مراد أول ما سمع نبرة الصوت دي، ركبه سابت في مكانها وعينيه جحظت من الصدمة.. ده صوت القــ.ـاتل بنفسه! القــ.ـاتل بيتصل على تليفون المكتب! هي وصلت الجرأة لكدا؟!
بس مراد في ثانية دمه فار والظابط اللي جواه صحي، فزعق في السماعة بكل غل وعصبية وهو بينط من على الكرسي:
— لا يا ر.وح مامي! مش ياسين يا ### ! أنا النقيب مراد يا نونة ! أنطق يالا أنت فين؟! والله ما هسيبك، وهجيبك من قفاك وهخليك تتمنى المــ.ـوت ومطلهوش يا مجــ.ـرم يا مخــ.ـتل يا سفــ.ـاح! انطق أنت فين؟!
القاتل على الناحية التانية متهزش ولا خاف، بل بالعكس.. انفجر في ضحكة باردة، مستفزة، وهادية جداً كأنه بيلعب مع عيل صغير:
— هههه.. تمام، تمام.. اِهدى بس على نفسك يا سيادة النقيب عشان صحتك.. بص بقا، اسمعني كويس و وصل الكلام ده بالنص لـ “سوسو” حبيبك.. قوله إني حبيت أساعده المرة دي وأقصر عليه الطريق.. وقوله إن السر كله مستخبي في ملف الضــ.ـحية رقم 17 “نور”.. اللي أنا سيبت الحلق الدهب بتاعها في شقة سلمى هناك.. هههه.
مراد كان بيسمع وهو بيضغط على السماعة بغل لدرجة إن إيده ابيضت، والقـ.ـاتل كمل ببرود أشد:
— صاحبك ياسين ده حبيبي وبحبه في الله والله.. وعشان كدا قررت أساعده وألعب معاه هو بالذات، دوناً عن التلاتة المحققين الفاشلين اللي مسكوا القضية قبله وعجزوا.. مع السلامة يا “مومو”.. وأه، متتعبش نفسك خالص وتدور عليا وتعمل حركات المخابرات دي وتتتبع خط الاتصال، لأنك والله ما هتعرف حاجة، والخط ده خلاص “بح” شريحة وهمية واتحرق في ثانية وأنا بكلمك.. وصاحبك ياسين قريب جدا هيتحرق بسبب عصبيته.. سلام يا قط!
”تك!”.. الخط قطع!
مراد وقف في نص المكتب زي المجنون، وشّه احمر وعروق جبهته برزت وسماعة التليفون في إيده، وزعق بأعلى صوته في الأوضة الفاضية:
— يا ابن الـ…! قفل في وشي! والله ما هسيبك يا مــ.ـجرم يا مـ.ـختل!
رمى السماعة على المكتب بعنـ.ـف وقال بزعيق وهستيريا:
— يا عسكري! أنت يا زفت!
الباب اتفتح ودخل العسكري بسرعة وهو مخضوض وضارب تعظيم سلام:
— تمام يا فندم! تحت أمرك!
زعق مراد وهو بيشاور على التليفون وعينيه بتطق شرار:
— الخط ده حالا ً ت للمساعدات الفنية والمباحث تتقلب عليه! لازم يعرفوا مكان الأبراج فورا سامع ولا لأ؟! اخلص غوووور!
العسكري اتنفض وقال برعب:
— علم وينفذ يا فندم!
أخد العسكري بيانات الخط وجري برا الأوضة، الباب اتقفل ومراد رجع راسه لورا وهو بياخد نفسه بصعوبة كأنه كان في خناقة شوارع، وحط إيده على صدره وقال بقرف واشمئزاز:
— وبعدين إيه ده؟ إيه “مومو” دي؟! يعععع! جتك القــ.ـرف في ريحة بطنك! هو فيه مـ.ـجرم محترم يحترم الاجـ.ـرام اللي شغال فيه ويقول لظابط شرطة يا مومو؟! دي قلة أدب والله! بوظت برستيجي الميري الله يحرقك ويحرق اليوم اللي اتخرجت فيه من الكلية! بقى أنا النقيب مراد يتقال لي يا مومو ؟!
