو غايب عن الوعي تقريباً وقال: —أيوا.. —إيه؟! قال ياسين بانتصار مريض: —أنا من قتـ.ـلهم ….هههه.
آسر من كتر الغل والحرقة، ضربه ببوكس تاني أقوى بكل عزم وإحباط، لدرجة إن ياسين نزف من راسه ووشه غرق في الدم، وراسه مالت لورا وفقد الوعي تماماً وسكت! ………….. مرت الأيام والأسابيع ورا بعض، والأحداث بدأت تجري وتتسارع زي الطلقة..
تم إحالة أوراق ياسين للنيابة العامة وسط حراسة مشددة ممرتش على المديرية قبل كدا، وفي نفس الوقت، رجال المباحث نجحوا في كبس كمين على “عاصم” وهو بيحاول يهرب برا البلد، واتقبض عليه في ليلة سودة.. القضية دي لما طلعت للإعلام كانت مصيبة سودة هزت مصر كلها، الرأي العام مكانش بيتكلم غير عن “السفاح”. النيابة أمرت باستخراج بعض الجثث القديمة، وتحت إشراف الدكتورة “ياسمين” —اللي استلمت المشرحة بعد كشف حقيقة دينا
—تم إعادة التشريح ومطابقة الأدلة بالمسطرة، وكلام ياسين كله ثبت في التقارير إنه هو القاتل الفعلي.. نزلوا فتشوا كل الأحراز، وداهموا الشقق والقبو السري، ولقوا كل كلامه مظبوط بالمللي.. الخطة الشيطانة اتقفلت ووقعت في إيد العدالة.
وفي وسط المعمعة دي.. مراد وسليم انصدموا صدمة عمرهم الشديدة، صدمة كسرت ضهرهم.. الاتنين وقفوا في أوضة الحجز بيبصوا لياسين، ودموعهم نازلة بغزارة، مش مصدقين إن ده صاحبهم اللي كانوا بيأمنوه على أرواحهم.. مراد كان هيتجنن، بيمسك جبهته ويصرخ بوجع، وياسين؟ ياسين كان واقف قدامهم بكل برود، عينه مفيهاش نقطة دم ولا ندم، بيبص لدموعهم بابتسامة باهتة ومستفزة كأنه بيتفرج على فيلم!
على الناحية التانية في المستشفى.. كريم فاق أخيرًا وعدى مرحلة الخطر وبقى زي الفل.. بس أول ما عرف الحقيقة كاملة، الغضب عمى عينه تماماً، وعروقه برزت وكان ه يتجنن من فكرة إن القاتل كان وسطيهم وبيمثل دور الحامي.. اتنفض من سريره وهو بيزعق وكان عايز يقوم يروح يقتله بإيده ويشرب من دمه! بس آسر مسكه بكل قوته وثبته في السرير وقال له بنبرة حازمة ومليانة وعيد:
—قسماً بالله وقت إعدامه هتفش غلك كله.. اصبر يا كريم، القانون هيجيب حق أمك وصاحبة أختك، اصبر! أومأ كريم براسه بقلة حيلة وقهر وهو بيتنفس بصعوبة.. وجنبه مريم كانت واقفة دموعها مش بتوقف، في حالة صدمة وذهول تام.. دماغها مش قادرة تجمع؛ إزاي البني آدم ده يطلع هو اللي قتل أمها الغلبانة؟ وهو اللي د.بح صاحبة عمرها سلمى؟ وهو نفسه اللي كان واقف يواسيها ويدافع عنها وفي ضهرها وهو اللي كان هيموت أخوها؟!
الكل كان عايش في بركان من المشاعر.. الحقيقة ظهرت، بس سابت وراها قلوب مكسورة ومطحونة. ………. بعد ٦ شهور من الحادثة دي.. الأحوال اتغيرت والدنيا دارت دارتها؛ آسر اترقى و اتجوز مريم بعد ما أعجب بيها وبقوتها في وسط المحنة وحبها من كل قلبه، ووعدها إنه هيبني معاها حياة جديدة وينسيها كل اللي شافته، والنهاردة تحديداً.. كان يوم تنفيذ الحكم، اتحكم على ياسين بالإعدام شنقاً، وفي ليلته الأخيرة بالزنزانة، في العتمة والانعزال،
وقف يكلم نفسه ويكتب السطور الأخيرة و قال: —الدنيا ضلمت فجأة.. ضلمت لآخر مرة.. قتلتهم.. قتلتهم بإيديا أنا.. أنا؟!! إزاي.. إزاي كنت بعمل كدا؟ القلم بيترعش في إيدي، الحروف بتجري مني وأنا بكتب السطور الأخيرة دي من زنزانة الإعدام.. جسمي كله بيرتجف، تلاجة الموت اللي جوايا طفحت على برا، ومستني الكلمة الأخيرة.. مستني حبل المشنقة ينهي الكابوس ده.