بعد ربع ساعة وفي وسط وكسة مراد دي وصدمته من هول المكالمة، الباب اتفتح بهدوء ودخل العسكري تاني بعد ما هديت الدنيا شوية، وضرب تعظيم سلام مهزوز وقال:
— تمام يا فندم.. دكتور كريم ووالدته الست سلوى برا ومستنيين سعادتك.. عيلة المتهمة مريم يعني، نعمل فيهم إيه؟
مراد نفخ بضيق ونفض جاكيته الميري بعصبية وهو لسه على آخره من المكالمة والدم بيفور في عروقه، وبص للعسكري وقال بغيظ ونفاذ صبر:
— دخلهم.. دخلهم اخلص عقبال ما الزفـ… أحم.. اقصد عقبال ما سيادة الرائد ياسين ييجي من الخناقة والمجـ.ـزرة اللي تحت في الحجز ويسود عيشتنا كلنا! دخلهم ربنا يولع فيكم وفي اليوم اللي شوفتكم فيه كلكم!
دخل كريم ودخلت سلوى، وأول ما خطت عتبة المكتب، سلوى بدأت تلطم وقالت بنبرة عياط مضحكة:
— يا سعادة الباشا والله بنتي غلبانة.. يا خراب بيتك يا سلوى يا بنت أم سلوى! والله هي هبلة متعرفش حاجة
وغشيمة …. أحمد أبو غشيمة…..هيهيهي….حلوة والله!
بص لها مراد بملل واشمئزاز وهو حاسس إنه عايز يرجع من كمية التفاهة واللطم اللي شافه النهاردة، وظبط لياقة جاكيته وقال بنفاذ صبر:
— اِترزعوا يا بهوات.. اترزعوا اخلصوا!
كريم قعد وبص لمراد بقلق وقال:
— خير يا سيادة الرائد ياسين؟ في إيه بالظبط؟
بص له مراد ولوى بوزه وقال بحسرة:
— يسمع من بوقك ربنا يا بعيد! لا يا حبيبي، أنا النقيب مراد.. وياسين بيتـ.ـقتل تحت، أقصد بيسلك الناس اللي في الحجز تحت و بيديهم علـ.ـقة سخنة .. سيبك منه دلوقتي وخليك معايا.
رفع كريم حاجبه ونظر لأمه بطرف عينه بمعنى: “هو ده ظابط بجد؟! ولا إحنا دخلنا مستشفى المجا.نين؟!”
نظرت سلوى لمراد وقالت بلهفة وخوف:
— طب احكي لي يا باشا، إزاي البت دي تبقى متــ.ـهمة في قضية قتــ.ـل؟! دي بتخاف من خيالها!
أخد مراد نفس طويل وحكى لهم كل حاجة بالتفصيل؛ من أول اعتراف الحج موسى صاحب العمارة ، لحد اعترافات مريم الغبية والذكية في نفس الوقت، وإنها راحت لشقة سلمى بعد ما اتقتـ.ـلت بيومين كاملين، وده اللي خلاها مشتبه فيها رسمي وقيد التحقيق.
لطمت سلوى وصوّتت:
— يا خرابي يا بتي! والله يا باشا كانت قايلة لي إنها رايحة لصاحبتها عشان الفلوس والجمعية مش عشان حاجة تانية.. طيب لما أشوفها بس، هشدها من شعرها وأخليها عبرة!
بص لها مراد بملل رهيب، وبعدين دار بكرسي ياسين اللى قعد عليه وبص لكريم بذكاء وفحص وقال:
— قولي بقى يا محترم.. أنت كنت فين لما اختك راحت لها ؟ واشمعنى مظهرتش انت غير دلوقتي؟
كريم رد بثبات وإرهاق:
— كنت في المستشفى يا فندم بشتغل، وعندي نبطشيات وعمليات، ورجعت البيت لقيت المصيبة دي مستنياني على الباب وعساكركم بيبهدلوا الدنيا!
بدأ مراد يفحصه بنظراته بذكاء، وسأله شوية أسئلة روتينية وتحقيقية عن حركته وساعات عمله، وفي وسط الأسئلة دي، رمى سؤال خبيث وسأله:
— طيب، تعرف الطبيبة الشرعية دينا؟
كريم ملامحه اتمطت بدهشة وقال بتلقائية:
— آه طبعًا يا فندم، زميلتي في القصر العيني، وهي اللي ماسكة تشر.يح جثـ.ـث القضايا دي أصلاً وعارفها كويس.. خير؟ هي ليها علاقة بالموضوع؟
نظر له مراد بشك وضيق عينيه وقال بريبة:
— تمام.. تمام، ماشي..
وقف مراد وقال بنبرة حاسمة تنهي المقابلة:
— على العموم.. مش هتشوفوا وش بنتكم دي ولا هتلَمحوها لحد ما يأذن ياسين باشا، لأن هو اللي ماسك القضية دي دلوقتي و رقابنا كلنا في إيده.. اتفضلوا بقى برا عشان تعملوا الإجراءات، وتغوروا في ستين مصيبة تاخدكم كلكم.. يلا!
……………
في ناحية تانية اسود من الناحية اللي فاتت ، مريم كانت قاعدة في زاوية الحجز، لمّة رجليها و ساندة بوشها عليها ، والدموع مغرقة وشها وهي بتولول وتندب بصوت مبحوح:
— سلمى.. سلمى يا لهوي! سلمى وحشتيني يا جامــ.ـوسة.. آااااه يا اختي ياللي روحتي مني!
فجأة، قامت واحدة من المساجين، ضخمة وعرض الحيطة، وعينها بتطق شرار، وزعقت فيها بجهارة زلزلت الحجز:
— اخرسي يا بت بدل ما أفعصك في إيديا دي وأعملك كفتة! صدعتي اللي خلفونا!
مريم كشت في ثانية، وبلعت صوتها، واتسحبت على جنب وهي بتترعش وبتبكي في صمت ومن غير ولا نفس من الرعب.
في اللحظة دي، مفتاح الحجز صوته ظهر ، والعسكري فتح الباب . ياسين كان واقف على الباب، هدومه مبهدلة وعرقان وعينيه حمرا شرار، لسه راجع من خناقة الحجز والمــ.ـجزرة اللي تحت حالا، وبص لمريم بنظرة تجمّد الدم في العروق وقال بلهجة حازمة:
— تعالي يا بت.. عايزك! يا عسكري.. خدها اِرميها في أوضة التحقيق فوراً عشان نخلص من الليلة الغبرة دي!
………
جوا أوضة التحقيق، الإضاءة كانت خافتة والجو خانق. مريم قعدت على الكرسي وهي بتبلع ريقها، وياسين قعد قدامها، ساند ايده على المكتب، ومال عليها بنظرة فاحصة، وبدأ يلعب لعبة …الضغط النفسي…. على أصولها.
ياسين كان فاكر إن حركة “الحلق الدهب” اللي القـ.ـاتل سابه في نجفة شقة سلمى مجرد حركة استفزازية بيثبت له بيها إنه نفس القاتـ.ـل، وميعرفش طبعاً إن القاتــ.ـل لسه متصل بمراد ومسرب له إن الحلق ده “سر” يخص الضحية ١٧ “نور”.
ياسين قرر يحط مريم تحت اختبار ذكي ، اختبار يلمس اللاوعي عندها؛ لو نجحت فيه هيرتاح ويطمن إنها بريئة، ولو ارتبكت يبقى هي شريكة القــ.ـاتل.
ياسين فتح درج المكتب ببطء شديد، وطلع علبة قطيفة حمراء، وحطها قدام مريم على المكتب، وقال بنبرة هادية بس تخوف:
— برضو مش هتقولي الحقيقة يا مريم؟
مريم هزت راسها بعياط وقهر:
— والله العظيم ما أعرف حاجة يا سعادة البيه! قولت لك كل اللي حصل بالمللي!