هنا.. وفي اللحظة دي.. ينفع أقولها وأنا بكامل وعيي المريض.. أنا.. أنا من قتلهم! أنا اللي دبحـ.ـت الـ ٢٤ ضحية على مدار تلات سنين كاملين! بإيديا الاتنين دول.. الإيد اليمين والإيد الشمال! يااااه.. افتكرت لما قولت لـ دينا إن القاتل عامل تنظيم.. مكانش فيه تنظيم، ولا كان فيه اتنين.. أنا التنظيم وأنا القاتل وأنا المحقق اللي بيجري ورا ضله! إزاي عيشت السيكوباتية دي؟ إزاي عيشت في المرض النفسي القذر ده؟
كنت بنام محقق وأصحى سفاح؟ (هنا ياسين بدأ يضحك بـهيستيريا.. ضحكة مكتومة مرعبة، وفجأة الضحكة اتقلبت لشهقات بكاء ودموع حارقة نزلت غسلت وشه) انتهت اللعبة.. اللعبة القذرة اللي كنت بلعبها مع نفسي.. انتهت وأنا مدرك حجم إجرامي وقذارتي. النهارده.. واقف على منصة الإعدام.. المنظر مرعب، السكون قاتل، مفيش غير صوت دقات قلبي اللي بتدب في ودني زي الطبول. وبصيت قدامي.. لمحتهم.
“مراد”.. النقيب اللي كان بيضحك ويهزر معايا في مسارح الجريمة.. واقف بيبصلي بصدمة شديدة، عينيه حمرا، الدموع مغرقاها ومش مصدق إن مثله الأعلى طلع الشيطان اللي بندور عليه، وسليم جمبه بنفس الحال وشه أصفر وكاتم دموعه بالعافية. وأما “آسر” صاحبي وعشرة عمري.. كان باصصلي بجمود شديد، قسوة في عيونه تخليني أتمنى الأرض تنشق وتبلعني قبل ما الحبل يلمسني.
حسيت بالحبل البارد اللعين وهو بيلتف حوالين رقبتي.. الملمس ده لوحده خلاني أشوف العذاب اللي مستنيني برا الدنيا.. شوفته بالمللي. وعرفت قد إيه أنا ظالم.. قد إيه أنا مجرم وسيكوباتي.. قد إيه أنا وَحش ميسواش يعيش ثانية واحدة زيادة! نطقت الشهادة بصوت مخنوق ومرعوب: —أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدًا رسول الله.. بس.. بس يا رب، الله أعلم الـ ٢٤ ضحية دول هيسامحوني إزاي؟ إزاي هقف قصاد ربنا؟
وفي القبر هتحاسب إزاي ودموع باقي الضحايا هيطاردوني؟ هستحمل العذاب ده إزاي ليوم الدين وأنا قتلت نفس بغير حق؟ نفس إيه.. يا ريتهم كانوا نفس واحدة.. دول ٢٤ نفس! ٢٤ روح بريئة طفيتها بإيديا! أنا حاسس إني بتحرق.. روحي بتتحرق من الندم قبل ما نار جهنم تلمس جسمي.. بس.. بس ربنا رحيم بيا، يا رب أنا بعترف بذنبي وبقرفي.. سامحني.. ماليش ملجأ غيرك.
لفيت راسي بعجز، وبصيت لآسر ومراد وسليم عشان أقول كلمتي الأخيرة.. الكلمة اللي طالعة من حشرجة الموت.. قولتلهم بنبرة مكسورة وميتة: —سامحوني… مراد انهار.. دارى وشه الناحية التانية وبكى بشدة وهستيريا وصوته طلع بالشهقات وهو مش قادر يشوف مشهد موتي هو وسليم، أما آسر ففضل باصصلي بنفس القسوة والجمود.. قسوة مستحقة. كرسي العشماوي اتقلب.. تكة.. ورا اتنين.. ورا تلاتة من ضربات قلبي..
الطبلية فتحت تحت رجلي، الهوا اتقطع، وجسمي اتنفض في الفراغ.. انتهى كل شيء.. وانتهت حياتي! وهنا.. وسط العتمة الأبدية.. أقدر أقول الكلمة الأخيرة: —أنا من قتـ.ـلهم.. وأنا … وأنا من مات معهم! تـمـت ………..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!