ياسين مد إيده وفتح العلبة ببرود.. كان جواها “فردة حلق دهب” (بس مش بتاع نور، ده حلق رخـ.ـيص صيني ياسين جابه من حرز قضية تانية خالص عشان يثبت بيه الفخ!).
ياسين ضيق عينيه وراقب ملامح وشها و عينها بتتحرك فين، وقال بنبرة ثعبانية:
— طيب.. شوفي كدا الحلق ده؟ ده الحلق بتاع سلمى صاحبتك.. ورجالة المعمل الجنائي لقوه مستخبي تحت السجادة في أوضة نومها.. البصمات اللي عليه بتقول و بتأكد انها نفس بصماتك و إنك أنتِ اللي حطيتيه هناك يا مريم.. تحبي بقى تقوليلي كنتِ بتدوري على إيه في أوضتها بعد ما اتقتــ.ـلت؟
ياسين كان بيلعب على فكرة إن المتهم لو باصص للحاجة بلهفة أو ارتبك، يبقى عارف مكان الحرز الأصلي أو خاف من التهمة ، أو هى لو حاولت تدافع عن نفسها بلهفة أو غيرت الموضوع او عملت اى ردة فعل غريبة يبقى ليها علاقة بالموضوع ده !
مريم بربشت بعينيها، وبصت للحلق الصيني بكل غباء وتلقائية، وفجأة ملامح وشها اتقلبت من الرعب لعلامات استفهام، وقالت بعفوية وهي بتمسح دموعها:
— حلق إيه ده اللي بتاع سلمى يا باشا؟! لا بقولك إيه.. أنت شكل عينك من كتر السهر زغللت يا سيادة الرائد! سلمى الله يرحمها ويسامحها كانت لسه بايعة الحلق بتاعها من أسبوعين عشان تدفع قسط الغسالة ! وبعدين سلمى مكانتش بتلبس الحلق البيــ.ـئة ده اصلا ! دي كانت بتعشق الدهب عيار ٢١ و بتحب الحاجات البسيطة …. و رب الكعبة الحلق ده ما بتاعها، ولا دخل شقتها أصلاً!
ياسين في اللحظة دي، سحب ضهره لورا وسند على الكرسي، وابتسامة خفيفة جداً ظهرت على طرف بقه.. مريم عدت الاختبار بنجاح ساحق. رد فعلها التلقائي، ومعرفتها الدقيقة بتفاصيل حياة صاحبتها، ونفيها الذكي وشرحها لنوع الذهب، أكد له إن البنت دي صفحتها بيضا ومتعرفش أي حاجة عن كواليس الجريمة ولا عن الحلق الحقيقي اللي كان متعلق في النجفة!
بس برضو قرر انه يحطها تحت الملاحظة و عينه عليها !
مريم بصت له بنفاد صبر وقالت:
— هاه.. قولت إيه يا بيه؟ بذمتك وشي ده وش واحدة تــ.ـسرق ولا تقتــ.ـل؟ ده أنا غلبانة والله ووقعت في الفخ!
بص لها ياسين بابتسامة خفيفة مصطنعة و عيونه مليانة تخطيط و ذكاء ، وقال:
— تعالي معايا عشان تغوري في داهية من هنا..
خرجوا من أوضة التحقيق، وأول ما خطوا برا، مريم وقفت فجأة وقالت له:
— لحظة كدا يا فندم.. اقف!
وقف ياسين باستغراب وبص لها بضيق وقال:
— خير؟ في إيه تاني؟!
مريم قربت خطوة وبصت في عيونه جامد وبكل تطفل وفضول قالت:
— رموشك…..
بص لها ياسين ورفع حاجبه باستنكار صدمه، فكملت هي بمنتهى البراءة:
— بتحطلهم إيه يا باشا؟ شكلهم حلو أوي!
ياسين نفخ بضيق يهد جبال وقال وعروق جبهته بتظهر:
— الصبر يا رب.. الصبر من عندك!
ولسه هينفخها ويديها جزاء تطفلها ده، مراد جه عليهم بخطواته السريعة وهو بينهج، وأول ما شاف ياسين قال بلهفة مصطنعة:
— ياسين باشا! أنت لسه عايش؟ الحمد لله إني شفتك سليم.. ده أنا قولت الحجز اتفرتك على نفوخك!
وبعدين التفت وبص لمريم ولوى بوزه وقال:
— أهلاً أهلاً يا عقـ.ـربة يا نحـ.ـس ….. ضلمتي المكان والله! على فكرة أهلك هنا برا، وعايز أقتــ.ـلهم وأشرب من دمهـ.ـم من كتر النكد واللطم اللي شفته منهم ده!
بصت مريم بصدمة وخوف وقالت بلهفة:
— ياسين باشا.. أنا عايزة أشوفهم! أرجوك عايزة أشوفهم وأمشي من هنا!
بص لها ياسين بنفاذ صبر وزعق بصوت مكتوم:
— هتطلعي وتروحي معاهم حالا.. اتكتمي بقى خالص مش عايز أسمع صوتك!
بص مراد لياسين بصدمة وذهول وقال:
— إيه ده يا باشا؟! أنت طلعتها براءة ولا إيه؟ بالسرعة دي؟!
قال ياسين بنبرة عرفها مراد و دي معناها انه بيخطط لحاجة :
— البنت بريئة يا مراد، ومعندهاش أي خلفية عن الجــ.ـريمة، ولازم نسلمها لأهلها ونقفل المحضر ده.
بصت مريم لياسين وعينيها لمعت بالفرحة وقالت بتلقائية :
— الله على جمال أمك! يسلم لسانك الطويل ده يا حضرة الظابط.. والله أنت راجل بتفهم!
بص مراد ليها وشهق بصدمة، وحط إيده على جمبه من كتر الذهول، وسحب الموبايل من جيبه بسرعة وحطه على ودنه وعمل نفسه بيتصل وقال بهستيريا :
— ألو؟! أيوة يا مدام نرمين؟ الحقي جوزك بيخــ.ـونك يا ولية! هيهيهي!
بص له ياسين بحدة وعينيه طقت شرار، وبص للعسكري اللي واقف قريب وزعق:
— خد البت دي ارميها لأهلها برا اخلص.. مش عايز أشوف وشها في المديرية تاني!
سحبها العسكري بسرعة وهي لسه عمالة تتلفت وتشكره بصوت عالي:
— شكراً يا باشا.. يسلم رموشك يا سيادة الرائد! ربنا يخليك لأمك!
بعد ما مشيت، بص ياسين لمراد بنظرة مرعبة ورفع إيده ولسه هيــ.ـضربه على الهزار والاتصال الوهمي ده، مراد رجع لورا بسرعة ورفع إيديه بالاستسلام وقال بجدية مفاجئة ورعب حقيقي ظهر في عيونه:
— خلاص يا باشا.. هزرنا وضحكنا.. بس فيه مصيبة يا باشا حلت على نفوخنا!
ياسين لوح بإيده بملل وقال:
— خير يا زفت؟ ما أنا لسه مخلص أكبر مصيبة تحت في الحجز والدنيا كانت هتولع!
مراد بلع ريقه وصوته اتقلب 180 درجة وقال بجمود:
— لا يا باشا.. المصيبة المرة دي تخص القضية.. القــ.ـاتل اتصل!
ياسين تجمد في مكانه، وبص لمراد بصدمة وبرق عينيه وقال بنبرة هزت الممر:
— إيه؟! اتصل؟! من إمتى وفين؟!
رد مراد وعلامات الفزع على وشه:
— وأنت بتفك الخناقة تحت في الحجز.. التليفون الأرضي بتاع المكتب رن، ولما رفعت السماعة لقيت صوته.. ولازم تسمع بالنص اللى قاله يا ياسين، لأن الكلام خطير وفيه خيط جديد!
بص ياسين يمين وشمال في الممر عشان يضمن إن مفيش عساكر أو حد سامعهم، وقال بنبرة منخفضة وحادة:
— تعالى ورايا على المكتب فوراً!
……….
بعد ساعة كاملة من اللف في المواصلات والنكد، رجعت سلوى ومريم وكريم البيت.. مريم كانت هبطانة، وجسمها كله بيترعش من خضة الحجز و صدمة صاحبتها ، ووشها باهت زي الليمونة. أول ما دخلوا الشقة، مريم مسكتتش، فضلت تعيط وتولول لحد ما أمها سلوى اتعصبت وزقتها جوا أوضتها وقالت لها:
__ خشي اتخمدي بقا يا بت.. يومك كان أغبر وضيعتي برستيجنا في القسم الله يهدك!
دخلت مريم أوضتها، ورزعت الباب وراها.. الأوضة كانت مضلمة وضلمتها كئيبة، الهوا فيها كان ساقع بزيادة .
مريم اتنهدت برعب، وراحت قعدت على السرير وهي بتترعش، ومدت إيدها ببطء وولعت أباجورة الكومودينو الصغيرة.. النور الأصفر الخافت نوّر الأوضة سِنة.. وهنا حست إن فيه حاجة مش طبيعية!
فيه ريحة غريبة في الأوضة.. ريحة برفيوم رجالي غالي جداً وثابت، بس ريحته نفاذة ومختلطة بريحة تراب .. ريحة مش بتاعة كريم أخوها المعــ.ـفن خالص!
مريم بلعت ريقها، ودقات قلبها بدأت تتسارع زي الطبول، عينيها بدأت تلف في الأوضة بخوف.. وبصت على السرير….
على المخدة بتاعتها بالظبط.. كان فيه دبدوب صغير من بتوعها اللي مرصوصين على الرف.. بس الدبدوب مكانش محطوط عادي.. ده كان “مدبــ.ـوح” من عند الرقبة بقَــ.ـطر حاد، والقطن الفايبر الأبيض بتاعه خارج لبرا ومتبهدل على الملاية!
مريم صرخت صرخة مكتومة وحطت إيدها على بوقها والدموع جمدت في عينيها من الرعب.. رجليها مكانتش شايلاها.. قربت خطوة واحدة مرعوبة وهي بتبكي بصوت مكتوم، ولمحت حاجة تانية مستخبية وسط القطن الفايبر اللي طالع من رقبة الدبدوب…..
كانت ورقة صغيرة مطوية، وعليها بقع د.م واضحة لونها أحمر قاني كأنها لسه مكتوبة حالا ومجفتش بالكامل! مريم سحبت الورقة بأطراف صوابعها وهي بتتنفض، فتحتها ولقت مكتوب فيها بخط حاد ومرعب:
”طلعتي براءة؟ تمام أوي.. لفي وراكي كدا!”
مريم في الأجزاء من الثانية دي، الهوا اتسحب من صدرها، وجسمها كله تِلف وجمد في مكانه.. الصدمة شلت حركتها.. الرعب النفسي خلاها تحس إن فيه حد واقف ورا ضهرها ومستنيها تلف.. أنفاسها بقت سريعة ومتقطعة، وودنها بدأت تسمع صوت “تزييق” خفيف جاي من وراها….. هي متعرفش هل فعلا فيه صوت و لا ده من الرعب …..من ناحية ضلفة الدولاب المواربة!
مريم مفيش في عقلها غير فكرة واحدة.. “القاتــ.ـل هنا.. القــ.ـاتل مستنيني في الضلمة!”.
ومن كتر الرعب والطاقة اللي اتجمعت في جسمها فجأة، انفجرت في صرخة رعب مكتومة وهستيرية هزت حيطان الأوضة، صرخة رعب طلعت من قلبها..
وعلى صوت صرختها دي.. البارت الرابع اتقفل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!